أشواق إلى رمضان

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
أشواق إلى رمضان
توفيق الواعي.jpg

بقلم: د. توفيق الواعي

كم تشتاق النفس المؤمنة إلى رمضان لترتاح من هجير الحوادث وسعار الضياع، ولهيب الهزائم وألم الخذلان، فكثيرًا ما يأتي رمضان ومعه عبق الكتاب الكريم، وشذى النصر المبين، روحانية الهدى العظيم، فننتشي ونتعلم ونعيش أجواء النبوة، وعصر الرسالة وأيام الصحب الكريم.

فهل تشتاق معي إلى التنزيل، وهو ينزل سلسلاً من سلسل، وإلى النفحات وهي تداعب الأرواح والأنفاس، وإلى التتلمذ في مدرسته والتزود من تعاليمه وآدابه "الصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابَّه أحد أو شاتمه أو قاتله فليقل: إني صائم.. إني صائم".

وهل تشتاق معي إلى عطاء هذا الشهر العظيم: عن جابر بن عبدالله، أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "أُعطيت أمتي في شهر رمضان خمسًا لم يُعطهن نبي قبلي، أما واحدة، فإنه إذا كان أول ليلة من شهر رمضان نظر الله عزَّ وجل إليهم، ومَن نظر الله إليه لم يعذبه أبدًا، وأما الثانية: فإن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وأما الثالثة: فإن الملائكة تستغفر لهم في كل يوم وليلة، وأما الرابعة: فإن الله عزَّ جل يأمر جنته، فيقول لها: استعدي وتزيني لعبادي، أوشكوا أن يستريحوا من تعب الدنيا إلى دار كرامتي، وأما الخامسة: فإنه إذا كان آخر ليلة غفر الله لهم جميعًا"، فقال رجل من القوم: أهي ليلة القدر؟ فقال: "لا، ألم ترَ إلى العمال يعملون فإذا فرغوا من أعمالهم، وفوا أجورهم".

وكيف لا أشتاق إلى عطاء ربي ونفحات مولاي، وأنا أرى ظلمات غيره، ولعنات سواه؛ حيث يحل رمضان، ويقبل شهر الغفران فيقول البعض: أعطيت أمتي خمس خصال في رمضان لم يُعطها أمة قبلي أولاً: جوع بطونهم لا يجدون أقواتهم، وعطش أفواههم فلا يذوقون ماءهم، تلعنهم الزبانية حين يشكون بؤسهم، ويزينون لهم سجونهم ويقولون: يوشك الصالحون أن يحلوا دار بؤسي وشقوتي، والثانية: تطلق الشياطين، وزوار الفجر، فلا يتركون بيتًا إلا روَّعوه، ولا طفلاً إلا أفزعوه، ولا أموالاً إلا نهبوها.

والثالثة: فإن الزبانية تعاقبهم كل ليلة، فلا تهني لهم بالاً، أو تُريح لهم جسدًا، والرابعة: فإنه وفي كل ليلةٍ من ليالي رمضان تُلفَّق القضايا ويكثر الرواد، يقولون: نوشك أن نستريح من صداع أمتنا".

الخامسة: في آخر ليلةٍ من رمضان تُمنع عنهم الزيارة، ويُحجب عنهم الأهل ويكدرون جميعًا، ويُقال لهم: هذا جزاء وفاق لكل مؤمنٍ شريفٍ صام رمضان إيمانًا واحتسابًا.

كم أشتاق إلى رحمةِ ربي ورضاه!! كما أشتاق إلى البعد عن ظلم العبد وشقاه!! كم أشتاق إلى أن أصوم الشهر قربةً لله، وأُؤدي فيه ما يقربني منه ويجلب لي رضاه، وأتعرض فيه لنفحاته وهداه!!

نعم: كم أشتاق إلى نفع أمتي وعطائها، وأشتاق وأشتاق...

وأقول والأشواق تُلهب مهجتي:

ما أقتل الأشواق للإنسان

أبعدتني يا دهر عنه وربما

فرقت بين الماء والعطشان

دع ما أقول فلو دعاني أمر

لبيته بالسعي حين دعاني

أشتاق إلى دعوةٍ مستجابة، عتق من النار، ونصر مبين، وهذا من خصوصيات رمضان، عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صى الله عليه وسلم: "ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حين يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام وتفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين".

وما أظن أن دعوات المظاليم في رمضان ستخيب ولا تُجاب؟ وما أحسبها إلا ستقصم الظهور يومًا، وعسى أن يكون قريبًا، أو بعد حين، وقد آن لأمتنا أن تنقشع عنها الظلمات، وتنعم بالطيبات، ولكن الله سبحانه يُمحِّص عباده، ويختبر جنده، ولينصرنَّ الله مَن ينصره، ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (آل عمران: من الآية 126).

فليستعن كل مظلوم يريد لدعوته أن تتقبل في رمضان بالقيام والصيام، وليستعن بالقيام بين يدي مولاه، ولا يُضيِّع هذه الأوقات المباركات الطيبات.

وروي عن رسول- صلى الله عليه وسلم- أنه صعد المنبر فلمَّا ارتقى الدرجة الأولى قال: آمين، فلما ارتقى الدرجة الثانية قال: آمين، فلما ارتقى الدرجة الثالثة قال: آمين، فلما نزل، قلنا: يا رسول الله لقد سمعنا منك اليوم شيئًا ما كنا نسمعه، قال: "إن جبريل عرض لي، فقال: بَعُدَ من أدرك رمضان فلم يغفر له قلت: آمين، فلما رقيت الثانية قال: بَعُدَ من ذُكرت عنده فلم يصلِّ عليك فقلت آمين، فلما رقيت الثالثة قال: بَعُدَ من أدرك أبويه الكبر عنده أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة. قلت: آمين".

بَعُدَ مَن أدرك رمضان فلم يُغفر له؛ لأنه ما صام رمضان إلا وهو غير صائم عن المحرمات، "ورب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش".

رُوي عن سليمان بن موسى قال: قال جابر ابن عبدالله: إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع أذى الناس، وليكن عليك الوقار والسكينة يوم صومك.

فهل صامت أمتنا؟ وهل صام سمعها عن الحرام في رمضان أم أنها ادخرت لرمضان الأغاني والألبومات، وأعدت لأبصارها خليع المسلسلات، وهابط التابلوهات، هل امتنعت عن الكذب، وصَدَقَتْ نفسها وربها وأمتها، أم أنها تعيش بخططها وأعمالها وبياناتها وإصلاحاتها، كذبة كبيرة؛ لأنها لا تقدر على شيء، ولا تملك شيئًا من وسائل الإصلاح، فتستجير بالكذب وتتشبث بالإفك والبهتان.

نحن نتشوق إلى عزةٍ تعز الأمة، وعزائم تحرسها، وسواعد تشد نهضتها، وقلوب ترود مسيرتها، ورجال صادقي العهد أولي بأسٍ شديد، يجوسون خلال الديار بالمعروف والعدل والإحسان الرحمة، فهل شوقنا سيطول أم أن غدًا لناظره قريب، والله غالبٌ على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

المصدر

قالب:روابط توفيق الواعى