الفرق بين المراجعتين لصفحة «محمد الدسوقي بقنينه»

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
ط (حمى "محمد الدسوقي بقنينه" ([edit=sysop] (غير محدد) [move=sysop] (غير محدد)))

مراجعة ١٦:٢٣، ١٤ مايو ٢٠١٠

كله في حبك يهون يارب!!(أ/محمد الدسوقي)

كتب/حسين القباني


حينما اختار د.محمد جمال حشمت في استطلاع للراي اجرته جريدة الدستوراليومية لمائة شخصية عامة صباح ما عرف في مصر بيوم الحب شخصية " محمد الدسوقي بقنينه "ونعته "بموظف سابق بمجلس مدينة دمنهور قضي 20 عاما في المعتقل ومات 1982 بكيت لروعة الوفاء الذي ما زال موجودا داخل الجماعة ويحتاج الكثير من الوفاء والعمل المؤسسي والتواصل ليستمر !!


"الدسوقي " الذي سمعت عنه كثيرا ولم اره مرة واحدة بقيت عبارته الاشهر"كل في حبك يهون يارب " التي جاءت في ظروف محنة المعتقلات والتعذيب دائما ما تزال تسيطر علي وجداني وفؤادي حينما اقرأ مدي فداحة الضريبة التي تدفعها قيادات جماعة الاخوان وافرادها في ظل نظام مستبد غاشم عسكر كل شيء في مصر حتي وصل الي تاميم صرخات الشعب والتلاعب بها !!


فكثير من الإخوان لم يعرف الأستاذ محمد الدسوقى بقنينة ذلك الرجل المغمور الذى عاش فى سفينة الدعوة بين الزيت والسولار ، وفى الأزمات تجده يظهر على سطح السفينة ، هذا الرجل الذى عاش فى سجون عبد الناصر عشرين عاما متصلة من عام 1954 إلى 1974 ، وهو من أبناء محافظة البحيرة وكان يعمل قارئا للعدادات وإذا رأيته لا تجد فيه أى صفة من صفات الكبر أو التعالى ولكن تجد فيه التواضع الجم


فلقد وقاه الله شح النفس فكثيرا ما كان يفرح عندما يبرز أحد الإخوان فى مكان ما وكثيرا ما كان يخفى نفسه ويقدم إخوانه على نفسه دون أن يشعر أحد به. فمن فضل الله على هذه الدعوة أنه يسوق إليها بين الحين والآخر رجالاً ، امتزجت الدعوة بدمائهم وأُشربت بها نفوسهم وفقهتها عقولهم فصاروا هم الدعوة ، والدعوة هم ، إذا فكروا فلها ، وإذا تحدثوا فعنها وإذا صمتوا فشغلاً بها وإذا حاربوا فلنصرها . هي همهم بالليل وشغلهم بالنهار – إذا أكلوا وشربوا ، إذا ناموا وقعدوا ، إذا تحدثوا وصمتوا ، إذا فكروا واهتموا ، في كل أحوالهم يعيشون بالدعوة وللدعوة . فبأمثال هؤلاء يكون النصر والتمكين.


وأحسب أن من هؤلاء الأفذاذ كان الأستاذ /محمد الدسوقي بقنينه رحمه الله الذي عاش لهذه الدعوة منذ بدايتها الأولى واستمرت مسيرته معها ولها وبها ما يربو عن نصف قرن من الزمان تخللتها أفراح وأتراح ، وانتصارات وانكسارات ، اعتقالات و مطاردات ، وتعذيب وتشريد وإنشاء وتشييد ولكنه كان فى كل أحواله ذلك الجبل الشامخ الراسخ الذى لا تُطير عقله فرحه ، ولا يخلع قلبه خوف ولا يميل لإغراء ، ولا ينحرف عن طريقه وسبيله التي رسمها له الله عز وجل .


ونحن لسنا بصدد تأريخ لحياة ذلك الرجل فحياته وجهاده هي الآن بين يدي الله الكريم، يبذل له الرحمة ويُجزل له الأجر والثواب لقاء ما بذل – نحسبه كذلك والله حسيبه ولا نزكى على الله أحداً.


ولكننا نقدم نموذجاً لرجل الدعوة ورجل التربية " من كان مقتدياً فليقتدِ بمن مات فإن الحي لا تُؤمن عليه الفتنة ".


كانت توجد مطبعة بسيطة في ش 23 يوليو أمام قهوة المسيرى – مطبعة الفتوح - يمتلكها عم على مبروك قضيب والذي يجيد نظم الشعر وكان يتردد عليها رجل من المحمودية يعمل بتصليح الساعات وتجليد الكتب وكان يأتى كل حين لعم على صاحب المطبعة لضبط وتسوية ما جلده من الكتب، وفى ذات مرة جاء ومعه ابنه الصغير قائلاً : يا عم على .. نريد أن نُدخل ابنى هذا ملحقة المعلمين بدمنهور .. ولكنهم طلبوا أن يكون ولى أمره من دمنهور.. ووافق عم على أن يكون هو ولى أمر التلميذ .. ولم يكن هذا التلميذ الصغير إلا الطالب .. حسن البنا .. الذى انطلق ينشر الدعوة الإسلامية فى أرجاء المعمورة وأسس جماعة الإخوان المسلمين ، وظل عم على قضيب يذكر الشهيد ويستقبله فى حفلات الاخوان فى دمنهور ينظم الشعر مرحباً بمرشد الإخوان .


فى نفس الوقت كان قدر الله يسوق إلى هذه المطبعة قارئ عدادات يعمل بمجلس المدينة وكان يجلس بها ويتحدث مع أهلها الذين أحبوا فيه خلقه وهدوءه وصمته الطويل ، ولم يكن هذا القارئ إلا الأستاذ محمد الدسوقي بقنينه الذى لحق بركب هذه الدعوة المباركة فى رحلة استمرت خمسين عاما فقد كان ضمن الكتيبة الأولى للإخوان والتى ضمت أربعين رجلاً من رجالات الدعوة حضروا أول معسكر تربوى للإخوان فى الدخيلة وكان يشرف عليه الإمام البنا بنفسه وكان يؤمل فى هؤلاء النخبة الكثير ولم يخب ظنه فيهم ..

