الإسلام منهج حياة

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
مراجعة ١٨:١٨، ١١ ديسمبر ٢٠١١ بواسطة Rod (نقاش | مساهمات)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الإسلام منهج حياة .. صناعة حضارة وبناء ذات

إعداد: موقع إخوان ويكي (ويكيبيديا الإخوان المسلمين)

بقلم : محمد الصياد .. باحث شرعي ومفكر إسلامي


توطئة (توجيه دلالات)

الإمام حسن البنا في أحد المؤتمرات الجماهيرية

دائما ما يتردد في أروقة الإسلام السياسي مصطلح "الإسلام منهج حياة" ، وهذا المصطلح ليس فضفاضا هلاميا ، إنما يعني أنَّ الإسلام كديانة خاتمة عالمية متضمنة لمناهجَ وأنظمةٍ تُعبِّدُ الطرقَ وتُمَهّدُ السُبل لترسيخ السلم العالمي . فالإسلام كدين ينبثق من جنباته نظامٌ سياسي واقتصادي واجتماعي شامل متكامل .

الإسلام أراد أن تكون حياة المرء كلها لله ، فحركاته وسكناته وجهاده بل ونومه لله الذي خلقه ، ﴿قل إنَّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين﴾ .

وهذا ما يُميز الإسلام عن سائر الأديان والنظم ، أنه يدلي بدلوه في الحياة ويطلب من الإنسان أن يُعمِّرَ الأرضَ ، وأن يصنع الحضارة وأن يبني الذات .

بل إنَّ الإسلام ما حورب قديما وحديثا من الوثنيات المتعاقبة إلا بسببِ وُلُوجِهِ في الحياة ، وغيرَهُ من الأديان يختزل العقيدة في المحاريب والأديرة وهو ما يرفضه الإسلام ويأباه . فنبينا صلي الله عليه وسلم لو كان قد اقتصر في دعوته لقريش علي حرية العبادة من صلاة وصيام وحج لتركوه وشأنه لكنه فاجأهم بديانة تمج الظلم ولا تنحني لاستبداد أو طغيان وتطلب من الإنسان أن يشيد الحضارة باسم الدين "إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها" ، ولم تفصل بين سعي الإنسان للآخرة وسعيه لتأمين حياته في الدنيا فكل ذلك عبادة إذا ما حسنت النية .


الإخوان المسلمون وصناعة الحضارة

لكن هذه الشمولية الإسلامية وهذه النظرة المتكاملة لتعاليم الشريعة كادت أن تندثر بين فئات المجتمع ، عندما تشبث الناس بالخرافات واختزلوا العبادةَ في صلاة وصوم وحج حتى تركوا جنبات الإسلام الأخرى ولم يبالوا بمن يتولي زمام المسلمين ، ويقود معركتهم ، ولم يعدّوا ذلك من الفرائض الإسلامية . حتى جاء الأفغاني ومحمد عبده والكواكبي ورشيد رضا فأصلّوا لهذه المفاهيم بعدما ارتأوا أن المسلمين في أذناب الأمم ، وأنَّ من يتولي أمورهم أناسٌ لا يعبئون بمستقبل الإسلام ولا يقيمون للشريعة وزنا ولا للدين اعتبارا ، لكن هؤلاء الأعلام لم يتعدي صياحهم طبقة المثقفين والنخبويين . حتى جاء ليثُ الصحوة الإسلامية ورائدها في العصر الحديث الإمام الشهيد حسن البنا فتدارك الثغر الذي لم يسده الأعلام من قبله وجعل دعوته وخطابه موجها للكافة من نخبويين وعامة المسلمين ، فأسّس وأصّل لبناء القمة والقاع وعلم الناس كيف تُفهم عقيدة الإسلام كدعامة لصناعة النهضة والتألق في كافة المجالات وشتى الاتجاهات ، ولو قلنا أن مصطلح "الإسلام منهج حياة" لم يُفهم إلا من خلال مؤتمرات الإمام الشهيد ، ولم يُطبق علي أرض الواقع إلا بممارساته لو قلنا ذلك ما أبعدنا في اللفظ وما كنا مبالغين في العبارة .

إنَّ العقيدة في أذهان الإخوان المسلمين ليست سفسطة لسانية ولا مقدمات ونتائج عقلية محضة . العقيدةُ عندهم هي صناعة الحضارة وبناء النهضة وترشيد القيم والسلوك وسوق الجماهير إلي باريها .

وقد لمح الشيخ القرضاوي هذا الجانب في شخصية حسن البنا الإمام المؤسس فقال في كتابه "التربية السياسية عند الإمام حسن البنا": (كان من الجوانب الهامّة التي عنى بها الإمام الشهيد حسن البنا : الجانب السياسي . ونعني بهذا الجانب ما يتصل بشؤون الحكم ، ونظام الدولة ، والعلاقة بين الحكومة والشعب ، والعلاقة بين الدولة وغيرها من الدول الإسلامية وغير الإسلامية ، والعلاقة بالمستعمر الغاصب ، والموقف من الأحزاب والحزبية ، ومن الدستور والقانون والشورى والديمقراطية ، وغير ذلك من القضايا المتعددة المتنوعة .

وقد كان هذا الجانب قبل دعوة حسن البنا وقيام مدرسته بعيدا عن اهتمام الجماعات الإسلامية ، وخارج نطاق نشاطها وتفكيرها ، فقد أصبح مفهوم السياسة مقابلا لمفهوم الدين ، كما يقابل الأسود الأبيض ، فلا يتصور اجتماعهما في شخص أو في جماعة ، والناس رجلان : إما رجل دين ، وإما رجل سياسة ، والجماعات نوعان : إما جماعة دينية ، وإما جماعة سياسية . وحرام علي رجل الدين أن يشتغل بالسياسة ، كما يحرم علي رجل السياسة أن يشتغل بالدين ، ومثل ذلك تدَخُّل الجماعات الدينية في الشئون السياسية ، أو رجال السياسة في شؤون الدين . وقد يتجاوز ويتسامح في تدخل رجل السياسة أو الجماعة السياسية في الدين ، أما الذنب الذي لا يغتفر ولا يتسامح فيه عند الناس يومئذ ، فهو أن يتدخل رجل الدين أو الجماعة الدينية في القضايا السياسية ! ...

