ميادين وثورات

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ٢٠:٥٢، ٢٠ يناير ٢٠٢١ للمستخدم Lenso90 (نقاش | مساهمات) (حمى "ميادين وثورات" ([تعديل=السماح للإداريين فقط] (غير محدد) [النقل=السماح للإداريين فقط] (غير محدد)))
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
ميادين وثورات


إخوان ويكي

مقدمة

ميادين كثيرة في مصر وفي مختلف البلاد التي شهدت حكما استبداديا تحول فيها غضب الشعوب المتراكم إلى وقود للأمل فى "العيش والحرية والكرامة الإنسانية" مع كون بعضها نفذ فيها وقود الثورة سريعا قبل أن يضىء مصابيح الحرية، وذلك لهجوم كاسح من الثورات المضادة التى رفضت الاستسلام لدعوات "إسقاط النظام"

أو لهجمات القوى الخارجية التي لا تريد لهذه الشعوب أن تتحرر حماية لمصالحها الشخصية، أو أو للأموال الساخنة المتدفقة من قوى إقليمية سعت بكل قوة إلى إجهاض أى مشروع للتغيير عن طريق الميادين، حتى لا تمتد الفكرة إلى أراضيها، أو "يستملح" مواطنوها «أحاديث الثورة» فى الدول الشقيقة خاصة ثورات الربيع العربي.

الثورة بين عشية وضحاها

الحرية والديمقراطية هي طوق النجاة الذي يحمي الأوطان من اندلاع الثورات واشتعال الاحتجاجات، وهو ما لم نره في العصر الحديث في الدول العربية والإسلامية التي بسط الاستبداد نفوذه على شعوب هذه البلاد سواء في صورة محتل غربي أو أعوانه بالداخل وهو ما أوجد أنظمة ديكتاتورية مستبدة على استعداد لابادة الشعوب في سبيل أن تظل على كراسي الحكم.

و الثورة في أحد معانيها، هي الإطاحة بنظام سياسي اجتماعي اقتصادي، واستبداله بنظام مختلف تماما عن طريق حركة شعبية عارمة، أو عن طريق العنف المسلح. وقد تكون الثورة ضد محتل أجنبي (كالثورات الأمريكية والجزائرية والفيتنامية)، وقد تكون ضمن حدود البلد الواحد، وموجهة ضد طبقة، أو سلطة حاكمة تُلحق أضرارا بغالبية أبناء الشعب، فيقوم الشعب بالإطاحة بتلك الطبقة الحاكمة بشكل جذري، واستبدالها بنظام بديل مغاير في الاتجاه والأيديولوجية والبنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

ولقد شهدت مصر كثير من الثورات في العصر الحديث منذ حاول المستعمر الفرنسي بسط سيطرته على مصر ودول الشرق الأوسط عام 1798م فاندلعت ثورة القاهرة الأولى والثانية حتى اضطر المحتل الفرنسي لحمل أذيال الخيبة والخروج من مصر عام 1801م. كما شهدنا ثورة الزعيم أحمد عرابي ضد استبداد الخديوي الذي كان لا يهمه بلد يحكمها بقدر حرصه على إرضاء دول الاستعمار الغربي.

وحينما بسطت بريطانيا سيطرتها على مصر عام 1881م بعد خيانة بعض المصريين لشعبهم ووطنهم، تحرك الشعب بعد سنوات مارس فيها المحتل غطرسته حتى إقيمت مشانق علقت فيها أجساد بعض المصريين الفقراء دون أى ذنب أو جريرة، فكانت ثورة 1919م والتي أشعلت كل ميدان وكل شارع قبل أن تنطفئ وهجها ويمتص المحتل البريطاني غضبها ليبقى في البلاد بعدها أكثر من 35 عاما.

وفي 23 يوليو كان ضربة البداية تحرك الجيش ضد الملك وفساده وتعاون معه الإخوان – كأكبر فصيل منظم آنذاك – قبل أن يخرج الشعب في اليوم التالي داعما لكن تحت حماية وحدات الجيش المنتشر في شوارع العاصمة القاهرة والإسكندرية.

