مع سيد قطب في فكره السياسي والديني

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ٠٣:٢٥، ٢٧ أغسطس ٢٠١١ للمستخدم Admin (نقاش | مساهمات)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
مع سيد قطب في فكره السياسي والديني

الدكتور مهدي فضل الله

  • دكتور فلسفة – ماجستير حقوق
كتاب سيد قطب.jpg

محتويات

تقديم

بسم الله الرحمن الرحيم
  • الأستاذ الأديب الناقد المفكر الداعية سيد قطب، رحمه الله، أشهر شخصية في العالم الإسلامي في النصف الثاني من القرن العشرين!
  • كان لأدبه وبيانه وفكره ودراساته المنهجية والنقدية أكبر الأثر في المدارس الأدبية، وفي الاتجاهات الجديدة والعميقة في الأدب والنقد والحياة!

ثم كان لدراساته الإسلامية، وتفسيره العظيم للقرآن الكريم، وما أعطاها من بعد نفسي واجتماعي بمواقفه البطولية – التطبيقية، أكبر الأثر في دفع الفكر الإسلامي إلى مرحلة دقيقة وحاسمة من مراحله الهامة في هذا العصر من لدن محمد عبده إلى حسن البنا، حتى وقف سيد بهذا الفكر على أبواب تحد حضاري هائل إذا كتب للعامل الإسلامي أن يتفهم هذه المرحلة ويجتازها بنجاح فإن مدا حضاريا جديدا، إنسانيا وعالميا، سوف يعود إلى الظهور مرة أخرى! وربما استدرك بعض المؤرخين يومذاك فقالوا: بل كان سيد قطب أبرز شخصية ظهرت في المرحلة الأخيرة من مراحل الحضارة الأوروبية الاستعمارية بشقيها الرأسمالي والشيوعي على حد سواء!

  • كان في حياته الأولى مسلما معتزا بدينه، حافظا لكتاب الله .. ثائرا على الظلم والفساد الاجتماعي .. ثم غدا، ولمدة تقرب من ربع قرن من الزمان، داعية إسلاميا كبيرا، وقف في مواجهة الباطل والطغيان، في ظروف حالكة السواد! فلم يحجم ولم يتراجع، ولم تلن له قناة تحت كل ظروف الترغيب والترهيب .. حتى كتب الله تعالى له الشهادة فيمن استشهد – وما أكثرهم رحمهم الله – على يد فرعون بعد أن أعلن هذا، ولأسباب لم تعد خافية على أحد، "قرار اتهامه" الرسمي على قبر لينين!!!
  • وهذا الكتاب الذي نقدمه اليوم لأبناء العربية عن سيد رحمه الله: رسالة جاعية نال بها المؤلف درجة الدكتوراه من جامعة السوربون بباريز .. ففيها كل مزايا الأبحاث الجامعية، وعيوبها، وهي فاتحة دراسات جامعية كثيرة تقوم الآن حول هذه الشخصية الفذة في الجامعات العربية والإسلامية م جهة، وفي الجامعات الأوروبية من جهة أخرى!
  • ويمكن القول: إن هذه الدراسة الجادة تعتبر "مدخلا" هاما لمعرفة حياة سيد رحمه الله بأدوارها المختلفة، وكتبها المتنوعة، ومعالمها الرئيسية، كما تعتبر هذه الدراسة "مقدمة" ضرورية لإبراز أهم آرائه في الإصلاح الاجتماعي والسياسي والديني، ولوضع هذه الآراء في إطارها التاريخي بين كتاب العصر الذين عالجوا هذه المسائل المعضلة.
  • وعلى الكثير من القراء أن يقدروا كتابة هذا البحث، والجامعة التي قدم لها، ليعلموا مدى دقته في صياغته، ومدى خلوه من الأحكام العاطفية أو المسلمة!! التي لا يمكن لمثل هذه الجامعات أن تجيزها في هذا اللون من الدراسات أو الشخصيات، والتي ربما كانت – فيما زعموا – غير مقبولة عندهم بإطلاق، وأخيرا فإننا نرجو، باسم الأستاذ المؤلف، أن يصلنا من ملاحظات الأخوة القراء ما نفيد منه في دعم بعض الآراء، أو تصحيح بعضها الآخر، في طبعات أخرى قادمة إن شاء الله، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الناشر

الإهداء

  • إلى أخت قضت شهيدة الغدر بعد أن ناءت بحمل الجراح وهي في ربيع الشباب، فخلفت في العين عبرة، وأحدثت في القلب كلما.
  • وإلى أب أعطى وطنه كل نفسه بسكون، ولم يمنعه ثوبه الديني من أن يحمل السلاح على الأعداء في وقت عز فيه النضال، واستكان فيه الثوار.
  • وإلى أم علمتني أن العلم سعادة وغنى، والجهل شقاء وفقر.
  • وإلى أستاذ منحني ثقته، وأعطاني من وقته وعلمه وتشجيعه الشيء الكثير.
  • وإلى كل إنسان جاد بحياته دفاعا عن فكرة آمن بها، وإلى كل حر صادق أمين.

أقدم كتابي هذا، عسى أن يكون في ذلك بعض التقدير لمن يستحق كل تقدير.  

تصدير

إذا كان مسار التفكير الإنساني يتوزع على وجه العموم بين مثالية روحية وواقعية مادية، وإذا كان تفسير كل نشاط إنساني يرتبط ارتباطا وثيقا بخلفيات مختلفة ضاربة في أعماق الإنسان، بصرف النظر عن العوامل الخارجية التي قد تعدل من ضروب الغايات، فالحق يقال، بأن نفسي الميالة إلى الأخلاق، تشدني إلى كل إنسان من أي منحى أو مذهب كان، منهجه الصدق والصراحة، والوفاء والأمانة، وغايته العدل .. فالمبادئ الخلقية التي تملأ الكيان، وتتفجر حياة في السلوك، هي التي تشكل نوع الحياة، وما شخصية الإنسان وتاريخه على وجه العموم إلا عبارة عن ردود فعل على مواقف معينة ظرفية، يتحكم في مسيرته وتشكيله شغف شديد بالحق والعدل والخير والمساواة وتكافؤ الفرص، وبين ما هو كائن وما هو واجب، وفرق هو كالفرق بين العرض والجوهر، والظاهر والباطن، والنسبي والمطلق، العقل عندي يشير إلى الضرورة، ضرورة ما يجب أن يكون لا واقع ما يمكن أن يكون، لذا لا عجب أن تاقت نفسي إلى كل تحرر من ضيق المؤثرات التي تأسر الإرادة وتشل الفكر، وإلى كل متعال عن صغار الحياة، يسعى إلى كنف النفوس العالية، حتى وإن كلفه ذلك حياته، مثل ذلك، مثل سقراط، الذي قضى في سبيل الحق، مكرسا بدمائه وحدة النظر والعمل، التي هي غاية كل مصلح وكل فيلسوف، ولعل أنج ح فلسفة وأعظم فكر ما تزاوج فيه القول والفعل، بحيث يؤلفان في النهاية قوة فاعلة محركة، وعندما يصبح القول فعلا أو يحمل معه إرادة الفعل، عندما فقط يستقيم الحديث عن الإنسان الأخلاقي والاجتماعي، وعن طفرات التقدم في تاريخ البشرية، فاللفظ مخلوق ذو كيان اجتماعي وبالتالي فهو مخلوق ذو كيان أخلاقي له أثر إنساني، وما دام اللفظ خاليا من مضمونه منفلتا عن ذاتية ما يعبر عنه، يبقى مجرد هذر من الكلام لا يقول شيئا لأنه لا يفعل شيئا، والتاريخ لا يمكن أن يتنفس حضاريا باللسان وإلا فما أسهل تشكيل الحضارات، أن اللفظ الذي يعبر عن حقيقة المشاعر ولا يخون الذات هو الذي يمسك بزمام المعنى ولا ينفصل عن روحه، والألفاظ متى انعزلت عن مضامينها كان السلب والسكون والتقهقر عوض الإيجاب والتحرك والتقدم، وصح المثل القائل: "إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب".

إن الالتزام الفكري أو السياسي مهما كان نوعه، هو بالنسبة لي، التزام خلقي يستحق الاهتمام والتقدير، لأنه التزام إزاء الحياة نفسها بحياة الحياة كما يجب أن تكون لا كما هي عليه، بروح من المسؤولية الواعية والإرادة الحرة المتفلتة من كل قيد، ولا فرق عندي بين التزام وآخر إلا في طبيعة الوسيلة لبلوغ الغاية، فأنا وإن كنت أؤمن بالقاعدة التي تقول: "من اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد". فإنني أعادي القاعدة المكيافيلية التي تقول بأن الغاية تبرر الوسيلة، حتى ولو كانت وسيلة صديق، وإذا ما كنت أقدر الصداقة إلا أنني أفهمها على أنها نوع من المشاركة الوجدانية، تتحاكي فيها القلوب محبة وصدقا وتضحية، بدون أن يؤدي ذلك إلى سلب الحرية بتوحيد العقول واتحاد الإرادات.

إن كل مذهب أو نظام فكري إنما غايته مصلحة الجماعة أو الإنسان بوجه عام، وهو يقوم على عقيدة معينة لخدمة غاية محددة، وبهذه الصورة فإن أهمية العقيدة تصبح في قدرتها على بناء النفوس وتشكيلها لتقبل النظام، لذا فإن العقيدة هي الوسيلة أو الشكل الأولي الذي يتمظهر فيه النظام والمؤشر الأول على نجاح غاياته، أن التملك المطلق المتحرر من قيود الأخلاق والضمير، المنسلخ عن مصالح المجموعة هو أم المصائب الذي منه تتوزع كل الشرور، ولعل في تنظيمه تنظيما مثاليا، أنجع السبل لإحلال عدالة اجتماعية شاملة.

لشد ما أحوج إنسان اليوم إلى الالتزام، إلى إيمان يعاف الحياة المصنوعة بإرادة الآخرين، يبادر إلى غسل الجراح بإعلان الحرب على العتاة حتى يرتفع العدل وتقوم المساواة، ويتلاشى الشر ويسود الخير، لشد ما أحوجه إلى الأخلاق القويمة والعواطف الصادقة والغايات الشريفة التي تشكل الروابط التي لا غنى عنها لسعادته الأرضية، لشد ما أحوجه إلى الصدق والأمانة والإخلاص والمحبة، لشد ما أحوجه إلى العلم الصحيح الذي يقود إلى المعرفة التي تقود بدورها إلى الحقيقة، لشد ما أحوجه إلى نظام يكون باعثا على الأخلاق، عينا لا ينضب لكل نشاط، يحقق عدالة شاملة هي في صلب الأديان ومن غايات الفلسفات والأمل الذي يراود ذهن كل إنسان، حتى تستقيم خطواته على أديم هذه الأرض المخضبة بدماء الأبرياء وأنات المظلومين وآهات المحرومين، لشد ما أحوجه إلى فكرة تعمر قلبه، وتزخر في نفسه، وتهدر في صدره، فتغسل قلبه، وتطهر نفسه وتستأصل أدران الشر والأنانية والبهيمية من صدره، فيفيض رقة ومحبة، وصدقا وإخلاصا، وتضحية وإيثارا، وتشرق جنباته الإنسانية على فسيح أرجاء الكون المعتمة، فتفتح براعم الأمل في النفوس المعذبة، يقول بول مايير: "إن المجتمع الأوروبي يعيش مرحلة ضياع بعد الحرب العالمية الثانية إذ تحول إلى مجتمع بلا قضية يصرف وقته من أجل زيادة المكاسب والأرباح الشخصية، وهذه الحالة في استمراريتها يمكن أن تحول المجتمع الأوروبي في فترة أقصاها نهاية القرن الحالي إلى مجتمع شبيه بالحيوانات".

ويقول أينشتاين: "إن قيود الذرة المنحلة من عقالها بدلت كل المقاييس ما عدا تفكيرنا، ونحن نسير الآن نحو كارثة لم يسبق لها مثيل".

نعم ما أحوج إنسان اليوم إلى أن يعرف نفسه على حقيقتها فينبذ الازدواجية من حياته، ويتجوهر كله، ويصبح ظاهره وباطنه شيئا واحدا، هكذا أفهم الالتزام، نوع من الإيمان المتفجر، تحول وجداني يطل في كل الأعمال، يهز طبائعنا الثانية ويغير العادات، صحيح أن العادات طبيعة ثانية والتطور معها على غير وفاق ولأن التغير ضرب للعادات، إلا أن التطور سنة الحياة، مبدأ يقره الدين وحقيقة يقول بها العقل، من ينكر ذلك لا شك ينكر ذاته، أن مقياس رقي الإنسان هو في مدى تفلته من نير العادات الجائرة المستغلة، وعبودية التقاليد البالية الخاوية، هو في مدى شعوره بواجب التحرر من قيود مجتمع يسعى إلى شل إرادته واغتيال حياته عن طريق اغتيال الشعور بالزمان لديه، والإنسان واحد من اثنين: إما أن يلعب التاريخ فيكون محركا له باعثا لثورة تكون غايتها محض إنسانية أو يلعب مع التاريخ فيداريه حتى يبلغ أمانيه فيكون انتهازيا جامدا لا أثر له كغيره من الحيوانات.

في حديث لي عن أثر الالتزام الفكري أو السياسي في الحياة؛ قلت إن الالتزام على تباين أنواعه يهدف إلى الخير العام، على الأقل بنظر دعاته؛ وهو يشكل قوة فعالة وطاقة معطاءة قادرة على تطوير الحياة نحو الأفضل وهو يعمل بالنتيجة حتى تصبح الأرض والسماء صنوين متلازمين، فترضى السماء على الأرض وتتحد الأرض بالسماء ليعيش الإنسان – كل إنسان – نعمة الحرية الحقيقية والعدالة الحقة والمساواة التامة، وأن التاريخ لا يمكن أن يتنفس حضاريا إلا إذا وجهته خلفية حضارية، وأن إنسان اليوم لا ينقصه العلم وإنما ينقصه الخلق ولا ينقصه الكلام وإنما ينقصه العمل، وبأنني ملتزم بحب الحقيقة، فالحقيقة غايتي أتوجه إليها أنى كانت، وهي موزعة هنا وهناك ولا يحيط بها مذهب فكري إنساني واحد، وليس أدل على ذلك من تبدل الحقائق العلمية والاجتماعية باستمرار وقصور العقل عن الادعاء بالوصول إلى الحقيقة القصوى، ولعل هذا بالذات ا يتيح لي حرية التحرك في كل اتجاه، فأينما كان الحق ألتفت إليه وأدل عليه سواء كان ذلك عند صديق أو خلافه، في فكرة معينة أو غيرها، فأنا أتيه حبا بكل ما هو أفضل وأجمل وأحسن.

إن صناعة المعرفة مخلوق متغير باستمرار ولن تقف ولا يمكن أن تقف عند حد أبدا لأن في ذلك وقوف الحياة وجماد الإنسان، وإذا كان العقل هو الذي يخلق العلم والعلم هو الذي يصنع المعرفة، فإن العلم ما هو إلا عملية متغيرة على الدوام، لأن الأساس الذي يقوم عليه من ملاحظة واستقراء، محدود بحدود المكان والزمان وهو بالتالي إما ناقص أو قابل للتبدل باستمرار، إن معضلة الفكر الإنساني على مدار التاريخ البشري منذ بداية التفلسف العقلي يدور حول الممكن والواجب، حول ما يجب أن يكون لا واقع ما هو كائن أو ما يمكن أن يكون، ولعل أفضل من يعبر عن عملية الجذب الدائم بين الوجوب والإمكان، كلمة – حكمة – تجرع قائلها السم إزاء التزامه بالكلم، فشغل العقل تفكيرا وزرع الأرض فكرا. "اعرف نفسك ذاتها" كلمة نمر بها مر العابرين كأننا نعرفها تحديدا وتفسيرا وتحليلا والحقيقة هي عكس ذلك تماما، لأن الحقيقة وليدة المعرفة والمعرفة الصحيحة هي ما نحتاجها، "اعرف نفسك ذاتها" هي الأصل في جميع المعارف لأنها أم المعرفة التي بها تستقيم حياة الإنسان في كل مكان وزمان وبدونها لا حياة كما يجب أن تكون الحياة لمطلق الإنسان. هي صرخة لمعرفة حقيقة الإنسان، لمعرفة أصله وتكوينه والغاية من وجوده، نداء عميق لإدراك حاجاته المادية والروحية على حد سواء، في معرفتها همزة الوصل بين الأنا والأنت والآخر، وقطع الصلة مع الذل والخوف والرياء والطمع، ونبذ للازدواجية وانفصام الشخصية، ورفض للمفاصلة بين الروح والجسد، والسلوك والتفكير، والعقل والشعور، وتلاح بين الظاهر والباطن، حتى ينعدم التكثر في النهاية، وتسود الوحدة جميع مظاهر الوجود، فينتشر السلام، وتنعقد أواصر الصداقة بين الكون والإنسان، ويعيش جميع الناس في ظل من المحبة والوئام، ترفرف عليهم أجنحة من العدل والحرية والمساواة.

قد يرى البعض أنني أفلاطوني النزعة يؤمن بعالم المثل ولا ينكر عالم الحس؛ وقد يرى البعض أنني "موري" النزعة، أو "غاندي" الفكر وأنا أرى أن قيام المجتمع الفاضل السعيد الذي هو غاية كل فلسفة وكل دين، يجعلني أنفر من الفكر السفسطائي الذي يدعي بأن الإنسان هو مقياس جميع الأشياء، فما يراه حقا فهو حق، وما يراه باطلا فهو باطل، وما لا يدركه الحس فهو غير موجود، أو كما يقول ابن سينا "أن ما لا يناله الحس بجوهره ففرض وجوده محال" نعم، أنني مثالي واقعي، مثالي يدعو إلى ما يجب أن يكون، لأن ما يجب أن يكون، كان في البدء، وفي البدء لم يكن إلا مساواة كاملة وعدالة تامة، ولم يكن هنالك غني وفقير وحاكم ومحكوم وظالم ومظلوم.

إن قناعتي الذاتية بأهمية كل التزام فكري سواء كان متفقا مع المثل الأخلاقية والاجتماعية التي أدين بها أو لم يكن، يجد تبريره عندي بالتمييز بين ما هو كائن وما يمكن أن يكون وما يجب أن يكون، بين الواقع والمثال، والعدل والعدالة، والحق والحقيقة، والسلم والسلام، والحب والمحبة، والجميل والجمال، فالجميل شيء والجمال شيء آخر، كل منا له صورة معينة عن الجمال.

والعدل شيء والعدالة شيء آخر، العدالة مطلقة، العدل أمر نسبي، العدالة تتخطى حدود الزمان والمكان، العدل أسيرهما، هو يقوم ويكون ويتمظهر في الموقف العادل، هو من جوهر العدالة ومفهومها، والعدالة تقتضيه، لكنه في مكان ما وزمان ما، قد يكون غيره في مكان آخر وزمان آخر، كما قد يكون غير ذلك في نفس المكان والزمان بالنسبة إلى غيرنا، من هنا صعوبة بل استحالة تعريف الماهيات المطلقة، من ينكر ذلك ينكر الزمان والمكان والجبال، ها هو ذا هوسرل Husserl صاحب مذهب الظاهريات يميز بين الوجود والماهية، بين الوقائع والماهيات، فالوقائع عنده ذات وجود ضروري ممكن، بينما الماهيات ذات وجود ضروري كلي، والوجود الحقيقي هو الوجود الكلي.

ووحدة المبدأ الخلقي أدين به شريعة في الحياة والذي لا يقبل الانفصام بين ظاهر وباطن وجوهر وعرض، هو باعتقادي الأساس المكين لحياة سعيدة ممكنة، لذا فإنني عندما أتعامل مع إنسان ما، فإنني أتعامل بنفس انعتقت من العبودية الفكرية، وعقل وهبني كامل الإرادة والحرية، لا أدور مع الأيام حين تدور ولا أسوغ لنفسي ما لا أجوزه لغيري.

أكثرنا للأسف ينظر إلى أنية الغير لا أنيته، هذا خطأ، العلم كل العلم، والدين كل الدين، يوصي بنظر الذات إلى ذاتها لاستكشاف مكنوناتها، وصحوة إلى الماضي وصوته الداعي إلى التأمل في أحواله يبلسم أسباب الانزلاق عن كينونتها وانشدادنا إلى الأغيار، ويعيد الوعي إلى نفوسنا من جديد فنشعر بالعملقة الصحيحة في بداية الطريق، إن الإرادة الجماعية لم ولن تكون قوة دافعة إلى الأمام ما دامت تحركها بضاعة غريبة عن طبائعنا لم تنبثق عن الذات الاجتماعية، أن للتراث سواء كان ماديا أو روحيا حضوره النفساني والاجتماعي في ضمير الأمة، وهو يتمثل على الأقل في استمرارية لغته المعاشة وفاعلية أخلاقه السائدة وآثاره الخالدة الماثلة، وهو بالتالي يشكل أحد العناصر الفعالة التي لا غنى عنها في عملية التقدم، والتاريخ عندما يتنفس فإنما يتنفس من خلال تصارع الماضي مع الحاضر لتحديد معالم المستقبل.

حقيقتنا اليوم هي غير ماهيتنا الأمس، حاضرنا نفقهه وماضينا نجهله أو نتغافل عنه، نحن مجموعة من الأنا، والأنا في الإنسان يشكلها الماضي في الدرجة الأولى، الجوهر غير العرض، العرض صفات وصور، الجوهر ماهية، ديمومته كنه ذاته، العرض غير ذلك، هو موجود بوجود الجوهر، نحن في التاريخ جوهر في ماضيه عرض في حاضره، من يعترض ييرجع إلى تاريخ الزمن أو يستقرئ أحداثه، ع ذلك فعتمة الليل يبدو أنها آخذة بالانحسار، وما كثرة الأفكار وتصارعها إلا من دلائل العافية، لقد بدأنا اليوم نعيش تغيرا، فبعد أن كنا نتيه عن ماهيتنا، نعرض عن ذواتنا، لنؤله غيرنا ونقتدي بغيرنا، بدأنا الآن نتململ، أصبحنا ندرك أننا بحاجة إلى ماهية، إلى هوية في الأرض تشدنا إلى أعماقها، أصبحنا نقول: ليتنا بقينا على سجيتنا وحافظنا على أصالتنا وحفظنا فطرتنا لتبقى إنسانيتنا وتبقى وحدة المشاركة عند الملمات بضاعتنا، وتستمر حياتنا، حدبا على الضعيف، وعونا للفقير، وعداء للطغاة الظالمين، وخوفا من رب العالمين.

لئن كان في العقل نظام وفي الكون نظام وهما مصدر كل إيمان، فإن هنالك ماضيا، وهنالك تاريخا، ومعرفة ذلك مصدر للحياة، فما العلم إلا بتاريخه وما الأمم إلا بماضيها، يقول أوغست كونت: "إن تاريخ العلم هو العلم نفسه". لذا فإن عزل الماضي عن الحاضر هو فصل لوحدة التاريخ ولا أحد يملك التاريخ حتى يفاصل بين أجزائه، أما الماضي فليس معناه جملة الإنجازات المعبر عنها – بتراث الأوائل – بكل ما يحمل في طياته من سلبيات وإيجابيات، وإنما هو الطاقات أو القيم المحركة الكامنة فيه التي خلقت أصالته والقادرة على عملية الخلق الحضاري وتطويره باستمرار، وبعبارة أخرى، أن الدعوة إلى استلهام الماضي دعوة للعودة إلى الينابيع الأولى التي حاكت هذا الماضي مع الاحتراز من الانحرافات التي شهدها وكانت السبب في تقويضه.

بعض من أدعياء المعرفة يهزأ بماضينا المجيد، ليس ذلك فحسب، إنما يمعن قدحا في من يحاول إحياءه، لهؤلاء أقول: كما أن الإنسان وحدة لا تتجزأ، كذلك التاريخ والعلم والمجتمع، فالكل من الجزء والجزء من " ما صدق" الكل ومن خاصيته، من هنا عملية الجذب الدائم باستمرار بين الماضي والحاضر والمستقبل، كما هو بين الجوهر والعرض، والعدل والعدالة، والحق والحقيقة، والوجود والموجود، والعلة والمعلول، ومن هنا يتراءى لنا أن صرف النظر عن الماضي من المحال لأن صرف عن الزمان وصرف عن الذات، والزمان قطعة منا وعبثا نرتبه في الذات إلى ماض وحاضر ومستقبل، ونقسمه إلى ساعات وأيام، فنحن نعيش الزمن كله شئنا ذلك أم أبينا بالقوة أو بالفعل، يقول ذلك علم النفس ويحكيه علم الاجتماع.

ما أحوجنا اليوم في عالمنا العربي والإسلامي إلى شيء من التأمل الموضوعي حتى تتكشف لنا الحقيقة التي هي غاية كل إنسان وكل دين وكل فلسفة، لذا فأنا عندما أتعامل مع سيد قطب في دراستي لفكره السياسي والديني، فإنني أتعامل بروح من التجرد الكامل كما تقضي بذلك المنهجية العلمية وشرائط البحث الأكاديمي، لا يجرني أدنى تحيز له أو لمدرسته السياسية، فأنا – عند الاقتضاء – كنت له نقادا أكثر مني قراظا، وإن كان محور الفكر الذي يدور سيد قطب في فلكه هو ديني، وأعظم به من دين وكل دين يحل مثله، المبادئ الخلقية والإنسانية، الجانب الأكبر من اهتمامه، ويجمع بين العقيدة والعمل، ولا يفصل الوجدان البشري عن الواقع الحياتي، وتكون غايته القصوى إحلال العدالة الاجتماعية الكاملة في كافة المجالات.  

توطئة

شهد العالم العربي خلال النصف الأول من القرن العشرين بعثا دينيا إسلاميا كبيرا، تمثل بظهور العديد من الداعين إلى الإصلاح، وانتشار الكثير من المؤسسات الدينية، ولعل أكثر من يعبر عن هذا الاتجاه الديني في مصر هو سيد قطب، الذي اشتهر في العالمين العربي والإسلامي، فضلا عن تصانيفه الكثيرة، بشرح للقرآن جديد كل الجدة يقع في ثلاثين جزءا.

فمن أجل تمهيد الطريق أمام كل مستزيد في معرفة صحيحة وكاملة لفكر سيد قطب، كان هذا المجهود الصغير، الذي يطمح بأن يكون في الوقت نفسه، محاولة للتعريف بالإسلام قدر الإمكان، فيفيد كل من يرغب في معرفة موضوعية للإسلام وجوهره.

وإذا كان كل فصل يشكل بحد ذاته وحدة مستقلة مترابطة الأجزاء، فلعل ذلك يفسر ظاهرة التكرار أحيانا التي لم يكن بالإمكان تلافيها.

إن الوقائع المساقة أحيانا في أكثر من فصل والمرتبطة دائما بتساؤلات مطروحة أو قد تطرح نفسها بصور مختلفة، كانت ضرورية لتزويد القارئ بصورة أوفى.  

الفصل الأول

المقدمة

من الطبيعي قبل أن نباشر بإلقاء الضوء على مختلف جوانب الفكر السياسي والديني لسيد قطب، أن نمهد لذلك بمقدمة موجزة نتناول فيها حياته وعصره تكون بمثابة مدخل لا غنى عنه يساعد على فه أوضح له.

أ – عصر سيد قطب.

ب – حياته ومؤلفاته.  

عصر سيد قطب

1 – الحياة السياسية

2 – الحياة الاجتماعية

3 – الحياة الفكرية


الحياة السياسية

بليت مصر منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى أوائل النصف الثاني من القرن العشرين، بحكم الخديويين والملوك الذين شاركوا بسوء تصرفاتهم وافتقارهم إلى الحزم والرؤيا البعيدة، في تدخل الأجانب من أتراك وفرنسيين وإنكليز، في شؤون مصر الداخلية، فقامت نتيجة ذلك ثورات شعبية عديدة تطالب بالحكم الديمقراطي الذي يعمل من أجل العدالة والمساواة والتحرر من الاستعمار، وكانت ولادة أول ثورة على يد أحمد عرابي عام 1881، في عهد الخديوي توفيق، وقد استمرت حتى نهاية عام 1882، وانتهت بالإخفاق التام من جراء تدخل الإنكليز مباشرة في العمل على إخمادها، بعدما ضربوا الإسكندرية بمدافعهم عن طريق البحر عام 1882، ودخلوا القاهرة في 13 أيلول من العام نفسه.

وقعت مصر تحت وطأة الاحتلال الإنكليزي، وكان أول عمل قام به الإنكليز هو تعطيل الحياة البرلمانية وإعادة تكوين الجيش المصري بإشراف بعض ضباطهم وتعيين مستشارين من قبلهم في مختلف الوزارات.

في عهد الخديوي عباس حلمي الذي خلف الخديوي توفيق عام 1892، ظهر الحزب الوطني بزعامة مصطفى كامل عام 1907 الذي عمل على بث روح الوطنية والوحدة بين جميع أفراد الشعب حتى يكونوا يدا واحدة لإخراج الإنكليز من مصر.

توفي مصطفى كامل عام 1908 ولكن الحركة الوطنية لم تخمد، لأنه كان قد ظهر في عام 1907 ثلاثة أحزاب وطنية ذات أهداف متشابهة، هي:

1 - الحزب الوطني الحر برئاسة عبد الخالق ثروت.

2 - حزب الأمة بزعامة الشيخ حسن عبد الرازق

3 - حزب الإصلاح بقيادة الشيخ علي يوسف.

في أواخر عام 1909 اتهم الوطنيون بريطانيا العظمى بالتحريض على قتل بطرس غالي باشا الوزير في وزارة سعد زغلول لزرع الفتن الطائفية بين المسلمين والمسيحيين، مما أدى إلى استقالة سعد زغلول في آذار 1912.

بعد نشوب الحرب العالمية الأولى عام 1914، عزل الإنكليز الخديوي عباس الثاني لانحيازه إلى جانب تركيا وألمانيا ضد الحلفاء، وعينوا بدلا منه حسين كامل، وبذلك قضوا على التبعية المصرية إلى تركيا، وقد أثار هذا العمل مشاعر الغضب لدى جميع فئات الشعب.

في عام 1917 اعتلى فؤاد بن إسماعيل العرش، وفي 1918 قام سعد زغلول مع جماعة من أنصاره، منهم عبد العزيز فهمي وعلي شعراوي والشيخ مصطفى عبد الرازق، يطلبون إذنا بالسفر إلى أوروبا لعرض قضية مصر واستقلالها على دولها، فمنعهم الإنكليز من السفر، فقام سعد بجمع تواقيع المصريين على تخويل حزب الوفد المطالبة بالاستقلال، فكان أن ألقي القبض عليه مع بعض أصحابه ونفي إلى مالطة.

ثار الشعب لاعتقال سعد ونفيه، وتعاطفت الحكومة المصرية القائمة آنذاك برئاسة حسين رشدي مع الشعب، فقامت ثورة 1919 مما اضطر بريطانيا إلى الإفراج عنه مع رفاقه.

في عام 1920 بدأ سعد مفاوضة الإنجليز على الاستقلال انتهت باعتقاله مرة ثانية مع مصطفى النحاس وغيره عام [[1921]]، فانفجر الشعب ساخطا وأخذ الفدائيون المصريون يقومون باغتيال الجنود الإنكليز، واستمر الاضطراب الداخلي في طول البلاد وعرضها طيلة خمسة عشر شهرا وهي الفترة التي مكثها سعد في المعتقل.

في عام 1923 سمح الإنكليز بظهور الحياة البرلمانية ففاز حزب الوفد الذي يرأسه سعد زغلول بأكثرية أعضاء البرلمان، شكل سعد زغلول أول وزارة برلمانية، لكن الوطنيين المتطرفين رأوا أن السلطة الفعلية ما زالت بيد الإنكليز، فكان لهم موقف المناوئ من سعد وحكومته، وقام أحدهم باغتيال القائد الإنكليزي العام للجيش المصري عام 1924، اضطر سعد إزاء ذلك إلى الاستقالة والانضمام إلى المتطرفين من الوطنيين المطالبين بجلاء الإنكليز، فرد هؤلاء بحل البرلمان ووضع حزب الوفد تحت المراقبة والتنكيل بأنصاره، ولمجابهة هذه التدابير الطارئة بادر زعماء الأحزاب الثلاثة: الوفد بقيادة سعد، والأحرار الدستوريين الذي يتزعمه عدلي يكن، والوطني الذي يرأسه عبد الخالق ثروت، إلى توحيد جهوده ضد الإنكليز بغية إخراجهم من البلاد.

توفي سعد عام 1927 فخلفه في رئاسة حزب الوفد مصطفى النحاس الذي تولى رئاسة الوزراء في 17 آذار 1928، وما لبث أن استقال منها عندما فشل في إقناع الإنجليز بالجلاء عن مصر.

في عام 1930 تولى النحاس باشا ثانية رئاسة الوزارة وغادر مصر إلى لندن لمفاوضة الحكومة الإنكليزية على الاستقلال ففشل، فقرر حزب الوفد مع جميع الأحزاب على مقاومة الوجود البريطاني بالقوة، وبدأت الاصطدامات الدامية مع الشرطة فقتل العشرات، وجرح المئات، وعمت المظاهرات احتجاجا على ذلك، جميع أنحاء البلاد، واعتبر الإنكليز حزب الوفد مسؤولا عن الوضع فاعتقلوا زعماءه.

في هذه الفترة الممتدة ما بين 19281903، كان قد ظهر على مسرح الحياة السياسية حزبان:

1 – الحزب الاشتراكي المعروف باسم "مصر الفتاة " برئاسة أحمد حسين الذي قاد أعنف حملة سياسية على الملك فاروق ونظامه في سلسلة من المقالات كانت تنشر تباعا في جريدة الحزب "مصر الفتاة "، كان من أخطرها وأجرئها مقالة "رعاياك يا مولاي" الذي دعا فيها أعضاء الحزب إلى التدريب على حمل السلاح وتأليف الكتائب المسلحة لمقاومة النظام والإنكليز بالقوة.

2 – حزب "الإخوان المسلمين " الذي أسسه حسن البنا، ولحظ فيه تأليف "الجهاز السري" من عناصر الحزب المسلحة لمحاربة النظام الملكي والاستعمار، ودعا الناس إلى الرجوع إلى حكم الإسلام، وكان شعاره كما يقول صاحب كتاب تاريخ نهضة مصر الحديثة: "الله غايتنا، والرسول زعيمنا، والقرآن دستورنا، والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا". وقد لاقى إقبالا كبيرا من عامة الشعب حتى ناف عدد أعضائه على "الخمسمائة ألف" في شهر شباط 1946، وقد كتب محمد كمال خليفة في مقدمة كتاب "الإخوان المسلمون والمجتمع المصري" يقول: "وجاء حسن البنا وأخذ يكافح ... في سبيل نشر العقيدة السليمة والفهم الصحيح الشامل للإسلام ونظامه حتى ركز للإسلام مكانته في المجتمع، وكون تلك المجموعة من الشباب المؤمن التي كافحت ولا تزال في سبيل استخلاص الحقوق الوطنية وإنقاذ الكرامة العربية .. وقد اتجه اتجاها عمليا في إصلاح المجتمع، فأقام المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية والصحية والتربوية باسم الإسلام، حتى وصل الناس إلى مرحلة فهم الإسلام الكامل الشامل يفهمه الإخوان، وكما كان في عهود العصور الأولى للإسلام". وقد وصف الرئيس الراحل جمال عبد الناصر " في إحدى خطبه حزب الإخوان المسلمين على عهد البنا بقوله: "قوة ربيت على الحق وكنا نرجو من هذا خيرا كثيرا". وفي كتابه "تاريخ الإسلام الحديث" يقول و. ج. سميث "لا يصح أبدا أن نعتبر الإخوان المسلمين رجعيين، فإن هذه الحركة قامت بمحاولة تستحق التقدير والإعجاب لإنشاء مجتمع عصري على أسس العدالة الاجتماعية وحب الإنسانية الذي هو صفوة القيم .." وفي كتابه "الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية" يقول أبو الحسن الندوي: "لقد أوجدت حركة الإخوان المسلمين موجة اعتقاد راسخ وثقة بالإسلام وصلاحيته ومستقبله تجلت في روح الاستماتة في سبيل المبدأ والعقيدة في حرب فلسطين عام 1948 ".

بين عام 1930 و 1935، انفجرت مظاهرات الطلاب الصاخبة احتجاجا على الاستعمار الإنكليزي مما اضطر بريطانيا في النهاية إلى القبول بالتفاوض مع المصريين، ثم الاعتراف باستقلالهم عام 1936.

فرح المصريون بالاستقلال، وتولى مصطفى النحاس أولى وزارة في عهد الاستقلال، ثم تبعه علي ماهر عام 1939 والعالم يتأرجح بين السلم والحرب، لكن الوطنيين سرعان ما أدركوا أن معاهدة الاستقلال مع بريطانيا فيها كثير من الثغرات أهمها استمرار التواجد البريطاني في قناة السويس بما لا يقل عن عشرة آلاف جندي وأربعمائة طيار، وحق استخدام المرافئ وطرق المواصلات المصرية في زمن الحرب، فبدأت معارضتهم لها، بعد خروج حسن البنا من السجن عام 1939، حاول الإنكليز على حد قول أنور الجندي: "استمالته إليهم بشتى العروض لأن الإخوان المسلمين صاروا عاملا مهما في السياسة المصرية، فرفض وبدأ يدعو بحماس عجيب إلى فكرته التي تدور حول الدعوة إلى حكم إسلامي والتي أخذ الشباب ينضمون إليها تاركين الأحزاب الذين كانوا ينتسبون إليها في السابق".

