وحى رمضان .. هدية السماء إلى الأرض

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
وحى رمضان .. هدية السماء إلى الأرض

بقلم / الإمام حسن البنا

هذه نظرات فى كتاب الله، يقدمها تباعًا لقراء جريدة الإخوان المسلمين فى شهر رمضان الأستاذ المرشد العام؛ فليس أولى بنا وبهم فى هذا الشهر العظيم من أن نذكر أنفسنا ونذكرهم بالقرآن و(الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) [الذاريات: 55].

بسم الله الرحمن الرحيم (حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِّنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [الدخان: 1-6].

(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلاَمٌ هِىَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) [القدر: 1-5].

(وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِى بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللهِ الَّذِى لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ أَلاَ إِلَى اللهِ تَصِيرُ الأُمُورُ) [الشورى: 52-53].

وهكذا شاء رب السماء أن يتفضل على عباده فى الأرض، وأنزل كتابه الكريم على قلب نبيه العظيم فى موكب من الملائكة المقربين، يتقدمهم الروح الأمين فى ليلة مباركة، سلام هى حتى مطلع الفجر؛ ليكون لهم النور والضياء، والعافية والشفاء، والغنى والثراء، والرحمة والذكر، ومراد التأمل والفكر (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِى الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) [يونس: 57-58].

وكانت مهمة هذا القرآن فى الوجود أن يهدى للتى هى أقوم، وأن يرشد إلى سبل السلام، وأن يخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد؛ الله الذى له ما فى السماوات وما فى الأرض.

وما أجمع الرسالة وأشملها؛ لأنها للناس عامة وليست لأمة دون أمة، وما أعظمها وأكرمها لأنها سبيل إخراجهم من الظلمات إلى النور، ظلمات الكفر والجهل والحقد إلى نور الإيمان والمعرفة والحب وهى دعائم السعادة فى المجتمع.

وهكذا تبين هذه الكلمات على قصرها غاية رسالة القرآن وحدودها، ولا عجب؛ فهى جوامع الكلم وروائع الحكم، لم تتجل فى كتاب، ولم تتقيد فى خطاب كما تجلت فى القرآن المبين؛ لأنه خطاب رب العالمين.

وإنما نزل القرآن فى رمضان؛ لأنه روح من الله يجب أن تجهز لها الأرواح بهجران المادة والصوم عن الشهوات جملة حتى يصادف وعاء خاليًا فيتمكن، وتقع القلوب والأفئدة مبصرة على ضوء واضح ساطع من سناه فترق وتخشع؛ فكانت المناسبة بين القرآن ورمضان، وهذا الصوم الحسى الذى تتطهر به أرواح المؤمنين فتسمو إلى عليين، أو أنه لهذا المعنى فرض الصيام فى رمضان تكريمًا لأيامه ولياليه التى أنزل فيها القرآن (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) [البقرة: 185]، ولقد جاء فى الحديث: "الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة".

وكان النبى صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وأجود ما يكون فى رمضان؛ لأن جبريل كان يلقاه فى كل ليلة فى شهر رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه رسول الله القرآن، فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة.

وروى الحارث الأعور قال: "مررت بالمسجد، فإذا الناس يخوضون فى الأحاديث، فدخلت على على، فقلت: يا أمير المؤمنين ألا ترى الناس قد خاضوا فى الأحاديث؟

قال: أوقد فعلوها؟ قلت: نعم، قال: أما أنى قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنها ستكون فتنة، فقلت: ما المخرج منها يا رسول الله؟

قال: كتاب الله؛ فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى فى غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذى لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضى عجائبه، هو الذى لم تفته الجن إذ سمعته حتى قالوا: (إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِى إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ) [الجن: 1-2]، من قال به صدق، ومن عمل به أُجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم".

ألا وإنها الفتنة تدفع بالناس فى ظلمات المبادئ المادية الفاسدة والآراء الظالمة الجاحدة، ولا مخرج منها إلا كتاب الله، وأنتم أيها المسلمون حملته، وقلوبكم أوعيته؛ فهل آن لكم أن تتدبروه، فتفقهوه، فتقيموه، فتَسعدوا به، وتُسعدوا معكم البشرية المعذبة، وتَرشُدوا باتباعه، وتُرشِدوا القافلة الضالة، وتلك رسالتكم اليوم كما كانت رسالة أسلافكم بالأمس؛ فهل أنتم لها مقدرون، وفى سبيلها مجاهدون؟ نرجو أن يكون.

المصدر : جريدة الإخوان المسلمين اليومية – السنة الأولى – العدد 74 – صـ3 – 1رمضان 1365هـ / 29يوليو 1946م.