ويكاد كل من عايشوا الدسوقى أن يجمعوا على بساطته وتواضعه ورقته ولين جانبه . وإن من يراه لا يكاد يصدق أن هذا الرجل البسيط في زيه، التلقائي فى حديثه هو هو ذلك الداعية الكبير والمربى الفاضل والمسئول القدوة .. وكان الشباب لا يعرف قدره إلا من فلتات ألسن من عايشه طويلاً


حتى إنه كان يجلس فى شعبة شبرا بدمنهور ( منزل خيرى نوار ) بجوار مسجد الجيشى وكان من بساطته أن كل من يدخل الشعبة يظن أنه فراش أو عامل بسيط فيها حتى إنه لم يعتقل فى بدء الأمر سنة 1954 ظناً من البوليس السياسي أنه عامل يخدم المكان


  • فى السبعينات حينما بدأ العمل وانتشرت الدعوة فى أوساط الطلاب والعمال وبدأ اسم الإخوان يعود إلى الشارع من جديد شرع الإخوان فى عمل كارنيهات وبطاقات عضوية كنوع من إظهار الشرعية والقانونية فى الشارع .. فذهب الدسوقى ومعه بعض إخوانه الشباب الذين ظنوا أنهم يعرفونه جيداً إلى المركز العام لمقابلة فضيلة المرشد الأستاذ عمر التلمسانى ليوقع له على بطاقة العضوية فقال له الأستاذ عمر " إيه ده يا دسوقى ؟؟ " فيرد الدسوقى باستحياء وتواضع " سيادتك الكرنيهات يافندم عشان النظام " فابتسم الأستاذ عمر قائلاً " جه اليوم اللى أنا أوقع لك يادسوقى !! دا إنتَ اللى توقع لنا "!!


  • هو هو التلمسانى المرشد العام الذى حضر يوماً حفلاً كبيراً فى مسجد التوبة بدمنهور ، واكتظ المسجد بالحضور وامتلأت الشوارع حول المسجد بآلاف الناس الذين كانوا فى شوق لسماع ورؤية مرشد الإخوان المسلمين .. وتدافعت جموع الحاضرين بعد الحفل على الأستاذ عمر كى يقبلوه ويسلموا عليه .. فأخذه بعض الأخوة وخرجوا به من الباب الخلفي للمسجد حافى القدمين وذهبوا به إلى إحدى المحلات خلف المسجد – وذهب إليه الأستاذ الدسوقى من المسجد إلى المحل حاملاً معه حذاءه .. فقال الأستاذ عمر " إنت يا محمد اللي شايل حذائى " فرد عليه بأدب جم " ومالو يا فضيلة المرشد " فرد عليه فضيلته موجهاً كلامه للإخوان " اللي شايل حذائي ده كان مسئولى فى السجن "!!!


  • لم يسلم الدسوقى وغيره من الإخوان من التعذيب فى المعتقلات بل لعل الله عز وجل لعلمه بما له قد زاد له البلاء والتعذيب ليزيد له الأجر والتكريم كما قال الحبيب " أشد الناس بلاء النبيين ثم الذين يلونهم ثم الأمثل فالأمثل .. يبتلى المرء على حسب دينه فإن كان فى دينه صلابة زيد له فى البلاء وإن كان فى دينه رقة ابتلى على قدر دينه ".


  • اعتقل هذا الرجل عشرين عاما متواصلة 1954 – 1974 وتنقل فى سجون مصر من سجن دمنهور الى الواحات الى السجن الحربى الى سجن قنا ولاقى من التعذيب ما يشيب له الولدان والعجيب أنه لم يتحدث مطلقاً عن هذه الفترة وما لاقاه فيها بل كان يتهرب من الإجابة إذا سُئل عنها ابتغاء احتفاظه بكامل الأجر عنها عند الله


  • يقول أحد قيادات الإخوان فى دمنهور : فى أغسطس 1954 اعتقل الأستاذ الدسوقى وكان معه فى سجن دمنهور الأخ عبد المنعم التراس والذى طلب حلاقه الخاص ليحلق له فى السجن وعندما سأله الإخوان عن الدسوقى قال : لا يوجد فى جسده جزء لا يؤلمه ولم استطع أن أحلق له فقد كان شعر رأسه مختلطاً بدمائه ولحمة .


ويحكى عنه أحد الإخوان الذين عايشوه فى السجن "كان الطغاة يأخذونه من بيننا ويقومون بتعذيبه تعذيبا شديدا ليجبروه على الإعتراف .. وما أعطى كلمة واحدة يريدها معتقلوه .. وما دمعت عيناه .. قوى .. صلب .. ويحكي أخ آخر عنه أنه كان يقوم على خدمتهم فى السجن فيخيط ثيابهم ويصلح أحذيتهم


  • أثناء حفلة لتكريم أحد الإخوان الأطباء والذى أتم حفظ القرآن الكريم وحضر الحفل لفيف من الإخوان .. و كان مقدم الحفل الحاج عبد الفتاح شريف – احد القيادات التاريخية للاخوان في محافظة البحيرة-والذي لم يبدأ الحفل حتى وصل الأستاذ الدسوقى .. وأثناء تقديم الحفل .. قال الحاج عبد الفتاح : طبعاً أنا أكبر من الدسوقى بــ 10 سنوات ولكنه هو المسئول لأنه من أهل البلاء ونحن نقدم أهل البلاء .


