أخي السلفي..
بقلم : خميس النقيب
أخي السلفي.. الإرادة قبل العبادة، والائتلاف بعد الخلاف
عزيزي السَّلَفي - أينما كنت، وحيثُما وُجِدت - إنِّي أحبُّك في الله، وهذا الحبُّ وحده دفَعني لأكتب هذه الرِّسالة، وهي للشباب المسلم عامَّة، وللإخوة السلفيِّين خاصة.
كلُّ عمل يحتاج إلى إرادة، والإرادة السويَّة تحوِّل العادةَ إلى عبادة، فمثلاً قبل أن تنام هل تريد أن تصلِّي فجر اليوم التالي؟ إذا عزمتَ، وأردتَ ونويت، كان من السَّهل عليك أن تستيقظ، دون منبِّهات أو صَيْحات، أو حتَّى من الماء قَطرات، وهل تَنْزل لأنَّك تعوَّدت النُّزول في هذا الوقت - وقت الفجر - لتقابل زميلك أو صديقك، أو من أجل الخبز فحسب؟ أم هي في المقام الأول عبادة لله تعالى، وحضورٌ مع الملائكة الشهود؟ ﴿ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ﴾ [الإسراء: 78]، وترفُّعٌ عن الدنيا، ورغبة في الآخرة، ((ركعتا الفجر خيرٌ من الدنيا وما فيها))؛ تحقيق الألباني: (صحيح) انظر حديث رقم: 3517 في "صحيح الجامع".
لذلك يقول الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ﴾ [محمد: 17].
وفي باب الإصلاح: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا ﴾ [النساء: 35].
وفي الفتح: ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ [الفتح: 18].
وفي المقابل: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ [الصف: 5].
وإذا انتفَت الإرادة ذهبت العبادة، وحلَّ التَّثبيط والقعود؛ ﴿ وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ ﴾ [التوبة: 46]، بل يكون الحسابُ في الآخرة على التوجُّه والنية، والإرادة في الأساس؛ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنَّما يُبعَث الناس على نيَّاتِهم))؛ قال الشيخ الألباني: صحيح ، والشعب عندما اراد الحياة استجاب القدر... كم تمني الكثيرون ان يسقطوا النظام .. وما سقط لانهم كانوا فرادي ، لكن عندما اجتمعوا واتحدوا اسقوا النظام... و صدق من قال..
تابي الرماح اذا اجتمعن تكسرا
- واذا افترقن تكسرت احادا
ووقف الشعب بكل اطيافة يقول الشعب يريد اسقاط النظام ... سقط النظام بارادتهم بعد ارادة الله ..اذن هي الارادة...!!!
اذا الشعب يوما اراد الحياة
- فلابد ان يستجيب القدر
ولابد لليل ان ينجلي
- ولابد للقيد ان ينكسر
صور مِن اختلاف السَّلَف تُبْرِز أدبَهم - رحمة الله عليهم -: • قال النبيُّ لأصحابه يومَ بنِي قريظة: ((لا يُصلِّيَنَّ أحدٌ العصر إلاَّ في بني قريظة))، فأدركَهم العصرُ في الطريق، فقال قوم: لا نصلِّي إلا في بني قريظة، وفاتَهم العصر، وقال قومٌ: لَم يُرِد منَّا تأخير الصلاة، فصلَّوا في الطريق، "فلم يعب واحدًا من الطائفتين"؛ أخرجاه في "الصحيحين" من حديث ابن عمر.
قال شيخ الإسلام: "وهذا وإن كان في الأحكام فما لَم يكن من الأصول المهمَّة فهو مُلْحَق بالأحكام"[1].
• ابن مسعود وعمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - على كثرة التَّشابُه بين منهجِهما الفقهيِّ؛ أوصل ابنُ القيِّم المسائلَ التي اختلفا فيها إلى مائة مسألة، منها:
ابن مسعود كان يَنهى عن وضع اليدين على الرُّكب في الرُّكوع، ويأمر بالإطباق، وعكسه عمر.
اختلفا في الرَّجل زنا بامرأةٍ، ثم تزوَّجها؛ فيرى ابن مسعود أنَّهما لا زالا يزنيان حتَّى ينفصلا، ويُخالفه عمر[2].