كان علي حسن البنا أن يخوض معركة حامية الوطيس ، لمطاردة المفاهيم الخاطئة عن العلاقة بين الدين والسياسة ، تلك المفاهيم التي غرسها الجهل والهوى ، وتعهدها الاستعمار الثقافي بالسقي والرعاية ، حتى تغلغلت جذورها وامتدت فروعها واشتعلت جذوتها .

وكان لابد من حرب الفكرة الخاطئة بالفكرة الصحيحة ، وهي "شمول الإسلام (1) " لكل جوانب الحياة .. ومنها السياسة ، كما دلّ علي ذلك القرآن والحديث ، وهدي الرسول وسيرة الصحابة ، وعمل الأمة كلها طوال ثلاثة عشر قرنا أو تزيد . وحسبنا هنا أن القرآن يحذر من إهمال بعض ما أنزل الله تعالي فيقول : ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك﴾...(2)

وكان الإمام الشهيد واضحا كل الوضوح في هذا الإطار بقوله : ( أنا أُعلنُ أيها الإخوان من فوق هذا المنبر بكل صراحة ووضوح وقوة ، أن الإسلام شيء غير هذا المعني الذي أراد خصومه والأعداء من أبنائه أن يحصروه فيه ويقيدوه به ، وأن الإسلام عقيدة وعبادة ، ووطن وجنسية ، وسماحة وقوة ، وخلق ومادة ، وثقافة وقانون . وأن المسلم مطالب بحكم إسلامه أن يعني بكل شؤون أمته ، ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم . وأعتقد أن أسلافنا رضوان الله عليهم ما فهموا للإسلام معنى غير هذا ، فبه كانوا يحكمون ، وله كانوا يجاهدون ، وعلي قواعده كانوا يتعاملون ، وفي حدوده كانوا يسيرون في كل شأن من شؤون الحياة الدنيا العملية قبل شؤون الآخرة الروحية ، ورحم الله الخليفة الأول إذ يقول "لو ضاع مني عقال بعير لوجدته في كتاب الله" ...(3)

فعقيدة التوحيد كما فهمها الإمام الشهيد ، هي في ذاتها باعث علي الرقي بالخلق والسلوك وصناعة النهضة وبناء الحضارة . لأنه إذا كان الإسلام لا ينفك أبدا عن الثقافة والاقتصاد والسياسة وكل مناحي الحياة فلم يبق شيء خارج عن حيز الإسلام إذن بهذا المفهوم .

لكن البعض لا يروق له هذا الجانب من الإسلام ويود لو أن المسلمين قصروا دينهم علي الروحانيات فحسب وحصروه في المساجد والمحاريب فقط، وإلا كانوا راديكاليين وأصوليين ...(4)


الإسلام دين ودولة وشريعة وأمة

منذ أن قدم محمد بن عبد الله برسالته وأعداء دعوته يطلبون منه أن لا يخلط بين رسالته وبين دنياهم . فقد ظنوا أن دين محمد يجب أن لا يتعدي المحراب مثل ديانتهم الوثنية فقد كانوا يسجدون لأصنامهم كل هنيهة ، ويقولون بأن هذه هي ديانتهم وهذه هي عبادتهم .

أما أن تبحث عن أثر لهذه العبادة في منظومتهم الأخلاقية والاجتماعية فلن تجد !! العرف والقوانين الوضعية وآراء زعماء العشائر هي النافذة .

فعندما جاء محمد بن عبد الله بتلك الديانة التي تسمي الإسلام راحوا يتوجسون خيفة وحذرا من ديانة تريد أن تقود الأمم وتملك زمام البشرية ، وتقول للمرء بأن حياتك كلها لله وتقول للناس بأن الله أدري بما يصلح شأنكم ويهذب أمركم .

فطلبوا من النبي صلي الله عليه وسلم أن يختزل دينه في المحراب كي يتركوه وشأنه ، لكن النبي أبي لأن شمول ديانته وعموم رسالته هما جوهر الدعوة وإلا فلا فرق إذا بينها وبين الديانات السابقة التي تفصل بين تزكية الفؤاد وقيادة العباد .

وظلت عصبة من المنافقين بقيادة ابن أبي تناصب الرسول صلي الله عليه وسلم العداء ، وابن أبي كان يود أن يحكم المدينة وكاد أن يحكمها لولا مجيء محمد بن عبد الله .

وهذا دليل آخر أن الإسلام دين ودولة ، رسالة وأمة ، فما ينبغي لمنافق أن يحكم والرسول صلي الله عليه وسلم علي قيد الحياة وما ينبغي كذلك أن يحكم منافقٌ ديار الإسلام ومنهج الله وكتابه باقيا لم يُطمس .

وهل لأحد أن يخبرني : ماذا لو قررت عصبة من المنافقين أن تنقض علي الحكم في عهد عمر بن الخطاب وتتولي زمام الخلافة وتوجهها كيف شاءت ؟!

هل سيقول عمر بن الخطاب : أطيعوهم ما أقاموا فيكم الصلاة ؟ ولو عطلوا الشريعة وظلموا الرعية ؟! هل سيوافق عمر وأشراف الصحابة أن يحكمهم أحفاد عبد الله ابن أبي ؟!

وماذا لو كان عبد الله ابن أبي رأس المنافقين أوفي بوعيده وتهديده لرسول الله والمسلمين حين قال : لئن رجعنا إلي المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ؟

ماذا لو قام ابن أبي بثورة ناجحة علي رسول الله وصحبه واستولوا علي المدينة وقالوا للرسول وأصحابه : سوف نخلي بينكم وبين صلاتكم وصيامكم وعبادتكم لكن لا جهاد بعد اليوم والحكم لنا لا لكم بعد اليوم وكتابكم هذا لن نجعله دستورا لنا أو حاكما علينا فلكم أن تحفظوه في قلوبكم أو ترموه في قمامتكم فهذا شأنكم ، وسوف نصلي ونصوم لكن لن نحكم بما أُنزل في هذا الكتاب لأن الزمن تتطور والركب تقدم والدين ليس بدولة فينبغي عليكم أن لا تخلطوا بين الدين والحكم وبين الإسلام والسياسة ؟!!

هل كان محمد بن عبد الله سيقر هذا الوضع الجائر ؟ هل كان سيرضي أن يُحكَم منهج الله بمنهج ابن أبي ؟!