في 4 شباط 1942 حاصرت دبابات الجيش الإنجليزي قصر عابدين في القاهرة وحطمت بابه ليدخل السفير البريطاني على الملك فاروق ويفرض عليه تعيين النحاس باشا رئيسا للوزارة، فبلغت النقمة على الإنكليز ذروتها، وقامت جميع الأحزاب وخاصة حزب الإخوان المسلمين الذي منع رئيسه حسن البنا من ترشيح نفسه للانتخابات النيابية، وحزب الوفد نفسه، والأحرار الدستوريين، والهيئة السعدية الذي ظهر في عام 1938، والكتلة الوفدية الذي تأسس عام 1942 تندد بشدة بهذا العمل، وساء الوضع بعد ذلك إلى درجة لم يعد معها الشعب يتحمل مظاهر تدخل الإنكليز في شؤون مصر الداخلية، فكانت مجازر القاهرة والإسكندرية عامي 1946 و 1947 التي سقط فيها العديد من الضحايا.

خلال حرب فلسطين التي اندلعت عام 1948 ، تكبد الجيش المصري خسائر فادحة قدرت بحوالي مائة ضابط من مختلف الرتب وثمانمائة وواحد وستون جنديا، وكذلك الإخوان المسلمون الذين اشتركوا بمحض إرادتهم وبأسلحتهم الخاصة في القتال بقيادة زعيم الحزب حسن البنا، والذين كانوا كما يقول صاحب كتاب تاريخ نهضة مصر الحديثة "طلائع الجيوش العربية" فازداد السخط على الإنكليز والملك من قبل الجيش والشعب معا، وفي 8 كانون الأول 1948 اتهم حزب الإخوان المسلمين بتدبير انقلاب مسلح ضد الحكم الملكي بغية إقامة جمهورية إسلامية، فاعتقل زعماؤه ومن بينهم حسن البنا، وحل الحزب وصودرت ممتلكاته العامة، ويذهب عبد الحكيم عابدين الأمين العام السابق لحزب الإخوان المسلمين إلى القول بأن التهمة كانت باطلة من أساسها، وقد لفقتها الحكومة ضد الحزب عندما رفض دعوتها إلى تسليم جهاز البث وما لديه من أسلحة، وإصرار رئيس الحزب على عدم الاستجابة لهذا المطلب بحجة تعذر معرفة عدد الإخوان المسلمين الذين يمتلكون السلاح، وهم الذين ينوف عددهم على نصف مليون عضو.

خرج البنا من السجن عام 1949، وفي 12 شباط من العام نفسه جرى اغتياله، ولم تؤد التحقيقات التي أجرتها الوزارة التي كان يرأسها آنذاك حسين سري، ثم وزارة النحاس باشا إلى نتيجة، وفي سنة 1954 أثبتت التحقيقات بعد اعتقال محمود عبد المجيد وغيره، أن العهد البائد وعلى رأسه الملك فاروق ، كان وراء اغتياله.

بعد اغتيال البنا زاد تأزم الوضع السياسي سوءا، ونشطت جميع الأحزاب لمناوأة الوجود الإنكليزي بصورة ملحوظة ومنها، حزب "مصر الفتاة " وحزب "الإخوان المسلمين " اللذان وجها معظم معارضتهما للنظام القائم باعتباره المسؤول المباشر عن الحالة التي آلت إليها البلاد، ولتهدئة النقمة الشعبية العارمة، عمد الملك إلى استبدال مصطفى النحاس بعلي ماهر ثم بأحمد نجيب الهلالي ثم بحسين سري ثم بأحمد نجيب الهلالي، ولكن على غير طائل، فقد انفجر عداء مختلف فئات الشعب للملك، وتألفت فرق منظمة من الفدائيين لمقاومة الوجود الإنكليزي بالقوة، وامتنع العمال عن التعاون معهم في القناة، رد الإنكليز على ذلك بسياسة التعسف بتفتيش المسافرين في وسائل النقل المختلفة، واحتلال مراكز الجمارك والهاتف والنقل في بور سعيد والسويس، وذهبوا إلى حد ضرب مدينة الإسماعيلية بالقنابل، وكان لأخبار استشهاد عدد من الفدائيين في منطقة القناة أثر عميق في النفوس، فعم الحداد البلاد، وأظهر الشعب كامل سخطه في مظاهرة صامتة كبرى انطلقت في 15 تشرين الثاني 1951 وعلى رأسها رئيس الحكومة آنذاك مصطفى النحاس نفسه.

في عام 1952 شبت حرائق كثيرة في مختلف أنحاء القاهرة، كما شهد وقوع جرائم كثيرة، وقد أشير بأصابع الاتهام في كل ذلك إلى الملك على أنه الرأس المدبر لها، فرد الملك على ذلك بإعلان الأحكام العرفية في البلاد وباتهام خصومه السياسيين بافتعال تلك الحوادث، وجاء أخيرا احتجاج المصريين الأقباط على وضع علامات فارقة على متاجرهم ومنازلهم واتهامهم حزب الإخوان المسلمين بذلك، ليفجر ذلك الوضع الشاذ بتحرك الجيش المصري في 23 تموز 1952 للقضاء على النظام الملكي وتحقيق الاستقلال الناجز بجلاء الإنجليز التام عن البلاد في مدة أقصاها عام 1956.  

الحياة الاجتماعية

تميز المجتمع المصري في الفترة التي تحدثنا بظاهرتين:

أ – النظام الإقطاعي: وكان ينحصر في طبقتين:

1 – الطبقة الأولى: وعلى رأسها الملك وحاشيته والباشاوات، وهي فئة قليلة العدد تملك كل شيء: الأرض والمال والسلطة.

2 – الطبقة الثانية: وتتكون من بقية أفراد الشعب الذين لا يملكون إلا النزر اليسير من الأرض والمال، ومعظمهم يعمل في خدمة أفراد الطبقة الأولى لسد رمقهم والتمكن من تأدية الضرائب التي كانت تثقل كواهلهم.

ب – طغيان التدخل الأجنبي: وخاصة التدخل الإنكليزي في شؤون مصر الداخلية، فضلا عن الشؤون الخارجية، إلى حد ذهبت معه بريطانيا إلى الطلب من الحكومة المصرية عام 1914 أن تنشئ لديها ما يسمى باسم "صندوق الدين" توضع فيه حصيلة بعض الرسوم لتتمكن من تسديد الديون المتوجبة عليها.  

الحياة الفكرية

شهد المجتمع المصري نهضة فكرية كبيرة في مختلف الحقول من أدبية وعلمية ودينية، ولعل من جملة العوامل التي تفسر هذه الظاهرة، متابعة العديد من المصريين تخصصهم العالي في الغرب، واطلاعهم على الثقافات الغربية الحديثة، والإقبال على مدارس البعثات التربوية الأجنبية والترجمات المختلفة للعديد من الكتب، وكان لهذه النهضة الأثر الفعال في توجيه الأفكار نحو الوحدة الوطنية والتحرر الفكري والسياسي، وخصوصا الفكر الديني، فالشيخ محمد عبده (المتوفى 1905) ساند ثورة أحمد عرابي ودعا إلى تأييدها، وصرح بأن أحوال المسلمين لا تستقيم إلا بسلوك سبيل الإسلام، وانتقد الخديوي عباس الثاني، ونادى بوجوب اعتماد العقل عند النظر في قضايا الدين، وإصلاح الأزهر تبعا لذلك. والشيخان عبد الرحمن الكواكبي ورشيد رضا، بذلا جهدهما في إبراز أهمية الدين في بناء المجتمع، والشيخ حسن عبد الرازق ألف في 1907 حزب الأمة وأنشأ جريدة (الجريدة) بغاية توعية المواطنين بحقوقهم الأساسية في الحرية والعدل والاستقلال، والشيخ علي يوسف أسس حزب "الإصلاح" وأنشأ جريدة "المؤيد" لنفس الغاية، والشيخ أحمد أبو خطوة نهج منهج عبده في الإصلاح عن طريق نشر الثقافة الدينية بين الناس، والشيخ مصطفى عبد الرازق أنشأ الجمعية الأزهرية ودعا إلى إصلاح الأزهر على أسس العلم الحديث وإلى التحرر من الإنكليز ومن حكم الخديوي عباس الذي يحاول تضليل الناس بأنه يحكم باسم الدين وبالنيابة عن خليفة المسلمين – السلطان العثماني – والشيخ عبد الرحمن البرقوني الذي أنشأ مجلة البيان ودعا إلى الرجوع إلى حكم الإسلام، وحسن البنا الذي ألف حزب الإخوان المسلمين ودعا إلى طرد الإنكليز وإقامة المجتمع على مبادئ الإسلام، والشيخ محب الدين الخطيب الذي أسس "جمعية التمدن الإسلامي" 1930 وأنشأ جريدة الفتح الأسبوعية، وكان همه التثقيف الديني.

وربما كان لتفاعل الفكر السياسي مع الفكر الديني أو بالأحرى لفاعلية الفكر الديني في مجرى الأحداث الاجتماعية والسياسية والمصرية، ما يفسر قول مصطفى كامل: "إن الدين والسياسة توأمان لا يفترقان، وأن العامل الديني له أكبر الأثر في الوصول إلى مدنية سليمة، وأن الدول الأوروبية لم تنل من المدنية والمجد والسلطة التي تتمتع بها إلا باعتمادها على مبادئ الدين في سياستها".

ولعل مصطفى عبد الرازق يصور إلى حد بعيد المظاهر السياسية لهذه النهضة الفكرية بقوله:

"إن الثلث الأخير من المنتصف الأول لهذا القرن قد شهد ثلاثة مؤتمرات:

1 – مؤتمر وطني مؤلف من الأحزاب والنقابات والهيئات النيابة، ينادي بالحرية والاستقلال.

2 – مؤتمر للخلافة يريد أن يبايع إماما ينوب عن الرسول في إقامة الدين وسياسة الدين.

3 – مؤتمر للقضاء الشرعي يريد لرجال الدين وزارة في كيان الدولة".

وقد ساهمت الجرائد والمجلات العديدة في إنماء الوعي الشعبي حتى إنها كثيرا ما كانت تتعرض للملاحقة من قبل السلطات مثل المقتطف (1886) والمقطم (1888) والجريدة (1907) والمؤيد (1907) والسفور (1914) والسياسة الأسبوعية (1926) والبلاغ والأخبار والأهالي والجهاد ووادي النيل والشهاب والمصري (1930) ومصر الفتاة (1930) واليوم وكوكب الشرق والرسالة والنداء والمسامرات والإشتراكية والملايين والجمهور المصري وروز اليوسف والإخوان المسلمون (1946) إلخ .. ويذهب عصام الطاهر إلى القول بأن "الصحافة المصرية الحرة في العهد الملكي مهدت الطريق أمام انقلاب عام 1952، فقد شاركت جميعها على اختلاف مذاهبها والسياسية في معاداة الحكم المطلق والمدافعة عن الحريات العامة، وفي تعبئة الرأي العام تعبئة ثورية شاملة ضد الفساد .. وضد الإنكليز، ويمكن اعتبار [[ثورة 1935]] التي وضعت في عهد وزارة نسيم باشا والتي طالبت بالعودة إلى دستور 1923، أحد الآثار المباشرة للحملات الصحافية التي قادتها الصحافة الحرة والتي دفعت ثمنا غاليا لموقفها الجسور".

وكان للنتاج الفكري لمختلف الأدباء والشعراء أمثال مصطفى لطفي المنفلوطي وسلامة موسى وحافظ إبراهيم ومحمد توفيق إبراهيم ومحمود عزمي وأحمد أمين وأحمد لطفي السيد ومصطفى صادق الرافعي والشيخ مصطفى المراغي وعباس محمود العقاد وطه حسين ونجيب محفوظ، وتوفيق الحكيم و[[أحمد حسن الزيات]] وغيرهم، دور بارز في تهيئة الشعب المصري فكريا للثورة ضد الاستعمار وخصوصا عباس محمود العقاد، الذي حكم عليه مرات عديدة لانتقاده العنيف للأسرة الحاكمة والإنكليز، ومحمود عزمي وأبو الخير نجيب وأحمد حسين ومحمد توفيق الخطاب وأمين الرافعي وعبد القادر حمزة إلخ...

وفي هذا الجو السياسي والاجتماعي والفكري، ولد ونشأ طفل اسمه سيد قطب، راح بعدما بلغ أشده يتلمس المعرفة في دروبها المختلفة، فكان أن أصبح مفكرا كبيرا، وفكره هو الذي اخترناه لأن يكون موضوعا لرسالتنا إلى جامعة باريس السوربون لنيل شهادة الدكتوراه بالفلسفة، مع الإشارة إلى أننا توخينا الدقة والأمانة في الترجمة عن الأصل، بحيث إننا لم نحور فيه أو ندخل عليه سوى تعديلات طفيفة لا تكاد تذكر.  

حياة سيد قطب ومؤلفاته

حياته

1 – ولادته:

الواقع أننا لا نملك المصادر التي تمكننا من معرفة شيء عن ولادة سيد قطب أو بداية حياته، ولكن إذا جاز لنا اعتبار قصة "طفل من القرية" هي قصة حياته، وهذا ما نميل إلى الاعتقاد به، فإن كثيرا من الغموض الذي يكتنف هذه الحياة سوف يتبدد ويتحول إلى معرفة دقيقة لملامح كثيرة من شخصيته، والحقيقة أن هنالك أدلة كثيرة تدعم افتراضنا هذا، فقد ورد في مقدمة الكتاب عبارة تشد انتباهنا إليها: "هذه صورة من حياة القرية عاصرت طفولتي منذ ربع قرن من الزمان لم أنمق فيها شيئا ولم أصنع أكثر من نقلها من صفحة الذاكرة إلى صفحة القرطاس".

"إلى صاحب كتاب الأيام .. الدكتور طه حسين، إنها يا سيدي أيام كأيامك عاشها طفل في القرية في بعضها من أيامك مشابه وفي سائرها عنها اختلاف ...".

ونحن نعرف أن كتاب "الأيام" هو تاريخ لطفولة طه حسين، ثم إن سيد قطب نفسه يجود علينا أحيانا بنتف متفرقة عن شخصيته في كتبه المختلفة، كالتصوير الفني في القرآن الكريم ومشاهد القيامة في القرآن ونقد كتاب مستقبل الثقافة في مصر، تتسق مع المعلومات الواردة في "طفل من القرية" وترجع ظننا كما أن بعض العارفين لسيد قطب أمثال عبد الحكيم عابدين، والدارسين له أمثال محمد علي قطب يذهبون مذهبنا. وعلى هذا الأساس نقول: "إذا كان سيد قطب قد ذهب إلى المدرسة الأولية في قريته وهو في السادسة من عمره حيث أمضى فيها أربع سنوات أنهى فيها دراسته الابتدائية، وإذا كان تعذر عليه الالتحاق بعد ذلك بمدرسة المعلمين الأولية في البندر، كما كان يرغب لصغر سنه، فاضطر إلى إعادة السنة الأخيرة في مدرسة القرية حتى لا تضيع منه سنة دو استفادة، وإذا كان قد لزم البيت بعد ذلك مدة سنتين بسبب انفجار ثورة سعد زغلول التي حالت بينه والسفر إلى القاهرة عند أخواله لمتابعة تعلمه نظرا لتعطل المواصلات، وإذا كانت ثورة سعد زغلول قد اندلعت عام 1919، واستمرت حتى نهاية عام 1920 يمكننا الافتراض بأن سيد قطب ولد في عام 1906.

2 – نسبه ونشأته:

هو سيد بن الحاج قطب بن إبراهيم، ولد في أحضان عائلة موسرة نسبيا في قرية "قها" الواقعة في محافظة أسيوط، كان والده رجلا متدينا مرموقا بين سكان القرية، وعضوا في لجنة الحزب الوطني الذي كان يرأسه مصطفى كامل، يهتم بزراعة أراضيه ويعطف على الفقراء ويبر بهم مما اضطره على ما يبدو إلى أن يبيع قسما كبيرا من أطيانه، أما أمه فكانت سيدة متدينة تنتسب إلى عائلة معروفة، وقد عنيت بتربيته، فحنت عليه وزرعت في نفسه الطموح وحب المعرفة.

كانت له أختان وأخ أصغر منه سنا هم: حميدة وأمينة ومحمد، يقاسمونه آراءه التي تظهر بوضوح في كتابهم المشترك "الأطياف الأربعة" فقد والده وهو لم يزل يتابع دراسته في القاهرة، فأحس بثقل المسؤولية التي ورثها إزاء أمه وأخيه وأختيه وكرهت نفسه الإقامة في مسقط رأسه، فأقنع أمه بالانتقال إلى القاهرة، وكان لموت أمه المفاجئ عام 1940 أثر كبير في نفسه إلى درجة أنه أحس نفسه وحيدا في الحياة غريبا عنها، وقد صور أحاسيسه تلقاء فقده لأمه في سلسلة من المقالات بعنوان "أماه" نشرت في كتاب "الأطياف الأربعة".

3 – شكله وصفاته:

كان سيد رجلا أسمر اللون، أجعد الشعر، لا هو بالبدين ولا هو بالنحيل، أميل إلى القصر منه إلى الطول بغير قماءة، رقيق الإحساس، لطيف المعشر، متواضعا، شجاعا، حاضر البديهة، سليط اللسان في نقده، شغوفا بحب المعرفة ميالا إلى مساعدة الآخرين.

4 – مرضه:

حدثني عبد الحكيم عابدين فقال: "لم يكن سيد قطب يتمتع بصحة جيدة منذ صغره، وقد ساعد على تدهور حالته الصحية عوامل القلق التي داهمته بعد وفاة والديه، وفي المدة الأخيرة من حياته كان يعاني من أمراض شتى في معدته، اضطرته إلى أن يحمل معه أينما ذهب الأدوية اللازمة لعلاجه".

5 - حبه:

كتب سيد قصة بعنوان "أشواك" ونحن نميل إلى الاعتقاد بأنها قصة حبه، ولنا على ذلك أدلة يمكن أن تصلح لتأييد وجهة نظرنا، جاء في مقدمة الكتاب: "إلى التي خاضت معي في الأشواك فدميت ودميت، وشقيت وشقيت، ثم سارت في طريق وسرت في طريق: جريحين بعد المعركة، لا نفسها إلى قرار ولا نفسي إلى استقرار". ثم إنه من المعروف أن سيد لم يتزوج وهنا يطرح السؤال التالي نفسه، ولماذا لم يفعل ذلك؟ وهل كان يهوى العزوبية ويؤثرها على الزواج؟ وهل يكون منسجما مع فكره ونفسه عندما يقول بأن الزواج سنة طبيعية وضرورية وينادي بعدم الفصل بين المعتقد والسلوك ولا يتزوج؟ وهل بالتالي نكون غير منطقيين إذا تساءلنا عن العوامل التي وقفت وراء عدم إقدامه على الزواج؟ وإذا قلنا بأن ذلك قد يعود إلى فشله في حبه الأول؟

نخلص إلى القول بأنه إذا ثبت أن "أشواك" هي قصة حب سيد، فهذا يعني أن سيد قد أحب بعد تخرجه من كلية دار العلوم ومع بداية شهرته الأدبية والصحافية، فتاة قاهرية، كان يرغب في الاقتران بها، ولكن اكتشافه أن الفتاة كانت تهوى شخصا آخر قبل أن يتعرف بها، جعله في غم متواصل، إلى أن آثر الابتعاد عنها رغم حبه لها "وللحفاظ على كرامته"، وكانت النتيجة: مأساة عاطفية مزدوجة، هو استمر في الحياة بدون زواج، وهي، تخلى عنها من كانت تظنه يحبها فوافقت على الزواج من أول رجل تقدم منها.

أدوار حياته:

يمكن تقسيم حياة سيد قطب إلى أربع مراحل:

1 – المرحلة الأولى:

وهي تمتد من تاريخ ولادته حتى عام 1919 ، تتميز بالتربية الدينية التي استفاد من والديه وفي مدرسة القرية، حتى يمكن القول بأنه قد حفظ القرآن بكامله وهو لم يتجاوز العاشرة من عمره.

2 – المرحلة الثانية:

وهي تشمل الفترة الممتدة ما بين 1920 و 1939، وفيها سافر إلى القاهرة فأتم دراسته الثانوية، ودخل كلية "دار العلوم" ليتخرج منها مجازا في اللغة العربية وآدابها، بعدما أمضى فيها أربع سنوات يدرس التاريخ والجغرافيا والأدب العربي واللغة الإنكليزية وعلم الاجتماع وعلم التربية والرياضيات والفيزياء والفلسفة والدين كما يقول هو نفسه في مقدمة كتاب أخيه "محمد" سخريات صغيرة.

أما من تتلمذ سيد على أيديهم فيمكننا أن نذكر منهم: مهدي علام، الذي قدم لكتابه "مهمة الشاعر في الحياة" قائلا: "طالب يسرني أن يكون أحد تلاميذي وأنني أقول أنه لو لم يكن لي تلميذ سواه لكفاني ذلك سرورا وقناعة".

بعد تخرجه من كلية دار العلوم، عين على حد قول عبد الحكيم عابدين، مفتشا في وزارة التربية والتعليم، ولكن ما لبث أن ترك الوظيفة حتى يكرس كامل وقته لمهنته ككاتب، وفي هذه المرحلة نراه يتلمس المعرفة في كل اتجاه، "لقد أقبلت على قراءة كل ما كان مترجما إلى اللغة العربية من مختلف اللغات الأجنبية".

لم ينتظر سيد قطب طويلا حتى يصبح كاتبا مرموقا إلى جانب طه حسين وعباس محمود العقاد ومصطفى صادق الرافعي، وإنما أخذت مقالاته تظهر في نفس المجلات، التي تنشر مقالات هؤلاء الكتاب الكبار.

اشترك في المعركة الأدبية التي دارت بين عباس محمود العقاد ومصطفى صادق الرافعي وأنصارهما، فانضم إلى الأول متهما الرافعي وأنصاره مثل محمود محمد شاكر وعلي الطنطاوي ومحمد توفيق اللبابيدي وسعيد العريان، بالتصنع والبعد عن الواقعية، وقد يستغرب البعض وقوف "سيد" وهو من كان له مثل تربيته الدينية إلى جانب العقاد ضد مصطفى صادق الرافعي، ولا سيما إذا عرفنا أن بداية الخصومة بين الاثنين ترجع إلى اختلافهما عام 1917 حول موضوع إعجاز القرآن، ففي حين كان الرافعي يرى الإعجاز حقيقة ساطعة في كتابه "إعجاز القرآن" كان العقاد ينتقد الكتاب على صفحات المقتطف في سلسلة من المقالات تحت عنوان "ساعات بين الكتب" وفي ذلك يقول محمد سعيد العريان "كان بدء هذه المعركة" .. حديثا خاصا بين الرافعي والعقاد في دار المقتطف حول حقيقة إعجاز القرآن، وكتاب إعجاز القرآن، وكان للعقاد فيهما رأي غير رأي الرافعي، فكانت غضبة الرافعي الأولى لكرامة القرآن، والعقاد ينكر إعجازه، والثانية لكتابه إعجاز القرآن والعقاد ينتقده .. فثمة سبب عام أنشأ هذه الخصومة هو إيمان الرافعي بإعجاز القرآن إيمانا لا يتناوله الشك .. والرافعي يقول في كتابه على السفود "إنها غضبة لله وللقرآن ..." حتى إن محمود محمد شاكر ذهب إلى الطعن في موقف سيد قائلا: "إن انتقاد سيد لأدب الرافعي معناه مجانبة للدين والتقوى والحياء" وكذلك حذا حذوه إسماعيل الغمراوي، أما نحن فإننا نميل إلى الاعتقاد بأن المسألة عند سيد قطب لم تكن مسألة دين أو غير دين، وإنما هي الفرق بين مدرستين أدبيتين: "مدرسة العقل" ويمثلها الرافعي، و"مدرسة القلب" ويمثلها العقاد، وقد رد سيد قطب على إسماعيل الغمراوي الذي شكك في صدق إيمانه قائلا: "إن الأدب والشعر كالفنون ترجمة عن النفس الإنسانية وأحاسيسها وآمالها ولا دخل للدين فيه ... كما يتصور إسماعيل الغمراوي لأنني أدرى من غيري بحقيقة الدين".

ولكن السؤال الذي يمكن طرحه هو: إذا كان سيد قطب – في هذه المرحلة – يقول بفصل الدين عن الأدب، وإذا كان يصرح في الوقت نفسه في كتابه "مهمة الشاعر في الحياة" بأن من صفات الأديب أن تكون له "فلسفة خاصة به، يفسر الحياة على ضوئها، ويظهر للناس بعنوانها، منشؤها إحساسه الشخصي بها، وأن يكون الأدب واسطة تقربنا من المثل الأعلى ..." فما هي هذه الفلسفة والمثل التي كانت تسير أدبه؟ ليس هنالك جواب حاسم، فربما بدا سيد قطب للبعض ذا نزعة اشتراكية، وأن قصة أشواك تبرز ذلك، وربما بدا أدبه للآخرين أدب انحلال أو عدم التزام، أما نحن، فنرى أن النزعة الروحية تغلف أدبه الذي يهيب بالإنسان إلى الارتفاع فوق المادة والشهوات والتحلي بالأخلاق، وأنه إذا كان أعجب بأدب العقاد، فلأن موضوعات العقاد التي عالجها كانت تلائم مثله التي يريدها.

المرحلة الثالثة:

وتمتد من 1939 إلى 1951، وهي تمثل بنظرنا بداية تحوله نحو الأيديولوجية الإسلامية، ففي عام 1939 نشر مقالة في مجلة المقتطف بعنوان "التصوير الفني في القرآن" كشف فيه عن الجمال الفني في بعض الآيات، وقال بإعجازها، وربما يمكن القول إن إعجاز القرآن، وفي عام 1945 ظهر له كتابان: التصوير الفني في القرآن ومشاهد القيامة في القرآن، وفيهما يعترف صراحة بأنهما ثمرة تربيته الدينية، وبأن القرآن أسره وسحره بتناسقه العجيب وبفكرته المتسقة الشاملة، وأن الجدل في الدين الذي قام عليه علم الكلام هو عقيم لا يؤدي إلى نتيجة، وأن العقل عاجز عن معرفة غير المحسوس، ونشر قصيدة بعنوان "في الصحراء" صرح فيها بأن ترتيب الأشياء إنما هو بقدرة عليا.

في عام 1946 ظهر في مصر كتاب "هذه هي الأغلال" وفيه يناقش مؤلفه عبد الله علي القصيمي مشكلتين: مشكلة الإيمان بالإنسان وقدرته على الخلق والعطاء، ومشكلة الإيمان بالأديان، وقام العقاد وغيره يثنون على الكتاب بوجه الإجمال، أما سيد فاندفع يهاجم بعنف جميع من أطروا الكتاب لأنه بنظره يغالط "حقائق الدين"، فمؤلفه يذهب إلى القول بأن روح التدين تخالف روح الحياة، وأن المتدين لا يمكنه أن يكون رجل دنيا، مع أن الدين روح حافز على العمل، ولا سيما الإسلام الذي اعتبره المؤلف مصدر التأخر والانحطاط في العالمين العربي والإسلامي.

في 7 أكتوبر 1946 نشر مقالا بعنوان "مدارس للخط" يمكن اعتباره البداية الفعلية لفكر ملتزم بالأيديولوجية الإسلامية ... فقد انتقد أوضاع المجتمع المصري بجميع فئاته وأوضاعه السياسية، والاجتماعية والأخلاقية نقدا لاذعا ودعا المسلمين المؤمنين إلى القيام بعمل ما على صعيد الإصلاح العام قائلا بأن القرآن يأمر بذلك بالآية الكريمة، "ولتكن منكم أمة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون".

في 21 أكتوبر انتقد الحضارة المعاصرة قائلا بأنها "حضارة مادية خاوية من القيم الروحية" في نهاية عام 1948 ظهر كتابه العدالة الاجتماعية في الإسلام الذي أبان فيه صراحة بأن العدالة الاجتماعية الصحيحة التي هي أمل البشرية لا يمكن أن تتحقق إلا في ظل النظام الإسلامي، وبأنه ينبغي أن يكون لنا أدب منبثق عن التصور الإسلامي.

في عام 1949 سافر في بعثة ثقافية إلى الولايات المتحدة الأمريكية لدراسة المناهج التعليمية حيث بقي سنتين ونصفا متنقلا بين واشنطن وكاليفورنيا، أرسل خلالها إلى صديقه توفيق الحكيم رسالة يهاجم فيها الحضارة الأمريكية التي لا تأبه بالقيم الروحية، وينتقد كتابه الملك أوديت قائلا إنه كان يتمنى لو أن موضوع الكتاب عولج بروح إسلامية لا إغريقية، وأنه يأمل في أن يستقي الحكيم موضوعاته في المستقبل من الإسلام الذي يتميز بفلسفة مستقلة خاصة به عن الكون والحياة والإنسان، وبذلك يمكن الملاحظة بأن سيد قطب قد غير نظرته إلى الأدب، ففي حين كان يرى في المرحلة السابقة من حياته أن الأدب كالفنون الجميلة، لا علاقة له البتة بالدين، نراه في هذه المرحلة لا يدعو فقط إلى معالجة الموضوعات الأدبية بروح إسلامية، وإنما إلى استقاء هذه الموضوعات مباشرة من الإسلام.

المرحلة الرابعة:

وتشمل الفترة الممتدة من 1951 إلى 1965، وفيها اعتزل الأدب نهائيا، وانضم إلى جماعة الإخوان المسلمين ، وأصبح على حد قول عبد الحكيم عابدين، مفكر الحزب الذي يعتد برأيه، بالرغم من أنه لم يتبوأ منصبا قياديا، لأن ذلك يفترض انتساب العضو إلى الحزب فترة طويلة، وانصرف نحو الأديولوجية الإسلامية يدعو إليها في جريدة الإخوان المسلمين التي تولى رئاسة تحريرها قبل اعتقاله في عام 1954، ويؤلف عنها الكتب الكثيرة مثل الإسلام والسلام العالمي، هذا الدين، المستقبل لهذا الدين، خصائص التصور الإسلامي، معالم في الطريق ... إلخ، وينتقد بشدة محبذي فكرة فصل الدين عن الدولة، وإبعاد الدين عن السياسة، وعلمنة الدولة في تركيا قائلا: "إن أسطورة أن الدين شيء، والوطنية أو السياسة شيء آخر، هي أسطورة غير موجودة في الإسلام، لأن الإسلام عقيدة في الضمير وشريعة للحياة بكل جوانبها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدولية". ويهاجم سياسة الأزهر وخطته التقليدية القائمة على تفسير القرآن وشرح التفسير ... ذاهبا إلى القول بأن العالم اليوم تسيره نظريات فكرية واجتماعية معينة الإشتراكية والشيوعية والرأسالية، ورسالة الأزهر يجب أن تتجلى في خلق ثقافة إسلامية متكاملة تبين أن الإسلام مفهوما خاصا بالحياة الإنسانية يشمل كل جانب من جوانبها، كالشعور والسلوك والعبادة، والعمل والأجور والملكية، والثروة والاقتصاد والاجتماع، وسياسة الحكم وسياسة المال، والجريمة والعقاب إلخ ... وفي العمل على تطبيق المبادئ الإسلامية في الحياة اليومية.

وفاته:

لقد آمن سيد قطب بفكرة دعا إلى تحقيقها بالفعل، وكان ينضم إلى جماعة الإخوان المسلمين ، حين اتهمت الجماعة في 27 تشرين الأول 1954 بمحاولة اغتيال الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ، فاعتقل مع غيره، وحكم عليه بالسجن مدة خمسة عشر عاما بالأشغال الشاقة، قضى منها عشر سنوات في سجن "ليمان طرة" الذي يبعد بضعة أميال عن القاهرة، وأعفي من المدة الباقية نتيجة تدخل الرئيس العراقي آنذاك عبد السلام عارف شخصيا لدى الرئيس عبد الناصر عند زيارته للقاهرة عام 1964.

خرج سيد من السجن عام 1964 وفي عام 1965 أخرج كتابه معالم في الطريق، فأعيد اعتقاله مرة أخرى مع غيره من الإخوان المسلمين بتهمة تدبير مؤامرة لقلب نظام الحكم بالقوة، وصدر عليه الحكم بالإعدام نهار الأحد الواقع في 22/ 8/ 1966 من قبل محكمة أمن الدولة العليا في القاهرة، وقد تلقى سماعه كما يقول عصام العطار في كتيبه أزمة روحية، "بابتسامة عريضة عبرت عما فاض به قلبه الكبير من السعادة والغبطة بقرب لقاء الله". ويذهب محمد علي الضناوي إلى القول بأن "محاكمة سيد قطب استندت إلى مقتطفات من كتابه معالم في الطريق".

وعلى أثر تناقل خبر الحكم قامت مظاهرة احتجاج صامتة في شوارع كراتشي نظمها أعضاء منظمة جامات إسلامي الدينية، كما وجه زعماء أرعة أحزاب باكستانية هي: جامات إسلامي، مجلس نظام الإسلام، الجامعة الإسلامية وجامعة عوامي، واتحاد الرابطات الإسلامية في لبنان، وأربعون شخصية لبنانية دينية وعلمية، ومجلس الأمة التونسي، ومفتي الجمهورية التونسية، وولي عهد الأردن، والجمعية التأسيسية في السودان، والسيد علال الفاسي رئيس حزب الاستقلال في المغرب، وأحمد الخطيب أحد زعماء الحركة الشعبية في المغرب، ورئيس رابطة العلماء في العراق الشيخ أمجد الزهاوي وثلاثة من كبار علماء الدين غيره نداءات إلى الرئيس جمال عبد الناصر يناشدونه فيها إعادة النظر في حكم الإعدام، ومع ذلك فقد تم إعدام سيد قطب نهار 9/ 8/ 1966 عند الفجر، وقد نشرت جريدة النهار اللبنانية في حينه النبأ نقلا عن جريدة الأهرام المصرية قائلة: " .. وقد ضرب أفراد من الجيش اعتمروا الخوذ الفولاذية، وتزودوا بالرشاشات الثقيلة حصار حول سجن القاهرة، حيث تم تنفيذ حكم الإعدام بعد أن منع الصحفيون من دخول السجن، وطلب منهم مغادرة المنطقة ...".

أما من حيث دفنه، فيعتقد عبد الحكيم عابدين بأنه قد تم من قبل السلطات الرسمية وبصورة سرية في إحدى مدافن القاهرة، ومن الجدير بالذكر، أنه إذا صحت نسبة الرسالة إلى سيد قطب التي نشرت لأول مرة في عام 1959 في مجلة "الفكر" التونسية بعنوان "أضواء بعيدة"، وبعنوان "لم أعد أفزع من الموت ولو كان اللحظة" عام 1966 في مجلة "الإيمان" المغربية، وبعنوان "أفراح الروح" عام 1971 عام 1971 في بيروت، وبعنوان lcs autres, cc sont nos nosidees, c'est la vie عام 1972، لأمكن الاستنتاج بأن سيدا قد تقبل حك الموت عليه بشجاعة، لأن فكرة الموت أصلا لم تكن لتشغل باله أو تخيفه، "لم أعد أفزع من الموت ولو كان اللحظة .. إني أنظر اللحظة فلا أراه إلا قوة ضئيلة حسيرة بجانب قوى الحياة الزاخرة الغامرة ..." (مجلة الإيمان، عدد 7 1966 ص 45) وإنما على العكس من ذلك، يمكن القول بأنه كان يحتقر الموت ولا يهابه، فهو يشبهه بالحيوان، ككلب "بعد الحين والحين يندفع .. فينهش نهشة ويمضي، أو يقبع حتى يلتقط بعض الفتات الساقط من مائدة الحياة ليقتات .. والحياة ماضية في طريقها، حية متدفقة فوارة، لا تكاد تحس بالموت أو تراه ..." (مجلة الإيمان، عدد 7/ 1966 ص 46).

لكننا نميل إلى الشك بأن يكون سيد قد حرر مثل هذه الرسالة عام 1949 (انظر: الترجمة الفرنسية، ص 1) وهنالك أدلة كثيرة تؤيد وجهة نظرنا، فالنظرة إلى الموت كما هي في هذه الرسالة، لا تتفق إلى حد بعيد مع التصور الإسلامي لفكرة الموت، إن القرآن يعتبر الموت حكم الله الذي لا مناص منه.

ثانيا: لقد نشر سيد قطب عام 1948 كتابه العدالة الاجتماعية في الإسلام حيث يظهر فيه مسلما متفقها، ولهذا قد يبدو مستغربا أن يحرر في عام 1949 مثل تلك الرسالة التي لا ترتبط بعض أجزائها بصلة بالإسلام وروحه.

ثالثا: يجدر بالملاحظة أن سيد كان ينشر في مختلف المجلات المصرية وخاصة "الرسالة" كل ما كان يحرره من رسائل ومقالات، وإذا افترضنا أن هذه الرسالة محض عائلية، ولا نظن ذلك، لأن محتواها لا يشير إلى ذلك، فإنه من الصعب أن نتصور الأسباب التي أجلت نشر هذه الرسالة حتى 1959.

