مع ذكراها 93 لماذا اهتم حسن البنا في بداية دعوته بالمقاهي؟

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
مع ذكراها 93.. لماذا اهتم حسن البنا في بداية دعوته بالمقاهي؟


إخوان ويكي

مقدمة

"لو لم يكن للشيخ حسن البنا - رحمه الله - من الفضل على الشباب المسلم سوى أنه أخرجهم من دور الملاهي، والسينما، ونحو ذلك، كالمقاهي، وكتلهم وجمعهم على دعوة واحدة ألا وهي دعوة الإسلام ، لو لم يكن من الفضل إلا هذا لكفاه فضلاً وشرفًا".

كان لدراسة حسن البنا - منذ صغره - للقرآن الكريم والثقافة الإسلامية أثر كبير في انطلاقته بالعمل خارج النمط المتعارف عليه للدعوة الإسلامية من خلال رواد المساجد فقط، لكنه استطاع أن يحسن استخدام طاقاته وملكاته الت وهبها الله له في ولوج الدعوة في أماكن كان المشايخ والأزهريون ينظرون إليها على أنها أماكن موبوءة لا تخرج فرد صالح.

عاصر الإمام حسن البنا نحارير بعض العلماء في عهده يُقيمون المعارك الطاحنة من أجل القضايا الفرعية بل التافهة، وكان الشافعي لا يصلي وراء الحنفي، ويتخاصمون لأن فلانا يذكر الله جهرا وبعضهم يراها بدعة، وبعضهم ينطق في التشهد بلفظ "سيدنا" قبل النبي صلي الله عليه وسلم وبعضهم لا ينطق، ونحو هذا الخبل، الذي أعاق أمتنا عن النمو في مجالات الحياة.

كان لما رأه البنا أن استلهم المنهج النبوي حينما عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه على الكبير والصغير، والغني والفقير، السادة والعبيد، أهل مكة وبطونها، ومن جاورها، حيث لم تقتصر دعوة النبي على أهل مكة فقط أو سادتها فحسب.

ولذا رأى حسن البنا منذ صغره وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والعمل على تذكير الناس بحقيقة الإسلام وتعاليمه وشعائره، فنره يشكل مع ثلة من رفاقه جمعية الأخلاق الأدبية، والتي كانت تدعو إلى مكارم الأخلاق وتغرم من يخطئ في حق إخوانه مبلغا من المال ينفق في أوجه الخير، حيث لم تقف الدعوة على زملاءه من طلاب المدرسة لكنها تعدت خارج سورها، فحينما رأى مركب قد رفع صاحبه على ساريته تمثالا عاريا في مكان ترداد فيه النساء نصحه ونهاه، وحينما وجد منه إعراضا بلغ ضابط الشرط الذي أمره بإنزاله وأكبر موقف الصغير.

ثم كانت جمعية منع المحرمات التي كانت تمارس الدعوة بطريقة بسيطة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم تستثن أحد حتى عالم القرية الشيخ زهران وكان لها أثرها بين الناس، حيث أعجبهم تطور النصيحة التي خرجت خارج نطاق العلماء والوعاظ إلى أطفال عملوا لدينهم بطرق مختلفة. (1)

مقاهي القاهرة وبداية العمل

انعكست هذه الأعمال المبكرة في سن صغير في حملته المبتكرة في الدعوة في المقاهي، والتي من خلالها تحوّلت هذه المقاهي من مكان للترفيه إلى منصة للدعوة الإسلامية.

وحينما انتقل إلى الإسماعيلية لم يتنقل الإمام البنا للدعوة بين المساجد حيث أن بها العلماء وهم أولى بها، لكنه تنقّل يخطب في المقاهي والحوانيت يدعو الناس إلى العودة إلى تعاليم الدين في مدينة أغلب سكانها من الإنجليز، شاعت فيها مظاهر التغريب حتى كادت تكون مدينة أجنبية!.

لم يجلس حسن البنا في صومعة يتعبد الله، أو يعتزل الناس بسبب ما رأه منهم من بعد عن تعاليم وشرائع الدين الإسلامي الحنيف، لكنه شعر بما يعيشون فيه، وأنهم ضحية علماء لم يقوموا بواجبهم، وحكومات عملت على تدعيم سلطة المحتل على حساب شعوبهم، وجهل سيطر وتغلغل في أركان أسرهم وأفرادهم، ولذا كان لابد من التقرب منهم وسماع أنينهم، ونفض الغبار عن وسطية الدين وشموله.

