مستقبل الصحوة الإسلامية

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
مستقبل الصحوة الإسلامية

بقلم : الداعية فتحي يكن

محتويات

محاور البحث

  1. واقع الصحوة الاسلامية .
  2. التحديات الداخلية التي تواجه الصحوة الاسلامية .
  3. التحديات الخارجية التي تواجه الصحوة الاسلامية .
  4. حاجة الصحوة الى التطور .
  5. حاجة الصحوة الى مرجعية إسلامية عالمية راشدة وفاعلة .
  6. حاجة الصحوة الى مشروع إسلامي عالمي شامل .


الحلقة الأولى

واقع الصحوة الاسلامية وواقع الساحة الاسلامية

إن من يراقب ويتابع بدقة وصدق واقع الساحة الاسلامية اليوم ، يكتشف أن الحالة الاسلامية في العالم باتت أوسع نطاقا وأقوى فاعلية من قدرة الحركة والتنظيم على استيعابها وضبطها وقيادتها وتوجيه مسارها ..

والمشكلة لاتكمن في الحالة الاسلاميةوانما في الحركة الاسلامية ؟ مشكلة الساحة الاسلامية انها لم تتطور أوتطور نفسها بالقدر الذي يمكنها من قياد الحالة .. وواقع الحالة أنها في نموعفوي جامح غير مبرمج أو موجه لغياب الحركة القادرة على ضبطها والارتقاء بها : وعيا وتربية وخطابا واداء على كل صعيد .

ومشكلة الساحة أن قيادتها لاتزال قيادات شرائح لا قيادات أمة .. وأن مناهجها ومخططاتها وسياساتها وتفاعلها مع ما يجري حولها ودورها فيما يجري حولها ، لم يرق الى مستوى الامساك بالحالة والسير بها وفق مشروع اسلامي عالمي متكامل ؟

مشكلة الحركة أنها لاتزال مستهلكة في مفردات همومها وخصوصياتها ، ولم تخرج من شرنقة الهم الفئوي الى آفاق الهم الاسلامي العالمي ؟


من مشكلات الساحة الاسلامية

هذا الواقع المرضي تسبب بنشوء الكثير من المشكلات والعلل لدى الحالة الاسلاميةوعلى الساحة الاسلامية من ذلك :

- تفاقم ظاهرة التعددية وتكاثر الحركات والتنظيمات والفئات المنتسبة الى الاسلام .

- غياب أي مشروع تنسيقي تعاوني بين هذه الفئات .

- تشكُـل حالة صراع ونزاع بين هذه الفئات وصلت حد التكفير واهدار الدم .

- بروز حالات انفصام سلوكي-كريهة ومسيئة-بين المبدأ والتطبيق ، وبين القول والعمل،وبين الاسلام والاسلاميين.

- اتساع نطاق الاختراق الامني والسلطوي والفكري والمالي للساحة الاسلامية .

- ظهور أنماط من التطرف والعنف لم يسبق أن عرفها الاسلام في تاريخه الطويل .

ولكن ما العمل ؟

إنه لابد من الاعتراف بهذا الواقع أولا ، والاحساس بعظيم مسؤوليات الجميع عن هذا الواقع ، ثم المبادرة الجادة الصادقة لتصحيح هذا الواقع ـ عبر خلوات ولقاءات ومؤتمرات متخصصة ، وأجهزة متفرغة ، لمتابعة الخطى ، ووضع المنهجيات ، وتوفير الآليات والامكانيات اللازمة ، التي تحقق الانتقال بالساحة الاسلامية الى مستوى الاسلام عقيدة وشريعة وسلوكا ، كما الى مستوى العصر ومستوى المرحلة وتحدياتها ومؤامراتها ، فضلا عن مستوى آمال وتطلعات الصحوة الاسلامية وجماهيرها في كل مكان ، { وإن الله لهادي الذين آمنوا الى صراط مستقيم }


الحلقة الثانية

تحديات داخلية في مواجهة الصحوة الاسلامية

تواجه الصحوة الاسلامية في هذا العصر معوقات على كل صعيد .. وهذا ليس بمستغرب .. فالاسلام منذ العهد النبوي الأول ، وعلى امتداد التاريخ الاسلامي واجه الكثير الكثير من التحديات والمعوقات والمؤامرات .. وسيبقى الاسلام في ميدان المواجهة حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

فالاسلام دعوة الحق ، ومن طبيعة الحق أنه في معركة دائمة مع الباطل ، وهذه سنة الله في الحياة ، ولن تجد لسنة الله تبــديلا : { وكذلك نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فاذا هو زاهق ، ولكم الويل مما تصفون }

المعوقات كثيرة ، ويصعب حصرها وإحصاؤها،وحسبي أن اتناول بعضا من عناوينها مع شيء من الشرح ، تاركا التفصيل والتوسعة لغير هذا المقام:

أبدا بالتحديات الداخلية لأنها الأهم والأخطر على المشروع الاسلامي .. هذه التحديات تتمثل في العديد من الظـــواهـر، من ذلك :

- ظاهرة تعددية الكيانات والفئات والمشاريع على الساحة الاسلامية .. مما يستهلك طاقاتها في صراعات داخلية تشغلها عن أداء دورها ، كما عن مواجهة خصومها وما يراد بها ويعد لها .

فليس هنالك من مشروع اسلامي عالمي واحد في مواجهة تحدي العولمة أو عالمية التحدي .

- ظاهرية اختلاف وتناقض المنهجيات الاسلامية المعتمدة ، وبخاصة في السنوات العشر الأخيرة حيث طفت على ساحة العمل الاسلامي أنماط شتى من المنهجيات الموغلة في التطرف والغلو،بجانب أخرى قبورية توشك أن تعطل دورة الحياة ، وسنة الأخذ بالاسباب ؟

- ظاهرة التخلف ورفض التطور ، والعمل على تأصيل هذا المنحى ، إذ هو بزعم أصحابه ، ابتداع في الدين .. مما يؤدي الى الجمود عن فهم طبيعة العصر ، والقعود عن الاعداد المتكافيء ومستوى العصر ؟

- ظاهرة إنكفاء وتدني المستوى التربوي بمفهومه الكامل ومنه الروحي ، نتيجة تعطل العمل بفقه الاولويات ، وغلبة النزعات الشخصية ، وتعدد مراكز القوى ، وعدم ملاءمة المناهج والبرامج التربوية مع تحديات ومتطلبات العصر ، وعدم الأخذ بسنة الثواب والعقاب ، وندرة المربين وضعف المحاضن التربوية .

- عدم الأخذ بوسائل العصر في إعداد الكوادر القيادية وتأهيلها، عبر دورات تدريبية ، بحسب المهمات والأدوار والاختصاصات .

- عدم الاهتمام بمعايير ومتطلبات الجودة والاتقان في قطاعات العمل المختلفة ، في زمن بات الأداء والانتاج في العالم،كما المؤسسات ، محكوما بشهادة (الايزو)، مما يخالف النص النبوي القائل : { إن الله يحب من أحدكم إذا عمل العمل ان يتقنه }


الحلقة الثالثة

تحديات خارجية في مواجهة الصحوة الاسلامية

إن التحديات الخارجيةأكثر من أن تحصى .. ويكفي أن نستعراض هنا أهمها أبرزها:

  1. تحدي الواقع الرسمي في الدول الاسلامية والذي يتعامل مع الساحة الاسلامية بعداء،نتيجة شكه فيها وعدم اطمئنانه لها، وخوفا من أن تعمل على إسقاطه وتغييره،كما نتيجة الجنوحات المرتكبة باسم الاسلام ، أوالسياسات المعتمدة التي تحكم علاقة الساحة بالحكام والمتصفة دائما بالتوتروالتشنج وشراسة الموقف والخطاب ؟
  2. تحدي القوى والاحزاب والتيارات غير الاسلامية التي كانت بأجمعها مصنفة في خانة العداء للمشروع الاسلامي وساحته الاسلامية،باستثناء حالة التقارب الاخيرة القائمة بين الاسلاميين والقوميين .فالحركات الشيوعية وعموم التيارات اليسارية وجميع الاتجاهات العلمانية شكلت على امتداد القرن الماضي وحتى اليوم بؤرة مواجهة واجهاض للحركات الاسلامية في كل مكان ، ولا أدل على ذلك من عمليات الاجهاض التي يمارسها اللوبي العلماني في تركيا لكل حزب له أدنى صلة بالاسلام ، كحزب الرفاه والسلامة والفضيلة وغيره ؟ وما يحدث في تركيا يحدث ما يشبهه في العديد من الأقطار العربية والاسلامية؟
  3. تحدي الدول الكبري في الشرق والغرب ، وفي مقدمتها النظام الدولي الذي تحكمه وتتحكم فيه الولايات المتحدة الاميركية ، مشرعة السلاح والحرب على الاسلام والساحة الاسلامية، قبل أحداث الحادي عشر من أيلول 2001 وبعده ؟ وهي جندت لذلك أجهزتها الأمنية ومؤسساتها الاعلامية،ومراكزها المالية والاقتصادية .
  4. إختراقات الأجهزة الأمنية الاجنبية وفي مقدمها المخابرات المركزية الاميركية C.I.Aللساحة الاسلامية في عدد من الدول ، وبالتعاون مع أجهزة المخابرات المحلية ، لاستدراج الساحة الى مقاتلها ، عن طريق اصطناع فئات اسلامية تدين لها بالولاء المطلق ، أو عن طريق زرع عناصر من المرتزقة في جسم هذا التنظيم أوذاك ، أو من خلال التسلل عبر حالات من الجهل والتخلف ، الذي لا تخلو منها حركة من الحركات؟
  5. تحدي وسائل الاعلام التي اعتبرت صانعة للرأي العام منذ نشاتها ، فكيف بها وبآثارها بعد ظهور الفضائيات وثورة الاتصالات الأخيرة ؟ إنها اليوم ـ وبالرغم من حيازة الساحة الاسلامية لبعض منها ـ ذات أثر كبير في تشكيل العقل اليشري وصياغة السلوك الانساني،وهو تعمل اليوم وتجري خلاف الفطرة وعكس المنهج الرباني بشكل عام والمشروع الاسلامي بشكل خاص ؟


من التآمر الأميركي على الاسلام

كشفت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية أن وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاجون" تبحث تنفيذ مهمات دعائية سرية للتأثير على الرأي العام وصناع القرار في الدول المحايدة والأخرى الصديقة للولايات المتحدة.

