فكر سيد قطب في ميزان الشرع

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
فكر سيد قطب في ميزان الشرع


بقلم:المستشار سالم البهنساوي



المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

إن القرآن الكريم ليس تشريعا فحسب , فهو حكم وتشريع , وهو كتاب هداية وعقيدة . قال الله تعالى : " ذلك الكتاب لا ريب فيه هدي للمتقين " ( البقرة ) وقال تعالى : " وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا " ( المائدة ) .

لهذا كان من الأهداف الرئيسية – التي ركز عليها سيد قطب – أن ربط حياة الإنسان بالعقيدة فهذا هو الذي يحرس التشريعات والقوانين ويحميها – وكرر الشهيد أن المعركة بين الأمة المسلمة وبين أعدائها هي معركة العقيدة , وهذا ما قرره القرآن الكريم في شأن تصفية الكفر لأصحاب الأخدود , حيث قال الله عن سبب هذه المذبحة : " وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد . الذي له ملك السموات والأرض والله على كل شيء شهيد " ( البروج ) .

والشهيد في كتاباته قد أوضح أن الجاهلية ليست حالة فردية , بل يتحرك أفرادها ككائن عضوي بعضهم أولياء بعض , ولهذا يجب أن نواجه هذه الجاهلية بذات الخصائص , ولكن بدرجة أعمق وأقوى , حتى لا تكون فتنة , ويكون الأمر كله لله .

ولقد غاب هذا الهدف عن بعض الشباب – خلال فترة البلاء الذي انصب عليهم – لا لشيء سوى أنهم كانوا يرتادون مساجد الله بالليل والنهار , وكان ذلك قبل هزيمة سنة 1967 م .

لهذا – ومن خلال ظروف المحنة – وجدوا أن كتابات الشهيد سيد قطب هي زادهم , وهي الترجمان الحقيقي لمعركتهم التي فرضت عليهم , ففهموا ما ورد في الظلال والمعالم على أنه المفاصلة الكاملة لهذه المجتمعات , وقطع الروابط بينها باعتبارها كافرة . . . ولقد تصيد بعض العلمانيين أقوال الشباب ونفخوا فيها , وحذروا الحكام من الحركة الإسلامية ومن مناهجها , كما صوروا الإسلام على أنه يعادي التقدم , وبالغوا في رأي الشباب المعتدى عليه , ونسبوا ذلك كله إلى الشهيد سيد قطب , حتى أعلنت صفحاتهم – وما أكثرها – أن كل تكفير , وكل تطرف , وكل انحراف إنما خرج من معطف سيد قطب .

لما كان ذلك , فقد أعددت هذا الكتيب كإغاثة مركزة لكل متلهف عن الحقيقة , ورد عاجل على كل من تجاوز وتعدى .

ونأمل أن يسود الحوار الهادئ , وأن يوفر المسئولون لذلك المناخ الطبيعي , والذي يبرئ السابقين من اتهامات الشباب , ليكون رائد الجميع عند حدود الله تعالى .

30 شعبان 1420 ه

10 ديسمبر 1999 م

سالم البهنساوي


الفصل الأول: المنهج الإسلامي بين العاطفة والعقيدة

تطور فكر الشهيد

لقد تطور فكر الشهيد سيد قطب تبعا لتطور حياته واهتماماته :

أ – فقد ظل متهما بالنواحي الأدبية إلى نهاية الأربعينات وكان من مدرسة العقاد , لهذا كانت دراسته للقرآن الكريم في هذه الفترة مقتصرة على النواحي الفنية الجمالية , فنشر في مجلة المقتطف مقالين بعنوان ( التصوير الفني في القرآن الكريم ) في عددي فبراير ومارس سنة 1939 م ( انظر : المجلد 94 ج 2 و ج 3 من المقتطف ) .

وفي عام 1945 م ألف كتابه ( التصوير الفني في القرآن ) وهو يمثل المنهج الجمالي الفني في القرآن الكريم .

