منتدى عن معضلات الحرب والسلام : تقرير عن مصر

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
منتدى عن معضلات الحرب والسلام : تقرير عن مصر


بقلم: أ.سها بيومي


نظرة عامة علي العلاقات بين الإتحاد الأوروبي ومصر

إن العلاقات بين الإتحاد الأوروبي ومصر يحكمها إتفاقية شراكة. فالمفاوضات بين الإتحاد والأوروبي ومصر حيال إقامة إتفاقية شراكة قد بدأت في عام 1995 واستمرت أربعة أعوام ونصف. وتماماً عقب التوقيع عليها في يونيو 2001، تم إقرار إتفاقية الشراكة من قبل مجلس الشعب المصري وكل أعضاء الإتحاد الأوروبي؛ حيث دخلت طور التنفيذ في بداية يونيو 2004.

يرجع تأسيس العلاقات الدبلوماسية بين مصر والمجتمع الأوروبي إلي عام 1966. ومنذ العام 1977 وحتى منتصف 2004، كانت تحكم العلاقات الثنائية بين مصر ودول الإتحاد إتفاقية تعاون. ففي مجال الزراعة مثلا، تمتعت مصر بموجب بروتوكول 1987 بمعاملة مميزة في السماح لمنتجاتها بالدخول للسوق الأوروبي علي شكل حصص جمركية وجداول تصدير لمنتجاتها. وتحكم صادرات أوروبا من منتجات مصر الزراعية إتفاقية MFN. ففي إطار التعاون الاقتصادي بموجب إتفاقية التعاون، تم التوقيع علي أربعة بروتوكولات مالية تقدم تمويلات لبرامج ومشروعات التنمية في مصر حتى منتصف التسعينات. كما تجمع مصر والإتحاد الأوروبي علاقات جيدة في إطار عملية برشلونة منذ عام 1995 إلي جانب مشروعات التعاون الأورومتوسطي قبلها. بالإضافة إلي ذلك، تعتبر مصر إحدى الدول الموقعة علي إتفاقية أغادير للتجارة الحرة إلي جانب الأردن والمغرب وتونس. كذلك، فإن مصر تعتبر إحدى أكبر المستفيدين من المساعدات المجتمعية بين شركاء المتوسط. فالإتحاد الأوروبي يعتبر ثاني أكبر المانحين في مصر. جدير بالذكر أن المفاوضات بين مصر والإتحاد الأوروبي حيال خطة عمل سياسة الجوار الأوروبية قد بدأت في سبتمبر 2005 في القاهرة واستتبعت جولاتها بين بروكسل والقاهرة تباعاً.

فهذا التقرير يحاول تجميع مصادر المعلومات الأساسية عن رؤية مصر للإتحاد الأوروبي ، خصوصاً عبر تحليل استطلاعات الآراء والتصريحات والتوجهات الحكومية وإصدارات وآراء الأحزاب السياسية إلي جانب توجه المجتمع المدني المنظم حيال الإتحاد الأوروبي.

من المهم أن نذكر بأن المعلومات المتاحة عن الرأي العام المصري حيال الإتحاد الأوروبي محدودة جداً. وهذا يعزى لأسباب عدة، من بين ما استطعنا حصره وعظمت أهميته ضعف التحقق من الإستطلاعات العامة وطريقة توثيقها وأرشفتها. هناك بعض الإستطلاعات العرضية قامت بها صحف مثل جريدة الأهرام علي سبيل المثال. ففي هذه الحالة، يوجد سؤال واحد متعلق بالموضوع وقليل من الردود علي الإنترنت، كما أن هذه الإستطلاعات لا توثق بشكل سليم. من إحدى الأسباب الأخرى لقلة إستطلاعات الرأي هو ضعف مستوى "تسييس" الشعب خصوصاً إذا ما تعلق ذلك بأحد اللاعبين الخارجيين. أما عن آراء النخب السياسية، من هيكل الحكومة أو الأحزاب السياسية، فإن المصادر لا تعدو علي كونها تصريحات رسمية إلي جانب الصحف الرسمية والحزبية.

