لكأن القرآن يتنزل الآن..!
والله لقد قرأت سورة الفتح عشرات المرات..لكن لم استشعر معانيها ولم أتذوق لطائفها إلا في أول ليلة من ليالي الهجوم البري على غزة في ظلال غبار المعركة البرية المتصاعد..فما هي بالسورة التي كنت اتلوها مرارا وتكرارا..بل كأنها تتنزل اللحظة !!..
1-في صحيح البخاري عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال:سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية:أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون؟أم خلقوا السموات والأرض؟بل لا يوقنون.أم عندهم خزائن ربك أم هم المسيطرون؟ كاد قلبي أن يطير!
يقول الشيخ الراشد في المنهجية:
فانظر قوله:كاد قلبي أن يطير!!
وتمثل لنفسك أنك في مثل موقعه وتسمع تلك الآيات أو غيرها،فإن عمق التخيل ومزيد التدبر والاهتمام والفكر ينقلك إلى شيء من الاندماج مع المعاني...
2-..شاعر الإسلام الكبير محمد إقبال من أهم عوامل نبوغه وحرقته ولوعته وصية والده: ( يا محمد اقرأ القرآن كأنه يتنزل عليك)!!..
3-وصدق الشهيد سيد قطب الذي عاش في ظلال القرآن بكيانه كله وعاشه لحظة بلحظة حين قال :
الحياة في ظلال القرآن نعمة . نعمة لا يعرفها إلا من ذاقها . نعمة ترفع العمر وتباركه وتزكيه. والحمد لله . . لقد منَّ علي بالحياة في ظلال القرآن فترة من الزمان ، ذقت فيها من نعمته ما لم أذق قط في حياتي . ذقت فيها هذه النعمة التي ترفع العمر وتباركه وتزكيه . لقد عشت أسمع الله - سبحانه - يتحدث إلي بهذا القرآن . . أنا العبد القليل الصغير . . أي تكريم للإنسان هذا التكريم العلوي الجليل ؟ أي رفعة للعمر يرفعها هذا التنزيل ؟ أي مقام كريم يتفضل به على الإنسان خالقه الكريم !!..
إن المسألة-في إدراك مدلولات هذا القرآن وإيحاءاته- ليست هي فهم ألفاظه وعباراته، ليست هي "تفسير" القرآن- كما اعتدنا أن نقول!المسألة ليست هذه. إنما هي استعداد النفس برصيد من المشاعر والمدركات والتجارب، تشابه المشاعر والمدركات والتجارب التي صاحبت نزوله، وصاحبت حياة الجماعة المسلمة وهي تتلقاه في خضم المعترك .. معترك الجهاد .. جهاد النفس وجهاد الناس. جهاد الشهوات وجهاد الأعداء. والبذل والتضحية. والخوف والرجاء. والضعف والقوة. والعثرة والنهوض.. جو مكة، والدعوة الناشئة، والقلة والضعف، والغربة بين الناس .. جو الشَّعب والحصار، والجوع والخوف، والاضطهاد والمطاردة، والانقطاع إلا عن الله.. ثم جو المدينة: جو النشأة الأولى للمجتمع المسلم، بين الكيد والنفاق، والتنظيم والكفاح .. جو "بدر" و "أحد" و "الخندق" و "الحديبية". وجو "الفتح"، و "حنين" و "تبوك". وجو نشأة الأمة المسلمة ونشأة نظامها الاجتماعي والاحتكاك الحي بين المشاعر والمصالح والمبادئ في ثنايا النشأة وفي خلال التنظيم..في هذا الجو الذي تنزلت فيه آيات القرآن حية نابضة واقعية.. كان للكلمات وللعبارات دلالاتها وإيحاءاتها. وفي مثل هذا الجو الذي يصاحب محاولة استئناف الحياة الإسلامية من جديد يفتح القرآن كنوزه للقلوب، ويمنح أسراره، ويشيع عطره، ويكون فيه هدى ونور ..
ولكن الناس بعدوا عن القرآن، وعن أسلوبه الخاص، وعن الحياة في ظلاله، عن ملابسة الأحداث والمقوّمات التي يشابه جوُّها الجوُّ الذي تنزّل فيه القرآن .. وملابسةُ هذه الأحداث والمقوّمات، وتَنسُّمُ جوها الواقعي، هو وحده الذي يجعل هذا القرآن مُدرَكاً وموحياً كذلك.
فالقرآن لا يدركه حق إدراكه من يعيش خالي البال من مكان الجهد والجهاد لاستئناف حياة إسلامية حقيقة، ومن معاناة هذا الأمر العسير وجرائره وتضحياته وآلامه، ومعاناة المشاعر المختلفة التي تصاحب تلك المكابدة في عالم الواقع، في مواجهة الجاهلية في أي زمان!
لقد عاش أهل غزة- في جو الحصار والدمار- معاني القرآن كأنها تتنزل عليهم اللحظة!!
لقد كانوا يدركون حقيقة قول الله لهم:إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا..
وكانوا يدركون قوله سبحانه:ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ، إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس ،وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين..
وحقيقة قول الله لهم:ورد الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا، وكفى الله المؤمنين القتال..
وحقيقة قول الله لهم:
"لتبلَوُن في أموالكم وأنفسكم، ولتسمعُنّ من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً. وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور"..
كانوا يدركون حقيقة قول الله لهم في هذا كله، لأنه كان يحدثهم عن واقعيات في حياتهم عاشوها، وعن ذكريات في نفوسهم لم تغب معالمها، وعن ملابسات لم يبعد بها الزمن، فهي تعيش في ذات الجيل..