وفي عام 1947 م أصدر كتابه الثاني ( مشاهد القيامة في القرآن ) وهو يتناول التصوير الفني في مشاهد القيامة من النعيم والعذاب .

وكان قد أعلن عن إصدار كتب أخرى في هذا المجال الفني وهو ( القصة بين التوراة والقرآن ) و ( النماذج الإنسانية في القرآن ) و ( المنطق الوجداني في القرآن ) و ( أساليب العرض الفني في القرآن ) . . .

ولكنه عدل عن ذلك حيث تغيرت اهتماماته وتطور منهجه من المنهج الجمالي إلى المنهج الفكري .

ب – بدأ ينشغل بالنواحي الفكرية في نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات , حيث جذبته دعوة الإخوان المسلمين للاهتمام بالأمور الفكرية والإصلاحية وذلك على أساس من المنهج الإسلامي .

فأصدر مجلة الفكر الجديد بتمويل من أحد الإخوان المسلمين وهو الحاج محمد حلمي المنياوي , صاحب دار الكتاب العربي , ولقد ضاقت بها الحاشية الملكية لهجومها على الإقطاع , والباشوات والرأسمالية , وعلى أصحاب النفوذ جميعا , فأغلقتها الحكومة المصرية بعد صدور اثني عشر عددا منها .

كما أصدر كتابه ( العدالة الاجتماعية في الإسلام ) فاعتبرته الأحزاب الشرعية عدوها الأول , حيث يسحب البساط من تحت أقدامها ويوجه المفكرين والمثقفين والجماهير إلى منهج آخر للإصلاح وذلك لتطبيقه في عالم الواقع , ذلك هو المنهج الإسلامي .

وقد اعتبرته الحكومة المصرية والملك فاروق الأول انتصارا للتيار الإسلامي الذي يمثله الإخوان المسلمين الذين كانوا في محنتهم الثانية بعد اشتراكهم في الحرب ضد اليهود في فلسطين , مما ظنه القصر وحماته خطرا على النظام الملكي , بما ناله الإخوان من شعبية , وبالتحالف الذي تم بينهم وبين الجيش في خلال حصار الجيش المصري في الفالوجا , وهو ما تمخض عنه ثورة يوليو 1952 م .

كما أصدر كتابه (السلام العالمي في الإسلام ) , وكتابه ( معركة الإسلام والرأسمالية ) .

كما بدأ في إصدار كتابه ( في ظلال القرآن الكريم ) , بدأه بمقالات في مجلة المسلمون التي كانت تصدر شهريا برئاسة سعيد رمضان في نهاية عام 1951 م , وبعد سبعة أعداد توقف معلنا أنه سيصدر الكتاب في أجزاء مستقلة فظهر الجزء الأول في أكتوبر 1952 م , وتوالت الأجزاء الأخرى وكلها كانت خواطر ووقفات وتأملات لا صلة لها بالأحكام الفقهية .

يقول في مقدمة الطبعة الأولى : ( فقد يرى فريق من قراء هذه الظلال أنها لون من تفسير القرآن , وقد يرى فريق أنها عرض للمبادئ العامة كما جاء بها القرآن , وقد يرى فريق ثالث أنها محاولة لشرح ذلك الدستور الإلهي في الحياة والمجتمع , وبيان الحكمة في ذلك الدستور , أما أنا فلم أتعمد شيئا من هذا كله وما جاوزت أن أسجل خواطري وأنا أحيا في تلك الظلال ) .

ج – ظل المنهج الفكري سالف الذكر حتى كانت نهاية مسرحية حادث المنشية في نهاية عام 1954 م والذي اتهم فيه الإخوان المسلمون بمحاولة اغتيال جمال عبد الناصر , فاعتقل سيد قطب ضمن آلاف الإخوان المسلمين وذلك على الرغم من أنه كان من أخلص المستشارين لجمال عبد الناصر ورفاقه . ومقالاته بعنوان ( فئران السفينة ) تبين مدى إخلاصه لهم وتحذيرهم من المنافقين الذين سماهم بهذا , لأن ما يهمهم هو خيرات السفينة ولا يهمهم من هو ربانها .