ومع ذلك انظر ثناءَهما على بعضهما: يقول عمرُ عن ابن مسعود: "كُنَيف مُلِئ فقهًا - أو علمًا - آثرتُ به أهلَ القادسية"[3]، ويقول ابن مسعود عن عمر: "كان للإسلام حصنًا حصينًا، يدخل الناس فيه، ولا يخرجون، فلمَّا أصيب عمر انثلم الحصن"[4].
واختلف الصحابةُ - رضوان الله عليهم - في السَّقيفة وفي أَسْرى بدر، وكذلك في رؤية الرَّسولِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - ربَّه ليلةَ المعراج، وفي غيرها من المواقف، اختلفوا في العلم والتَّأويل والفقه، وغيرها من الأبواب، لكن هذا الخلاف كان منضبِطًا بالشرع، لذا كان يَنتهي عندهم إلى وئامٍ وائتلاف، إلى أُلْفة ومحبَّة، إلى أُخوَّة راقية، إلى هِمَّة عالية، إلى عزيمة ماضية، وكذلك الأئمَّة الأربعة، وهناك الهَدْي الظاهري لابن تيميَّة.
وقد سجَّل القرآنُ هذا لِهؤلاء وغيرهم: ﴿ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [الأنفال: 63].
وهناك بابٌ في العلم يسمَّى فقْهَ الخلاف، وكان هذا الخلاف رحمة لِجيل الصَّحابة وجيل التَّابعين، وجيل السلف، وكذلك هو رحمة للخلوف التي بعدهم جيلاً بعد جيل.
إذًا ماذا نريد من الخلاف؟ شقاقًا، أم في النهاية اتِّفاقًا؟ تنافُرًا أم في النهاية تجاذُبًا؟ انقطاعًا، أم في النهاية تواصلاً؟ اختلافًا على طول الطريق، أم في النهاية حبًّا وائتلافًا، تشتُّتًا وتشرذُمًا وتنابُذًا وتراشقًا، أم في النهاية وحدةَ الأمة الواحدة؟!
﴿ إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء: 92].
لِيَكنْ شعارُنا: "الاختلاف في الرأي لا يفسد للودِّ قضيَّة"، ليكن شعارنا: "نتَّفِق فيما اتَّفقنا فيه، ويَعذر بعضُنا البعض فيما اختلفنا فيه".
الثورة المَجيدة (25 يناير) أذابت الجليد الذي صنَعَه المفسدون، وهدمت الشِّقاق الذي نسجه المستبِدُّون، وضيَّقت الفوارق التي زرَعها المنافقون، وهدمت الجدُرَ التي بناها الأَمنيُّون، وهذا من فضل الله وحده.
كلُّ هذه الأمراض عالجتها الثورةُ الأولى؛ ثورةُ محمَّد - صلَّى الله عليه وسلَّم - مؤيَّدًا بوحيِ الله، في الجزيرة العربية قبل ألفٍ وأربعمائة عام، لكن ربَّما جانب البعضَ توفيقٌ في أن يعي هذه الأمورَ، أو ربَّما غفل عنها، حتَّى جاءت الثورة الحديثة المُسالِمةُ المعلِّمة، فنبَّهت الغافلَ، وذكَّرَت الناسي، وأيقظت النَّائم.
لذلك إنْ كان ثَمَّة خلافٌ فيَجب أن تُحوَّل هذه الإرادة إلى الخلاف المُثمر، والحبِّ المستمر، والائتلاف الدائم الذي يَجمع الأُمَّة بكل طوائفها؛ لصدِّ الفساد والاستبداد، ومواجهة الباطل والعناد، بكلِّ صنوفه وأنواعه، فكلٌّ يعمل في المشروع الإسلاميِّ العظيم الذي يسَع الجميع، كلٌّ بفكره وبفقهه وبوسائله، المهم لا يخرج كلُّ ذلك عن ضوابط الشَّرع.