  • وفى موقف آخر ضمهما معاً قال الحاج عبد الفتاح لمن حوله من الإخوان الشباب : انتو عارفين الأستاذ محمد ده جات عليه ايام لا يجد مياه ليشربها فشرب من بوله وقام الطغاة بتعليقه من رجليه ومن أماكن حساسة والحمد لله خرج وتزوج وانجب .. وكان الأستاذ محمد يحاول اسكاته قائلاً ليه كده ياشريف ليه كده


واكرر والكثير لا يعرف "الدسوقي " ذلك الرجل الذي عمل دائما بين الزيت والسولار والآلات فى سفينة الدعوة وعند الأزمات تجده يطفو على سطح هذه السفينة يواجه الصعاب .. هو الدسوقي الذى كان فى التحقيقات ينفى عن الكثير من الإخوان صلتهم بالإخوان حتى لا يضاروا فيقول الأستاذ محمد الفار احد الرعيل الاول للخوان في محافظة البحيرة لقد جعلنى مسئولاً عن مدارس الجمعة للأشبال وعندما سئل عنى فى التحقيقات قال أننى لست من الإخوان وأخبرنى بذلك فى السجن الحربى فى الستينات .. وهو أيضاً الذى أرسل لإخوانه فى السجن رسالة معناها أن من ضاقت به السبل فى التحقيقات فليلقى بحمله وليعترف بأن الدسوقى هو الذى قال أو هو الذى فعل او هو الذى كتب أو .. أو ....فرفع الحرج والألم عن الكثيرين من إخوانه وحمل عنهم الأذى ومن هؤلاء الحاج مبروك هنيدى والأستاذ محمد الفار وغيرهم الكثير والكثير


ويسأله المربى الفاضل المهندس حسام الدين حميدة - رحمه الله – احد تربوي الجماعة العظام : يا أستاذ محمد حضرتك أمضيت فى السجن عشرين عاماً .. إيه أصعب شئ قابلته فى السجن ؟ ويستكمل المهندس حسام أنه أمسك بيدى وضغط عليها قائلاً اصعب شئ قابلنى فى السجن هو " أن يبكى الرجل الرجل " ويعلق المهندس حسام قائلاً أنا لم أفهم هذه الإجابة وقتها ولم أفهمها إلا بعد 25 عاماً – مع أحداث العراق وفلسطين – عندما شعرنا بمعنى قهر الرجال


ولقد درسنا فى سيرة الحبيب صلى الله عليه وسلم كيف كان الحبيب – رجل الدعوة الأول – يطوف على القبائل ويعرض نفسه وبضاعته عليهم لا يمل ولا يكل .. لا يضجر ولا يسأم .. لا يجلس ولا يستريح .. كيف ذلك وقد قال له ربه " ياأيها المدثر قم فانذر " فقال هو – صلى الله عليه وسلم – لزوجه خديجة : مضى عهد النوم ياخديجة ومنذ ذلك اليوم لم ينم ويسترح وإنما يطوف باحثاً عن أنصار لهذه الدعوة ..


- وكأنى بالدسوقى وقد استلهم حياة حبيبه صلى الله عليه وسلم وجهده وجهاده – وبذله وعطاءه – فانطلق بعد خروجه من السجن وقد أمضى فيه زهرة شبابه . انطلق هو الآخر باحثاً عن أنصار .. يا الله .. بعد عشرين عاماً فى السجون والمعتقلات والتعذيب والتنكيل والتشريد والتضييق لأهله .. ها هو رجل الدعوة يخرج يبحث عن الأنصار ، يطوف بالمساجد .. ويجلس بعد الصلاة ينظر فى وجوه الشباب يبحث عن بغيته لعله يجدها فى شاب تقى نقى يقترب منه ويتعرف عليه ويعرض عليه بضاعته .


- وما كان الله الكريم ليضيع جهد ذلك الرجل المخلص – نحسبه كذلك – فكان له ما أراد وإذا به يعثر على بغيته في مسجد الجزيرى ويتعرف على بعض الشباب من أنصار السنة .. وجد فيهم الشباب والإخلاص ، والدماء الحارة والاهتمام بالإسلام والعمل له ، ووجدوا فيه الخبرة والحنان والتربية فتمسك بهم وتمسكوا به فإذا بهم بعد فترة من الزمان ، قد صدق فيهم حدسه ، من قادة العمل الإسلامي في المحافظة واذكر منهم محمد سويدان مسئول الاخوان في البحيرة الان وم.محسن القويعي عضو احد القيادات السياسية في الجماعة


  • ولم يقتصر سعيه الحثيث وبحثه المتواصل عمن يورثه هذه الدعوة على المساجد ، بل كان يستغل كل تجمع ليحدث الناس عن الدعوة


فهذا أحد الإخوان يتذكر أول مقابله له مع الدسوقى فيقول :" كان خالي عبد السلام القباني ترزياً من الإخوان القدامى ، وكان محله يقع خلف مركز الإعلام بدمنهورحالياً وكان قد أعد فى المحل مكاناً لاستقبال الضيوف .. وفى عام 1974 وعقب خروجى من الجيش كنت أذهب وأجلس عنده وكان يستقبل في محله بعض الزبائن والأصدقاء وكانت تدور مناقشات فى أحوال البلاد ، وفى يوم قابلت عنده رجل وجرت بيننا مناقشات في أمور الدين وحينما وصلنا إلى كيف الإصلاح قال : نحن الذين يهمنا الأمر وبيدنا الإصلاح .. فقلت كيف ذلك ؟؟ " فبدأ يشرح لى سنة الله فى العمل الجماعي وأن الرسول بدأ دعوته وحده ، واتفقنا على أن نتقابل مرة أخرى حتى انتظمت معه فى عمل الإخوان – وعرفت بعد ذلك من خالي أن هذا كان أسلوب الدسوقى يجلس عنده لينتقى الأفراد ويناقشهم بأسلوبه المقنع في الكلام والذي ينقلب في الحال إلى واقع عملي .