وأضافت الصحيفة الإثنين 16-12-2002 أن البرنامج قد يشمل جهودا لسلب مصداقية وإضعاف تأثير المساجد والمدارس الدينية التي تقول الولايات المتحدة إنها أصبحت تربة خصبة لما تطلق عليه "التطرف الإسلامي" ومعاداة الولايات المتحدة بمنطقة الشرق الأوسط وآسيا وأوربا.

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين بوزارة الدفاع أن البرنامج قد يحتوي إقامة مدارس تقوم على تمويل أمريكي سري لتعليم "نظريات إسلامية معتدلة" من بينها توضيحات حول حرية الأديان بالولايات المتحدة.

وأشارت "نيويورك تايمز" إلى أن كثيرا من مسئولي الإدارة الأمريكية طالبوا بخطة أمريكية خارج البلاد لمواجهة "الإرهاب" تشمل "دعاية قوية وبناءة لتغيير الصورة السلبية لدى شعوب دول كثيرة عن الولايات المتحدة".

وأشارت الصحيفة إلى أن هناك عدة اقتراحات بأن يقوم الجيش بتقديم أموال لصحفيين أجانب مقابل كتابة تقارير تؤيد سياسة واشنطن، أو تأجير متظاهرين ينظمون مسيرات لمساندة السياسة الأمريكية، لكن بعض المسئولين يخشون أن يتم كشف علاقة هذه الأدوات بالإدارة الأمريكية.

هكذا يجري ويستمر التآمر على الاسلام من قبل الولايات المتحدة الاميركية .. عسكريا : من خلال حروب الابادة ..

واقتصاديا : من خلال الحصار والإفقار..وإجتماعيا:من خلال الإفساد ونشر الفساد .. وثقافيا:من خلال تشويه صورة الاسلام .. وسياسيا:من خلال مصادرة قرار الشعوب .. وأمنيا:من خلال الانقلابات والاغتيالات وتنصيب المحاسيب والأزلام على مقدرات الأمة؟

إن كان هذا ما يقومون به ويفعلون ويتأمرون .. فأين نحن ـ كأمة ـ من كل ذلك ؟هل نتفرج ؟ هل نسكت ؟ هل نستكين ؟

من أهداف الحروب الأميركية على أفغانستان والعراق وغيرها:

- إعتبارالحرب حرباً صليبية وإن حاول بوش الالتفاف على ما انزلق به لسانه ، فما تخفي صدورهم أكبر .

- وضع اليد على حقول النفط وباقي الثروات الاخرى في المنطقة .

- ترسيم خارطة جديدة لما يسمى " منطقة الشرق الأوسط " بما يحقق المصالح الأميركية اولا ثم مصالح حلفائها .

- جعل بغداد عاصمة المشروع الأميركي الشرق أوسطي ، من خلال تنصيب قيادة عراقية مرتهنة لواشنطن ارتهانا كاملا هو أشبه ما يكون بارتهان القيادة التي تم تنصيبها في أفغانستان بعد سقوط حكم طالبان .

- إنشاء كونتونات طائفية ومذهبية : > شيعية > سنية > درزية > علوية > مارونية تكون بمثابة فتائل تفجير دائمة ،تتجاوز في خطورتها الأثار التي خلفها مؤتمر [ سايكس بيكو ] التآمري في مطلع القرن الماضي وبعد سقوط الخلافة ؟

- شن حرب على الاسلام من خلال سيناروهات ذات أسلحة متعددة ، من ذلك : > العبث بمناهج التعليم الديني > توجيه الخطاب الاسلامي ليوم الجمعة > تقديم مفهوم جديد عن الاسلام ، وبحسب تعبيرهم " الاسلام المعدل " ؟

- شن حرب إبادة على الساحة الاسلامية وشرائحها المختلفة بذريعة محاربة الارهاب ، ودونما تمييز بين " منهجية متطرفة " وأخرى " معتدلة " وغيرها ؟

- فرض وتكريس العولمة " الأمرو ـ صهيونية " على المنطقة العربية والعالم الاسلامي،ومجمل دول العالم الثالث .

- دعم المشروع الصهيوني،من خلال ترحيل الفلسطينيين الى الأردن ، ومساندة إقامة دولة اسرائيل الكبرى ، من الفرات الى النيل .

هذه أبرز عناوين الحرب الاميركية على العراق ،بعد الحرب على أفغانستان ، والتي يمكن أن تتبعها حروب أخرى على عدد من الدول العربية والاسلامية كسوريا وايران وغيرها من التي لاتزال

خارج بيت الطاعة الاميركي .. نضعها أمام العرب والمسلمين ، حكاما وأحزابا وشعوبا ، كما أمام مؤتمر القمة العربية الذي يمكن أن يأتي إنعقاده بعد خراب البصرة ؟


الحلقة الرابعة

حاجة الصحوة الى التطور

من المعروف عقلا ونقلا وبداهة ، أن لكل مرحلة فقهها النظري والعملي، وأن لكل زمن وسائله وأساليبه، وأن لكل دور منهجيته وآليته .. وأن ذلك يفرض على الساحة الاسلامية ، وقادة الصحوة الاسلامية إجراء مراجعات دقيقة وعلمية وصادقة لتجاربهم،وبخاصة في أعقاب المتغيرات الكبيرة والأحداث الهامة التي تقع هنا وهناك وهنالك ..في ضوء ما مر ، وما استجد ، وما هو متوقع ، بما يحقق الجدوى الإسلامية الحقيقية من العمل الاسلامي.

التطور من سنن البقاء والعطاء :

ومما تجب ملاحظته في هذا المقام أن التطور سنة فطرية، وحاجة حياتية وفريضة شرعية، وضرورة بشرية..

فالعمل الاسلامي في مطلع القرن العشرين يجب أن يكون غيره في نهايتة أو بداية الألفية الثالثة .

كانت أهداف الساحة الاسلامية في مراحل سابقة لا تتعدى دائرة التكوين الشخصي صلاحاً وإصلاحاً.. وكانت المحاضن التربوية في مثل هذا الحجم كذلك..

كانت العملية التربوية تركّز على الجانبين الروحي والفقهي دون أن تلامس الجوانب الأخرى.. كالتربية الاجتماعية والسياسية والدعوية والحركية والإدارية والإعلامية.. وغيرها.

لم تكن الحركة الإسلامية في تلك الفترة قد أوغلت في مؤسسات المجتمع الأهلي والرسمي.. كما لم تكن ممثلة موقع نيابي أو وزاري.. كما لم تكن واحدة منها قد بلغت موقع الحكم والقرار !!

التحديث ليس كالإحداث :

ثم إن من كمال هذا الدين أن لا تناقض البتة بين أدلته القرآنية وأدلته النبوية.

وإن ظهر أحياناً ما يخالف هذه المسلّمة فإنما يعود إلى القصورالبشري عن إدراك معاني هذه الأدلة والنصوص، أو لعدم الإحاطة بكافة الأدلة والنصوص.

فالقضية إذاً في ملعبنا نحن ، وحاشى أن تكون في ملعب هذا الدين القويم.

من ذلك ما يتصل بإشكالية عدم التمييز بين الإحداث في الدين وبين تحديث أمور الدين ، وبدون أدنى توقف أمام مقاصد النصوص النبوية التي تحذر من الإحداث، والأخرى التي تشجع على التجديد والتحديث.

معنى الإحداث في الدين:

إن الإحداث والابتداع اصطلاحاً هو إدخال جديد على الدين يضاهي الدين نفسه.

وهو المحرّم والمذموم، ولو بقصد الخير والتقرب من الله تعالى.

وفيه جاء قوله: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (رواه البخاري ومسلم) وفي رواية لمسلم: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد".

وبجانب هذه الثوابت هنالك مساحة واسعة تتعلق بأمور الدين .. بالوسائل التي يخدم بها الدين.

بالطرق التي يعرض بها الإسلام.

بالأسباب التي تحقق له التمكين والمنعة في الأرض.

وهذه كلها تقع ضمن المساحة التي يتوجب فيها إعمال الفكر والرأي والإجتهاد .

إنها المساحة التي يمكن أن يفهم منها قوله: "إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها" (رواه أبو داوود والبيهقي والحاكم).

فالتجديد في مناهج التربية دون المساس بمقاصدها وخصائصها واجب لا يجوز إغفاله.

والتجديد في ملامح الخطاب الإسلامي ومفرداته وصيغته، يتأكد وجوبه من خلال قوله: "أمرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم".

والاستفادة من المناسبات والفرص المختلفة لعرض الإسلام على الناس ودعوتهم إليه تعتبر تجديداً في أمور الدين وتطويراً لوسائل خدمته وهي واجبة.

وتسخير التقنيات المختلفة التي تزخر بها المجتمعات العالمية ةالتي تتغير وتتبدل بين عصر وآخر.

كوسائل الإعلام والتعليم والسياحة والبرمجة والاستقصاء والإحصاء وكلها واجبة الاعتماد لكونها تقع ضمن دائرة الأخذ بالمستطاع من أسباب القوة التي أمر بها الله سبحانه وتعالى إلى حيث قال:{ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة}.

