في وثيقة جنيف ما خَفِيَ كان أعظم

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
في وثيقة جنيف ما خَفِيَ كان أعظم

بقلم : الدكتور عبد العزيز الرنتيسي

إن خطورة وثيقة جنيف بلغت حدّاً لا يمكن السكوت عليه ، كما لا يمكن أن نتصوّر معه أن هناك فلسطينياً ينتمي إلى هذا الوطن يمكن أن يقبل بها ، فضلاً عن أن يوقّع عليها ، و ذلك لما تحمله في طياتها من تهديد صارخ و خطير لمستقبل القضية الفلسطينية و الوجود الفلسطيني .

لقد قيل الكثير عن وثيقة جنيف ، عن تهافتها ، و خطورتها على القضية الفلسطينية و الوجود الفلسطيني ، و تفريطها بالحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني ، ففضلاً عن التنازل المستهجن عن حقّ العودة للاجئين الفلسطينيين إلى مدنهم و قراهم التي أخرجوا منها فهي أيضاً تقدّم المقدسات الإسلامية على طبق من ذهب للعدو الصهيوني ، .

كما أنها تقرّ بيهودية الكيان الصهيوني ، و كلّ هذه التنازلات مقابل شبه دولة فلسطينية منزوعة السلاح و منزوعة السيادة هي على أفضل الأحوال حكم ذاتي منقوص ، و هي أشبه ما يكون بأرخبيل داخل الكيان الصهيوني ، و لذا فلا غرابة أن يندّد بها الأحرار و الشرفاء من كافة القوى الوطنية و الإسلامية و كافة شرائح المجتمع الفلسطيني في الداخل و الخارج مما جعلها معزولة تماماً فلا تستحق أن نقيم لها وزناً .

و لكن أرى أن هناك خطورة غير منظورة في هذه الوثيقة لا تكمن فيما ذكر فيها من نصوص غير قابلة للتنفيذ لا لشيء إلا لأن الشعب الفلسطيني بما يتمتّع به من وعي سياسي ، و حسّ وطني ، و عمق عقائدي ، و تعبئة جهادية ، و تجربة رائدة كفيلٍ بالتصدّي لهذه الوثيقة العبثية المتهالكة و إسقاطها كما فعل من قبل في مواجهة العديد من المبادرات و الوثائق التصفوية للقضية الفلسطينية و الوجود الفلسطيني ، و لكن الخطورة تكمُن في ما لم يقلّ من مخاطر لهذه الوثيقة تتمثّل فيما تحمله في طياتها من أهداف تدميرية غير منظورة لا بدّ من فضحها و التصدّي لها بكلّ قوة لقتلها في مهدها و تحصين المجتمع الفلسطيني من يغرّر به فتخفى عليه مخاطرها ، و أرى ذلك في البنود التالية:

- إن من أهم الأهداف الصهيونية الخبيثة لهذه الوثيقة بثّ شعورٍ قاتل بالإحباط و اليأس و فقدان الأمل في نفوس أبناء الشعب الفلسطيني ، فلسان حالها يقول للشعب الفلسطيني إن تضحياتك بالآلاف من الشهداء و عشرات الآلاف من الجرحى و المعتقلين ، و دفعك ثمناً باهظاً من أمنك و استقرارك و حياتك اليومية و قوت أبنائك لم يكن ليقربك من أهدافك الوطنية التي تجاهد من أجل تحقيقها ، و لكن على النقيض من ذلك فإنك بهذه التضحيات تتراجع إلى الوراء ، و تزداد بعداً عن تحقيق أهدافك في الحرية و الاستقلال ، و هدف الصهاينة من وراء ذلك صرف الشعب الفلسطيني عن المقاومة و الانتفاضة ليبقى الاحتلال في أمنٍ و استقرار إلى الأبد .

و السؤال المطروح و المشروع : هل الموقّعون على هذه الوثيقة من الجانب الفلسطيني كان لهم نفس الهدف ؟! أي هل نشر الإحباط و اليأس في صفوف الشعب الفلسطيني هو أحد أهداف الذين وقّعوا على هذه الوثيقة من الجانب الفلسطيني أيضاً ؟! قد يستغرب البعض أننا نطرح هذا السؤال ، فقد يرى البعض أنه لا مجال لطرح سؤال من هذا القبيل ظناً منهم أن التقاطع بين الموقّعين من الجانب الفلسطيني على هذه الوثيقة و الصهاينة لا يمكن أن يصل إلى هذه الدرجة من التقارب ، و لكنني أرى أن الذين وقّعوا على هذه الوثيقة كان لهم برنامج سياسي يتناقض مع مشروع المقاومة ، و لذلك كانوا دائماً الأسرع في التنديد بعمليات المقاومة خاصة الاستشهادية منها ،

و ما من شكّ أنه كلما تقدّمت المقاومة و آلمت العدو أكثر فأكثر فإن برنامج الموقّعين و مشروعهم السياسي يصبح عرضة للتآكل على المستوى الجماهيري ، و بما أنه من المعلوم أن مصيرهم و مستقبلهم السياسي متعلّق بالوصول إلى حلّ يحفظ لهم وجودهم و إن كان على حساب الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني ، فلا غرابة إذن أن يحاول الموقّعون على الوثيقة تسديد ضربة لمشروع المقاومة الذي يتعارض مع برنامجهم تماماً عبر هذا الهبوط في سقف التطلعات السياسية محمّلين بعد ذلك المقاومة و الانتفاضة الفلسطينية المسؤولية عن هذا التراجع ، ظناً منهم أن ذلك سيؤدّي إلى انحسار جماهيرية الانتفاضة و المقاومة لصالح مشاريع التسوية التصفوية للقضية الفلسطينية .