وأسارع فأقول : إن أحفاد ابن أبي ونسله أمكنهم أن يزحزحوا أتباع محمد بن عبد الله ويفعلوا ذلك ، وإن عصبة من منافقي عصرنا أشد علي الإسلام من ابن أبي . فهناك بعض حكام المسلمين تعاونوا مع اليهود والنصارى لدحض المجاهدين في بقاع الأرض .

(يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء . بعضهم أولياء بعض . ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين) [المائدة 51] ، وقال تعالي في سورة البقرة (والكافرون هم الظالمون) [البقرة : 254] .


الدين والسياسة عند الإمام البنا

وقد اعتني الإمام الشهيد حسن البنا بهذا الجانب المشرق في جدار الإسلام وحاول أن يلفت أنظار الناس أن الجهة غير منفكة بين الإسلام والسياسة وأنهما ليسا بمتغايرين .

فإذا كان كفار مكة لم ينكروا أن الله هو الخالق والرازق كما جاء في القرآن الكريم : ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأني يؤفكون﴾ -العنكبوت 61- ، ﴿ قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج من الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأني تصرفون ﴾ -يونس 31- .

وإذا كانوا ينكرون اختصاصه سبحانه بالألوهية وإفراده بالعبادة وبالتشريع والحكم ﴿إن الحكم إلا لله﴾ فإن أصل المعركة بين الحق والباطل كانت في جوهرها نزاعا حول قضية "لمن الشرع والحكم ؟" ولذلك فإن اعتناق الإسلام هو بشكل ما عمل سياسي ، حيث إن رأس العملية السياسية هو الحكم والتشريع ، وبذلك تكون السياسة جزءا من إيمان المؤمنين ، فهم حين يهتمون بالسياسة إنما يحرسون إيمانهم حتى لا يعلو عليهم إلا شرع الخالق المعبود . ومن هنا كان فهم المسلمون الأوائل للعمل السياسي ، كجزء لا يتم ، بل لا يكاد يفهم ، بدونه معنى اعتناق الدين ...(5)

فأراد الإمام الشهيد أن يفطن الناس أن العملية السياسية جزء من المنظومة الأخلاقية الإسلامية ، وتتخذ في ذاتها كقربة لله عز وجل وتعبدا له إن هي كانت لصالح رخاء البشر وسعادتهم ، وهل أُرسل الأنبياء إلا من أجل ذلك ؟!.

يقول القرضاوي في هذا الجانب لدي حسن البنا : ( جاهد الأستاذ حسن البنا ، جهادا كبيرا ليعلم المسلمين فكرة "شمول الإسلام" ، وبعبارة أخرى : ليعيد إليهم ما كان مقررا وثابتا طوال ثلاثة عشر قرنا ، أي قبل دخول الاستعمار ، والغزو الفكري إلي ديارهم ، وهو أن الإسلام يشمل الحياة كلها بتشريعه وتوجيهه : رأسيا منذ يولد الإنسان حتى يتوفاه الله . بل من قبل أن يولد وبعد أن يموت حيث هناك أحكام شرعية تتعلق بالجنين وأحكام تتعلق بالإنسان بعد موته .

وأفقيا ، حيث يوجه الإسلام المسلمَ في حياته الفردية والأسرية ، والاجتماعية والسياسية ، من أدب الاستنجاء إلي إمامة الحكم ، وعلاقات السلم والحرب .

وكانت نتيجة هذا الجهاد واضحة ، وهي وجود قاعدة ضخمة تؤمن بهذا الشمول وتنادي بالإسلام عقيدة وشريعة ، ودينا ودولة ، في كل أقطار الإسلام ، وتراجع كثيرين من ضحايا الغزو الفكري عما آمنوا به في ظل وطأة الاستعمار الثقافي ، وبروز الصحوة الإسلامية علي الساحة الفكرية والسياسية بصورة قلبت موازين القوي ، مما جعل الجهات الأجنبية الراصدة من الغرب والشرق ، تعقد الكثير من الحلقات والندوات والمؤتمرات لدراسة هذه الظاهرة الإسلامية الخطيرة ، وتنفق في ذلك الأموال والجهود ، حتى بلغ عدد هذه المنتديات فيما ذكر الأستاذ فهمي هويدي مائة وعشرين .

وهذا ما جعل عملاء الغرب ، وعبيد أفكارهم ، يحاولون إيقاف الفجر أن يطلع أو الشمس أن تبزغ ، وأن يعيدوا عجلة التاريخ إلي الوراء ، إلي عهد الاستعمار ليتصايحوا من جديد : لا سياسة في الدين ، ولا دين في السياسة !

يريدون أن يعيدوها جَذَعَة ، وقد فرغنا منها منذ أكثر من نصف قرن ، حتى سمي بعض هؤلاء العبيد المساكين الإسلام الذي لم يعرف المسلمون غيره طوال عصره –قبل عصر الاستعمار- الإسلام كما عرفه الفقهاء والأصوليون والمفسرون والمحدثون والمتكلمون من كل المذاهب ، والذي شرحوه وفصلوه من كتاب الطهارة إلي كتاب الجهاد .. إسلام العقيدة والشريعة ، إسلام القرآن والسنة ، سماه "الإسلام السياسي" !! يريد أن يكره الناس في هذا الإسلام بهذا العنوان ، نظرا لكراهية الناس للسياسة في أوطاننا ، وما جرّت عليهم من كوارث ، وما ذاقوا علي يديها من ويلات !

ولكن ما حيلتنا إذا كان الإسلام –كما شرعه الله- لابد أن يكون سياسيا ؟ ما حيلتنا إذا كان الإسلام الذي جاء به محمد صلي الله عليه وسلم لا يقبل أن تقسم الحياة والإنسان بين الله تعالي وقيصر ؟ بل يصر علي أن يكون قيصر وكسري وفرعون وكل ملوك الأرض عبادا لله وحده !

يريدنا هذا البعض من المساكين أن نتخلى عن كتاب ربنا ، وسنة نبينا ، وإجماع أمتنا ، وهدي تراثنا ، لنتبني إسلاما حديثا ، يرضي عنا السادة الكبار فيما وراء البحار .

إنه يريد "الإسلام الروحي" أو "الإسلام الكهنوتي" الذي يكتفي بتلاوة القرآن علي الأموات ، لا علي الأحياء ، ويتبرك بتزيين الجدران بآياته ، أو افتتاح الحفلات بقراءة ما تيسر منه ، ثم يدع قيصر يحكم بما يشاء ، ويفعل ما يريد !