في ضوء ما سبق يتضح لنا أن في الشريعة جوانب وصينة ثابتة، غير خاضعة للاجتهاد والتأويل، وأخرى مرنة متسعة لاجتهاد المجتهدين في كل زمان ومكان، وبذلك تتحقق إرادة الله في بقاء هذا الدين خالداً متجدداً حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وصدق رسول الله حيث قال: "إن الله أنزل عليّ القرآن آمراً وزاجراً وسنة خالية، ومثلاً مضروباً، فيه نبؤكم، وخبر ما كان قبلكم، ونبأ ما بعدكم، وحكم ما بينكم، لا يخلقه طول الرد، ولاتنقضي عجائبه، هو الحق ليس بالهزل، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن خاصم به فلج، ومن قسم به أقسط، ومن عمل به أجر، ومن تمسك به هدي إلى صراط مستقيم، ومن طلب الهدى من غيره أضلّه الله، ومن حكم بغيره قصمه الله، هو الذكر الحكيم، والنور المبين والصراط المستقيم، وحبل الله المتين، عصمة لمن تمسّك به، ونجاة لمن اتبعه، لا يعوج فيقوم، ولا يزيغ فيستعتب، ولا تنقضي عجائبه"!!

التحديات واستشراف المستقبل :

ثم هل يعقل أن يبقى باب الاجتهاد مغلقا في وقت تمر فيه الأمة بواحدة من أخطر التحديات ..إذ باتت مستهدفة في دينها وعقيدتها، كما في أوطانها وثرواتها ومقدراتها .. والتحدي يستوجب المواجهة .. ونحن اليوم لم نعد في حاجة إلى إعادة القول حول أسباب نكباتنا واجترارها، وإنما المطلوب وبأقصى سرعة ، وضع مشروع على كافة المستويات والأصعدة السياسية والثقافية والتربوية والاقتصادية والدعوية والإعلامية الفردية والجماعية الحكومية والمجتمعية.


الحلقة الخامسة

حاجة الصحوة الاسلامية الى مرجعية عالمية راشدة وفاعلة

من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، أن الاسلام هو خاتم الرسالات، والذي يمثل قمة الكمال والاكتمال للرسالات والنبوات جميعاً، مصداقاً لقوله تعالى:(اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام ديناً).

والدعوة إلى الاسلام من هذا المنظور، ومن خلال هذا المنطق تعتبر فريضة شرعية وضرورة بشرية، ليس للمسلمين فحسب، وإنما للناس أجمعين، وصدق الله تعالى حيث يقول:(يا أيها النبي بلغ ماأنزل اليك من ربك)هذا مفهوم لا يختلف عليه أحد من المسلمين خاصتهم وعامتهم.

إنما الاختلاف واقع في تصور الدعاة والعاملين للإسلام لطرائق العمل الاسلامي وأساليبه ومناهجه، بل لكثير من مبادئه وشروطه.

هذا الاختلاف أدى إلى تعدد المدارس والتيارات الاسلامية، وإلى نشوء مشكلات كثيرة بعضها كبير وخطير، ليس على الدعوة الاسلامية فحسب وإنما على الاسلام كرسالة حضارية، الهدف منها انقاذ البشرية مما تعاني منه من بؤس وشقاء ومشكلات ومعضلات على كل صعيد.

1ـ جماعة من المسلمين لا جماعة المسلمين:

ونبدأ الكلام بتناول قضية أساسية من خلالها تتوالد المشكلات، وتتكاثر الأخطاء والمعضلات، وتتعاظم الخلافات والصراعات على الساحة الاسلامية، وهي قضية اعتبار كل فريق يدعو للإسلام أنه يمثل الاسلام، ويمثل جماعة المسلمين، وليس جماعة من المسلمين، وهذا ما يؤدي في معظم الأحيان إلى الغلو والتطرف والاستكبار، ومحاولة كل فريق إلغاء الفريق الآخر، مع أن المنظور الشرعي يخالف هذا النهج تماماً، من خلال قوله تعالى:(وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان واتقوا).

2ـ قاعدة تغير الأحكام بتغير الزمان:

وإذا كانت الهجمة على العرب والمسلمين شرسة وضارية، وعلى مستوى عال من التخطيط والوعي والدقة، فإن ذلك يقتضي مواجهتها بعمق وتخطيط وبعد نظر، ومعرفة بالعصر، وعلى قاعدة (لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان)، وفي ضوء فقه الأولويات وفقه التوازنات.

إن الدعوة وخطابها ومشروعها يجب أن يأخذ بعين الاعتبار كل الظروف المحيطة، من تركيبة المجتمع، إلى تعدديته الحضارية والثقافية، إلى انتماءاته السياسية، إلى قدراته ومشكلاته الاقتصادية، إلى علاقاته الاقليمية والدولية وإلى غير ذلك من الاعتبارت.

إن الدعوة الاسلامية حتى تتحقق أهدافها القريبة والبعيدة يجب أن يحملها مشروع عقلاني علمي، يراعي مقتضيات الواقع ومتطلبات المرحلة، ضمن بعد استراتيجي مبدئي وثوابت شرعية موثقة وقطعية الثبوت والدلالة.

إنه ليس من السياسة الصحيحة للعمل الاسلامي، تلك التي تجنح ثم تضطر إلى التراجع، وتلك التي تتطرف فتضطر إلى التساهل، وتلك التي تغالي فتضطر إلى الاعتدال، فالسياسة النبوية كانت تقوم على قاعدة ثابتة هي (أن رسول الله r ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً).

إن السياسة الصحيحة للعمل الاسلامي هي التي تحقق استمرارية العمل ونوعية الأداء ولو بفاعلية وحجم أقل، انسجاماً مع التوجيه النبوي الخالد: "القليل الدائم خير من الكثير المنقطع".

3ـ ثوابت لا بد من النزول عندها:

في الاسلام قواسم مشتركة كثيرة جامعة وموحدة، وثوابت متعددة تمثل أرضية لتلاقي واجتماع الشرائح الاسلامية والمسلمين أجمعين، وليس في الاسلام ما يفرق ويمزق، وما يكفر وينفر.

لماذا نقفز أحياناً فوق ما يجمعنا وصولاً إلى ما يفرقنا ويمزقنا؟ أليس في ذلك مخالفة لآيات قرآنية صريحة منها على سبيل المثال قوله تعالى:(ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم)(آل عمران:105)، وقوله تعالى :(واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا)(آل عمران:102) وقوله:(ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم)(الأنفال:46).

إن في الاسلام ثوابت لم تكن في يوم من الايام موضع خلاف بين المسلمين فضلاً عن الدعاة والعلماء العاملين، منها:

·إن الدعوة الى الاسلام مبدأ ثابت لا يجوز استبداله تحت أي ظرف أو مبرر بالدعوة إلى أية فكرة أو فلسفة، أو نظرية وضعية مخالفة للشريعة الاسلامية.

·وإن العمل من أجل إقامة حكم الله في الأرض، وتحكيم شرعه على الوجه الذي فعله رسول الله،ووفق القواعد والأصول التي اعتمدت، مبدأ ثابت لا يخضع لاجتهاد مجتهد أو تأويل متأول.

·وإن العمل لتحقيق وحدة المسلمين، على أساس الالتزام بالاسلام، والتقيد بأحكامه، والتحلي بأخلاقه وأدابه، ووفق خصائص الإسلام في التكامل والشمول والواقعية والعلمية والعالمية والتخطيط والتنظيم، يعتبر مبدأ ثابتاً لا يجوز أن يكون محل خلاف بين المسلمين.

·وإن السعي إلى بناء الفرد المسلم والجيل الاسلامي، وتأهيله للاضطلاع بحمل الرسالة ونقلها قولاً وعملاً وجهاداً، وتحقيقها في البيت والمجتمع، مبدأ ثبات لا يجوز التهاون فيه أو الاقلال من قيمته وشأنه.

·وإن القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفق منظور الشريعة وأولويات أحكامها، مبدأ ثابت لا يجوز تعطيله أو إلغاؤه.

·وإن دعوة أولي الأمر والنصح لهم، وحضهم على الجهاد في سبيل الله، وما يلزم ذلك من إعداد على كل كستوى وصعيد، وامتلاك أسباب القوة المتكافئة مع مهمات وأعباء المواجهة مع العدو مبدأ ثابت كذلك.

·وإن اعتبار أن الأصل في الدعوة إلى الاسلام، هو سبيل الاقناع بالحكمة والموعظة الحسنة والقدوة الصالحة، وليس سبيل الاكراه والعنف، مبدأ ثابت في الاسلام.

والاسلام ترك إلى جانب هذه الثوابت مساحات اجتهادية، تغطي كل الاحتياجات، وتتصل بأحوال وظروف وقدرات وأوضاع المسلمين لدى تطبيق الأحكام الشرعية، بما لا يشكل عبئاً على العاملين وعنتاً للمسلمين، وهو الذي كان محل اجتهاد وتباين في الرأي بين علماء الأمة، والذين اتفقوا جميعاً على أن من خالف مضمون نص لم يبلغه، أو معنى نص غير قطعي الدلالة، لأنه لم يظهر له، أو بذل جهده في استبانة مراد الشارع في مسألة، فرجح عنده فيها شيء فعمل به مخطئاً، فهو معذور.

وهذا يفرض ملاحظة ما يلي:

أ‌-أن تطبيق الحكم الشرعي يلزمه توفر شروطه.. فالدعوة إلى الاسلام فريضة لها شروط.. والجهاد فريضة وله شروط.. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب له شروط.. وإقامة حكم الله في الأرض فريضة ولها شروط.. الخ.

ب‌-وأن الأصل في الأحكام الشرعية أنها تنظر إلى كل الحالات والظروف، وليس إلى حالة وظروف محددين، والمجتهد الحق هو من عرف عصره واستقامت سيرته وسريرته.

ت‌-وأن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد.. وهي عدل كلها، ورحمة كلها، وحكمة كلها.. فكل مسألة خرجت على العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن دخلت فيها بالتأويل.. فالشريعة عدل الله بين عباده ورحمته بين خلقه.