رابعا: إن إسهاب سيد في حديثه عن الحياة يبدو أقرب إلى العالم النفساني منه إلى العالم الديني، "... عندما نعيش لفكرة، فإن الحياة تبدو طويلة وعميقة .. فتصور الحياة على هذا النحو يضاعف شعورنا بأيامنا وساعاتنا ولحظاتنا، وليس الحياة بعدد السنين، ولكنها بعداد المشاعر، لأن الحياة ليست شيئا آخر غير شعور الإنسان بالحياة .. ومتى أحس الإنسان شعورا مضاعفا بحياته، فقد عاش حياة مضاعفة فعلا ..." (مجلة الإيمان، عدد7/ 1966 ص 46) وهو أمر يمكن أن يدعم افتراضنا الذي ننسب فيه هذه الرسالة إلى شقيقه محمد، الذي يشبه أسلوبه في الكتابة الأسلوب الذي كتبت به هذه الرسالة، مع الإشارة إلى أن محمدا كان مجازا في علم النفس، ولم يكن معروفا عنه في ذلك الحين، أنه مفكر مسلم كسيد، وإنا فقط كمفكر يهتم بالدراسات النفسية والفلسفية (انظر محمد قطب، دراسات في النفس الإنسانية، سخريات صغيرة .. إلخ).

وإذا كنا بالرغم من كل هذه الحجج مخطئين في زعمنا الذي ذهبنا إليه وهذا ما سمعناه من شقيقة سيد، السيدة حميدة، أثناء لقائنا معها في باريس، بعد أن قدمنا هذه الرسالة للمناقشة، فإنه لا يسعنا إلا التنويه بالفجوة التي نلاحظها في فكر سيد في منطقيته واتساقه، كما أننا نلفت النظر إلى التضارب في التسميات المختلفة لهذه الرسالة، كما سبق وأشرنا، وتواريخ تحريرها، فالترجمة الفرنسية مثلا ترى أن سيد قطب قد حرر هذه الرسالة في عام 1949 في حين أن مجلة الإيمان المغربية، ترى أن سيد قطب قد بعث هذه الرسالة إلى شقيقته عام 1959، وكان نزيل السجن حينذاك.

مؤلفاته:

كتب سيد في موضوعات شتى أدبية وتربوية وسياسية واقتصادية واجتماعية وفلسفية ودينية، وقد عرفت مؤلفاته انتشارا واسعا في العالمين العربي والإسلامي، وقد بلغ مجموع ما ألفه من الكتب أربعة وعشرين كتابا، منها "في ظلال القرآن" يقع في ثلاثين جزءا، عدا الكتب الكثيرة التي نسبت إليه ولم نرها حتى الآن وربما كان أساسها مقالة أو عدة مقالات في مجلة أو جريدة، مثل: أميركا التي رأيت، كتب وشخصيات، القصة بين التوراة والقرآن، المنطق الوجداني في القرآن إلخ .. ويمكن تصنيف هذه الكتب في مجموعتين:

1 – مجموعة الكتب الأدبية:

أ – البحوث النقدية:

1 – مهمة الشاعر في الحياة (1932)

2 – التصوير الفني في القرآن (1945)

3 – مشاهد القيامة في القرآن (1945)

4 – النقد الأدبي: أصوله ومناهجه.

5 – نقد كتاب مستقبل الثقافة في مصر.

ب – القصة:

1 – طفل من القرية (1945)

2 – الأطياف الأربعة (بالاشتراك)

3 – أشواك.

4 – المدينة المسحورة.

ت – في التربية والتعليم:

1 – القصص الديني (بالاشتراك مع عبد الحميد جودة السحار)

2 – الجديد في اللغة العربية (بالاشتراك مع آخرين)

3 – الجديد في المحفوظات (مع آخرين)

4 – روضة الطفل (مع آخرين).


2 – مجموعة الكتب الدينية:

1 – العدالة الاجتماعية في الإسلام (1948 )

2 – [[معركة الإسلام والرأسمالية]] (1950)

3 – السلام العالمي والإسلام (1951)

4 – نحو مجتمع إسلامي (1952)

5 – في ظلال القرآن (19531964)

10 – خصائص التصور الإسلامي.

11 – الإسلام ومشكلات الحضارة.

12 – دراسات إسلامية.

13 – هذا الدين.

14 – المستقبل لهذا الدين.

15 – معالم في الطريق. (1965).

هذا عدا ما كان ينشره في الجرائد اليومية والمجلات، مثل: الرسالة، واللواء الجديد، والدعوة، والصرخة، ومصر الفتاة ، والمسلمون، والإشتراكية، من قصائد كثيرة منها:

أ – الشاطئ المجهول.

ب – حلم الفجر.

ج – قافلة الرقيق

د – نهاية المطاف.

هـ - حلم قديم.

و – انتهينا.

ز – في الصحراء.

ح – من بواكير الكفاح.

وقصص عديدة منها:

1 – من الأعماق.

2 – إلى الإسكندرية.

3 – سوق الرقيق.

4 – تلميذة.

5 – عذراء.

6 – خطيئة.

7 – أم.

8 – أب.

ومقالات متنوعة منها:

1 – نحن الشعب.

2 – الكتلة الإسلامية.

3 – إلى الأحزاب المصرية.

4 – مدارس للسخط.

5 – دفاعا عن الفضيلة.

ومباحث نقدية لنتاج كبار الكتاب في الأدب والشعر والقصة، مثل:

1 – خان الخليلي لنجيب محفوظ.

2 – الملك أوديب لتوفيق الحكيم.

3 – همزات الشياطين لعبد الحميد جودة السحار.

4 –وحي الأربعين وسارة ل[[عباس محمود العقاد.

5 – شعر محمود أبو الوفاء.

6 – أدب الرافعي.

7 – دعوة الكاشاني إلى مؤتمر إسلامي.

8 –ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين.

9 – بين الفلسفة والأدب لعلي أدهم.

10 – [[دفاعا عن البلاغة ل[[محمد حسن الزيات.

11 – من مفارقات التفكير لإسماعيل مظهر.

12 – التناسق الفني في القرآن.

13 – هذه هي الأغلال لعبد الله القصيمي.

ويبدو أن مؤلفات سيد قطب أحدثت ضجة كبيرة في العالمين العربي والإسلامي، لا سيما كتبه الدينية أمثال: في ظلال القرآن، الذي نحى فيه منحى جديدا في تفسير القرآن، يختلف عن غيره من التفاسير المعقدة، وهذا الدين الذي ترجم إلى الإنكليزية والأوردية والألمانية والسواحلية، والمستقبل لهذا الدين، الذي ترجم إلى التركية، ومعالم في الطريق، الذي ترجم إلى الفرنسية أكثر من مرة.

ولم تكن كتبه الأدبية بأقل شهرة من كتبه الدينية، وقام حول مؤلفاته جميعها دارسون يثنون عليها. فـ "مهدي علام" يقول في كتاب مهمة الشاعر في الحياة، "إني أعد سيد مفخرة من مفاخر دار العلوم، وإذا قلت دار العلوم فقد عنيت دار الحكمة والأدب .. يعجبني جرأته الحازمة الرشيدة واستقلاله بالرأي في بحثه .. وقد علق نجيب محفوظ على كتاب التصوير الفني في القرآن قائلا: "إنه إعلان عن مواهب لناقد .. وإن فيه فائدة للذي لم يسعده الحظ بالتفقه في علوم القرآن والغوص على أسرار بلاغته". وحول كتابه الأطياف الأربعة، كتب وديع فلسطين يقول: "إن الصور الخاطفة التي ساقها مؤلفوه والمشاعر السامية التي أودعوها صفحاته والتحليلات النفسية البارعة التي عرضوها فيه دلت على لباقة أدبية .. وهو قطعة أدبية فنية رائعة ..". وحول كتاب معركة الإسلام والرأسمالية، كتب صادق رستم قائلا: "إنه نتيجة ثقافة صحيحة سليمة وإيمان بالإسلام ووطنية وميل نظري إلى الحق والعدل ونفور من العبودية والذلة وبعد عن البدع والمروق، فما أشبهه بابن تيمية والأفغاني والكواكبي وأمثالهم من دعاة الإصلاح الحديثين". أما محمد فياض، فقد كتب يقول: "قرأت لسيد خمسة كتب: التصوير الفني في القرآن، والعدالة الاجتماعية في الإسلام، ومشاهد القيامة في القرآن، ومعركة الإسلام والرأسمالية، والسلام العالمي والإسلام، ورأيي فيه أنه عالم شامل مطلع على المنطق والفلسفة والاقتصاد .. وكتابه العدالة الاجتماعية في الإسلام فريد في بابه، فريد في شموله وتكامله .." وكتب مصعب الزبيري معلقا على كتاب معالم في الطريق، فقال: "لا شك أن كتابات سيد قطب كان لها الأثر الأول في مجرى التفكير الحركي الإسلامي ونجاحه في السنوات الست الأخيرة وذلك لما تميزت به من عمق التفكير وسعة النظر وملامسة الواقع ..." وقد علق محمد علي الضناوي على الكتاب نفسه قائلا: "لم تتضح المبادئ التي حددها الإمام الشهير حسن البنا إلا "بالمعالم" التي رسمها سيد قطب". أما محمد يوسف موسى فقد قال عن كتاب في ظلال القرآن: "لقد عني المسلمون بالقرآن منذ فجر الإسلام فتناولوه بالدرس والبحث والتنقيب من كل نواحيه، فمنهم من عني ببيان ناسخه ومنسوخه، ومن عني ببحث أسباب النزول لكثير من آياته، ومن عني ببيان وجوه إعجازه، ومن اهتم ببحث ما فيه من ألوان الفصاحة والبلاغة، ومن كان همه بحث ما فيه من النحو والإعراب واللغة ... أما الأستاذ الفاضل سيد قطب الداعية الإسلامية والباحث المعروف في مصر والعالم الإسلامي والعربي عامة، فإنه يفسر القرآن في كتابه "في ظلال القرآن" على غير النحو الذي ألفناه، وقد اتبع منهجا سليما في ذلك وهو عمل جليل يتميز بالبيان الرائع المشرق والأسلوب السهل الممتنع .. زاد عن .. ما زخرت به كتب التفاسير المعروفة من الأعراق في البحوث اللغوية والفقهية والكلامية والفلسفية .. في بيان ما اشتمل عليه من نظم اقتصادية واجتماعية وسياسية، لا نكاد نجدها في تلك المؤلفات على قيمتها وجلالتها .. مع شدة الحاجة لها". وكتب أحمد حسن يقول: "لقد مات سيد قطب ولكن آثاره لم تمت، فقد خلف من بعده كتبا وآثارا ستبقى خالدة على التاريخ .. أنها تحتل مكانة خاصة في نفوس أبناء هذا الجيل لا تساويها كتب أي كاتب آخر، كما أنها تعد مدرسة قائمة بنفسها ومنعطفا في تاريخ الفكر الإسلامي الذي ولى وجهه شطر العودة إلى الأصول". أما عبد الحكيم عابدين فقد قال لي حول كتاب العدالة الإجتماعية في الإسلام: "لقد اعتبر كتاب الشيخ محمد الغزالي الإسلام والأوضاع الاقتصادية، الذي ظهر عام 1947 فتحا جديدا في المكتبة العربية الإسلامية ونصرا للفكر الإسلامي في مواجهة سائر الأنظمة في هذا المجال، ولكن عندما ظهر كتاب العدالة الاجتماعية في الإسلام عام 1948 لسيد قطب، وكنت في ذلك الوقت لا أعرفه معرفة شخصية، ولكنني أسمع عن أدبه الشيء الكثير .. أحدث ضجة كبرى في مصر كلها ولا سيما في أوساط المشتغلين بالدراسات الإسلامية، وشعرت بصلة خفية من وشائج المحبة تربطني به، وأدركت أن مؤلفه لا بد وأن يكون مسلما مخلصا في إيمانه أكثر من أولئك الذين يدعون الإسلام، وأنه مفكر كبير فهم الإسلام على وجهه الصحيح فقام يعرضه بصورة جديدة، فما أشبهه بابن تيمية" وأضاف "لقد كان لمقالات سيد التي كان ينشرها في الصحف والمجلات وينتقد فيها كثيرا من جوانب الفساد في المجتمع المصري وبالأخص الملك فاروق وحاشيته، أكبر الأثر في هز الجماهير، وفي ازدياد السخط لدى ضباط الجيش المصري الذين كانوا يطلعون عليها باستمرار بصورة سرية وذلك قبل قيامهم بثورتهم الناجحة في 23 يوليو من عام 1952".  

أسلوبه

يمكن القول بأن أسلوب سيد قطب يتميز بالخصائص التالية:

1 – الوضوح والبساطة:

في التركيب وفي المعنى، ولعل سبب ذلك يعود إلى طبيعة الموضوعات التي بحث فيها سيد، سواء كان منها الموضوعات الأدبية أو الدينية، والغاية التي كان يرمي إليها – بعث جيل يؤمن بالإسلام ويتمشى حسب تعاليمه في مؤلفاته الدينية، والدعوة إلى أدب يقوم على الصدق في التعبير في كتبه الأدبية.

2 – الصدق:

كان سيد قطب مؤمنا بكل شيء يقوله، يدافع عن آرائه بحرارة، ويبذل قصارى جهده لإقناع الآخرين، بما يعتقد به عن طريق مخاطبة وجدانهم وعقلهم، كانت الكلمة عنده مشحونة بالقوة والعاطفة، ورمزا لفكرة يدعو إلى تحقيقها، ولم تكن مجرد رمز لفكرة قائمة في المطلق أو وليدة تصور ذهني خالص.

3 – الخيال:

يمكن أن يشكل الجموح في الخيال الذي يهيمن على بعض مؤلفات سيد قطب مثل: أشواك، المدينة المسحورة، الأطياف الأربعة، إلخ .. مأخذا رئيسيا على سيد، ولعل تفسير ذلك مرده إلى ميله إلى الشعر والأدب وتربيته الدينية وطبيعة الموضوعات التي عالجها.

4 – التكرار:

الإعادة ظاهرة مألوفة في كتب سيد حتى ليضيق القارئ ذرعا بها في فصول الكتاب الواحد في بعض الأحيان، وربما كان لطبيعة الفكرة العامة التي عالجها سيد في معظم كتبه ورغبته بإعطاء صورة متكاملة عنها، ما يشكل عذرا له.

وباعتقادنا أن سيد قطب كان تلميذا مخلصا لمدرسة العقاد الأدبية، التي تعتمد على التجديد في الأسلوب، وأن أسلوبه يمكن مقارنته بأساليب جمال الدين الأفغاني ورشيد رضا وعبد الرحمن الكواكبي وحسن البنا، كما يمكن مقارنته بأسلوب باسكال Pascal في كتابه الدفاع عن الدين الذي ظهر بعنوان "خواطر" وإذا جاز لنا أن نضع جانبا تأثر سيد بمدرسة العقاد الأدبية وبطرائق الكتاب الغربيين، فإننا نقول بأن سيد قطب استقى منهج بحثه في مؤلفاته الدينية من الطريقة القرآنية نفسها التي تعتمد على مخاطبة الوجدان مباشرة، وتستند إلى إبراز الشواهد الحسية في تلمسها الطريق إلى أفئدة الناس.  

الفصل الثاني: المنحى الفلسفي لدى سيد قطب

  لعل حجر الزاوية في فهم فكر سيد قطب يكمن في معرفة رأيه إزاء الفكر نفسه، ونعني بذلك معرفة الإطار الفكري العام الذي وضع فيه نفسه أو المنطلقات الفكرية التي اختارها لتكون أساسا لأفكاره السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

لم يكن لدى سيد قطب أدنى ميل، لا إلى الفلسفة بصورة عامة، ولا إلى الفلسفة الإسلامية بصورة خاصة، ولهذا فإن كتابة فصل جديد يضاف إلى ما يسمى بالفلسفة الإسلامية أو علم الكلام، لم يكن ليثير اهتمامه، فهو كان يميز تمييزا حاسما بين الفلسفة والعقيدة، ولا يرى أن هنالك قاسا مشتركا بينهما، فهنالك تباين عميق بين منطق الفلسفة ومنطق العقيدة، بين منهج الفلسفة ومنهج العقيدة، بين أسلوب الفلسفة وأسلوب العقيدة، وباختصار هنالك لغتان متمايزتان، ومن الخطأ أن نخلط بينهما.

فالفلسفة والعقيدة عالمان غريبان عن بعضهما البعض، ولا يمكن أن يلتقيا على الإطلاق، ومجرد تصور أية علاقة جامعة بين الاثنين أمر غير مقبول.

فأسلوب الفلسفة أسلوب منطقي، معقد، جاف، يخاطب العقل وحده ويعتمد مصطلحات معينة لا يدركها إلا قلة من المتخصصين، في حين أن العقيدة تنشد البساطة من حيث اعتمادها أسلوبا واضحا تملؤه العاطفة الإنسانية، ويتوجه مباشرة إلى وجدان كل شخص وعقله، ويروي ظمأه إلى معرفة المطلق، لذا فإن معالجة موضوعات العقيدة باستخدام منهج الفلسفة غلط جوهري، فهنالك ارتباط وثيق بين طبيعة الموضوع المعالج وطبيعة المنهج المستخدم، إن الموضوع المبحوث يتأثر حكما بالمنهج، وقد تتغير حقيقته إذا عولج بواسطة منهج غريب عن طبيعته، والفلاسفة المسلمون لم ينتبهوا إلى انحرافهم عن المفاهيم والإسلامية عندما عالجوا موضوعات الإيمان بلغة الفلسفة المستفادة من اليونان، والطريق السليم لتجنب الوقوع في مهاوي الفلسفة، هو أن نبحث في أمور العقيدة بأسلوب العقيدة نفسها، ولا حاجة إلى مناهج بحثها، ثم إن الفلسفة والعقيدة لا يلتقيان على الصعيد العملي، فإذا كانت المعرفة الصحيحة هي التي يمكن أن تترجم في العالم المحسوس إلى حركة حية تدفع الإنسان إلى العمل، فإن هذه المعرفة ليست خاصة الفلسفة، لأن الفلسفة معرفة باردة، تتعامل مع الذهن ولا تلتفت إلى إمكانية تحققها بحيث تصبح محركا يطور الحياة نحو الأفضل، وتاريخ الفلسفة منذ بدايته حتى اليوم لا يشير إلى أي دور عملي لها في الحياة الإنسانية، بعكس العقيدة التي دفعت البشرية وما تزال في طريق التقدم، إن جميع التصورات والفلسفات والمذاهب التي يقوم عليها الفكر الغربي اليوم، وتعيش عليها البشرية، لم تصل إلى نتيجة محددة في أبحاثها وما زالت تتخبط في البحث عن المعرفة، فما هو مثلا العقل الذي قال الفلاسفة المثاليون إنه أصل المعرفة؟ أين يوجد؟ وكيف يعمل؟ وما هي قوانينه؟ ثم ما هي هذه الطبيعة التي يرفعها الفلاسفة الوضعيون إلى مرتبة الألوهية؟ كيف خلقت العقل وزودته بالحقائق؟ وهل هي كائن محدد أم هي شيء خارج عن نطاق معرفة العقل البشري؟ ولماذا خلقت العقل في الإنسان ولم تخلقه في الحيوان أو النبات؟ وهل هي مادة هذا الكون؟ وهل هي شيء ثابت يمكن تحديده أم أنها تخل إلى إشعاعات؟ وإذا كان العقل هو مصدر الحقيقة، وإذا كانت "الطبيعة" هي التي تقرر الحقيقة في العقل الإنساني، فهل المعرفة واحدة ثابتة؟ وإذا كانت كذلك، فكيف يمكن أن نفسر إيمان العقل بادئ الأمر بأن الأرض جرم ثابت تم تراجعه عن ذلك وادعاؤه بأنها ليست سوى جرم متحرك تابع للشمس، وباختصار، إن جميع مناهج الفكر الغربي الحالية التي تقوم أصلا على معاداة الكنيسة والتفكير الكنسي، فضلا عن التفكير الديني بوجه الإجمال، لا تصلح لاعتمادها أساسا في البحث في أمور العقيدة.

نصل الآن إلى موقف سيد إزاء الفلسفة الإسلامية وعلم الكلام، لقد عرف المسلمون بعد الفتوحات الكثيرة الراحة والترف العقلي، وكان لمختلف الترجمات أثره عليهم، فأعجبوا بالفلسفة اليونانية وأقبلوا عليها، وحاولوا أن ينسحبوا على منوالها، فكانت نشأة الفلسفة الإسلامية من ناحية وعلم الكلام من ناحية ثانية، لقد عل الفلاسفة المسلمون جاهدين للتوفيق بين الدين والفلسفة في حين أن هذه المحاولة كانت تخفي جهلا فاضحا لطبيعة الإسلام المختلفة عن طبيعة الفلسفة، إذ أن الفلسفة نتاج العقل الإنساني "الوثني" بينما الرؤيا الإسلامية للعالم وحي إلهي يقوم على مبدأ الإيمان بوحدانية الله المطلقة، وقد وقع المتكلمون أيضا في نفس الخطأ، فبدلا من أن يحفظوا للتصور الإسلامي ميزته الأساسية التي تتجلى بمخاطبة الإنسان كله، وليس التوجه فقط إلى طبيعته العارفة، أو العاقلة بتعبير أدق، تبنوا المطلق الأرسطي كمنهاج في تفكيرهم، وفي النهاية فإن التصور الإسلامي لجميع مظاهر الوجود تغيرت معالمه.

وهكذا فبدلا من أن يحفظ على الإسلام أصالته، فإن علم الكلام شوه العقيدة الإسلامية وذلك منذ اللحظة التي استخدم فيها نماذج الفكر الإغريقي في مباحثه، وبالتالي فإن الانسجام الرائع الذي كنا نحسه في العقيدة قد دفن بتأثير المماحكات الجدلية، ومن المؤسف حقا أن نرى مع هذا، بعض المصلحين المحدثين يترسمون أساليب الفلسفة في جهودهم الرامية إلى الدفاع عن العقيدة والحفاظ على صفائها، فالشيخ محمد عبده عندما يلجأ أحيانا إلى العقل وحده للوقوف بوجه الانحرافات التي كانت تملأ عصره، فإن محاولته التي لم تكن ترتكز على العقيدة نفسها، كانت هي في حد ذاتها بداية لانحرافات جديدة، وعندما يحاول محمد إقبال صياغة التصور الإسلامي بقالب فلسفي، مؤكدا على أن الذاتية الإنسانية تستمر في الوجود بعد الموت والبعث، فإنه يقع في مبالغة وفي شطط من جراء تأثره بفلسفة هيجل، واستخدامه أو تطبيقه الأساليب الهيجلية على النصوص القرآنية، وبالتالي فإنه يشوه العقيدة الإسلامية التي تتميز بالوضوح والبساطة حول مسألة الذاتية الإنسانية، فالإنسان محل للاختبار، تتعاقب عليه وقائع الخير والشر امتحانا لقوة إيمانه، فإما أن ينجح ويثاب على ذلك بالدخول إلى الجنة، وإما أن يزل فيهوي في الجحيم كعقاب على ذلك.

ماذا يقترح سيد قطب علينا إذا؟ إنه يهيب بنا إلى العودة إلى مصدر العقيدة، أي إلى القرآن ذاته للنظر فيه خارجا عن كل تصور عقلي موروث، لأن جميع ما توصلت إليه الفلسفات قديما وحديثا في حقل المعرفة، لا يقاس على الإطلاق بالحقيقة الكبرى التي يقدمها الإسلام، لأنها معرفة مصدرها الله، خالق الكون والإنسان والحياة، ولكي نعقل التصور الإسلامي للوجود، ونتجنب كل الانحرافات التي علقت به خلال الأعصر المتعاقبة ليس هنالك سوى طريق واحد، أن نتخلى جملة وتفصيلا عن كل ما يمت بصلة إلى الفلسفة وعل الكلام، ونقبل على القرآن لنعيش وفق تصوراته وفي الظروف التي رافقت ظهوره، ونتدارسه كما هو بدون مواقف عاطفية وأفكار فلسفية مسبقة، لأن كتاب الله الذي يرسم بالمعارف الصحيحة الطريق السليم للناس، والعرفان بالجميل يقتضي من الإنسان أن يتقبل شاكرا هدية خالقه، وذلك بدون أدنى جدال، فضلا عن أن في ذلك إشباعا لحاجة دفينة فيه، فكل إنسان يشعر بحاجة طاغية إلى امتلاك عقيدة تتفق مع طبيعته، وتفسر له مختلف ظواهر الكون، وتقدم له الحلول المناسبة لجميع مشاكله، وتحفظ عليه فكره موحدا منسجما، والحاجة إلى العقيدة أعمق بكثير من الحاجة إلى فكر وأنظمة ونظريات، إنه جوع طبيعي، لا يمكن إشباعه إلا بالإيمان، الذي يشد كل القوى الإنسانية نحو محور واحد، والعقيدة الوحيدة التي ترضي الفرد والجماعة في كل نواحي الحياة، والتي تقدم تفسيرا كافيا لجميع مظاهر النشاط الإنساني، هي العقيدة الإسلامية التي لا تعطي لله ما لله ولقيصر ا لقيصر، وإنما تقرر بأن الوجود بأسره – ومنه قيصر – كله يعود إلى الله، إن سيد قطب يطلب منا العودة إلى الأصل إلى "النبع" والتخلي عن جميع المناهج العلمية والفلسفية، ولكن ما هو المنهج الخاص لهذه العودة؟ وما هو الدور الذي يمكن أن يلعبه العقل الإنساني أو يخصص له؟ إن المنهج الذي يجب استخدامه هو منهج التفسير والتصوير، يجب أن نتتبع القرآن عن قرب ونبسط تصوره للكون دون تشويه، ليس علينا أن نهتم بتنفيذ مزاعم الخصوم ورفضها، وإنما علينا أن نحارب على أرضنا الخاصة بنا، ونرفض المعركة انطلاقا من أرض الخصم، وذلك حتى لا نقع في أحابيله ونفس أخطائه، أما الدور الذي ينبغي على العقل أن يلعبه في هذا المنهج "التفسيري" فيبدو أنه محدود جدا، لأن عليه أن يكون بصورة ما محدودا بالنص القرآني نفسه وربما كان سيد يرى في هذا "التحديد" ضمانا للعقل من الخطأ والانحراف، أو وضعا للعقل في موضعه الصحيح قادرا – أصلا – على تيسير الحياة لا على تصور الوجود، بحسب تعبير "برجسون" خصوصا بعد التسليم بصحة الوحي الإلهي في القرآن .. هذا التسليم الذي كان عملا من أعمال العقل .. وعبر الأدلة المبثوثة في عالم الطبيعة وعالم الإنسانية ذاته، ولهذا فإن الإسلام لا يعادي العقل على الإطلاق، فالعقل هبة من الله، إنما ليس هنالك من عقل بشري واحد يشترك فيه جميع الناس، إن العقل متعدد، من هنا احتمال الوقوع في الخطأ في التحليل، وحتى يصار إلى تجنب الوقوع في الخطأ، على العقل أن يبقى قريبا من النص القرآني الذي يعين حدوده، وباحترام هذا الشرط، فإن الانسجام الذي تكلم عنه، محمد عبده يقوم تلقائيا بين العقل الإنساني والعالم الخارجي.

الفصل الثالث:الفكر السياسي

"إذا فصلت السياسة عن الدين فقدت معناها .. كل طفل في مدرستنا يدري الأنظمة السياسية في الهند، ويعرف كيف أن بلاده تتقد بإحساسات جديدة وبآمال جديدة، ولكننا أيضا في حاجة إلى الضوء الثابت المستقر، ضوء الإيمان الديني".

غانديالفكر السياسي

بعد تبيان موقف سيد تجاه الفلسفة، نتابع حديثنا في هذا الفصل عن آرائه السياسية، سنبدأ أولا باستعراض الأنظمة التي تحكم العالم اليوم ومساوئها، ثم نبسط الحلول التي يقترحها، مع هذا فقد رأينا من المناسب قبل عرض أفكاره السياسية، أن نبين أولا وجهة نظره إزاء مجتمعه الذي كان يعيش فيه.

سيد قطب والمجتمع المصري:

كان سيد قطب يرى أن الوضع الاجتماعي في مصر قد وصل في نهاية النصف الأول من هذا القرن إلى درجة من الفساد السياسي والاجتماعي يستحيل معه استمراره، لأن استمراره معناه مخالفة لطبيعة الأشياء، فهو لا يحمل في ذاته أي عنصر من العناصر اللازمة لبقائه، أو التي تسمح على الأمل بتمديد أيامه، إنه مجتمع يخالف روح الحضارة الإنسانية، ولا يتفق مع روح أي دين، فالتشريع السائد فيه مغاير لروح الشعب لأنه لم يستمد كيانه من واقعه، من حاجات أفراده وأوضاعهم، ومشاعرهم وقيمهم، تلاشى فيه الشعور بالكرامة الإنسانية، وتعفن الضمير، وانعدام التضامن الاجتماعي، والمساواة وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية، وانتشر بدلا من ذلك الجوع الذي يهدد الملايين بالموت، وسيطر احتكار المال والأرض والحكم من قبل زمرة قليلة من المستغلين، وتحول إلى مجتمع طبقي يتألف من طبقتين:

أ – الطبقة الأولى:

وهي الطبقة الرأسمالية التي تعيش في الترف ولا تقوم بأي عمل مثمر، إنما تعيش عالة على المجتمع الذي تستغله وتستعبده بدون حياء، تخلت عن دينها ووطنيتها، فمشت في ركاب المستعمر الغربي تنفذ غاياته، وهي تتكون من الحكام والإقطاعيين وأصحاب المال، الذين يحتكرون الوظائف الحكومية الهامة من سياسية وعسكرية، ويملكون نصف الأرض الصالحة للزراعة، وتمتص جيوبهم أكثر من ثلث الدخل القومي بالرغم من أن عددهم لا يتجاوز الألفين.

ب – الطبقة الثانية:

وهي طبقة الفقراء والمعدمين، وتتكون من العمال والفلاحين – الاسترقاق الإقطاعي – والمتعطلين، وتمثل الأغلبية الساحقة من المجتمع المصري، وهي تستغل بدون رحمة أو شفقة من لدن الطبقة الأولى التي تجني ثمرة جهدها، وهي تقسم إلى فئتين:

1 – الفئة الأولى:

وهي تكون الأكثرية العظمى من هذه الطبقة، وتشمل الأحرار من الناس الذين يقدرون الشرف والكرامة، ويقاومون أعمال الطبقة الأولى من غش وسرقة وخيانة حتى لو كلفهم ذلك التضحية بحياتهم.

2 – الفئة الثانية:

وتتكون من الذين تخلوا عن حريتهم وشرفهم، وآثروا تملق الطبقة الأولى حتى يؤمنوا لأنفسهم معيشة ميسورة بدون جهد، وهي تقسم بدورها إلى قسمين: فريق السماسرة أو "القوادين"، وفريق الضحايا أو الرقيق". وهي فئة منحطة لأن طبيعة الخدمات الشخصية التي تؤديها قذرة وسافلة.

مذهب سيد قطب السياسي:

قد يتراءى للبعض بأن سيد قطب كان شديد العداء للمذاهب الإشتراكية ولا سيما الشيوعية، وقد يتراءى للبعض الآخر، بأنه كان على العكس، يناصب العداء في الدرجة الأولى للمذاهب الرأسمالية، وقد يرى آخرون بأنه كان يناهض الأفكار الوطنية والقومية، لذا ارتأينا أنه من الضروري توضيح أفكاره السياسية وجلاء مذهبه السياسي.

يرى سيد قطب أن لكل نظام من النظم الاجتماعية فلسفته، كالنظام السياسي والأسس التي يقوم عليها، والنظام الاقتصادي والمبادئ التي يرتكز عليها، والنظام الأخلاقي والمعيار الذي يستند إليه، وغايات تناسب طبيعته، وحلولا تلائم المشاكل الناتجة عن تطبيقه، وأن أنجح نظام هو النظام الذي يقوم على عقيدة فكرية ثابتة، تعرف الإنسان حق المعرفة، وتقدم له فضلا عن الغذاء المادي لجسده، والحرية والمساواة، تصورا كاملا وسليما عن الكون والوجود والحياة، تلائم طبيعته وترضي فطرته، ومن هذا المعتقد الفكري كان لسيد قطب رأيا خاصا في الأنظمة المعاصرة والأفكار التي تسيرها.

1 – المذاهب القومية:

يرى سيد قطب أن الأفكار الوطنية والقومية كانت وليدة حاجة القرنين الماضيين إليها، وقد نشأت ردا على "ضعف الروح الإنسانية العالمية" أما اليوم فقد أصبحت من آثار الماضي، لأن فكرة العدالة الاجتماعية أخذت تحل محلها، ولم يعد لها وجود إلا في العقول المحدودة، البعيدة عن منطق العصر ومقتضياته، فالعالم اليوم تتقاسمه كتلا ثلاث: الكتلة الغربية، الكتلة الشرقية، وكتلة الحياد.

والكتلتان الشرقية والغربية تحاول كل منهما السيطرة على العالم، في حين أن الثالثة تقف عاجزة عن التحرك، والمناداة بالقوميات المحلية القائمة على "الجنس" كالقومية العربية، لا تحاكي الواقع الذي يتحكم فيه مبدأ القوة، وكل دولة لا تدور في فلك إحدى الكتل الثلاث مضطرة إلى الانضمام إلى إحداها لتمنع عنها مظالم الكتلتين الأخريين.

2 – مذهب الحياد:

إن مذهب الحياد فكرة غير واضحة المعالم لأنها غير قائمة على أسس طبيعية وثابتة، فالكتلة التي تمثلها اليوم والتي تسمى بكتلة الحياد أو الكتلة "الأفروآسيوية" هي كتلة مصطنعة مفككة، إذ لا عقيدة تجمع بين شعوبها، ولا تاريخ واحد، ولا أهداف واحدة، وهذا ما يجعلها عديمة الشأن على الصعيد الدولي لا سيما أن الخلافات مستحكمة بين أعضائها، فالهند وباكستان، وهما أكبر عضوين فيها، في صراع دائم.

حول قضية كشمير، ولا يمكن تصور قيام كتلة دولية وأكبر عضوين فيها في نزاع مستمر.

3 – النظام الرأسمالي:

إن النظام الرأسمالي أو ما يسمى بالنظام الديمقراطي، قام في بداية الأمر بدور "المخلص للجماهير" من قبضة النظام الإقطاعي، الذي كان يمتهن كرامة الإنسان الأوروبي وحريته، ويهدد وجوده الإنساني، وهو بإطلاقه الحرية للمبادرة الفردية، دفع الإنسان إلى "قمة الإبداع" واستثمار "كنوز الأرض" لصالح جميع البشر، لكن مغالاته الشديدة في هذه الحرية التي جعلها مطلقة ردا على مساوئ النظام الإقطاعي، أدت بدورها إلى ظهور "الاحتكار والنظام الربوي اللعين". الذي هو مصدر جميع الأزمات الاقتصادية الدورية، وويلات البطالة والكساد والاستعمار الجديد، إن النظام الرأسمالي نظام مادي بشع، يعادي الفطرة البشرية، فيرد الأخلاق إلى المنفعة، ويحتقر المثل العليا المجردة، ويؤازر الطبقات الحاكمة المستغلة في كل مكان، ويخلق التفاوت الهائل بين الأفراد في الثروات والأجور، ويجعل من الحرية الفردية مجرد اسم أمام أسياد المال. والعالم الغربي وخاصة المثقفين من أبنائه، بدأ يتحول نحو الشيوعية لأنه وجد فيها الغذاء الذي تنشده، روح الإنسان في كل مكان وزمان، ولا غرابة في ذلك، فالشيوعية تربط الإنسان بغاية أسمى من الغاية الفردية المحدودة التي تجسده الوجودية في فرنسا والذي يتمثل "بحرية الجنس" أو فكرة المنفعة العملية التي تمثلها فلسفة البراجماتزم Pragmatism في أميركا، إن غاية الشيوعية الارتفاع بالإنسان فوق المصالح الخاصة لتحقيق سيادة طبقة العمال، لذا فالشيوعية هي النهاية الطبيعية لمصير العالم الغربي الذي تخلو حضارته من القيم الروحية والمثل والأحلام، وقد بدأ يتبنى أفكاره ولا سيما في الحقل الاقتصادي تحت عنوان الإشتراكية، والعالم العربي يستحق اللعنة والاحتقار حتى يثور ضد مخازي ما يسمى "العالم الحر" ويتحرر من عبادته فكريا ووجدانيا، إن فرنسا التي تتباهى بالدفاع عن الحرية هي من تقف بوجه الحركات التحرر العالمية، وتعتبر تعليم اللغة العربية والدين في قطر عربي إسلامي – الجزائر – جريمة، وتعتقل الوطنيين الأحرار والشيوخ والأطفال والنساء في تونس والجزائر ومراكش.

وإنكلترا التي تدعي التسامح الديني هي التي تمنع انتشار الإسلام في جنوبي السودان، وتحرم وجود أي مسلم فيه مهما كانت الأسباب وترمي الجرحى من الفدائيين المصريين الذين يريدون تحرير القناة إلى الكلاب المفترسة، وأميركا هي التي تسمح لرعاياها البيض بالتعاون على قتل زنجي واحد في الطريق العام حتى "يختلط لحمه بعظمه" ومن وقفت في مجلس الأمن الدولي أثناء حرب فلسطين، تناصر إسرائيل المغتصبة، ومن تؤازر فرنسا وإنكلترا في تصرفاتها البربرية، فويل للبشرية إذا ما قادها سوء طالعها للوقوع في براثن الاستعمار الأميركي.