أمَّة الإسلام تتطلَّع إلى البناء، لا الهدم، إلى التَّغافُر لا التنافُر، إلى الوحدة لا الفرقة، إلى مزيدٍ من الإخلاص ومزيد من الفَهم، يجب ألاَّ تُصرَف هذه القوَّة - قوَّة الشباب - إلى خلاف هدَّام، يجب ألاَّ تُوجَّه هذه الإرادة إلى أبواب الحرام، يجب ألاَّ تَصُبَّ هذه المواهب في أهداف "العمِّ سام".
فالشباب المُسلم في غرائزه قوَّة، وفي مبادئه صلاَبة، في مواهبه امتداد، وفي علاقاته وِداد، لا يقوى إلاَّ بدين، ولا يَصلح إلاَّ بنبُوَّة، ولا يرقى إلاَّ بشرائع السماء، إذا نُودي بالإسلام فإنَّه يلبِّي، وإذا نودي بالقرآن فإنه يَسمع، وإذا نودي بالإيمان فإنه يقتحم الأخضر واليابس؛ من أجل إحقاق الحقِّ وإبطال الباطل.
منهج قويم؛ القرآن كلام الله تعالى، وقائدٌ عظيم - صلَّى الله عليه وسلَّم - نتج عنهما جيلٌ فريد؛ الصَّحابة - رضوان الله عليهم جميعًا - لَم تُنجب الأرضُ مثلَه، ولَم تعرف البشرية أفضل منه، أطهر الناس قلوبًا، وأزكاهم نفوسًا، وأطهرهم صدورًا، أقاموا الصَّلاة وأدَّوا الزكاة، حقَّقوا العدل والمساواة، حفظوا الحدود، وصانوا العهود، ما بدَّلوا وما غيَّروا، ولكن كانوا نعم الرجالُ ﴿ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴾ [الأحزاب: 23]، "قضى نَحْبه" بِمَعنى حفظ عهدَه، وأدَّى ما عليه، ووفَّى أمانته، والتزم مبدَأه إلى أن قُتِل في سبيل دينه.
إنَّ الإسلام الذي فتح الدُّنيا، وانتشر في الأرض، وأعزَّ الله به الخلق، وأنار الله به الكون، ساد في وقتٍ قصير، لَم يحتَجْ في انتشاره إلى مدارسَ أو جامعات، أو إلى كتب أو مكتبات، وإنَّما احتاج إلى نَماذج من البشر؛ كلُّ واحد منهم يمثِّل الإسلام أخلاقًا وسلوكًا، التزامًا وأحكامًا، قدوة ومعاملات، إنَّها نَماذج عاشت بالإسلام وللإسلام، قدَّمت مصلحةَ الإسلام على مصلحتها الخاصَّة، اقتدَتْ برسولها الكريم وطبَّقَت منهجه القويم، الذي هو من عند الله.
"إنَّ الدعوة إلى الإسلام تكون بِعَرض ثِماره في الأخلاق والأحوال، أعني ثِمارَه في أتباعه المؤمنين، ويومئذٍ تُرجى الإجابة، ويُرتقَب الاهتداء، لقد دخل معظمُ أهل الأرض في الإسلام تأثُّرًا بأخلاق الدُّعاة المسلمين، دون أن يرَوْا جيشًا، أو يرفع أحدٌ عليهم سيفًا"؛ الأستاذ الغزالي - رحمه الله.
إنَّ الإسلام وحده يَملك كلَّ مقوِّمات الرُّقي والسعادة، السُّمو والرِّيادة، الصُّعود دائمًا إلى القمم والمعالي؛ لأنَّه منهج الله الذي خلَق الإنسان وأبدعه، وشرع له من المبادئ والأخلاق ما يُسعِده ويُصلحه وينفعُه؛ ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ [الملك: 14].