يصف حسن البنا هذه الحالة وبداية توجهة للمقاهي بقوله:

وجدت في نفسي - على أثر ما شاهدت في القاهرة من مظاهر التحلل والبعد عن الأخلاق الإسلامية في كثير من الأماكن التي لا عهد لنا بها في الريف المصري الآمن، وعلى أثر ما كان ينشر في بعض الجرائد من أمور تتنافى مع التعاليم الإسلامية ومن جهل بين العامة بأحكام الدين - أن المساجد وحدها لا تكفي في إيصال التعاليم الإسلامية إلى الناس.
وقد كان يتطوع بالوعظ في المساجد في هذا التاريخ عدد من أفاضل العلماء كان لهم أثر جميل جداً في النفوس، منهم الأستاذ عبد العزيز الخولي رحمه الله، والأستاذ الشيخ محمد محفوظ رحمه الله، والشيخ محمد العلوي مفتش الوعظ والإرشاد العام السابق، ففكرت في أن أدعو إلى تكوين فئة من الطلاب الأزهريين وطلاب دار العلوم للتدرب على الوعظ والإرشاد في المساجد ثم في القهاوي والمجتمعات العامة، ثم تكون منهم بعد ذلك جماعة تنتشر في القرى والريف والمدن الهامة لنشر الدعوة الإسلامية.
وقرنت القول بالعمل فدعوت لفيفاً من الأصدقاء للمشاركة في هذا المشروع الجليل، كان منهم الأخ الأستاذ محمد مدكور خريج الأزهر وكان لا زال مجاورا حينذاك، والأخ الأستاذ الشيخ حامد عسكرية رحمه الله، والأخ الأستاذ أحمد عبد الحميد عضو الهيئة التأسيسية للإخوان المسلمين الآن وغيرهم.. كنا نجتمع في مساكن الطلاب في مسجد شيخون بالصليبة، ونتذاكر جلال هذه المهمة وما تستلزمه من استعداد علمي وعملي.
وخصصت جزءا من كتبي، كالإحياء للغزالي والأنوار المحمدية للنبهاني، وتنوير القلوب في معاملة علام الغيوب للشيخ الكردي، وبعض كتب المناقب والسير، لتكون مكتبة دورية خاصة بهؤلاء الإخوان يستعيرون أجزاءها، ويحضرون موضوع الخطب والمحاضرات منها. (2)

ويضيف كيف خرجوا فعليا إلى التجربة العملية ولم يعيقهم الخوف من الفشل فيقول:

وجاء الدور العملي بعد هذا الاستعداد العلمي فعرضت عليهم أن نخرج للوعظ في القهاوي فاستغربوا ذلك وعجبوا منه وقالوا: إن أصحاب القهاوي لا يسمحون بذلك ويعارضون فيه لأنه يعطل أشغالهم، وإن جمهور الجالسين على هذه المقاهي قوم منصرفون إلى ما هم فيه وليس أثقل عليهم من الوعظ فكيف نتحدث في الدين والأخلاق لقوم لا يفكرون إلا في هذا اللهو الذي انصرفوا إليه؟؟
وكنت أخالفهم في هذه النظرة وأعتقد أن هذا الجمهور أكثر استعدادا لسماع العظات من أي جمهور آخر حتى جمهور المسجد نفسه. لأن هذا شيء طريف وجديد عليه والعبرة بحسن اختيار الموضوع فلا نتعرض لما يجرح شعورهم، وبطريقة العرض فتعرض بأسلوب شائق جذاب، وبالوقت فلا نطيل عليهم القول.
ولما طال بنا الجدل حول هذا الموضوع قلت لهم: ولم لا تكون التجربة هي الحد الفاصل في الأمر؟ فقبلوا ذلك وخرجنا فبدأنا بالقهاوي الواقعة بميدان صلاح الدين، وأول السيدة عائشة ومنها إلى القهاوي المنتشرة في أحياء طولون إلى أن وصلنا من طريق الجبل إلى شارع سلامة، والسيدة زينب، وأظنني ألقيت في هذه الليلة أكثر من عشرين خطبة تستغرق الواحدة منها ما بين خمس دقائق إلى عشرة.
ولقد كان شعور السامعين عجيبا، وكانوا ينصتون في إصغاء ويستمعون في شوق، وكان أصحاب المقاهي ينظرون بغرابة أول القول، ثم يطلبون المزيد منه بعد ذلك، وكان هؤلاء يقسمون بعد الخطبة أننا لا بد أن نشرب شيئاً أو نطلب طلبات، فكنا نعتذر لهم بضيق الوقت، وبأننا نذرنا هذا الوقت لله فلا نريد أن نضيعه في شيء. وكان هذا المعنى يؤثر في أنفسهم كثيراً، ولا عجب فإن الله لم يرسل نبياً ولا رسولا إلا كان شعاره الأول "قل لا أسألكم،عليه أجرا" لما لهذه الناحية العفيفة من أثر جميل في نفوس المدعوين.
لقد نجحت التجربة مائة في المائة، وعدنا إلى مقرنا في شيخون، ونحن سعداء بهذا النجاح، وعزمنا على استمرار الكفاح في هذه الناحية. وكنا نتعهد الناس بالموعظة العملية على هذه الطريقة في كثير من الأحيان. (3)