4ـ بين الوحدة والتعددية وحدة الساحة الاسلامية فريضة شرعية:

إن مما لا شك فيه أن الأصل في الشريعة هو وحدة المسلمين، ووحدة العمل الاسلامي، ووحدة الصف الاسلامي، وليس تعدده وتشرذمه، وإن هذه الوحدة تعتبر فريضة شرعية من عدة وجوه:

أ‌-الأصل وحدة المسلمين ووحدة الأمة لقوله تعالى:(إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) (الأنبياء:92) وقوله:(وإن هذه أمتكم أمة واحدة ونا ربكم واتقون)(المؤمنون:52)، وقوله: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، (رواه مسلم وأحمد).

ب‌-والأصل في الشريعة الحض على الوحدة والبعد عن الخلاف، لقوله تعالى:(ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم)(آل عمران:105)، وقوله:(إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء)(الأنعام:159)، وقوله: "من فرق ليس منا، يد الله مع الجماعة، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية" (الطبري).

ت‌-والأصل التزام جماعة واحدة.

وإن كان المسلمون جماعات، فلا بد لهم من إطار جامع يتم خلاله التعاون بينهم لقوله:"ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائناً ما كان" (رواه مسلم)، ولحديث: "دعانا النبي فبايعناه، فقال: فيما أخذ علينا، أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان" (رواه البخاري).

5ـ وحدة الساحة الاسلامية ضرورة بشرية:

وفضلاً عن كون وحدة الساحة الاسلامية فريضة شرعية، فإنها كذلك ضرورة بشرية للمسلمين وغير المسلمين، ذلك لأسباب كثيرة منها:

أ‌-إن العمل الاسلامي وأهدافه الكبيرة ومقاصده العظمى، يستلزم تضافر قوى المسلمين جميعاً في مسيرة واحدة، وضمن خطة موحدة، في حين أن تشرذم هذه القوى سيحبط العمل، ويعرقل المسيرة، ويجعل الانتاج محدوداً على كل صعيد.

ب‌-إن وحدة التواطؤ والتآمر على الاسلام وبخاصة وحدة المشروع الاميركي الصهيوني يفرض وحدة التصدي من المسلمين، ووحدة المجابهو والاعداد منهم، لإحباط ما يعد لهم من مؤامرات على كل صعيد.

ت‌-أن تفكك الصف الاسلامي من شأنه أن يجعل بأس المسلمين بينهم، ويفتح في صفوفهم وبلادهم ثغرات يتسلل منها إليهم أعداء الاسلام، وهذا ما يجري اليوم من خلال التهافت على التطبيع مع العدو الصهيوني.

وإذا ما انتقلنا إلى واقع الساحة الاسلامي لاستكشاف حالتها وسبر أغوارها لطالعتنا الكثير من المشكلات، نذكر منها ما يلي:

أولا : خلل في البنية الفكرية:

فهنالك خلل في البينة الفكرية جعل الساحة الاسلامية في كثير من الاحيان تحفل بالشعارات، ولكن من غير محتوى، وتحفل بالنظريات، ولكن من غير تطبيق، وتحلّق في سماء الأماني والأمنيات إن لم نقل الأحلام والأوهام، ولكن على غير واقعية.

وهنالك خلل في القدرة الفقهية، جعل بعض شرائح الساحة الاسلامية يضيّقون ما وسعه الله، ويحرمون ما أحلّه الله، ويسيئون إلى جمال الاسلام وجماليته، بقصد وبدون قصد.

بل جعل البعض يعيش حالة من الاهتمام البالغ بمفردات وجزئيات لا تمت إلى جوهر العقيدة في شيء، ولا إلى جوهر الشريعة في شيء، وكلها أمور من فروع الدين المختلف عليها منذ فجر الاسلام، بدل الانشغال في القضايا الكبرى، التي لم يختلف عليها سلف الأمة ولا خلفها.

أليس جريمة في حق الاسلام والمسلمين نشوء خلاف بل صراع بلغ حد الاقتتال على الساحة الاسلامية حول جواز استعمال "السبحة"، وطول اللحية والجلباب، وموضع اليدين في الصلاة وغيرها، في وقت تتهيأ فيه اسرائيل للهيمنة على الأمة، عبر مشروع النظام الشرق أوسطي، الذي يهدد وجودنا ومصيرنا، فضلاً عن شخصيتنا وتراثنا؟!

ثانيا : الخلل في البنية النفسية:

وهنالك خلل في البنية النفسية، حيث يتحكم الهوى والمزاج بالتصرف، بدل الشرع والعقل، ويتحكم الجهل بالمسار بدل العلم والمعرفة، فإذا بشرائح إسلامية وقد استحالت جزاراً يسفك الدماء، ويروع الآمنين، ويقدم صورة بشعة مقززة عن الاسلام والمسلمين، لا تمت إلى حضارة الاسلام بصلة.

من هنا جاءت القاعدة النبوية تحدد شروطاً صارمة للدعاة، وأوصافأً دقيقة للعاملين، تتجلى في قوله : "يحمل هذا العلم من كل خلف عُدولُه، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين" ولكن في حال فقدان المرجعية الضابطة للأداء تصبح الساحة الاسلامية غابة يتشابك فيها المشروع مع غير المشروع، والجائز مع غير الجائز، ويضحى فيها الاسلام الخاسر الأكبر، ومن أبنائه قبل أعدائه.

غيبة المرجعية الراشدة والمرشدة:

إن خلو الساحة الاسلامية من مرجعية عالمية ، جعلها ساحة مستباحة ، يقتحمها من يشاء ولو كان جاهلا بالاسلام،أو متاجرا به،أو عدوا له،أو مغاليا فيه.. فإن تركت على هذا النحو اختلط فيها الصحيح والمعوج ، وأصبح الجميع سواء ..

·ففي غيبة المرجعية الراشدة والمرشدة يغيب فقه الاعتدال والوسطية، وفقه الحكمة ، وفقه المعرفة ، وفقه الولاء والبراء ، وفقه الإخلاص ، وفقه الدعوة ، وفقه النصح والمكاشفة والحسبة ، وفقه السياسة ، وفقه التربية ، وفقه الاخوة ، وفقه الخلاف ، وفقه الإحترام ، وفقه الجهاد ..

من كل ما تقدم أخلص إلى القول بأن غياب المرجعية الاسلامية الراشدة والمرشدة، والفاعلة، من شأنه أن يترك آثاراً سلبية كثيرة على ساحة العمل الاسلامي، مما يشوه صورة الاسلام، كما يشوه صورة المسلمين، في وقت يحتاج فيه العالم لهذا الدين القيم ليخرجه من جحيم المشكلات التي يعاني منها على كل صعيد، ومما يعرقل أو يعطل عمل الفئة الواعية القائمة على الحق، التي لا يضرها من خالفها حتى يأتي أمر الله.

إن الاسلام فرصة العالم الوحيدة للخروج من بؤرة التعاسة والشقاء إلى روضة السعادة والهناء.

من هنا كانت مسؤولية الدعاة دقيقة وكبيرة في تقديم الاسلام إلى العالم رسالة حضارة وحرية، رسالة سلام وأمان، رسالة رحمة وخير، رسالة تملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً.

وأملنا بحمد الله كبير في أن المستقبل لهذا الدين الذي أصبح ملء أعين العالم وسمعه وبصره.

ولا أكتم القارئ/المستمع أنني أخال الحالة الاسلامية اليوم وكأنها صوت رباني يدوي في أرجاء المعمورة بدعوة الاسلام، وقد تجاوز كل الأطر التنظيمية والكيانات الحزبية الاسلامية وغير الاسلامية.

إنها صدى قول الله تعالى لابراهيم عليه السلام يوم ابتعثه وحيداً إلى الناس وفي وادٍ غير ذي زرع، وفي صحراء قاحلة لا حياة فيها ولا انسان(وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامرٍ يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم).

إن دعاة الاسلام حتى يكونوا في مستوى هذا الدور العالمي، لا بد وأن تتميز دعوتهم بجملة خصائص منها:

·الربانية: التي يجب أن تقوم عليها الدعوة ابتداءً وانتهاءً، وسيلة ونهجاً وهدفاً.. وأن يرتبط بها الدعاة قولاً وعملاً، بحيث يتحقق التجرد، وتخلص النوايا، وتصدق النفوس، ويحصل الهدي والتوفيق، ويتحقق فيهم قول الله تعالى: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين}.

·العلمية: التي يجب أن تبنى عليها الدعوة وتتكون شخصية الدعاة من خلال فقه رشيد يلحظ مبادئ الشريعة، ويعرف طبيعة العصر، ويقرأ الأحداث كل الاحداث قراءة صحيحة، والداعية الحق هو من (عرف عصره واستقامت طريقته).

وعندها يكون العمل في مستوى العصر، ويكون الخطاب في مستوى العصر، ويكون الموقف في مستوى العصر، وتكون التربية في مستوى العصر.. الخ، وإلا كان كل شيء خارج العصر، ليس سابقاً له وإنما متخلف عنه، وغير متصل به بحال من الأحوال.

·الواقعية: وهي الخصيصة التي تفرزها العلمية لأنها وليدة الادراك والمعرفة وبعد النظر، وملاحظة السُنن الكونية، فيأتي العمل ملامساً للواقع، معالجاً له بشمول وعمق وتوازن وكليّة، فلا تفريط ولا إفراط، ولا ترخص ولا غلو، ولا هلاك بسبب تنطع، ولا إجهاض بسبب استعجال وتهور، وإنما حذر وابتعاد عن الحال الذي نهى الرسول عنه حين قال: "ألا هلك المتنطعون"، وقال: "إن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى".

