فن قيادة النفس البشرية (1)

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
فن قيادة النفس البشرية (1)
أ. أبو جرة سلطاني.jpg

بقلم: الشيخ أبو جرة سلطاني- رئيس حركة مجتمع السلم

"من ظلم نفسه كان لغيره أظلم، ومن هدم دينه كان لمجده أهدم" الأحنف بن قيس الإنسان كائن معقد، و"عُقَدُهُ" مركبة من المطبوع والمصنوع، فبعض العُقَدِ تلد معه وراثةً والبعض الآخر يكتسبها عادةً أو تقليدًا من واقعة الاجتماعي ومستواه الثقافي ومن مشاهداته ومسموعاته وسفرياته في الأقطار والأمصار، فإذا صادف أن عاش هذا الكائن الحي في بيئة معقدة تحول إلى "مفاعل نفسي" لا يقل خطره عن خطر أسلحة الدمار الشامل، ويحتاج حقًا إلى جلسات طويلة لنزع ما بنفسه من ألغام وتفكيك ما في مساحاته الثقافية من حقول مزروعة بقنابل الحقد، والحسد، والكراهية، وسوء الظن، والتوجس، والكبرياء، والصلف، وحب التسلط، والظلم، وضيق الأفق، وحب الانتقام، والكذب، والغيبة، والنميمة، وشهادة الزور..إلخ.

لقد أحصى أحد علماء التربية وعلم السلوك سبعة وسبعين (77) مرضًا تحاصر الإنسان غير السوي، وهي بمثابة الحصون التي يضربها العدو الخائف على نفسه لمنع وصول أي شيء إليه ولو كان خيرًا، بل هي أشبه ما تكون بحراس المعبد الذين لا يرون في كل حائم حول معبدهم إلاّ مشاهد التآمر والتخابر والوقيعة، فإذا قام مَن ينصحهم أو يوجه نظراتهم الضيقة (المحبوسة في أقفاص التهم) رموه بكل نقيصة، وخلعوا عليه من النعوت والصفات ما لم يصف به القرآن إلا الأباليس والمردة والشياطين بسبب ضيق أفقهم.

هذا النوع من البشر موجود في كل المتجمعات، وموزع بين جميع الفئات والجماعات، ولا يكاد يشذ عنه تجمع واحد حتى لو كان قائمًا في بيت النبوة (كنموذج إخوة يوسف عليه السلام) أو حتى حضرة الأنبياء (عليهم السلام ) والنماذج كثيرة وموصولة الثقة ببعضها من نموذج السامري الذي رافق موسى عليه السلام في رحلة العبور إلى نموذج ابن سلول الذي أفسدت عليه الهجرة النبوية المطهرة عرسًا كبيرًا كان سينتهي بجلوسه على عرش الأوس والخزرج بعد أن نجح في تحريك كوامن الأحقاد والإحن في نفسيات الطامحين للرئاسة والطامعين في أن يكونوا من "المقربين" من النافذين فكشفت الهجرة أستارهم وعرَّت المؤاخاة أفكارهم وسقط فرسا الرهان في مدارج "فأصبحتم بنعمته إخوانًا".

لقد ذكَّر القرآن الكريم بأبعاد هذا الصراع الكامن في تلافيف النفس البشرية، وأشار إلى أن العلاج كان تأليفًا بين القلوب، وهي العملة التي يجب أن يدور عليها فقه علم النفس الدعوي كمدرسة جديدة، أو متجددة، تفترض في الناس ست مسلّمات:

1- أنهم أصحاب علم بالموضوع وتفاصيله وليسوا جاهلين كما يتصور أصحاب الأفق الضيق.

2- أنهم ناضجون فكريًّا ومسئولون عن أنفسهم فيما يختارون أو يتركون.

3- أنهم ينظرون إليك بمثل ما تنظر أنت إليهم، ويشفقون عليك بالمثل تمامًا.

4- أنهم لا يتأثرون "بغزارة" علمك، وإنما بتأثير قدوتك إن كنت صاحب قدوة.

5- أن نفسياتهم "مشبعة" بقناعات سابقة تحتاج إلى تفريغ متدرج منهجي.

6- أن هناك "مشوشات" خارجية عليك، فلست في الدنيا وحدك الأستاذ.

لاحظ الأسلوب القرآني في عرض إشكالية النفس المجردة بصرف النظر عن إيمانها وكفرها، أو عن استقامتها واعوجاجها، أو عن كثرة عقدها وبساطة تركيبها، فالنفس هي النفس لا تتغير إلا بجهد مبذول يعطيها "قيمة مضافة" كالأرض تمامًا: تزرع قنطارًا في الجزائر فيعطيك عشرين (20) قنطارًا، ويزرع غيرك، نفس القنطار في كاليفورنيا فيعطيه الرقم مضاعفًا ثلاثة إلى أربع مرات، فلماذا تختلف النسب بيننا وبينهم والزرع واحد؟

السبب معروف: أن الفلاح الجزائري مازال يعتمد على العوامل الخارجية، فلا يبذل الجهد اللازم وينتظر الخير الوفير، فإذا لم يحصل ذلك الدولة جهده الذي لم يبذله، أما المزارع "عوضته " -غير الجزائري- فيستصحب العوامل الخارجية كأدوات مكملة، أما الأصل فهو الجهد المبذول من داخل العملية نفسها بدءًا بتحضير التربية وانتهاء بحسن التخزين.

هذا المثال الزراعي هو نفسه المنهج النفسي المعتمد في الفقه الدعوي بالخطوات السبع (7) المدونة في كتاب هداية النفس البشرية بالتقابل التالي:

- البشر في الجزائر يقابلهم الجنس البشري في أي بقعة على وجه الأرض، فالعنصر واحد.