4 – المذهب الشيوعي:

إن ظهور النظم الجماعية كان بمثابة رد فعل على مغالاة النظم الفردية الرأسمالية في مبادئها التي أدت إلى عكس النتائج المأمولة منها، ولكن النظم الجماعية وقعت في نفس الشطط الذي وقعت فيه النظم الرأسمالية، فالشيوعية هي الامتداد الطبيعي للتصور الغربي المادي عن الحياة، وهي تجذب قلوب الفقراء إليها بحلولها العملية التي تقدمها لبعض مشاكلهم الحياتية، كالقضاء على الطبقية وتأمين الغذاء والعمل للجميع، أما من يملك الخبز وحرية القول والمعتقد، فلا يعقل أن يعتنقها، ولعل هذا ما يفسر عدم انتشارها في بعض الدول التي تؤمن لرعاياها شيئا من العدالة الاجتماعية، كالسويد والنرويج والدانمرك وأميركا.

إن الشيوعية في حد ذاتها فكرة صغيرة لا تستحق الاحترام من قبل من يفكرون تفكيرا إنسانيا يتجاوز الطعام والشراب، إنها عقيدة مادية تعادي "الفطرة الإنسانية" جملة وتفصيلا في "الكليات وفي الجزئيات" وتقوم على الجهالة العميقة بالنفس البشرية والكون والحياة، إنها تحاول إلغاء الوجود الفردي، في حين أن الفردية، عميقة في التكوين العقلي والنفسي للإنسان، إنها تنكر وجود الله وتؤله المادة وتجعلها أكثر أهمية واعتبارا من العقل أو الروح، زاعمة أن العقل مدين في نموه إلى الادة ولا يمكن أن يوجد منفصلا عنها، إنها تفسر التاريخ الإنساني: السياسي والاجتماعي والأخلاقي من خلال الاقتصاد، وتعتبر الإنسان مجرد كائن له مطالب الحيوان الأعجم، وتضعه في كثير من الأحيان دون مرتبة الحيوان، بدون النظر إلى أنه كائن متميز عن الآلة والحيوان، بروحه التي تميل إلى الاعتقاد بالله، وتهوى الحريات، كحرية الفعل والقول والتملك، إنها تزعم بأنها تحيط علما بكل وقائع التاريخ وبكل العوامل المستترة والظاهرة في هذا التاريخ، وبكل دوافع الإنسان في كل مكان وزمان، في الماضي والحاضر والمستقبل، بينما علماء الأنثروبولوجيا في هذا القرن، يعترفون بجهالتهم المطلقة بالإنسان المطلقة بالإنسان، إنها تدعي بأن الناس سيتحولون بطبيعتهم عند تحطيم الطبقة البرجوازية إلى ملائكة خيرين، يقدمون مصلحة الجماعة على مصالحهم الخاصة بدون أية رقابة خارجية، وهذا تصور خرافي ينم عن جهل مطبق بطبيعة الإنسان، فضلا عن أن الصراع الطبقي الذي هو محور الحركة التطويرية فيها، قد ينقلب في النهاية إلى قيد "يحول دون انطلاق البشرية إلى آفاق أعلى". ثم إن منطق مبدأ النقيض القائم على أن كل شيء يحتوي على نقيضه، والذي هو ركن الشيوعية الذي تأمل عن طريقه الوصول إلى تحقيق غايتها، لا يتفق والقول بتعطيل هذا المبدأ عند مرحلة سيادة الشيوعية، وإنما يقتضي الاستمرار في التحول أو العمل، وهذا يعني في النهاية، انهيار الشيوعية ذاتها عند قيامها بمقتضى أن كل شيء يتضمن نقيض نفسه أو عوامل هدمه، ومن الطريف أن يصبح النظام الذي يدعو إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، ويطمح في أن يكون نظاما عالميا، هو النظام الذي تحميه الحكومات الديكتاتورية وتختفي فيه حرية العقيدة، وأن يفشل كنظام اقتصادي، فروسيا وهي مهد الماركسية، تعيش في أزمة اقتصادية، فنتاجها الزراعي في تناقص مستمر، حتى أصبحت تستورد القمح وسائر المواد الغذائية من دول المعسكر الغربي، وأن يصبح عرضة للتعديلات التي أدخلها عليه كل من لينين وستالين وخروشوف، والتي هي في الحقيقة "عدولات" عن أسس النظرية، اقتضاها الواقع الإنساني، وأن يتحول عن أهدافه الإنسانية في تحقيق العدالة وتأمين السلام العالمي، ليصبح مذهبا نفعيا، فتعترف مجتمعاته بدولة الصهاينة المغتصبين لفلسطين وتمدهم بالأسلحة، ومن المعروف أن إسرائيل إنما قامت على أساس عنصري ديني، وأن الماركسية لا تعادي شيئا أكثر من الدين.

5 – النظام الاشتراكي:

لقد ظهرت الإشتراكية نتيجة ظروف خاصة وبفعل الحاجة إليها .. وهي بالرغم من غاياتها الإنسانية التي تدور حول تأمين حياة كريمة للأفراد، بتوفير العمل المناسب لهم، مع المسكن اللائق، والضمان الصحي، والسماح بحرية التملك الفردي، وتقريب التفاوت الاجتماعي القائم بين مختلف طوائف المجتمع لإحلال التكافل الاجتماعي، والتي تلتقي مع مبادئ النظام الإسلامي والاقتصادي، إلا أنها ليست في النهاية سوى مذهب اقتصادي مادي خاو من القيم الأخلاقية، مما يسمح بظهور استعمار خبيث في ظلها.

6 – الإخوان المسلمون :

بعد أن كشف سيد قطب مساوئ الأنظمة البشرية التي تسود العالم اليوم، سواء كانت شرقية أو غربية، دعا جميع المسلمين على اختلاف جنسياتهم إلى الاتحاد في كتلة ثالثة أطلق عليها اسم "الكتلة المسلمة" تقوم على التصور الإسلامي، الذي يزود البشرية كلها بفلسفة اجتماعية متناسقة متكاملة عن الكون والحياة، تلائم الفطرة البشرية، وتؤمن العدالة الاجتماعية الصحيحة والحرية والكرامة لكل إنسان، ومن شأنها أن تصبح حارسة للسلام العالمي، لأنها تملك بيدها ميزان التوازن بين كلتا الكتلتين الشيوعية والرأسمالية، والظروف السائدة في العالم اليوم تحتمها فضلا عن أن الإسلام يدعو إليها، كما أن جميع فرص النجاح متوفرة لها، فالمسلمون يتجاوز عددهم في العالم "الخمسمائة مليون" تجمعهم عقيدة واحدة وتاريخ واحد، والشعوب الإسلامية لن يكون لها كيان حقيقي، ولن تنال العزة القومية والعدالة الاجتماعية، وتتخلص من الاستعمار، إلا عن طريق الإسلام والتكتل على أساسه، ولعل هذا ما دفعه إلى أن ينخرط عام 1952 في صفوف جماعة الإخوان المسلمين ، الذي يصفه بأنه "حزب الله" الذي يدعو إلى إزالة الفروق الطبقية بين الناس، وتحديد الدخل الفردي، على أن لا يقل عن حد أدنى معين لازم لمعيشة كريمة، وتقريب الفوارق بين الدخول المرتفعة والأخرى المنخفضة، وتحديد الملكية الزراعية، وتحرير الفلاحين من الاستعباد والاستغلال، ورفع المستوى الأخلاقي للشعب، وتأمين الضمان الاجتماعي الشامل لكل فرد، ومحاربة الاستعمار والفساد أينما كان.

ويذهب البعض إلى القول بأن سيد قد انضم في بداية الأمر إلى حزب "مصر الفتاة " عند ظهوره، وأنه لم يلبث أن تركه عندما لم يجد فيه شيئا يميزه عن سائر الأحزاب، وأنه قد مضت فترة طويلة قبل انضمامه إلى جماعة الإخوان المسلمين .

سيد قطب وثورة 23 يوليو 1952:

عندما قام الجيش المصري ليتسلم السلطة في 23 يوليو (تموز) 1952، وقف سيد قطب من ذلك موقف المؤيد، ونشر مقالات عديدة بهذا المعنى، منها مقالة "نحن الشعب".

وقد حدثني عبد الحكيم عابدين قائلا: "إنه في نفس الليلة التي قامت فيها الثورة، توجه عدد من الجنود مع بعض الدبابات إلى منزل سيد قطب في حلوان، حيث اصطحبوه معهم إلى مقر قيادة الضباط الأحرار في كوبري القبة في القاهرة، لكي يكون مستشارا ثقافيا لزعماء الثورة، وأنه كان المدني الوحيد الذي يحضر بصفته الشخصية جميع جلسات مجلس قيادة الثورة، وينام مع الضباط ويأكل أكلهم، ويشترك معهم في التصويت على القرارات المتخذة، وبأنه لم ينفصل عنهم إلا بعد ستة أشهر حينما اختلف معهم على الأسس التي يجب أن ترتكز عليها "هيئة التحرير" المساندة للثورة، ففي حيث قرر الضباط تشكيلها من جميع فئات الشعب، ارتأى هو أن يكون الإسلام دستورها والاكتفاء بتشكيلها من بين الوطنيين المخلصين الذين يتمثلون بالإخوان المسلمين .

بعد عرضنا لفكر سيد قطب السياسي، نتساءل عما إذا كان هو الوحيد الذي دعا جميع المسلمين إلى التكتل في كتلة موحدة تضمن تحررهم وتقدمهم، يبدو أن سيد قطب لم يكن المفكر الأول، فهنالك العديد ممن سبقوه إلى ذلك، ومن كانوا يزنون أحوال دولهم بميزان الدين، معتقدين بأن صلاح تلك الأحوال مرهون بمقدار مسايرتهم لأحكام الإسلام، نذكر منهم: ولا نتحدث هنا عن مناهجه التفصيلية في الإصلاح والدعوة إلى الإسلام ولا عن الخصائص المميزة لكل واحد من هؤلاء الأعلام والمصلحين:

جمال الدين الأفغاني: 18381897 وقد دعا جميع المسلمين إلى العودة إلى الإسلام الصحيح والاتحاد ضمن إطار الجامعة الإسلامية، وكان يقول إن من صلحت عقيدته صلحت أعماله وأخلاقه وأحواله.

نامق كمال: 18401888 الذي طالب جميع المسلمين بالاتحاد تحت قيادة الأتراك العثمانية، وتشكيل الكتلة المسلمة التي تستطيع الوقوف بوجه الكتلة الغربية وتحفظ التوازن العالمي.

محمد عبده: الذي أهاب بجميع المسلمين للاتحاد في رابطة إسلامية، ونادى بضرورة مؤازرة السلطان عبد الحميد الذي كان يمثل بنظره رمز وحدة المسلمين.

محمد رشيد رضا: 18651935 الذي كان يؤكد في كتاباته بأن السبيل الوحيد للقضاء على علل المسلمين إنما يكمن في اتحادهم.

حسن البنا: الذي حمل حملة عنيفة على كل الأنظمة السياسية المعاصرة، سواء منها الشيوعية أو الإشتراكية أو الرأسمالية، وذلك لفشلها في جهودها الرامية إلى حل المعضلات العالية، كما هاجم روسيا والولايات المتحدة الأميركية وإنكلترا وفرنسا وإيطاليا "النازية" لاقتسامها العالم فيما بينها، وكان لا يرى أية فائدة في الأفكار الوطنية والقومية، ويدعو جميع الدول الإسلامية إلى الاتحاد وتكوين منظمة الأمم الإسلامية.

محمد إقبال: الذي كان يعتبر الرأسمالية والشيوعية بمثابة فرعين منبثقين من شجرة المادية، ويطالب بتوحيد جميع البلاد الإسلامية، ضمن إطار الجامعة الإسلامية.

أبو الحسن الندوي: الذي ينتقد بشدة جميع الأنظمة من شيوعية ورأسمالية التي تخيم على العالم قائلا: إن الشرق والغرب، يعيشان في أزمة روحية وخلقية واجتماعية واقتصادية، وقد تأسف على الدول الإسلامية التي تتغنى "بالقومية" المؤسسة على "الحقد" بدلا من العمل على إعلاء الكتلة المسلمة.

وكان يرى أن العرب لموقعهم الجغرافي وتاريخهم الديني، هم "المعنيون" أكثر من غيرهم لتحمل قيادة هذه الكتلة.

أبو الأعلى المودودي: كان يأسف لانصراف المسلمين عن الإسلام وإقبالهم على الأيديولوجيات المختلفة، من شيوعية وقومية إلخ .. داعيا جميع المسلمين إلى التعاون في ظل دولة واحدة.

الفصل الرابع: الفكر الثقافي والاجتماعي المعاصر

بعد استعراض مختلف الأنظمة السياسية التي تسود العالم اليوم، ينتقل سيد قطب إلى الحديث عما ندعوه بالحضارة المعاصرة والمجتمعات التي تعيش هذه الحضارة.

وعلى ضوء معيار عقدي دقيق، يتساءل فيما إذا كانت الحضارة المعاصرة تشتمل على القيم التي تسمح لها بادعاء صفة التحضر، وفيما إذا كانت المجتمعات الحالية متمدنة فعلا، لذا فإن هذا الفصل الذي يجيب على هذين السؤالين يضم قسمين:

1 – الحضارة المعاصرة.

2 – المجتمعات المعاصرة.

الحضارة المعاصرة:

الواقع أننا لا نعثر على تعريف واضح لمفهوم الحضارة عند سيد قطب، وقد يشكل ذلك هنة في منهجه الفكري رأينا من المناسب الإشارة إليها، يقف سيد قطب من الحضارة المعاصرة موقف الإنكار، ويرى أنها تقود البشرية إلى الدمار، وأن التقدم التقني وما نتج عنه من توفير أسباب الرفاهية المادية لا يستطيع شيئا في تعديل هذا المصير المشؤوم، فالعالم اليوم يعيش في جاهلية ملموسة، هذه الجاهلية تتكشف بمخالفة سلطان الله وأخص خصائصه وهي الحاكمية العليا، وبسبب من هذه الجاهلية انتزع البعض سلطانا لا يكون في الأصل إلا لله وحده، وسوغوا لأنفسهم بأن يشرعوا أنظمة وقوانين اجتماعية ونظريات وقيا أخلاقية، وأن يفرضوها على أمثالهم بدون أن يظروا إلى أمر الله في هذا الشأن، وهي شيء لم تعرفه "العربية" في جاهليتها الأولى قبل ظهور الإسلام، فاحتقار الأفراد في البلاد ذات الأنظمة الجماعية، واستعباد الإنسان في البلاد ذات الأنظمة الرأسمالية، مظهر من مظاهر الجاهلية، لأنه مظهر من مظاهر الاعتداء على سلطان الله، وفي كلا النظامين الجماعي والرأسمالي، نرى بأن الحرية التي أنعم الله بها على الإنسان، تتلاشى على يد الإنسان نفسه.

إن الحضارة المعاصرة تحل في ثناياها مقومات نهاية الإنسان كإنسان لأنها تعمل على تدمير خصائصه الروحية التي تميزه عن الحيوان والجماد، بتغليب الخصائص الآلية والحيوانية فيه، لقد أخضعت الحضارة المعاصرة، الإنسان إلى قوانين المادة بدون النظر إلى أنه مكون من روح وجسد، وأن معالم كل منهما خصائصه التي تميزه عن الآخر، وأن الصراع تبعا لذلك لا بد أن ينشب في داخله، فتثور فطرته على قالبه المادي المستورد كما تثور على المجتمع الذي فرض عليها ما لا يتفق وخصائصها، كما حصل على مدار التاريخ البشري، أن محاولة الحضارة المادية المعاصرة تكييف نظام الحياة البشرية وفق منهج التفكير المادي، معناه جهل مطبق بطبيعة الإنسان، لأن خصائص المادة ليست خصائصه، وقوانين المادة لا يمكن أن تطبق عليه، ولعل هذا ما يفسر جمود جميع الأنظمة الاجتماعية المختلفة وفشلها في الانتشار بل والاستقرار، ومن الطبيعي وقد أهمل الإنسان مبدأ إفراد الله بالعبودية المطلقة، وترك شريعته التي سنها له منهج عيش، وانصرف إلى تأليه العلم وعبادة الغير والمال، أن يكون هدفا للعقاب، لقد قدس الإنسان المادة وقد أراده الله سيدا لها، فكان أن استعبدته المادة فكرا وعملا، وعاقبته الفطرة عقابا شمل كل كيانه نفسه وجسمه على حد سواء، فأصبح التناقص في درجة الذكاء من خاصيته، والأمراض النفسية من قلق واضطراب وخصام، مع ما يصاحبها من أمراض عضوية، لا تفارقه، ولعل انغماسه في الشذوذ الجنسي وإقباله على الكحول والمخدرات وكثرة الولادات غير الشرعية، وانتشار المجاعة والحروب، ودخول المرأة ميدان الحياة بالعمل في المصانع، والفنادق والمكاتب عوضا عن البقاء في المنزل للاهتمام بصناعة الأجيال، ما يؤذن بقرب نهاية الحضارة المعاصرة، وقد تعجل حرب عالمية ثالثة بصورة مخيفة هذا المصير المحتوم، إن الحضارة المعاصرة بالرغم من كل مآثرها العلمية والتقنية، تتميز بشيئين:

1 – خلوها من القيم الخلقية.

2 – جهلها بحقيقة الإنسان والعالم.


1– الحضارة المعاصرة والقيم:

إن ما يتهدد البشرية اليوم من دمار يحلق فوق رأسها، لا يعود إلى تقهقر الحضارة المعاصرة على الصعيد التقني أو ضعفها على الصعيد الاقتصادي أو العسكري، وإنما إلى إفلاسها في عالم القيم التي لا يمكن للحياة الإنسانية أن تنمو صحيحا وتتقدم تقدما ملموسا إلا في ظلها، وهذا الأمر يمكن ملاحظته بسهولة في العالم الغربي الذي لا يستطيع أن يقدم شيئا للإنسانية في عالم القيم، إن العالم الغربي الرأسمالي قد استنفد دوره ووسائله وقيمه التي كانت تسمح له بتأمين قيادة البشرية، أما العالم الشرقي الشيوعي فقد فشلت أنظمته الجماعية فشلا ذريعا في جميع الميادين، فالماركسية التي تعادي الفطرة البشرية وحاجاتها، لا تنمو إلا في وسط اجتماعي في طريقه إلى التحلل أو في وسط اعتاد الخضوع إزاء الأنظمة الديكتاتورية، والتقدم العلمي والتقني هو أيضا قد أتم دوره، لقد بدأ مع النهضة الأوروبية في القرن السادس عشر، ووصل إلى ذروته في خلال القرنين السابع عشر والتاسع عشر، ولم يعد يملك ما يقدمه، وكذلك الأفكار الوطنية والقومية أصبح من مخلفات القرنين الماضيين، ولم يعد لديها من رصيد في القيم التي تسمح بتنمية الحضارة المادية التي وصلت إليها الإنسانية بفضل العبقرية الأوروبية، وعدم مد الإنسانية على الدوام برصيد جديد من القيم، معناه الإعلان عن نهاية الحضارة.

إن كل حضارة أننا نعيش بمقدار ما تملك أن تعطي البشرية من مبادئ وأفكار جديدة تسمح لها بالنمو والامتداد والتحول والتقدم، والمبادئ السائدة في الحضارة المعاصرة، والتي هي مبادئ الحرية والمساواة والأخوة، والتي تمتد جذورها إلى بداية عصر الثورة الفرنسية، فقدت معناها منذ زمن بعيد، لأنها قد أدت غايتها، ولم تعد تلائم أوضاع المجتمعات الحالية وحاجاتها المستجدة.

لقد كانت الحرية في عهد الثورة الفرنسية تعني الحرية الشخصية "المطلقة" التي تحرر الفرد من تحكم الكنيسة والدولة في حياته الروحية والسياسية والاجتماعية، ولكن هذا المعنى ما لبث أن اختفى شيئا فشيئا تحت تأثير النظام الرأسمالي الذي انبثق من هذه الحرية نفسها، وقام على حرية الاستغلال، استغلال الرأسماليين للطبقة العاملة.

وكانت المساواة تعني المساواة في الحقوق السياسية والقضائية بين جميع الأفراد، سواء كانوا من النبلاء أو من عامة الشعب، وقد كان هذا يشكل في ذلك العصر تقدما مجيدا، لكن هذه المساواة سرعان ما أصبحت مجرد وهم تحت وطأة النظام الرأسمالي، وذلك لأن المساواة السياسية لا يمكن أن تتحقق حين تختل الموازين الاقتصادية، وينقسم المجتمع إلى طبقتين متمايزتين: طبقة أصحاب المال، وطبقة العمال.

أما فيما يختص بمبدأ الإخاء، فلم يعرف منذ إعلانه أي محتوى عملي محدد يترجمه إلى صعيد الواقع، وإنما ظل منذ البداية مسألة نظرية يفتقد العنصر الروحي أو القيم التي تنبثق من فلسفة أو أيديولوجية لا مادية، ونحن نعرف جيدا بأن العقيدة المادية كانت تسير أوروبا أثناء قيا الثورة الفرنسية وما زالت تسيرها، وعلى هذا فالشيء الجدير بالأهمية هو الأساس الذي يقوم عليه التقدم الحضاري، فالنظرة البشرية ترفض النظام الذي يقوم على أساس من القيم المادية البحتة.

ومسألة القيم الإنسانية ليست مسألة غامضة أو غير محددة، فالقيم ليست غير ثابتة أو موضوعا قابلا للتغير والتطور الدائم، كما تدعي "نظرية التحليل التاريخي" و"الإشتراكية العلمية" وإنما القيم هي هي دائما، وهي التي تشكل هوية الإنسان وتميزه عن سائر الحيوان، والقول بأن القيم تتطور، لا يخالف فقد النظام الثابت الذي يهيمن على العالم والذي يحكم الفطرة البشرية، إنما يحاول على غير طائل أن يبرر كل وضع اجتماعي وكل نظام يمكن أن ينشأ، وهذا شيء يخالف قانون الثبات الذي يلف العالم بصرف النظر عن كل التغيرات التي تطرأ على ظواهر الحياة اليومية، لذا فإن الوسط الاجتماعي أو غيره لا يصلح لأن يكون مصدرا للقيم الخلقية التي يجب أن تكون قادتها ثابتة، ولهذا لا يستقيم الحديث عن قيم زراعية وأخرى صناعية، وقيم بورجوازية وأخرى عمالية، إن القيم الحقيقية هي القيم الشرعية الثابتة أو القيم الإسلامية أو الأخلاق الإسلامية، أما القيم الأخرى والأخلاق الأخرى، فما هي إلا قيم وأخلاق جاهلية.

إن الحاسة الخلقية فطرة عند الإنسان بصرف النظر عن طبيعة القيم والأخلاق التي تسود مجتمعا دون آخر، فتاريخ البشرية برمته لم يعرف استحسانا عاما للرذيلة أو استهجانا للفضيلة إلا فيما ندر، وعندما كانت البشرية تجتاز فترات عصيبة شاذة من تاريخها، والحكم على مجتمع دون آخر، كان يدور في الحقيقة على مدار الزمن، على ما يعد رذيلة وما يعد فضيلة، وبصورة أخرى، إن الحكم يتناول المحتوى أو الجوهر وليس الشكل أو المظهر، أن المجتمع أو الدين لا يستطيعان أن يفرضا على الإنسان نظاما خلقيا مهما كان نوعه إذا لم تكن له جذور في أعماق فطرته أو يجد قبولا من لدن "الحاسة الخلقية" إن وظيفة الدين هي فقط في تنظيم وتوجيه هذه الفطرة، وتعيين القواعد لها، حتى لا تميل مع الهوى باتجاه المصلحة وتستسلم للشهوة، أما وظيفة لمجتمع فتكمن في المحافظة على الفضائل المتفق عليها، وليس بفرضها على الإفراد بالإكراه، أن القيم الخلقية ليست ولا يمكن أن تصبح على الإطلاق مجرد ظواهر اجتماعية، وهي لا تأخذ مكانتها في المجتمع إلا بالمدى التي يمكن أن تبلغه أولا في أعماق الفطرة البشرية، والمجتمع يبقى عبارة عن كتلة من الأفراد بالرغم من كل ما يقال عن التحولات العقلية أو العاطفية التي تطرأ عليهم مجتمعين، وكل قانون ينظم حياة الجماعة يجب أن يتفق في طبيعته مع القانون الذي ينظم فطرة الفرد، وبدون ذلك الانسجام، يستحيل قيام أي مجتمع، أن الادعاء بأن المنفعة يعني المصلحة العليا للبشرية، ونحن نعرف جيدا بأن هذا التفسير ليس رأي أصحاب مذهب المنفعة الخلقية، ثم إن ذهب اللذة أيضا غير مقبول، فنحن لا نستطيع إعلاء الأخلاق على مبدأ اللذة، فالأخلاق غالبا ما تقتضي مقاومة اللذائذ المادية، وفي ذلك مصلحة للفرد والجماعة، فالإفراط في اللذة يمكن أن يقضي على الفرد، ووظيفة الأخلاق تكمن في حماية الفرد من نفسه لعدم تدمير نفسه .. وهذه الوظيفة الخلقية نجد مثيلا لها عند الحيوان، الذي لا يحمل نفسه على المضاجعة إلا في فترات محددة جدا، وتقوم الغريزة عنده بتنظيم فترات الإخصاب، لذا فإن المجتمع الذي يقوم على مبدأ المنفعة واللذة لأفراده، هو مجتمع غير قابل للحياة، وليس أشد بؤسا من مجتمع تحركه المنفعة القريبة واللذة الشخصية، بدون عاصم من قوة عليا، وبدو تطلع إلى هدف ثابت، إن القيم الإنسانية أو بالأحرى الإسلامية، ليست أفكارا مبهمة، وإنما هي ذات خصائص واضحة المعالم ومحتوى عملي يمكن بلوغها بالجهد البشري، إن كل مجتمع بصرف النظر عن مدى تقدمه الصناعي والاقتصادي والعلمي، يتمكن من بلوغ هذه القيم والتمتع بآثارها، يصبح مجتمعا متحضرا، وهذه القيم لا تتعارض أبدا والتقدم التقني والعلمي إنما على العكس من ذلك، تشجع التقدم العلمي والتقني في كل الميادين، أما فيما يختص بالأشكال العلمية التي يمكن أن تأخذها الحضارة التي تتبنى هذه القيم، فلا يمكن معرفتها مسبقا، لأنها غير محدودة في العدد، وهي تتشكل وفقا لمستوى التقدم الصناعي والاقتصادي والعلمي السائد في المجتمع. فارتداء اللباء والأقدام على العمل، والتخلي عن عبادة الأصنام إلى عبادة الله الواحد، علامة على التمدن في مجتمع كالمجتمع الإفريقي مثلا، إن الإسلام استطاع أن ينشر الحضارة في مجاهل إفريقيا بين القبائل العارية، فمنذ اعتنق السكان الإسلام، دخلوا في حضارة اللباس التي تنصح بها التعاليم الإسلامية واكتست الأجسام، وانكبوا على العمل المتواصل لاستغلال خيرات الأرض، وخرجوا من حياة القبيلة إلى حياة الأمة، وتخلوا عن عبادة الأصنام إلى عبادة خالق الأكوان، ولكن السؤال الذي يمكن أن يطرح نفسه هو: وما هي هذه القيم الإسلامية؟ إنها باختصار ملاحظة شريعة الله – الإسلام – وتطبيقها، كالتجمع بآصرة العقيدة والمحافظة على وحدة العائلة، والتضامن الاجتماعي، وغير ذلك من المبادئ الإسلامية، وهكذا فإن المجتمع الأمثل هو الذي ينبثق عن شريعة الله وحده، وليس من شرائع "الأرباب" المتعددة على وجه الأرض، والمجتمع الإسلامي وحده هو الذي يقوم على هذا الأساس، أما إذا كانت أواصر التجمع – كما هو الحال في المجتمعات المعاصرة – هي الجنس واللون والقبيلة والأرض، فمن الواضح بأن مجتمعات كهذه لا تمثل على الإطلاق أخص خصائص الإنسان التي هي العقيدة أو الفكر، إن الإنسان يبقى إنسانا ما دام فوق الجنس واللون والقبيلة والأرض، ولكنه يفقد إنسانيته خارج نطاق الروح والفكر، والمجتمع الذي يتكون من أناس اختاروا بكامل حريتهم موضوع تجمعهم، هو المجتمع المتحضر، بينما الذين يتجمعون لأسباب لا تمت بصلة إلى إرادتهم الحرة، يشكلون مجتمعا متخلفا أو مجتمعا جاهليا، إن مقياس التخلف أو التحضر هو في مدى الحرية التي تقف وراء التجمع الإنساني، إن الحرية تقتضي الفكر، والفكر يشمل أخص خصائص الإنسان، والإنسان إذا كان لا يستطيع شيئا إزاء لونه أو جنسه، لأن ذلك خارج عن نطاق إرادته، فإنه يستطيع أن يغير معتقده ونمط حياته، لذا فإن المجتمع الذي يولي أخص خصائص الإنسان الأهمية القصوى يكون مجتمعا متحضرا، وبالعكس عندما تحتل المادة بأشكالها المختلفة المرتبة الأولى في المجتمع، ويضحي من أجلها بكل القيم، سواء كان ذلك نظريا كما هو الحال في الماركسية التاريخية، أو عمليا كما هو الحال في المجتمعات الرأسمالية في أميركا وأوروبا لا يمكن أن يكون ذلك المجتمع إلا متخلفا أو جاهليا، وعندما تكون الأسرة أساس المجتمع وتقوم على مبدأ تحديد المهام بين طرفي الأسرة، وتكون غايتها الاعتناء بالأجيال الصاعدة، يمكن القول إن ذلك المجتمع مجتمع متحضر، ومن جهة أخرى عندما تعم الإباحية الجنسية وتكثر الولادات غير الطبيعية أو اللاشرعية في مجتمع ما، فمن الواجب أن يدعى هذا المجتمع من الوجهة الإنسانية بالجاهلي أو المتخلف، إن قضية الأسرة وطبيعة العلاقات التي تقوم بين أفرادها، مسألة هامة لتحديد صفة المجتمع متحضرا أو متخلفا، وبالتالي فإن كل مجتمع تسود فيه الرغائب البهيمية والقيم المادية بحيث تغدو فيه صناعة الأدوات والإنتاج المادي أغلى من صناعة الإنسان، لا يمكن بالرغم من كل إنجازاته الصناعية والاقتصادية والعلمية أن يكون مجتمعا متحضرا، إن مفهوم الأخلاق في المجتمعات المعاصرة ينحسر ليشمل فقط ما يسمى بمصلحة الدولة السياسية والاقتصادية، بحيث يتعذر علينا أن نميز فيها بين ما يمكن تسميته بالخصائص الإنسانية والأخرى الحيوانية، فالعلاقات الجنسية اللاشرعية وحتى المخالفة للطبيعة، لا تعتبر عيبا في هذه المجتمعات، وإذا كانت فضيحة "كريستين كيلر" مع الوزير البريطاني بروفيمو مثلا، قد شغلت الرأي العام البريطاني، فإن ذلك ليس بسبب العلاقة الجنسية بحد ذاتها، بل لأن الفتاة كانت في الوقت نفسه صديقة للملحق العسكري السوفياتي في لندن، وفي ذلك خطر على أسرار الدولة العسكرية والاقتصادية من التسرب، إن الأدباء والكتاب المسرحيين والصحفيين في هذه المجتمعات، يصرحون بكل وقاحة، بأن العلاقات الجنسية الحرة لا تشكل عيبا على الإطلاق، والرذيلة الحقة تكمن في نظرهم في أن تبقى الزوجة أمينة الزوج لا تحس إزاءه بأية عاطفة، والفضيلة عندهم تقتضي منها بأن تفتش لها عن "عشيق" تسلمه جسدها، ولا جرم في أن مثل هذه المجتمعات لا يمكن أن تكون متحضرة، فالتقدم البشري الصحيح لا يمكن أن يتطور وينمو إلا عندما يمسك الإنسان مشاعره البهيمية، ويقصرها على العائلة التي يجب أن تؤسس ليس على أساس من اللذة البهيمية وإنما على أساس من الواجب، والغاية التي ينبغي على الأهل أن يضعوها نصب أعينهم هي في تربية جيل جديد يعهدون إليه بحضارة إنسانية حقيقية، ومن البديهي أن مثل ذلك الجيل لا يمكن إعداده إلا في أحضان أسرة لا تتخلى عن آداب الجنس ووظيفته، وتتمتع بضمانات الأمن المعيشي والاستقرار العاطفي، وباختصار، إذا قام الإنسان بملاحظة شريعة الله في حياته اليومية، فأفرده بالعبودية، ولم يعترف لأحد غيره بالحاكمية، ورفض جميع الأرباب والشرائع الأرضية، فإنه يعيش في حضارة حقيقية، ويكون المجتمع الذي يعيش فيه مجتمعا متمدنا أو متحضرا.

2 – الإنسان والحضارة المعاصرة:

إن محاولة كل العلوم الحديثة من أحياء وفيزياء وكيمياء وفلك ونفس واجتماع إلخ ... لمعرفة حقيقة الإنسان والوجود، لم تأت بنتيجة تذكر، خصوصا حيال الجانب الروحي من الإنسان، فما هي العوامل التي تقرر الفرح أو الترح عند الإنسان؟ وكيف تؤثر الإرادة في الجسم وإلى أي مدى؟ وما هي طبيعة العلاقة بين المخ والشعور؟ وما هي الخلية وعناصر تكوينها المادي وطبيعة الحياة فيها؟ وكيف تتصرف بالشكل الذي تتصرف عليه والذي يوحي بأنها كائن عاقل لا يخطئ؟ وما هي حقيقة السلوك وطبيعة المشاعر الفردية؟ وكيف يقوم الانسجام بين مختلف النشاطات؟ إن الإنسان كائن فريد في نوعه، يختلف عن غيره من الأحياء في تركيبه وطبيعته ووظيفته ومصيره والغاية من وجوده، وهو شديد التعقيد مكون من عدد لا يحصى من الخلايا التي تتصرف بدقة متناهية منفردة ومجتمعة، والعالم لن يدرك في المستقبل المنظور معرفة هذه الخلايا، وعلى فرض أنه توصل يوما إلى اكتشاف عناصر تكوينها المادي، فإن عنصر الحياة فيها سيظل تفسيره مغلقا على الفهم، ومما يزيد في صعوبة دراسة الإنسان، هو أن كل فرد يشكل عالما خاصا بذاته مختلفا عن غيره، لذا فلو أمكن معرفة سمات أو خصائص إنسان ما، فذلك لا يعني أن هذه الخصائص هي ذاتها التي تشكل كل إنسان، فهنالك خصائص إنسانية عامة يشترك فيها جميع أفراد النوع الإنساني، وخصائص فردية خاصة بكل فرد، وهي أهم الخصائص لأنها هي التي تشكل شخصية الإنسان وتكسبه فرديته، وعلى هذا يقتضي دراسة الجنس البشري بكامله لمعرفة خصائص الإنسان وطبيعته العامة، والتقدم العلي لا يمكن أن يكون إلا في نطاق المادة، لأن الله أراد ذلك بما وهب الإنسان من عقل قادر على فهم خصائص المادة لأجل استثمار كنوز الأرض وإشباع حاجاته، أما الروح فهي خارج نطاق المعرفة البشرية لأن الله لم يزود العقل الإنساني أصلا بالطاقات أو المؤهلات التي تمكنه من إدراكها، "ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا"، ونظرة الفلسفة الوضعية للإنسان كأحد مخاليق الطبيعة ومن عبيدها، واعتباره مجرد كائن متطور له صفات البهيمة (دارون) وميول جنسية (فرويد) ومخلوقا تافها أمام عظمة الآلهة والإنتاج (ماركس)، كل ذلك لا يفسر حقيقة الإنسان وطبيعته، فضلا عن أنه لا يقف أمام النقد الموضوعي، فخاصية التفكير التي يتميز بها الإنسان عن غيره من المخلوقات، والتي أقر بها أحد أتباع الداروينية الحديثة، جوليان هكسلي في كتابه الإنسان في العالم الحديث، بالإضافة إلى إقراره بأنه يتميز بخواص نفسية أكثر منها بيولوجية، تثبت أن الإنسان كائن متميز عن الحيوان، إن الإنسان قبس من نور الله، إرادة الله أن يكون سيد المادة وسيد الاقتصاد، وهو مخلوق من مادة هي الطين، ومن خصائص زائدة أضافها الله على الطين، فكان الإنسان الذي يتميز بطبيعة تكمن فيها عوامل فطرية كالحدس والحذر، تساعده على اتخاذ المواقف إزاء ما يعرض له من مخاطر، وهو وحدة متكاملة بقواه الروحية والمادية معا بالرغم من أن هذه القوى قد تبدو متباينة في الظاهر، وهي تعمل متعاونة من أجل غاية واحدة، شأنها في ذلك، شأن الوجود المتناسق بأجزائه الموحد في غايته بالرغم من تعدد مظاهره، والادعاء بأن هناك تعارضا أساسيا بين قوى الإنسان المادية والروحية، أو النفس والجسد، وأنه لا مفر من إذلال الجسم إذا ما نشد الإنسان الخلاص، كما تقول المسيحية والبوذية، غير صحيح، "والفطرة البشرية" بما فيها من ميول طبيعية، كالحاسة الخلقية، وحب الحقيقة، والنفور من العبودية، ومعرفة أن هذا الوجود قائم على الحق، وأنه خاضع لناموس ثابت، ولا يسير وفق المصادفة، ترفض الحضارة المعاصرة لأنها ترفض التسليم بمبدا مادية الإنسان وحيوانيته واعتباره مجرد آلة أو مادة، وتدفعه إلى سرعة التحرك أمام مخاطرها، لاجتنابها والسير في الطريق السليم، والتاريخ الإنساني يدلل على صحة ذلك، ففي كل مرة كانت المجموعات البشرية تتعرض فيها لخطر ما، كانت الفطرة الإنسانية تبادر فورا بواسطة عوامل الحدس والحذر الكامنة فيها، إلى مجابهة ذلك الخطر واستبعاده، فمثلا عندما حاولت الكنيسة السيطرة على العقول بالقوة، عبر محاكم "التفتيش" و "صكوك الحرمان" لفرض الخرافات والأساطير، على أنها حقائق ثابتة في صلب العقيدة المسيحية، كمسألة العشاء الرباني، رأينا أن الإنسان الأوروبي ينتفض بشدة على الكنيسة ويقف منها ومن الدين موقفا معاديا، وعندما حاولت المسيحية انتشال الرومان من حياتهم البهيمية "الداعرة" عن طريق الدعوة إلى الرهبانية التي تقتضي كبت الميول والأهواء الطبيعية، لم تستطع تحقيق غايتها، لأن الرهبانية نظام يناهض الفطرة البشرية لا تعادي إنجازات الحضارة المعاصرة في ميدان التقدم العلمي والتقني الذي تفيد منه الإنسانية جمعاء في سد احتياجاتها المادية الطبيعية، وإنما تناوئ الأنظمة والمذاهب التي تقف وراء هذه الحضارة، إن جميع الأنظمة الاجتماعية المعاصرة عجزت عن الانتشار وحتى على الاستقرار، لأنها فشلت فشلا ذريعا في تنظيم الحياة الإنسانية، نظرا لأن هذه الأنظمة لا ترتكز على أسس فكرية تلائم الفطرة البشرية وتنسجم مع الوجود، والسبب يكمن في أن هذه الأنظمة لا تعرف حقيقة الوجود وطبيعة الإنسان واحتياجاته الحقيقية، ولم تراع في الأسس التي قامت عليها وفي الوسائل التي استخدمتها، فطرة الإنسان وتكوينه الخاص المختلف عن الجماد وغيره من الحيوان، كما أنها ليست منبثقة من نفس المصدر الذي انبثقت منه الفطرة البشرية، وعندما ترتكز هذه الأنظمة على نفس المبدأ الذي خلق الفطرة، عندها فقط تستقيم الحياة البشرية وتصلح الحضارة الإنسانية، لأنها ستكون أنظمة لا تلغي نواميس الطبيعة، لا تلغي شخصية الفرد ولا تهمل دور الجماعة، لا تتعدى على قوانين الفطرة ولا تؤله المادة أو تهمل الأخلاق.