·الحنيفية: التي تُكسب الدعوة سماحة الاسلام (فهي حنيفية سمحاء)، إنها ليست طائفية، وليست تعصبية، وليست فئوية وليست عرقية، وليست مذهبية، وإنما إسلامية.

ولا بديل عن الحنفية إلا التعصبية التي نهى البيان النبوي عنها حيث قال: "ليس منا من دعا إلى عصبية وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية، دعوها فإنها منتنة".

إني لأعجب حين أرى بعض المسلمين يبحثون عن قواسم مشتركة تجمعهم مع غير المسلمين، ثم هم يضيقون بمن يختلف معهم مذهبياً من المسلمين، أو ليس الأقربون أولى بالمعروف في ثوابت هذا الدين؟

وشرائع الله، كما الحكمة والمصلحة، تفرض على المسلمين الاجتماع لا التفرق، والتوحد لا التمزق، بكل ما لديهم من أسباب وقوى، وعلى كافة مستوياتهم، مع تنوع وتعدد مواقعهم وانتماءاتهم المذهبية والفئوية والقطرية.

مطلوب تحقيق خطوات رائدة على طريق التقريب بين المذاهب لأنها – بحسب الأولويات – أولى من خطوة التقريب بين الطوائف، وإن كانت كل خطوات ومحاولات التقارب والتقريب ضرورية ومطلوبة.

·الجماهيرية: التي تعطى الدعوة والخطاب الدعوي بُعداً عاماً تجريدياً، يتجاوز الأطر التنظيمية والحزبية والفئوية، كما يتجاوز مصالحها الخاصة جميعاً.

'وإن الخطاب القرآني المتكرر الذي يبدأ بـ:'(يا أيها الناس)يقطع بوجوب ملاحظة هذا البعد الرسالي الذي من شأنه أن يجعل الناس كل الناس معنيين بالخطاب وليس فريقاً أو شريحة معينة منهم فحسب.

·الانسانية: التي حض الاسلام عليها، ودعا اليها، وعمل على تحقيقها، والتي كانت سبباً رئيسياً في انتشار الدعوة في أنحاء المعمورة.

فالاسلام بين حقوق الانسان، ووضع القوانين لصيانتها وحفظها، قبل قرون طويلة من قيام المنظمات الدولية لتحقيق هذا الغرض، والتي لم تتمكن من تحقيقه حتى اليوم.

إنها الإنسانية التي أعلنها الرسول في بيانه التاريخي في حجة الوداع حيث قال: "إن الله حرم عليكم دماءكم وأعراضكم وأموالكم".

إنها إنسانية الحرية والديمقراطية.. إنسانية العدالة والمساواة، إنسانية الرأفة والرحمة، إنسانية الرفق والشفقة.

إنها الإنسانية التي تجاوزت الرفق بالانسان إلى الرفق بالحيوان.إنها الانسانية التي عناها رسول الله: "ما كان الرفق في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه" وقوله: "من أعطى الرفق فقد أعطي حظه من خير الدنيا والاخرة".

إنها الانسانية التي جعلت الفاروق عمر بن الخطاب يقول: (والله لو عثرت بغلة في العراق لكان ابن الخطاب مسؤولاً عنها).

فأين هذه الانسانية مما يشوه الساحة الاسلامية اليوم من ممارسات شاذة، وأعمال وتصرفات تقدم للعالم ذرائع، لاتهام الاسلام والمسلمين بالهمجية والارهاب، وتشغل الساحة الاسلامية بفتن داخلية، وحروب استنزاف، وتصرفها عن الخطر الداهم التي يتهدد العالم العربي والاسلامي من خلال المشروع الصهيوني والنظام الشرق أوسطي؟

وهنا لا بد من التمييز بين من يمارس الارهاب في مواجهة الكيان الصهيوني كحق من حقوق الدفاع عن النفس والمصير والأرض والعرض، كالذي تمارسه الانتفاضة المباركة في فلسطين المحتلة، والمقاومة في الجنوب اللبناني المحتل، والذي يعنيه قول الله تعالى:

(وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم)وبين من يمارس الارهاب من الداخل، ضد الوطن ومؤسساته ومواطنيه، كائناً ما كانت الأسباب والذرائع، لأن هذا المنهج ليس هو النهج القرآني في التصحيح، وليس هو النهج النبوي في التغيير، وليس له من حصاد إلا المفاسد، والقاعدة الشرعية تقول: (إن درء المفاسد يقدم على جلب المنافع)، فكيف إن لم تكن من رواءه منافع البتة؟!

إننا نعتبر أن موجة الارهاب والدموية والعنف التي تمارس داخل الأوطان، وضد الأبرياء مسلمين كانوا أم غير مسلمين، ليست من طبيعة الاسلام، بل هي حالة شاذة، دفع إليها الجهل بحقيقة الاسلام عقيدة وشريعة، كما دفع إليها الجهل بالسنن والنواميس الكونية، وبالنهج الذي سار عليه الأنبياء والمرسلون جميعاً، والذي أكده خاتمهم عليه أفضل الصلاة والسلام.

هذا فضلاً من كون بعض هذه الظواهر هو نتيجة استدراج واختراق من قبل أجهزة النظام العالمي الحاقد، والمشروع الصهيوني الماكر، من أجل جر الساحة الاسلامية إلى مقاتلها، وإلى أن تقدم على الانتحار باختيارها، وهذه هي الطامة الكبرى.

إن على الساحة الاسلامية أن تدرك أن بلوغ مواقع الحكم والقرار، ليس شعاراً عبثياً، ولا يمكن أن يتحقق بشعارات وخوارق، وإنما نتيجة طبيعية لصناعة الانسان والمجتمع والوطن، ليكون في مستوى الرسالة اكتمالاً وتكاملاً اتزاناً وتوازناً، شعاراً ومحتوىً، ومظهراً وجوهراً.


الحلقة السادسة والأخيرة

حاجة الصحوة الى مشروع إسلامي عالمي شامل

ماذا نعني بالمشروع الاسلامي؟

المشروع الاسلامي يعني  : النظرية التي تبين مقاصد الاسلام ومنهجه في الحياة،والخطة التي يتحقق من خلالها التغيير الاسلامي،مضافا اليها المنهجية المعتمدة في عملية التغيير،الى جانب الآلية المطلوبة لتحقيق كل ذلك.

من هنا كان لابد لصياغة المشروع الاسلامي من وجود العناصر التالية :

- تبيان مقاصد الاسلام ومنهجه في الحياة .

- تبيان خصائص المشروع الاسلامي .

- تبيان المنهجية المعتمدة لإحداث التغيير الاسلامي .

- تبيان العقبات التي تواجه المشروع الاسلامي .

- تبيان خطة وآلية التغيير الاسلامي .

وفي هذه الدراسة سأتناول بعون الله تعالى كل نقطة من هذه النقاط ، لتكتمل في النهاية وتتضح معالم المشروع الاسلامي الذي نريد .


(1) النظريــة ..

بحسب سلم الاولويات ، لابد من البدء بالنظرية التي يقوم عليها المشروع الاسلامي،قبل الخوض بالمفردات والتفاصيل الأخرى

فالنظرية هي بمثابة فلسفة المشروع،أوالمحتوى العقائدي [الايديولوجي] للمشروع، والضابط لجوانبه الأخرى.

ومن الخطورة بمكان تناول الجوانب الاخرى – كالمنهجيةوالخطة والوسائل والآلية - قبل الفروغ من تحديد النظرية .

إن نظرية المشروع الاسلامي هي خلاصة تصور الاسلام للكون والانسان والحياة .. وتقوم هذه النظرية على عقيدة الايمان بالله تعالى ، والايمان بكتبه ورسله ، وافراده سبحانه وتعالى في الربوبية والعبودية والحاكمية ، كما تقوم على عقيدة الايمان بالبعث وقانون الثواب والعقاب ..

·ففي الجانب العبادي تهدف (النظرية) الى تعبيد الناس لله تعالى في شؤون دنياهم وأخراهم .

وأنه لا انفصال أو انفصام بين الدين والدنيا ، كما هو شأن الفلسفة العلمانية ، ومقولة فصل الدين عن الدولة مرفوضة ومردودة في الاسلام ، حيث أنه دين ودولة ، مصداقا لقولع تعالى :{ قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ، بذلك أمرت وأنا أول المسلمين }

·وفي الجانب التشريعي توجب(النظرية)الاحتكام الى الشريعة الاسلامية والتزام قضائها وأحكامها مصداقا لقوله تعالى :{ ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله امرا أن يكون لهما الخيرة من أمرهم } والشريعة الاسلامية فيها من خصائص الشمول والتجديد والسعة والعالمية والمرونة ما يجعلها صالحة لكل زمان ومكان .

·وفي الجانب السلوكي تحتم(النظرية)سلوك طريق الحق،والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وتجذير مكارم الاخلاق في حياة الفرد والاسرة والمجتمع والدولة .. وهي ترفض (الميكيافيلية)التي تقوم على تبرير الوسيلة ولو كانت ذميمة طالما أنها لغاية كريمة.

فالاسلام يحرص على طهارة الوسيلة حرصه على طهارة الغاية ؟ وقاعدة الاسلام في ذلك " أن الله لم يجعل شفاءنا فيما حرم علينا ، كما لم يجعل استقامتنا فيما نهانا عنه "

وزبدة القول في النظرية التي يقوم عليها المشروع الاسلامي أنها محكمة العرى ،وسطية الخطــى ، ثابتة المعايير ، متوازنةالمقادير { ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون }


(2) الخصائص

ينفرد المشروع الاسلامي بخصائص لاشبيه لها ولا مثيل بين سائر المشاريع الاخرى .. وسر هذه العظمة في المشروع الاسلامي أنه أحد تجليات الاسلام – ذلك الدين القيم - الذي ارتضاه الله تعالى للناس كافة وللبشرية جمعاء على اختلاف الأزمنة والأمكنة .