إن الإسلام الذي جاء به القرآن والسنة وعرفته الأمة سلفا وخلفا هو إسلام متكامل لا يقبل التجزئة .

إنه الإسلام الروحي ، والإسلام الأخلاقي ، والإسلام الفكري ، والإسلام التربوي ، والإسلام الجهادي ، والإسلام الاجتماعي ، والإسلام الاقتصادي ، والإسلام السياسي .

إنه ذلك كله ؛ لأن له في كل هذه المجالات أهدافا وغايات ، كما أن له فيها كلها أحكاما وتوجيهات...(6)

وفي ذلك يقول الإمام الشهيد بعبارة جزلة فصيحة: ( قلما تجد إنسانا يتحدث إليك عن السياسة والإسلام إلا وجدته يفصل بينهما فصلا ، ويضع كل واحد من المعنيين في جانب ، فهما عند الناس لا يلتقيان ولا يجتمعان ومن هنا سميت هذه جمعية إسلامية لا سياسية ، وذلك اجتماع ديني لا سياسة فيه ، ورأيت في صدر قوانين الجمعيات الإسلامية ومناهجها "لا تتعرض الجمعية للشئون السياسية" .

وقبل أن أعرض إلي هذه النظرية بتزكية أو تخطئة أحب أن ألفت النظر إلي أمرين مهمين :

  • أولهما : أن الفارق بعيد بين الحزبية والسياسة ، وقد يجتمعان وقد يفترقان ، فقد يكون الرجل سياسيا بكل ما في الكلمة من معان وهو لا يتصل بحزب ولا يمت إليه ، وقد يكون حزبيا ولا يدري من أمر السياسة شيئا ، وقد يجمع بينهما فيكون سياسيا حزبيا أو حزبيا سياسيا علي حد سواء ، وأنا حين أتكلم عن الساسة في هذه الكلمة فإنما أريد السياسة المطلقة ، وهي النظر في شؤون الأمة الداخلية والخارجية غير مقيدة بالحزبية بحال .. هذا أمر.
  • والثاني : أن غير المسلمين حينما جهلوا هذا الإسلام ، أو حينما أعياهم أمره وثباته في نفوس أتباعه ، ورسوخه في قلوب المؤمنين به ، واستعداد كل مسلم لتفديته بالنفس والمال ، لم يحاولوا أن يجرحوا في نفوس المسلمين اسم الإسلام ولا مظاهره وشكلياته ، ولكنهم حاولوا أن يحصروا معناه في دائرة ضيقة تذهب بكل ما فيه من نواح قوية عملية ، وإن تركت للمسلمين بعد ذلك قشورا من الألقاب والأشكال والمظهريات لا تسمن ولا تغني من جوع .. فأفهموا المسلمين أن الإسلام شيء والاجتماع شيء آخر ، وأن الإسلام شيء والثقافة العامة سواه ، وأن الإسلام شيء يجب أن يكون بعيدا عن السياسة .

فحدثوني بربكم أيها الإخوان ، إذا كان الإسلام شيئا غير السياسة وغير الاجتماع ، وغير الاقتصاد ، وغير الثقافة ، فما هو إذن ؟ أهو هذه الركعات الخالية من القلب الحاضر ، أم هذه الألفاظ التي هي كما تقول رابعة العدوية : استغفار يحتاج إلي استغفار ، ألهذا أيها الإخوان نزل نظاما كاملا محكما مفصلا ﴿ تبيانا لكل شيء وهدي ورحمة وبشري للمسلمين﴾ -النحل 89- .

هذا المعني المتضائل لفكرة الإسلام ، وهذه الحدود الضيقة التي حدد بها معنى الإسلام ، هى التي حاول خصوم الإسلام أن يحصروا فيها المسلمين ، وأن يضحكوا عليهم بأن يقولوا لهم لقد تركنا لكم حرية الدين ، وأن الدستور ينص علي أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام ...(7)

بهذا الشمول الواضح ، أو الوضوح الشامل عن الإسلام ، كان يتحدث حسن البنا ، ليزيل من العقول ما رسب فيها من انحصار الإسلام في طقوس معينة ، ويربيهم علي هذا الأفق الواسع الذي تقوم عليه الشخصية الإسلامية المنشودة...(8)

وقد لمح هذا الجانب في فكر الإمام الشهيد المستشرق الأمريكي روبير جاكسون الذي زار القاهرة عام 1946م ، وسنة 1949م ، وقام بمقابلة الإمام البنا .

يقول روبير جاكسون : (كان مذهبه –الإمام الشهيد- السياسي أن يرد مادة الأخلاق إلي صميم السياسة بعد أن نزعت منها ، وبعد أن قيل إن السياسة والأخلاق لا يجتمعان .

وكان يريد أن يكذب قول تاليران: "إن اللغة لا تستخدم إلا لإخفاء آرائنا الحقيقية" ، فقد كان ينكر أن يضلل السياسي سامعيه أو أتباعه ، وأمته . وكان يعمل علي أن يسمو بالجماهير ورجل الشارع فوق خداع السياسة وتضليل رجال الأحزاب .

وكأنما أراد أن ينشئ القوة التي تصمد في وجه الخطرين الداهمين اللذين يهددان العالم وهما: (الإلحاد والاستعباد) ...(9)


أحمد شاكر وشمولية المنهج الإسلامي

ولم يكن حسن البنا وحيدا في تلك الدعوة ، دعوةِ جَعْل الإسلام منهج حياة وفهمه بمنظور أكمل وأشمل كما فهمه سلفنا ، بل جاء بعد الإمام البنا مفكرون كبار وعلماء نحارير ووصفوا نفس الدواء الذي وصفه الإمام البنا لأوضاع أمتنا المتهالكة علي الرغم من انتمائهم أحيانا لمذاهب متباينة ومشارب مختلفة عن تلك المدرسة التي أسسها الإمام البنا .

فها هو العلامة المحدث السلفي الكبير أحمد محمد شاكر يقول في كتابه "كلمة الحق...(10) " :

( فكل ما يفعل الناس وما يرون وما يعتقدون ، وما يأخذون وما يدعون ، داخل في حكم الإسلام وخاضع لسلطانه ، رضي هؤلاء وسادتهم من المستعمرين والمبشرين أم أبوا ، فالإسلام واضح بيّن لكل من أراد الهدي ، وهو كما قلت : لا يرضي من متبعيه إلا أن يأخذوه كله ، ويخضعوا لجميع أحكامه ، فمن أبي من الرضا ببعض أحكامه فقد أباه كله ) .