فتحليل الصحافة يتضمن الصحف (المستقلة، والمعارضة الموالية للحكومة) والمجلات. ومصادر توجهات المجتمع المدني تعتمد أساساً علي الاتصالات والتصريحات والمخرجات الإعلامية من قبل المنظمات غير الحكومية ومنظمات المجتمع المدني الأخرى. هناك بعض المراكز البحثية والأكاديمية ومراكز التوثيق يعولون كثيرا علي هذا التقرير، مثل مؤسسة الأهرام ومركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية ومركز جامعة القاهرة للدراسات الأوروبية ومركز دراسات التوثيق الاقتصادي والقانوني والاجتماعي في القاهرة وبعثة المفوضية الأوروبية بالقاهرة، كذلك مركز المحروسة للتوثيق. علي الرغم من ذلك، لا يزال معدل المصادر الموجودة عن صورة الإتحاد الأوروبي في مصر محدودة؛ وذلك بسبب الفضاء الضيق الذي يشغله الإتحاد الأوروبي في فلك السياسة المصرية إذا ما قورن بالولايات المتحدة علي سبيل المثال التي تعتبر الفاعل الدولي الأكثر تأثيراً علي المشهد السياسي المصري. يقول عمرو الشوبكي، الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، إن تضاؤل الإهتمام المصري بقضايا الشراكة والتعاون مع الإتحاد الأوروبي يرجع إلي الإهتمام المتزايد بالمبادرة الأمريكية في الشرق الأوسط علي حساب مبادرات أخرى (صحيفة نهضة مصر، 13 ديسمبر 2005).

1.الرأي العام

هناك نقص واضح في الإستطلاعات العامة في مصر حيال الموقف من الإتحاد الأوروبي. وهذا في رأيي يرجع إلي نقص المعلومات بين العامة عن الإتحاد والدور الذي يقوم به علي الساحة الدولية، إلي جانب ضعف الشفافية في العلاقات بين مصر والإتحاد، خصوصاً فيما يتعلق بتفاصيل إتفاق الشراكة المصرية الأوروبية. إن الشعب المصري الذي تتجاوز نسبة الأمية في أوساطه الثلث يبدو غير عابئ بمتابعة الأحداث علي الساحة الدولية. لهذا، فإن المصريين يعتبرون غير مسيسيين بدرجة كافية، خصوصاً فيما يتعلق بقضايا السياسة الدولية، تؤهلهم لتبني توجهات وأطر معينة للإتحاد الأوروبي. تقول هناء عبيد تعقيباً علي مسألة الشراكة المصرية الأوروبية: "إن درجات الوعي العام للشراكة متدنية وتكاد كون مقصورة علي الرسميين والإعلام ومراكز الأبحاث والجامعات والنخبة السياسية وطبقة رجال الأعمال. فإستطلاعات الرأي الشاملة والدورية نادرة الحدوث في حين تفشل في وضع معايير لتحليل وجهة النظر المصرية حيال الشراكة وتقييمها." (هناء عبيد، 2004)

لقد تم إستطلاع رأي ومسح إلكتروني وحيد لهذه القضية. علي الرغم من ذلك، لم يتناولا رؤية المصريين للشراكة مع الإتحاد بشكل مباشر. فالإستطلاع قام به مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية في العام 2000 وكان يدور حول رأي المصريين عن الشراكة الأورومتوسطية مقارنة بأشكال أخرى من الشراكة في الشرق الأوسط. في حين تم إطلاق المسح الإلكتروني علي شبكة المعلومات الدولية في عام 2005 بسؤال واحد فقط يرجى منه تحديد التوقعات المصرية من الإتحاد الأوروبي في مجال العلاقات الثنائية.

عندما تم استطلاع الأراء حيال قضية التعاون الأورومتوسطي، أكد 60% من نسبة المصوتين علي إعتقادهم بفاعلية التعاون المصري الأوروبي (سؤال نعم أو لا). ففي الوقت الذي أكد فيه 12.5% عن كون الشراكة الأوروبية أفضل إطار في التعاون الإقليمي للدول العربية بشكل عام ومصر خصوصاً، شدد 17.8% علي أهمية التكامل مع بلاد المشرق العربي، 19.8% علي السوق العربية المشتركة، 25.6 علي التكامل بين الدول العربية والإسلامية إلي جانب 10.8% أكدوا علي التكامل مع تركيا وإيران. (إستبيان مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، 2000)

في 2005، عندما تم الإستفسار عن أكثر التوقعات أهمية في العلاقات بين مصر والإتحاد الأوروبي، كانت الإجابة علي القضايا الآتية:

• دور أكثر فاعلية وأقل تحيزاً في حل الصراع العربي الإسرائيلي (لا يزال محفوراً في ذاكرة المصريين أن الأوروبيين يتحملون كامل المسئولية عن جذور هذا الصراع بوعد بلفور الشهير عام 1917 الذي وعد بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين).