الخلاص:

إن عجز العلم عن معرفة حقيقة الإنسان كما أقر بذلك ألكسي كاريل، في كتابه الإنسان ذلك المجهول، يفترض بالضرورة الاعتراف بعجز العقل البشري عن وضع نظام كامل شامل يلائم تكوين هذا الإنسان، وهذا أمر بدهي، فإن امرءا لا يعرف نفسه، لا يعرف خصائصه وميوله، لا يمكنه أن يضع نظاما دقيقا ينظم حياته، ولو حاول، فإن ذلك النظام لن يكون متفقا مع طبيعته، إنما على العكس من ذلك، سيكون مصدر ضرر له وخطر عليه، وإخفاق العلم في معرفة حقيقة الإنسان وبالتالي عجز الحضارة المعاصرة عن تنظيم حياته وتوفير السعادة له، يدعو إلى التساؤل عن السبب؟ إن ارتكاز الحضارة المعاصرة على العلم وحده وتأليه العقل واعتباره السلطة العليا التي تقرر الأحكام وتقود إلى المعرفة الحقة، هو أحد أهم عيوب الحضارة المادية المعاصرة وربما مصدر جميع عيوبها، نظرا لأن ذلك قادها إلى إنكار وجود الله وبالتالي عدم الأخذ بشريعته التي سنها للبشرية، والتنكر للجانب الروحي من الإنسان، ومنذ اللحظة التي ترك الإنسان فيها شريعة الله أو منهجه، ذلك المنهج الكامل الشامل الملائم لفطرته وحاجاته، وهو يعيش في دوامة من التخبط في اختيار أنسب الأنظمة الملائمة لطبيعته وما زال، وخلاص البشرية من شقاء الحضارة المعاصرة إنما يكون بالرجوع إلى منهج الله – الإسلام – الذي يؤمن الحضارة الإنسانية الصحيحة فيمنح الإنسان العقيدة التي يحتاج، والحرية التي يرغب، والعدالة التي ينشد، والكرامة التي يريد، وعندما يتم ذلك، عندها تختفي مشاكل الإنسان في ظل الحضارة القائمة.

إن العقل هو إحدى قوى النفس الإنسانية المتعددة الذي لا يظهر نشاطه إلا ضمن نطاق الحس والتجربة، وفيما عدا ذلك يقف عاجزا، فالمعقول في عالم الذهن والمحسوس في تجارب العلم ليس هما كل المعروف في عالم النفس".

إن وراء هذا الوجود الكوني مشيئة تدبره، وناموسا يحركه ويضبطه، وينسق بين أجزائه كلها، وينظم حركاتها جميعا، فلا تصطدم ولا تختل ولا تتعارض ولا تتوقف عن الحركة المنتظمة المستمرة إلى درجة أنه لا يخطر له في أية لحظة أن يتمرد على هذه الإرادة، فالشمس ما زالت تجري في فلكها وتؤدي دورها، والقمر والأرض وسائر النجوم والكواكب لا يمنعها تطاول الزمان من أداء دورها، والإنسان من هذا الوجود الكوني، وهو منذ وجوده لا يزال كما هو في حقيقته وفي أصل فطرته، والقوانين التي تحكمه ليست بمعزل عن ذلك الناموس الذي يحكم الوجود كله، لقد خلقه الله كما خلق هذا الوجود، وهو في تكوينه المادي من طين هذه الأرض، وإن كان ما وهبه الله من خصائص زائدة على الطين، جعلت منه إنسانا، وهو خاضع من ناحية كيانه المادي للناموس الطبيعي الذي سنه الله له، رضي أم أبى .. يعطي وجوده ابتداء بمشيئته هو، لا بمشيئة أبيه وأمه، فهذا يمكنهما أن "يلتقيا" ولكنهما لا يملكان القدرة على تكوينه، وهو يولد وفق الناموس الذي وضعه الله لمدة الحمل وظروف الولادة، وهو يتنفس هذا الهواء الذي أوجده الله بمقاديره هذه، ويتنفسه بالقدر والكيفية التي أرادها الله، وهو يحس ويتألم، ويجوع ويظمأ، ويأكل ويشرب، وبالجملة يحيا وفق ناموس الله عن غير إرادة منه ولا اختيار، شأنه في هذا شأن هذا الوجود الكوني، وكل ما فيه، وكل من فيه، الخاضع لمشيئة الله، والله الذي خلق الكون، وخلق الإنسان، وأخضعه للنواميس التي أخضع لها الوجود الكوني، هو الذي سن للإنسان شريعة تنظم "حياته الإرادية" تنظيما متناسقا مع حياته الطبيعية، ومن هنا نرى أن الشريعة جزء من الناموس الإلهي العام، الذي يحكم فطرة الإنسان وفطرة الوجود العام وينسق بينهما ومن ثم فإن الالتزام بها ناشئ من ضرورة تحقيق التناسق بين حياة الإنسان وحركة الكون الذي يعيش فيه، بل وحتى من ضرورة تحقيق التناسق بين القوانين التي تحكم فطرته أو حياته الداخلية والقوانين التي تحكم حياته الظاهرية أو سلوكه الخارجي، وما من كلمة من كلمات الله ولا من أمر ولا نهي ولا وعد ولا وعيد ولا تشريع ولا توجيه، إلا وهو جزء من الناموس العام وصادق في ذاته صدق القوانين الطبيعية أو القوانين الإلهية الكونية التي تتحقق في كل لحظة بإرادة الله، وإذا كان من المضحك أن يقول قائل عن الشمس مثلا إنها نجم "رجعي" يحسن أن يستبدل بنجم جديد "تقدمي"، فأولى أن يكون هذا هو الشأن بالنسبة إلى شريعة الله، التي هي كلمته الأخيرة للإنسان، هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السموات والأرض لآيات لقوم يتقون الذي له ملك السموات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا. قل إن هدى الله هو الهدى.

إن الإنسان لما كان لا يملك القدرة على إدراك جميع السنن الكونية، ولا الإحاطة بأطراف الناموس العام، ولا حتى بما يحكم فطرته ذاتها، فإنه من الطبيعي أن لا يملك المعرفة التي تمكنه من أن يشرع لنفسه وللآخرين نظاما يتحقق به التناسق المطلق بين حياته وحركة الكون، وبين حياته الداخلية وحياته الظاهرية، وإنما يملك ذلك منشئ الكون وخالق البشر ومدبر الوجود، وبذلك يصبح العمل بشريعة الله واجبا لتحقيق التناسق المطلق بين حياة البشر وناموس الكون، لأن في ذلك الخير كل الخير للبشر، وصيانة للحياة من الفساد.

المجتمعات المعاصرة

يميز سيد قطب بين نوعين من المجتمعات البشرية: المجتمع الإسلامي أو المجتمع المتحضر والمجتمع الجاهلي أو المجتمع المتخلف.

1 – المجتمع الإسلامي:

هو الذي يعترف بشريعة الله "الإسلام" فيقوم على مبدأ وحدانية الله المطلقة وإخلاص العبادة له قولا وفعلا، عقيدة وسلوكا، ولا يعترف بالحاكمية العليا إلا لله وحده، ويمنح كل فرد فيه حرية الإرادة وإرادة التحرر ن كل ألوان العبودية الباطلة، لذا فهو مجتمع لا يكتفي بممارسة الشعائر الدينية من صلاة وصيام وحج، إنما هو الذي تكون فيه شريعة الله هي السائدة، فضلا عن أنه ليس هو الذي يبتدع إسلاما خاصا على هواه، إسلاما يقال له متطورا يتفق واحتياجاته، وإن تعارض مع ما أراده الله للناس، وما بلغه النبي محمد (ص)

2 – المجتمع الجاهلي:

هو الذي لا يعتنق الإسلام دينا ولا يلحظ تعاليمه، فلا يتمشى وفق شريعته وأخلاقه وقيمه، وبالتالي فنحن إزاء مجتمع جاهلي في كل مرة لا يراعي فيها مبدأ إفراد الله بالعبودية وما يتفرع عنه من عدم الاعتراف بحاكميته، إن الجاهلية معناها عدم تطبيق شريعة الله في كافة المجالات من اقتصادية وقضائية واجتماعية وأخلاقية إلخ ... إنها وضع نصادفه كلما انحرف مجتمع عن المبادئ الإسلامية القائمة على إخلاص العبادة لله وحده وعدم الاعتراف بغير حاكميته، وعلى هذا فالجاهلية يمكن أن تظهر بأشكال مختلفة، فهي ليست صورة واحدة تتمثل بعبادة الأصنام، والقيام بشعائر تقتضيها عبادة تماثيل ترمز إلى آلهة أسطورية، إن الأصنام يمكن أن تأخذ صورا متعددة أيا كانت أسماؤها وأيا كانت مراسمها، "كالقوميات" و "الأوطان" والتماثيل يمكن أن تصبح رمزا لآلهة جديدة كالمستبدين أو الطواغيت الذين يفرضون ولاء وخضوع الآخرين لهم، إن الجاهلية خطر دائم يواجه الإنسانية ويواكبها في مسيرتها عبر الزمن، إنها ليست حقبة من التاريخ أصبحت أثرا من آثار الماضي بل هي ماثلة اليوم بيننا ويمكن أن تقوم في أية لحظة في المستقبل إننا نعيش اليوم في جاهلية أسوأ بكثير من الجاهلية التي كانت تسود عند ظهور الإسلام، كل شيء من حولنا يدلل عليها: العقائد والعادات والتقاليد والقوانين والثقافة والفنون، إن كل المجتمعات المعاصرة، سواء كانت شيوعية أو وثنية أو مسيحية أو يهودية أو مسلمة، تشكل أجزاء من المجتمع الجاهلي أو المتخلف لأنها تعطي الأولوية للمادة بأشكالها المختلفة على خصائص الإنسان الروحية، وترتفع فيها عبادة الناس لبعضهم البعض، فيخضع فيها البعض لسيطرة البعض الآخر، إلى حد أنه يمكننا أن نميز تمييزا حاسما بين فئتين من الناس: فئة الأرباب أو الأسياد التي تحكم وتأمر، وفئة العبيد أو المحكومين التي تعمل وتنفذ مجرد من كل ألوان الحرية والكرامة.

إن المجتمعات الشيوعية تؤلف أولا جزءا من المجتمع الجاهلي، وذلك لأن الماركسيين ينكرون وجود الله، ويقولون بأن المادة أو الطبيعة هي أصل الكون والوجود، وأن تاريخ النشاط الإنساني يمكن تفسيره برمته من خلال المعطيات الاقتصادية ووسائل الإنتاج، ويسعون إلى إقامة أنظمة تفرض الخضوع المطلق لإرادة الحزب، وينظرون إلى القيادة الجماعية على أنها أمر لا مناص منه، ويعتبرون إشباع حاجات الإنسان الضرورية من مأكل ومشرب وملبس ومسكن وجنس التي يتقاسمها مع سائر أنواع الحيوان، على أنها حاجاته الوحيدة، ولا يعترفون بخصائصه الذاتية أو الروحية التي تميزه عن الآلة وغيره من الحيوان، ويمنعون عنه تبعا لذلك ما يقوم بإشباع حاجاته الروحية، كالاعتقاد بوحدانية الله، وحرية العقيدة، وممارسة ما يتعلق بها من شعائر، وحق التملك إلخ.

والمجتمعات المسيحية واليهودية المنتشرة في مختلف أرجاء العالم، تؤلف هي بدورها أجزاء من العالم الخارجي، فهي إذا كانت لا تنفي وجود الله وسلطانه على السموات، ولا تمنع عبادته في الكنائس والجوامع والمعابد، إلا أنها لا تخلي بين الناس وتطبيع شريعته على الأرض، إنما تعترف للرهبان والكهان بصلاحية التشريع وسلطانه، اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله ....

واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا فضلا عن أن لها مفاهيم خاطئة عن الألوهية، فهي تتصور الله على شكل لا يتفق والحقيقة، ولها أفكار مغلوطة فيما يختص بالعلاقة بين الله ومخلوقاته.

وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون.

لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم ... وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السموات والأرض وما بينهما وإليه المصير.

والمجتمعات الأخرى التي تسود في الهند والفيليبين وإفريقيا هي أيضا جاهلية، لأن الأنظمة والتشريعات التي تحكمها، لا تربطها أدنى صلة بشريعة الله – الإسلام – فهي تعبد آلهة أخرى غير الله، وتقدم الشعائر لها متناسية بأن الحاكمية العليا لا تعود أصلا إلا إلى الله وحده. وأخيرا يجب أن تصنف المجتمعات التي تدعي أنها إسلامية، في عداد المجتمعات الجاهلية، فهي بالرغم من إيمانها بوحدانية الله تفرط بأخص خصائص هذه الوحدانية وهي الحاكمية العليا، وتمنحها لأناس تتلقى منهم تنظيماتها وتشريعاتها وأحكامها وعاداتها وتقاليدها، في حين أن الإسلام يأمر بعبادة الله الواحد والاعتراف بسلطانه المطلق وبتطبيق شريعته في وجوه الحياة كلها.

ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون. (يوسف 40).

ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون.

وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون (المائدة 40 و 45).

وهكذا نرى أن سيد قطب لا يدع أحدا بدون نقد، فموقفه المعادي من الحضارة المعاصرة وكل المجتمعات الإنسانية التي تظللها موقف متشدد وقاس، فهل يمكن أن نتبين في ذلك مفكرا مثاليا دفعه التزامه الفكري بالعقيدة الإسلامية إلى مثل هذا التشدد البالغ؟ وهل كانت خيبته من الحضارة المعاصرة مريرة إلى الدرجة التي تبرر سخطه البالغ على كل ما يمت إلى هذه الحضارة بصلة؟

لعل أفضل جواب يمكن أن يشكل في الوقت نفسه خير خاتمة ننهي به فصلنا هذا، هو قول سيد قطب نفسه كما ورد في كتابه الأخير معالم في الطريق : " إن الذي يكتب هذا الكلام إنسان عاش يقرأ أربعين سنة كاملة، كان عمله الأول فيها هو القراءة والاطلاع في معظم حقول المعرفة الإنسانية.. ما هو من تخصصه وما هو من هواياته .. ثم عاد إلى مصادر عقيدته وتصوره – وما كان يمكن أن يكون إلا كذلك – وما هو بنادم على ما قضى فيه أربعين سنة من عمره، فإنما عرف الجاهلية على حقيقتها، وعلى انحرافها، وعلى ضآلتها، وعلى قزامتها .. وعلى جعجعتها وانتفاشها، وعلى غرورها وادعائها كذلك!! وعلى علم اليقين أنه لا يمكن أن يجمع المسلم بين هذين المصدرين في التلقي!! ...".

لكن سيد قطب لم يكن أول من حمل على الحضارة الغربية المعاصرة، وكشف عيوبها، ووصفها "بالجهل" ورأى أن الخلاص يكمن في الرجوع إلى شريعة الله – الإسلام – فهنالك كثيرون غيره ثاروا قبله على الحضارة المعاصرة نذكر منهم:

الشيخ محمد عبده: الذي كان يرى أن المدنية الحاضرة، مدنية المادة والقوة، والترف والنفاق، حاكمها الأعلى "المال"، وأن الإسلام في مفهومه الصحيح يعني المجتمع الفاضل السعيد المتحضر، لأنه النظام الوحيد الذي يلائم الفطرة البشرية، فلا يغفل عن احتياجات الروح والجسد على أساس من العدالة التي تمنع تسلط أحدهما على الآخر، ويدعو إلى العلم والعمل والحرية والعدالة والمساواة والقوة والسلام والاتحاد والتعاون والفضيلة والتسامح والرحمة والمحبة، والبشرية لن تعرف معنى السعادة إلا إذا تبنته نظام حياة لها، وإلى أن تفعل ذلك ستبقى في شقاء مقيم، لقد خلق الله الكون وأوجد النواميس الثابتة التي تحكم الوجود بأسره، فجميع آياته تجري على نظام واحد لا يتحكم فيه سوى العناية الإلهية على السنن الأزلية التي أقامته عليها، كما خلق النوع الإنساني وبعث له الإسلام دينا ينظم حياته ويرسم خطواته، والحضارة الحالية التي تغفل هذا النظام الإلهي هي حضارة جاهلية، وهي أسوأ من الجاهلية التي كانت تسود قبيل ظهور الإسلام الذي جاء للقضاء عليها في أية صورة تظهر وتحت أي اسم تعرف به، وابتعاد المسلمين عن الإسلام أدى بهم إلى الوقوع في الوثنية، فكلهم وثنيون، وليس لهمن الإسلام غير الاسم.

عبد الرحمن الكواكبي: كان يرى أن الحضارة الغربية بالرغم من حداثة سنها هي في طور النزاع، لأنها حضارة خمر وقمار وفجور، حضارة مادية صناعية لا تأبه بغير المادة والإنتاج المادي، تعبد "آلهة المادة" وتعيد عبادة اللات والعزى إلى الوجود بصورة العادات والتقاليد، وتعادي النوع البشري فتخلي بين استغلال واستعباد الإنسان للإنسان، في حين أنها تدعي بأن غايتها تحقيق المساواة، وتهمل القيم الخلقية والروحية وتنمي العقل على حساب العواطف، والإسلام هو السبيل الوحيد للنجاة منها، لأنه النظام الوحيد القادر على بناء عالم جديد فاضل سعيد، يحفظ على الفرد كرامته، ويحل المساواة بين الناس في الحقوق وفي الواجبات.

أبو الحسن الندوي: وقد كان يميز بين نوعين من الأنظمة: نظام الحياة الجاهلي ونظام الحياة الإسلامي.

1 – النظام الجاهلي:

وهو نظام مادي يولي الأهمية في الدرجة الأولى للإنتاج المادي، ويعتبر المصلحة أساس الأخلاق، فلا يؤمن في الحياة الخاصة إلا باللذة، ولا يؤمن في الحياة السياسية إلا بالقوة، ولا يؤمن في الحياة الاجتماعية إلا بالروابط العصبية والقومية، وهو يقوم على أساس خضوع الإنسان للإنسان،شأن الأمم الوثنية وعبدة الأصنام، يعكف فيه الناس على عبادة شهواتهم، وأصنام لهم مدفونة، ومنصوبة، ومنحوتة، وأحبار ورهبان وملوك ورؤساء، يقدمون لها القرابين من دون الله، حتى أصبحت عبادة الله وحدها مغلوبة غريبة عن الأذهان، والعالم اليوم يرتع بكامله في أكنافه ولا سيما أوروبا، لأن الحضارة الحالية التي هي أثر من آثاره، إنما هي حضارة لهو وفجور، وانحطاط خلقي وتفكك اجتماعي، وقلق اقتصادي وخواء روحي وحروب تهدد بدمار البشرية.

2 – النظام الإسلامي:

وهو النظام الذي تنبثق منه الحضارة الصحيحة، لأنه النظام الذي يطبق شريعة الله في حياته، فيهتم بالجانب الخلقي والروحي في الإنسان، بدون أن يغفل إشباع حاجاته المادية الضرورية لبلوغ كماله الإنساني، ولا يرى أن هنالك أدنى جفاء بين جسم الإنسان وروحه، ولا يعادي الفطرة البشرية كما فعلت المسيحية التي ابتدعت نظام الرهبنة لكبح جماح رغائب الرومان البهيمية، والذي كان من نتيجته مزيد من الاندفاع نحو الإباحية والفجور، والثورة على الدين والكنيسة، عندما استخدمت هذه محاكم التفتيش للضغط على العلماء في محاولة لتغيير معتقداتهم العلمية التي توصلوا إليها بفضل أبحاثهم المتواصلة "كدوران الأرض حول الشمس". وهو اليوم لا وجود له لأن العرب والمسلمين يحيون حياة جاهلية بعيدة عن روح الإسلام، وقد بدأت تلك الجاهلية تتنفس من جديد في بلاد الإسلام منذ زمن بعيد ... وقد بلغت ذروتها اليوم بإقبال المسلمين على تقليد الحضارة الغربية، فالعالم الإسلامي يعيش في عبودية تكاد تكون كاملة، فهو يعيش العبودية الفكرية والثقافية بوجه الإجمال وهي أدهى وأمر من العبودية السياسية، وهو يعيش الأخلاق الجاهلية بانصرافه إلى الملذات، ولا يناهض خضوع الإنسان وعبادته لغير الله، في حين أن الإسلام جاء لإنقاذ العالم من براثن الجاهلية، ولا منجاة للعالم الذي يفتقد جنباته إلى القيم العالية والأخلاق الفاضلة، إلا عن طريقه وتحول قيادة العالم إليه.

أبو الأعلى المودودي: وقد كان يرى أن الحضارة المعاصرة تقوم على أسس وقيم ومفاهيم مادية، فهي تنظر إلى الكون نظرة مادية، فتنفي وجود الله، ولا ترى حقيقة فيه إلا المشاهد والمحسوس، انصرف الناس فيها عن عبادة الله إلى عبادة النفس، فاتخذوا إلههم هواهم، وفتنته عبادة هذا الإله، وسارت بهم في كل ميدان من ميادين الفكر والعمل .. فهم لا يحاولون حل المشاكل الناتجة عن حضارتهم إلا وظهرت مشاكل جديدة حتى صارت "الحياة" في ظلها جسدا مقروحا مضطربا متعطشا إلى ماء الحياة، وكل ذلك مرده تأليه الإنسان للإنسان، أي التسليم بالحاكمية العليا لغير الله، والانقياد لشهوات الذات، ورفض كل نوع من أنواع العبودية، من تسليم "خضوع أو عدم الاعتراف بالحاكمية العليا لأحد غير الله، هو الأساس في كل إصلاح، فالكون يسير بمقتضى قانون إلهي يحكمه ولا قبل لهذا الكون بأن يخرج عليه، والأرض التي تعيش عليها جزء من الكون، والإنسان من بدايته إلى نهايته مذعن من حيث هو كائن مادي (جسم) لهذا القانون إذعانا كليا لا يقدر أن يخرج عليه، والاعتراف بحاكمية الله، يعني اعتراف الإنسان بهذه الحاكمية في الجزء الإداري من حياته لأنه محكوم حكما في الجزء الطبيعي أو اللاإرادي منها، وهذا يقتضي أن يعمل الإنسان وفق شريعة الله حتى يكون التوافق بين نظام الكون والحياة الإنسانية أمرا مسكنا، أن الاعتراف بالحاكمية العليا لله وحده أو عدم الاعتراف، هو المعيار الذي يميز مجتمعا عن آخر، وبالتالي يصبح لدينا نوعان من المجتمعات:

1 – المجتع الإسلامي:

وهو الذي لا يعترف بالألوهية والحاكمية العليا إلا لله وحده، ويطبق شريعته في جميع وجوه الحياة.

2 – المجتمع الجاهلي:

وهو الذي لا يعترف بسلطان الله ولا بحاكميته، تسوده العصبية الجاهلية. ومن المؤسف أن نرى العالم الإسلامي اليوم يتسابق إلى تقليد المجتمعات الغربية الجاهلية أو الكافرة، إلى درجة أصبح معها عبدا "للغرب" بدل أن يكون عبدا لله وحده، كما تقضي بذلك التعاليم الإسلامية.

حسن البنا: كان يرى أن مدنية الغرب مدنية مادية ملحدة، ترتكز على العصبية القومية وروابط الدم والأرض، أقامت الأخلاق على مبدأ اللذة الذي يشكل تهديدا صارخا لنظام الأسرة، وعجزت عن تأمين السلام العالمي، وفشلت في إسعاد الناس، فهم في قلق مستمر رغم ما حصلت عليه من علم وقوة وغنى، وهي تقود الإنسانية إلى شفير الهاوية .. فأصولها السياسية تقوضها الأنظمة المتصارعة التي تسودها والثورات التي تندلع في كل مكان، وأصولها الاقتصادية تهتز تحت وطأة الأزمات المتلاحقة ووجود ملايين البائسين والعاطلين والجائعين، وأصولها العلمية تصفعها تناقضات الفلسفات والعلوم التجريبية، ومحاولة تفسير جميع مظاهر الوجود حسب القوانين التجريبية محاولة مادية لن تؤدي إلى شيء، لأن إنكار الإنسان للألوهية ولك ما يتعلق بالروحانيات، خطأ أساسي يخفي جهل الإنسان بحقيقته، فالإيمان جزء من النفس وهولها بمثابة الغذاء، كالغذاء والهواء والماء للأجسام سواء بسواء، وأية حضارة تهمل الدوافع النفسية ولا تكترث بالأشواق الروحية وطالما أن الحضارة المعاصرة قائمة على العلم والمتعة واللهو ولا تأخذ بشريعة الله التي لا تعادي العلم ولا تقلل من أهمية المادة وما فيها من خير للبشرية، وإلى أن تأخذ بالإسلام نظام حياة لها، فلن تعرف حياة فاضلة سعيدة، ولن تجد الغذاء الروحي والعلاج المادي لكافة مشاكلها، ومن المؤسف حقا أن نرى المسلمين يبتعدون عن الإسلام بإقبالهم على كل معطيات الحضارة المعاصرة سواء منها الموافقة لتعاليمه أو المخالفة لها.

ألكسي كاريل: وهو يفتقد الانسجام بين الروح والمادة في الحضارة المعاصرة، ويرى أن العلوم المختلفة من ميكانيكا وطبيعة وكيمياء قد عجزت عن منح الإنسان الاستقرار النفسي والسلام العالمي، وأنه لا خير في نظام حياة يستبعد الأخلاق، وأنه أولى بالإنسان أن يعني بدراسة نفسه أكثر من أن يهتم بصناعة بواخر أسرع وسيارات أجمل وراديوات أرخص إلخ .. وإنه إذا استمر الأمر على ذلك الوضع، فإن الحضارة المعاصرة ستواجه مصيرها المشؤوم إن عاجلا أو آجلا.

أرنولد توينبي: كان يرى أن مستقبل الإنسانية يتوقف على أخوة روحية لا يمنحها سوى الدين، وهو الشيء الذي يحتاج إليه الجنس البشري في هذا الوقت، وإنها إذا كان الإسلام قد أثبت صلاحيته كقوة موحدة للإنسان، فإن المسيحية أيضا تستطيع أن تلعب هذا الدور إذا ما روعيت تعاليمها.

وبعد هذا الاستعراض المقتضب لآراء بعض المفكرين في ذات الموضوع الذي خاض فيه سيد قطب، يمكن التساؤل فيما إذا كان سيد قطب قد استفاد من هؤلاء الذين سبقوه أو على الأقل عرف مؤلفاتهم؟ يبدو أن سيد قطب اطلع على نتاج هؤلاء المفكرين وتأثر بهم، وهنالك أدلة كثيرة تؤيد هذا الافتراض، لقد ظهر كتاب ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين في القاهرة عام 1950، وكان مؤلفه أبو الحسن الندوي على صلة بسيد قطب الذي أثنى على الكتاب ولا سيما القسم الذي يعالج الحضارة المعاصرة وذلك في مقدمة كتبها له، جاء فيها: إن ما يثير الانتباه هو أن أبا الحسن الندوي كان أول من استعمل لفظ "الجاهلية" والمجتمع الجاهلي وهو نموذج للبحث الإسلامي الديني والاجتماعي والتاريخي.

ونحن نعلم أن لفظ الجاهلية لم يجر على لسان سيد قطب في مؤلفاته التي ظهرت قبل 1951 كالتصوير الفني في القرآن الكريم، ومشاهد القيامة في القرآن، والعدالة الاجتماعية في الإسلام إلخ .. في حين أنه قد استعمل هذا اللفظ كثيرا في كتبه الصادرة منذ عام 1951 كالإسلام ومشكلات الحضارة، ومعالم في الطريق، وفي ظلال القرآن مما يحل على الظن بأن سيد قطب مدين بهذا المفهوم لأبي الحسن الندوي، فضلا عن أنه كثيرا ما يستشهد بكتاب الندوي المذكور عندما يعالج موضوعات الحضارة المعاصرة في كتبه: كالإسلام ومشكلات الحضارة وفي ظلال القرآن إلخ .. ثم إن سيد قطب عرف بالتأكيد مؤلفات الشيخ محمد عبده ومحمد إقبال، لأنه كثيرا ما يستشهد بأقوالهما وخصوصا في كتابيه: خصائص التصور الإسلامي وفي ظلال القرآن، كما عرف مؤلفات أبي الأعلى المودودي مثل: نظرية الإسلام وهديه، الذي ترجم إلى العربية وظهر في القاهرة عام 1950، ومن تدوين الدستور الإسلامي، الذي صدرت ترجمته إلى اللغة العربية عام 1953 في القاهرة، والمصطلحات الأربعة في القرآن، والحجاب، لأننا نعتقد بأن سيد قطب الذي يستخدم كثيرا تعبير "الحاكمية العليا" قد استفاده من مؤلفات المودودي الذي يعالج بالتفصيل معنى "الحاكمية" و "الحاكم الأعلى" في المجال الديني والسياسي والقانوني، فضلا عن أن سيد قطب كثيرا ما يستشهد بمؤلفات المودودي هذه التي استقبلتها الأوساط العلمية والدينية عند ظهورها باهتمام كبير، وليس هنالك من مجال للشك بأن سيد قطب اطلع على كتاب ألكسي كاريل، الإنسان ذلك المجهول، لأنه يستشهد به كثيرا، وهو إن كان يحسن اللغة الفرنسية فإنه يفترض بأن يكون قد قرأه في ترجمته العربية أو الإنكليزية، وأخيرا فغني عن البيان أن نذكر بأن سيد قطب قد اطلع على أفكار حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين وتأثر به.

الفصل الخامس:خصائص المجتمع الإسلامي

  رأينا في الفصل السابق أن هنالك نوعين من المجتمعات: المجتمع الجاهلي والمجتمع الإسلامي، وأن السبيل الوحيد لتجنب مساوئ الحضارة المعاصرة يكمن في اعتناق الإسلام نظاما للحياة الإنسانية، وإذا كان المجتمع الإسلامي، ينبثق من الإسلام، وهو وحده الذي يمثل الحضارة الصحيحة، فإنه من المستحسن إن لم يكن ضروريا، أن نتبين الخصائص الأساسية لهذا المجتمع، سنبدأ أولا بدراسة طبيعة المجتمع الإسلامي ثم ننظر في نشأته، وبما أن المجتمع الإسلامي مجتمع رباني، فإننا سنرى في قسم ثالث بأن مسألة الوحدانية تحتل المرتبة الأولى فيه وتميزه عن غيره من المجتمعات، لكن المجتمع مهما قيل في شأنه، يتكون من شعب ومن أرض، وهذا ما يدفعنا إلى تخصيص القسم الرابع والخامس والسادس للتحدث عن الأرض والجنسية، والفرد الذي يشكل عنصرا أساسيا فيه يتمتع بحقوق ويلتزم بواجبات، وهذا ما يدعونا إلى معالجة هذه الحقوق والواجبات تحت عنوان الحرية والمساواة وتكافؤ الفرص والعمل في القس السابع والثامن والتاسع والعاشر، ومن الفرد سننتقل إلى العائلة التي ستكون مدار حديثنا في الجزء الحادي عشر، ومن العائلة سننتقل إلى العالم، مما يدفعنا إلى النظر في مسألة جوهرية، وهي طبيعة العلاقة التي يجب أن تقوم بين مختلف المجتمعات الإنسانية، هل هي علاقة حروب متوالية أم علاقة سلام؟

والإجابة عن هذا السؤال ستكون موضوع الجزء الثاني عشر بعنوان: المجتمع الإسلامي والسلام العالمي، لكن المجتمع يقوم ليس فقط في المكان إنما أيضا في الزمان، والعصور الحديثة توصف عادة بالتقدم الرائع في ميدان العلوم المختلفة، فما هو موقف المجتمع الإسلامي تجاه العلوم الحديثة، وبصورة عامة تجاه العلم؟

إن الإجابة عن هذا السؤال يستغرق الجزء الثالث عشر من هذا الفصل، وإذا ما نظرنا إلى هذا المجتمع عن كثب فإننا نرى بأنه مجتمع مفتوح، (الجزء الرابع عشر) ورباني (الجزء الخامس عشر) أما في الجزء السادس عشر والسابع عشر، والثامن عشر فسنعرض تباعا للنظام السياسي والقانوني والاقتصادي لهذا المجتمع، وهذا المجتمع ليس خياليا إنما كان حقيقة تاريخية (الجزء التاسع عشر)، ومجتمع له كل هذه الخصائص، لا بد وأن يكون له تصور خاص لمعالجة كافة المشاكل التي تعرض لها المجتمعات المعاصرة، كمشكلة الجنس والسرقة والسلام، وتبيان ذلك، سيكون نهاية هذا الفصل، بعنوان المجتمع الإسلامي والمشاكل الاجتماعية المعاصرة.

1 – طبيعة المجتمع الإسلامي:

يختلف المجتمع الإسلامي عن غيره من المجتمعات الرأسمالية والإشتراكية والشيوعية، لأنه ينبثق عن نظام يختلف اختلافا جوهريا عن سائر الأنظمة التي تنبثق منها المجتمعات الأخرى، بالرغم من التشابه الذي قد يقوم بين هذه الأنظمة أحيانا، والسبب الرئيسي في هذا التباين، يكمن في أن المجتمع الإسلامي من صنع نظام إلهي، يقوم على الشرائع التي سنها الله للبشر، في حين أن سائر المجتمعات الأخرى من صنع نظم إنسانية، والفرق بين نظام إلهي ونظام وضعي فرق جوهري وهام، فالنظام الإلهي منهاج عام لتنظيم الحياة الإنسانية، نظام كامل شامل يتضمن مبادئ عامة تنظم حياة الفرد السياسية والمدنية والتجارية والاجتماعية إلخ .. غايته أن تأخذ به البشرية كلها وتصوغ حياتها وفق مبادئه التي تلائم جميع الأوضاع وتسمح بتطور التشريع وفقا لحاجات كل مجتمع، بصرف النظر عن اختلاف المكان والزمان، أما النظم الوضعية فهي نظم آنية تلحظ قوانين معينة تنشأ في ظل ظروف خاصة لتساير أوضاعا خاصة، من هنا يمكن القول، بأن النظام الإسلامي هو أكثر النظم مرونة وملاءمة لتطور الحياة الاجتماعية وتلبية احتياجاتها المتجددة، فضلا عن أنه نظام يراعي الفطرة البشرية لأنه يشكل جزءا من النظام الذي يحكم الوجود بأسره، ويحل التناسق بين جميع جزئياته.