العقاد يقر أن الإسلام منهج حياة

يقول الأديب الكبير عباس العقاد في كتابه "أفيون الشعوب": ( إلا أنّ الشيوعية قد تصبر علي المسيحية ولا تطيق الصبر علي الإسلام إلا ريثما تتحفز له وتغل أيدي أتباعه عن المقاومة . لأنّ المسيحية دين العديد الأكبر من الروسيين والشعوب التي تدخل في حوزة الدولة الروسية ، ولأن المسيحية من الجهة الأخرى تدع شئون الدولة للدولة ولا تتعرض للنظم الاجتماعية أو لإقامة المجتمع علي أساس جديد .

وقد نشأت المسيحية كما هو معلوم في بلاد تخضع للسلطة الرومانية في الشئون الدنيوية ولسلطة الهيكل الإسرائيلي في الشئون الدينية فاجتنبت نقض " الناموس " وأوصت بإعطاء ما لقيصر لقيصر وما لله لله .

أما الإسلام فهو نظام اجتماعي له منهجه في علاج المسائل التي تتصدي لها الشيوعية ، وهو يواجه مشكلة الفقر بحلوله المتعددة ولا يقصر مواجهتها علي فرض الزكاة لمستحقيها كما يسبق إلي الظن لأول وهلة .

إذ هو ينكر الإسراف والترف والاحتكار ويأبي أن تكون الأموال " دولة بين الأغنياء " ولا يصدق عليه قولهم إنه أفيون الشعوب لأنه يأمر المسلم ألا ينسي نصيبه من الدنيا ويحثه علي دفع المظالم ومنع الشرور ، ويعلم المسلم أن يقدس الحرية ويثور علي المذلة والاستعباد فلا يتسنى للحاكم أن يخضعه لغير معتقده أو يسومه الهوان في أمور الدنيا والدين) .


الأزهر: الدين والسياسة لا ينفصمان

ويقول العلامة جاد الحق علي جاد الحق في كتابه " بيان للناس ": ( والمتتبع لآيات القرآن وأحاديث الرسول صلي الله عليه وسلم يري صنوف السياسة وقواعدها في إدارة أمور الناس وحسن اختيار الحكام والقضاة ، كما يري أن الإسلام والسياسة متداخلان لا انفصام بينهما ، لأنه دين ودنيا ، يسوس نفس الإنسان ويهذبها بالعبادات وصالح العمل ، ويسوس علاقة الإنسان بزوجه وولده ووالديه والناس جميعا ، ويضع لكل علاقة حكما واحدا ولكل عمل مواصفات العامل الذي يقوم به .. فالإسلام لا يفارق السياسة ، فهو عقيدة وشريعة ، لا ينفصل عن السياسة ولا تضربه ، لأنه صمام الأمن والأمان لها .) .


قول سليم العوا

ويقول المفكر الإسلامي محمد سليم العوا في كتابه "الأزمة السياسية والدستورية ...(11) ":

(ليس بين أهل العلم بالإسلام خلاف حول أنه من مقتضي الإسلام أن يلتزم المسلمون بمبادئ الإسلام وقواعده المتصلة بشئون الدولة ونظام الحكم ، التزامهم بغيرها من مبادئ الإسلام وقواعده المحكمة لمختلف شئون الحياة)

وفي تعبير دقيق عن هذه الحقيقة يقول المفكر المسلم التركي تيلمان ناجل :

(إن الإسلام كدين أو كشكل من أشكال عبادة خالق هذا العالم ، الذي لا خالق سواه ، لا يمكن أن يترجم إلي حقيقة واقعة إلا إذا كان ذلك في إطار كيان سياسي يخضع لهدي الله . ولا يسع المسلمون أن يعبدوا الله وأن يقيموا الصلاة إلا حين يغدون رعايا مخلصين لدولة إسلامية ، ولن يتاح لهم أن يعيشوا بما يتفق مع أخلاقيات عقيدتهم إلا من خلال الانتماء إلي أمة المؤمنين) .

ولو بسطنا القلم في الاقتباس من كلام علماء الأمة وفحولها لطال المقام فنكتفي بوشل من بحر وقليل من كثير .

وهؤلاء الذين يدعون للفصل بين الدين والدولة يقلدون الغرب وتناسوا أن الإسلام مغاير في منهجه وغايته ووسائله عن أي نظام آخر .

فمن المعلوم أن الحكومة الغربية في تطورها الأخير منتزعة من الصراع بين الكنيسة كسلطة إلهية حكمت وتحكم باسم الرب والإله ، وبين الجهة الأخرى المعادية لسلطان رجال الدين في مجالات الحياة المختلفة ، والتي حرصت علي أن تشق عصا الطاعة لهم ، جهة أصحاب السلطة من الأمراء وأصحاب النفوذ الفكري من الفلاسفة والأدباء والعلماء .

وعلي أساس من الفصل بين الكنيسة والحكومة حدد الغربيون معني الدين ، فأرادوا به: التوجيه الروحي للأفراد ، كما حددوا معني الدولة ، والحكومة ، فقصدوا بهما : تنظيم العلاقات بين الأفراد .

واستعانوا في هذا التحديد بموقف المسيح في قومه ، وبطابع رسالته إلي شعب إسرائيل ، وهي رسالة " المحبة بين ذوي القربى " وقد كانت هذه الرسالة تحمل الدعوة إلي إعادة الصفاء بين النفوس التي مزقت روح الحقد والاضطهاد . وبهذا كان الدين في تصور الغربيين مشتقا من طابع الرسالة التي جاء بها المسيح عيسي عليه السلام ومن الحال التي انتهي النزاع بين الكنيسة والحكومة الغربية ، وأصبحت الروحية أو الدعوة إلي صفاء النفوس كما يسمونها مجال اختصاص الدين ، وكل ما خرج عن نطاق هذه الدعوة فليس من شئون الدين .

وبناء علي ذلك قرر الغربيون المسيحيون أنه يجب لتحديد أي دين سابق علي المسيحية أو لاحق لها أن تؤخذ في مفهومه خصيصة المسحية وهي الوقوف عند حد الروحية وبهذا يخرج الإسلام عن طبيعة الدين – في زعمهم – لأنه ينظم العلاقات بين الأفراد ، ويدخل في مجال الإصلاح البشري عندهم .