" وكان رحمه الله صاحب رسالة يجمع الناس حولها ويربطهم بمبادئها ، ويجندهم فكريا وسلوكياً لخدمتها كان ذكاؤه مدهشاً ، وذاكرته حديدية ، وقدرته على تأليف القلوب عجيبة ، كان من يجلس معه يخرج من لقائه وهو عاشق للإسلام غيور على تعاليمه راغب فى الدفاع عنه والموت في سبيله .


ذهب الدسوقى لأحد إخوانه ( سمكري ) فى دمنهــور –واضيف هنا ان هذه الشخصية الحاج خضر الوكيل احد الرعيل الاول وما زال علي قيد الحياة – وكان له معه موقف تعلم منه الأستاذ الدسوقى الكثير حيث إن الدسوقى كان وراء تجنيب هذا الأخ من الأعمال التى يقوم بها فقد كان هذا الأخ مسئولاً عن أسرتين وقائداً لثلاث عشائر جوالة في ذلك الوقت وكان هذا القرار نتيجة لوشاية ولكن الدسوقى لم يتأكد من صدقها .. وبعدما أثار الإخوان أمر هذا الأخ أرسلوا فى طلبه وذهب إليه الحاج عبد القادر العصار وقال له تعال معى على حالتك وذهب معه بملابس الشغل والسواد يغطى يده وملابسه وكانت المواجهة فى شعبة ميدان الساعة الجديدة فى حضور الأستاذ المرشد حسن الهضيبى الذي كان يزور دمنهور في الشعبة الجديدة بجوار ميدان الساعة وخلاصة الموقف أن تبين صدق هذا الأخ الذى قال أنا نشأت فى الإخوان وترعرعت بها ولا يستطيع أحد أن يمنعني من دخول دار الإخوان حتى ولو كان المرشد نفسه فليس عندنا هنا كبير أو صغير مثلى مثل المرشد .. والأستاذ الهضيبى يبتسم وقال له ترجع لأسرتك وتمسك ما تركته وفى عام 1954 حينما شعر الدسوقى بقرب اعتقاله ذهب الى هذا الأخ حاملاً معه أهم الوثائق الخاصة بالعمل – نتائج انتخابات المكاتب على مستوى المحافظة – وقال له أنت زعلان منى .؟ فرد الأخ أنا زعلان من أفعالك ، فقال له لو طلبت منك شئ تعمله ؟ .. فقال له لو العمل ده لك فلا ، فرد عليه الدسوقى هذا العمل للإخوان فقال له الأخ .. لو للإخوان سأقوم به - وكانت هذه المقابلة فى شعبة ميدان الساعة الجديدة في الجانب المقابل للاتحاد الاشتراكي سابقاً - فقال له إحرق هذه الأوراق فاحتمال اعتقالي بين لحظة وأخرى كما أنني مراقب وربما يأتون إليك فور خروجك من هنا .. وتم اعتقاله فعلاً في نفس الليلة وقضى في المعتقل عشرين عاماً وكتب على ملفه " يعتقل مدى الحياة " وأيضاً أُحتجز هذا الأخ خضرالوكيل - فى مديرية الأمن القديمة بجوار المحطة لمدة خمسة أيام يُسأل فيها عن الدسوقى والأستاذ عبد الفتاح شريف وكان يحقق معه ولم يخرجوا منه بشيء ولم يعثروا على هذه الأوراق ثم أخلوا سبيله بعد ذلك أما الأستاذ الدسوقى فقد تم اعتقاله وجاءوا بزوجته وأولاده الصغار للضغط عليه لعلهم يفوزون باسم يعتقلونه فكان يقول لهم البحيرة ليس بها رجال ولم يذكر أي اسم من إخوانه وتم ترحيله وتنقل بين العديد من السجون وبعد عشرين عاما خرج من السجن في أوائل السبعينات .. فيقول الأخ بعد عشرين عاما بينما نحن خمسة أفراد نجلس عند الحاج فتحي رخا .. قلت للأستاذ محمد نريد تنشيط العمل ونرجَّع الإخوان زى زمان فقال لي ماذا فعلت في الأوراق فقلت له " لم أحرقها " .. وفرح الدسوقى بها وبدأ مع إخوانه من جديد وكان حديث الثلاثاء فى مسجد الهداية حيث يخطب الشيخ محمد العريان امام المسجد وقتها


وعادت مدارس الجمعة بعد ذلك والتى كان من بين أبنائها فى الخمسينات الأستاذ محمد البحيرى من إخوان المنوفية والداعية الإسلامى الكبير


يقول الأستاذ محمد البحيرى .. أذكر أننا فى مدرسة الجمعة بدمنهور كثيرا ما كنا نخرج فى رحلات الى أماكن عديدة داخل دمنهور وخارجها ولا أنسى أبدا رحلتنا إلى المحمودية والتى أُصبت فيها بجرح عميق لا زال أثره فى ركبتى حتى الآن وكان يصحبنا دائما فى هذه الرحلات الأستاذ الفاضل محمد أبو النصر الفار


يستطرد الأستاذ البحيرى ويقول كنت شبلاً فى مدارس الجمعة وكنا نذهب الى الشعبة فى الساعة العاشرة صباحا لتلقى الدرس الإسبوعى والذى يعطيه لنا أحد الأخوة وبعد الإنتهاء من الدرس نتوضأ ونذهب الى المسجد فى طابور منتظم لصلاة الجمعة وكان الأستاذ دائماً يأمرنا بالجلوس فى آخر الصفوف حتى لا نزعج المصلين وبعد الصلاة نخرج من المسجد بعدما يخرج المصلين حتى لا نزاحمهم ونتحرك فى صفين منتظمين الى الشعبة فى ميدان الساعة – حضانة ناصر حاليا - فنجد فى انتظارنا الأستاذ محمد الدسوقى وكان وقتها نائباً للشعبة وأذكر أنه كان يستقبلنا أمام الشعبة فنعطيه التحية فيقوم بالمرور علينا جميعاً مرحباً شبلاً شبلاً موزعاً علينا قطع الحلوى ونحن أشبال صغار .. رحمه الله حمل الدعوة قبل السجن وأثناء السجن وبعد السجن فقد كان رمزا للدعوة .