إلى المَجد والمعالي:
والشباب في الإسلام يَمتلكون طاقةً هائلة، ما أحلاها وأجملَها إن طُوِّعت في جنب الله، وعَبَّدَت الطريقَ إلى الله، وعملَتِ ابتغاءَ مرضات الله؛ فإنَّها تسبق إلى كلِّ شرف، وتتسارع إلى كلِّ نافع! وما رأينا في يومٍ من الأيام شابًّا في ريعان شبابه قد حقَّق إنجازاتٍ وقطع في طريق المعالي خطواتٍ إلاَّ وجدناه صاحبَ إرادة عالية، تَجمع ولا تفرِّق، وهمَّة باقية، تبني ولا تَهدم، وعزيمةٍ ماضية تعلو ولا تهبط، نفسه لا تطيق الأرض، بل دومًا تتطلَّع إلى السماء، تتَّجِه نحو المَجد، تُسابق إلى المعالي، وحينما تَجتمع الإرادةُ مع الإيمان، فإنَّها تصنع الاتِّحاد والتفوُّق والإنجاز في الدُّنيا، ثم النعيم في الآخرة - بإذن الله.
ولذلك كان أهم ما يميِّز المؤمن في حياته أنَّه صاحبُ هِمَّة عالية، يسير بها إلى معالي الأمور، ولا يَرضى بالدُّون أبدًا. قَدْ رَشَّحُوكَ لِأَمْرٍ لَوْ فَطِنْتَ لَهُ
فَارْبَأْ بِنَفْسِكَ أَنْ تَرْعَى مَعَ الْهَمَلِ
قال النبِيُّ - صلى الله عليه وسلَّم -: ((أحبُّ الأسماء إلى الله عبدالله وعبدالرحمن، وأصدَقُها حارثٌ وهَمَّام))؛ صحَّحه الألباني في "صحيح سُنن أبي داود" (4950).
من أسرار النجاح والتفوُّق:
لقد بيَّن رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّ أصدق الأسماء حارثٌ وهَمَّام، فالمؤمن يهمُّ بالطاعة، وله همَّة عالية في ذلك، ثم يحرث تلك الهمة العالية بالعمل الصالح.
وقال ابن القيِّم - رحمه الله -: "إنَّ الله - سبحانه وتعالى - لَمَّا اقتضت حكمتُه ورحمته إخراجَ آدم وذريَّتِه من الجنَّة؛ بدَّلَهم أفضل منها، وهو ما أعطاهم من عهده الذي جعلَه سببًا موصِّلاً لهم إليه، وطريقًا موضحًا بيِّن الدلالة عليه، من تَمسَّك به فاز واهتدى، ومن أعرض عنه شَقِي وغوى، ولمَّا كان هذا العهد الكريم والصِّراط المستقيم والنبأ العظيم لا يوصل إليه أبدًا إلاَّ من باب العلم والإرادة، فالإرادة بابُ الوصول، والعلم مفتاح ذلك الباب المتوقِّفِ فتحُه عليه، وكمال كلِّ إنسان إنَّما يتمُّ بِهذين النوعين: همَّة ترقِّيه، وعلم يبصِّره ويهديه"[5].
إنَّ الإرادة مع الإيمانِ الآلةُ التي تُخرج لنا المؤمنَ النَّاجح البارع؛ لأنَّ النجاح والتفوُّق في الحياة، وفي طاعة الله - جلَّ في علاه - يحتاجانِ إلى صبرٍ ومُصابرة، وتعب ومشقَّة، فالنجاح سفَر طويل، لا يقدر على قطعه إلاَّ صاحب الهمَّة العالية؛ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران: 200]
ومن ثَمَّ كانت الهمَّة والإرادة يتطلَّع إليها العباد والزهَّاد، والمجاهدون، والعلماء، والحُكَماء، وإليها شمَّر السابقون من الأنبياء وأصحابِهم، ومَن ساروا على نهجهم، وفيها أنفق المنفقون ومَن وافقهم، فهي زادٌ لقلوب السَّالكين، وغذاءٌ لأرواح المتَّقين، وقرَّةٌ لعيون الموحَّدين العبودية الحقَّة:
إننا - أيها الشباب الغالي - حينما نتأمَّل في قول الله - تبارك وتعالى -: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: 56]، نجد أنَّها سرُّ الوجود، والعبادة يجب أن تكون صافيةً أصفى من الزُّلال، وأبيض من اللَّبَن، وأحلى من العسل، بعيدًا عن أيِّ شوائب.