فهو الملائم لاحتياجات الفطرة ومتطلبات الخلقة التي فطر الله الناس عليها : { الا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير }

إن خصائص المشروع الاسلامي جعلته وتجعـله دائم التجدد والتألق ، لايعتريه القدم، ولا تنال منه الفتن والمحن ، بل إن التحديات تزيده قوة ومضاء .

وحسبي في هذه العجالة أن أستعرض بعض هذه الخصائص التي تؤهله لقيادة ركب البشرية ، وزعامة نظام عالمي تسوده العدالة والمساواة والحرية ..

·ربانية المشروع الاسلامي :

فالمشروع الاسلامي مشروع رباني لم يخالطه اسفاف بشري أو انحراف وضعي .. وما الشقاء الذي تعيشه البشرية اليوم ، والتخبط الذي تعاني منه المجتمعات والدول والامم على امتداد العالم ، الا نتيجة قوامة المشاريع والنظم والقوانين الوضعية ، القاصرة عن تحقيق السعادة والاستقرار والأمان للانسان ، وصدق الله تعالى حيث يقول :{ ومن أعرض عن ذكري ، فإن له معيشة ضنكى } أي من اعرض عن منهج الله الذي ارتضى لعباده فلن ينعم بالهناء بل ستكون حياته شقاء في شقاء ؟

·عالمية المشروع الاسلامي:

والمشروع الاسلامي مشروع عالمي،مع استيعابه للاعتبارات والخصوصيات القطرية والاقليمية ، وقدرته على تقديم الحلول المناسبة لها،وصدق الله تعالى حيث يقول : {وما ارسلناك الا كافة للناس بشيرا ونذيرا}

فاذا كان الاسلام قد كرس عالمية الدعوة والخطاب والتشريع يوم لم تكن في العالم وسائل اتصال وأدوات انتقال ، فكيف بهذا العصر الذي يشهد ثورةغير محدودة في عالم الانترنت والفضائيات ، حيث باتت المعلومة تعم الدنيا كلها بلمح البصر ؟

واذا كانت العولمة تعتمد تطويع العالم وتطبيعه قسرا ، فان من حق المسلمين أن يلتقوا على مشروع عالمي لا إكراه فيه لآحد على اعتناقه واعتماده لأنه { لا إكراه في الدين }

·إنسانية المشروع الاسلامي:

والمشروع الاسلامي مشروع انساني لا مكان فيه لتعصب وعصبية ، فانسانيته فوق كل الاعتبارات الطائفية والمذهبية والقبلية والقومية ، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول : { أيها الناس .. إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعاظمها بالآباء ، كلكم لآدم وآدم من تراب } وفي موضع أخر يقول : { ليس منا من دعا الى عصبية ، وليس منا من قاتل على عصبية ، وليس منا من مات على عصبية .. دعوها فانها منتنة }

بل إن انسانية المشروع الاسلامي بلغت شأواً لايـُرقى اليه حين ساوت في العطاء الرعائي بين عموم الناس، على اختلاف الوانهم وأجناسهم وإثنياتهم ، من خلال قوله صلى الله عليه وسلم  :{ الخلق كلهم عيال الله ، أحبهم اليه أنفعهم لعياله } وحين سجل الخطاب القرآني سبقا في الانفتاح على الآخر، تعارفا وحوارا وتعاونا ، فقال تعالى :{ يا أيها الناس ، إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ، إن أكرمكم عند الله اتفاكم ، إن الله عليم خبير }

·مرونة المشروع الاسلامي :

ومرونة المشروع الاسلامي تمنحه القدرة على استيعاب مشاكل الحياة المتجددة والمتنوعة.

فهي فتحت باب الاجتهاد لاستنباط الأحكام الشرعية فيما لا نص فيه ، وفق قواعد القياس والمصالح المرسلة والاستحسان وغيرها .

إنه بسب هذه المرونة في التشريع الاسلامي ، شكلت حركة الفقه والفتوى - على مدار التاريخ - مخزونا غير مسبوق ، وتراثا قل نظيره في العالم ؟ حيث بات لكل قضية كبيرة ومفردة صغيرة دراسات مؤصلة ومفصلة .

·شمولية المشروع الاسلامي:

وإذا كانت مشاريع الآخرين - ليبرالية كانت ام راديكالية – قد استهلكها النظر والاهتمام في جانب او جانبين من جوانب حياة الانسان ، كالجانب الاقتصادي على سبيل المثال ، فان المشروع الاسلامي يقوم على سد متطلبات الحياة الانسانية كلها وبدون استثناء ، ولكن وفق السنن المعتبرة والفقهيات المقدرة ، كفقه الواقع ، وفقه الأولويات ، وفقه الموازنات ، وفقه المصالح ، وغيرها من الضوابط التي لا تستقيم الحياة وترشد بدونها .

{ صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة }


(3) المـــنـــهــجــيــة

لابد للمشروع الاسلامي من منهجية يختارها ويعتمدها لتحقيق غاياته وبلوغ أهدافه، وبخاصة وأن ساحة العمل الاسلامي تغص بالكثير من المنهجيات التي يتوالد بعضها من بعض، ويتناقض بعضها مع بعض ، ويختلف بعضها عن بعض.

منهجيات شتى:

·فمن منهجية تعطل الاخذ بالاسباب ، تنتظر الخوارق والمعجزات ، كظهور المهدي، او نزول عيسى عليهما السلام .

·الى منهجية تعكف على جانب من جوانب المنهج الاسلامي لاتكاد ترى سواه ، كالجانب التربوي والروحي على سبيل المثال .

·الى منهجية مشدودة باتجاه القوة العسكرية لا ترى من دونها ما تحتسبه وتهتم به و تفكر فيه ؟

·الى منهجية مستغرقة بالفكر مهووسة به ، تظن أنه السبيل الوحيد للتغير الاسلامي ؟

·الى منهجية مشبوبة على السياسة مولعة بها ، ويمكن أن تمارسها بعيدا عن أية ضوابط شرعية ؟

·يضاف الى ذلك ظهور مدارس على اعلى درجات من التخلف الفكري ، وأخرى على أشد حالات التطرف الحركي ؟

في ضوء هذا الخليط الهائل من المنهجيات ، يتعين وضع منهجية للمشروع الاسلامي ، مستمدة من معالم وقسمات المنهجية النبوية الأولى ، ومستندة الى مباديء الاسلام وقواعد الشرع واحكام الشريعة ..

إنني لا ابالغ حين أقول بأن العمل الاسلامي يجري في كثير من الاحيان وفق الامزجة ، وفي أحسن حال ، وفق ما لدى العاملين من ملكات فكرية وفقهية ، قد تكون كلها بعيدة عن الضوابط الشرعية .. ومن هنا يبدأ التعثر والاخفاق والفشل؟

المنهجية الأمثل

وبين يدي دراستنا وتقويمنا ، وبالتالي توصيفنا لمنهجية المشروع الاسلامي، واختيارنا الاستنسابي للأمثل والأكمل من كل تلكم المنهجيات ، وجب وضع قواعد ومعايير يكون الاحتكام اليها والنزول عندها باديء ذي بدء .

من ذلك على سبيل المثال :

- الاحتكام الى السنن الالهية في كل مجالات العمل ، كسنة التغيير في عملية الاصلاح، والمحددة في قوله تعالى { إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم }

- الاحتكام الى سنة التدافع في عملية الصراع مع أهل الباطل وأعداء الاسلام ، والمبينة في قوله تعالى { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر اسم الله فيها كثيرا ، ولينصرن الله من ينصره ، إن الله لقوي عزيز }

- الاحتكام الى سنة التمكين في بلوغ مواقع الحكم والقرار والامساك بالسلطات ، والمبينة في قوله تعالى { الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الامور } وكذلك في قوله عز وجل { وعد الله الذين أمنوا منكم وعملوا الصالحات ، ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم ، ليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ـ يعبدونني لا يشركون بي شيئا }

- الاحتكام الى الفقهيات الشرعية في كل حركة التكوين والتبليغ والتنفيذ ، كفقه الواقع ، وفقه الاولويات ، وفقه الموازنات وفقه الدعوة ، وفقه الحسبة ، وفقه الخطاب ، وغيرها ..

ومن خلال كل هذه الاعتبارات ستتشكل لدينا وبصورة تلقائية وطبيعية الملامح الاساسية لمنهجية المشروع الاسلامي .


(4) المحاور الأساسية

(1) الحكم (2) الوحدة (3) المرأة (4) حقوق الانسان (5) القضية الفلسطينية

للمشروع الاسلامي محاور أساسية لابد من تحديدها واستعراضها ، لما تشكله من أهمية في مسارات العمل وسياساته ومراحله فضلا عن مستقبله ومصيره .. والمطلوب من المشروع الاسلامي أن يحسم الموقف من هذه المحار لأنها تشكل بؤرة جدل وخلاف بين العاملين في الحقل الاسلامي .

وسنتناول هنا وباختصار شديد أ برز هذه المحاور  :


(1) المشروع الاسلامي والحكم

إن من الأهداف الرئيسية للمشروع الاسلامي إقامة حكم الله في الأرض ، واستئناف الحياة الاسلامية ، من خلال تطبيق شرع الله .

فالاسلام يعتبر أن التشريع حق الله وحده ، ولا يقبل أن تكون الحاكمية لغير الله ، في أي شأن من شؤون الحياة ، إنفاذا لأمره تعالى في العديد من الآيات القرأنية ..