• دور داعم من قبل الإتحاد في دعم القدرات المصرية علي المستوى السياسي والتعبوي علي الصعيدين القومي والإقليمي.

• تفهم أفضل لتطلعات العرب والمصريين للوحدة العربية والتواجد الفعال علي الساحتين الإقليمية والدولية.

• تدخل الإتحاد في حل القضايا الإقليمية كالحرب في العراق والحروب المحتملة علي إيران وسوريا. علي الرغم من عدم كفاية إستطلاعات الرأي علي هذه القضية، إلا إنه يجب الأخذ في الحسبان الخبرات والمبادرات الأخرى. فمؤسسة IMEU (النموذج الدولي للإتحاد الأوروبي) تؤكد علي الإهتمام المتزايد من قبل الشباب المصري، خصوصاً شباب الجامعات، بالإتحاد الأوروبي ومؤسساته وعلاقاته في الشرق الأوسط وفي مصر خصوصاً. ففي العام الجامعي 1998/1999، قامت مجموعة من شباب كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، التي تعتبر إحدى كليات القاهرة التي تشارك بنصيب كبير في تشكيل خريطة النخب الفكرية والسياسية في مصر، بشن فاعلية طلابية خارج المنهج الدراسي أسموها "محاكاة نموذج الإتحاد الأوروبي بكلية الإقتصاد والعلوم السياسية".

وقامت الفكرة علي قيام ثلاث أو أربعة من طلاب الكلية المهتمين بالإتحاد الأوروبي وعندهم معلومات قيمة عن مؤسساته بسبب ميولهم الأكاديمية بعمل محاكاة لثلاث من مؤسسات الإتحاد، مع إعطاء دورات تدريبية للطلاب الآخرين عن هذه المؤسسات والمفاوضات وموضوعات أخرى ساخنة عن أجندة الإتحاد وذلك خلال أشهر قليلة. وقد تم تقديم هذه المشروع للقسم الفرنسي بالكلية الذي دعمه كلياً. كما رعت سفارتي فرنسا وألمانيا والمفوضية الأوروبية بالقاهرة المبادرة بشكل رسمي. وقد حققت مؤسسة IMEU التي تم تأسيسها في 2002 نجاحاً كبيراً عن طريق التواصل مع أكثر من 2000 طالب كل عام. فقد لعبت دوراً كبيراً في رفع الوعي العام بين الشباب عن مؤسسة الإتحاد الأوروبي. وقد تم التحدث عنها في وسائل الإعلام علي أنها تجربة رائدة.


2. النخب السياسية

لقد رحبت الحكومة المصرية بسياسة الجوار الأوروبية كوسيلة لتعميق الشراكة الأورومتوسطية وطريق لتعزيز مكاسبها من جراء هذه الشراكة، مؤكدة أن هذه السياسة لابد أن تعتبر دعماً لعملية برشلونة لا عوض عنها. كما أكدت الحكومة المصرية علي أهمية تعزيز طرق العمل علي أساس المفاوضات الثنائية بين الإتحاد ومصر والمفاوضات متعددة الأطراف التي يشارك فيها كل الشركاء الأورومتوسطيين إلي جانب تأسيس إجراءات تتابعية. والهدف من هذه الإجراءات هو تأسيس علاقات نظائرية (الند بالند) بدلا من عملية المسح الذي يقوم به الإتحاد لتقييم الإنجازات في دول جنوب المتوسط. إلا أنه في الجولات التفاوضية التي تمت مؤخراً علي خطة عمل سياسة الجوار الأوروبية، أبدت الحكومة المصرية مرونة عالية في كثير من القضايا السياسية متذرعة بأنها لا تخضع مباشرة للإختصاص السياسي لخطة العمل مثل حرية الإعلام وقضايا حقوق الإنسان (شهيرة الرفاعي 2005). وقد عبرت الحكومة المصرية عن إيمانها بأن توسع الإتحاد الأخيرسيخلق فرص أكثر لزيادة قيمة التجارة المتبادلة بين مصر ودول الإتحاد، علي أن الإتحاد الأوروبي يعتبر الشريك التجاري الأول لمصر وأكبر سوق مشترك في العالم. من الجدير بالذكر في هذه الإطار أيضاً أن الحكومة المصرية ترى في الإتحاد الأوروبي شريك إقتصادي وتجاري بالدرجة الأولى.