وهذا الادعاء – بأن الإسلام دين لا دولة – تؤول إلي شيء واحد ، وهو إلغاء شخصية الجماعة الإسلامية التي يحددها دستورها الذي قامت عليه والذي يحتكم إليه أفرادها في شئونهم العامة والخاصة .


علي عبد الرازق ونفثة الشيطان

ولقد شهد تاريخ الإسلام أناس هاجموا الإسلام السياسي وأرادوا فصل الدين عن السياسة وشئون الحكم ، ويتبجحون بكونهم مسلمين أشد غيرة علي الشريعة من العلماء والمجاهدين والنَّبَغَةَ والقديسين بعد مقولتهم الخبيثة تلك .

نعم لقد كان في عهد النبي من يريد الإسلام دين كهوف ومحاريب كعبد الله بن أبي وأعوانه.

لكن أخطر من هاجم الإسلام السياسي في العصر الحديث وأثار صخبا وضجيجا هو الشيخ علي عبد الرازق ابن الأزهر الذي صنف كتاب "الإسلام وأصول الحكم" الذي غبر الجو وكدره وقرت أعين العلمانيين به . وإنما كان كتابه كذلك لأن صاحبه من رجالات الأزهر وليس من الفلاسفة أو العقلانيين بل إن أخاه الفيلسوف مصطفي عبد الرازق لم يرتكب هذا الشطط .

أراد العلمانيون أن يقولوا : إن رجلا من رجال الأزهر له تلامذته ومدرسته ومريدوه والمؤمنون بفكره والمتشبعون بمنهجه هو من هاجم الإسلام السياسي وليس كما يزعم البعض أننا فقط من نهاجمه .

قلت : ولقد رجع علي عبد الرازق عن هذه الأفكار قبل موته وقال بأن هذه نفثة نفثها الشيطان في صدره . والرجل لم يرجع بسبب تكفير الإسلاميين له كما يزعم البعض ، فالرجل لم يرجع والقضية في عنفوانها ، والهجوم عليه من كل صوب ، لكن في آخر حياته والمسألة قد تنوسيت وأغلب الناس لا يعرفون أحي هو أم ميت إذا به يعلن البراءة والتوبة.

وعلي الرغم من رجوع الشيخ وأوبته فالعلمانيون لم يرجعوا بعد وهذا ما يجعلنا نقف مع كتاب الشيخ .

يقول الشيخ علي عبد الرازق : ( إذا كان الرسول صلي الله عليه وسلم قد أسس دولة سياسية أو شرع في تأسيسها ، فلماذا خلت دولته إذن من كثير من أركان الدولة ودعائم الحكم ولماذا لم يعرف نظامه في تعيين القضاة والولاة ولماذا لم يتحدث إلي رعيته في نظام الملك وفي قواعد الشورى ؟! ولماذا ترك العلماء في حيرة واضطراب من أمر النظام الحكومي في زمنه لماذا ولماذا ؟

نريد أن نعرف منشأ ذلك الذي يبدو للناظر كأنه إبهام أو اضطراب أو نقص ، أو ما شئت فسمه في بناء الحكومة أيام النبي صلي الله عليه وسلم وكيف كان ذلك ؟ وما سره؟) .

وهناك شيء مهم يجب التنبيه إليه في كلام الشيخ علي عبد الرازق وهو أن النبي صلي الله عليه وسلم ترك هذه الأشياء ولم يبينها لأن الإسلام جاء بالأسس الكلية والملامح الفكرية الإجمالية لنظام الدولة فوضع الشارع أسسا كلية مجملة كي تكون صالحة لكل زمان ومكان والرسول هو القائل : أنتم أدري بشئون دنياكم ، ولكي يُعمل الفقهاء والعلماء والمنظرون والمقنون عقولهم وأفكارهم في استنباط القواعد المثلي لنظام الدولة ، وهذا ليس بمنحصر في مسألة الحكم بل أكثر مسائل الفقه الإسلامي هكذا وما وضع العلماء علم أصول الفقه إلا لاستنباط الجزئيات من الكليات كل بحسب زمانه ومكانه وثقافته وبيئته . فمن لوازم قول الشيخ أن الشارع لم يأت بتفصيل في نظام الحكم من لوازم قوله غلق باب الاجتهاد لأنه يريد بذلك أن يبين الشارع التفاصيل الدقيقة لكل مسألة من مسائل الفقه الإسلامي فبطل الاجتهاد وبطل كذلك عمل الفقهاء . أعمل الفقهاء يكون في الأدلة قطعية الدِّلالة قطعية الثبوت ؟! أم في الأدلة الظنية واستنباط الفروع من الأصول وحمل المطلق علي المقيد والعام علي الخاص وهكذا ؟ ولو قال الشيخ : بأني ما قصدت أن يبين الشارع التفاصيل في كل مسألة بعينها بل أردت في مسألة الحكم فحسب ؟ قلنا له : لا تخصيص من غير مخصص . ولو قال : بأن تبيين الشارع للمسألة بالتفصيل لا يبطل عمل الفقهاء واستنباطاتهم بل يبقي لهم نظر في توجيه الأدلة وما أشبه . قلنا : لكن الفقه في الواقع ونفس الأمر يدل علي ما قلناه ، وإن صح زعمك .

ولو كان الشارع ألزم ذاته بسوق الأدلة كلها مفصلة لا مجملة ومبينة لا مبهمة لصح زعم الرجل لكنه لم يلزم بذلك وإلا فأكثر الأدلة علي الإجمال وبعضها علي الإبهام وفي ذلك حكم سامية بينها العلماء في علم أصول الفقه وعلوم القرآن . فالرجل قصر نظره علي مسألة الحكم ونظام الدولة فقط وأمعن فيهما فأثار ضجيجا وقال بأن مسألة الحكم مجملة ومبهمة فبطل ما يُسمي بنظام الدولة في الإسلام وتناسي أن أسس الفقه الإسلامي مجملة ومن هنا نشأت بعض العلوم ليتم الاجتهاد تحت إطار هذه الأدلة المجملة التي اعتبرها الشيخ قصورا .