إنَّها العبودية لله - تبارك وتعالى - فلم يَخلق الله الناسَ عبثًا ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾ [المؤمنون: 115]، وإنَّما خلقَهم لعبادته - جلَّ وعلا - وتوحيدِه وطاعته؛ لذلك سُخِّرت مِن أجْله الكائنات والأفلاكُ، والشمس والدوابُّ، والنُّجوم والقمر، والبحارُ والأنهار، تلك المنظومة الرَّائعة في خلق الله إنَّما كانتْ مِن أجْلِ القيام بحقِّ العبوديَّة لله - تبارك وتعالى.
ومن ثَمَّ كانت تلك المهمَّة العظيمة والغاية الجليلة من الخَلق تَحتاج إلى هِمَّة كالجبال الرواسي، وعزيمةٍ كالأمواج العاتية، وإرادةٍ كالنُّجوم العالية، وليست العبادة قرآنًا مَحفوظًا غير منتج، وإن كان مهمًّا! أو صلاة جامدة لا تَنهى عن الفحشاء والمنكَر، أو صيامًا مفاده الجوع والعطش فحَسْب، أو قيامًا يَصِل بالمرء إلى العُجْب، فتكون الطامَّةُ الكبرى.
بل ما هو أشمل وأوسع بكثير من ذلك، يقول ابن تيميَّة - رحمه الله - في العبادة: "اسمٌ جامع لكلِّ ما يحبُّه الله ويرضاه، من الأقوال والأفعال، الظَّاهرةِ والباطنة"؛ "الفتاوى".
الإصلاح بين الناس عبادة، وكفالة اليَتيم بل المسح على رأسه عبادة، والنَّصيحة عبادة، وإماطة الأذى عن طريق المسلمين عِبادة، والرِّفق بالحيوان عبادة، وتربية الأطفال وَفْق شرع الله عبادة، حتَّى المُباحات فإنَّها تصير عباداتٍ بالنيَّة الصالحة؛ فالطالب يَجتهد في جامعته؛ لِخِدمة الإسلام والمسلمين عبادة، والعمل للتكسُّب والإنفاق على النفس والغيرِ، والتعفُّف عن السؤال عبادة، والجهاد في سبيل الله من أفضل العبادات، وهو ماضٍ إلى يوم القيامة.
فإذا كانت العبادة بهذا المفهوم الواسع؛ فيلزم للقيام بها إرادةٌ ماضية، وهمَّة عالية تتناسب مع اتِّساع مفهومها، فما أحوجَنا إلى ذلك الآن! ومن ثَمَّ فقد ربَّى الله سبحانه المؤمنين على الهمَّة والإرادة، فقال في وصفهم ودعائهم: ﴿ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ﴾ [الفرقان: 74]، ومع ذلك كان النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - أفضلَ الخَلق نطقًا بالقرآن؛ يقول في الحديث الصحيح لابن مسعودٍ - رضي الله عنه -: ((أحبُّ أن أسمعه من غيري))[6].
وفي "صحيح البخاري" عن العِرباض بن سارية - رضي الله عنه - أن النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((إذا سألتم الله فاسألوه الفردوسَ؛ فإنَّه أوسط الجنَّة، وأعلى الجنة، وفوقَه عرشُ الرحمن، ومنه تفجَّر أنهارُ الجنَّة)).
اسألوه الفردوس، لماذا؟ لِتعلُوَ هِمَّة المؤمنِ وإرادتُه لنيل هذا الشَّرف العظيم، والفردوس الأعلى لا يتحقَّق إلا بالإخلاص والحُب، والوئامِ والائتلاف. من أهمِّ الأخلاق:
إنَّ بُروز الإرادة لأداء الواجب، وعلوَّ الهمة في طلب الكمال، وقوة العزيمة في تحقيق الأهداف من أهمِّ أخلاق المؤمن الصادق العاقل، بل المخلص الفاهم كما يقول الإمام ابن الجوزيِّ - رحمه الله -: "مَن أعمل فِكرَه الصَّافي دلَّه على طلب أشرف المقامات، ونَهاه عن الرِّضا بالنقص في كلِّ حال، وقد قال أبو الطيِّب المتنبي:
وَلَمْ أَرَ فِي عُيُوبِ النَّاسِ عَيْبًا
- ككَنَقْصِ القَادِرِينَ عَلَى التَّمَامِ
فينبغي للعاقل أن ينتهي إلى غايةِ ما يُمكنه، فلو كان يُتَصوَّر للآدميِّ صعودُ السَّماوات لرأيتُ من أقبح النَّقائص رضاه بالأرض، ولو كانت النبوَّةُ تَحصل بالاجتهاد رأيتُ المقصِّرَ في تحصيلها في حضيض.