وترى مصادر رسمية كثيرة أن سياسة الإتحاد تجاد دول جنوب المتوسط قد تمت بلورتها بفضل الجهود المبذولة من قبل أطراف عربية عديدة، خصوصاً مصر، وكردة فعل لدعواتهم. في الواقع، بذلت الحكومة المصرية جهوداً حثيثة من أجل تطوير إطار التعاون الأورومتوسطي، بعد متابعة التطورات التي طرأت في العلاقة بين الإتحاد الأوروبي ودول وسط وشرق أوروبا بعد سقوط الإتحاد السوفيتي وخصوصاً بعد قلقها بشأن إمكانية تهميش مصر علي إثر التطور المحتمل لخطة التعاون بين دول شمال المتوسط وجنوبه (5+5) كنتيجة للتطور المحتمل في إطار التعاون الشمال أفريقي – الأوروبي. ولهذا، فإن الحكومة المصرية تستشعر المسئولية تجاه الحفاظ علي علاقاتها مع الإتحاد الأوروبي وتطويرها (إنظر، محمد السيد سليم 2005).

يمكن تلخيص الإنتقادات الرسمية المصرية لدور الإتحاد في الشرق الأوسط في إطار التعاون الأورومتوسطي كما يلي:

• أن الحافز الذي قدمه الإتحاد الأوروبي في عملية برشلونة كان موجه بشكل أساسي من أجل التقليل من منابع عدم الإستقرار؛ وبمعني آخر من أجل التقليل من النتائج السلبية التي يمكن أن تضر بالإتحاد جراء تدهور الأوضاع في جنوب المتوسط. لهذا، فإن حزمة الحوافز تلك من أجل "إحباط العواقب السلبية" لا لـ"حصاد ثمرات التعاون".

• سيطرة الأجندة السياسية والأمنية علي رؤية الإتحاد في حال التعامل مع دول جنوب المتوسط، بذات المنطق الإحباطي لمنع "الأزمات والمشاكل أن تطولهم من الجنوب". ويشار في هذا النطاق بشكل مباشر لقضايا مثل الهجرة والإرهاب. علي هذا، فإن هدف الإتحاد في هذا المضمار لا يتجه نحو مساعدة دول الجنوب في حل مشكلاتهم بل مساعدتهم علي التحكم في مشكلاتهم داخل الحدود وتجنب تصديرها إلي جيرانهم في شمال المتوسط (عماد جاد 2001).

في خطابه الذي ألقاه نيابة عنه رئيس الوزراء الدكتور أحمد نظيف في القمة الأورومتوسطية في الذكرى العاشرة لعملية برشلونة (1995 - 2005)، أكد الرئيس مبارك علي أنه "يوجد من يربط بين التقدم المحدود في تطبيق الجانب السياسي والأمني في عملية برشلونة والعلاقة (التي تحرص عليها مصر) بين التقدم في هذا الجانب وتطور عملية السلام". كما أكد أن "إصرار مصر علي هذه الرابطة موصولة بإصرار مشابه علي دفع عملية السلام علي كل المسارات بعزم مساوي لتعزيز التعاون الأورومتوسطي في هذا الفصل إلي جانب الفصول الأخرى في عملية برشلونة". أما فيما يتعلق بـ "سياسة الجوار الأوروبية"، فقد اكد الرئيس مبارك علي تطلعات مصر نحو "تعاون أكبر في إطار سياسة الجوار الأوروبية" إلا أنه أصر علي الحاجة لـ"توضيحات لما تقدمه هذه السياسة من حوافز وآفاق جديدة خصوصاً فيما يتعلق بالحريات الأربع لحركة البضائع والخدمات ورؤوس الأموال والأفراد". لكن خطاب الرئيس قد حوى خطأ كبيراً وهو الإشارة إلى خطاب ألقاه أمام البرلمان الأوروبي في عام 1997 "قبل أربع سنوات من إطلاق عملية برشلونة" علي حد قوله. لكنه من الجائز أن خطاب الرئيس مبارك الذي ألقاه رئيس الوزراء أحمد نظيق قد خلط بين إطلاق عملية برشلونة في عام 1995 وتوقيع إتفاق الشراكة بين مصر والإتحاد في 2001! إن ضم الإتحاد الأوروبي لدول أوروبا الشرقية والوسطي يعتبر مخالفاً لإلتزام الإتحاد بالتعاون مع دول جنوب المتوسط، حيث أن الإتحاد سيكون أكثر إنشغالاً بالتعاون مع الدول الأعضاء الجديدة.

