نحو طور جديد: المنفصل والمتصل في تربيتنا

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
نحو طور جديد: المنفصل والمتصل في تربيتنا
حمس الشهداء نبراس الأمة وياسين رمز لها.jpg

بقلم. أبو جرة سلطاني

مرَّ شهران على مؤتمرنا الثالث، زرت خلالها 13 محافظة في أرجاء وطننا الواسع ( الجزائر )، وفي كل جلساتي مع الإخوان ، وخطاباتي للمتعاطفين والمناضلين كانت الأشواق متعلقة بأمرين لم يختلف حولهما اثنان، هما:

- موضوع التربية.

- وشأن الرئاسيات.

مفهوم التربية بين القديم والجديد:

التربية هي التربية، ما تغير مفهومها عندنا؛ فهي ربانية شمولية، وتكامل وتوازن، لكن الواقع يحتاج إلى "تربية تكميلية".

مفهوم "التربية التكميلية" مازال عندنا محكومًا بعائقين:

- عائق "التربية الكهفية" في عصر الانفتاح واقتصاد المنافسة الفكرية والسياسية والإعلامية على صعيد الفهم والممارسة الميدانية.

- وعائق المواءمة بين المبادئ والمصالح، أو بين ما يخدم الدين وما لا يتعارض مع الدين في كلياته الكبرى؛ فما يخدم الدين مباشرة "تربية أصلية"، وما لا يتعارض مع الدين "تربية تكميلية" تدور حول مفاهيم مراعاة التحولات التي حدثت في العالم بين 89- 2000 م.

فمنذ تفكك المعسكر الاشتراكي، وسقوط جدار برلين، وهبوب رياح الديمقراطية على العالم الإسلامي أصبح من "واجب الوقت" إدخال مفردات جديدة لإثراء المنهج التربوي القديم، هذه المفردات الجديدة يجب أن تستهدف أربع مسائل جوهرية:

1- الوعي بالأدوار الجديدة للإسلام في عالم متغير لا تحكمه المبادئ في نظر الآخرين بقدر ما تحمكه المصالح والتوازنات والاستراتيجيات، خاصة بعد أن صار للإسلام خصوم استراتيجيون لا يحاربونه مباشرة، ولكنهم يخترعون له مصطلحات جديدة، ويلفقون له تهمًا مبتدعة لمحاصرته وضربه في حواشه.

2- القدرة على التكيف المنضبط، والصمود الواعي والمدروس أمام شتى التيارات والعواصف على مختلف الأصعدة والمجالات؛ سواء تعلق الأمر بالسياسة والاقتصاد والاجتماع، أو تعلق بالمال والأعمال، أو بالثقافة والفكر والصراعات اللغوية والعرقية والإثنية... وذلك بتقديم الإسلام ابتداء في كلياته، وليس اختزالات تقف عند باب "ويل للمصلين".

3- الارتفاع فوق مستوى الخلافات الهامشية، والمضي إلى الإيغال في المسائل الجوهرية ذات البعد الإقليمي والعالمي؛ كمسألة الحريات وحقوق الإنسان، والعدالة الاجتماعية، والحروب، والمياه، والبيئة، وكرامة الإنسان (الجوع، البطالة، الأمراض الفتاكة، الأمية، الصحة، التمدرس، الطفولة والأمومة... إلخ) مع المحافظة بشكل دقيق وجوهري على مفاهيم الربانية والشمول والرسالية والتوازن... وسائر خصائص الإسلام الكبرى ومقاصده العليا.

4- استدراك النقص الحاصل في تكوين الشخصية الإسلامية المتوازنة على نحو يحقق التكامل بين فقه الشرع باجتهادات جديدة منضبطة، وفهم الواقع بكل تناقضاته، وحسن معالجة المشكلات الواقعية الأكثر إلحاحًا على فطرة الإنسان مع مراعاة الخصوصيات المحلية والتوازنات الجهوية، والأولويات الخاصة بكل فئة في هذا المجتمع، أو بكل تيار فاعل ينشد التغيير المتدرج المرحلي.