ولو سار الشيخ علي منهجه هذا في كل مسائل الفقه من عبادات ومعاملات وغيرها لخرج علينا وقد ظن نفسه أبا عذرة الفهم وابن بجدة العلم وقال بأن لا معاملات إسلامية من بيع وشراء وكراء وما أشبه ، فالإسلام أكبر من هذه التفهات التي تتم بين البشر ناهيك علي أن الشارع أجمل أدلتها ولم يبين ما المراد منها بالتفصيل ..،..!!

ولقال بأن الحضارة الحديثة تحتم علينا أن نواكب أوربا في تقييد الزواج ومنع الطلاق ولقال .. ولقال .. ولقال .. لأنه حرر نفسه من الضوابط الأصولية .

يقول محمد عمارة في كتابه " جمال الدين الأفغاني بين حقائق التاريخ وأكاذيب لويس عوض ":

( فقط نريد أن نبه إلي أن الشورى الإسلامية كما جاءت في القرآن والسنة هي فلسفة حكم وليست نظاما مفصلا وجاهزا لكل زمان ومكان ، فأي سبيل يسلكه المسلمون لتحقيق الحد الأقصى من سيادة إرادة الأمة هو أقرب السبل إلي روح فلسفة الشورى التي دعا إليها الإسلام).

ويقول أديب الدعوة الشيخ الغزالي رحمه الله في كتابه "الإسلام والأوضاع الاقتصادية "  :

والإسلام لا يؤيد نظاما اقتصاديا – وسياسيا – بعينه ، ولا يخاصم نظاما بعينه . إنما يحارب ويسالم ، ما يكون من النظم ، بحسب ما يتولد منها ، وما ينشأ عنها ، وما يصيب الشعوب من خيرها أو شرها.
إن الدين كالنسيج الخام ، يلبس الناس منه ما يحفظ أجسامهم ، ويزين هيئاتهم . وقد تختلف طرائقهم في كيفية التفصيل وأسباب التزيين ، ولكن لا يجوز علي أية حال أن يعروا عنه .

وأعود للرد علي الشيخ علي عبد الرازق لأن زعمه تشبث به أقوام أرادوا أن يزحزحوا الإسلام ويطووا رايته .

قالوا بأن الإسلام السياسي سبب في انحطاط أمتنا ! قلنا : فالإسلام بعيد عن حياتنا السياسية منذ انهيار الخلافة وما قبلها فهل تقدمنا أم أن الاستبداد صار شنشنة وسجية ؟

ثم من هو المستبد الظالم الآن ؟ ومن الذي يمسك بزمام الحكم ويأبي أن يتركه حتى الممات؟ أهم الإسلاميون ؟ أم العلمانيون ومن تربوا في أحضان الغرب ؟ ومن الذي تحالف في الجزائر مع العسكر ضد إرادة الشعب لأن الشعب أتي بأولياء الله والعارفين به الذي يطمئن إليهم ؟ ومن الذي تحالف مع الطواغيت في بلادنا ضد الإسلاميين ؟ مع أن العلمانية من أُسسها الديمقراطيةُ وأن الشعب هو مصدر السلطات ، لكن الشعب إذا أتي بهم بثّوا هذه المعاني وتشدقوا بها ، وإذا أتي بغيرهم انقلبوا عليه وقالوا بأن شعوبنا غير ناضجة ونحن سنختار لهم من يحكمهم .

وردَّ العلاّمةُ البهي علي كلام علي عبد الرازق الذي نقلناه آنفا وقال:

(إن الجهل بالشيء ليس دليلا علي عدم وجوده ، فقد نظم الرسول صلي الله عليه وسلم القضاء ، وبين الإجراءات التي يتبعها القاضي عندما ترفع إليه الخصومة فقال عليه الصلاة والسلام :" لو يعطي الناس بدعواهم لادعي ناس دماء رجال وأموالهم ، ولكن اليمين علي المدعي عليه" وقال صلي الله عليه وسلم لابن عمه علي كرم الله وجهه حينما ولاه قضاء اليمن :" فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضين حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول فإنه أحري أن يتبين لك القضاء ". وكان صلي الله عليه وسلم يختار للقضاء الفقهاء من صحابته ، وكان ممن ولاهم : عمر وعلي ومعاذ وغيرهم . فلا صحة لدعوي المؤلف التي يريد أن يثبت فيها أن النظام القضائي في عهد رسول الله صلي الله عليه وسلم لم يكن واضح المعالم ، وأنه لم يستقض أحدا).

قلت : وقد رد عصبة من العلماء الفحول والأئمة الكبار علي الشيخ علي عبد الرازق ، وأحسن من رد عليه بتؤدة وتمهل وتأصيل ومنهجية العلامة الفقيه محمد بخيت المطيعي مفتي الديار المصرية في كتاب " حقيقة الإسلام وأصول الحكم " والإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر الخضر حسين التونسي في كتابه " نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم" ، وشيخ الإسلام مصطفى صبري في كتابه "موقف العقل والعلم من رب العالمين" ، وفي عصرنا رد عليه آخرون أبرزهم المفكر الإسلامي محمد عمارة الذي نشر كتاب علي عبد الرازق وضمنه مقدمة طويلة في الرد عليه .

ولا تزال إلي يومنا هذا قوي التغريب والغزو الثقافي والماركسيون والشعوبيون تجدد نشر ما ادعاه علي عبد الرازق . وذلك لخداع المسلمين عن حقيقة دينهم ، وإذاعة مفهوم الدين العبادي القائم علي الروحيات والمساجد وإنكار حقيقة الإسلام بوصفه دينا ومنهج حياة ، ونظام مجتمع ، ويقوم الادعاء الخبيث الذي يثيره الاستشراق علي أن في الإسلام مذهبين ، أحدهما يقول : بأن الإسلام دين ودولة ، والآخر يقول بأن الإسلام دين روحي . ويضعون علي عبد الرازق علي رأس الفريق الذي يقول هذا القول . والواقع أن الإسلام لا يعرف إلا الرأي الأول ، وأن ما ذهب إليه علي عبد الرازق سنة 1925م لم يكن مطروحا من قبل . كذلك نريد أن نقول بأن علي عبد الرازق لم يكن إماما مجتهدا ، وإنما كان قاضيا شرعيا تلقفته قوي التغريب فاصطنعته تحت اسم "التجديد" ، ودعي علي عبد الرازق إلي لندن لحضور حلقات الاستشراق التي تروج للأفكار المعارضة لحقيقة الإسلام وهدم مقوماته ، وأهدي هذا الكتاب الذي وضع عليه اسمه مترجما إلي اللغة العربية وطلب إليه أن يضيف إلي مادته بعض النصوص العربية التي يستطيع اقتباسها من كتب الأدب . أما الكتاب نفسه فكان من تأليف قرم من أقرام الاستشراق وداهية كبير من رجال الصهيونية الحديثة واليهودية العالمية هو "مرجليوث" الذي تقضي الصدف أن يكون صاحب الأصل الذي نقل عنه طه حسين بحثه عن الشعر الجاهلي والذي أطلق عليه أبو فهر محمود شاكر "حاشية طه حسين علي بحث مرجليوث" !