يوجد مصادر قليلة عن رؤية الأحزاب السياسية المختلفة للإتحاد الأوروبي. فبعض الإشارات القليلة توجد في البرامج الإنتخابية لهذه الأحزاب التي تنصب بشكل عام علي القضايا العامة المتعلقة بالإتحاد إلي جانب أوجه العلاقة بين مصر والإتحاد. إلا أن تتبع التيارات الرئيسية يوضح ميولاً من قبل الأحزاب المختلفة لتعزيز العلاقات بين مصر والإتحاد كثقل مقابل للهيمنة الأمريكية في المنطقة. وقد تمت الإشارة إلي هذا في برامج قادة الأحزاب الذين ترشحوا في حملة الإنتخابات الرئاسية في صيف 2005، إلي جانب عدد محدود من المقالات في الجرائد الحزبية كالوفد والأهالي والعربي التابعة علي التوالي لحزب الوفد (الليبرالي اليميني) والتجمع (اليساري) والناصري.


3. المجتع المدني المنظّم

يعتبر الإتحاد الأوروبي من قبل تيارات معارضة سياسية يسارية وليبرالية بعينها شريك محتمل في "دمقرطة" المشهد السياسي المصري، خصوصاً فيما يتعلق بتقوية إستقلالية المجتمع المدني في وجه الضغوط الحكومية. فكثير من منظمات المجتمع المدني ترى في الإتحاد الأوروبي ممّول مهم حيث تقوم أنشطتها أساساً علي التمويل من مصادر خارجية.

فالبعض قد إنتقد عملية برشلونة لكونها أكثر رسمية وتفتقر إلي مشاركة إيجابية من قبل لاعبي المجتمع المدني علي جهتي المتوسط، وهذا ربما يرجع إلي الحساسية المفرطة في مصر تجاه اللاعبين الخارجيين وذلك علي ضوء معاناتها من الإمبريالية. يرى بعض لاعبي المجتمع المدني أن مصر ودول جنوب المتوسط بشكل عام تأتي في ذيل الأجندة الأوروبية وقائمة إهتماماتها، مقارنة بالقضايا الداخلية للإتحاد وقضاياه الخارجية الأكثر عمقاً علي الصعيدين السياسي والاقتصادي. فهؤلاء اللاعبون يعتقدون أنه لا يوجد وعي كافي، بغض النظر عن الحماسة، بين الرأي العام والمجتمع المدني الأوروبي تجاه السياسة الأورومتوسطية للإتحاد وهو ما يعني ضعف قاعدة الدعم والضغط الداخلي من داخل المجتمع الأوروبي لدفع السيسة الأورومتوسطية للإتحاد قدماً. وتبعاً لذلك، فإن التكلفة المحتملة التي يمكن أن تعاني منها النخبة السياسية في أوروبا في حال فشل السياسات الأورومتوسطية تافهة (جمال عبد الجواد 2001). وقد دعت منظمات المجتمع المدني الإتحاد الأوروبي والحكومة المصرية للتشاور مع المجتمع المدني بخصوص المفاوضات الثنائية حول خطة عمل سياسة الجوار الأوروبية. فقد أكد تلك المنظمات أن خطة العمل لابد أن تتضم إلزامات واضحة للحكومة فيما يخص قضايا الإصلاح السياسي وإحترام حقوق الإنسان ومراقبة المجتمع المدني لتطبيق هذه الخطة.