وقابلته فى سجن طره حيث حُكم علىَّ بــ 25 عاماً مضى منها 4 سنوات فقط عندما قدم إلينا الأستاذ الدسوقى من سجن قنا وقد أمضى 15 عاما مسجونا . فسألته .. يا أستاذ محمد أريد النصيحة ؟ ماذا تفعلون كى تثبتوا على طريق الدعوة ؟ – كنت اريد روشتة – فرد علىَّ بصوت فيه شدة ولكن شدة تشعرك بالأبوة .. يامحمد يابنى هذه ستارة نازلة ونحن نختفى وراءها ولو انكشفت حنضيع جميعا .. رحمه الله لم ينسب شيئاً لنفسه بل أرجع كل شئ لله !!!


كان الدسوقى – رحمه الله - يصبر على تنفيذ ما يريد بحكمة وتأن للوصول إلى غايته المرجوة.. كان يعلم أن الطريق طويلة وشاقة وأن العقبات أمامه كؤود ، ولكنه كان يحمل مشروعه كاملاً فى ذهنه .. عاد بعد سنين طويلة إلى نقطة البداية فى الثلاثينات " مطبعة الفتوح " عاد إليها فى السبعينات لتكون نقطة انطلاق وجمع شتات الإخوان فى محافظ البحيرة من جديد فكوَّن ما يشبه المنتدى الثقافي داخل المطبعة بعد صلاة المغرب ويمتد إلى الحادية عشر مساء وبرنامج هذا المنتدى أحاديث عامة ثم طرح لموقف الأمة الإسلامية ثم فتح حوار ويتجاذب الحاضرون أطراف الحديث والدسوقى بينهم صامتاً عن غير جهل.. يتابع الحوار ويتصفح وجوه الشباب .. ثم ينتقى من يصلح ..


ثم تأتى مرحلة أخرى عندما انتقل رحمه الله بالإخوان إلى الشارع مذكرين الناس بشعائر دينهم فكانت الحفلات العامة التي يأتيها الإخوان من كل مكان على مستوى الجمهورية فهذا حفل فى مسجد ضحوة يتحدث فيه الشيخ محمود عيد وآخر فى الساحة الرياضية فى كوم حمادة يتحدث فيه الدكتور عيسى عبده والأستاذ عبد المتعال الجبرى وآخر بميدان الساعة يتحدث فيه المرشد العام الأستاذ عمر التلمسانى والدكتور القرضاوى بمسجد الحناوى ، وحديث الثلاثاء بمسجد الهداية " الشيخ العريان "


وتأتى مرحلة ثالثة حينما اشترى عم محمد الحداد - رحمه الله - قطعة أرض بجوار ورشة صب الحديد التى يمتلكها وبدأ فى بناء منزله وقبل أن يكتمل البناء يذهب إليه أحد الإخوان يطلب مكاناً يأكل فيه الإخوان الصائمون بعد ما تعذر إفطارهم فى مسجد الشوربجى بمنطقة القلعة بسبب ضغوط الأمن ويرحب الرجل لكن السلم لم يكتمل بعد ويذهب الأخ ويعد سقالات خشبية لصعود الإخوان ويأتى الإخوان بعد صلاة المغرب لتناول الإفطار على سطح البناء وكان بينهم الأستاذ الدسوقى الذى لم يترك الفرصة وطلب من الأستاذ محمد الحداد الدور الأول علوى ليكون مقرا لعمل الإخوان وكان عم محمد الحداد كريما وقام الإخوان ببعض التجهيزات البسيطة لتبدأ مرحلة جديدة من مراحل انتشار دعوة الإخوان وهى مرحلة بيت الحداد والتى كانت فتحاً كبيراً على الإخوان فى البحيرة .


  • كان الإخوان قد أعدوا لرحلة كبيرة وتجمعوا أمام مسجد الشوربجى وكان ضمن الرحلة الشيخ الفاضل عبد اللطيف محبوب – رحمه الله – وعندما ظهرت السيارات تسابق الإخوان للركوب ولم يبق سوى الشيخ محبوب وأحد الإخوان واضطروا إلى الركوب فى خلفية احدى السيارات .. ومرت الرحلة وبعد أسبوع من الرحلة وأثناء الحديث عن التربية مع مجموعة من الشباب والتى أعدت الرحلة يفاجئهم الدسوقى بقوله : أظن أنه ليس من التربية المحترمة أن الأخ الكبير يركب فى الخلف ولا يجلسه أحد من الشباب مكانه .. فأعطى الدرس فى أهمية احترام الكبير وأهل السبق .


  • كانت كثيرا ما تقام الإفطارات الكبيرة فى بيت الحداد ويحضرها الإخوان من جميع مراكز المحافظة وكان الأستاذ محمد يشارك بالإعداد فيها ويشرف بنفسه على إعداد هذه الكميات الضخمة من الطعام ، وكان يؤكد على عدد معين من الشباب للحضور فى توقيت مبكر صباح يوم الإفطار ، وكنا نذهب فى الموعد المحدد فنجده وقد استعد بزي خاص لمثل هذه الأعمال مشمراً عن ساعديه فيقوم ويوزع علينا الأعمال والأدوار ويتم إنجاز العمل على أكمل وجه وفى إحدى هذه الإفطارات .. كلف الأستاذ محمد أحد الإخوان - بمسئولية الإعداد لهذا الإفطار فإذا به ينبه على الأخوة بالحضور للمشاركة فى الإعداد بالميكروفون دون تحديد لأشخاص بعينها .. ويقول الأخ .. وذهبت فى اليوم التالى متأخراً عن الموعد فإذا بى أجد الأستاذ محمد الدسوقى وحده وعلى نفس الهيئة السابقة فخجلت من نفسي عندما سألنى عن سبب التأخير وقلت لم يكلفنى أحد .. فقال كان التكليف عاماً وعندما تجمع بعض الشباب .. أخذ يحكى لنا قصة الملك الذى طلب من شعبه أن يضع كل واحد منهم نقطة عسل فى برميل فظن كل واحد فى الشعب أنه لو وضع نقطة ماء فلن تظهر فى برميل العسل ، وفى النهاية وجد الإناء وقد امتلأ بالماء – فالجميع اعتمد كل منهم على الآخر .. وتعلمنا الدرس