وقد حكم عليه بالسجن خمسة عشر عاما مع الأشغال الشاقة .

وبعد توقف التعذيب البدني في السجن بدأ يعيد النظر في هذه النكبات والمحن التي تعد للإسلاميين في أكثر البلاد العربية والإسلامية .

ولماذا يتنكر الحكام والساسة للمخلصين الصادقين ويتحالفون مع المنافقين والكذابين ؟ ! ولماذا تسكت الجماهير – بل يساق فريق منها للهتاف والتصفيق للطغاة والجلادين ؟ ! .

أعاد سيد قطب قراءته للقرآن الكريم بهذه الخواطر والاهتمامات , وقارن بين طبيعة الخلاف والصراع بين الإسلام والجاهلية خلال حياة الأنبياء والرسل , فكان منهجه الأخير في الظلال , وفي معالم في الطريق , يركز هذا المنهج على الصراع بين الأنبياء والرسل وبين الملأ من الجاهلين في عصور التاريخ .

ويركز على الواقع العملي في حياة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي يسميه : ( جيل قرءاني فريد ) .

ويتكلم عن الجماعة المسلمة وتصورها ومواجهتها للجاهلية .

ويتكلم عن الأمة الإسلامية ومواقفها من المجتمع الجاهلي .

ويؤكد أن أعداء الإسلام يحاربونه في معاركهم الثقافية والحركية من خلال تجمع حركي وليس من خلال شتات وتفرق .

لهذا يجب الاسترشاد بموقف الصحابة وحركتهم بالقرآن الكريم في مكة والمدينة , ليعاد صياغة الجماعة المؤمنة والأمة الإسلامية من جديد .

وهو في هذه المصطلحات كلها لا يصدر أحكاما بالكفر والإيمان على المسلمين القاعدين أو المنافقين , ولا يعني بالجماعة إلا مجتمع المسلمين أو الأمة الإسلامية تحت قيادة حاكم مسلم يلتزم بإسلامه .

إنه يدعو – في ظلاله – الأمة الإسلامية إلى التميز بخصائصها ومميزاتها التي بينها القرآن , وإلى أن تكون صورة عملية واقعية لمبادئ القرآن وقيمه , وإلى أن تقوم بمسؤوليتها , وتؤدي مهمتها التي رسمها القرآن , وإلى تبوء مكانتها القيادية في واقع البشرية .

ففي الظلال في مقدمة الطبعة المنقحة بين أهم نتيجة خرج بها من حياته في ظلال القرآن , وهي : " لا صلاح لهذه الأرض , ولا راحة لهذه البشرية , ولا طمأنينة لهذا الإنسان , ولا رفعة ولا بركة ولا طهارة , ولا تناسق مع سنن الكون وفطرة الحياة . . . . . إلا بالرجوع إلى الله . . . . . " .

وهذا الرجوع لا يتحقق إلا بالاحتكام إلى منهج الله , وتحكيم كتاب الله في الحياة كلها , ورد الحاكمية إلى الله , وبين أن شقاوة البشرية الآن سببها الوحيد هو تنحية الإسلام عن قيادة البشرية , ولهذا يدعو – بحرارة وإلحاح – الأمة الإسلامية إلى الرجوع إلى ربها , والعودة إلى تعاليم دينها , وتبوء مكانتها المرموقة .

ولما تحدث عن الحكمة من اختصاص المسلمين بقبلة خاصة , ودلالتها على تميز الأمة المسلمة , ركز على تميز الأمة بطبيعتها ووظيفتها ومكانتها . والجماعة المسلمة التي تتجه إلى قبلة مميزة يجب أن تدرك معنى هذا الاتجاه . . إن القبلة ليست مجرد مكان أو جهة تتجه إليها الجماعة في الصلاة , فالمكان أو الجهة ليس سوى رمز , رمز للتميز والاختصاص .

