"إسرائيل" مستعدة للتفاوض مع سوريا؟ أم تبيّت لها العدوان؟
بقلم : فادي شامية
المتابع العادي لما يجري داخل دولة الاحتلال الصهيوني لا بد أنه سيلاحظ أن ثمة حالة من التخبط تعاني منها الطبقتين السياسية والدينية بعد الحرب الخائبة على لبنان. النقاشات الجدلية امتدت لتشمل الطريقة الأفضل للتعامل مع سوريا طالما أن حزب الله مرتبط بالمحور السوري – الإيراني كما يُصنف هناك.
جدل حول مفاوضة سوريا
الشارع الإسرائيلي ومن خلفه الطبقة السياسية والجماعات الدينية والمؤسسة العسكرية لا يميلون للتفاوض مع سوريا الآن، وإنما تحدوهم رغبة جامحة لانتقام مدوٍ بالنيران، يشمل لبنان وربما لا ينتهي عند سوريا، لكن الرغبة شيئ والنظرة الموضوعية شيء آخر. وزير الأمن الداخلي آفي ديختر من حزب «كديما» الحاكم- لم ير بأساً من دفع "ثمن السلام" لسوريا قائلاً: "إن ما دفعناه ثمناً للسلام مع مصر والأردن مشروع هنا أيضاً"، هذه التصريحات لقيت صدى إيجابياً لدى اليسار الإسرائيلي، لكنها لم تكن كذلك لدى اليمين، ولا لدى رئيس الحكومة إيهود أولمرت الذي رفضها بدعوى "عدم الانجرار خلف آمال زائفة... فعندما تكف سوريا عن تزويد الصواريخ والأسلحة لمن يقومون باستخدامها ضد إسرائيل، فإننا بالتأكيد سوف نسر للتفاوض".
بدورها انشغلت الصحافة العبرية بهذه المسألة، فقد نشرت صحيفة معاريف صبيحة 21-8 أنباء تفيد بأن واشنطن قد تعدل عن معارضتها وتمنح اسرائيل الضوء الأخضر لاستئناف المفاوضات مع دمشق"، لكن الموضوع ليس يعدو كونه مجرد إشارة تعتريها العديد من العقبات، فالوزير ديختر نفسه الذي أطلق شرارة هذا الجدل ربط التفاوض مع سوريا بالتنفيذ الدقيق للقرار 1701 "لتوفير الظروف المناسبة للتفاوض"، آخذاً بعين الاعتبار أن تكون الجولان مستقبلاً منطقة منزوعة السلاح مثلما حصل في سيناء، إضافة إلى "تسوية مسألة المياه" و"عدم ترك سورية تقترب من بحيرة طبرية"، وهي شروط كان الرئيس حافظ الأسد قد رفضها قبل وفاته.
ماذا عن الموقف في سوريا؟
عقب انتهاء العدوان على لبنان اعتبر الرئيس بشار الأسد أن مرحلة جديدة قد بدأت، وأن سوريا -كما حزب الله وإيران- قد انتصرت، وفي القراءة السورية أن إسرائيل وحتى أميركا لم تعد تجرؤ على شن حرب على سوريا أو إيران، كما أن نتائج الحرب، ودائماً وفق القراءة السورية، قد أعادت سورية إلى قلب اللعبة الإقليمية رغم جهود عزلها، وعليه فإن خطاب الرئيس الأسد الأخير جاء حاداً على مختلف الأصعدة، ولكنه لم يغلق الباب أمام التفاوض الذي يعيد الجولان إلى سوريا ويأخذ في الحسبان مصالحها في المنطقة وفي لبنان. هذه القراءة من شأنها أن تؤدي إلى أمر من اثنين، فإما أن تدفع "المجتمع الدولي" إلى فك العزلة عن سوريا لإبعادها عن إيران وللتخفيف من حدة التوتر في المنطقة، وهذا ما تعتقده سوريا، وإما أن يقرر "المجتمع الدولي" التصدي الحاسم لسوريا.
"المجتمع الدولي" وتالياً "إسرائيل" لا يبدو أنه في وارد مواجهة سوريا إلى حد إسقاط النظام فيها، فليس من مصلحة حقيقية لهذا المجتمع ولا لإسرائيل وأميركا في تفجير الأوضاع في المنطقة أكثر مما هي عليه، وبالمقابل فإن سوريا تدرك أن "المواقف التصعيدية" الأخيرة للرئيس بشار الأسد لا تعني أنه بات بإمكان سوريا استعادة أرضها بالطرق العسكرية التقليدية أو من خلال نقل تجربة حزب الله إلى الجولان، فالأمر لا يعدو كونه "استدراج عروض" تحت طائلة توريد المزيد من المشاكل لإسرائيل وأميركا والدول المشاركة في عزل سوريا، فضلاً عمن تعتبرهم سوريا حلفاء لكل هؤلاء في لبنان.