  • أثناء إحدى الجلسات فى بيت الحداد وكان المتحدث فيها المهندس حسام حميدة – رحمه الله - وقد ملك قلوبنا وعقولنا وانتقل بنا إلى عالم الصحابة بطيب حديثه.. وفى هذه الأثناء إذا بالأستاذ محمد الدسوقى - وكان يحب حسام كثيراً بل ويقول أكثركم شبها بالإمام البنا هو حسام - ينظر للمهندس حسام وهو يحرك السبابة فى حركة مثل حركة بندول الساعة ذهاباً وإياباً قائلا فاهم ده معناه إيه ياحسام قال له .. فاهم يا أستاذ محمد وقد كان رحمة الله عليه يريد أن يقول لحسام رحمه الله انه كلما ازداد فهمك وكلما تكاثرت الأضواء حولك كلما اقترب منك حبل المشنقة.. " إنه يوضح له صعوبة الطريق من البداية "


  • فى بداية ظهور مجلة الدعوة فى السبعينات سنة 1976 ذكر احد الإخوان - وكان وقتها طالباً فى الثانوى - قال لى الأستاذ محمد أنا عايزك تعمل حاجة بس إياك أن تخجل منها .. فقلت له حاضر يا أستاذ محمد .. فقال عايزك تأخذ مجلة الدعوة وبعض كتب الإخوان وتقف بها أمام مسجد الحناوى – مسجد معروف فى دمنهور – لبيعها بعد صلاة الجمعة ، وعلى فكرة قد لا تبيع شيئاً منها ولكن الذى أريدك أن تفعله أن تعلن وبأعلى صوتك وتنادى " مجلة الدعوة .. صوت الحق والقوة والحرية " فقط أريدك ان تعلن اسم الإخوان مدوياً.


تعلمنا منه رحمه الله كيف نتجرأ ونعلن عن دعوتنا ونعتز بها ولا نخجل .. فدعوتنا طاهرة وماضيها مشرِّف – كان رحمه الله يصنع رجالاً لهذه الدعوة.


  • يقول أحد تلامذته كنا صغاراً وكان دائما يستشيرنا فقد تقرر أن يزورنا الداعية الكبير عبد البديع صقر ليلقى محاضرة فى إحدى الحفلات .. فيسألنى الأستاذ الدسوقى .. إيه رأيك لو يأتى عندكم فى شبرا ونقيم الحفل فى مسجد الإفلاقى – ولا تسألنى عن إحساسي فى هذه اللحظة.. هذا الرجل بهذا السن وهذا التاريخ وتلكم الخبرة عندما يطلب رأينا نحن الصغار فهو ينفض عنا الإحساس بالدونية والصغر ، فيعطينا الشعور بأننا كبار ورجال ولنا رأى يُؤخذ به .. ويكلفنى بالإشراف على هذا الحفل .. ويأتى اليوم .. ويمتلئ المسجد والشوارع المحيطة به بالجماهير المسلمة .. ويطول الوقت ولا يحضر الشيخ عبد البديع صقر والوقت يمر التاسعة ثم العاشرة وظهرت عليَّ علامات القلق و الإرتباك .. وأنظر للأستاذ محمد الدسوقى فإذا به لا يكترث ولا يهتم ، وأذهب إليه والدماء تكاد تنفجر من وجهى .. فيقول ببساطة أى حد من إخوانك يقول كلمة .. ويبدو أن الناس كانوا فرحين ولم يشعروا بما أشعر به – ثم جاء الأستاذ عبد البديع وبرؤيته هدأت نفسي واسترحت وأكملنا الحفل حتى نهايته وكان تعقيب الأستاذ الدسوقى فى جملتين فقط " ليه هو عبد البديع صقر هو اللى حيمشى الدعوة .. الكلمة الصادقة فقط هى التى تمشي بها الدعوة "!!! كل المشكلة أنى كنت خايف أحسن يكون الشيخ عبد البديع نام فى القطار واستمر فيه إلى الإسكندرية ولم ينزل دمنهور .


انظر كيف كان يربى أبناءه على الشورى وانظر كيف كانت سكينته وانظر إلى ثقته فى دعوته وأنها هي التي تصنع الرجال ولا يصنعها الرجال


وبعد أن أنهى الأستاذ عبد البديع صقر مهمته الدعوية فى دمنهور حيث ألقى محاضرة عامة فى منطقة شبرا ، ذهب لتناول العشاء والمبيت مع بعض الشباب وأثناء إعداد الطعام حضر الأستاذ الدسوقى للاطمئنان على ضيفه – فقال الشيخ عبد البديع لحظة دخوله للشباب " انتو عارفين ياأولاد الأستاذ الدسوقى ده عامل زى هتلر فانتبه الأستاذ الدسوقى قائلاً يا أخى حرام عليك .. وتابع الشيخ عبد البديع قائلاً" هتلر كان لا يعمل شيئاً بيده ولكن عندما يكون هناك عمل يختار له الشخص المناسب ( وبالتعبير الشعبى .. لما يكون فيه شغلانه يجيب لها المعلم بتاعها )