وقد عرضت هذه المطالب في ندوة نظمها معهد القاهرة لدراسات حقوق الإنسان والشبكة الأورومتوسطية لحقوق الإنسان تحت عنوان "سياسة الجوار الأوروبية: حقوق الإنسان في العلاقات المصرية الأوروبية" في القاهرة بين 26/27 يناير 2006. وقد شاركت كثير من المنظمات غير الحكومية في هذه الندوة، تحديداً الشبكة العربية لحقوق الإنسان، والمبادرة المصرية للحقوق الفردية، والجمعية المصرية للمشاركة الاجتماعية، والمنظمة المصرية لحقوق الإنسان، ومركز حابي للدراسات البيئية، والجمعية المصرية لتدعيم التطور الديموقراطي، والمركز المصري لحقوق المرأة، وجمعية مساعدة السجناء، ومركز الخدمات العمالية والنقابية، ومركز الأرض لحقوق الإنسان، ومركز هشام مبارك الحقوقي، والمنظمة العربية للإصلاحات الجزائية، ومركز ابن خلدون للدراسات التنموية، ومعهد الأندلس للتسامح ودراسات مواجهة العنف، والبرنامج المدني المصري، ومركز كرمة للتنمية، ومركز دراسات المرأة المصرية وأبناء مؤسسة الأرض. في هذا الإطار، دعى المشاركون الحكومات العربية إلي عدم الإنخداع بالنموذج الإسرائيلي والتعلم في المقابل من التجربة الأوكرانية في التعامل مع المجتمع المدني قبل وبعد إقرار خطة عمل سياسة الجوار الأوروبية. فخلال المفاوضات، عقدت الحكومة الأوكرانية مناقشلت مكثفة مع منظمات المجتمع المدني بخصوص ملف حقوق الإنسان في خطة العمل.

وبعد إقرار الخطة، عملت الحكومة مع المجتمع المدني علي وضع خريطة طريق لتطبيق إلتزامات الديموقراطية وحقوق الإنسان المنصوص عليها في الخطة. وقد إعترض المشاركون علي تذرع الحكومة المصرية بـ"السيادة القومية" و"عدم التدخل في شئون البلاد الداخلية" خلال المفاوضات مع الجانب الأوروبي في إطار محاولات الحكومة الحثيثة من أجل إجهاض الإصلاح السياسي ودعم حقوق الإنسان المطالب بها منذ سنوات من قبل المصريين بلا جدوى. فالحكومة ذاتها لا تلجأ لهذه التذرعات خلال التفاوض علي مساعدات إقتصادية أو الدخول في خطة تعاون أمني أو عسكري مع الدول الأوروبية أو الغربية. كما أكد المشاركون علي ضرورة إحتواء خطة العمل لعدد من الأولويات في الفصل الخاص بحقوق الإنسان والديموقراطية.

فهذا لابد أن يتضمن كل الإجراءات لوقف ممارسات التعذيب المنهجية في مراكز الإعتقال؛ مع إقرار سياسات ضرورية لتقديم منفذي التعذيب للعدالة ووضع نهاية للحصانة وقانون الطوارئ الذي يمد السلطة التنفيذية بالمواد التسلطية المطلقة للإجهاز علي الحريات العامة والحقوق. كما رفضوا أي إشارة للدستور القومي عند معالجة قضايا حقوق الإنسان والديموقراطية، كما أكدوا علي أهمية الرجوع إلي المبادئ العالمية لحقوق الإنسان الغائبة والمقضي عليها في الدستور المصري. وتبعاً لما قالته المنظمات الأهلية المشاركة، فإن خطة العمل لابد أن تشترط سنّ قاون جديد لتحرير منظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية والنقابات المهنية من القيود القانونية التعسفية وحمايتهم من تدخلات الأمن والأجهزة الحكومية، إلي جانب تعديل قانون تنظيم العمل الإعلامي لضمان حرية إقامة محطات إذاعية وتليفزيونية وجرائد إلي جانب إعادة هيكلة المؤسسات الإعلامية المملوكة للدولة من أجل ضمان إستقلاليتها عن الحزب الحاكم. علي الجانب الآخر، حذر المشاركون من إنتهاكات محتملة لحقوق الإنسان نتيجة لقانون مكافحة الإرهاب في بعض البلدان العربية والأوروبية. وقد أكدوا من ناحيتهم علي أن الإتجاه الأمثل لمواجهة تحديات الأمن والإرهاب متوقف علي قدرة الإتحاد علي تقديم رؤية شاملة للتنمية وتعزيز حقوق الإنسان والديموقراطية وتفعيل دور المجتمع المدني. فالإتحاد الأوروبي عليه الإحجام عن دعم الأنظمة السلطوية في العالم العربي. فهذه الأنظمة قد تعودت علي ماية بوابات أوروبا من الإرهاب والهجرة بطرق لا تتماشى مع مصالح الشعوب وتشجع علي نمو الإرهاب. وقد أضافوا كذلك أن قدرة الإحاد الأوروبي في تفعيل سياسة الجوار للتعويض عن فشل الشراكة الأورومتوسطية منذ إنطلاق عملية برشلونة في عام 1995 مرهون بوضع ملف حقوق الإنسان والإصلاح السياسي علي قائمة أولويات الأجندة الأوروبية العربية. كما أنها مرهونة أيضاً بإشراك المجتمع المدني في مراقبة هذه المفاوضات والإشراف علي تنفيذ خطط العمل المقترحة مع دول الجوار (الشبكة الأورومتوسطية لحقوق الإنسان).