غير أنَّه إذا لَم يُمكن ذلك فينبغي له أن يَطلب الممكن، والسِّيرة الجميلة عند الحُكَماء خروج النَّفس إلى غايةِ كمالِها الممكن لها في العلم والعمل"[7].
كن صقرًا؛ تتطلَّعُ إلى المعالي، ولا ترضَى بالدُّون: فالشابُّ المؤمن ينبغي أن يكون صاحِبَ إرادةٍ قويَّة، وهمةٍ عالية، وغاياتٍ نبيلة، وأهدافٍ عظيمة، تمكِّنه من تحقيق التفوُّق والنجاح في الدُّنيا؛ إرضاءً لله تعالى، وإعمارًا في الأرض كما أمر الله تعالى، وهذا يتطلَّب همةً عالية لا تَرضى بالدون؛ لأن مَن يَرمي بقوسه نحو القمر فحتَّى إذا لم يُصِبه سيقع سهمُه بين النُّجوم!لقد سأل أبو جعفر المنصور يومًا جلساءَه: "أتدرون مَن هو صقر قريش؟" قالوا: أنت، قال: لا، فعدَّدوا له أسماء، مثل: معاوية، وعبدالملك بن مروان، قال: "لا، بل عبدُالرحمن بن معاوية؛ دخل الأندلسَ منفردًا بنفسه، مؤيدًا برأيه، مستصحبًا لعزمه، يَعبُر القفر، ويركب البَحر، حتَّى دخل بلدًا أعجميًّا، فمَصَّر الأمصار، وجنَّد الأجناد وأقام مُلكًا بعد انقطاعٍ بِحُسن تدبيره، وعظيم تفكيره".
فلله دَرُّ هذا العملاق، من صقرٍ مُحلِّق في سماء الهمَّة، يدخل الأندلس وهو شابٌّ في الخامسة والعشرين من عمره، مُطارَدٌ من قِبَل العبَّاسيين في المشرق، ومُطارَد من قِبَل الخوارج في المغرب، كلٌّ يُريد أن يَقتله، وهو وحيدٌ فريد، ليس له إلاَّ عونُ الله وتوفيقه، ثم شدَّة بأسٍ، وعزيمة نَفْس، وتألُّق روح، لا تقف أمامها الصِّعابُ، ولا تفتُّ في عضدِها الظُّروف.
ومع كلِّ ذلك ينجح بفضل الله تعالى في الوصول إلى الأندلس، وتكوين جيشٍ مقاتِل، يؤسِّس به أركانَ الخلافة الأمويَّة الأندلسية، حتَّى دخل "عبدُالرحمن" قرطبة، فصلَّى بالناس، وخطب فيهم، فكان ذلك بِمَثابة إعلان ميلاد الدولة الأمويَّة في "الأندلس"، وبويع له بالخلافة في 10 من ذي الحجة 138هـ - 18 من مايو 756م؛ ليصبح أول أموي يدخل الأندلس حاكمًا، ويُطلَق عليه ذلك اللَّقبُ الذي عُرف به "عبدالرحمن الدَّاخل"، ومؤسِّس تلك الدولة الفتيَّة، التي أصبحت حضارتُها منبعًا لحضارة أوربَّا الحديثة، وظلَّت منارًا للعلم والمدَنِيَّة عبر قرونٍ طويلة من الزمان.