والمشروع الاسلامي يعتبر السعي لأقامة الحكم الاسلامي فرض عين ، لا يسقط الا باقامته ، لما يترتب على ذلك من تعطيل لشرع الله ، ورضوخ حتمي للقوانين الوضعية وللحكم بغير ما انزل الله ، وهو كفران مبين تؤكده الآيات الكريمة :{ ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الكافرون } وفي آية { الظالمون } وفي أخرى { الفاسقون }

لقد كانت المؤامرة الكبرى على الامة الاسلامية في القرن الماضي ، اسقاط الخلافة والغاءها ، والتي كانت السبب الرئيس لكل التداعيات التي شهدها المسلمون منذ ذلك الحين وحتى اليوم ، منها : نشوء الكيان الصهيوني في فلسطين ، واحتلال البلاد الاسلامية وتمزق العالم الاسلامي الى دويلات وفق معاهدة [ سايكس بيكو ]، والاحتكام الى القوانين الوضعية وتعطل فريضة الجهاد في سبيل الله ، الى مالا نهاية له من ارتكاسات على كل صعيد .


(2) المشروع الاسلامي والوحدة

إن من اولويات أهداف المشروع الاسلامي إقامة الوحدة بين الاسلاميين فضلا عن عموم المسلمين .

فالذين يتذرعون من العلماء بالاية الكريمة { ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحذة ، ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك ، ولذلك خلقهم ، وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ـ هود 118 و119 } متجاوزين الاستثناء البين في الآية المذكورة .

إن هؤلاء موكول أمرهم الى الله فيما اجتهدوا فيه ووصلوا اليه ، ولكن موقفهم هذا لا يلزم المشروع الاسلامي في شيء .

إن وحدة العمل الاسلامي ، كما وحدة المسلمين ، مبدأ من مباديء الاسلام وفريضة شرعية لايجوز تجاوزها والإقلال من شأنها وأهميتها ، والايات القرآنية والاحاديث النبوية الصحيحة المتعددة تقطع بفرضية هذه الوحدة .

ثم إن ضراوة التحدي والحرب المعلنة على الاسلام والمسلمين ، والتي تقوم بها أحلاف وجبهات عالمية ، على مستوى القارات الخمس ، وبخاصة بعد الحادي عشر من أيلول تحتم قيام تلكم الوحدة .

يضاف الى كل ذلك ، أن الدور الكبير المكلف به المسلمون ، يحتم الخروج من الدوائر الفئوية والمحلية والقطرية الى رحاب وحدة متماسكة متراصة ، تذوب فيها الأنانيات ، وتنعدم التعدديات ، وتختفي الصراعات ، وينزل فيها الجميع عند أمر الله وقوله  :{ ياأيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلك تفلحون ، وأطيعوا الله ورسوله ، ولا تنازعوا فتفشلوا ، وتذهب ريحكم ، واصبروا ، إن الله مع الصابرين } والى اللقاء في كلمة الغد إن شاء الله رب العالمين .

والمشروع الاسلامي يجب أن يلحظ الوحدة في دائرتيها الاثنتين : العربية والاسلامية ، حيث لاتناقض بينها ولا تضاد ، ما دام الاسلام يشكل المضمون العقائدي لكليهما ، وأن فشل التجارب الوحدوية السابقة إنما يعود الى اختفاء العنصر الجامع والوشيجة الاساسية الموحدة والمتمثلة بالاخوة الاسلامية ، مصداقا لقوله تعالى :{ وألف بين قلوبهم ، لو أنفقت ما في الارض جميعا ما الفت بين قلوبهم ، ولكن الله الف بينهم ، إنه عزيز حكيم }


(3) المشروع الاسلامي والمرأة

والمشروع الاسلامي يجب أن يلحظ دور المرأة في الاسرة والمجتمع والدولة والأمة وكل جوانب الحياة ، وبخاصة وأن هنالك خلافا فقهيا بين الاسلاميين حول هذا الموضوع .

إن من المفاهيم الشائعة في الساحة الاسلامية ، أن التكاليف الشرعية المتعلقة بالقطاع العام، تلزم الرجل ولا تلزم المرأة ، وبخاصة تلك المتصلة في بناء الحياة ومعترك الصراع بصرف النظر عن الخصوصيات الشرعية المتعلقة بكل منهما والتي لا يستطيع أن ينكرها أحد.

يجب أن يكون من المسلمات ، أن الاسلام يخاطب المرأة كما يخاطب الرجل سواء بسواء، في كل ما يتصل بدورهما ومسؤوليتهما العامة والآيات القرآنية في ذلك واضحة وجلية، من ذلك :

·قوله تعالى :{ من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ، فلنحيينه حياة طيبة ، ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون}

·وقوله تعالى :{ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ، يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر و يقيمون الصلاة و يؤتون الزكاة و يطيعون الله ورسوله ، اولئك سيرحمهم الله ، إن الله عزيزحكيم }

ثم إن الضوابط الشرعية التي تصون المجتمع تكاد تكون واحدة بالنسبة للرجل والمرأة، كغض البصر، وحفظ الفرج ، وعدم جواز الخلوة ، وغيرها .

ومن الأدلة العملية القاطعة في هذا النطاق ، أن المرأة في العهد النبوي الأول وعهود التابعين ومن تبعهم باحسان ، شاركت وأسهمت في الاعمال الدعوية والتربوية والاغاثية والخد مية والتجارية و السياسية و الجهادية و الخيرية وغيرها .

[ راجع كتابنا نحو صحوة اسلامية في مستوى العصر ]


(4) المشروع الاسلامي وحقوق الانسان

والمشروع الاسلامي يقف عند حقوق الانسان وقفة نوعية لا تماثلها وقفة [ شرعة حقوق الانسان ] أو أية شرعة أخرى .. فالاسلام بيـّن ابتداء : الحقوق المتوجبة لكل انسان ، ثم حض على حفظها وصيانتها ، قبل اربعة عشر قرنا من قيام المنظمات الدولية ؟

ففي دستور الله الخالد قوله تعالى في تكريم الانسان وتمييزه عن سائر المخلوقات :{ ولقد كرمنا بني آدم ، وحملناهم في البر والبحر ، ورزقناهم من الطيبات ، وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا } ..

إن هذا التكريم الرباني يشكل قاعدة لكل مفردة من مفردات التكريم ألأخرى، وأرضية لكل قانون وشرعة من شأنهما حفظ كرامة الانسان ابتداء ، ومن ثم ضمان حقوقه.

وفي سياق الموقف الاسلامي المتميز من حقوق الانسان ، يطالعنا البيان التاريخي الخالد الذي أعلنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ، حيث قال :{ إن الله حرم عليكم دماءكم ، وأعراضكم ، وأموالكم } رواه البخاري

·فحق الحرية مصون صيانة حقيقية لا وهمية ، ابتداء من حرية الانسان في التفكير والاختيار والاعتقاد ، مصداقا لقوله تعالـــى : { لا إكراه في الدين } وقوله :{ أفانت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين }

وتطالعنا من التطبيقات العملية الميدانية الصرخة المدوية التي اعلنها الفاروق عمر بن الخطاب : { متى استعبدتم الناس وقد ولتهم امهاتهم أحرارا } وقيمة هذا الخطاب أنه صدر عن الخليفة ، رأس السلطة وقمة الهرم ؟

·وحق المساواة، من الحقوق المقدسة في الاسلام ، لم يعرف التاريخ لها مثيلا من قبل، ولن يعرف لها شبيها من بعد.

إنها ليست كاكذوبة الشيوعية يوم اعلنت، الغاء الطبقات، ولا كأكذوبة المساواة الاميركية التي عرى حقيقتها التمييز العنصري داخل المجتمع الاميركي وعلى امتداد العالم ؟

إن المساواة في المشروع الاسلامي لها عمق عقيدي واصول شرعية .. من هذه الأعماق والأصول قوله صلى الله عليه وسلم :{ يا أيها الناس .. إن ربكم واحد .. وإن ااباكم واحد .. لا فضل لعربي على عجمي ، ولا لعجمي على عربي ، ولا لأحمر على على اسود ، ولا لأسود على احمر ، إلا بالتقوى .. إن اكرمكم عند الله أتقاكم }

·ومما حفل به المشروع الاسلامي من حقوق للانسان ، ويصعب حصره وإحصاؤه : حق التعبير ، وحق النقد والاعتراض ، وحق التملك ، وحق عدالة الاجور ، وحق التعليم ، وحق الطبابة ، وحق الجوار ، وحق الدفاع عن النفس ، وحق حيازة الضرورات الثلاث [ الماء والكلأ والنار ] كما ورد في الحديث النبوي ، الى ما لا نهاية .


(5).المشروع الاسلامي والقضية الفلسطينية

تشكل القضية الفلسطينية بالنسبة للمشروع الاسلامي جوهر الصراع العقيدي بين الخير والشر ، فيما تعتبرالقضية المركزية الرئيسية للأمة الاسلامية في تصديها للأمة الملعونة .

ففلسطين بتجاذبها اليوم مشروعان إثنان لا ثالث لهما :

مشروع صهيوني عنصري يهدف الى تغيير هويتها ، وفق المعادلة الهرتزلية التي تنص على [ أن فلسطين أرض بلا شعب ، واليهود شعب بلا أرض ] فهي بذلك حق لليهود دون غيرهم ؟

ومشروع اسلامي إنساني يهدف الى تحريرها الكامل من الاحتلال الصهيوني الغاشم ، واقامة حكم يعيش فيه الجميع بأمان وسلام ، طوائفهم ومقدساتهم ، على نحو ما عاشته الارض المباركة ونعمت به ، منذ الفتح الاسلامي على عهد الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وحتى الاحتلال الاسرائيلي المشئوم لها.

والمشروع الاسلامي في ضوء ذلك ، يرفض كل الحلول التي تكرس الاعتراف بالدولة العبرية ، او بالتنازل عن أية مساحة من الاراضي الفلسطينية .

والمشروع الاسلامي يعتبر التطبيع [ استراتيجية اختراق صهيوني ] لكيان الأمة ، ولمبادئها ومرتكزات وجودها ، ومدخلا لتغيير شخصيتها وهويتها ، وهو أخطر من كل الاتفاقات والمعاهدات الجانبية على خطورتها ؟

فالخطر الصهيوني من خلال [ التطبيع ] يتجاوز كل المخاطر الاخرى العسكرية والأمنية والاقتصادية ، التي تحيق بفلسطين وبالامة الاسلامية في كل مكان .