وهو ما نستطيع أن نسميها انقلاب وثورة، حيث يقول شعبان الطاهر الأسود:

الكثير من النخب المتصارعة والتي تنقلب على بعضها، تحاول إعطاء الشرعية لحركتها من خلال القول أنها ثورة نابعة من الإرادة الشعبية وتسعى لتحقيقها، فالانقلاب هو انتقال السلطة من يد فئة قليلة إلى فئة قليلة أخرى تنتمي إلى نفس الفئة الأولى التي كانت تسيطر على الحكم أو على الأقل تشبهها
ويكون باستخدام وسائل العنف الرسمية دون إحداث تغيير في وضع القوة السياسية في المجتمع أو في توزيع عوائد النظام السياسي أي انه تغيير في أوجه حال الحكام دون تغيير في أحوال المحكومين والانقلاب نوع من أنواع التمرد، وغالبا ما يكون الانقلاب باستيلاء العسكر على السلطة الشرعية بواسطة القوة المسلحة وتغيير نظام الحكم بالقوة دون الرجوع للناخبين والسلطة هنا هي الحكومة. (1)

شهدت مصر بعدها كثير من المظاهرات والانتفاضات – والتي ربما لم يتجاوب معها الشعب بطوائفه - إلا أنها سرعان ما كان النظام العسكري المصري يقوم بقمعها بشتى الطرق والأساليب.

ميادين ثورة الشعب (25 يناير)

شهدت المنطقة العربية مع نهاية عام 2010م، بداية عدد من الثورات والانتفاضات والحركات الاجتماعية، التي تراوحت بين السلمية والعنيفة، سواء من جانب القائمين بها أو الداعين إليها، من ناحية، أو من جانب ردود الفعل الرسمية ممثلة في النظم السياسية القائمة، من ناحية ثانية.

والأحداث التي شهدتها المنطقة العربية، في موجة غير مسبوقة في تاريخها الحديث والمعاصر، امتدت من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، وشارك فيها عشرات الملايين، الذين جمعت بينهم أهداف مشتركة، وقيم واحدة، رغم اختالف الأطر والمنطلقات التي يتحركون من خلالها.

انطلقت شرارة الثورة بطريقة شبه عفوية، لكن بعد أن اكتملت العناصر الأساسية لقيام أية ثورة (كدرجة من القمع والاضطهاد، ومصادرة للحريات لا تُطاق، ووعي عام بمدى الظلم الذي أصاب كافة فئات الشعب، يصاحبه وعي عام بمدى فساد السلطة وعنجهيتها، واستخفافها بمشاعر الناس، ثم تصل بعد ذلك شرارة الانطالقة عند وصول حالة الغليان إلى نقطة االنفجار، يصاحبها استعداد عال للتضحية لدى نسبة كبيرة من أبناء الشعب بعد كسر حاجز الخوف) (2)

كانت البداية متمثلة في دعوات شبابية وانتفاضة ضد ممارسات جهاز الداخلية ووزيرها حبيب العادلي، إلا أنها وجهت بعنف شديد من قبل الداخلية واعتقالات ومطاردات للشباب، وسخرية من رأس النظام حينما صرح أمام أعضاء مجلس الشعب المزور بكلمة (خليهم يتسلوا).

اتسعت الهبة الشعبية لتشمل كافة أرجاء الوطن، وصولا لنقطة الحسم التي تنحى فيها رأس النظام بعدما اشتعلت الميادين بهتاف (الشعب يريد إسقاط النظام).

كانت الأسباب التي دفعت الشعب للانتفاضة التي لم يعودوا منها إلا بعد اسقاط النظام متعددة ومتشعبها، فكان منها:

"قانون الطوارئ الذي ظل 30 عاما مطبق على رقاب الناس – تجاوزات رجال الشرطة – سوء الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية – رغبة النظام في التوريث وتعديل الدستور – تصدير الغاز لاسرائيل – تفجير كنيسة القديسين بالإسكندرية – تزوير انتخابات مجلسي الشعب والشورى – نجاح الثورة التونيسية" (3)

ميدان التحرير

كان القبلة الأولى التي أشعلت لهيب أخر ثورة شعبية وطنية في مصر عام 2011م، قبل أن يتحول لثكنة عسكرية لخوف النظام من تكرار سيناريو 2011م، بل بلغ الأمر بالسلطات المصرية أن حشدت جهودها على قدم وساق لإنهاء التغييرات العمرانية التي تجريها بميدان التحرير، أيقونة الثورة المصرية، في محاولة لطمس هويته الثورية والقضاء على رمزيته بالنسبة لأبناء ثورة 25 يناير والشباب المؤمن بها الذي كان الميدان بالنسبة له قبلته التي يستقبلها كلما دبت روح الثورة بداخله بين الحين والآخر.