وقد كان من أسلوبه رحمه الله فى الدعوة أنه يكلف إخوانه دون أن يتحدث فى التفاصيل ولكن يتابعهم جيداً حتى إذا ما أخطأ أحدهم يتلقفه وينتشله من الخطأ وكان شعاره " أرسل لبيباً ولا توصه "


يقول أحد أبنائه :فى إحدى اللقاءات فى بيت الحداد فوجئت عمن يسأل عنى وكنت شاباً صغيراً وبدأ يسألني في بعض الأمور الفقهية والدعوية فضحكت وقلت له اذهب إلى هذا الرجل و أشرت له على الأستاذ محمد الدسوقى .. فإذا به يقول لي " هو اللى أرسلني إليك "


وأذكر أنه فى ذات يوم جاء للأستاذ محمد أحد إخوة الأقاليم يطلب داعية للحديث فى لقاء كبير فاستقبل الرجل ووعده بأنه سيرسل إليه من يؤدى المهمة وأمرني أن اذهب لأقوم بهذا الدور وكنت مستصغر نفسي على هذا العمل .. المهم ذهبت .. ولما عدت قلت له .. إن هناك بعض الشباب يحتاج لقراءة كتاب كذا وكتاب كذا ..فنظر إليَّ وقال : أعطهم ما تشاء " وكأنه يقول لي من خلال الموقفين تحمل المسئولية "


  • كان رحمه الله من عادته أن يجمعنا نحن الشباب ليلة الجمعة ويقسمنا مجموعات ، كل مجموعة عبارة عن اثنين من الأخوة ويقوم بتوزيعنا على مساجد المراكز المجاورة ، حيث يكون قد اتفق مسبقاً مع إخوان المراكز .. فكنا نجلس سوياً نراجع ماذا سنقول في خطبة الجمعة .. حتى كان البعض منا يقوم فيخطب فينا على سبيل التجربة للتدريب والتقييم وكان يقوم بنفس العمل فى العشر الأواخر من رمضان حيث كان يرسلنا إلى المراكز للاعتكاف والتحدث إلى الناس .. وكان يؤكد علينا دائما أن نعود إليه بعد إتمام العمل فى مكتب الشوربجى .. كلٍ منَّا يحكى له ماذا فعل .. كيف استقبله الناس ؟ وفيم تحدث ؟


وطبعا الأمر لا يخلو من بعض التأخيرات فكان لا يترك المكان حتى يأتي الجميع ويتذكر أحد هؤلاء الشباب أنه ذات مرة أنهى الخطبة واتجه إلى منزله وتناول الغذاء وصلى العصر ثم ذهب للمكتب فإذا به يجد الأستاذ محمد ينتظره وقد أعد له الغذاء - ويقول الاخ لم أنسى هذا الموقف طوال حياتي


  • كنا نجلس كثيراً فى مكتب الحداد نتدارس فى الجلسات فقه الطهارة .. فجاءنا يوماً قائلاً " انتو حتقعدوا تدرسوا فقه دورة المياه ده لحد امتى " قوموا كل واحد يحضَّر خطبة جمعة وينطلق إلى القرى .. فكنا نحضر الخطبة ونجلس فى بيت الحداد ونحفظها كل اثنين مع بعض وكان يشدِّد علينا بعدم قبول عزائم عند أحد والرجوع بعد الخطبة مباشرة حيث يتلقفنا فى مسجد الشوربجى متابعاً ومقيماً وموجهاً


كان - يرحمه الله – يقدم القدوة من نفسه لإخوانه فى كل شئ – فى حبه للدعوة وحرصه عليها – فى حبه لإخوانه وعطفه عليهم وخدمتهم والقيام على شئونهم فى بذله وعطائه من راحته ووقته وتضحياته ….


- كان من عادته - الأستاذ محمد - أن يذهب بعد صلاة الجمعة إلى مكتب الشوربجى يجلس مع من يأتى من الإخوان كبار أو صغار .. فذهبت مرة إلى المكتب فإذا بى أجد الأستاذ محمد مع بعض الإخوان كل منهم يمسك بقطعة من القماش ويقوم بتنظيف المكتب فذهبت إليه لأقوم بهذا العمل بدلاً منه ووافقنى بعد إلحاح ولكنه طلب منى أن أحضر له بعضاً من قش الأرز من أعلى سطح العمارة فذهبت وأحضرت له ما طلب فأخذه ودخل دورة المياه وإذا به يقوم بتنظيف مكان قضاء الحاجة فى دورة المياه فذهبت إليه ثانية لأطلب منه أن أقوم بهذا العمل فقال لى " بلاش حتى لا يصيبك أذى ( وكنت فى منزلنا لا أحمل حتى سلة الزبالة ) وأخذت منه القش وقمت بتنظيف المكان .


وفى موقف آخر قال لى : أريد ان أكلفك بشئ بس لا تخجل منه .. فقلت له أمرك يا أستاذ محمد فقال ألقى سلة الزبالة في المكان المخصص لها بالشارع ولاحظت أنه يختار وقتاً لا يوجد فيه أحد بالشارع فقد كنا حديثي عهد بالدعوة لذلك يريد أن يعلمنا أشياء دون أن يسبب لنا حرجاً فكنا نحبه لأنه يكلفنا بأشياء يقوم هو بها قبل أن يكلفنا بها .. كان رحمه الله يحافظ على مشاعر الصغير والكبير ، وأذكر أنه كنا نشارك فى إعداد إحدى الحفلات وكنت وأخ لى يحمل كل منا صاج فرن به بعض الطعام فإذا بالأخ يقع ومعه الصاج فضحكت فإذا بالأستاذ محمد يمسك بيدى بشدة قائلاً حافظ على مشاعر أخيك ولا تحرجه .

فقال الأستاذ محمد اللى عنده شكوى فقط هو الذي ينتظر معنا وانصرف الباقون ..