كل فعل له رد فعل

عمل المحتل منذ دخوله البلاد وفرض سياسته عليها إلى محاولات مستميتة إلى طمس الهوية الإسلامية ونشر الإباحية والالحاد وتغيب الوعي العام وطمس روح الجهاد والتصدي للغزاة.

وزاد من ذلك سقوط الخلافة الإسلامية – والتي كانت بمثابة الحامي ليكنونة الدول الإسلامية – انتشار الالحاد والتغريب والهروب من الواقع الحياتي المظلم إلى مستنقعات الرذيلة

وهي المعاني التي صورها حسن البنا بقوله:

وأنشئ في شارع المناخ – عبدالخالق ثروت حاليا - ما يسمى بالمجمع الفكري، تشرف عليه هيئة من الثيوصوفيين. (4)، وتلقى فيه خطب ومحاضرات تهاجم الأديان القديمة وتبشر بوحي جديد وكان خطباؤه خليطاً من المسلمين واليهود والمسيحيين وكلهم يتناولون هذه الفكرة الجديدة من وجهات النظر المختلفة.

وظهرت كتب وجرائد ومجلات كل ما فيها ينضح بهذا التفكير الذي لا هدف له إلا إضعاف أثر أي دين، أو القضاء عليه في نفوس الشعب لينعم بالحرية الحقيقية فكريا وعمليا في زعم هؤلاء الكتاب والمؤلفين.

وجهزت "صالونات" في كثير من الدور الكبيرة الخاصة في القاهرة يتطارح فيها زوارها مثل هذه الأفكار، ويعملون بعد ذلك على نشرها في الشباب وفي مختلف الأوساط، في وقت ان التيار المدافع عن الدين ضعيف، إلا أن توحده في العمل وفق الوسائل الحديثة قلقل من تأصير تيار التغريب نوعا ما. (5)

هدف وتخطيط

أكد حسن البنا على حلمه الذي ظل يروده طيلة حياته من أن يكون معلما مرشدا حين قال:

وهو أن أكون مرشدا ومعلما إذا قضيت في تعليم الأبناء سحابة النهار ومعظم العام قضيت ليلي في تعليم الآباء هدف دينهم، ومنابع سعادتهم، ومسرات حياتهم، تارة بالخطابة والمحاورة، وأخرى بالتأليف والكتابة وثالثة بالتجول والسياحة.

حيث أكد على هذا المعني مع بداية حياته العملية بعد انتهاء المرحلة الجامعية حينما طلب منهم استاذهم الشيخ أحمد يوسف نجاتي أن يشرح كل واحد أعظم آماله بعد إتمام دراسته، مع بيان الوسائل التي تعدها لتحقيقها

فكتب البنا:

أعتقد أن خير النفوس تلك النفس الطيبة- التي ترى سعادتها في إسعاد الناس وإرشادهم، وتستمد سرورها من إدخال السرور عليهم، وذود المكروه عنهم، وتعد التضحية في سبيل الإصلاح العام ربحاً وغنيمة، والجهاد في الحق والهداية - على توعر طريقهما، وما فيه من مصاعب - ومتاعب - راحة ولذة، وتنفذ إلى أعماق القلوب فتشعر بأدوائها، وتتغلغل في مظاهر المجتمع
فتتعرف ما يعكر على الناس صفاء عيشهم ومسرة حياتهم، وما يزيد في هذا الصفاء، ويضاعف تلك المسرة، لا يحدوها إلى ذلك إلا شعور بالرحمة لبني الإنسان، وعطف عليهم، ورغبة شريفة في خيرهم، فتحاول أن تبرىء هذه القلوب المريضة، وتشرح تلك الصدور الحرجة، وتسر هاته النفوس المنقبضة، لا تحسب ساعة أسعد من تلك التي تنقذ فيها مخلوقاً من هوة الشقاء الأبدي أو المادي، وترشده إلى طريق الاستقامة والسعادة ....).

ثم وضع طريقين للعمل للإسلام مع تأكيده أن الطريق الثاني أنفع وأجدي حيث يقول:

وأعتقد أن أجل غاية يجب أن يرمي الإنسان إليها، وأعظم ربح يربحه أن يحوز رضا الله عنه، فيدخله حظيرة قدسه، ويخلع عليه جلابيب أنسه، ويزحزحه عن جحيم عذابه، وعذاب غضبه. والذي يقصد إلى هذه الغاية يعترضه مفرق طريقين، لكل خواصه ومميزاته

يسلك أيهما شاء:

أولهما: طريق التصوف الصادق، الذي يتلخص في الإخلاص والعمل، وصرف القلب عن الإشتغال بالخلق خيرهم وشرهم. وهو أقرب وأسلم.
والثاني: طريق التعليم والإرشاد، الذي يجامع الأول في الإخلاص والعمل، ويفارقه في الإختلاط بالناس، ودرس أحوالهم، وغشيان مجامعهم ووصف العلاج الناجع لعللهم. وهذه أشرف عند الله وأعظم، ندب إليه القرآن العظيم، ونادى بفضله الرسول الكريم. وقد رجح الثاني – بعد أن نهجت الأول – لتعدد نفعه، وعظيم فضله، ولأنه أوجب الطريقين على المتعلم، وأجملهما بمن فقه شيئاً "لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون" (6)

الوقوف على حقيقة الواقع الجديد

تخرج حسن البنا في مدرسة دار العلوم في يونيو 1927م حيث جاء تعينه في مدرسة بمحافظة الإسماعيلية – والتي كانت مجهولة له - وسافر لها صبيحة يوم الاثنين الموافق 16 سبتمبر سنة 1927م، فكان أول ما فعله بعد أن حط الرحال بها، العمل على التعرف على خصال وخصائص المدينة التي نزلها، وطبيعة أهلها والأمور التي تشغلهم، ومدى قربهم وبعدهم وفهمهم لدينهم الحنيف، ورفع شعار وصاه به صديقه محمد أفندي الشرنوبي – الذي كان من ضمن من ودعوه على المحطة

حيث وصاه بقوله:

"إن الرجل الصالح يترك أثرا صالحا في كل مكان ينزل فيه،؟ نحن نأمل أن يترك صديقنا أثرا صالحا في هذا البلد الجديد عليه"، حيث أخذت هذه الكلمات مكانها من نفس الإمام حسن البنا وعمل بها.

بدأ حسن البنا بالتعرف جيدا على المجتمع الجديد دون إحداث أي فعل في البداية حيث يقول:

ويقضى هذا المدرس الجديد "يقصد نفسه حسن البنا" وقته بين المسجد والمدرسة والمنزل، لا يحاول أن يختلط بأحد ولا يتعرف إلى غير بيئته الخاصة من زملائه في وقت العمل. أما وقت فراغه فهو مكب فيه على رياضة، أو دراسة لهذا الوطن الجديد، من حيث أهله، ومناظره وخصائصه، أو مطالعة أو تلاوة، لا يزيد على ذلك شيئا مدى أربعين يوما كاملة، واضع نصب عينه كلمة زميله محمد أفندي الشرنوبي.