فهو الخطر الذي بمقدوره أن يدمرمقومات وخصوصيات العالم الاسلامي ، أفرادا ومجتمعات ومؤسسات من الداخل ، ويصيبها في الصميم ؟


(5)التعددية وغير المسلمين في المشروع الاسلامي

من الشبهات والاشكالات التي تطرح في مواجهة المشروع الاسلامي قول البعض، أن الاسلام لا يقبل التعددية، ولا يسمح للآخر بممارسة أي دور في الحياة السياسية والتشريعية، الى حد خنق حرية التعبير ..

ومطلوب من المشروع الاسلامي أن يقدم صور واضحة حول هذه الاشكالات المطروحة ، موثقة بأدلة شرعية ، تبين ما لغير المسلمين وما عليهم في المجتمع الاسلامي ..

الاسلام والآخر :

إن وظيفة الاسلام الاساسية هي دعوة الناس الى الاسلام ، واستيعابهم في حركته ومشروعه ومسيرته .. والخطاب القرآني لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، جاء بالصيغة التكليفية عبر العديد من الآيات ، منها قوله تعالى :{ يا أيها الرسولُ بلِّغ ما أ ُنزلَ اليك من ربك، فان لم تفعلْ فما بَلغتَ رسالته ، والله يعصمُك من الناس }

أما دليل الاهتمام بالاخر فيذخر به كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من زوايا واوجه مختلفة .. فمن الأدلة القرآنية علىالاهتمام بالآخر الحض على أن تكون الدعوة بالحكمة وبالتي هي أحسن ، مصداقا لقوله تعالى : [ أدع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ] ولقد بلغ حرص الاسلام على الآخر، ما جاء من نهي قرآني عن مجادلة حتى غير المسلمين الا بالتي هي أحسن ، فقا ل تعالى :

{ ولا تجادلوا اهل الكتاب الا بالتي هي احسن } .. بل إن السياق القرآني الذي جاء به التكليف الرباني لموسى عليه السلام في مخاطبة فرعون ـ وهو الذي قال لقومه أنا ربكم الاعلى ـ ليعتمد اسلوبا يتجلى فيه منتهى الحرص على حسن مخاطبة هذا الطاغية ومحاولة استيعابه ، فقال تعالى :{ فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى }

أما شعور البعض بصعوبة قبول الآخر ، فيعود من وجهة نظري الى التربية المفرطة في الانغلاق التنظيمي ، والتي تستصعب قبول الأخر الاسلامي ، فكيف بالعلماني والنصراني وسواه ؟ بل إن هذه التربية تدفع أحيانا الى اعتبار من يترك التنظيم ، لسبب ولآخر ، عدوا ً تجب مقاطعته ومحاربته ؟

إن قبول الآخر واستيعابه يجب أن ينطلق من قاعدة حب الخير للآخرين والحرص الصادق على هدايتهم واستنقاذهم من ضلالاتهم ، ومن القناعة الصادقة بشرعية هذا الأمر ووجوبه ، كما من خلال تأصيله وتجذيره في المشروع الاسلامي وفق العناوين العريضة التالية :

·أن الاسلام يعترف بوجود الاضداد من خلال قوله تعالى :{ ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة } هود 118

·وهو يدعو الأضداد الى التلاقي والتعارف مصداقا لقوله تعالى :{ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ،إن اكرمكم عند الله اتقاكم إن الله عليم خبير }الحجرات 13

·والاسلام يدعو الكل للتعاون على الخير ، من خلال قوله تعالى :{ وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان ، واتقوا الله إن الله شديد العقاب } المائدة 2

·والاسلام ينهى عن اعتماد سياسة القمع والاكراه مع الآخر ، من خلال قوله تعالى :{لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي } البقرة 256 وهذا منتهى الانفتاح على الآخر والاعتراف به .

·والاسلام يحذر من الاساءة الى الاخر ولو كان مشركا او علمانيا ، أو غير ذلك من خلال قوله تعالى :{ ولاتسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم } الأنعام 108

·والاسلام يدعو الى البحث عن القواسم المشتركة في دعوة الآخرين حرصا على استجابتهم واستيعابهم فيقول :{ قل يا أهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم ، ألا نعبد الا الله ، ولا يتخذ بعضنا بعضا اربابا من دون الله }ال عمران 64

·والاسلام يدعو الى التعاون والتضامن مع الأخر كائنا من كان لدرء المفاسد وجلب المصالح ، كرفع الظلم ، وتعزيز الحرية والعدالة والمساواة ، وصون حقوق الانسان .

ومن أجل ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :{ لقد حضرت في دار عبدالله بن جدعان حلفا ، ما أحب ان لي به حمر النعم ، ولو دعيت الى مثله في الاسلام لأجبت }

·ومن دلائل حرص الاسلام على الآخر ، دعوته وحضه على الاستفادة مما عنده من خير وما لديه من حكمة ، حيث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم :{ خذو الحكمة من أي وعاء خرجت } و {الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها } و{ اقبلوا الحق ممن جاء به من صغير أو كبير ولو كان بغيضا بعيدا ، وارددوا الباطل على من جاء به من قريب أو بعيد ولو كان حبيبا نسيبا }

والحقيقة أن المسلمين عموما والاسلاميين خصوصا ، مدعوون لامتثال الاسلام ومبادئه وأحكامه واخلاقه في التعامل مع الآخر ، بصرف النظر عن معتقده وفكره وفلسفته ما لم يحمل عليهم السلاح ويقاتلهم، وليتدبروا بامعان قوله تعالى :{ لاينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا اليهم إن الله يحب المقسطين }الممتحنة 8

التعددية في المشروع الاسلامي  :

ثم إنه لابد من رؤية جديدة ومؤصلة ، من قضية التعددية في المجتمع الاسلامي ، مبنية على موقف الشرع المبدئي من الآخر ، سواء كانت : تعددية أديان أو تعددية طوائف ومذاهب أو تعددية أحزاب ، في ضوء قاعــدة : { لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان }، من هذه الأحكام :

ـ أحكام التعامل مع أهل الكتاب عموما.

[ يرشح مراجعة كتاب غير المسلمين في المجتمع الاسلامي للدكتور القرضاوي]

ـ أحكام التعامل مع الأحزاب / القومية / العلمانية / الوطنية / وغيرها

ـ الآحكام المتعلقة بالجزية .

[ يرشح للمراجعة كتاب أهل الذمة للمستشار سالم البهنساوي /

ـ الاحكام المتلقة بمشاركة الآخرين في الحكم .

/ في السلطات التشريعية والتنفيذية والامنبة والعسكرية وغيرها /


الاسلام والتعامل الحضاري مع التعددية

يكفي الاسلام حضارية أنه استوعب كل الانتماءات الدينية والقومية والعرقية حين أعلن ابتداء :{ لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي } البقرة 256 ، وجاء الخطاب القرآني الآخر ليكرس حرية المعتقد بقوله تعالى { أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين } يونس 99

ولقد بلغت سماحة الاسلام في تعامله مع التعدديات المختلفة شأوا لامثيل له في الأولين والآخرين ، وبخاصة في هذا الزمان التي تفاقمت فيه حروب التصفيات العرقية والاثتية والدينية على نحو ما جرى ويجري في العديد من دول العالم كالبوسنة والهرسك والشيشان وكشمير والهند وكوسوفا وايرلندا وغيرها .

لقد احتضن الاسلام أصحاب الانتماءات الاخرى وجعلهم في عهدته وذمته ، مما يؤكده بجلاء الخطاب النبوي القــائــــل :

{ من آذى ذميا فقدآذاني ، ومن أذاني فقد آذى الله } رواه الطبراني في الأوسط ,, وفي موضع حضاري آخر يقول عليه الصلاة والسلام :{ من قتل معاهدا ، لم يرح – أي يشم – رائحة الجنة ، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما }

وهنا أود أن أنقل كلاما مميزا للمؤرخ " غوستاف لوبون " حيث وضع كتابا عنوانه "حضارة العرب " جاء فيه [ كان تأثير العرب على الغرب عظيما ، واليهم يرجع الفضل في حضارة اوروبا ، ولم يكن نفوذهم في الغرب أقل من نفوذهم في الشرق .. لقد تمتعت اسبانيا بحضارة سامية بفضل العرب ، بينما كانت بقية اوروبا غارقة في ظلام وتاخر .. ولو سار الغرب تحت راية العرب لتسامت منزلته ، ورقت أخلاق أهله ،ولما وقعوا في الحروب الدينية والمصائب التي غرقت فيها اوروبا بالدماء عدة قرون }

إنه يكفي دلالة على انفتاح الاسلامالحضاري على الآخرين في المجتمع الاسلامي وضمن الدولة الاسلامية ، أن التاريخ ذاخر بالشواهد والأدلة التي تؤكد مشاركة غير المسلمين في شؤون الحكم والادارة وفي مختلف مؤسسات واجهزة الدولة .


المشروع الاسلامي والتحالف السياسي

والمشروع الاسلامي أجاز التحالف السياسي مع الآخرين ضمن برنامج محدد ، من شأنه أن يدرأ المفاسد ويجلب المصالح ..

ولقد أعتبر البيان النبوي بشأن " حلف الفضول " الذي حضره رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الاسلام مع فئات وقوى متعددة ، من أجل رفع المظالم وتحقيق العدالة وضمان حقوق الانسان ، والذي قال فيه مشيدا بعد الاسلام :{ لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم ، ولو أني دعيت الى مثله في الاسلام لأجبت } إعتبر هذا التحالف من الأدلة التي تساق على جواز التحالف مع الآخر .

إنتهى البحث بحمد الله تعالى

المصدر