وكمظهر لتميزها , وكطريق لقيامها بمهمتها في حياة البشرية , يدعو إلى التلقي في كل حياتها عن الله وحده , وعدم التلقي عن أحد من البشر , وطاعة الله وحده , وعدم طاعة أحد من البشر , وإتباع طريق الله وحده , وعدم إتباع طريق أحد من البشر فإنها ستسقط من عين الله , ولا تمثل الأمة التي يخرجها القرآن كما يريد الله . . .

إنه يعتبر نشأة الأمة الإسلامية – بسماتها المميزة – وظهور الجماعة المسلمة – بواجبها المتميز – ضرورة من ضرورات المنهج الإلهي ذاته , علاوة عن كونه شرطا أساسيا لوجودها الفعلي كأمة ذات شخصية إسلامية وكيان وطبيعة وحضارة .

إن وجود هذه الأمة ضرورة لحياة الإسلام كمنهج لله سبحانه , فهي : ( الوسط الذي يتنفس فيه هذا المنهج ويتحقق في صورته الواقعية . . . . . . ) , لأن التصور الإسلامي عن الوجود والحياة لا يعيش إلا في وسط حي متفاعل معه , وهكذا عاش في الجماعة المسلمة الأولى , ذات قيادة مطاعة هي قيادة الرسول صلى الله عليه وسلم , وذات التزامات جماعية بين أفرادها , وذات كيان يميزها عن سائر الجماعات حولها , وذات آداب تتعلق بضمير الإنسان تراعى فيها – في الوقت ذاته – حياة هذه الجماعة , وذلك كله قبل أن تقوم الدولة المسلمة في المدينة , بل إن قيام تلك الجماعة كان هو وسيلة إقامة الدولة في المدينة . . . . . . . . .

حول النزاع في فكر سيد قطب

لقد اضطر سيد قطب لاستخدام عبارات غير محدده لمواجهة الأنظمة الاستبدادية , وفي مقدمتها النظام الناصري المصري , والذين فهموا ذلك لم يختلفوا على مفاهيم الشهيد وأفكاره .

وفي مقدمة هؤلاء المستشرق الفرنسي جيل كيبيل في كتابه ( النبي وفرعون ) حيث قال : ( الدولة الاستبدادية هي التي تعطي نموذجا للجاهلية , فالجاهلية في نظر سيد قطب عبارة عن تجمع يحكمه أمير فاسق يريد أن يعبده الناس من دون الله , يحكم وفقا لأهوائه وشهواته بدلا من أن يعمل بمبادئ الكتاب ) وعن سبب الاختلاف في المفاهيم الواردة في المعالم والظلال قال : ( إن إعدام سيد قطب المبكر وضع مفاهيمه وأفكاره في متناول الشعب بكل ما احتملته من مضامين غير واضحة أيضا , وأدى ذلك إلى وقوع سلاح التفكير , أما الذين لم يدركوا أن أكثر الكتاب في هذه المرحلة كانوا يستخدمون الرمز ولا يجرؤون على التصريح بشيء وإلا حكم عليهم بالموت السريع أو البطيء تخبطوا في فهم فكر سيد قطب ) . منهج القرآن والحضارات البشرية :

لقد أعاد سيد قطب طبعات الظلال على ضوء تجربته مع النظام الناصري , وتجربة سائر الإسلاميين أفراد وجماعات مع النظم العسكرية .

لقد نصبت هذه الأنظمة المشانق لصفوة من رواد الحركات الإسلامية في أكثر البلاد الإسلامية – والتي كان يحتلها الإنجليز والفرنسيون – وجاهد الإسلاميون لتحريرها من هذا الاحتلال , فكان أن بطشت بهم الأنظمة الوطنية , وحرمتهم من حقوق المواطن بما لم تشهد له هذه البلاد مثيلا في ظل الاحتلال الأجنبي .