ويضيف مجليا طرق التعرف على ما يجري حوله بقوله:

وفي المسجد استطاع هذا النزيل الجديد، أن يعرف كثيرا من أنباء الإسماعيلية الدينية، وظروفها الاجتماعية، وقد عرف فيما عرف، أن هذا البلد تغلب عليه النزعة الأوربية إذ تحيط به المعسكرات البريطانية من غربيه وتكنفه مستعمرة إدارة شركة قناة السويس من شرقيه، وهو محصور بين ذلك، ومعظم أهله يعملون في هاتين الناحيتين ، ويتصلون بالحياة الأوربية من قريب، وتطالعهم وجوه الحياة الأوربية في كال مكان.. هذا البلد، مع هذا كله، فيه شعور إسلامي قوي، والتفاف حول العلماء وتقدير لما يقولون.
وقد عرف هذا النزيل فيما عرف أن مدرسا إسلاميا سبقه في هذا البلد، وطلع على أهله بنظرات، في الفكرة الإسلامية، بدت غريبة أمام معظمهم، ونشط لمقاومتها بعض علمائهم، فنتج عن ذلك انقسام بين الناس، وتحيز لآراء وأفكار لا تجتمع عليها القلوب، ولا تنبني معها الوحدة المنشودة التي لا تتحقق بدونها غاية.
فأخذ يفكر فيما يصنع، وكيف يواجه هذا الانقسام، وهو يرى أن كل متكلم في الإسلام، يواجهه كل فريق بفكرته، ويريد أن يضمه إلى جانبه أو أن يعلم على الأقل، أهو من حزبه أو من أعاديه، وهو يريد أن يخاطب الجميع، وأن يتصل بالجميع وأن يلم شتات الجميع؟!.
فكر طويلا في ذلك، ثم قرر أن يعتزل هذه الفرق كلها، وأن يبتعد ما استطاع عن الحديث إلى الناس في المساجد، فالمسجد وجهور المسجد هم الذين ما زالوا يذكرون موضوعات الخلاف، ويثيرونها عند كل مناسبة، وإذن فليترك هذا النزيل المسجد وأهله، وليفكر في سبيل أخرى يتصل بها بالناس، ولم لا يتحدث إلى جمهور القهوة في القهوة؟. (7)

إلى المقاهي مرة أخرى

بعدما جمع الإمام البنا المعلومات عن المدينة التي نزل بها وتعرف على إيجابياتها وسلبياتها ونقاط الخلاف بين أهلها ومواطنها، كان قراره العمل وسط رواد المقاهي – ولما لا وهي التجربة التي سلكها من قبل في القاهرة فنجحت ولم تصطدم بأحد ولم تخلق عدوات بينه وبين أحد – حيث أنه المكان الذي لم يجد فيه من يزايد عليه، أو يقف له بالمرصاد خوفا على ضياع مكانه ومكانته.

كما عرف أن الناس في المساجد منقسمون إلى فريقين فريق الشيخ موسى، وفريق الشيخ عبد السميع، وكان سبب تفرقهم الخلاف حول بعض المسائل الفرعية مثل التوسل والصلاة على الرسول بعد الأذان وغيرهما من المسائل المختلف عليها، وكان كل فريق يحاول جذب كل من لديه المقدرة على التحدث في الدين إلى جانبه، فلما وجد الإمام البنا الناس على هذا الحال اتجه لدعوة الناس على المقاهي.

لم يترك حسن البنا الدعوة في المساجد كليتا، لكنه اتجه نحوها لتعليم الأطفال التعليم العملي لتعاليم وشعائر الإسلام حتى يرسخ فيهم النموذج العملي. كما سلك الإمام البنا مع العلماء مسلك الصداقة والتوقير والاحترام الكامل، وحرص على ألا يتقدم على أحد منهم في درس أو محاضرة أو خطبة، وإذا كان له درس قدم أحدهم وتنحى له، ودعا الناس إلى سماعه، فكان لهذا الأسلوب أثره الطيب في نفوسهم مما جعلهم يحترمونه وينصتون إليه إذا تحدث.

كما استطاع البنا أن يصنع لنفسه مكانة وسط مجتمع الأعيان الذين قسمتهم الخلافات، فكان حسن البنا محبوبا من جميع الأسر التي لم تجد منه تعصب لفريق على فريق، وبهذا الأسلوب استطاع البنا أن يظفر بصداقة الطرفين واحترامهما جميعًا، ولقد كان لهذا الأسلوب أثره في اجتماع الطبقات المختلفة على دعوة الإخوان حين نشأت بعد ذلك.