جدير بالذكر أن معهد القاهرة لدراسات حقوق الإنسان والمبادرة المصرية للحقوق الفردية بالتعاون مع الشبكة الأورومتوسطية لحقوق الإنسان نظموا بعثة مشتركة لعدد من مؤسسات الإتحاد الأوروبي في بروكسل بين 20/22 مارس 2006. وقد أكد الوفد علي الحاجة لتعهدات واضحة ومقيسة ومؤقتة في الباب الخاص بحقوق الإنسان في خطة العمل المصرية الأوروبية. وقد إقترح الوفد علي الإتحاد الأوروبي والحكومة المصرية إنشاء لجنة فرعية لحقوق الإنسان في سياق خطة العمل تحت إطار إتفاقية الشراكة المصرية الأوروبية وإقامة آلية مراقبة فعالة لخطة العمل بعد إقرارها. وقد طالب الوفد بإشراك فعال ومنهجي لمنظمات المجتمع المدني في مراحل التطبيق والمراقبة (معهد القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، 26 مارس 2006). فالقرار الذي أقره البرلمان الأوروبي في السادس من أبريل يكرر ذات المطالب الرئيسية لمنظمات المجتمع المدني في مصر التي تم تقديمها للطرفين المصري والأوروبي في سبتمبر 2005 وألحقت بمذكرات مفصلة بعد ذلك.

من الناحية الاقتصادية، ترى كثير من منظمات المجتمع المدني أن الحصاد المصري من جراء العشر سنوات الأخيرة من الشراكة الأورومتوسطية هزيل جداً إذا ما قورن مثلاً بنصيب الأرباح الذي حصلته إسرائيل من هذه الشراكة؛ وهذا ما صرح به حافظ أبو سعدة الأمين العام للمنظمة المصرية لحقوق الإنسان (محمود بسيوني، 11 ديسمبر 2005). أما من الناحية السياسية، فإن كثيرون يرون أن هذه الشراكة لم تكن نجاحاً فعلياً، علي الرغم من اعتبار الإتحاد الأوروبي وسيط فاعل في عملية السلام بالشرق الأوسط. فهم يعتمدون في ذلك علي أن الإتحاد الأوروبي لم يقر موقف ثابت وإيجابي حيال إنتهاكات إسرائيل لحقوق الإنسان الفلسطيني، إلي جانب رفض الإتحاد فرض عقوبات علي إسرائيل لعدم مراعاتها للشرعية الدولية ومعايير حقوق الإنسان الدولية (ذات المصدر). كما تم التعبير عن خيبة الأمل من جراء إسهامات الإتحاد الأوروبي في الضغط من أجل عزلة سوريا (الأهرام، 2يناير 2006).