وقد كشف هذه الحقيقة الدكتور ضياء الدين الريس في كتابه "الإسلام والخلافة في العصر الحديث" ، وهكذا نجد أن السموم المثارة في أفق الفكر الإسلامي توضع أساسا من رجال التغريب .. ثم تختار لها أسماء عربية لتحمل لواءها وتذيعها إيمانا بأن الاسم العربي أكثر تأثيرا وأبعد أثرا في جبذ الجماهير .

ولطالما تحدث التغريبيون عن كتاب "الشعر الجاهلي" و "الإسلام وأصول الحكم" علي أنهما دعامة النهضة في الفكر الحديث ، ونحن نري أنهما دعامة التغريب التي حاولت خداع الجماهير المسلمة عن حقائق الإسلام العظيم .

ومع أن حركة اليقظة الإسلامية واجهت كتاب علي عبد الرازق المنحول وفندت فساد وجهته وأخطائه .. فإن قوي التغريب لا تزال تعيد نشره وطباعته ، مع مقدمات ضافية يكتبها كُتاب مضللون ، يجدون في هذه الفترة التي يرتفع فيها صوت تطبيق الشريعة الإسلامية والدعوة إلي الوحدة الإسلامية مناسبة لنفث هذه السموم مرة أخري ...(12)


خاتمة

لقد أثبتنا في هذا البحث الوجيز أن الإسلام منهج حياة ، وأن هذا الشعار ليس خاصا بالإسلاميين ( الإخوان المسلمون "أنموذج") فحسب ، بل إنه من البدهيات والمسلمات في أروقة الإسلاميين والأزاهرة والمفكرين علي اختلاف مشاربهم وتباين أفكارهم وأيدلوجياتهم .

فالإسلام لا ينفك عن حياة المرء السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لأنه في ذلك كله مراقب لربه خاضع لمظلة السماء ، ومن ثم حياة الأمة كلها .

وقلنا بأن من لوازم كون "الإسلام منهج حياة" ، أن يكون دينا ودولة شريعة وأمة ، وليس كما يردد العلمانيون أن لا دخل للإسلام في هذه المناحي .

وأثبتنا كذلك أن الأستاذ الإمام حسن البنا كان له قصب السبق في هذا الجانب ، أعني جانب الإسلام السياسي الذي اندثر في عهده بين طبقة العوام والمثقفين ، وأنه استطاع أن يترجم فلسفة الأفغاني وعبده ورشيد التي خاطبت النخبويين وفئات من المثقفين والتي لم تلق رواجا وانتشارا لكونها جديدة عهد بأذهان المجتمع ككل بما فيه من مثقفين ، استطاع أن يترجم هذه الفلسفة إلي واقع عملي ، وأن يخرج من حيز التنظير المجرد والمثال إلي حيز الممارسة والواقع ، وأن قوي الاستعمار استفزت بعدما لمحت هذا الجانب يعود للحياة من جديد في عقول وأذهان الشباب الواثب ، شباب الصحوة الإسلامية . فعملت هذه القوي علي اغتيال الفكرة وظنت أن اغتيال مؤسسها قادر علي وأدها ، إلا أنها كانت قد آتت ثمارها ، وضربت بجذورها في أفئدة رُوّاد الصحوة الإسلامية وكوادر جماعة الإخوان .


المراجع

1- قولنا بشمول الإسلام أو الشمولية الإسلامية نعني بها أن الإسلام رسم الكليات والملامح لجوانب الحياة بأكملها مع ترك الجزئيات وتفاصيلها وفروعها لتطور حياة البشر واجتهاداتهم "أنتم أدري بأمور دنياكم" ، ولا نقصد أن الإسلام نظام شمولي بالمصطلح السياسي المعهود اليوم ، والذي يراد منه : نظام الحزب الواحد الذي يمسك بزمام السلطة بكاملها ولا يسمح بأي معارضة كالفاشية والشيوعية التي تكتل الجمهور باختلاف مشاربه في كتلة واحدة هي الدولة . فالإسلام مغاير تمام المغايرة لهذا النظام فالإسلام لا يمنع من وجود معارضة قوية بناءة وحرية واثبة متألقة في سياق هوية الدولة وقواسمها المتعارف عليها .

2- التربية السياسية عند الإمام حسن البناالقرضاوي – ص9 – ط1/ مكتبة وهبة 2007م .

3- رسائل الإمام الشهيد حسن البنا ص289 ط/العلمية للتراث .

4- انظر : التقرير الإستراتيجي العربي 2007-2008م ، ص402 ، ط1/ مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية 2008م ، وانظر : أعداء الحواء أسباب اللاتسامح ومظاهره – مايكل أنجلو ياكوبوتشى – ص152 ، 303 ، 334 ، 339 – ط/ الهيئة المصرية العامة للكتاب 2010م .

5-انظر : المرأة من السياسة إلي الرئاسةمحمد عبد المجيد الفقي – ص16 ، ط/الهيئة المصرية العامة للكتاب 2010م .

6- التربية السياسية عند الإمام حسن البناالقرضاوي– 15 وما بعدها ، ط/ مكتبة وهبة .

7- رسائل الإمام الشهيد حسن البنا ص288 .

8- انظر: التربية السياسية عند الإمام حسن البنا ص20 .

9- روبير جاكسون: حسن البنا الرجل القرآني – ص16 ترجمة أنور الجندي ، ط2/ مركز الإعلام العربي 2011م .

10- كلمة الحقأحمد شاكر ، تقديم عبد السلام هارون – ط2/ 2007م .

11- الأزمة السياسية والدستورية في مصر 1987-1990م ، محمد سليم العوا ، ط1/ الزهراء للإعلام العربي 1991م .

12- انظر: إعادة النظر في كتابات العصريين في ضوء الإسلام لأنور الجندي ،ص55 وما بعدها.