بين رواد المقهى

كان للعراقيل التي وضعها أطراف الخلاف من فريق الشيخ موسى والشيخ عبدالسميع أمام الدعاة في المسجد السبب القوي في اتجاه حسن البنا إلى رواد المقاهي بالاضافة أن جمهور المقاهي كان مستهدفًا من قبل المشككين في الإسلام، والداعين إلى النصرانية.

حيث بدأت الدعوة حينما وقف شاب يدعى رستم يدعو الناس - دون وجل أو خوف - إلى النصرانية ويسب الإسلام وقواعده دون مبالاة، وقد وقف الجميع صامتين لا يعرفون ما يفعلون، وهنا انبرى حسن البنا مدافعا عن إسلامه، معرفا الناس بحقيقة الدين الإسلامي

حيث ذكرت مجلة الكشكول الجديد هذه القصة بقولها:

وإذا بشاب يناهز العشرين، ويتخطى الجميع ويقف في مواجهة المبشر ويصيح بنبرة كلها عنفوان الشباب وملؤها الإيمان والثقة في وجه المبشر: أما تستحي، وبهت الذي كفر، وتحركت قلوب القوم، وانطلق الشاب الرجل في طلاقة خلابة يسمع المسلمين الإسلام من جديد، استمر قريبًا من الساعة حين تساءلت الجماهير: مَنْ الرجل؟! مَنْ الرجل؟!.. وجاء الجواب تحمله الآذان بإعجاب "حسن البنا المدرس بالمدرسة الابتدائية. (8)

لم يترك الشيخ البنا للتردد سبيل إليه في العمل بهمة ونشاط من أجل تبليغ الناس دعوة الله، فانطلق يحقق هدفه من خلال ثلاث مقاهي.

وفي أحد المقاهى وبعد استئذان صاحبها أراد الإمام البنا أن يلفت الأنظار إليه قبل أن يتكلم في الجالسين، فتناول جذوة من النار وألقى بها إلى أعلى وسط الجالسين فتناثرت وارتاع الحاضرون، وغادروا أماكنهم مذعورين، وتلفتوا يبحثون عن مصدرها فرأوا شابًا وسيمًا واقفًا على كرسي يقول لهم: إذا كانت هذه الجذوة الصغيرة قد بعثت فيكم الذعر إلى هذا الحد، فكيف تفعلون إذا أحاطت النار بكم من كل جانب! من فوقكم ومن تحت أرجلكم، وحاصرتكم فلا تستطيعون ردها.. وأنتم اليوم استطعتم الهروب من الجذوة الصغيرة فماذا أنتم فاعلون في نار جهنم ولا مهرب منها؟!. (9)

وهو ما ذكره الشيخ البنا في مذكراته بقوله:

اختار لذلك ثلاث مقاه كبيرة، تجمع ألوفا من الناس ورتب في كل منها درسين في الأسبوع وأخذ يزاول التدريس بانتظام في هذه الأماكن. وقد بدأ هذا اللون من ألوان الوعظ والتدريس الديني غريبا في نظر الناس أولا، ثم ما لبثوا أن ألفوه وأقبلوا عليه.

كان المدرس دقيقا في أسلوبه الفريد الجديد، فهو يتحرى الموضوع الذي يتحدث فيه جيدا بحيث لا يتعدى أن يكون وعظا عاما:

تذكيرً بالله واليوم الآخر، وترغيبا وترهيبا، فلا يعرض لتجريح أو تعريض، ولا يتناول المنكرات والآثام التي يعكف عليها هؤلاء الجالسون بلوم أو تعنيف، ولكنه يقنع بأن يدع شيئا من التأثير في هذه النفوس وكفي. وهو كذلك يتحرى الأسلوب فيجعله سهلا جذابا مشوقا، خليطا بين العامية أحيانا، ويمزجه بالمحسات والأمثال والحكايات،ويحاول أن يجعله خطابيا مؤثرا في كثير من الأحيان
وهكذا يتحايل دائما على جذب هذه النفوس باعثا الرغبة والشوق إلى ما يقول،وهو بعد هذا لا يطيل حتى لا يمل،ولكنه لا يزيد في الدرس على عشر دقائق،فإذا أطال فربع ساعة، مع الحرص التام على أن يوفي في هذا الوقت معنى خاصا، يقصد إليه، ويتركه وافيا واضحا في نفوس السامعين، وهو حين يعرض - فيما يعرض - لآية أو حديث يتخير تخيرا مناسبا، ثم يقرأ قراءة خاشعة، ثم يتجنب التفاسير الاصطلاحية، والتعليقات الفنية، ويكتفي بالمعنى الإجمالي يوضحه، والاستشهاد المقصود يشرحه. (10)