2 – نشأة المجتمع الإسلامي:

بالرغم من أن غاية الإسلام الأولى هي خلق حياة إنسانية تتفق مع مفاهيمه، وترجمة هذه المفاهيم في صورة واقعية وبناء المجتمع الإسلامي، فإن الإسلامي يدين كل محاولة ترمي إلى إكراه الناس على اعتناق عقيدة معينة "لا إكراه في الدين" ويوصي على العكس، باحترام إرادة ومشاعر كل فرد بالامتناع عن ممارسة أي ضغط معنوي أو مادي عليه.

لقد خلق الله الإنسان ومنحه الحرية وزوده بفطرة تعمل عند الاقتضاء حسب طبيعتها، أن الإسلام لا يتحقق إلا عن طريق الجهد البشري وليس عن طريق خوارق إلهية تجبر الإنسان على أن يسير في الطريق السوي، والمجتمع الإسلامي لا يتكون إلا بقيام جماعة من الناس تقرر عدم الاعتراف بغير الله معبودا وتقيم حياتها الخاصة والعامة وفق شريعته، لذا فإنه من الطبيعي قبل قيام المجتمع الإسلامي الذي تنظم القواعد الإسلامية كل حياته أن يعمل الإسلام بادئ الأمر على تحرير جميع الناس، حتى أولئك الذين يدعون أن الإسلام دينهم، والتي تشهد وثائق ولادتهم بذلك، من عبادة غير الله، ومجموعة الأفراد المتحررين من أهوائهم ومن سيطرة الآخرين عليهم، يشكلون المجتمع الإسلامي الذي تسيره عقيدة "لا إله إلا الله، محمد رسول الله" وعلى هذه الصورة تكونت أول جماعة مسلمة كانت وراء نشأة المجتمع الإسلامي الأول ويتكون كل مجتمع مسلم، فولادة المجتمع الإسلامي إذا لا تتم باكتفاء جماعة من المسلمين – مها كان عددهم – بأن يعيشوا في ضمائرهم العقيدة الإسلامية دون أن يتجاوزوا ذلك إلى مرحلة التجمع الفعلي والحركة، أنه يتوجب عليهم أن ينتظموا في جماعة منسقة موحدة متحركة يرتبط كل منهم بالآخر كما يرتبط أعضاء الجسم الواحد، وإلى أن يتم ذلك يبقون جزءا من المجتمع الجاهلي الذي يعيشون فيه، يخضعون لقيوده، ويعملون بأوامره، ويتحركون شاءوا أم أبوا، بمحض إرادتهم الواعية أو اللاواعية للعمل على تلبية احتياجاته الأساسية التي تكفل له وجوده ونموه، وبالنتيجة، فإن المسلمين بدلا من العمل للقضاء على المجتمع الجاهلي يشكلون خلايا حية تساعد على بقائه أو على إطالة عمره على الأقل، إن المجتمع الإسلامي فريد في نوعه، وهو يتميز منذ ولادته عن غيره من المجتمعات، بتركيبه العضوي، وبالتالي فإن جميع النظريات السوسيولوجية التي تفسر عوامل تكوين المجتمعات لا تنطبق عليه.

لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءه وأبناءهم كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله إلا أن حزب الله هم المفلحون.

إن المجتمع الإسلامي ينشأ من الحركة التي هي العنصر الحيوي الدائم في أصل تكوينه، هذه الحركة ليست شيئا آخر سوى العقيدة، وعلى وجه الدقة مظهرها العملي أو الحركي التي بواسطتها يتحدد مركز كل فرد وتتعين وظيفته، وهكذا تتكون البنية العضوية للمجتمع الإسلامي "بالتناسق بين مجموعة أفراده ومجموعة وظائفه".

هذه الحركة التي هي الميزة الأساسية للعقيدة الإسلامية، وبالتالي الميزة الخاصة لكل المسلمين الحقيقيين الذين يمتلئ كيانهم بها، ترجع بأصلها إلى مصدر "خارج النطاق الأرضي" و "خارج المحيط البشري"، أنها تأتي من الله على شكل عقيدة لها تصور خاص للكون والحياة والإنسان، ترسم للناس الطريق الكفيل بتحقيق هذا التصور.

لذا فإن الدفعة الأولى، لإقامة المجتمع الإسلامي ليست من فعل النفس البشرية، كما أنها ليست من صنع مادة الكون (الهيولي)، إنها من عند الله، وبفعل هذا العنصر الغيبي الذي هو خارج عن نطاق الإرادة الإنسانية، تتكون الخطوة الأولى على طريق ولادة المجتمع الإسلامي، على أن هذا لا يرفع دور الإنسان الذي يبدأ منذ اللحظة التي يتلقى فيها هذه الدفعة الأولى، إنه هو الذي يتوجب عليه أن يحملها بعيدا قدر طاقته حتى يقوم المجتمع الإسلامي، وهذه هي إرادة الله التي لا تقبل المناقشة.

فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما.

وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك نصيرا.

الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا.

قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون

"والقوة العليا" التي دفعت بهذه العقيدة إلى القلب تعلم بأن الإنسان سيحمل هذه العقيدة نحو آفاق بعيدة كما تقضي بذلك طبيعتها، طبيعة الحركة الحية، وهكذا فإنه منذ اللحظة التي يعتنق فيها شخص واحد العقيدة الإسلامية فإن المجتمع الإسلامي يتكون حكما، فهذا الشخص لا يسعه أن يتلقى هذه العقيدة وينطوي على ذاته، إنما يجب عليه أن يتحرك كما تقضي بذلك طبيعة العقيدة الحية.

قد يبدو للوهلة الأولى أنه يتوجب على كل مسلم مؤمن أن يعتزل المجتمع الجاهلي الذي يعيش فيه أو يمتنع عن التعامل معه، والحقيقة هي أنه ينبغي عليه أن يحافظ على صلاته معه لينقذه من درك الانحطاط الذي هو فيه.

لا شك في أن كل مجتمع يمارس ضغطا ساحقا على أفراده وخاصة على الذين لا ينسجمون معه، وكل من يتجرأ على الوقوف بوجهه ويعادي قوانينه وقيمه، يشعر من نفسه غربة وضعفا، إذا هو لم يستمد قوته من مصدر أعظم قدرة من الناس، وأشد صلابة من الأرض، والله لا يدع أبدا المسلم المؤمن يواجه وحده كافة المصاعب والشدائد، إنما يقبل على مساعدته لانتشاله مما يكابده.

يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين.

"يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال أن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا إنهم قوم لا يفقهون.

الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين".

إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا.

.. ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز.

وعندما يؤمن "ثلاثة" أشخاص بهذه العقيدة، فإن هذه العقيدة تقول لهم: أنت الآن تؤلفون مجتمعا، مجتمعا إسلاميا حقيقيا ومستقبلا لا تربطه صلة بالمجتمع الجاهلي الذي لا يؤمن بهذه العقيدة ولا بالقيم التي تنبثق منها، والثلاثة يصبحون "عشرة"، والعشرة "مئة"، والمئة "ألفا"، والألف "اثني عشر ألفا"، وهكذا يتكون المجتمع الإسلامي ويتعين، مجتمعا جديدا منبثقا من المجتمع الجاهلي ومعاديا له بمعتقداته وتصوراته، أما المجتمع الجاهلي أو القديم فهو حر في أن يندمج مع المجتمع الناشئ أولا، ولكن الشيء الجدير بالذكر، هو أن المجتمع الوليد لا يمكنه أن يتخذ شكلا محددا أو يقوم فعليا، إلا إذا بلغ من قوة المعتقد والتنظيم وكل أشكال القوة مستوى يمكنه من مواجهة ضغط المجتمع الجاهلي وهزيمته، لأنه منذ اللحظة التي تشهد تحرير من كل ألوان العبودية لغير الله، وولادة المجتمع الإسلامي تبعا لذلك، فإن المجتمع الجاهلي سيتحرك ليشن حربا لا هوادة فيها لعزل المجتمع الوليد والقضاء عليه، وهذا رد فعل طبيعي نلمسه لدى كل كائن حي حيث يدافع بكل الوسائل الممكنة لديه إزاء المخاطر التي تهدد وجوده، وهذا الصراع مفروض فرضا على المجتمع الإسلامي وليس في ذلك أدنى خيار، فهنالك صراع طبيعي بين وجودين لا يمكنهما أن يتعايشا سوية لأن الحق لا يتفق مع الضلال.

وإذا فرضنا بأن المجتمع الجاهلي قبل بأن يخلي المجتمع الإسلامي في سلام إذا سلم الثاني بمبدأ عبادة الناس لبعضهم البعض، فإن طبيعة العقيدة الإسلامية لا تقضي فقط بأن يرفض المجتمع المسلم مثل هذا السلام المهين، وإنما تقضي أيضا بأن لا يترك المجتمع الجاهلي وشأنه، إلا إذا رضي بدفع الجزية صاغرا، دليل اعترافه بحق الإسلام في مخاطبة العقول والنفوس مباشرة، دون أية عوائق مادية والتخلية بين كل إنسان وإرادته في اختيار العقيدة التي يشاء.

قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله وباليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.

وإزالة المجتمع الجاهلي من الأرض لإقامة المجتمع الإسلامي مكانه، وانتزاع السلطة من أيدي أولئك الذين يمارسونها بصورة غير مشروعة، لردها إلى الله وحده، كل ذلك لا يتم بالبيان ومحاولة الإقناع، وإلا كانت مهمة الرسل سهلة للغاية ... لذا لا بد للإسلام من أن يتبنى مفهوما دينماميكيا للحركة، بالإضافة إلى التسلح بالبيان، حتى يتمكن من مواجهة الواقع البشري بالوسائل المناسبة، إن محاولة الإقناع بالبيان ضرورية لمواجهة معتقدات وتصورات المجتمع الجاهلي، أما الحركة فتتكفل بمواجهة كافة المعوقات المادية التي تمنع حرية الاختيار، هذه الحركة التي تواجه الواقع البشري بما يلائمه بعيدا عن النظريات المجردة، تبررها طبيعة العقيدة الإسلامية ذاتها التي تقتضي من تابعيها الانطلاق بالجهاد سواء كان ذلك بالسيف أو بالبيان، لتحرير الإنسان من كل خضوع لغير الله، بصرف النظر عن الحدود الجغرافية والحواجز العنصرية، ومن الخطأ أن نعتقد بأن تحرير الإنسان وإقامة المجتمع الإسلامي يمكن أن يتم بمعركة محض بيانية أو نظرية، فالجاهلية التي تقوم على مبدأ عبادة الناس لبعضهم البعض، لا تمثل أمامنا بصورة نظرية بسيطة، بل على العكس من ذلك، تظهر على شكل تجمعات حيوية ومؤسسات منظمة، وكل محاولة لوضع حد لهذه الجاهلية ودعوة الناس إلى عبادة الله وحده، تستلزم تجمعا حيويا فعالا حتى يستطيع تغيير الأمر الواقع.

وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون..

وهكذا فالجهاد بمظهريه – بالسيف والبيان – واجب، ولا غنى عنه للدعوة إلى الإسلام، إن الإسلام إعلان عام لتحرير الإنسان في كل مكان وزمان في كل مرة يكون فيه خاضعا لميوله وأهوائه الخاصة أو لغيره من الناس، وذلك حتى يعترف بسلطان الله وحاكميه العليا وإرادته المنفردة في العالم، إنه حركة تحريرية عامة تبدأ في ضمير الفرد وتنتهي في محيط الجماعة ويواجه كل وضع بشري سواء كان ذلك في أوقات السلم أو الحرب بالوسائل الفعالة المناسبة، ولا يكتفي بالوسائل النظرية".

يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون.

إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص.

يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء أن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون.

قل إن كان آباؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين.

وهذا يعني أننا إزاء حركة هجومية دائمة لا تقبل الحوار مع السلطة السياسية، كما أنها لا تلجأ إلى القوة لاكتساب القلوب، غايتها الدفاع عن الحرية الإنسانية إزاء كل المعوقات المادية التي تقف في طريقها، وهي بهذه الغاية بالذات ليست حركة عدوانية على الإطلاق، وكل الذين يفتشون عن الحجج التي تؤيد قولهم بأن الجهاد الذي تنادي إليه المسلمون الأوائل إنما كان موجها إلى أعدائهم، وكان بالتالي ضرورة دفاعية بحتة بكل ما لهذه الكلمة من معنى، يكشفون جهلا فاضحا لطبيعة الإسلام ووظيفته في الأرض.

إن وظيفة الإسلام ليست هي في تحقيق التعايش بينه وبين المجتمعات الجاهلية والأنظمة التي تبشر بها، وإنما هي في انتزاع الناس من أحضان الجاهلية وأنظمتها التي تستبعدهم وتستغلهم حتى يتمكنوا عند تحررهم من كل قيد وضغط، من اختيار العقيدة التي يبتغون، وهكذا فمنذ اللحظة التي يبصر المجتمع الإسلامي فيها النور في بقعة ما من الأرض، فإن الله يخوله حرية التحرك لاستلام زمام السلطة وإقامة النظام الإسلامي العالمي أو مملكة الله على وجه الأرض.

ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز.

الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور.

فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين، عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا.

3 – الوحدانية:

المجتمع الإسلامي هو المجتمع الوحيد الذي يخضع في كل أمر من أموره إلى الله تعالى، ويعرف بأن معنى العبادة لا يفيد فقط الاكتفاء بممارسة الشعائر الدينية من صلاة وصيام وحج إلخ .. فالشعائر ليست إلا مظهرا من مظاهر العبادة لا تستنفد كل معناها ... والعبادة الحقة تعني أفراد الله بالعبودية، والاعتراف له وحده بالحاكمية العليا في الأرض وفي السماء، والإقرار له وحده بحق التشريع، كما يؤمن بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبجميع الرسل الذين سبقوه وما أتوا به، ولا يرى في الكون إلا نظاما كاملا يقف وراءه إله حي واحد خالق رازق قادر عالم منظم إلخ ...

والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما.

له ملك السموات والأرض يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير.

هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم.

4 – الجنسية:

ما هي الرابطة التي تجمع بين المسلمين الذين يكونون المجتمع الإسلامي؟ وما هي طبيعة هذه الرابطة؟

إن العقيدة وحدها بصرف النظر عن روابط الدم والقرابة والجنس، تكون في المجتمع الإسلامي آصرة التجمع التي توحد بين جميع المؤمنين: الأبيض والأسود والأحمر والأصفر والعربي والفارسي والروماني والإثيوبي، وتجعل منهم أخوة في التعاون والتعاضد.

إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض ... .

إن "العقيدة" تمثل أخص خصائص الإنسان التي يتميز بها عن العالم البهيمي، لأنها تتعلق بالعنصر الزائر في تركيبه عن تركيب الحيوان العجماوي، وحتى أكثر الماديين مادية من المفكرين الحديثين ومن بينهم جوليان هكسلي، انتبهوا أخيرا إلى أن العقيدة – بمعنى الفكر – خاصة من خواص الإنسان التي تفرده منذ البداية عن الحيوان، فكل إنسان يمكن أن يختار بإرادته الحرة، العقيدة التي يريد ويقرر نوع المجتمع الذي يحب أن يعيش فيه، إن الصلة الدموية التي تشد الإنسان إلى أمه وأبيه وأخته وأخيه فضلا عن زوجه ليست جديرة بأن تكون الرابطة التي توحد بين المؤمنين، لأن الإسلام دعوة عامة إلى تحرير الإنسان من كل القيود المادية ومنها روابط الدم والأرض، وبالتالي فإن الآصرة الاجتماعية التي يشترك فيها كل من الإنسان والحيوان كآصرة النسب أو الدم، فضلا عن الأرض والمرعى والمنفعة، لا يمكن أن تشكل الرابطة التي تجمع المسلمين وتوحد فيما بينهم.

يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير.

يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام.

مع هذا يجدر بالملاحظة أن الإسلام يأمر ويوصي كل مسلم بمعاملة والديه بكل محبة واحترام حتى ولو كانا يعتنقان عقيدة غير عقيدته، شرط أن لا تتعارض مع مبادئ الإسلام الرئيسية، وقصة نوح مع ولده الذي بقي على شركه ولم يؤمن تدلل على ذلك، فعندما نادى نوح ربه جزعا على ولده من الغرق مع غيره من الكافرين، أجابه الله عز وجل: يا نوح إنه ليس من أهلك، إنه عمل غير صالح فلا تسل ما ليس لك به علم.

ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين

قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين". "قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين.

5 - الأرض:

ليس الإسلام رسالة إلى العرب وحدهم دون سائر الشعوب، إنما هو رسالة عالمية موجهة إلى الإنسان كافة أينما كان.

قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا .... .

وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

والأرض بحد ذاتها ليس لها أدنى قيمة، وقيمة كل جزء منها مهما صغر حجمه، يتأتى من النظام الذي يقوم فيه، "فدار الإسلام" ليس بقعة من الأرض محددة سلفا، إنما هي التي تسود فيها شريعة الله، وبالعكس، فإن كل أرض تعادي شريعة الله وتعطل عملها، تسمى "دار حرب" حتى ولو كان فيها عائلات وأملاك بعض المسلمين، وكل تفاهم بينها وبين "دار الإسلام" أمر متعذر، إن نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم نفسه، شهر الحرب على مكة، مسقط رأسه، بالرغم من أنها كانت تأوي أهله وعشيرته، كما كانت تضم أملاكه وأملاك أصحابه، ولم يعتبرها أرضا إسلامية إلا عندما اتخذت الإسلام دينا.

6 – الإنسان:

الإنسان في المجتمع الإسلامي هو أسمى مخلوق في سلسلة الكائنات الحية، وهو أهم عناصر الوجود، لأنه خليفة الله في الأرض، والسيد الذي يملك المؤهلات والقدرات التي تخوله سبر أسرار الطبيعة، واكتشاف القوانين التي تنظم الوجود من وظائفه الأساسية التي تشكل غاية وجوده، واكتشاف الطاقات والثروات المخبأة في باطن الأرض حتى يعم نفعا جميع البشر.

ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون.

ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين.

وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون.

وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين.

وهو يستحق كل رعاية اجتماعية حتى يكون بمنأى عن العوز المادي، مع الإشارة إلى أنه مكون من جسم ومن روح، ينبغي تلبية احتياجات كل منها، "وفطرته" جديرة بكل أنواع التثقيف والاحترام حتى تتغلب الخصائص الإنسانية فيه على الغرائز المادية والحيوانية".

7 – الحرية الإنسانية:

إذا كان الإسلام يهدف إلى تحرير الإنسان – كل إنسان – من جميع القيود أو المؤثرات المادية والمعنوية التي تحول دون إرادته على وجه صحيح، وإذا كان منذ البداية يستبعد كل أنواع الضغط المعنوي لإكراه الفرد على اعتناق العقيدة الإسلامية وذلك بخلوه من الخوارق أو المعجزات كما يستبعد كل أنواع القهر المادي للغاية نفسها.

ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين.

إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين.

ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن أن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين.

فإن ذلك لا يعني أن الإنسان مطلق الحرية في اختياره، فهو ليس حرا في أن يكون "عبدا" لغيره من الناس على أية صورة من الصور، كما أنه ليس حرا في أن يكون عبدا لأهوائه وغرائزه، لأن ذلك يتعارض مع طبيعة الإسلام وغايته الكبرى، فالإسلام عقيدة ونظام، عقيدة تقوم في الضمير وتساعد على إقامة النظام الذي هو غاية الإسلام، ونظام يعتمد في وجوده على العقيدة وإن كان في معناه أشمل من العقيدة، فهو الإطار العام أو القانون العام الذي يحكم الحياة، أو الدين الذي يرتكز أصلا على العقيدة، ولكنه ليس هو العقيدة بالذات، لأنه ليس صوما وصلاة وحجا فقط، العقيدة أمر متروك إلى حرية الاقتناع وإرادة الاختيار، لأن القاعدة الإسلامية تنص على عدم الإكراه، "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم".

وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ... .

ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة.

أما النظام فهو منهاج عام، مجموعة من القواعد والقوانين التي تنظم الحياة الإنسانية في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ... إلخ، ويقوم على مبدأ أفراد الله وحده بالربوبية والعبودية والحاكمية، وبهذا المعنى يصبح كل نظام لا يرتكز على العقيدة الإسلامية كالقومية والشيوعية والرأسمالية، بمثابة دين للمجتمع الذي يسود فيه، إن غاية الإسلام هي إقامة النظام، أي إعلاء سلطان الله على وجه الأرض – حتى يعترف جميع البشر له وحده بالحاكمية العليا، بتطبيق شريعته وحدها وبكاملها دون غيرها من الشرائع، أما إذا اختار الإنسان بملء حريته أن يكون عبدا لغيره من الناس، يطبق قوانينهم وينفذ أوامرهم، أو أصبح عبدا لذاته لا يخالف لها هوى، فإنه يناقض مبدأ وحدانية الله المطلقة وعدم الاعتراف لأحد غيره بالحاكمية، لذا لا يمكن أن يخلي بين الإنسان وبين إرادته في اختيار العقيدة التي يشاء ما لم يؤمن بادئ الأمر أو يقبل على الأقل بالنظام ويرضى بتنفيذ مبادئه.

قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون.

إن الدين عند الله الإسلام .

وفي ظل هذا المفهوم وحده للنظام، يمكن أن اختار الإنسان العقيدة التي يشاء، ولليهود والنصارى الحق في البقاء على دينهم، على اعتبار أن جميع الأديان السماوية تقر في جوهرها مبدأ وحدانية الله المطلقة، وتدعو في النهاية إلى الإسلام وإقامة نظامه.

... وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم أنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار.

وبالتالي فإن المجتمع الإسلامي يمكن أن يضم جماعات متنوعة لا تعتنق العقيدة الإسلامية وإنما تقبل فقط بالخضوع لنظامه أو منهاجه العام، فالمسيحيون واليهود مثلا، لهم كامل الحق، بممارسة جميع شعائرهم الدينية، بدون أية عراقيل، حتى إنه يحق للمرأة الكتابية سواء كانت مسيحية أو يهودية، التي تتزوج من مسلم الاحتفاظ بدينها وممارسة جميع شعائره المتوجبة عليها كالذهاب إلى الكنيسة أو المعبد للصلاة حتى بدون إذن زوجها، وكل ما يتوجب على "الكتابي" القادر فقط هو دفع الجزية كما يأمر بذلك النظام الاجتماعي الإسلامي.

8 – المساواة:

لا يتعرف المجتمع الإسلامي على فكرة الطبقية، فهذه غريبة عن طبيعته، فليس هنالك طبقة عبيد وأخرى أسياد، طبقة محكومين وأخرى حاكمة، إنما هنالك طبقة واحدة يتمتع جميع أفرادها بنفس الحقوق ويخضعون لنفس الواجبات، دون تمييز يذكر بين المسلمين وغير المسلمين، فالنبي محمد صلى الله عليه وسلم نفسه لم يتردد في تزويج ابنة عمته زينب بنت جحش، من زيد بن الحارثة، الذي كان أسيرا رقيقا عنده قبل الإسلام، ثم أعتقه، في حين كان الزواج في الجزيرة العربية يعتبر قضية بالغة الحساسية، فلا يسمح على الإطلاق بزواج العبيد من الحرائر، وقد حقق النبي صلى الله عليه وسلم هذه المأثرة لأن الإسلام لا يميز بين إنسان وآخر، واليوم وقد بطل الرق بحكم القانون، نرى في الولايات المتحدة الأمريكية مثلا، أن الأسود لا يحرم عليه فقط الزواج من بيضاء، أية فتاة بيضاء فحسب، إنما يحرم عليه أيضا دخول المدارس والجامعات والمطاعم والجلوس في المركبات العامة والإقامة في الفنادق المختصة بالبيض.

وإذا كان يتوجب على غير المسلمين الذين يتمتعون بدخل معين بأن يدفعوا إلى بيت مال المسلمين ما يسمى "بالجزية"، فإن الدولة الإسلامية ملزمة مقابل ذلك، بتوفير الحماية لأشخاصهم وأموالهم حتى الأموال التي يحرم على المسلم اقتناؤها كالخر والخنزير، فضلا عن إعفائهم من أداء فريضة الجهاد ودفع ضريبة الزكاة الواجبتين على كل مسلم قادر واستفادتهم من كل أنواع الرعاية الاجتماعية في حالة الهرم أو زوال الصحة.

9 – تكافؤ الفرص:

لا يكره الإسلام شيئا كما يكره اختلال المساواة بين الناس في أية صورة من الصور، ولا سيما إذا كان السبب الذي يقف وراء ذلك، هو المولد في بيت معين أو الجنس أو اللون أو الثروة، فهو يعتبر أن الولادة في أي بيت، علا أم سفل، لا تمنح الفرد أية ميزة زائدة عن الآخرين .. وكل من يفهم من الآية "وهو الذي جعلكم في الأرض خلائف ورفع بعضكم فوق بعض درجات ...". إنه إقرار بنظام الطبقات مخطئ، لأن الإسلام لا يعادي شيئا أكثر من فكرة الطبقية، والارتفاع المقصود في الآية، ارتفاع فردي قائم على المواهب الشخصية، وليس ارتفاعا طبقيا قائما على الولادة في طبقة معينة، فالمواهب أو الاستعدادات الفردية تهيئ لصاحبها المكانة التي يستحقها عن جدارة، أما الولادة في بيت ما، فلا ترتب لصاحبها بصورة مسبقة أي مقام، والإسلام يقر مبدأ التفاوت بين الناس في المواهب والاستعدادات فقط، فإذا سبق أحد الآخر بمواهبه وحدها دون أي اعتبار آخر، منذ ذلك سبق مشروع، لأن الأصل هو إتاحة الفرص المتكافئة لجميع الأفراد ثم إفساح المجال أمام كل واحد منهم لإبراز طاقاته وقدراته قبل أن يتبوأ المركز المناسب تبعا لذلك، وحتى يقوم لإبراز طاقاته وقدراته قبل أن يتبوأ المركز المناسب تبعا لذلك، وحتى يقوم مبدأ تكافؤ الفرص ويؤتي ثماره على وجه صحيح، فإنه من حق كل إنسان في الأمة أن يولد سليم الجسم، خاليا من الأمراض الموروثة، وهذا معناه أن فرصة الصحة يجب أن توفر له سلفا قبل مجيئه، وإلا انتفى مبدأ التكافؤ الحقيقي في الفرص بين وليد "مصاب" وآخر "سليم"، وعلى الدولة أن تضمن لكل وليد هذه الفرصة بمنحه أبوين صحيحي الجسم سليمي العقل، فإذا حدث إن كانت حالة الأهل المادية أو ظروفهم المعيشية، لا تمكنهم من توفير هذه الفرصة له، فإنه يتوجب على الدولة أن تهرع إلى مساعدتهم وإلا أصبح مبدأ تكافؤ الفرص بالنسبة إليه لا يعدو مجرد خرافة، لذا فإن مبدأ تكافؤ الفرص لا يبدأ بعد الميلاد، فالميلاد موعد متأخر جدا لتحقيقه، فضلا عن أن كل طفل تساء تغذيته وتهمل تربيته، لا يملك الحظوظ التي قد تتاح لآخرين غيره، وعندما يتوفر لكل طفل الغذاء اللازم، والعلاج الواجب، والعلم الكافي، ثم العمل المناسب فيما بعد، فإن مبدأ تكافؤ الفرص يقوم ليؤتى ثماره المختلفة بعد ذلك، من خلال التباين الفطري القائم في مؤهلات الأفراد الطبيعة، التي تلعب دورا بالغ الأهمية في تشكيل حياتهم، وعند ذلك يمكن تبرير اختلاف الأفراد في مراتبهم، لأن ذلك التمايز يكون متأتيا فقط من العوامل الذاتية المكونة للشخصية، وليس من عوامل خارجية متأتية من المجتمع.

10 – العمل:

ينظر الإسلام إلى العمل نظرة تقدير وتكريم، فهو يربطه بالعقيدة ويعتبره واجبا مقدسا، "عبادة" وكل إنسان يحيا بدون عقيدة تربطه بالأرض وتصله بالسماء إنسان تائه لا يعرف ماذا يصنع، والعقيدة وحدها تدفع الإنسان إلى العمل وتشيع في ضميره حساسية خاصة نحوه، فضلا عن أنه هو وحده الذي يجب أن يحدد في النهاية مركز الفرد في المجتمع، وهو حق وواجب، حق لكل فرد قادر عليه، وعلى الدولة أن تؤمنه له، وواجب على كل فرد أن يؤديه على أكل وجه وإلا سقط حقه من الرعاية والضمان اللذين تؤمنهما الدولة لكل عاجز عن العمل، لذا فإن الإسلام يعتبر البطالة بجميع صورها وأشكالها سواء كانت في عالم الضمير أو الشعور أو في دنيا الحياة، مفسدة، على الدولة أن تقي المجتمع من عواقبها وتقضي على أسبابها، لأن الإنسان إذا لم يكن لديه من عمل يشغل فكره ومشاعره ويطهر قلبه، لا بد وأن يفكر في اللذائذ الحسية ويرتمي في أحضان السكر والعربدة، وبذلك ضرر بالغ على المجتمع الذي تتكون فيه فئة مستهلكة عاطلة عن العمل، تعمل على إشاعة الفساد وانحلال الأخلاق عوضا عن العمل لخير المجموعة فيه، حتى إن الإسلام عدو التبطل الناشئ عن حب العبادة والتدين، فهو يذكر بأن العبادة ليست وظيفة حياة وإنما لها أوقات محددة يتعين على الإنسان أن يؤديها في حينها ثم ينكفئ إلى ممارسة عمله اليومي.

يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون.

فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون.

لأن في العمل معنى الطاعة لله أيضا، وقضاء جميع الأوقات في إقامة الصلوات وتلاوة الأدعية أمر غير طبيعي وليس من الإسلام بشيء، فوظيفة الإنسان هي خلافة الله في الأرض واستخراج كنوزها وتنمية الحياة فيها، بالإبداع المادي حتى يرتفع في حياته المادية إلى الاستمتاع بزينة الله من الطيبات من الرزق، ويرتفع في حياته الروحية بعيدا عن الضغوط المادية، أما من ناحية الأجر فيجب أن يكون عادلا، وقد ذهب بعض الفقهاء إلى حد القول بوجوب إعطاء العامل نصف الربح الذي يتأتى من عمله، أما معدل ساعات العمل فيمكن تحديدها وفق المبدأ الإسلامي العام "لا ضرر ولا ضرار" لذا فإن عدد ساعات العمل يمكن أن تختلف باختلاف نوع العمل وذلك للحفاظ على صحة العامل وعدم إرهاقه وتأمين الراحة النفسية والجسدية له.

11 – العائلة:

تعتبر العائلة الأساس الذي يقوم عليه المجتمع الإسلامي، وهي ضرورة بيولوجية ونفسية تمثل حاجة طبيعية لدى الفرد لا يمكن الاستغناء عنها بالعلاقات الحرة، فضلا عن أنها المكان الطبيعي الذي تنمي فيه القيم والأخلاق الإنسانية، وهي تقوم على مبدأ المشاركة في الأدوار والحقوق بين أطرافها، فوظيفة المرأة مثلا، هي الاهتمام بزوجها والاعتناء بتربية أولادها، وهي صناعة إنسانية لا تعدلها صناعة من حيث المرتبة أو الأهمية، وهي على قدم المساواة مع الرجل لأن مصدرهما واحد.

يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا.

وإليها يعود البت في أمورها الشخصية والروحية والمادية، فلها مطلق الحرية بأن تقترن بالرجل الذي يعجبها دون ضغط أو إكراه، ولها الحق بأن تخرج من منزلها وتعود إليه شرط أن تكون في زي محتشم لا يثير "الشهوة" وقد كانت النساء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يذهبن إلى المسجد لأداء فريضة الصلاة، ويصحبن أزواجهن إلى الحرب لحثهم على القتال، فضلا عن أن لها الحق في الملكية الخاصة وممارسة كل نشاط اقتصادي وتجاري وحق العمل عند الحاجة، مع واجب المجتمع بتأمينه لها بعد مراعاة تكوينها البيولوجي، وإكراه النساء على البقاء في المنازل والنظر إليهن باستخفاف، كل ذلك لا يتفق وروح الإسلام، مع هذا فحرية المرأة لا تعني أن لها الحق في أن تعرض محاسنها وتستقبل الناس في زي غير محتشم وتوزع "النظرات الغزلة"، أما الرجل فعليه واجب الإنفاق على "البيت"، وهو لا يحق له أبدا أن يطلب من زوجه التي تحتمل وحدها أعباء الحمل والولادة والرضاعة وتربية أطفالها، أن تعمل في الوقت نفسه خارج منزلها، والتمايز بين الرجل والمرأة يمكن فهمه فقط عندما يتعلق الأمر بالقدرات والخبرات والفروض المتوجبة على عاتق كل منهما بدون أن يمس ذلك جوهر النوع الذي ينتميان إليه، وعندما يتماثلان في المؤهلات والخبرات والتبعات فإنهما يتساويان، وفي كل مرة يختلفان في هذه الأمور فإنهما يتمايزان، فالإسلام إذا منح الرجل ضعفي حصة المرأة في الميراث، فهذا ناتج عن الواجبات التي يلزم بها، فهو الذي يتحمل وحده مسؤولية نفقات المنزلة المادية حتى ولو كان فقيرا، في حين أن المرأة ليست ملزمة بذلك حتى ولو كانت موسرة، أما من جهة أن للرجل "القوامة في البيت" فهذا راجع إلى القدرات والخبرات والمرونة التي يتحلى بها، فهو بحكم تخلصه من تكاليف الأمومة، يتوفر لديه المتسع من الوقت، لمجابهة أعباء الحياة ومشاكلها، مما ينمي لديه قدرة التأمل والنظر بينما تحتجز هذه التكاليف معظم أيام المرأة وتنمي عندها جانب العواطف والانفعالات، ثم إنه ينبغي أن لا نغفل الجانب الاقتصادي من الموضوع، فالرجل الذي يلزم بتأمين احتياجات المنزل المادية، يجب أن يعطي بالمقابل سلطة الإشراف على شؤون المنزل، وبذلك يتم التعادل بين الواجب الملقى على عاتقه والحق المعطى له، وتتحقق بالتالي المساواة التامة في الحقوق والأعباء بين كل من الرجل والمرأة، أما عندما نواجه الموضوع من الناحية الإنسانية المحضة بعيدا عن تعقيدات الحياة العملية، فإننا نلاحظ بأن للمرأة من حقوق الرعاية "كحق الحماية" مثلا ما يفوق للرجل من حقوق – مع الإشارة إلى أن سيد قطب لا يوضح ذلك – فضلا عن أن جميع هذه الحقوق التي أعطاها الإسلام للمرأة منذ ما ينوف على أربعة عشر قرنا، بعد أن تصدى لفكرة أن المرأة ليست إلا مخلوقا تافها يحسن التخلص منها، تكمشها عنها الحضارة المعاصرة، فالمرأة الغربية تقبل اليوم على العمل خارج منزلها لأن الرجل الغربي تهرب من تغذيتها أو بالأحرى نكل عن إعالتها، وقد استغل رجال الأعمال حاجتها إلى العمل وزيادة العرض على الطلب لتخفيض أجرها، ولم يكن مطلبها بالمساواة إلا سعيا وراء إحلال العدالة في الأجور حتى تستطيع تأمين حاجاتها، وبعد أن فشلت في بلوغ غايتها فقط، أخذت تطالب بحق الاقتراع وبأن تكون ممثلة في "البرلمان" حتى تتمكن من المشاركة في اتخاذ القرارات التي تعنيها مباشرة، والجدير بالذكر، إن المرأة الفرنسية لم يكن لها حق التصرف بأموالها إلا بإذن من ولي أمرها، وذلك حتى عهد الجمهورية الرابعة أو الحرب العالمية الثانية، في حين أن الإسلام منحها هذا الحق منذ أربعة عشر قرنا ونيف، وإذا كانت المجتمعات الغربية الراهنة وغيرها، تمنح الأولية للمرأة في بعض الوظائف، ولا سيما في السفارات ومؤسسات الإعلان والفنادق والمطاعم والمخازن والصحافة، فإن ذلك كله من أجل غاية لا تخفى على أحد، وهي أبعد من أن تكون غاية شريفة أو نبيلة.

12 – المجتمع الإسلامي والسلام العالمي:

لقد خلق الله الإنسان وفرض عليه إخلاص العبادة له وحده من ناحية، والعيش على الأرض بسلام من ناحية أخرى، وحتى يتمكن الإنسان من القيام بهذين التكليفين فقد سخر الله له الكون بأسره، وكل شيء في الوجود يؤكد ذلك، وليس من شيء متروك للصدفة، وقد لحظ العلم الحديث التناسق والانسجام القائمين في الوجود، فالوجود مصنوع على صورة تسمح بظهور الحياة وتأمين حاجات الكائنات الحية، وتوفر الشروط المناسبة للحياة على وجه الأرض من حيث تكوينها وحركتها، وبعدها المحدود عن الشمس والقمر، وحجم الشمس والقمر بالنسبة إلى حجمها، يدلل على ذلك. "إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون".