- البذور الزراعية تقابلها النفسيات البشرية (فالبعض قمح والبعض خرطال).

- الأرض المهيأة للزراعة تقابلها البيئة الثقافية والاجتماعية لأي مجتمع.

- مياه السقي (مهما كان مصدرها) تقابلها المجهودات الدعوية كيفما كانت وجهتها.

- الفلاح أو المزارع هو الداعية أو العالم أو المصلح أو "الزعيم".

- الإرشاد الفلاحي (الوسائل، والإمكانات) يقابله المناهج والبرامج الدعوية والتربوية.

- مواسم البذر والحصاد، أو الزرع وجمع الغلال هي نفسها نتائج الجهد التربوي الكامل.

فما هو سر الفرق بين العشرين في محاصيل الجهد الزراعي الجزائري مثلاً والثمانين في محاصيل الجني في كاليفورنيا مثلاً؟ هل الخلل في الأرض، أم في البذور، أم في مياه السقي، أم في برامج الإرشاد، أم في طريقة الحصاد أم في منهج البذر؟ وهل صورة المنهج النفسي الدعوي هي نفسها هذه؟

الجواب سهل إلى درجة الضحك على الواقع برمته؛ لأن العيب، أو الخلل في العالم المتقدم (إن كان هناك عيب أو تقصير) يرد دائمًا للبشر؛ لأن البشر عندهم يتحملون المسئولية ونتائجها، أما عندنا فالتقصير أو الخلل يعزى دائمًا للجمادات، أو للحيوانات؛ لأن البشر عندنا مستعدون للقفز إلى أي كرسي شاغر ولكنهم- في الغالب الأعمى- ليسوا مستعدين لتحمل نتائج المسئولية، وليس ذلك فقط، وإنما هم متحفزون باستمرار لاتهام "الظروف" بأنها ضدهم حتى لو كانت هذه الظروف جائحة تأتي مرة بعد كل عشرين عامًا، وكان يفترض أن يهيئوا أنفسهم لهذه الجائحة.

ففقه التبرير لأي فشل صار مدرسة يقرأ فيها كل صاحب مسئولية درسًا واحدًا هو أن النجاح يأتي دائمًا بفضل "الأنا" والفشل تقف وراءه جيوش جراد يزحف "الأنتم" حتى لو كان هذا "الأنتم" على مساحات يعرف كل ملاكها أن احتمال زحف الجراد عليها وارد، ولو مرة كل عشرين عامًا، كما يعرفون أن الفيضانات، والحرائق، والسوس، البيوض، و"بوفروة" والبعوض..كلها عوامل تدخل في صميم العملية الزراعية، ويقرأ مهندسو الفلاحة كل ذلك في الجامعات والمعاهد المتخصصة.

هذا السلوك الزراعي ينطبق تمامًا على السلوك الدعوي، الأغلبية الساحقة من المنتسبين للدعوة يتحدثون بصوت عالٍ عن النجاحات الباهرة التي حققوها أو تحققت في أزمنة كانوا هم فيها المزارعين الكبار، فلما ضربت "نجاحاتهم" جائحة تشبه الجراد والبيوض والبعوض تجدهم يهرعون إلى الاحتماء بالفقه التبريري رافعين آلوية الفكر التآمري الذي صار مشجبًا يعلق عليه المنهزمون معاطفهم الثقيلة التي يريدون فرض لباسها على المصطافين من غير "مقدمات" مقنعة نفسيًّا وفكريًّا.

بهذا المثال الحي أطرح موضوعًا طالما تحاشته الأطراف الهاربة من مواجهة حقيقة فشل مشاريعها التي تعتقد أن مجرد طرحها أو إلقائها في الشارع كافٍ لأن تحتضنها الجماهير قياسًا على ثورة نوفمبر 1954 م، وأعني بذلك الجانب النفسي في فقه الأزمات وفي فهم مفاصل الدعوة ورجالها، أو قل بشكل أكثر تواضعًا: نفسيات الأفراد والجماعات التي نعرض عليها "بضاعتنا" هل تغيرت؟ هل هي بحاجة إلى "ضخّ" المزيد من المعرفة والفقه الاجتماعي حتى تتغير؟ هل ضحالة مردودنا الدعوي يعود إلى خلل في الزراع أم خلل في المزروع أو أنّ العيب في المتعهد بالزراعة الذي صار يوكل كل أمره إلى الأمطار الموسمية التي تأتي بها سحب الحملات الانتخابية وتتجمع في سدود صناديق الاقتراع؟

هذه السلسلة من الأحاديث في علم النفس الدعوي سوف تكشف النقاب عن أخطاء كانت قاتلة للمشروع، وسوف تقدم مقترحات نظرية وعملية على طريق التجديد الفكري والمعرفي يتناسب مع التحولات الحاصلة في المحيطين الإقليمي والدولي قد تنفع الزراع (المزارعين) الذين تصدروا مواكب الدعوة بمنهج الاعتماد على ماء السماء فقط، وكلهم يعلم أن الفرق بين زكاة ما سقته الأمطار، وما تم سقيه بالجهد البشري، كقيمة مضافة، هو نصف العشر وربع العشر، وهي إشارة فقهية لابد من أخذها بعين الاعتبار.

وكذلك الدعوات فيها زكاة ربع العشر للنافرين ثقالاً، وفيها زكاة نصف العشر للنافرين خفافًا، شتان بين مَن قصد الحق فأخطأه وبين من أراد "النفسيات" الباطل فأصابه، وبين من عرف "العضلات" فتعامل معها بالحسنى، ومن نظر إلى فعالجها بالخشنى.

المصدر

قالب:روابط أبو جرة سلطاني