في فقه الإنتماء والولاء

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
في فقه الإنتماء والولاء

الحركات الاسلامية خادمة للاسلام

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين،وبعد ...

فإن من أولويات ما يجب على الاسلاميين معرفته والتربية عليه،أن الحركات الإسلامية خادمة الإسلام لا مستخدمته،فهي ليست الاسلام،ولا هي بديلاً عنه،كما أن ليس لها حق احتكار تمثيله .. فالإسلام رسالة الله إلى البشرية يهدي به من اتبع رضوانه سبل السلام،ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه .

ولقد تعاقبت على حمل الإسلام والدعوة إليه وخدمته والجهاد في سبيله الأجيال كابراً عن كابر، منذ الجيل الصحابي الأول وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .

وليس لمن تشرف بحمل رسالة الإسلام من الاولين والسابقين وإلى يوم الدين أن يدعي أن له العصمة، وأنه فوق الخطأ ، فكل يؤخذ من كلامه ويرد عليه،والكل يُعرفون بالإسلام ولا يعرف الإسلام بهم، والحق يعلوهم جميعاً ولا يعلون عليه .

فمن أقوال الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله :(إني وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني،وإن أسأت فقوموني .. الصدق أمانة والكذب خيانة،الضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له الحق،والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه).

ولقد مضت مسيرة الإسلام هذه عبر القرون،راشدة مسترشدة بالسنن الإلهية التي لا تعرف التبديل والتحويل {سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً}.

فالذين استقاموا وأحسنوا وحفظوا أعانهم الله على سيرهم واستقامت لهم الأمور وجزاهم الله أضعاف إحسانهم إحساناً،كما حفظهم وأيدهم ونصرهم،{وكان حقاً علينا نصر المؤمنين}.

أما الذين بدلوا وانحرفوا ولم يحسنوا أو يحفظوا وكـَـلـَهُم الله إلى أنفسهم التي لا تغني عنهم شيئاً، وكان عاقبة أمرهم خسراً، وأوقع الله فيهم عقوبة الإستبدال : { وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم }.


بين العمل للاسلام والعمل للتنظيم

إنَّ انتماءنا للإسلام في الأصل هو الذي يجعلنا مسلمين، ويحشرنا في زمرتهم يوم الدين،والانتماء للتنظيم ليس بديلاً عن ذلك،وإنَّما هو وسيلةٌ لحسن تحقيق ذلك، وصدق الله تعالى حيث يقول: "هو سمَّاكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدًا عليكم وتكونوا شهداء على الناس".

إنَّ الأنبياء والمرسلين والعلماء والدعاة، كما المؤسَّسات والتنظيمات والجماعات والحركات الإسلاميَّة، إنَّما هم مكلَّفون بخدمة الإسلام، وحمل رسالته، وتبليغ دعوته، والجهاد في سبيله: { يا أيُّها الرسول بلِّغ ما أنزل إليك من ربِّك وإن لم تفعل فما بلَّغت رسالته والله يعصمك من الناس إنَّ الله لا يهدي القوم الكافرين}.

ثمَّ إنَّ الحكم الإسلامي والحكومات الإسلامية والخلفاء، ليسوا إلا أداة لخدمة الإسلام وتنظيم الاحتكام إلى شرعه،وليس لهم أن يحيدوا عن الإسلام قيد أنملة: { وما كان لمؤمنٍ ولا مؤمنةٍ إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم }.

إنَّ الإسلام هو دين الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو المنهج الذي يتعبد المسلمون به ربهم، أفراداً وتنظيمات وحكومات، أمَّا التنظيمات وأهلها والعاملون فيها، فهم خُدَّام للدين، والمسخرون للعمل من أجله، وليسوا بمعصومين عن الخطأ والزلل، وجميعهم يُؤخَذ منهم ويردّ عليهم، وهؤلاء كلهم يُعرَفون بالدين، ولا يُعرَف الدين بهم.

فالتنظيمات تخطئ وتصيب، وتنجح وتفشل، وهي تزدهر ثم تندثر، فلكم قامت تنظيمات عبر التاريخ الإسلامي، ثم أصبحت أثرًا بعد عين، أما الإسلام فهو الباقي والمستمر والمحفوظ، مصداقًا لقوله تعالى: "إنّا نحن نزلنا الذكر وإنّا له لحافظون".

إنَّ مجرَّد استهداف التنظيم بالعمل هو لونٌ من ألوان الشِّرك، والله تعالى أغنى الأغنياء عن الشرك، وهو سبحانه القائل: "قل إنَّما أنا بشرٌ مثلكم يوحَى إليّ أنَّما إلهكم إلهٌ واحد فمن كان يرجو لقاء ربِّه فليعمل عملاً صالحًا ولا يشرك بعبادة ربِّه أحدًا".