وبملاحظة شريعة الله التي تنسق بين سلوك الإنسان وحياته "المضمرة"، فإن الناس يستطيعون العيش بسلام مع أنفسهم ومع العالم أما السلام مع أنفسهم فينشأ من توافق حركتهم أو سلوكهم الظاهري ع "دوافع فطرتهم" فضلا عن أنهم يسلكون جميعا وفق منهج واحد يؤلف طرفا من ناموس الكون العام، وبذلك يبلغون ذروة سعادتهم، لأن توافق الناس مع الناموس الإلهي العام لا يؤجل سعادتهم إلى الحياة الآخرة، إنا تتم هذه السعادة تمامها وتبلغ كمالها فقط في الدار الآخرة، وغاية الشريعة متكاملتان، وشريعة الله هي التي تنسق بين المرحلتين".

وأما السلام مع الكون فينشأ من توافق حركتهم ع "حركة الكون" وذلك باحترام النظام الذي يهيمن عليه، وبذلك لا يحيا الإنسان فقط بمقتضى مشيئة الله وإنما تنعقد أواصر الصداقة بينه وبين الكون ويقوم السلام العام، إن الوجود ليس خصما للإنسان كما يميل العلم الحديث إلى تصوير ذلك، إنما هو صديق ودود، والجهل وحده يدفع إلى الاعتقاد بعكس ذلك والإسلام دين الوحدة الكبرى في هذا الكون المترامي الأطراف، الوحدة بين جميع جزئياته ابتداء من الذرة حتى أكثر المخلوقات تعقيدا، وحدة جميع نشاطاته وطاقاته وأفراده وأجياله وبدايته ونهايته وأرضه وسمائه ودنياه وآخرته وأديانه، فهذا الوجود الذي يتجلى بأشكال وأحجام مختلفة هو من مصدر واحد، ومن طبيعة واحدة، ومن إرادة واحدة، لقد كان في البدء موحدا قبل أن يعرف التجزؤ وتتحدد أبعاده، والحياة في هذا الكون إنما هي مقصودة وليست صدفة، وهي متولدة من الماء، والكائنات الحية العليا تتميز بخاصية مشتركة فيما بينها وهي التوالد، والإنسان في سلسلة الكائنات الحية أشرف مخلوق على الأرض، وكيانه مصنوع من أديم هذه الأرض: الطين، والوحدة في الأصل والدين تؤدي ليس فقط إلى نوع من الألفة والوئام بين الإنسان والعالم، وإنما أيضا إلى سلام عادل حقيقي بين جميع الناس، لذا ينبغي أن لا ندهش من واقع أن الإسلام يدين كل أنواع الحروب التي تشهر باسم "الدين" أو "الجنس" وكذلك الحروب التي تسيرها المطامع المادية والمطامع الشخصية، فهو يعتبر أن السلام هو القاعدة العامة والحرب استثناء لها لا يمكن تبريرها إلا في حالتين فقط:

1 - إذا كانت الحرب بهدف التخلص من فرد أو جماعة تقف حائلا دون الإسلام وانتشاره.

2 – إذا كانت الحرب بغاية تحرير الإنسان وتحقيق العدالة الاجتماعية، وإذا كان الإسلام يعني في جوهره السلام العام، فإنه يذكر بأن بلوغ هذا السلام إنما يكون بانتهاج خطوات عملية تشكل مراحل فعالة لا غنى عنها على طريق السلام العالمي هي:

1 – سلام الضمير.

2- سلام البيت.

3 – سلام المجتمع.


1 – سلام الضمير:

إن سلام الضمير يشكل حجر الزاوية في طريق إقامة السلام العالمي، ولا يمكن للعالم أن يعرف سلاما لا يتمتع فيه الفرد بسلام الضمير، وسلام الضمير يعني الطمأنينة التي تتم عندما يتمكن الفرد من إشباع حاجاته المادية في توافق تام مع نوازعه الروحية ومصالح الجماعة وأنظمتها، أن الإنسان مهما قيل في شأنه يبقى عبارة عن وحدة عضوية له تكوينه الخاص وكينونته الخاصة، والإسلام لما كان يراعي هذا الواقع فإنه لهذا بالذات، هو دين الواقع الذي يشتمل على مبادئ السلام العالمي، فلا يقبل العقد النفسية، بل يؤمن بأن الخطأ والخطيئة والنسيان من مكونات الفطرة البشرية، وأن الله يمنح عفوه ويهب رحمته، لكل من يستجدي عفوه ويطلب رحمته، فضلا عن أنه يقوم في الضمير لينصب منه حاكما يراقب تصرفات الإنسان.

2 – سلام البيت:

إن روابط الألفة والمحبة والتسامح والتعاون هي التي تشكل الأسس التي لا غنى عنها لشيوع السلام في البيت، وحتى يكون هنالك تفاهم وطيد بين "قطبيه" ينبغي مراعاة الأمور التالية:

- ألا يتم عقد الزواج إلا برضى الفريقين التام.

- أن يتحمل الرجل أعباء المنزل المادية وتنصرف المرأة إلى السهر على شؤونه وراحة زوجها وتربية أطفالها.

- أن تعطى المرأة حق المطالبة بالفسخ أو الطلاق إذا شاءت ذلك وفي بعض الحالات.

- الحق المتبادل في الميراث .. إلخ.

3 – سلام المجتمع:

بينما تؤكد مذاهب اجتماعية عديدة على حتمية الصراع بين الطبقات والتنافس والنزاع بين الأفراد، فإن الإسلام يستبعد الخصومة بين الأفراد فضلا عن الطبقات التي لا يعترف بوجودها أصلا، ويدعو كل الناس إلى الوحدة والتعاون حتى يحل الوئام في المجتمع، فكل الناس يتمتعون بنفس الحقوق ويخضعون لنفس الواجبات، وحتى يسود المجتمع سلام حقيقي لا بد من توافر مجموعتين من الشروط:

1 – مجموعة الشروط الذاتية.

2 – مجموعة الشروط الموضوعية.


1 – مجموعة الشروط الذاتية: وهي ثلاث:

1 – مشاعر المحبة والرحمة: التي يجب غرسها في نفوس الأفراد منذ الصغر وتدريبهم على ذلك، فكل الناس من مصدر واحد وينتظرهم مصير واحد.

2 – ينبغي على كل فرد أن يبتعد عن التعالي والمفاخرة، وأن يمتنع عن المس بكرامة الآخرين أو التجريح بهم، وأن يكون متسامحا شريفا في معاملاته وأن يبتعد عن "ألعاب الحظ" ومعاطاة الخمر التي تفقده السيطرة على نفسه وعقله.

3 – ينبغي على كل فرد أن يؤمن بأولوية وتقديم مصلحة الجماعة على مصالحه الخاصة.

أما جملة الشروط الموضوعية فيرتبط تواجدها بالنظام الذي يسود أصلا في المجتمع، والحكم الإسلامي هو وحده الذي يوفر مثل هذه الشروط العملية التي لا يقوم بدونها سلام حقيقي في المجتمع وهي:

1 – ضمانة الحياة:

إن الإسلام يحرم قتل النفس وينظر إلى كل جريمة فردية على أنها جريمة جماعية موجهة إلى الجماعة بأسرها، وعلى الجماعة أن تتحمل مسؤولية ذلك بحماية الفرد والمحافظة على أمواله المكتسبة بالطرق المشروعة.

2 – التوازن الاجتماعي:

إن الإسلام يوصي بالعمل على إحلال نوع من التوازن بين ثروات الأفراد حتى لا يقوم في المجتمع الإسلامي ثراء فاحش أو فقر مدقع.

3 – ضمانات حياة كريمة لكل فرد:

4 – السلام العالمي:

وعندما يعيش السلام في الضمير ويقوم السلام في البيت ويعلو السلام في أحضان المجتمع، بمعنى أنه عندما تترجم مبادئ الأخوة والمساواة والعدالة إلى أعمال حية وتزول حواجز التعصب ويزول الظلم، فإن السلام العالمي ينتصب لينشر ظلاله الوارفة على فسيح أرجاء الكون مهما اتسعت جنباته.

13 – المجتمع الإسلامي والعلم:

إن الإسلام لا يعادي العلم أو العلماء بل يعتبر العلم الذي يقود إلى معرفة الله – وكل علم صحيح لا توجهه النوايا السيئة يوصل إلى هذه الغاية – فريضة مقدسة، طلب العلم فريضة على كل مسلم.

قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون.

والتاريخ الإسلامي لم يعرف ذلك التنكيل برجال الفكر كما عرفه التاريخ المسيحي بواسطة "محاكم التفتيش" والحالات القليلة التي عرفت اضطهاد رجال على أفكارهم هي شاذة في تاريخ المسلمين، وغالبا ما كانت تتلبسها مواقف سياسية، وقد جاءت على أيدي أناس ينكر الإسلام عليهم أفعالهم، وذلك أمر طبيعي في دين لا يعتد على الخوارق إنما يقوم على التأمل والنظر، ويرفع منزلة العلماء على مرتبة الجهال، ويربط الإيمان بالعلم ويجعل العلم سبيلا إلى معرفة الله وخشيته.

إنما يخشى الله من عباده العلماء.

... قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون.

... يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير.

ومن الجدير بالذكر أن النزعة التجريبية التي تقو عليها الحضارة الصناعية الأوروبية المعاصرة، لم تنشأ في أوروبا نفسها، وإنما ظهرت بادئ الأمر في الجامعات الإسلامية وتعاليمه وطبيعته الواقعية، وفي الوقت الذي ابتعد فيه العالم الإسلامي عن التعاليم الإسلامية فإن أوروبا تمسكت بهذا النهج من التفكير واستقلت به واستمرت في تطويره وتحسينه واحتفظت به دون سائر المبادئ الإسلامية مما جعلها تتيه هي أيضا في النهاية بعيدا عن الله، لذا فإن كل نتاج العقل الأوروبي هو نتاج جاهلي، وبالتالي فإن المسلم الحقيقي لا يستطيع اقتباس معارفه من هذا المعين الجاهلي، إنما يتوجب عليه أن يتلقى ذلك من الشريعة الإسلامية كما يقضي بذلك مبدأ الاعتراف بالحاكمية العليا لله، والشريعة الإسلامية تعني كل ما شرعه الله لتنظيم كافة جوانب الحياة الإنسانية في الاعتقاد والسياسة والاقتصاد والاجتماع إلخ .. وإذا استغرب البعض مثلا تلمس بواعث الخلق الغني في الشريعة، فإن الجواب على ذلك، هو أن النشاط الفني ليس سوى تعبير عن التصورات والانفعالات إزاء الكون والحياة، ومن المستحيل فصله عن القيم التي يرمي إلى التعبير عنها، والإسلام ليس تصورا عقلانيا صرفا إنما هو تصور فعال مؤثر يستثير الذهن والخيال، ويغمر الكيان البشري كله ويوجه كافة نشاطاته، لذا فالمجتمع الإسلامي لا يمكنه أن يتلقى في كل ما يتعلق بأحكام العقيدة والتصور العام للوجود والقيم والتنظيمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية إلا من الشريعة الإلهية.

أما إذا افتقر المجتمع الإسلامي إلى العلوم البحتة، كالكيمياء والأحياء والطبيعة والفلك والطب والزراعة والعلوم الإدارية والفنون العسكرية إلخ ... فبإمكانه أن يأخذها عن المجتمعات الأخرى حتى ولو كانت هذه غير مسلمة، شرط أن يعمل لسد هذا الفراغ بالسرعة الممكنة، وذلك لأن الحكم في "العلوم البحتة" تقوم على مبادئ عامة صحيحة دون أن يتجاوز هذه في نتائجها إلى تفسيرات غيبية عقلانية، والباحثون يرتكبون خطأ فادحا إذا ما زجوا بها في تفسيرات فلسفية، كما فعل دارون عندما انتهى من تحليلاته وترتيباته الطبقية في علوم الأحياء، ليعلن دون أية براهين معقولة، بأن "الطبيعة" في حد ذاتها لا تحتاج على الإطلاق إلى أية قوة عليا أو خارجية لتفسير ظواهر الوجود فيها وكذلك الحياة وتطورها، والقول بأن الثقافة تراث إنساني لا موطن ولا جنس ولا دين له، صحيح عندما يتعلق الأمر بالعلوم البحتة وتطبيقاتها، ولكنه غير صحيح في كل ما يختص بالفلسفة وعلم النفس والتاريخ والفن والأدب والأخلاق، ونحن إذا ما وضعنا جانبا العلوم البحتة وتطبيقاتها العملية، فهنالك نوعان من الثقافة: الثقافة الإسلامية والثقافة الجاهلية.

أما الثقافة الإسلامية فهي التي تنبثق من التصور الإسلامي الذي يوجه النشاط البشري على اختلافه، في حين أن الثقافة الجاهلية تقوم على تأليه العقل البشري وتأخذ بجميع أحكامه في كل شيء، وحكاية فصل العلم عن صاحب العلم غير صحيحة وذلك في كل الأمور المتعلقة بمعرفة الحياة والكون والإنسان وغاية وجوده وحقيقته والشرائع والأنظمة التي تنظم حياته، لأن هناك نوعان من المعرفة فيما يختص بهذه الأمور: المعرفة الصحيحة أو المعرفة الشرعية التي يستقي العارف فيها مباشرة من الله، والمعرفة الظنية أو الظاهرية وهي عرفة غير دقيقة أو صحيحة لأنها قائمة على تجاهل مصدر المعرفة، والمسلم يحظر عليه الاقتناع بالظن والتسليم بالظواهر، وعليه أن يأخذ علمه عن الله مباشرة.

قل يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون.

وعنده مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما يسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين.

.. والله يعلم وأنتم لا تعلمون.

وما أوتيتم من العلم إلا قليلا.

وبالنتيجة فإن الإسلام لا يناهض العلوم المفيدة لحياة الإنسان، إنما على العكس من ذلك، يشجع عليها والحديث الشريف، يقول: "أطلب العلم ولو في الصين" و "اطلب العلم من المهد إلى اللحد" ولكنه يحدد فقط المجال الذي يسكن للعقل البشري أن يعمل في نطاقه دون أن يضل ودون أن تصل العلوم إلى نتائج مخالفة لمعطيات الدين وغير صحيحة".

14 – مجتمع مفتوح:

المجتمع الإسلامي هو المجتمع الوحيد الذي يقوم على أساس فكرة "العالمية" بمعناها الصحيح، لأنه المجتمع الوحيد الذي يحترم خصائص الإنسان ولا يميز بين فرد وآخر إلا بمقدار إيمانه بالله وحرصه على تنفيذ شريعته، والذي يعتبر جميع الناس أخوة لوحدتهم في المنشأ وفي المصير، والذي يسمح لأفراد عديدين مهما اختلفوا في أجناسهم ومواطنهم ولغاتهم وعقائدهم بأن يعيشوا في جنباته بسلام تام، والذي يعني بتحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والتكاليف بين جميع المواطنين، وادعاء الماركسية بأن غايتها النهائية إقامة نظام عالمي يبقى مجرد ادعاء لأن أي نظام عالمي لا يمكن أن يقوم دون حرية في المعتقد، وبلاد الستار الحديدي كلها تناهض قيام عقيدة فيها لا تكون العقيدة الشيوعية، ولا تسمح لكل من لا يعتنق هذه العقيدة بمزاولة نشاطه بكل حرية، في حين أن التاريخ الإنساني عرف منذ ألف وأربعمائة قرن ونيف قيام المجتمع الإسلامي الذي ضم في ربوعه الفارسي والسوري والمصري والمغربي والتركي والصيني والهندي والروماني واليوناني والإندونيسي والإفريقي على قدم المساواة، لقد وحد الإيمان بالله بينهم جميعا، ودفعهم التعاون والاعتقاد بمثل واحدة إلى بذل أقصى ما لديهم لتنمية المجتمع الذي يظلهم، وقد أدت جهودهم المتضافرة إلى نشأة الحضارة الإسلامية التي لم تكن أبدا عربية أو قومية، إنما حضارة فكرية، وهذه الميزة للحضارة الإسلامية هي فريدة في تاريخ الإنسانية، فإذا نحن ألقينا نظرة على التجمعات البشرية التي عرفها التاريخ الإنساني كالإمبراطورية الرومانية التي كانت تضم عددا كبيرا من الشعوب فإننا نلاحظ بأن هذا التجمع البشري الضخم لم يقم على مثال إنساني رفيع أو على "آصرة إنسانية"، وإنما كان يقوم على أساس من الطبقية وفكرة تفوق العنصر الروماني وحقه في السيطرة على غيره من الشعوب، وعندما قامت الإمبراطوريات الحديثة كالإمبراطورية البريطانية والفرنسية والإسبانية والبرتغالية فإنها قامت على نفس الأسس الرومانية، وعندما حاولت الشيوعية أن تؤلف تجمعا متميزا عن غيره يتخطى الحواجز العنصرية والأرضية واللونية واللغوية، فإنها فشلت في ذلك فشلا ذريعا، لأن أساس هذا التجمع – وهو سيادة الطبقة العاملة – ليس هدفا إنسانيا عاما، وبالتالي فإن التجمع الشيوعي كان شبيها بالتجمع الروماني، فقد حلت الطبقة العاملة في المجتمع الشيوعي محل الطبقة الشريفة في المجتمع الروماني حتى يمكن القول بأن المشاعر التي تحرك الشيوعية تستمد جذورها من الحقد الدفين تجاه كل الطبقات الاجتماعية فيما عدا الطبقة العاملة، ولهذا يمكن القول بأن آصرة التجمع الشيوعي لا تورث سوى التفسخ الاجتماعي ولا تثير إلا الغرائز الخبيثة لدى الإنسان، ولا يمكن بالتالي أن تكون الأساس المكين الذي يقوم عليه تجمع إنساني صحيح.

15 – مجتمع متميز:

هذا التصور السامي للنسب الذي لا يقوم على روابط الدم وإنما على الإيمان بعقيدة معينة، وهذا التصور الرفيع للموطن من حيث كونه جزءا من الأرض ترتفع فيه شريعة الله وتكون فيه الجنسية هي العقيدة، يجعل من المجتمع الإسلامي الذي تضم أرجاؤه جماعات متعددة ومتنوعة، مملكة الله الحقيقية على وجه الأرض، وبالتالي فإن الأمة الإسلامية – وليس الشعب اليهودي – هي شعب الله المختار الذي يجب عليه التحرك لإعلاء كلمة الله وإقامة النظام الإسلامي العالمي.

كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون.

16 – النظام السياسي الإسلامي:

إن الحكم في الإسلام حكم ديمقراطي يقوم على أساس الشورى، "وشاورهم في الأمر" و "أمرهم شورى بينهم" أما طريقة الشورى فلم يحددها الإسلام، وهذا يعني أنها مسألة نظامية داخلية تتكيف مع كل بيئة بصرف النظر عن المكان والزمان، وهي متروكة لحرية الجماعة في تعيينها وتطبيقها، فخلافة أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان ابن عفان وعلى بن أبي طالب قامت على أساس اختيار المسلمين المطلق، وإذا كان أبو بكر أوصى بالخلافة من بعده لعمر، فهذا لم يصبح خليفة عليهم من بين ستة أشخاص عينهم قبيل وفاته، فعمله ذلك لم يكن سوى مجرد نصيحة ولو شاء المسلمون اختيار واحد من غير هؤلاء لاستطاعوا، ولكن الاختيار وقع على أحدهم لأنهم كانوا بالفعل أفضل شخصيات الأمة وأصلحها، وإذا كان على قد غبن في عدم توليته الخلافة بادئ الأمر وخاصة بعد وفاة عمر، مع أنه كان أقرب نسبا إلى النبي، فذلك يرجع إلى مبدأ الشورى الذي يرتكز عليه نظام الحكم في الإسلام، وبالتالي فإن السلطة السياسية تنبثق من مصدر واحد هو إرادة الأمة أو المحكومين، ولا يحق لأحد أن يعرض نفسه لمنصب الخلافة، لأن الشخص الذي يستحق هذا المنصب ينبغي أن يكون شخصيا معروفا من طرف الآخرين، والأمة أو أهل الحل والعقد فيها ه الذين يقترحون اسمه لأنهم هم الذين يعلمون جيدا من هو أحق بهذا المنصب من غيره، لذا فهو لا يحتاج للإعلان عن نفسه ما دام الجميع يعرفونه سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة وذلك مهما اتسعت جنبات المجتمع الإسلامي على اعتبار أن من أه خصائص المجتمع الإسلامي هي تعارف أفراده في كل محلة وتعاونهم واتصالهم بجيرانهم القاطنين بجوارهم أو بعيدا عنهم بحيث تتحقق في النهاية معرفة المسلمين بعضهم بعضا، وبعد الاتفاق على شخص معين لمنصب الخلافة فإنه يتوجب على الأمة بكاملها طاعته ما دام أمينا على تنفيذ شريعة الله وإلا سقطت طاعته، "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا". قال أبو بكر الصديق الخليفة الراشدي الأول عقب مبايعته بالخلافة: "أيها الناس: إني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أرد عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم". والخليفة لا يتمتع بأي حق زائد على حقوق الفرد العادي حتى إنه يجب عليه المثول أمام القضاء إذا ما سيق إليه وذلك دون أدنى تمييز بينه وبين سائر المتقاضين، قال علي بن أبي طالب بعد مبايعته: "أيها الناس، إنما أنا رجل منكم لي ما لكم وعلي ما عليكم وإني حاملكم على منهج نبيكم ومنفذ فيكم ما أمرت به، إلا أن كل قطيعة أقطعها عثمان، وكل مال أعطاه من مال الله فهو مردود في بيت المال، فإن الحق لا يبطله شيء".

وأبى أن: "ينزل القصر الأبيض بالكوفة مؤثرا عليه الخصاص التي يسكنها الفقراء". وهو يتوجب عليه الرجوع إلى الأمة للتشاور معها في كل أمر دنيوي لم يرد فيه نص، كفن القتال وزراعة الأرض وغير ذلك، فالنبي محمد صلى الله عليه وسلم كان يستشير صحابته الذين يمثلون رأي الأمة في المدينة في كل الأمور التي لا وحي فيها ولا نص، وعندما تبدلت الظروف والأوضاع في عهد أبي بكر، استشار هذا أهل مكة بالإضافة إلى أهل المدينة في حرب الشام، لأن المسألة كانت مسألة حربية تعود آثارها على أهل مكة كما تعود على أهل المدينة، والحكم في الإسلام لا يعني كما يظن البعض حكم رجال الدين من المشايخ، فلا اكليروس في الإسلام، ولكل مسلم متفقه في الشريعة مطلق الحق بتولي أرفع المناصب في الدولة حتى منصب الخلافة نفسه، والنبي محمد نفسه لم يكن يلبس جبة ولا قفطانا وإنما كان يلبس ثيابه العربية التي كان يلبسها قومه، ورجال الدين اليوم لا يمثلون حقيقة الإسلام، كما أن الدول التي تزعم أنها مسلمة، وبعض من يحكمون باسم الإسلام، لا يمثلون والإسلام منهم براء، وقيام المجتمع الإسلامي معناه القضاء على طبقية رجال الدين الذين يدعون الإسلام، وذلك حتى يخلعون عنهم أزياءهم التي استحدثوها من تلقاء أنفسهم ويأتون بعمل مثمر للأمة.

ونظام الحكم الإسلامي لا يعني صورة معينة وحيدة من الحكم، وإنما هو يتسع لعشرات الصور من ألوان الحكم الذي يتفق والحاجات المستجدة والمتطورة في كل مكان وزمان، ولهذا يخطئ من يظن بأن الحكم الإسلامي معناه الرجوع إلى حياة المجتمع الإسلامي الأول في عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم أي إلى مزاولة تلك الحياة البسيطة من خيام وابل وترك كل محاسن الحضارة الحالية من عمارة وصناعة وتجارة وعلم وفن، أن الشظف والبداوة زمن الدولة الإسلامية الأولى كانا نتيجة وقائع اقتصادية، وكان حث الناس على الصبر ضرورة كيلا تفتر نفوسهم عن مواصلة الكفاح والجهاد ، والاستمتاع بالحياة في الحدود التي لا تصل إلى حد الترف يحض الإسلام عليه.

يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين".

قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون.

يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا أن الله لا يحب المعتدين.

وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون.

فضلا عن أن صورة الدولة في عهد الخليفة الأول أبي بكر الصديق لم تكن هي نفس الصورة التي عرفت زمن النبي صلى الله عليه وسلم. وصورة الدولة في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب لم تكن هي صورة الدولة الإسلامية التي عرفت زمن الخليفة الأول، لقد تغيرت صورة الدولة الإسلامية على مر الزمن لتساير أوضاع وحاجات المجتمع الإسلامي المتجددة مما يدلل على مرونة نظام الحكم في الإسلام.

17 – النظام القانوني الإسلامي:

أن نظام الحكم في الإسلام يقضي بأن تكون الشريعة الإسلاميةالقرآن والسنة – هي الشريعة الوحيدة التي تصرف حياة البشر وتحكم مظاهر سلوكهم، وهو يقوم على أساسين: القانون من جهة والقاضي من جهة ثانية.

أما القانون فلا يعني – كما هو الحال في المجتمعات الجاهلية – مجموعة القوانين والأنظمة المستمدة من إرادة الشعب أو الحزب الذي يمثل الأغلبية، وإنما يعني مجموعة القوانين الإسلامية من مدنية وشخصية وتجارية وجزائية، المستمدة من الشريعة الإسلامية، والتي تؤمن العدالة المطلقة بين المتقاضين، والمساواة التامة بين جميع الأفراد في الحقوق والواجبات، بصرف النظر عن عقائدهم وأجناسهم وألوانهم ومواطنهم وزمانهم.

إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.

إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل .. .

ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا .. .

والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم.

فالنبي محمد صلى الله عليه وسلم لم يتردد في إنزال العقاب بالمرة التي سرقت بالرغم من توسط أسامة بن زيد – وهو من يحبه رسول الله – في قضيتها قائلا:

والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها. وعمر بن الخطاب ساءه أن يضرب ابن عمرو بن العاص والي مصر، ابن أحد المصريين الأقباط بدون وجه حق، فأمر أن يفعل المضروب بالضارب مثل ما فعله به.

والعدالة المطلقة للقوانين الإسلامية مردها إلى أن الشريعة الإسلامية شريعة إلهية، تشتمل على مبادئ ثابتة ومرنة، تسمح بسن قوانين تفصيلية، لمسايرة الأوضاع المتجددة باستمرار في كل مجتمع، وفي أي مكان وزمان، عن طريق ما يسمى بالاجتهاد، وهذا هو السبب في التمييز بين الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي.

أما أن الشريعة ثابتة فذلك يعود إلى أنها جزء من "الناموس العام" الذي يحكم الوجود كله، ويحكم الفطرة البشرية، ويتميز بالثبات في أصله، والاستمرار في الحركة في جزئياته، كما هو ملاحظ في الوجود الأكبر الذي يجمع بين الثبات والحركة في كل لحظة، كثبوت الأفلاك وتحركها، وثبوت الحياة وتحركها، وثبوت المجتمع وتحركه، لذا فإنه عندما تنص الشريعة على حكم ما فهو واجب التطبيق، وإلزاميته ناتجة عن كونه يتناول ركنا اجتماعيا أساسيا، كالنص على تحريم الربا مثلا، فالربا يتعارض تعارضا أساسيا مع النظام الاقتصادي والاجتماعي الذي يقيم الإسلام عليه مجتمعه، وأما أن الشريعة مرنة فذلك يتضح في حالتين:

1 – إذا كانت الشريعة قد نصت على قاعدة عامة ولم تنص على مسألة خاصة يمكن أن تنضوي تحت القاعدة العامة، فالاجتهاد يقوم ليطبق على الجزء ما يصدق على الكل.

2 – إذا كانت الشريعة لم تنص أصلا على القاعدة العامة فإن تلك المسألة تصبح قابلة للاجتهاد المطلق في شأنها شرط ألا يتعارض الحكم فيها مع مبدأ أساسي من مبادئ الإسلام، أما الفقه الإسلامي DISCURSIVE فمعناه مجموعة التطبيقات القانونية وفق أصول معينة لمبادئ الشريعة العامة في القضايا والأوضاع الاجتماعية المتجددة التي تنشأ من تطور الحياة، وهو ثمرة حركة المجتمع ومن صنع البشر لأنه نتيجة تفسيرهم للشريعة وتطبيقها في ظروف خاصة، لذا فهو ليس جزءا مقدسا من الشريعة، لأنه قابل للتعديل، والتغيير لملاءمة أحوال البشر وحاجاتهم المتجددة، ويمكن أن تختلف الآراء والنظريات فيه، بدون أن يشكل ذلك هنة فيه، فكل نظرية قانونية قابلة لشروح الفقهاء المختلفة حولها بدون أن يقلل ذلك من قيمتها أو يدعو أحد إلى نبذها، وإذا كان المجتمع الإسلامي قد استطاع أن يحيا حتى القرن "الثامن للهجرة" وأن تحكمه الشريعة الإسلامية إلى حد ما ... في كثير من شؤونه، فذلك لأن الفقه الإسلامي كان يتطور باستمرار تبعا لنمو المجتمع الإسلامي وحاجاته المستجدة، وعندما تلاشت ملامح الدولة الإسلامية، واختفى معها حكم الإسلام، جمد الفقه بطبيعة الحال، لأنه لم تعد للناس به حاجة، بعدما أصبحت تحكمهم قوانين غير القوانين الإسلامية ... ومن المعلوم أن الفقه لا يظهر ولا يتطور إلا بوجود المجتمع الإسلامي، وذلك لتلبية حاجات هذا المجتمع من القوانين التفصيلية اللازمة لمعالجة أوضاعه ومشاكله، ولهذا فإن التساؤل المسبق عن تفصيلات النظام القانوني الإسلامي أو القوانين التفسيرية الشاملة التي تنظم حياة المجتمع الإسلامي قبل أن يكون هذا المجتمع قائما بالفعل، هو تساؤل يتسم بالجهل ولا يرمي إلا إلى الإحراج، فالمتسائل يفترض مسبقا أن بنية المجتمع الإسلامي ستكون هي نفس بنية المجتمعات الجاهلية المعاصرة، وهذا وهم، فنظام الربا مثلا لن يكون له مكان في المجتمع الإسلامي، ولهذا فإنه لا فائدة في وضع أحكام تفصيلية مسبقة له كما هو الحال في المجتمعات الجاهلية، فضلا عن أن المجتمع الإسلامي سيؤمن لإفراده كافة الضمانات اللازمة لحياة حرة كريمة، لذا لا يمكن القول سلفا بأن المجتمع الإسلامي سيكون بحاجة إلى شركات إقراض، وحتى إذا احتاج إلى مثل هذه الشركات فمن يستطيع التنبؤ بأنها ستكون على غرار شركات الإقراض المعروفة في المجتمعات الجاهلية؟

هذا والقوانين الإسلامية تقوم على مبادئ معينة نذكر منها:

1 – مبدأ الحلال والحرام:

فالله بين الأفعال التي يحق للإنسان أن يأتيها، وعين الأفعال التي لا يحق له القيام بها – وذلك لعنصر الضرر الكامن فيها –

2 – مبدأ المسؤولية الفردية:

وذلك نتيجة حرية اختيار الفرد لأفعاله وفق الآية القرآنية "كل نفس بما كسبت رهينة".

لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ... .

واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل عنها شفاعة ... .

فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره.

3 – مبدأ الضرورات تبيح المحظورات:

فالأفعال المحرمة تصبح مباحة في حال قيام بعض الشروط، فالفقير الجائع مثلا تمتنع معاقبته إذا سرق ما يمسك رمقه من الطعام، وعمر بن الخطاب لم يعاقب بعض "الغلمان" الذين سرقوا ناقة "سيدهم" وذبحوها وأكلوها، وإنما عاقب "سيدهم" لأنه كان سبب إقدامهم على السرقة، لعدم إعطائهم كفايتهم من الطعام.

4 – مبدأ ارتباط النية بالفعل:

بمعنى أن النية هي التي تكيف نوع الجرم وتحدد في النهاية درجة المسؤولية، فمرتكب الجرم يمكن أن يقدم على فعله عن سابق تصور وتصميم أو عن غفلة منه، والعقاب تبعا لذلك يتفاوت في درجته بحسب النية المسبقة، فيشتد في الحالة الأولى ويخفف في الحالة الثانية وإن كان يفترض في الأصل ما لم يثبت العكس سوء النية في كل من يقترف إثما.

5 – مبدأ الجرائم الفردية هي جرائم اجتماعية:

تمس المجتمع بأسره وليس من تعرض من الأفراد لضررها فقط، ولعل هذا ما يفسر التشرد في العقاب، كقطع يد السارق وجلد السكير ورجم الزاني، فضلا عن أن القوانين الإسلامية تعمل مسبقا على منع كل الأسباب التي تدفع الإنسان إلى ارتكاب جريمته، وإقدامه على ذلك يمكن أن يقوم دليلا على تصميمه على اقتراف جريمته.

من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ... .

6 – مبدأ أن الإقرار بالجرم والتوبة يزيل العقاب في بعض الجرائم:

وذلك في حالة اقتراف هذه الجرائم في الخفاء .. ودون أن يتسرب العلم بها إلى أحد من الناس وطلب الغفران قبل أن يتحرك الحاكم الشرعي أصلا لملاحقة الآثم. مع الإشارة إلى أن القوانين الإسلامية تميز بين جرائم لا تلحق أدنى أذى بأي إنسان، كالجرائم تقع على شخص ما وتلحق به ضررا ماديا أو معنويا بأية صورة من الصور (كالضرب مثلا)، وهذا النوع من الجرائم لا يتعلق بها فقط حق المجني بالتعويض عليه ومعاقبة الجاني من قبل الحاكم الشرعي عند الاقتضاء، وإنما يتعلق بها أيضا حق لله على الجاني، على اعتبار أن الله قد خلق الإنسان واستخلفه في الأرض، وليس لأحد أن يتعدى عليه ظلما، والتعويض على المتضرر ومعاقبة الجاني أو عفو المتضرر عنه، لا يكفي لسقوط الجرم وتلاشي نتائجه بصورة مطلقة، إنما يمكن اعتباره كذلك بالنسبة إلى الشخص المتضرر فقط، أما بالنسبة إلى الله فحقه قائم أبدا ما لم يؤد، وإلا فإن الله سيحل عقابه على المذنب في الآخرة، أما تأدية حق الله فيمكن أن يتم أما عن طريق التوبة الصادقة أو الاستغفار أو عن طريق بذل المال في صورة معينة – مع الإشارة إلى أن سيد قطب لم يذكر هذه الصور - .

والقوانين الإسلامية هي القوانين الوحيدة الفعالة التي تتميز بمسايرتها لفطرة الإنسان، نظرا لارتكازها على عقيدة تؤمن بها النفوس أولا، ويقبل على تنفيذها كل مسلم صحيح حتى ولو أدى إلى تضرره بالذات وذلك من جراء قوة العقيدة التي ربت ضميره على الخشية من الله والتي تؤمن العدالة التامة بين جميع الأفراد، في حين أن كل فرد يحاول التملص من القوانين الوضعية لأنه لا يؤمن أصلا بعدالتها، فعمر بن الخطاب الحليفة الراشدي الثاني الذي شعر من نفسه زهوا بالخلافة والفتوح، بادر إلى إذلالها بحملة "جرة ماء" قائلا لابنة الذي استفسره عن سبب ذلك: "لقد أعجبتني نفسي فأحببت أن أذلها". وهو الذي رفض أن يكون ابنه عبد الله من عداد المشرحين لمنصب الخلافة قائلا: "حسب آل عمر أن يحاسب منهم رجل واحد عن ذلك". وعلى بن أبي طالب الخليفة الراشدي الرابع، كان يرتجف بردا في الشتاء من جراء ارتدائه ثوبا صيفيا رقيقا ولا يمد يده إلى بيت المال، ويأكل الشعير تطحنه زوجه بيدها ويختم هو على جراب الشعير قائلا: "لا أحب أن يدخل بطني إلا ما أعلم"، "وربما باع سيفه ليشتري بثمنه الكساء والطعام". وعمر ابن عبد العزيز يقول بعد توليه الخلافة: "أيها الناس أطيعوني ما أطعت الله فيكم" ويرد جميع ما يملك وما تملك زوجه من مجوهرات إلى "بيت المال".

أما القاضي المسلم فهو الشخص المتفقه في الشريعة التي يحكم بموجبها في أية مسألة سواء كانت مدنية أو جزائية أو تجارية بدون أن يكون هنالك بالضرورة قاض مختص بالجرائم المدنية وآخر بالجرائم الجزائية وثالث بالتجارية كما نلاحظ في التنظيم القضائي الحديث، فالشريعة وحدة كاملة ومن يفقهها حقا يمكنه النظر في كل نشاط يعرض له، والقاضي المسلم هو الإنسان الذي لا يعرف المحاباة أو التحيز، إنما يحكم بمقتضى الشريعة التي توجب تأمين المساواة التامة بين جميع المتقاضين وتحقيق العدالة فيما بينهم بالاقتصاص من الجاني والتعويض على المجني عليه، ولعل أشهر مثل على عدالة القضاء الإسلامي هو موقف شريح القاضي من الخليفة علي بن أبي طالب، فقد أتاه علي يوما يتهم مسيحيا من رعاياه بسرقة درعه الذي وجده عنده قائلا: "أنها درعي ولم أبع ولم أهب".