كانت السنوات الأخيرة من عهد مبارك مليئة بالظلم والفقر والجوع والغلاء والذل والذي ظل يمارس على الشعب منذ خطف العسكر حكم مصر بعد أحداث يوليو 1952م وبدل من أن يحكم البلاد ملك واحد فقد امتلئت البلد بالملوك بملابس عسكرية.

لقد احتضن ميدان التحرير الثورة منذ ولادتها يوم 25 يناير وفي غضون 18 يومًا فقط استطاع بما لديه من جاذبية ثورية كبيرة أن يسقط نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك في 11 من فبراير 2011، ليبقى التحرير شاهدًا حيًا على لحمة المصريين وتماسك وحدتهم في مواجهة أنصار الثورة المضادة.

اعتبر ميدان التحرير مركز الثورة الأول، وفيه تجمعت أغلب رموز الحركة الوطنية المصرية من جميع التيارات السياسية والحزبية والمستقلة، ومنه كانت تعلن أبرز التصريحات والمطالب على لسان شخصيات سياسية بارزة، وشباب متحمسين ربما لم يكن يعرفهم كثيرون قبل ذلك. لقد كان الإخوان المسلمين المحرك والحامي الرئيسي للميدان طيلة الـ18 يوما حيث شهد لهم بذلك الداني والقاصي، قبل أن تتحول كلمات الصدق إلى كذب صريح لطمس دورهم في هذا الميدان الثوري.

ظل ميدان التحرير رمزًا للهوية الثورية للمصريين على مدار أيام الثورة وما بعدها، فكان مركز الثورة الأول، وفيه تجمعت أغلب رموز الحركة الوطنية المصرية من جميع التيارات السياسية والحزبية والمستقلة، ومنه كانت تعلن أبرز التصريحات والمطالب على لسان شخصيات سياسية بارزة، وشباب متحمسين ربما لم يكن يعرفهم كثيرون قبل ذلك.

يتمتع الميدان بموقع إستراتيجي رائع، إذ يتوسط حزمة من المنشآت والمؤسسات المهمة التي ارتبط اسمها بالثورة، منها مسجد عمر مكرم الذي اتخذه بعض المتظاهرين مركزًا طبيًا لعلاج المصابين، والمتحف المصري ومجمع التحرير للمصالح الحكومية والمجمع العلمي.

كما يطل عليه شوارع عديدة ظلت محفورة في ذاكرة الثورة المصرية، كونها شهدت احتجاجات واشتباكات بين المتظاهرين وقوات الأمن، خلال أحداث يناير وما تبعها من أحداث، ومنها شارع محمد محمود وشارع طلعت حرب وشارع القصر العيني، بخلاف ماسبيرو.

وإيمانًا من السلطات الحاليّة بقيمة وقامة هذا الميدان، حرصت طيلة السنوات الماضية على إجراء بعض التغييرات التي تهدف إلى طمس معالمه، فكانت البداية من مسح رسوم جرافيتي مبنى الجامعة الأمريكية بشارع محمد محمود، التي كانت أحد أبرز سمات الميدان والحراك الثوري برمته.

وخلافًا للمتاريس الإسمنتية التي أقامها المجلس العسكري عدة مرات أواخر عام 2011 وذلك بهدف منع المتظاهرين من الدخول للميدان، أقام نظام ما بعد الثالث من يوليو بوابات حديدية بشارع القصر العيني المؤدي إلى الميدان وبوابات أخرى قرب وزارة الداخلية.

وفي يوليو 2015 هدمت السلطات مقر الحزب الوطني الرئيسي الذي أحرقه الثوار، هذا بجانب تغييرات أخرى شملت المقاهي والمطاعم والمتنزهات المحيطة بالميدان، حيث عمدت السلطات إلى بث حالة من الرعب والخوف في نفوس المارة، وذلك عن طريق تكثيف حملات التفتيش الذاتي واستهداف المقاهي بحملات أمنية مكبرة، بخلاف إغلاق محطة مترو السادات بين الحين والآخر. (4)

كوبري قصر النيل

اعتبر من أشهر الجسور بمصر حيث عبره ملايين المتظاهرين يوم جمعة الغضب ودارت فوقه أعظم ملاحم الوطنية لشباب آمن بالحرية، وأقيمت فوقه صلوات وصلوات في هذا اليوم، وسالت فوقه كثير من دماء الشباب الذكية التي كانت وقود للثورة حتى انتصارها.