  • جاءه أحد طلاب الإخوان يحكى له – فى فخر – ما فعله الطلاب الإسلاميون فى الجامعة مع خصومهم من التيارات الأخرى ومع إدارة الجامعة – وكيف إن الدكتور محمود داود – واجه الإسلاميين مواجهة شرسة – وبعدما أنهى الطالب حديثه سأله الأستاذ محمد عن رأيه الشخصي فيما حدث – فيجيب .. ما حدث كان شيئاً جيداً حتى لا تتطاول يد على أعمال الإسلاميين بعد ذلك .. وهنا غضب الأستاذ محمد غضباً شديداً وقال له المستعجل يمشي .. اللى عايز يضرب ويتعامل بعنف مش معانا .. ثم وجه حديثه للطالب قائلاً .. يا أستاذ الدكتور اللى حاربكم ده غداً سيكون وزيراً - وقد كان فقط بعد شهرين من هذا الموقف - وأنتم أخرتم الدعوة .. اللى مش فى قدرة العمل يروح بيته ..فقد كان - رحمه الله – يعلم أن الدعوة تنتصر وتتقدم بالرفق والحب مع الناس وتتأخر بالعنف والشدة.


يحكى لنا أحد الإخوان عن موقف له مع الدسوقى فيقول : ذهبت إلى دار الدعوة بدمنهور – بيت الحداد – لأحضر لقاء هناك وكان الوقت وقت امتحانات فأخبرني الأخ النوبتجى أن اللقاء في المكتب الصغير خلف مسجد الشوربجى وأنا فى طريقى إلى هناك قابلت أحد الإخوان والذى سألنى عن وجهتي .. فأخبرته .. فإذا به يغضب غضباً شديداً مُخبراً إياي أن هذا اللقاء كبير عليك ولا يناسبك .. واشتد علىَّ فى الحديث .. وعندما وصلت الى المكتب قابلني الأستاذ محمد الدسوقى استقبالاً طيباً ولكنى لاحظت أن اللقاء خاص وليس لى أن أحضر فعلاً وانتظرت فرصة وانصرفت على الفور .. وأخبرت مسئولى بكل ما حدث .. وعلم الأستاذ محمد بما حدث قبل ذهابى لمكتب الشوربجى .. وبعد فترة يبلغنى مسئولى بأن الأستاذ محمد منتظرنى بالمكتب الساعة 3 عصرا وقت الراحة بالمكتب .. وذهبت إليه فإذا به يستقبلنى وقد أعد لى الشاى واعتذر لى أنا الأخ الصغير قائلاً يا بنى أنا مش عارف أبدأ معاك إزاى .. يابنى ليس فى دعوتنا كبير و صغير وليس عندنا ما نخفيه وأخوك أخطأ فى حقك – وظل الأستاذ محمد يعتذر ويعتذر ويشرح لى ويتكلم عن الدعوة ويسترشد بالآيات والأحاديث وفى النهاية يرجونى – أنا الشاب الصغير – ألا يكون فى نفسي شئ من الأخ المسئول الذى اشتد علىَّ فى الحديث .


انظروا ياإخوان كيف كان يحافظ على شعور إخوانه .. وهاكم هذا الموقف


ويتذكر آخر قائلاً كنا أعددنا إفطاراً فى مكتب الدعوة بمنطقة القلعة لمعالجة بعض المشاكل بيننا وكان الدسوقى موجوداً بالمكتب وسأل الأخ المسئول عن نوعية الإفطار فقال " الفول " فى نفس الوقت كان بائع السمك ينادى على بضاعته فى الشارع فأقسم على الأخ المسئول أن يشترى لنا سمكاً لتكون وجبة الإفطار قائلاً كيف تطعمهم فول والرجل فى الشارع ينادى على السمك .. وكنا نسمع هذا الحوار ونشعر تجاهه بعاطفة جياشة .. عاطفة الابن تجاه والده !!!


يحكى أحد المحاضرين فى لقاءات دار الدعوة فيقول فى بداية الدعوة فى السبعينات كانت اللقاءات بسيطة وتضم البسطاء من الناس من العاملين والسائقين وغيرهم وكنت ألقى بعض الدروس فى هذه اللقاءات وبعد ان ازداد عدد الطلبة والمثقفين فى اللقاء لاحظت أن أحد العاملين البسطاء يعمل فى شركة أتوبيس غرب الدلتا ( الأخ محمود الجعفراوى رحمه الله ) لا يحضر اللقاء واعتزلنا ما يقرب من شهرين .. وإذا بى أراه قدراً فى بيت الدعوة فسألته عن هذه الفترة التى اعتزلنا فيها فقال الرجل .. " ياعم انتو ناس كبار علىَّ – أنا وجدت رجل بسيط على قدى بيقعد معايا على باب الشقة – فى دار الدعوة – بجواركم يشرح لى تجويد هو يخطئ شوية وأنا أخطئ شوية .. فقلت له أين هذا الرجل ؟؟ .. فأشار إلى الأستاذ محمد الدسوقى كيف وهو المسئول الكبير عن الدعوة ليس فى المحافظة وفقط ولكن فى وجه بحرى كله يجد من الوقت والمجال ما يسمح له بمتابعة هذا العامل البسيط والحفاظ عليه .. ولكنه بحق رجل دعوة .


هنا انتهت الكلمات التي اظن انها لم تف بقدربسيط ولكنني علي يقين ان الوفاء عمليا لابد الا ينتهي ابدا حتي ولو قل فاسالكم ان تدعو باخلاص للجبل محمد الدسوقي بقنينه الذي اعتقل فى سن 18 عاما وتوفى يوم السبت 16/10/1982 ودفن يوم الأحد فى صلاة الظهر وما زال وجداني وفؤادي متعلق مع كلمته " كل في حبك يهون يارب"!!