نور الشيخ أسطع من لمع الصواريخ

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ٠٨:٠٥، ٢ يونيو ٢٠١٤ للمستخدم Attea mostafa (نقاش | مساهمات)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
نور الشيخ أسطع من لمع الصواريخ

بقلم : الدكتور عبد العزيز الرنتيسي

لقد كان الشيخ أحمد ياسينرمزا إسلاميا كبيرا في حياته، وقد أصبح باستشهاده معلما بارزا فريدا في تاريخ هذه الأمة العظيمة، لم يخبرنا التاريخ عن قائد صنع من الضعف قوة كما فعل هذا العالم المجاهد، هذا القائد الذي لم يؤمن يوما بالضعف المطلق لأي كائن بشري, ولا بالقوة المطلقة لكل من يتصف بأنه مخلوق لأن القوة المطلقة هي من صفات الخالق سبحانه (وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً) {165البقرة} :

فالشيخ المؤسس لحركة المقاومة الإسلامية قد بلغ الثامنة والستين من العمر قبل أن تغتاله عصابات القتل اليهودية الصهيونية، ولقد أمضى منها ثلاثة وخمسين عاما مشلولا شللا تاما، فجميع العضلات من جسمه فيما هو أدنى من مستوى العنق قد أصاب قوتها الضعف الشديد بسبب حادث عرضي أدى إلى كسر عنقه، ثم ما لبث أن أصبح جسده الطاهر بلا حركة، فإذا بالشيخ وقد فقد الحركة يؤسس حركة أرقت مضاجع أعداء الله وأعداء المسلمين، فصنع من جسده الضعيف قوة يحسب لها ألف حساب.

لقد استنهض الشيخ القعيد الشعب الفلسطيني المستضعف الذي لا يملك من أسباب القوة ما يدفع به عن نفسه شرور اليهود الصهاينة الذين لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة، فنهض الشعب الفلسطيني ليقارع الاحتلال بالحجر والسكين، ثم بالبندقية، ثم بحمم قذائف الهاون وصواريخ القسام، فصنع من ضعف هذا الشعب قوة لم يعد في مقدور محور الشر الصهيو أمريكي تجاهلها، وبدأ هذا المحور الإرهابي الظالم في الشعور بالقلق الشديد على مستقبل مخططاته الشيطانية، خاصة أن الشعب الفلسطيني بانتفاضته وصموده قد استعصى على الكسر في الوقت الذي ضعفت فيه الأمة عن مواجهة محور الشر هذا وهو يكيل لها الصفعات صباح مساء، بل وضعفت عن نصرة هذا الشعب المنتفض المرابط الذي اعتمد على الله أولا، ثم على ما قام به هذا الشعب من لملمة لبقايا أسباب القوة.

وأما المفاجأة الكبرى فقد تجسدت في العمليات الاستشهادية التي صنعت من أجساد الرجال قنابل كان لها وقع الصاعقة على قادة الإفساد والتخريب والقتل من صهاينة وصليبيين، لقد عجزت الترسانة العسكرية الصهيونية بما تملك من أسلحة الدمار عن التصدي لهذا السلاح الذي قضى على أحلام اليهود الصهاينة في البقاء في فلسطين، وهكذا تحول ضعف الأجساد للرجال وللنساء على سواء إلى سلاح استراتيجي وجد فيه الضعفاء ملاذهم الأهم للدفاع عن أنفسهم في مواجهة فرق الموت الصهيو أمريكية التي باتت في فَرَقٍ من انتشار ثقافة العمليات الاستشهادية بين صفوف المستضعفين في العالم، وبدأت تشعر تلك الفرق المتوحشة أن ما يصبون إليه من بسط نفوذهم على أمتنا العربية والإسلامية ومن ثم على العالم بات أمرا صعب المنال.

من أجل كل ذلك تجرأ اليهود أعداء الله على دم الشيخ كما تجرأوا من قبل على دماء الأنبياء والصالحين، لقد أرادوا بما يحملون من فكر شيطاني أن يجففوا نبع القوة، ومصدر الإشعاع الروحي والجهادي، عنوان الصمود والثبات والصبر، الذي أحيا الأمل في نفوس المستضعفين، وقد استطاع أن يحرك كل من حوله في وقت لا يملك هو فيه أن يحرك إلا عقله ولسانه، فهل حقق الصهاينة ما يريدون؟

لقد أخطأ قتلة الأنبياء الهدف وعلى ما يبدو أنهم لا يتعلمون من عبر الماضي، ولا ينتفعون من أخطائهم السابقة، لقد قتلوا الأنبياء من قبل ولكنهم فشلوا في إطفاء النور الذي جاء به الأنبياء، وما قتلوا الأنبياء إلا لأنهم يعشقون الظلام، وكانوا يهدفون من قتل الأنبياء الحفاظ على العتمة التي تشكل البيئة المناسبة لبقائهم، فلن يكون هناك وجود لأمثال هذا العفن البشري إذا ما انتشر الضياء.