ومن أبرز الصور التي انتشرت لذلك الجسر تلك الصورة التي وقف فيها المتظاهرون في منتصف الجسر أمام قوات الأمن، بينما كانت قوات الأمن تحاول تفريقهم باستخدام خراطيم المياه لمنع تقدمهم نحو ميدان التحرير. وظل هذا الجسر حجر عثرة أمام قوات الأمن طيلة أيام الثورة، حيث وثق العديد من الملاحم البطولية للمتظاهرين في مواجهة عربات الأمن التي تقهقرت أمام الأمواج الغفيرة للثوار غير المبالين بالرصاص المطاطي والمسيل للدموع الذي تطلقه قوات الأمن المتمركزة فوق الجسر.

ميدان عبدالمنعم رياض

شهد هذا الميدان أغرب المعارك الحربية بين شباب أمن بحرية الوطن ورجال حاربوا من أجل بسط نفوذ العبودية على هذا الشعب، فكانت معايير القوى غير متوازنة.

شباب عزل لا يملكون إلا روحهم المعنوية العالية، ومرتزقة جاءوا على خيول وجمال لغزو الميدان وفضه من الشباب الثار، وجرت ما سميت بموقعة الجمل على أرضه واستمرت حتى الساعات الأولى من فجر اليوم الثاني حينما تدخلت الداخلية بقناصيها لقتل الثوار، إلا أن الشباب – وفي القلب شباب الإخوان ورجالهم – صدوا هذه الهجمات وانتصر الميدان.

ميدان القائد إبراهيم بالإسكندرية

تفاعلت الإسكندرية من أول يوم مع دعوات الشباب الثائر وخرج الكثير منهم بهتافات شقت عنان السماء تطالب باسقاط النظام. ورأى سكان مدينة الإسكندرية في هذا الميدان، الذي أطلق عليه البعض اسم "ميدان تحرير الإسكندرية" نقطة التقاء مثالية نظرا لموقعه المتميز في منطقة محطة الرمل.

كان المتظاهرون يتوافدون إلى تلك الساحة من أنحاء متفرقة، وشهد الميدان اشتباكات حامية بين المتظاهرين وقوات الشرطة، لا تقل ضراوة عن تلك التي وقعت في ميدان التحرير. وكانت هناك أيضا ساحة مسجد سيدى بشر، وميدان الساعة، وميدان الشهداء بمنطقة محطة مصر، وهي ميادين تظل شاهدة على أحداث تلك الانتفاضة الشعبية في 2011 في محافظة الإسكندرية. (5)

ميدان الأربعين في السويس

عرفت مدينة السويس بالاحتجاجات القوية ضد نظام مبارك، واحتل ميدان الأربعين في السويس مكانة خاصة بين ميادين الثورة في مصر احتل ميدان الأربعين في السويس مكانة خاصة بين "ميادين الثورة" في مصر، إذ تشير تقارير إلى أن أول شهداء ثورة يناير سقطوا في ذلك الميدان قبل يوم "جمعة الغضب" في 28 يناير - كانون الثاني.

ولميدان الأربعين تاريخ طويل مع الثورة، إذ يعد الميدان رمزا لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي لمصر، فقد خرجت المقاومة الشعبية في السويس للشوارع لمواجهة القوات الإسرائيلية التي كانت تفرض حصارا على المدينة إبان حرب أكتوبر عام 1973.

ميدان الشون بالمحلة الكبرى

في محافظة الغربية، وبالتحديد في مدينة المحلة الكبرى، مهد الثورات العمالية المصرية، يوجد ميدان الشون، وهو الميدان الذي مهد الطريق أمام الثورة على مبارك، إذ خرجت فيه احتجاجات عمالية واسعة في يوم 6 من أبريل - نيسان عام 2008، التي عرفت حينها بـ"انتفاضة المحلة".

وتشتهر المحلة بحركتها العمالية، وتضم أكبر مصانع للغزل والنسيج في البلاد، وقد تأسست حركة الـ6 من أبريل تخليدًا لذكرى ذلك اليوم، الذي خرج فيه متظاهرون للشوارع للمطالبة بالعدالة الاجتماعية وتحسين أوضاعهم المعيشية، وذلك الحركة علامة فارقة في الحراك العمالي حتى ثورة يناير.