إن التنظيم الذي يخلص عمله لله، بعيدًا عن أية نفعية أو وصولية،هو التنظيم الذي لا يرى له مصلحة إلا مصلحة هذا الدين، ويرى في غير ذلك لونًا من ألوان الشِّرْك، ووقوعًا فيما نهى الإسلام عنه وحذر منه،إن هذا التنظيم – إن وُجدَِ - هو الجديربنصرالله وتأييده،وبإمامةالمسلمين وقيادتهم.

في ضوء كلِّ ذلك يكون المطلوب دائمًا وأبدًا تجريد العمل للإسلام من كلِّ لوثةٍ وصوليَّةٍ،أو غرضٍ فرديٍّ أو جماعيٍّ أو تنظيميّ، انسجامًا مع خلوص العبوديَّة لله تعالى، الذي أكَّدته وأكَّدت عليه الآية الكريمة في قوله تعالى:{ قل إنَّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ربِّ العالمين لا شريك له وبذلك أمرت} .

وبحسب هذه المعادلة، يكون الولاء لله تعالى وحده، كما يكون شرط السمع والطاعة للقيادة: طاعتها له والتزامها شرعه، فالطاعة بالمعروف ولا طاعة بالمعصية، وفي الحديث:(السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحبَّ وكره ما لم يُؤمر بمعصية، فإن أُمِر بمعصيةٍ فلا سمع عليه ولا طاعة)رواه الترمذي، وقال: حسنٌ صحيح.

وفي خطبة الولاية لأبي بكر الصديق رضي الله عنه:(أطيعوني ما أطعتُ الله فيكم، فإن عصيتُ فلا طاعة لي عليكم).

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول:(ألا كلكم راعٍ، وكلكم مسئول عن رعيته)رواه أبو داود بسندٍ صحيح.

ووفق هذه القاعدة يصبح شرط الانتماء إلى التنظيم تحقيق الانتماء للإسلام والتزام مبادئه وقيمه، وحمل

رسالته، وتبليغ دعوته،والاحتكام إليه،والجهاد في سبيله.


هكذا فعل الإمام الشهيد حسن البنا

الإمام حسن البنا

ولقد وعى مؤسِّس الحركة الإسلاميَّة الراشدة تلك الحقيقة الثابتة، فيوم أسَّس الإمام حسن البنا "جماعة الإخوان المسلمين" واختار لها شعاراتها، لم يجعل للتنظيم أدنى نصيبٍ فيها، فقال: "الله غايتنا – الرسول قدوتنا – القرآن دستورنا – الجهاد سبيلنا – الموت في سبيل الله أسمى أمانينا".

أذكر أنَّني في الستينيات ألقيت خطابًا بمناسبة افتتاح مركزٍ للعمل الإسلاميِّ في إحدى المدن اللبنانية، وكان في الحضور حشدٌ من العلماء،قلت في مطلع الكلام:(هنالك قضيَّةٌ يجب أن ندركها تمام الإدراك، ونعيها تمام الوعي، ونذكرها دائمًا ولا ننسها، وبخاصَّةٍ لدى افتتاحنا اليوم لمركزٍ من مراكز العمل الإسلاميِّ في لبنان،وهي أنَّنا مسلمون قبل أن نكون "إخوانًا مسلمين"، وأنَّنا جماعةٌ من المسلمين ولسنا جماعة المسلمين.. فالإسلام قبلنا وبعدنا،وبنا وبدوننا،وإن نتولَّى يستبدل الله قومًا غيرنا ولن نضرَّه شيئاً،وسيجزي الله الشاكرين،أوَليس هو القائل في محكم كتابه: (ومن جاهد فإنَّما يجاهد لنفسه إنَّ الله لغنيٌّ عن العالمين).


من يحملون الدعوة ومن تحملهم!

الامام حسن البنا

ومما يؤثر عن الإمام البنا رحمه الله أنه كان يستقل وعدد من اخوانه القطار في طريقهم الى الأرياف للقيام بجولة دعوية،فلما اكتمل عدد الركاب،وأوشك القطار على الانطلاق،تسلقت أعداد من الناس أبوابه وعتباته حتى غصت بهم ممراته،وأزعجوا الحاضرين،ودون أن يقطعوا تذكرة أو يدفعوا أجرا !! فأطرق الإمام وقال : الا ترون الى هذا القطار والى هؤلاء المتسلقين والمقتحمين،فإنهم يشبهون حال الاسلام وحال دعوتنا الى حد كبير .. ثم تنهد وقال : إن فينا من يحمل الاسلام ومن يحمله الاسلام،وإن من بيننا من يعيش هم الدعوة ومن يكون هما وغما عليها ! فاستبقوا الخيرات وليحدد كل دربه وفريق عمله، والله يحب المحسنين ..

المصدر