يقدم الإخوان المسلمون بعداً آخر في فهم المجتمع المدني الصري للإتحاد الأوروبي. في 23 مايو 2006، إلتقى وفد من أعضاء البرلمان المصري المنتمون للجماعة "المحظورة والمتغاضى عنها من قبل الحكومة" بالسيد أوليفر نيت، مستشار بعثة المفوضية الأوروبية في مصر. وخلال الإجتماع، أكد أعضاء الإخوان أن الإتحاد الأوروبي إذا كان يحترم الديموقراطية ورأي الشعب حقاً، فإنه لا يتوقع منه إذن موقفه الحالي من حكومة حماس علي الرغم من أنها جاءت للسلطة بخيار الشعب عبر إنتخابات ديموقراطية (هناك روابط أيديولوجية واضحة بين الإخوان في مصر وحماس). وقد أكدوا أن هذا الإقصاء والحصار المفروض علي حكومة حماس هو حصار للديموقراطية الفلسطينية. كما إنتقدوا موقف الإتحاد الأوروبي من القضية الفلسطينية بشكل كامل. أما فيما يتعلق بضغوط الإتحاد من أجل مشروع الدمقرطة في المنطقة، فإن الإخوان قد عبروا عن تبرمهم من التدخل الأجنبي في القضايا الداخلية في دول جنوب المتوسط وطالبوا الإتحاد بترك الشعوب تتعامل بطريقتها مع الأنظمة الحاكمة (موقع الإخوان المسلمين، 24 مايو 2006).


خاتمة

كان الغرض الأساسي لهذا المسح هو عرض مصادر المعلومات الأساسية حول كيفيات فهم الإتحاد الأوروبي في مصر وتحليل البيانات المتاحة بغرض تدعيم أبحاث مستقبلية مهتمة بتحليل الصورة الخارجية للإتحاد الأوروبي. فيما يتعلق بالرأي العام، فإنه من الملاحظ قلة في استطلاعات واستبيانات الرأي العام حيال هذه القضية تمكننا من رسم صورة دقيقة لنظرة الجماهير المصرية للإتحاد الأوروبي. أما بالنسبة للنخب السياسية، فمن الواضح أن الحكومة المصرية ترى في الإتحاد الأوروبي شريكاً إقتصادياً فقط نظراً لعلاقاتها السياسية الراسخة مع الولايات المتحدة التي تعتبرها الحليف السياسي الأكبر والملهم لها علي ساحتي السياسة الإقليمية والدولية. كما أنه يتضح أن الحكومة المصرية ليس لها إستراتيجيات طويلة المدى في علاقاتها بالإتحاد الأوروبي أو حتى رؤية واضحة للطرق والسياسات في علاقاتها مع الإتحاد. وهذا ينطبق أيضاً علي الأحزاب السياسية التي تراعي أهمية تقوية العلاقات بالإتحاد الأوروبي كشريك وحليف إستراتيجي.

أما فيما يتعلق بالمجتمع المدني المنظم، فإنه بات من الواضح أن منظمات المجتمع المدني لم تطور إستراتيجية شاملة وواضحة في علاقاتها الخارجية بشكل عام ومع الإتحاد الأوروبي بشكل خاص. فطبقاً لمصادر رسمية، تضم مصر أكثر من 17.000 منظمة مجتمع مدني. فالأغلبية الساحقة من منظمات المجتمع المدني تلك أسسها الإخوان المسلمون ويديرونها من أجل أعمال خيرية. والباقي من هذه المنظمات جمعيات حقوقية تعتند أساساً علي مصادر التمويل الأوروبية. لذا، فإنهم يترددون من إبداء آرائهم، علي الرغم من توجيههم إنتقادات لبعض الجوانب في الشراكة الأورومتوسطية أو بعض التوجهات الرسمية للإتحاد الأوروبي في المنطقة بشكل عام.

أما جماعة الإخوان المسلمين التي تعتبر أهم جماعة معارضة في مصر والتي لم يسمح لها بتأسيس حزب سياسي علي الرغم من تغاضي الحكومة عنها، فإنها قد فتحت قنوات حوار مع الإتحاد الأوروبي (خصوصاً بعد فوزها بـ88 مقعد من أصل 454 من مقاعد البرلمان المصري في نوفمبر 2005). فالمفوضية الأوروبية عقدت بعض المحادثات والإجتماعات مع أعضاء الإخوان. ففيما يبدو أن جماعة الإخوان بحكمتها المعتادة ليست علي إستعداد للإعلان عن إدراكها للإتحاد الأوروبي، فبديلاً عن ذلك تقدم تحفظات علي بعض توجهات الإتحاد في المنطقة وموقفه من حكومة حماس التي يستخدمونها كمؤشر علي موقفهم من وصولهم المحتمل للسلطة في مصر.