ونحن هنا ندعوك - أيُّها الحبيب الغالي - أن تُسائل نفسك: تُرى أيُّ الأمرين أسهل: ما فعله صقرُ قريش من إقامة دولةٍ كاملة، في ظلِّ تلك الظُّروف الصعبة التي قد تبدو مستحيلة؛ مِن ضعفٍ في الإمكانيات، وقلَّةٍ في الموارد، ومطاردةٍ شرسة من أقوى دولة على وجه الأرض في ذلك الزمان، وكل هذا وهو مطارَدٌ وحيد فريد، ليس معه إلاَّ توفيق ربِّه، ثم عزمٌ لا يلين، وإرادة لا تضعف، وهمَّةٌ لا تنقطع، ومن ثَمَّ لا يعرف الكلَل، أو الملل، أو الكسل...
أهذا كلُّه أصعب، أم ظروفُك التي تتعلَّل بها، وتستخدمها كشمَّاعة لتعليق تكاسُلِك وضَعْف إرادتك عليها؟
حبيبي الغالي ماذا تنتظر؟!!
يقول الإمام ابن القيم - رحمه الله -: "وقد أجمع عقلاءُ كلِّ أمَّة على أن النَّعيم لا يُدرَك بالنعيم، وأنَّ مَن آثر الراحة فاتَتْه الراحة، وأنه بِحسَب ركوب الأهوال واحتمال المشاقِّ تكون الفرحة واللذَّة، فلا فرحة لمن لا همَّ له، ولا لذَّة لمن لا صبر له، ولا نعيم لمن لا شقاء له، ولا راحة لمن لا تعَب له، بل إذا تعب العبدُ قليلاً استراح طويلاً"[8].
صدَق من قال:
وَمَا نَيْلُ الْمَطَالِبِ بِالتَّمَنِّي
- وَلَكِنْ تُؤْخَذُ الدُّنْيَا غِلاَبَا
وَمَا اسْتَعْصَى عَلَى قَوْمٍ مَنَالٌ
- إِذَا الإِقْدَامُ كَانَ لَهُمْ رِكَابًا
ومن قال:َ
قُلْ لِمُرَجِّي مَعَالِي الأُمُورِ
- بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ: رَجَوْتَ الْمُحَالاَ
وقد سُئل الإمام أحمد: متَى يجد العبدُ طعمَ الرَّاحة؟ فقال: "عند أوَّل قدمٍ في الجنَّة"[9]. وبعد:
أوصي نفسي وإيَّاكم بتقوى الله؛ فهي وصيَّة الأوَّلين والآخرين: ﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا ﴾ [النساء: 131].
وبالإخلاص؛ فإنه طريقُ الوصول، وباب القبول، وبنك الحلول؛ ﴿ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ﴾} [الزمر: 3].
وبالفهم؛ فإنَّه أقْصَر الطُّرق، وأوفَرُ للجهْد والوقت في الوصول للهدف وبلوغ الغاية؛ ﴿ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ [الأنبياء: 79].
وبالتواضع؛ فإنَّه سبيل العلُوِّ والرِّفعة؛ ((ما من آدميٍّ إلاَّ في رأسه حكمةٌ بِيَدِ ملك، فإذا تواضع قيل للملَك: ارفع حكمته، وإذا تكبَّر، قيل للملَك: دَع حكمته))؛ تحقيق الألباني: "حسن"[10]، وحصْنُ العلم والمعرفة؛ فقد تعلَّم موسى - عليه السَّلام - من الخضر (راجع سورة الكهف)، وتعلَّم سليمان - عليه السَّلام - من الهدهد والنَّملة (راجع سورة النمل)، وبستانُ عبادِ الرَّحمن ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ﴾ [الفرقان: 63][11].
اللهم اجعلنا متعاونين لا مُتعادين، مؤتَلِفين لا مُختلفين، متراحمين لا متنابذين، متحابِّين لا متباغضين، اللهم زيِّنا بالعلم وجَمِّلنا بالتقوى، اللهم امنحنا الحلم والفهم، وألبِسنا ثوبَ العافية، اللهم ارزقنا الإيمان والإخلاص في القول والعمل، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر هَمِّنا، ولا مبلغ علمنا، اللهم آمين.
وصلِّ اللهم على سيدنا محمَّد، وعلى آله وصحبه وسلِّم.
المصدر
- مقال:أخي السلفي..موقع:الشبكة الدعوية