وإنكار الرجل تهمة السرقة مجيبا: "ما الدرع إلا درعي وما أمير المؤمنين عندي بكاذب". فيلتفت شريح إلى الخليفة علي يسأله: هل من بينة يا أمير المؤمنين؟ فيضحك على قائلا: أصبت يا شريح ليس عندي بينة "فيقضي شريح بالدرع للنصراني" الذي يسارع إلى القول: أما أنا فأشهد أن هذه أحكام الأنبياء .. أمير المؤمنين يقاضيني فيقضي عليه .. أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، "الدرع والله درعك يا أمير المؤمنين" ولكنني لم أسرقه، لقد تبعت جيشك المنطلق إلى صفين، فخرجت من بعيرك الأورق فأخذتها، فقال علي: أما وقد أسلمت فهي لك.

18 – النظام الاقتصادي الإسلامي:

أن النظام الاقتصادي في الإسلام هو الوسيلة الفعالة بيد الدولة لتحقيق العدالة في المال بين الأفراد، وهو يقوم على أساسين: الملكية الفردية من ناحية والضرائب المالية على أنواعها من ناحية أخرى.

1 – الملكية الفردية:

أ – حق الملكية الفردية:

يعتبر الإسلام الملكية الفردية التي تتم بالوسائل المشروعة قاعدة الاقتصاد الإسلامي، يرتب على ذلك، حفظ هذه الملكية وصيانتها من السرقة أو السلب أو الاختلاس، فضلا عن أنه يمنع مصادرتها بدون ضرورة عامة وبدون تعويض مناسب، وعقوبة قطع اليد السارقة دليل على احترام هذا الحق وحماية آثاره.

ب – طبيعة الملكية الفردية:

أن الحق بالملكية الفردية ليس مطلقا، فالله في الأصل هو المالك الوحيد لكل شيء، وقد أعطى هذا الحق إلى الجماعة التي استخلفها في الأرض فأصبحت هي المالكة لكل المال.

ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير.

.. ولله ملك السموات والأرض وما بينهما وإليه المصير ...

ولله ما في السموات وما في الأرض وكان الله بكل شيء محيطا.

آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير.

أما المالك الظاهري فله صفة النائب عن الجماعة في ملكه لأن حيازته له إنما هي وظيفة أكثر منها تملكا، وبقاء هذه الملكية مرهون بحسن التصرف بها وإلا وقفت نتائجها الطبيعية المتمثلة بحق التصرف وعادت إلى الجماعة، وبعض الأموال التي تعتبر مرافق حيوية عامة لا يمكن للجماعة الاستغناء عنها، كالماء والكهرباء والكلأ والفحم والحديد والبترول إلخ ... والتي قد تختلف طبيعتها باختلاف المكان والزمان، تبقى خارج نطاق التملك الفردي وتكون ملكا مشتركا للجماعة، تنتفع بها على وجه المشاركة، وتعود حصيلة ريعها إلى الخزينة العامة "بيت المال".

ج – وسائل التملك الفردي:

إن العمل المشروع سواء كان ماديا أو فكريا هو المصدر الرئيسي للتملك في الإسلام، والمال الذي يأتي عن طريق السلب أو النهب أو السرقة أو وضع اليد أو المقامرة أو الاحتكار مال حرام، لأن الوسيلة التي أدت إلى اكتسابه غير شرعية وهو بالتالي نوع من الابتزاز يثير الحقد ويورث العداوة بين الأفراد.

يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون.

وما دام العمل المشروع هو سبب التملك فالاعتراف بحق الملكية لا يضر أحدا بل يصبح مجالا لحث كل إنسان على بذل أقصى طاقاته ليشبع رغبته في التملك، والعدل يقضي بعدم الوقوف في وجه هذه الرغبة الفطرية وتسوية العاملين بالخاملين، وإنما على العكس ينبغي تشجيع كل عامل نشيط والسماح له بنقل هذه الملكية إلى من يريد ولا سيما إلى أبنائه وذلك في حدود معينة، فهؤلاء جزء منه يشعر من خلالهم بامتداد حياته، فضلا عن أنه من العدل أن ينتفع الأولاد بجهودهم آبائهم، لأن الصلة بين الأهل والأبناء لا تنفسخ حتى ولو انقطعت صلة الميراث فيما بينهم، أن الأهل يورثون أبناءهم صفات واستعدادات هي في أصل تكوينهم الجسماني والعقلي، وهذه الاستعدادات تلازمهم في حياتهم وتكيف مستقبلهم دون أن يكون لهم يد في هذا القدر، ومهما حاول المجتمع فلا يمكنه أن يهب طفلا وجها جميلا إذا هو ورث عن أبويه وجها قبيحا، ولا يمكنه أن يعطي طفلا لطفا ولينا في المزاج إذا هو ورث عن أبويه اضطرابا، ولا يمكنه أن يمنح الصحة لطفل إذا ما ورثن عن أهله استعدادا للمرض، فإذا كان على الولد أن يرث كل هذا غير مخير فإنه من العدل الاجتماعي أن يرث جهود أبويه المادية، وهذا الحق بالميراث لا يؤدي إلى تكديس في الثروة لأن نظام الإرث في الإسلام أداة في الأصل لتفتيت الثروات المكدسة لدى أيد قليلة فالملكية الواحدة تنتقل بالميراث إلى العديد من الورثة، ومعنى ذلك أنها تتحول إلى ثروات متوسطة أو صغيرة، وقلما تذهب إلى يد واحدة إلا في حالات نادرة لا يقاس عليها، كأن يموت المالك وليس له سوى ولد واحد يرث التركة بكاملها.

د – طرق تنمية الثروة:

إن القاعدة التي تقول "بأن المال يجر المال" هي محرمة في الإسلام، فالعمل وحده هو السبيل الوحيد للتملك في الأصل، والمجتمع الذي يشيع فيه الربا مجتمع أبعد ما يكون عن روح التعاون والمودة، والتعاون أحد أهم الأسس التي يرتكز عليها المجتمع الإسلامي.

الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون.

يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم.

يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنت مؤمنين.

لذا فإن استلاف المال سواء كان ذلك للإنفاق الشخصي أو الاتجار يجب أن يكون دون مقابل، فإذا كان للاستهلاك فإنه لا يجوز على الإطلاق إرهاق المدين "برد فائض عن دينه"، وحسبه فقط أن يرد "أصل الدين عند الميسرة"، وإذا كان للاتجار أو "للإنتاج" فالأصل أن الجهد الذي يبذله المدين يعم نفعه بالنهاية المجتمع بأسره ويصيب الدائن ربحا منه، لذا لا يحق للدائن المطالبة بزيادة على دينه الذي يتوجب على المدين رده بأسرع ما يمكن ردا "لفضل الإقراض .. وتمكينا للثقة في المعاملات بين الأفراد".

وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون.

هـ - طرق إنفاق الثروة:

إن صاحب المال ليس هو مطلق الحرية بالتصرف في ماله، لأنه قلما يقوم تصرف فردي لا علاقة له بالآخرين سواء كان ذلك بصورة مباشرة أو غير مباشرة، والشح كالإسراف كلاهما ممقوت في الإسلام لما يستتبع كل منهما من ضرر يعود على النفس كما يعود على الجماعة".

والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما.

أما الشح فمعناه حرمان النفس من طيبات الحياة، والإسلام يأمر بالتمتع بمباهج الحياة بغير إسراف، ودعوته إلى الرضى والصبر في بعض الأحيان ليس معناها دعوة إلى الزهد والحرمان، إنما هي دعوة لاحتفاظ النفس بطمأنينتها عند الشدائد إلى أن تزول أو تزال، إلى حد أن الإسلام يأمر الجماعة بأن تؤمن لكل فرد حاجته من المال الكافي لغذائه وملبسه وتسليته، حتى تغدو الحياة بهيجة جميلة في نظر الجميع، وتنطلق نفوسهم إلى التأمل في الكون والخلق وما فيهما من جمال وكمال .. ثم إن الشح معناه حبس المال عن التداول وهذا معناه تعطيل لوظيفته الاجتماعية، لأن الجماعة بحاجة إلى تداول أموالها العامة لتنمي مرافق الحياة بها، وتضمن الوفرة في الإنتاج، وتهيئ وسائل العمل للعاطلين.

.. والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم" "يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم .. هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون.

لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا. وأما الإسراف فهو مفسدة للفرد وللجماعة إلا إذا كان بغاية التقرب من الله ونيل مرضاته.

مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم". "الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

ومعناه كثرة الإنفاق على النفس أو الترف الذي يكرهه الإسلام كراهية شديدة، لأنه يعتبره بؤرة شر لصاحبه وللجماعة التي يعيش بينها، وعلى الجماعة أن تحاربه وإلا عرضت نفسها للتهلكة بسببه.

وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وأتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين.

فهو مصدر شر لصاحبه لأنه يدفع به إلى الملذات المادية ويورثه الجمود في المشاعر، وهو مصدر شر للجماعة لأن سكوتها على المترفين وفسادهم يقود في النهاية إلى تدميرها، فهنالك مال وهو طاقة، وجسد عاطل عن العمل وهو طاقة، وفائض من الوقت وهو طاقة، والفتية والفتيات المترفات، وهم يملكون الشباب والمال والفراغ، لا بد وأن يفسقوا وأن يميلوا إلى الملذات الحسية فتعم الإباحية بالتدريج وتنتشر الدعارة وتخور الأجسام وتضعف العقول وتتلاشى القي فيغضب الله ويأمر بتدمير هذه الجماعة.

وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين.

وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلوا عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون.

أما معرفة حد الترف فإن مستوى المعيشة العام للجماعة هو الذي يحدده، لذا فهو يختلف من بيئة إلى بيئة ومن عصر إلى عصر، فالترف في عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم قد يكون مثلا في التهافت على لبس اللباس الفاخر والتأنق المفرط ولا سيما من قبل الرجال، مع الإشارة إلى أن الإسلام يحث المسلم على البساطة في الحياة والتمتع بها في حد وسط بين الإسراف والحرمان.

2 – الضرائب:

الضرائب على نوعين: عامة وخاصة.

أ – الضرائب العامة:

وعلى رأسها ضريبة الزكاة التي يعفى من أدائها الفقراء، وهي حق لله وبالتالي حق للجماعة في المال، نص عليها الإسلام صراحة وعين مقاديرها، لذا فإن أداء هذه الفريضة واجب ديني كما هو واجب اجتماعي، فيها معنى الطهارة للضمير بأداء التكليف المفروض وطهارة للنفس من فطرة الشح وحب الذات، تقوم الدولة بجبايتها ويسأل الحاكم الشرعي عن توزيعها، وهي وسيلة لتنمية المجتمع وإقامة العدالة في المال بين الأفراد، يكتفي بها فقط، إذا كان المجتمع الإسلامي مجتمعا متوازنا لا اضطراب فيه ولا اختلال، يستطيع كل فرد فيه أن يؤمن حاجاته الضرورية للحياة.

وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين.

وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسك من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير.

ب – الضرائب الخاصة:

عندما تصبح ضريبة الزكاة عجزة بمفردها عن سد الاحتياجات المتجددة للمجتمع الإسلامي، يمكن اللجوء إلى هذا النوع من الضرائب التي تقوم أصلا على مبدأ المصالح المرسلة ومبدأ سد الذرائع، اللذين يمنحان أمام الأمة أو الخليفة سلطات واسعة "لتدارك كل المضار الاجتماعية وتحقيق العدالة الاجتماعية" فله مثلا أن يفرض من الضرائب ما يراه ضروريا كأن يخصص ضريبة للجيش وضريبة للتعليم وأخرى للمستشفيات أو للضمان الاجتماعي إلخ ... حتى إنه يحق له إذا ما دعت الحاجة إلى ذلك نزع جميع الملكيات أو الثروات الخاصة المكتسبة بالطرق المشروعة لإعادة توزيعها على أسس جديدة أكثر عدالة، وهذا الحق الاستثنائي الممنوح للخليفة يمكن أن يجد تفسيره في عدم التناقض أصلا بين مصلحة الجماعة ومصلحة الفرد، فكل خسارة تلحق بالجماعة تلحق بالفرد أيضا.

أما الأهداف التي تري إليها الضرائب الإسلامية فهي عديدة نذكر منها:

1 – تأمين الضمان الاجتماعي العام:

إن تأمين حياة حرة كريمة واجب لكل عاجز ومحتاج يعيش في المجتمع الإسلامي سواء كان مسلما أو غير مسلم، وبهذه الصورة يستطيع كل فرد أن يرتفع بنفسه وأشواقه إلى ما هو أعلى من ضرورات الغذاء والملبس ليتأمل جمال الكون والخلق، أما إذا صرف الإنسان – وهو خليفة الله في الأرض – جل وقته لتأمين حاجاته الحياتية، وفي بعض الأحيان دون أن يحقق مبتغاه على الوجه الصحيح، ودون أن تمد إليه الجماعة يد العون، فإنه لن يجد متسعا من الوقت يستطيع معه التأمل في روعة الخلق، ولن يستطيع ذلك أصلا إذا ما أراد ذلك، وسيحيا حياة هي دون حياة الحيوان، فالحيوان يجد كفايته من الطعام والشراب، وبعضه يمرح كالطير الذي يغرد فرحا بالحياة، يروي عمر بن الخطاب الخليفة الثاني رأى شيخا ضريرا يطلب الصدقة فسأل عنه فعلم أنه يهودي، فقال له: ماذا دفعك إلى الاستجداء أيها الشيخ؟ فأجابه: الجزية والسن والحاجة يا أمير المؤمنين، فأخذ عمر بيده إلى منزله وأعطاه كفايته من الطعام وأرسل من توه إلى خازن بيت المال يقول له: "انظر هذا وضرباءه فوالله ما أنصفناه إن نحن أكلنا شبيبته ثم خذلناه في شيخوخته، "إنما الصدقات للفقراء والمساكين، وهذا من مساكين أهل الكتاب". فأعطه ما يكفيه مؤونة الاستجداء.

2 – إعادة توزيع الثروات: وذلك حتى لا تتكدس الثروات في أيد قليلة من الناس وتنحسر عن الآخرين، فالمجتمع الذي يضم جماعة بالغة الثراء وأخرى بالغة الفقر، هو مجتمع غير مسلم، لأن الفقر والحرمان يولدان الأحقاد التي تفسد ضمائر المعوزين وتدفعهم إلى النهب أو السرقة أو المتاجرة بكرامتهم.

هذا والإسلام يلحظ مبادئ اقتصادية بالغة الأهمية نذكر منها:

1 – مبدأ من أين لك هذا:

الذي يعني أن الحاكم لا يتمتع بأية حصانة تمنح الجماعة من مقاضاته على كل زيادة تطرأ على ثروته بعد توليه منصبه، وتطبيق هذا المبدأ كفيل بأن يجعل الخليفة يتردد كثيرا قبل أن يقدم على التصرف بالمال العام، مع الإشارة إلى أن عمر بن الخطاب الخليفة الراشدي الثاني هو أول من وضع هذا المبدأ قيد التطبيق وذلك بالنظر في ثروات عماله بعد توليهم أعماله.

2 – مبدأ التكالف الاجتماعي العام:

الذي يجعل من أهالي كل ناحية مسؤولين مباشرة مسؤولية جنائية عن المقيم بينهم الذي يتلفه الجوع، يشتركون بدفع كامل ديته، بوصفهم قتلة له جميعا، ومما يؤيد هذا المبدأ حق الجائع والعطشان في أن يقاتل من يمنع عنه الطعام والماء حين يخشى على نفسه التلف، وقد قام المجتمع الإسلامي الأول على أساس هذا المبدأ، إلى حد جعل الأنصار في المدينة يقاسمون المهاجرين من مكة أموالهم ودورهم ومتاعهم.

19 – المجتمع الإسلامي حقيقة خالدة:

إن المجتمع الإسلامي ليس مجتمعا خياليا إنما هو حقيقة حية، عرف النهار لأول مرة على يد النبي محمد صلى الله عليه وسلم وجماعة من المؤمنين، وقد استمر في وجوده المتطاول عبر الزمن بشكل أو بآخر حتى أواخر القرن الثامن للهجرة، والآن وبعد مضي حوالي أربعة عشر قرنا ونيف من الزمن على ظهوره، لا نزال نلمس له في المشاعر ذكرى، وفي الضمائر صدى، ولا نراه بالغريب على أرواحنا ومشاعرنا وعاداتنا وتقاليدنا، وما زالت تنطلق ملايين الأصوات فوق مشارق الأرض ومغاربها بالرغم من تبدل الأوضاع وتغير الأحوال مرددة كلمة "لا إله إلا الله محمد رسول الله" وهي إن دلت على شيء فعلى انتصار محمد بن عبد الله في ضمير الزمان، ولا شك أن بوادر الصحو واليقظة التي بدأت تتمخض اليوم في العالم الإسلامي بعد ركود طويل، هي اختلاجة الحياة الجديدة التي ستؤدي في النهاية إلى ظهور المجتمع الإسلامي من جديد.

20 – المجتمع الإسلامي والمشاكل الاجتماعية المعاصرة:

عندما يقوم المجتمع على أساس الشريعة الإسلامية، فتسود فيه التربية الإسلامية، وتتحقق العدالة الاجتماعية، وتتوفر جميع ضمانات الحياة الكريمة لكل فرد، عندها فقط تختفي المشاكل الاجتماعية المعاصرة، كالمرأة والعمل، والمرأة والاختلاط، والمرأة والبرلمان، لأن المرأة لن تجد الحاجة في أعماق نفسها إلى دخول البرلمان أو الرغبة في العمل خارج منزلها أو الاختلاط بالرجال أو التزين أو التبرج، لأن تربيتها ستجعلها تبتعد عن كل ذلك حياء من الله فضلا عن أن مشاكل الشباب الجنسية ستتلاشى هي أيضا بدورها، لأن المجتمع الإسلامي سيحض الشباب على الإقدام على الزواج المبكر ويمد يد العون إلى كل راغب فيه لا يملك المال اللازم لذلك ولن يكون فيه ما يثير النزوات ويحث الغرائز، لن يكون فيه فتيات "شبه عاريات" ينطلقن في كل مكان ينشرن "الفتنة لحساب الشيطان"، ولن تكون فيه أغان ماجنة ولا أفلام قذرة ولا منشورات خلاعية ولا خمور تغري الناس على الفجور وتسلبهم الإرادة والتفكير، وكذلك فإن مشكلة السرقة وآلاف السارقين في كل عام الذين تضيق بهم جنبات المجتمعات الجاهلية المعاصرة، ستختفي هي بدورها أيضا، لأنه لن يكون في المجتمع الإسلامي إنسان واحد يضطره العوز إلى الإقدام على السرقة، لا سيما إذا عمر الإيمان قلبه، ووجد كفايته من الطعام، وكان على دراية بالعقاب الصارم – قطع اليد السارقة – الذي ينتظره، إن السرقة وألوف السارقين نتاج مجتمع يسمح بوجود الجائعين والمحتاجين دون أن يتحرك لمعالجة ذلك علاجا فعالا بتوفير القوت اللازم والتربية الصحيحة التي تشد الإنسان إلى ربه وتربطه بشريعته.

الفصل السادس: ما هو الإسلام؟

إذا كنا قد أغفلنا في الفصل السابق أثناء حديثنا عن خصائص المجتمع الإسلامي، موضوعا هاما يتداخل في كل ما تحدثنا عنه، ويرتبط به ارتباطا وثيقا، ونعني به موضوع الإسلام وحقيقته، فذلك لرغبتنا بإفراد فصل خاص بذلك، ، لذا فإننا سنحاول في هذا الفصل تبيان الخصائص الجوهرية للإسلام، مع الإشارة إلى أن سيد قطب يلفت نظرنا إلى أن التصور الإسلامي للكون والحياة ليس تصورا سلبيا على الإطلاق، فالإسلام لا يرضى أبدا بأن يحيا في ضمائر المؤمنين على شكل صوري، إنه فلسفة عمل، نظام لا معنى له إلا بتمظهره عمليا، وبانتهاء ملاحظتنا نعود إلى تلمس الملامح الأساسية للإسلام وهي:

1- الألوهية.

2- الثبات.

3- العالمية.

4- التوازن.

5- الإيجابية.

6- الواقعية.

7- الوحدانية.


1 – الألوهية:

لعل الخاصية الأولى التي يتميز بها الإسلام هو أنه دين منزل من عند الله، فالله هو المصدر الوحيد والخاص للإسلام، في حين أن كل العلوم والفلسفات ليست سوى نتاج الإنسان، وإذا ما قلنا بأن الإسلام لا يتفرد بهذه الخاصية لأن هنالك أديانا أخرى موحدة كاليهودية والمسيحية سبقته إلى الظهور، يجيب سيد قطب على ذلك، بأن هذا صحيح، ولكن عناصر غريبة دخلت على هذه الأديان فغيرت معالمها وشوهت طبيعتها في حين أن القرآن حافظ على أصالته، فاليهود والمسيحيون مثلا يدعون بأنهم أبناء الله وأحباؤه "وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ...".

إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا.

والقرآن بحكم كونه من عند الله فهو هدية الخالق لخلقه ودلالة على الرعاية الإلهية للإنسان".

ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين.

ألم تلك آيات الكتاب الحكيم هدى ورحمة للمحسنين.

2 – الثبات:

وهي خاصية تنبثق مباشرة من الخاصية الأولى، فإذا كان الله ليس محلا للتغير أو التبدل، وإذا كان الإسلام ذا طبيعية إلهية، فإن الحقائق التي يبشر بها يجب أن تكون أزلية بالضرورة، وبالتالي فإن هنالك ثبات في المكونات الأساسية للتصور الإسلامي وقيمه لا تتغير ولا تتطور، أما الذي يتغير فهو ظواهر الحياة وأشكالها المختلفة، وحتى التغيرات التي تطرأ على ظواهر الوجود إنما تبقى ضمن إطار ثابت، والثبات في النواميس الكونية يستتبع بدوره ثباتا في القيم والقوانين التي ترسم حدود السلوك الإنساني وترعى تصرفاته، وهذا الثبات في القيم أو بالأحرى أزليتها لا يتعارض وحركة الإنسان ونمو الحياة، إنما يشكل نوعا من الضوابط الاجتماعية التي تحكم تصرفات الإنسان حتى لا يتوه بعيدا عن الصراط المستقيم، وفكرة أزلية الحقيقة الدينية وبالتالي سرمدية القيم التي تبشر بها، يمكن أن تجد تفسيرا لها في المظهر الثنائي المتواجد باستمرار في الحياة، فوراء كل التغيرات في ظروف الحياة وأشكالها وفي طبيعة معارفنا، هنالك واقع دائم نشير إليه باستمرار هو وجود الخير والشر، فهنالك دائما وأبدا العدالة والحق والعلم من ناحية، والظلم والضلالة والجهالة من ناحية ثانية، وما هو خير يبقى خيرا على الدوام بصرف النظر عن الزمان والمكان، وبالنسبة للإسلام فإن الله هو مصدر كل شيء لأنه هو خالق كل شيء.

3 – العالمية:

وهذه الخاصية تنبثق هي بدورها من الخاصية الأولى، فالإنسان بحكم كونه كائنا مخلوقا، لا يمتلك المعرفة الشاملة والمطلقة وإنما المعرفة المحدودة بطبيعته الخاصة، أما الذي يمتلك المعرفة الكلية والذي يمكنه تزويد الإنسان بمعرفة شاملة عن الكون والحياة فهو الله، والنتيجة الخلقية لهذه الخاصية هي أنها تبين للناس طريق الكمال، فالكمال الفردي يمكن بلوغه في هذا العالم، ويكون ذلك بإخلاص العبادة لله وحده، وتطبيق شريعته وتوجيه كافة الجهود لاستثمار الطاقات الكامنة في الوجود وفق إرادته.

4 – التوازن:

إذا كان التصور الإسلامي لمختلف مظاهر الوجود منه ما يتفق ونظام العقل البشري، ومنه ما يتجاوز نطاق العقل ليتعداه إلى ساحة الغيب المجهول، فإن الحديث عن الجانب من المعرفة المدرك من لدن العقل، وعن المظهر الذي يتجاوزه نطاق العقل، يصبح أمرا لا غنى عنه، وقصارى القول إن الإنسان المحدود بطبيعته ينبغي عليه أن يعود نفسه على التسليم أمام كافة الحقائق التي تتجاوز قدراته العقلية، كالتي تتعلق بحقيقة الله والنفس الإنسانية إلخ ...

ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا.

وإذا كانت كل عقيدة دينية لا تخلو من هذا المظهر الغيبي، فإنه من الجدير بالذكر، أن الله خلق الإنسان مجهزا بطبيعته لأن يسلم بهذا المجهول، لذا فإن الإسلام عندما يدعو المؤمنين للخضوع إلى مشيئة الله وتقبل الحقائق التي يعلو فهمها على العقل البشري، بالإضافة إلى الحقيقة التي يمكن تلمسها من لدن هذا العقل، فيبحث في أسبابها وغاياتها ونتائجها فإنه إنما يساير ميلا طبيعيا هو في أصل تركيب الفطرة البشرية.

إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون.

كتاب أنزلناه إليك مبارك لدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب.

وبالتالي فإن الإسلام يقيم نوعا من التوازن بين مجالين مختلفين: الإرادة الإلهية المطلقة التي لا يحدها شيء من ناحية، والإرادة البشرية المحدودة من ناحية أخرى، وعلى الإنسان أن يكون إزاء كل ما يتعلق بالمجال الأول خاضعا مستسلما، أما فيما يختص بالثاني فإن الإنسان يتمتع بحرية كبيرة في العمل لأنه خليفة الله في الأرض، وإذا بدا للبعض بأننا في أحضان إحدى أهم المشكلات الفلسفية الأزلية، وهي مشكلة الحرية الإنسانية والقضاء والقدر، وأنه إذا كان الإنسان عبدا لله، وإذا كانت الإرادة الإلهية مطلقة لا يحدها قيد، فكيف يستطيع الإنسان أن يكون حرا؟ فإننا نجيب على ذلك بأن إرادة الله مطلقة وكل شيء يتعلق بها لأنه هو خالق كل شيء، والذي ينبغي للإنسان هو تأثيره الظاهري فقط على العالم والأحداث، لأن الإنسان في الحقيقة ليس هو مصدر أفعاله، إنما الله هو خالق جميع الأفعال، وبهذا المعنى فإن الفعل والنشاط الإنساني لا يتعارض مع الإرادة الإلهية، وبهذا المنظار يكون الإنسان حرا وتبقى الإرادة الإلهية مطلقة، وهذا التمييز الحاسم بين السبب الظاهري والسبب الحقيقي الذي يقف وراء الأفعال الإنسانية، لا يمكن أن يمر دون أن يستدعي في ذهننا الغزالي، وكذلك مالبرانش الذي يرجع عملية الخلق ومن جملتها خلق الأفعال إلى الله وحده ويرفض بالتالي إسناد كل سببية إلى المخلوق لكونه مخلوقا بالذات، وإذا كانت إرادة الله المطلقة تطرح مسألة أخرى هي مسألة وجود الشر فإن سيد قطب يجيب عن ذلك بالتمييز بين الشر في حد ذاته والألم، أما الشر في حد ذاته ولماذا سمح الله بوجوده وهو القادر على أن يخلق عالما لا مكان للشر فيه فإنها مسألة لا تطرح نفسها في الإسلام، لأنها مسألة تدخل أصلا في المجال الذي يتجاوز قدرة الإنسان على فهمها وهو لا يحق له التساؤل أبدا عن مثل هذه الأمور، لأن معنى ذلك أن نطلب من الله أن يفسر لنا خلقه وعمله وأن "يبرره" لنا كذلك "وأن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا".

وأما موضوع الألم البشري، فإن الإسلام يعتبر بأن الحياة الدنيا محل اختبار وعمل، وأن الحياة الآخرة هي للثواب والعقاب، وبأن الحياة الدنيا والحياة الآخرة لا ينفصلان وكل منهما يتمم الأخرى، فحياة الإنسان الأرضية ليست غاية حياته، والألم الأرضي لا يمكن فصله عن الثواب في الآخرة فلا ألم في الحياة الدنيا لا يؤخذ بعين الاعتبار ساعة تأدية الحساب في الآخرة، ومن ناحية ثانية فإن الألم يجد ثوابه في صورة ما في الحياة الأرضية، فالذي يعاني من العذاب لسبب عادل يشعر في نفسه باطمئنان وشيء من السعادة عندما يؤمن بأنه يحارب في سبيل الحق وضد الظلم والطغيان.

5 – الإيجابية:

إن الإسلام لا يقنع أبدا بأن يعيش في ضمائر المؤمنين بصورة سلبية وإنما هو دعوة إلى الحركة – إلى تحرك الإنسان خليفة الله في الأرض لاستخراج كنوزها لخيره وخير البشر، فضلا عن أن صلة الود والتعاون الوثيقة بين الله والإنسان والتي تتجلى بإيمان الإنسان بأنه يتعامل مع إله حي حاضر خالق قادر رازق رحيم مجيب مريد، يتدخل مباشرة ليساعد أولئك الذين يخافونه ويحتاجون إلى عونه، وما يخلف ذلك كله من ثقة ودعة في النفس تنعكس في الانطلاق نحو التحرك والعمل دون أدنى وجل، تبرز هذه الإيجابية الإسلامية بكل جلاء.

ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما.

فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه أن الله غفور رحيم.

إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين.

وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم.

وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون.

ولا شك أن العلاقة الإيجابية بين الله والإنسان كما يصورها الإسلام تتباين مع فلسفة أرسطو الإلهية، فنحن نعلم بأن الفيلسوف اليوناني نادى بإله أزلي لا علاقة له بالعالم والإنسان وأفعاله كما تختلف عن الثنائية الفارسية التي تنادي بالهين: إله للخير (هرمز) وإله للشر (هرمان) يتصارعان فيما بينهما على سيادة الكون، ناهيك عن أن التصور الإسلامي يتعارض أساسا مع فلسفة أفلوطين الذي يجعل من الله ليس فقط كائنا لا يعير انتباها لما يصنعه الإنسان وإنما كائن لا وعي له حتى بذاته، فالخلق عنده عبارة عن فيض يتم على مراحل، ومن البديهي أن أمثال هذه الفلسفة لا يمكن أن تلحظ أية علاقة إيجابية بين الخالق والإنسان، وإله الإسرائيليين هو إله شعب واحد يغضب إذا عصاه ويفرح إذا أطاعه، ومثل هذا الإله القومي الخاص لا يمكن أن يعني بقيام أية علاقة وثيقة بين كل الناس، أما بالنسبة للماديين فلا جرم أن أية علاقة بين الإنسان والله معدومة لأنهم لا يعترفون أصلا بوجود إله خالق.

6 – الواقعية:

إن الإسلام ليس فكرة لا تمت إلى الواقع بصلة، وإنما هو تصور يستند إلى حقائق موضوعية يمكن ملاحظة نتائجها، هذه الواقعية تنعكس أول ما تنعكس في التصور الإسلامي للعالم الخارجي الذي يستطيع الإنسان مشاهدته وتأمله، فضلا عن أن الألوهية التي يتكلم عليها الإسلام لها نتائج ملموسة تملأ الكون بأسره، منها الوجود نفسه، كما أن هذه الواقعية تجد تفسيرا لها أيضا في تصور الإسلام للإنسان، فالإنسان الذي هو في النهاية غاية الإسلام هو الإنسان الذي نعرفه بكل ضعفه وقوته وأشواقه وتطلعاته وقدراته العقلية المحدودة، لذا فإن الطريق الذي يرسمه الإسلام للإنسان يبقى في حدود الإمكانيات البشرية، وباختصار فإن الله في الإسلام حقيقة حية مريدة فاعلة في الحياة وليس مجرد صورة محضة كما هو الحال عند أرسطو أو فكرة مطلقة كما هو الحال عند أفلاطون، مع هذا يجدر بالملاحظة أن الواقعية الإسلامية واقعية مثالية، أو بالأحرى مثالية واقعية، تحث الإنسان على العمل الدائب لبلوغ أعلى الدرجات الممكنة من الكمال.

7 – الوحدانية:

إن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يراعي مبدأ الوحدانية على وجهها الصحيح، "فاليهود" جعلوا من الله معبودا خاصا بهم، "والنصارى" أدخلوا عقيدة التثليث وشوهوا تعاليم السيد المسيح.

لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم.

وبمحافظة المسلمين على كلام الله عز وجل كما ورد في القرآن الكريم دون المس به من قريب أو بعيد، يكون الإسلام هو الدين الوحيد الذي يعترف بوحدانية الله المطلقة على وجه سليم.

خاتمة

إذا بدا للبعض أن التكرار صفة تكثر في صفحات رسالتنا، فالواقع أن تفسير ذلك قد يعود إلى رغبتنا في أن لا نغفل شيئا من نواحي تفكير سيد قطب السياسي والديني، فضلا أن التكرار ظاهرة مميزة لأسلوب سيد قطب، حتى إنه ليضيق القارئ به ذرعا في بعض الأحيان، وإنه ربما بسبب من الاتصال به تأثرنا بأسلوبه، مع هذا نود أن نذكر إلى جانب ذلك بعض الملاحظات الأخرى.

لا شك أن سيد قطب عالج موضوعات حيوية تشغل في الوقت الحاضر كافة المسلمين في مختلف أقطارهم، وربما جاز لنا أن نأخذ على مفكرنا بأنه لم يتطرق إلى جوهر الموضوع الديني والقضايا الميتافيزيقية المرتبطة به وإن كان مطالبته بذلك معناه أن يكون فيلسوفا ميتافيزقيا وهو أمر كان ينفر منه ولا يرغب أن يخوض فيه على الإطلاق، لقد آمن سيد قطب بمبادئ كانت بالنسبة إليه أمورا بديهية، كمسألة وجود الفطرة البشرية ووجود الله الواحد وصلاح التكاليف الشرعية لكل زمان ومكان إلخ .. ولم تكن كل محاولاته إلا للبرهنة أو سوق الحجج على خيرية هذه التكاليف ولعل هذا بالذات ما دفعه إلى مقارعة مختلف العقائد والفلسفات القديمة منها والحديثة، والجدير بالذكر أنه قد نجح إلى حد بعيد في استخدام منهج منطقي صارم ضمن إطار التصور الديني، لقد ألح على الجانب العملي من الدين مؤكدا على أن الفكر الصحيح هو الفكر الذي يمكن ترجمته إلى أفعال تفيد منها البشرية، وبذل غاية جهده حتى يجعل من الفكر الديني فكرا مستساغا لدى جميع العقول مستندا إلى أسلوب مباشر يتميز بالوضوح والبساطة، وربما في ذلك تكمن أصالة سيد قطب التي تميزه عن غيره من الإسلاميين المتقدمين أو المتأخرين الذين تاهوا في تفسيرات لغوية وعقلية جافة للقرآن بعيدة عن أن تكون مفهومة ومقبولة من لدن عامة الناس سواء رموا إلى ذلك أم لم يرموا، وبهذه المناسبة فإن تفسيره للقرآن في ثلاثين جزءا يشكل محاولة رائدة لتفسير مبسط وواضح، وإذا ما صح أن الموضوع الذي عالجه سيد قطب قد عولج من قبل مفكرين كثيرين غيره، فإن الشيء الجدير بالذكر هو أننا قد رأينا كيف أن مفكرا سلما حاول على ضوء أحكام القرآن الحاسمة أن يجد حلولا مناسبة لمجموعة المشاكل الإنسانية المعاصرة والتي تطرح نفسها على ضمير الملايين من المسلمين الذين يعيشون في هذا العصر المتقدم في حقل الصناعة والتكنولوجيا كمشكلة السلام العالمي والعدالة الاجتماعية والزواج والسرقة إلخ ... ولعل سيد قطب المفكر المسلم الأول الذي ألح على التمييز الصريح بين نوعين من المجتمعات مبينا خصائص كل منها، والذي أبان بوضوح كلي معنى "الحاكمية العليا" ورفض كل تمييز بين الدين كعقيدة فكرية والدين كنظام اجتماعي، قائلا بأن كل نظام يحكم الجماعة البشرية – ما عدا الإسلام – هو بمثابة دين لهذه الجماعة، فبعيد جدا إذا أن يكون سيد قطب فيلسوفا نظريا، والصحيح أن نعتبره فكرا دينيا ومصلحا اجتماعيا، وإذا كان السؤال الذي يمكن طرحه يدور حول مدى واقعية سيد قطب الذي ينادي بضرورة ووجوب إقامة السلطة المسلمة على الأرض كلها، فإن الرد على ذلك يكمن في اتحاد أكثر من ستمائة مليون مسلم ينتشرون في شتى أنحاء المعمورة، ويمتلكون القسم الأكبر من الثروة العالمية، ويحتلون أهم المواقع الاستراتيجية التي نتحكم في المواصلات العالمية، وتجعلهم القوة العالمية الأولى التي يمكن أن تقود العالم وفق شريعة الله إذا هم عزموا على ذلك.