وفي جمعة الغضب توافد المتظاهرون إلى الميدان للمطالبة بإسقاط النظام، واعتصموا فيه حتى إعلان تنحي مبارك عن السلطة، ومنذ ذلك اليوم تحول الميدان إلى قبلة للوفود الثورية وقيادات الثورة، حتى تحول إلى أيقونة بالنسبة لأهالي المحلة ومحافظة الغربية على وجه عام.

ميدان الممر بالإسماعيلية

لقد مرت أغلب المظاهرات والاحتجاجات التي شهدتها مدينة الإسماعيلية من هذا الميدان، الذي يطلق عليه البعض لقب ميدان "الثورات".

وقد شهد الميدان إبان ثورة يناير مظاهرات حاشدة، وتمكن المتظاهرون من الصمود في وجه قوات الشرطة التي تراجعت بعد فشلها في تفريقهم. ويمثل ميدان الممر قيمة رمزية وتاريخية لدى سكان المدينة، فهو رمز من رموز المقاومة الشعبية ضد الاحتلال الانجليزي لمصر.

ميدان الشهداء في بورسعيد

لم تكن المظاهرات التي خرجت في 25 يناير في مدينة بورسعيد أقل حماسة من تلك التي خرجت في السويس أو الإسكندرية، وكان ميدان الشهداء في قلب مدينة بورسعيد هو قبلة المتظاهرين الرئيسية.

واعتصم المتظاهرون في الميدان قبل أن يقرر مبارك الرحيل عن السلطة، وشهد الميدان احتفالات حاشدة عقب تنحي مبارك بعد أن شعر المتظاهرون بأنهم حققوا حلما كان "مستحيلا" في نظر البعض. وهكذا لعبت تلك الميادين في مصر دورا بارزا إبان ثورة 25 يناير عام 2011، وستظل شاهدة على الحدث الذي يعتبره البعض نقطة فارقة في تاريخ مصر الحديث.

ميادين في شتى المحافظات

وفي الشمال، في مدينة دمياط الصناعية، هناك ميدان الساعة أو كما يلقبونه "ميدان الثورة" الذي تحول إلى قبلة القوى الثورية والحركات الشعبية الاحتجاجية خلال الأيام الأولى من يناير، ورغم محاولات تشويه المكان وطمس هويته، فإنه ظل منارة للثوار والحالمين باستعادة روح يناير مرة أخرى.

وفي محافظة البحيرة هناك ميدان الثورة بدمنهور، الميدان الأبرز الذي شهد التجمعات الكبرى لمواطني البحيرة منذ ثورة 25 يناير وما تلتها من أحداث متعاقبة، ورغم تعرض المبنى لبعض التغييرات، لا يزال استراحة الثوار التي يلجأون إليها متى حل بهم التعب، فاحتضن الكثير من نقاشاتهم واجتماعاتهم، بل وخططهم أيضًا، فكان شاهدًا على أحداث متلاحقة مر بها الميدان، وظل ملاذًا يلجأ إليه كل من أراد استرجاع ذكرياته مع الثورة، ثم كان للبيزنس الكلمة العليا بعد هدمه نهاية العام الماضي، تمهيدًا لاستبداله ببرج ضخم.

ومن البحيرة إلى كفر الشيخ حيث ميدان النصر، الذي كان ملاذًا لثوار المحافظة ورموزها السياسية الذي شهد العديد من الفعاليات على رأسها خروج أول مسيرة مناهضة للداخلية، للمطالبة بإقالة وزيرها الأسبق حبيب العادلي، ورحيل نظام مبارك بأكمله، احتجاجًا على التعدي على المشاركين فى تظاهرات جمعة الغضب، بطريقه وحشية من جانب رجال الشرطة .

وفي محافظة الشرقية، كان الثوار على موعد مع ميدان أحمد عرابي بمدينة الزقازيق، حيث احتضن حراكهم وتفاعل مع مطالبهم بما يتميز من رمزية ثورية تعيد للأذهان بعضًا من صفحات التاريخ إبان الحملة العرابية وشجاعة المصريين في مواجهة الملك والإنجليز في آن واحد.