مكاسب الدعوة في المقاهي

أحدث تصرف الشيخ البنا ردود فعل كبيرة حيث تكلم وتهامس الجميع عن هذا الداعية الشاب الذي يرتدي البدلة والطربوش ويعظ الناس في المقاهي؟.

كما رصد الشيخ البنا ردود الأفعال ووضعها نصب عينه بالتحليل ومعالجة الأخطاء، حيث يقول:

كان لهذا المسلك أثره في الجمهور الإسماعيلى. وأخذ الناس يتحدثون ويتساءلون، وأقبلوا إلى هذه المقاهي ينتظرون، وعمل هذا الوعظ عمله في نفوس المستمعين، وبخاصة المواظبين منهم، فأخذوا يفيقون ويفكرون، ثم تدرجوا من ذلك إلى سؤاله عما يجب أن يفعلوا ليقوموا بحق الله عليهم وليؤدوا واجبهم نحو دينهم وأمتهم، وليضمنوا النجاه من العذاب، والفوز بالنعيم، وابتدأ هو يجيبهم إجابات غير قاطعة جذبا لانتباههم واسترعاء لقلوبهم، وانتظارا للفرصة السانحة، وتهيئة للنفوس الجامحة. (11)

وحينما وجد الجد والعزم في نفر من الناس الذين تأثروا بدعوته كانت الخطوة العملية للاتحاد في عمل جماعي لتصحيح مفاهيم الإسلام عند الناس

حيث يقول:

وتوالت الأسئلة على المدرس من هذه القلوب المؤمنة الطيبة، ولم يشف غليلها هذا الجواب المقتضب، وألح نفر من الإخوان، في وجوب رسم الطريق التي يجب أن يسلكوها، ليكونوا مسلمين ينطبق عليهم بحق وصف الإسلام، فهم يريدون أن يتعلموا أحكام الإسلام بعد أن تحرك وجدانهم بشعور أهل الإسلام، فيشير عليهم المدرس باختيار مكان خاص يجتمعون فيه بعد دروس المقهي أو قبلها ليتدارسوا هذه الأحكام، ويقع اختيارهم على زاوية نائية في حاجة إلى شيء من الرميم والتصليح للاجتماع ولإقامة الشعائر. (12)

يا الله.. ما أطيب قلوب هذا الشعب، وما أعظم مبادرته إلى الخير، متى وجد الداعية المخلص البريء: لقد أسرع هؤلاء الإخوان، وفيهم أهل المهن المعمارية المختلفة إلى الزاو ية يرممونها، و يستكملون أدواتها، ويهيئونها لما يريدون وفي ليلتين اثنتين استطاعوا أداء المهمة على أكمل وجوهها وانعقد بالزاوية أول إجتماع.

كان المجتمعون حديثي عهد بالتعبد، أو بعبارة أدق كان معظمهم كذلك، فسلك بهم المدرس مسلكاً عملياً بحتاً. إنه لم يعمل إلى العبارات يلقيها، أو إلى الأحكام المجردة يرددها ولكن أخذهم إلى (الحنفيات) تواً، وصفهم صفاً ووقف فيهم موقف المرشد إلى الأهمال عملا عملاً، حتى أتموا وضوءهم، ثم دعا غيرهم، ثم غيرهم، وهكذا أصبح الجميع يتقنون الوضوء عملاً، ثم أفاض معهم في فضائل الوضوء الروحية والبدنية والدنيوية.

ثم ينتقل بهم بعد ذلك إلى الصلاة شارحا أعمالها، مطالبا إياهم بأدائها عمليا أمامه، ذاكرا ما ورد في فضلها، مخوفا من تركها، وهو في أثناء ذلك كله يستظهر معهم الفاتحة، واحدا واحدا، ويصحح لهم ما يحفظون من قصار السور، سورة سورة.