لقد أعاد سيد قطب قراءته للقرآن الكريم , ليعقد المقارنات بين طبيعة الخلاف والصراع الحالي , وبين الإسلام الجاهلية خلال حياة الرسل بمصطلحات جديدة . وكان منهجه الفكري الجديد مفاهيم لا تعتبر أحكاما شرعية بفكر الأفراد أو المجتمعات , فقد أفصح صاحب هذه المصطلحات أنها ليست إلا تصورات لطبيعة الصراع , ومعالم على طريق هذا الصراع .

لهذا يخطئ من يستخلص منها أحكاما شرعية بكفر الأفراد أو لمجتمعات , فالمقارنة التي أوردها – بين الجاهلية الأولى وبين الحضارة المادية والمعاصرة – ليست لاستخلاص حكم شرعي مماثل لحكم الله في الجاهلية الأولى .

إنها مقارنة لمعرفة طبيعة الخلاف والصراع , والذي يجهله الكثيرون .

إنه من الخطأ البين : أن نستخلص من هذه المقارنة حكما بكفر الشعوب الإسلامية المحكومة بهذه الأنظمة العسكرية , ولا بكفر أشخاص الحكام .

إن مصطلح الجاهلية في فكر سيد قطب يراد به جاهلية المناهج والتشريعات , التي تناهض شريعة الله وتحاربها .

لقد تضمن هذا الكتيب ملخصا لهذه القضية والخلاف الطارئ بشأن هذه المفاهيم والصواب في ذلك , اكتفاء بالتفصيل الوارد في كتابي (أضواء على معالم في الطريق ) وكتابي (الحكم وقضية تكفير المسلم ) .


المنهج الغائب

لقد وقع بعض الناس في أخطاء باعتقادهم أن ما أورده سيد قطب من جاهلية المجتمع , تعني كفر المسلمين في عصرنا , ورتبوا على ذلك نتائج متباينة كما رأيت .

كما وقع بعض الباحثين في أخطاء جسيمة بالحكم على المؤلف من خلال أقوال بعض الشباب " حتى وضع أحدهم له قاموس اتهامات هي :

1 – اتهموه بتكفير المسلمين , وإن صلوا وصاموا وحجوا , باستثناء أعضاء التنظيم .

2 – حكم أن مجتمع المسلمين دار حرب , ويجب أن يحارب أهلها , وأن تعمل على هدمها , وألا نمدها بأسباب الحياة .

3 – أمر بعزلة المجتمعات , عزلة بالوجود والكينونة لا بالمشاعر فقط , حتى لا يؤدي اتصالهم بالمجتمع إلى تقويته في حين يجب هدمه .

4 – يدعو إلى أن تقوم العلاقة بين المسلمين وغيرهم على أساس أحكام دار الحرب , حتى ولو لم يكن منهم اعتداء على المسلمين .

لقد حصر الدكتور صلاح دحبور أخطاء هؤلاء الكتاب والشباب , وذلك في رسالته للدكتوراه (في ظلال القرآن ) التي قدمها إلى كلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود , ويمكن حصر هذه الأخطاء في الآتي :

1 – تعمد البحث عن الأخطاء وتسجيل العيوب .

2 – عدم التفريق بين الخطأ في المنهج – كخطأ الجوارح – والخطأ في الفروع , والذي هو طبيعة البشر .

3 – الخطأ في النتيجة , وذلك باستبعاد فكر الشهيد وكتبه , استنادا إلى الخطأ في المقدمات الممثلة في البندين 1 , 2 .

3 – قياس فكر الشهيد على ما يحمله الناقد من معتقد أو مذهب , ومن ثم الحكم بخطئه في كل ما يخالف هذا المذهب , ودون إدراك أن فكر الشهيد فكر سلفي قبل الخلاف المذهبي والكلامي .

5 – عدم جمع أقواله في الموضوع الواحد , ثم التركيز على موضع واحد وتفسيره , طبقا لانطباع الباحث وما يهواه .