ومن الشرقية إلى الوادي الجديد، حيث ميدان البساتين الذي كتب شهادة ميلاده الثورية مع ثورة يناير، كونه أول ميدان بالمحافظة يشهد تظاهرة حقيقية، وكان ذلك بداية الاشتباكات بين الشرطة وأهالي مدينة الخارجة وإحراق سيارة شرطة بالميدان في اليوم التاسع من الثورة.

وفي الفيوم شهد ميدان السواقي أو ما يعرف بميدان "الثورة"، خلال تظاهرات 25 يناير 2011 ، وقفات محدودة في الأيام الأولي لانطلاقها إلا أن يوم 28 يناير 2011 والمعروف "بيوم الغضب"، اختلف فيه مشهد الميدان، حيث خرج المتظاهرون للمطالبة بإسقاط النظام، التي كانت لها وقع آخر على صعيد الأحداث.

لم يكن الصعيد (جنوب مصر) ببعيد عن تلك الأحداث، إذ تتميز مدن الجنوب بعدد من الميادين التي كانت ولا تزال قبلة للثوار وأبناء يناير، البداية مع ميدان بالاس بمحافظة المنيا الذي تحول اسمه بعد ذلك إلى ميدان شهداء يناير، الذي كان قبله المتظاهرين بكل أطيافهم ومقاصدهم على مدى السنوات السابقة منذ يناير 2011.

ورغم تعدد الميادين في محافظة بني سويف، فإن أكثرهم شهرة ومكانة، ميداني الزراعيين والمديرية، حيث شهدا أغلب تظاهرات القوى المدنية من جميع قرى ومراكز المحافظة، ابتداءً من يوم 28 يناير 2011 مرورًا بإعلان فوز الرئيس الأسبق محمد مرسي وصولًا إلى الحركات الاحتجاجية التالية لما بعد 3 من يوليو 2013.

وفي أسيوط هناك قرابة 4 ميادين ثورية رئيسية، على رأسها ميدان الشهيد أحمد جلال "المنفذ سابقًا" أهم ميادين المحافظة الذي شهد على مدار السنوات الماضية نقطة البداية للعديد من التظاهرات خاصة للقوى الثورية، ويلاصق الميدان مسجد ناصر وهو أكبر مساجد المدينة وتجاوره كنيسة الملاك ويفصل بينهما منطقة وعظ أسيوط ولجنة الفتوى بالأزهر الشريف.

علاوة على ميدان عمر مكرم الملاصق لجامعة أسيوط، الذي شهد انطلاق العديد من التظاهرات التي جاءت تحت عنوان "مليونية نصرة الشرعية"، بجانب ميدان المجذوب هو الأشهر بين وسائل الإعلام المحلية والعالمية، إضافة إلى الساحة المواجهة لديوان عام المحافظة.

وبينما يستقبل المصريون الذكرى التاسعة لثورة يناير، وفي الوقت الذي دب اليأس في نفوس البعض جراء ما تعرض له ميدان التحرير من تشويه متعمد لإسقاط رمزيته الثورية، فإن المحافظات المصرية تعج بعشرات الميادين الأخرى، التي لا تقل ثورية ولا مكانة عن التحرير، ويمكن أن تخلق تحريرًا جديدًا في أكثر من مكان وهو ما يصعب على السلطات تطويقه بالآلية ذاتها. (6)

مسارات ملغومة

لم تنعم الشعوب التي انتفضت وضحت بدمائها في سبيل الحرية كثيرا بما قامت به، حيث حاصرتها الثورات المضادة بكل ما امتلكته من وسائل القوة سواء المالية أو العسكرية.

يقول طارق عثمان:

لقد كانت الموجة التي انطلقت من تونس في نهايات 2010 ومنها إلى مصر، بمثابة بشارة على نهاية السمت الديكتاتوري لأنظمة الحكم في الإقليم، وبداية حقبة ديمقراطية حقيقة. ولكن مسار الديمقراطية في البلاد التي انتهت فيها هذه الثورات تقريبًا (تونس، مصر، ليبيا، اليمن) لم يكن كما كان يؤمَّل له؛

ويمكن اختزال أسباب التعثر الديمقراطي فيما بعد الثورات في الآتي:

  1. سطوة الأيديولوجيا: انخرطت القوى الثورية بعد أول إشارة على سقوط الأنظمة الديكتاتورية، في صراع أيديولوجي مرير فيما بينها، أطّرته الثنائية: إسلامي - علماني؛ مما زاد من تفككها وهي المفككة أصلًا، وأنتج حالة من الاستقطاب الحاد في تلك المجتمعات. كان هذا جليًا في الحالة المصرية، وبدرجة أقل في تونس. لقد عجزت الفواعل السياسية فيما بعد الثورات عن توفير قدر أوّلي من التوافق الضروري لتسيير عملية ديمقراطية.
  2. الدول العميقة: ربما كانت السمة الأوضح لهذه الثورات، أنها لم تُنجز مهمتها بمهارة؛ هي لم تقضِ تمامًا على الأنظمة السياسية الحاكمة، لقد تركت خلفها النظام القديم ممتدًا بكل عمق في أجهزة الدولة الإدارية المختلفة، عملت على عرقلة مسار الديمقراطية وتلغيمه ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً. ربما كانت الحالة المصرية نموذجية في هذا الصدد؛ تلقفت المؤسسة العسكرية الحكم مباشرة فيما بعد الثورة، وتلكأت كثيرًا في سبيل تسليم السلطة للمدنيين (المتطاحنين أيديولوجيًا فيما بينهم)، وبعدما سلمتها للإخوان المسلمين، ظلت تعرقل مسعاهم لإدارة الحكم، متوسلة بثلاثة أجهزة للدولة العميقة: السلطة القضائية، والسلطة الدينية، المتمثلة في مؤسسة الأزهر الرسمية، وأجهزة الإعلام (الرسمية أو التي يملكها رموز الدولة العميقة) حتى انقلبت عليهم في نهاية المطاف.
  3. المسارات العنيفة: في الحالة الليبية انتقلت الثورة من حدث سلمي إلى حرب حقيقية؛ لذا فإن انتشار السلاح في أيدي الجميع، وتحوُّل الفاعلين إلى ميليشيات مسلحة، مع وجود جماعات إسلامية عنيفة، وغياب أية مؤسسات للدولة، يحول إلى الآن دون إتمام عملية ديمقراطية حقيقية. وفي الحالة اليمنية ثمة واقع قَبَلي عنيف ومسائل تتعلق بالحوثيين والقاعدة، وحضور أركان النظام القديم في المشهد السياسي ما بعد الثوري، كل ذلك يقف حجر عثرة في طريق عملية ديمقراطية. (7)

يقول محمد كريم:

لم يختلف ما يحدث في التحرير عن غيره من ميادين الثورة، فالمطالب واحدة والعدو واحد، ووسائل البطش لم تختلف، وكما حدث في القاهرة، حدث في الأقاليم، من قنص المتظاهرين السلميين بالرصاص الحي، واستهداف عيون بعضهم، والاندفاع في استخدام الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه.
ومع سقوط الشهداء والمصابين، تطوع كثيرون لنقل الصورة الحية البعيدة عن القاهرة للوكالات الفضائية ووسائل الإعلام العالمية، كما تحوّلت الساحات من منصات سياسية إلى منصات مقدسة، تقام فيها الصلوات للمسلمين يوم الجمع، كما أقيم قداس في ميدان التحرير للمتظاهرين المسيحيين، حيث برزت في هذه الثورة قيم التآخي والتسامح في أبهى صورها، تلك القيم التي أخفاها النظام الفاسد بتغذية الفتنة بين أبناء الشعب المصري طوال حكم مبارك. حيث شهدت ميادين المحروسة، من الإسكندرية إلى أسوان، في تلك الأيام أنبل حدث شعبي في تاريخ مصر.

المراجع

  1. شعبان الطاهر الأسود، علم الاجتماع السياسي: قضايا العنف السياسي والثورة، (القاهرة: الدار المصرية اللبنانية .2003)، صـ47 – 49.
  2. عصام عبدالشافي: الثورات العربية.. الأسباب والدوافع والمآلات، مجلة البيان، صـ73- 90
  3. ثورة 25 يناير: أبناء الوطن، صـ5، 6.
  4. بعد تشويه ميدان التحرير.. أبرز الميادين الثورية في مصر: نون بوست، 19 يناير 2020
  5. أبرز الميادين التي خلدت أحداث الثورة الشعبية في مصر: BBC ، 25 يناير 2019
  6. أبرز الميادين التي خلدت أحداث الثورة الشعبية في مصر: مرجع سابق.
  7. طارق عثمان: ثورات وثورات مضادة: في تحولات النظام الإقليمي العربي، 26 أغسطس 2014م