إن الإسلام- كمرجعيات فكرية للنشاط السياسي- ليس موضوعًا خارج التاريخ؛ ولذلك لا يليق أن تظل المناهج التربوية في نشاطاتنا السياسية والاجتماعية أو المنهج التربوي المعتمد يعالج موضوعات خارج التاريخ، ويقدم أدوية تقليدية لأمراض عصرية، لا تقل خطورة عن "الإيدز"، فالتربية بهذا المفهوم عملية متفاعلة مع الواقع مؤثرة فيه، "متكيفة" معه إيجابًا على قاعدة: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾(الرعد:11).

لقد نشَّأ منهاجنا التربوي- في مرحلته الأولى (قبل الانفتاح)- عناصرَ ممتازة تصلح أن تكون قدوة في الوعظ والإرشاد والتحذير من الانحرافات الاجتماعية والزيغ الأخلاقي، ولكنها لا تملك أدوات الحصانة من هذه التحذيرات، حتى لو خاضتها هي بنفسها من منطلق القدوة، ليس لضعف في التكوين؛ وإنما لأنها لم تجرب حياة الخلطة والصبر على أذى الناس ممن يعتقدون أنهم أكثر "إسلامية" من الدعاة أنفسهم، لاعتقادهم أن الإسلام نشاط عام يشارك دعاته في مساعي التغيير، ونسوا أن الإسلام- بحد ذاته- يمثل شاريع خير اجتماعية واقتصادية، وذات منفعة عامة، وليس أبدًا دروسًا ومواعظ يضطلع بها "شيوخ" يرفضون خلطة المجتمع، ويكتفون بإرسال المواعظ من فوق المنابر، فهم يذكرونك في اليوم سبعين مرة بواجب "تقوى الله"، ولكنهم لا يقدمون لك وسيلة واحدة لتنفيذ هذا المشروع، وهم يحذرونك كل لحظة من التورط في "الواقع الجاهلي"، ولا يكاد أحدهم يعرِّف لك هذا الواقع، أو يحدد لك الفواصل النفسية أو الفكرية أو حتى " الجغرافية" بين هذه "الجاهلية" والجوار الإسلامي، وبهذا نشأ التناقض الفاضح- خلال الممارسة- بين ما نقوله للناس، وما هو موجود أمامهم في الواقع!

لقد نشّأت مناهجنا التربوية "كفايات" تريد.. ولكنها لا تقدر.. و"كفايات" أخرى تقدر.. ولكنها لا تريد.. وكلتاهما مشتركتان في جوهر أساسي؛ هو التناقض بين الذات الفقهية والواقع الميداني، إنها كفاءات تمتلك ذاتًا فقهية طاهرة نظريًّا، بل هي حقيقة "بيضاء" شديدة الحساسية من كل لون آخر، حتى ولو كان شبيهًا بالبياض، تدعو الأمة إلى "تبييض" واقعنا، ولا تقدم وصفة واقعية لهذه العملية، فإذا خالطت الواقع "تورطت".

إننا لا نعيش واقعًا صحيًّا؛ لذلك نبدأ بالعلاج المتاح أولاً، ثم نطلب بعد ذلك من هذه الذات الطاهرة أن تعيش واقعًا فيه كل ألوان الطيف، ولكنه يجنح إلى السواد بفعل الانفلات من الفضيلة، وإيغاله في مسمى "ثقافة الاستهلاك".

إن واقعنا بهذا الثقل لا يمكن فهمه بدراسة الكتب، وتصيد مواقع الإنترنت- وإن كان ذلك ضروريًّا- وإنما لا بد من إجراءات جريئة تفصل الشكل عن الموضوع.

ونظرية الانفصال والاتصال التربوي لنا فيها نظرات وملاحظات انتظروها أسبوعيًّا على هذا الموقع.

وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

المصدر


قالب:روابط أبو جرة سلطاني