فماذا جنى هؤلاء القتلة اليوم من محاولة إطفاء النور المنبعث من هذا الجسد النحيل جسد الشيخ المجاهد أحمد ياسين؟ وهل نجح عشاق الظلام في إطفاء الشعلة؟ وما هي نتيجة ما اقترفوا من جريمة؟

أولا :

لقد جلبوا لأنفسهم غضب الله الذي يغار على أوليائه، وهو القائل في كتابه (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ) {62ـ63 يونس} والقائل في الحديث القدسي "من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب"، أنا واثق أنهم سيسخرون من هذا القول، ولكننا ندرك ماذا يحمل هذا القول من تهديد مزلزل للمفسدين في الأرض، كما ندرك أنه الحق وما وراءه الباطل.

ثانيا :

لقد بقي الشيخ حيا فيما يحمل من فكر لا يقبل الظلم ولا يستسلم لمعاول الهدم والتخريب الإرهابية، لقد تجذرت مبادئه وترسخت في قلوب مريديه وتلاميذه، وسيقول أصحابه كما قال أصحاب محمد عندما ذاع نبأ استشهاده في موقعة أحد "موتوا على ما مات عليه"، لقد استشهد الشيخ وغاب بجسده الطاهر ولكن لم تغب روحه الاستنهاضية، ولم تغب حجته التي أقامها على الأمة التي تتذرع بالضعف فتستسلم مستكينة أمام جزاريها، لقد غاب الشيخ عن الأنظار ولم يغب عن قلوب الملايين الذين آمنوا بفكره الجهادي، وفكره السياسي، فضلا عن فكره الإيماني الراسخ، بل لا أبالغ إن قلت أن استشهاد الشيخ قد عمق حضوره بيننا، وزاد من وثوق مريديه بما بشرنا به من نصر وتمكين.

ثالثا :

لقد برهن اليهود باغتيالهم الشيخ على كرسيه المتحرك أنهم أنذال جبناء، فالعملية فوق كونها استهدفت شيخا قعيدا، إلا أنها أيضا لم تظهر أي إبداع عسكري أو استخباري فالشيخ كان في طريقه من المسجد إلى البيت أمام الأنظار، ثم لم يترددوا في استخدام الطائرات الأمريكية الصنع في قصف كرسيه المتحرك، كل ذلك إنما يدل على حقارة كانت وما زالت من صفات الصهاينة اليهود، وحتى تكتمل حلقات العار الذي لحق بهم من جراء ارتكابهم هذه الجريمة البشعة خرج كبير إفكهم مزهوا يبارك ما تخجل من فعله النفوس الآدمية السوية مما زاده عارا على عار، لقد مسخت هذه الفعلة النكراء صورة اليهود بدرجة غير مسبوقة، كما مسخ إخوانهم من قبل فكانوا قردة خاسئين.

رابعا :

لقد أججت هذه الجريمة النكراء الحقد على اليهود الصهاينة والصليبيين الأمريكان في نفوس المسلمين، بل ونفوس غير المسلمين ممن يحتفظون بشيء من صفات البشر، مما سيكون له أثره في المستقبل بالفعل التراكمي لما يقوم به أعداء الله من اعتداءات متواصلة على الأمة العربية والإسلامية.

خامسا :

لقد وضعت هذه الجريمة النكراء كل المتساوقين مع المشاريع الأمريكية والصهيونية في قفص الاتهام، وأستطيع القول أن المخططات التصفوية للقضية الفلسطينية والوجود الفلسطيني قد لفظت أنفاسها الأخيرة مع صعود أنفاس الشيخ إلى بارئها.

سادسا :

قد يضحك القتلة ملء أشداقهم اليوم بفعلتهم الشنعاء، ولكن أذكرهم بما ينتظرهم مما يجعل قول الله عز وجل (فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ) {82 التوبة} كأنه إنما نزل بهم.

المصدر