صفقة لم تتم!
"استدراج العروض" هذا لاقى آذاناً صاغية، صحيح أن العديد من الدول الأروبية وحتى العربية مستاءة من الأداء السياسي السوري، لكنها بالوقت نفسه راغبة باتمام صفقة مع سوريا تبعدها عن إيران، وإذا كانت فرنسا "فاقدة الأمل" من الرئيس السوري كما أعلن الرئيس الفرنسي جاك شيراك، فإن دولاً أروبية أخرى مستعدة للعب دور الوسيط مع سوريا، وهو أمر حدث بالفعل أثناء الحرب الأخيرة على لبنان، عندما زار أحد أعضاء الكونغرس الأميركي لبنان واستمع لأحد الوسطاء حول استعداد سوريا للتفاهم مع الإدارة الأميركية لتسهيل تنفيذ القرار الدولي - الذي كان يرتقب صدوره-، مقابل دعم الاقتصاد السوري وإعادة بحث اتفاقية الشراكة السورية -الاوروبية، على أن يجري تأجيل قضية الجولان إلى مرحلة لاحقة وفق التصور الذي كان قد أعلنه رئيس الوزراء البريطاني طوني بلير والرامي الى إعادة احياء عملية السلام في المنطقة بمجرد أن تضع الحرب أوزارها، حيث ينوي بلير القيام بجولة شرق أوسطية قد تشمل سوريا.
بعد اختبار النوايا هذا أعطت الإدارة الأميركية الإشارة إلى ألمانيا لترسل وزير خارجيتها فرانك والتر شتاينمر إلى دمشق لاتمام الاتفاق، لكن خطاب الرئيس بشار الأسد الأخير أفسد الأمر، فقد كان مقرراً أن يصل وزير خارجية المانيا إلى دمشق ظهر اليوم الذي ألقى فيه الرئيس الأسد كلمته، لكن الرجل الذي كان في مطار عمان ألغى سفره فورا بعدما أحيط علما بخطاب الرئيس السوري.
بمعزل عن احتمال إتمام هذا التفاهم مستقبلاً، فالواضح أن ثمة مصلحة أكيدة "للمجتمع الدولي" في التفاهم مع سوريا، لكن الثمن المستحق والشروط المتبادلة تحول دون ذلك، فضلاً عن "عدم ثقة" العديد من دول العالم بالرئيس السوري، وخشية البعض من إعطائه "إشارة خاطئة" تدفعه لتحدي "المجتمع الدولي" أكثر، إذا ما توصل إلى نتيجة مفادها أن الأسلوب المعتمد في دمشق قد حقق لسوريا الأهداف الاستراتيجية التي تسعى إليها، وهو على ما يبدو السبب الأهم الذي دفع الرئيس السوري لإطلاق مواقفه الأخيرة، الأمر الذي دفع وزير الخارجية الألماني إلى العدول عن زيارة دمشق.
هل تغامر "إسرائيل" بالعدوان على سوريا؟
لا تزال الحرب الأخيرة موضع دراسة وتحليل في "اسرائيل"، أما تداعيتها فما تزال تتفاعل مهددة بالإطاحة بحكومة أولمرت والاتيان بحكومة عسكرية تعيد للجيش الإسرائيلي "عنصر الردع" الذي فقده خلال الحرب الأخيرة، وإذا لم يأت تطبيق القرار 1701 وفق ما تشتهي إسرائيل، وهو ما لا يبدو أنه سيتحقق، فإن نتائج كارثية ستحل على الكيان الصهيوني، ومن هذا المنطلق يأتي الكلام الكثير من القادة الصهاينة حول ضرورة الاستعداد للجولة القادمة، لكن هل ستشمل الجولة القادمة سوريا؟
ما زال الأمر غير محسوم، فالاستخبارات الإسرائيلية لا ترى أي مصلحة في ذلك، لكن في ظل الظروف التي تعيشها "إسرائيل" فإن كل شيئ بات ممكناً، وتطورات الموقف على الأرض والحاجة إلى إحراز انتصار، أي انتصار، قد يدفع الطبقة السياسية في إسرائيل إلى اتخاذ قرار مجنون سيكونون هم أنفسهم أول من يدفع ثمنه... وإن نجح
المصدر
- مقال:"إسرائيل" مستعدة للتفاوض مع سوريا؟ أم تبيّت لها العدوان؟موقع:الشبكة الدعوية