والذين يعانون اليوم وغداً مثل هذه الملابسات، هم الذين يدركون معاني القرآن وإيحاءاته. وهم الذين يتذوقون حقائق التصور الإسلامي كما جاء بها القرآن. لأن لها رصيداً حاضراً في مشاعرهم وفي تجاربهم، يتلقونها به، ويدركونها على ضوئه.. وهم قليل..
صور مشرقة من آثار وثمرات معايشة الصلاة والقرآن في غزة
1- مـن فـوق أنقاض المـوت أخذت غـزة تنفض ركام الحرب وتُزيحـه بعيـدا.. أبو سـامح فرش سجـادة الصـلاة فوق منـزله المهدوم وبدأ بتكبيـرة الإحرام.
وبعد أن سلّم قال بنبراتٍ هادئـة: "الحمـد لله على ما أصابنا، إسرائيل قصفت البيوت، ودمرت كل شيء، وحرقت الشجـر والبشـر، لكنها لم ولـن تكسـر إرادة هذا الشعب،.. ومن هذا الخراب ستبدأ غــزة حيــاتها وفجـرها الجـديد"، إن شاء الله.
2- صورة أخرى تفيض إيمانا.. عجوز تجاوزت السبعين من عمرها فقدت كل عائلتها، ولم يتبقََ لها سوى حفيد لم يتجاوز العامين، شفتاها لا تتوقف عن الحمد والشكر لله، صابرة محتسبة، حديثها لا يوحي بالندم والاستسلام والعجز، عيناها تتوهجان بريقًا وصمودا، محتسبة مصيبتها عند الله وهي تردد: "لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا". وتقول: "بقتلهم لأطفالنا وأولادنا يظنون أننا سنستسلم ونطأطئ رأسنا لهم.. فقدت أولادي الخمسة، لكننا لن نموت إلا شهداء بإذن الله.
3- الطفلة "هدى السموني" 12 عاماً، والتي فقدت 29 فرداً من أسرتها من بينهم والداها وإخوتها جميعًا وأعمامها وأولادهم، ولم يتبقَ لها سوى شقيقها الصغير، فقد ظهرت على شاشات الفضائيات بلسان التحدي والصمود وهي تقول: "تعتقد إسرائيل بقتلها لكل أسرتي أننا سنركع ونتنازل عن أرضنا.. ولكني سأعيد إعمار بيتنا أنا وأخي، وسنكبر ونتزوج وننجب أطفالا ليكونوا مقاومين ويحرروا القدس ويافا وعكا"، وبعينين ملؤهما الإصرار أضافت هدى: "فلسطين أرض المحشر والمنشر، وسنبقى فيها مرابطين ليوم القيامة.. سنقاتل حتى الرمق الأخير، ولن نتنازل عنها مهما قتلوا أو دمروا.. وسننتقم لعائلاتنا مهما طال الزمن".
نفحات ولفحات من سورة الفتح في غبار معركة غزة
1-تبشير بالنصر بين يدي المعركة :
كنا في حالة قلق شديد وخوف كبير على مصير المقاومة وهي تضرب من البحر والبر والجو..ويضغط عليها نفسيا بقتل الأحبة ورمز البراءة.. فإذا سورة الفتح تطمئننا من أول آية وتبشرنا بالنصر المبين في أول ليلة وحمم وبراكين القنابل تتفجر هنا وهناك..لقد كنا ندرك ونستشعر ونتذوق قوله تعالى:
"إنا فتحنا لك فتحا مبينا،ليغفرلك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما،وينصرك الله نصرا عزيزا،هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم"..!!
2-لا تخافوا ولا تحزنوا ..اطمئنوا الملائكة في غزة :
لقد كنا نتمنى لو أن العالم الإسلامي سير جيوشا لنصرة غزة:(لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد)..
حفظ الله المقاومة لقد كانت تأوي إلى ركن شديد..وملائكة كثر تقاتل معهم:
ولله جنود السماوات والأرض..وكان الله عليما حكيما.
ولله جنود السماوات والأرض..وكان الله عزيزا حكيما.
3-العملاء والطابور الخامس : لا يخلو منهم زمان ولا مكان..:
"ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء"..
سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا،يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم!!
4-تمني زوال المقاومة إلى الأبد ودخولهم إلى غزة على ظهر دبابة اسرائلية:
"بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في قلوبهم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا"!!
5-المبايعة على الشهادة :
"إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله..يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه..ومن أوفى بما عاهد الله فسنوتيه أجرا عظيما"!!
"لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليم وأثابهم فتحا قريبا"!!
6- كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة!!:
"ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار!!ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا..سنة الله التي خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا"..!!
7-المستقبل والنصر لهذا الدين ..ولن تسقط راية المقاومة:
"هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا"!!
9-مواصفات جند النصر والتمكين:العبودية والبأس الشديد:
"أشداء على الكفار رحماء بينهم..تراهم ركعا سجدا"..
أخي الحبيب..أختي الفاضلة
يشكو كثير من إخواننا من قلة الخشوع والدموع أثناء تلاوة القرآن
والعلاج الحاسم هو:
1- أن نقرأ القرآن كأنه يتنزل علينا اللحظة!!
2- استعداد النفس برصيد من المشاعر والمدركات والتجارب، تشابه المشاعر والمدركات والتجارب التي صاحبت نزوله.
3-القرآن لا يدركه حق إدراكه من يعيش خالي البال من الجهد والاجتهاد لاستئناف حياة إسلامية حقيقة... ، ومن معاناة هذا الأمر العسير وجرائره وتضحياته وآلامه، ومعاناة المشاعر المختلفة التي تصاحب تلك المكابدة في عالم الواقع، و في التغيير الايجابي في أي زمان!