ثم هو في أثناء ذلك كله، وخلال كل مجلس من مجالسه، يطرق باب العقيدة الصحيحة فينميها ويقويها ويثبتها بما يورد من آيات الكتاب الحكيم، وأحاديث الرسول العظيم، وسير الصالحين، ومسالك المؤمنين والموقنين. ولا يعمد كذلك إلى نظريات فلسفية، أو أقيسة منطقية

وإنما يلفت الأنظار إلى عظمة الباري في كونه، وإلى جلال صفاته بالنظر في مخلوقاته، ويذكر بالآخرة في أسلوب وعظي تذكيري لا يعدو جلال القران الكريم في هذه المعاني كلها، ثم لا يحاول هدم عقيدة فاسدة إلا بعد بناء عقيدة صالحة، وما أسهل الهدم بعد البناء وأشقه قبل ذلك، وهي نظرة دقيقة، ما أكثر ما تغيب عن إدراك المصلحين الواعظين. (13)

ثمار المقاهي

كان لدعوته في المقاهي ثمار كثير حيث عرفه المجتمع الإسماعيلاوي وانجذب كثير من الناس إلى طريقة دعوته وشرحه السلسل لمعاني الإسلام، وتبسيطه لأحكامه التي كانوا يرون فيها شيئا عظيما، ووحد الصفوف ونبذ الفرقة والخلاف فيما بينهم

حيث صور هذا الأمر بقوله:

الله تبارك وتعالى يرضى منا بالحب والوحدة ويكره منا الخلاف والفرقة، فأرجو أن تعاهدوا الله أن تدعوا هذه الأمور الآن وتجتهدوا في أن نتعلم أصول الدين وقواعده ، ونعمل بأخلاقه وفضائله العامة وإرشاداته المجمع عليها، ونؤدي الفرائض والسنن وندع التكلف والتعمق حتى تصفو النفوس ويكون غرضنا جميعا معرفة الحق لا مجرد الانتصار للرأي.
واستخدم الأسلوب العقلي مرة أخرى في حل الخلاف ونبذ سبل الفرقة حينما ضرب لهم مثلا عن صلاة الشافعي والحنفي، ثم قال: "يا سبحان الله يسعكم السكوت في مثل هذا وهو أمر بطلان الصلاة أو صحتها، أولا يسعكم أن تتسامحوا مع المصلي إذ قال في التشهد اللهم صل على محمد أو اللهم صل على سيدنا محمد وتجعلون من ذلك خلافا تقوم له الدنيا وتقعد" وكان لهذا الأسلوب أثره فأخذوا يعيدون النظر في موقف بعضهم من بعض، وعلموا أن دين الله أوسع وأيسر من أن يتحكم فيه عقل فرد أو جماعة. (14)

وبعد مرور نصف عام من العمل وسط المجتمع البسيط تكللت بالنجاح في نهاية المطاف بتكوين جماعة للعمل من أجل نشر وتصحيح المفاهيم الصحيحة للإسلام، والتي استطاعت أن تصل بمفهوم الإسلام الشامل إلى قلوب الناس قولا وعملا، فكانت جماعة الإخوان المسلمين التي تأسست في مارس من عام 1928م.

المراجع

  1. حسن البنا: مذكرات الدعوة والداعية، درا التوزيع والنشر والإسلامية، 2001م.
  2. حسن البنا: مرجع سابق.
  3. حسن البنا: مرجع سابق.
  4. الثيوصوفيا مصطلح ديني فلسفي ظهر في جذوره الأولى كممارسات روحية في الشرق الأقصى القديم بشكل خاص، ولكنه، مصطلحٌ، ظهر على يد أمونيوس ساکاس في العصر الهيلنستي، وهي من الدعوات الهدامة للدين.
  5. حسن البنا: مرجع سابق.
  6. حسن البنا: مرجع سابق.
  7. حسن البنا: مرجع سابق.
  8. مجلة الكشكول الجديد : السنة الثانية – العدد 54 – 9 ذي الحجة 1367هـ - 12 أكتوبر 1948م، صـ8.
  9. محمود عبد الحليم: الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ – الجزء الأول، دار الدعوة الإسكندرية، 1999م، صـ66
  10. حسن البنا: مرجع سابق.
  11. حسن البنا: مرجع سابق.
  12. حسن البنا: مرجع سابق.
  13. حسن البنا: مرجع سابق.
  14. حسن البنا: مرجع سابق.