- و من أهداف هذه الوثيقة الخطيرة أيضاً تهيئة الشارع الفلسطيني لمرحلة جديدة من التنازلات ، تقرّب الصهاينة أكثر فأكثر من الأمل في تحقيق مشروعهم الصهيوني على حساب الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني ، فهذه الوثيقة تمثّل في الجانب الصهيوني "يوسي بيلين" الذي يصنّف بأنه من معسكر السلام الصهيوني و يقف على يسار اليسار ، و بما أن المرشّح لتسلّم زمام الحكم لدى العصابات الصهيونية هو اليمين الصهيوني ممثلاً بالليكود أو اليسار الصهيوني ممثلاً بالعمل و كلاهما رفض الوثيقة و ينظر إليها على أنها تمثّل معسكر السلام و لا تمثل الأحزاب الصهيونية المتشدّدة ، فإن الموقّعين على الوثيقة من الجانب الفلسطيني يدركون تماماً أن المطلوب منهم للحصول على حلّ يحفظ لهم بقاءهم الهبوط بمستوى تطلّعاتهم السياسية إلى ما هو أدنى بكثير من سقف هذه الوثيقة الهابط ، حتى يكون في إمكان حزب الليكود أو حزب العمل القبول بالحلّ ، خاصة أن الموقّعين على هذه الوثيقة قد أعلنوا بوضوح أن الذي يحدّد مواقفهم هو ما يمكن أن يقبل به الجانب الصهيوني ، و ليس ما يمكن أن يقبل به الشعب الفلسطيني ، أو ما يمكن أن ينسجم مع الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني .

- إن هذه الوثيقة تعتبر نجاحاً باهراً للسفاح شارون الذي فشل فشلاً ذريعاً في مواجهة المقاومة الباسلة للشعب الفلسطيني ، فقد عوّض فشله في المواجهة العسكرية بهذا الانتصار الكبير على الصعيد السياسي، فمستوى التنازل الذي قامت به السلطة الفلسطينية عبر هذه الوثيقة لم يتحقّق من قبل لأيّ من زعماء العصابات الصهيونية ، فما من شكّ أن هذا الهبوط الشديد بسقف التطلعات السياسية للسلطة الفلسطينية يشكّل نجاحاً كبيراً لشارون ، خاصة أننا لا زلنا نذكر مقولة نتنياهو عندما كان رئيساً لوزراء العصابات الصهيونية حيث قال إن هدفه الوحيد هو خفض سقف التطلّعات السياسية للسلطة الفلسطينية ، و هذا ما حقّقه شارون في هذه الوثيقة بلا منازع ، و بدرجة ربما لم يكن يحلم بها .

- إن من أهداف هذه الوثيقة إحداث شرخ داخل الصف الفلسطيني ، و لكن وعي الفصائل الفلسطيني المختلفة ، و تمسّكها بالحقوق الوطنية المشروعة ، و الثوابت الفلسطينية وحّدت الشارع الفلسطيني ضد هذه الوثيقة مما حال دون تحقيق هذا الهدف كما أدّى إلى عزل الموقّعين على هذه الوثيقة بعيداً عن إطار الإجماع الوطني ، مما سيؤدّي حتماً إلى سقوطٍ مبكّر لهذا المشروع الصهيوني الخطير بإذن الله تعالى .

- إن هذه الوثيقة تمثّل طوق نجاة لكلّ من شارون و بوش ، فكلاهما يعيش مأزقاً كبيراً و خانقاً بسبب المقاومة الإسلامية في فلسطين و العراق و أفغانستان ، مما جعل مستقبلهما السياسي على المحكّ ، فتأتي هذه الوثيقة كإنجازٍ و انتصار سياسي لكلّ منهما يشكّل رافعة لهما في الانتخابات القادمة.

- إن قبول الجانب الفلسطيني المتنفّذ بهذه الوثيقة ليؤكّد أنه لا توجد خطوط حمر لدى السلطة ، و أنه سرعان ما يتبيّن أن ما يسمّى بالخط الأحمر عند السلطة إنما هو بساط أحمر ، و هذا من شأنه أن يعزّز التعنت الصهيوني في مواجهة المقاومة الفلسطينية .

هذه بعض الجوانب الخطيرة لوثيقة جنيف التي أعتبرها أخطر وثيقة تعرّضت للقضية الفلسطينية ، و هي أسوأ بكثير من وعد بلفور المشؤوم .

المصدر