6 – إغفال المنهج الإسلامي في الحكم على الفكر عند تعارضه .

فما هي حقيقة أراء سيد قطب ؟ وما هو المنهج الواجب إتباعه عند الخلاف أو احتمال الأقوال لمعان عديدة ؟

المنهج الإسلامي وفكر سيد قطب

إن علماء المسلمين يتبعون المنهج الإسلامي في الحكم على الأقوال والأفكار , أو لاستخلاص الحكم الشرعي من نصوص القرآن والسنة , ويقتضي هذا المنهج جمع الأقوال في الموضوع الواحد لاستخلاص الحكم منها :

أ – ففي قول الله تعالى : ( ولله على الناس حج البيت لمن استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ) أل عمران . . . .

لا يقال بكفر من تخلف عن الحج , وإنما يقصرون الكفر على من أنكر فريضة الحج .

ب – وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم : " سباب المسلم فسوق وقتاله كفر " . لا يقولون بكفر المتقاتلين وخروجهم عن الملة , بل يقولون : إن الكفر هنا هو الكفر بنعمة الإسلام أو الكفر المجازي .

ج – وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم : " فرق بين الرجل والكفر ترك الصلاة " , يقولون : إن الكفر هنا يكون بإنكار فريضة الصلاة , أما من تركها كلا فلا يكفر بالله تعالى .

ففي جميع هذه الحالات لا يقولون بالكفر الذي يخرج عن الملة , بل يقولون : إنه الكفر العملي أو المجازي , أو الكفر بنعمة الإسلام , وذلك لوجود نصوص أخرى من القرآن أو السنة تصرف لفظ الكفر هنا عن معناه الحقيقي إلى المعنى المجازي .

فإذا كان هذا هو المنهاج مع ما ورد عن الله ورسوله , فمن باب أولى يطبق هذا على أقوال الناس , لأنها ليست حاكمة على القرآن والسنة , بل محكومة بهما , ولأنه يفترض في المسلمين – ولا سيما العلماء – أن يخضعوا في القول والعمل للقرآن والسنة , فإذا صدر منهم لفظ يحتمل أكثر من معنى , يجب أن تصرفه إلى المعنى الموافق للقرآن والسنة .

وليس هذا دفاعا عن المصطلحات التي أحدثت لبسا – كالمفاصلة والجاهلية أو غيرها – إنما لبيان الحكم الشرعي الذي التبس على بعض الإخوة , ومنهم بضعة عشر نفرا تخرجوا في الكليات الإسلامية , مع الإشارة أنه لا ينبغي إطلاق المصطلحات الحادة , والاستعانة بالأسلوب الأدبي المثير , دون تحديد الحكم الشرعي في نفس المكان وليس في كتاب آخر , خصوصا الكاتب الذي يتصدى لقضايا تتصل بالعقيدة , ليس كتناول أمور الحركة والوعظ والترهيب والترغيب , أو الأدب والشعر والصحافة , لهذا وجدنا علماء المسلمين – على مر العصور – يستخدمون عبارات وكلمات دقيقة , ويزنون ذلك بموازين فقهية في غاية الدقة والضبط وفي ما يلي أهم هذه القواعد :

القاعدة الأولى : عدم إتباع المتشابه , وموازين تكفير المسلم

إذا كان الموضوع قد ورد بشأنه عدة أقوال , فلا يتم تصيد القول الذي يثير الفتنة , بل يجب جمع الأقوال في الموضوع الواحد لنصل إلى الحكم الصحيح , أما اختيار ما يتفق مع اتجاه جماعة من الجماعات لدعم هذا الاتجاه بالأخذ بظواهر بعض الآيات والأحاديث أو عبارات بعض الكتاب , فهو إتباع للمتشابه الذي نهى الله تعالى عنه في قوله عز وجل : " فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله " . ( أل عمران )

فمن قبيل الفتنة : ما نسب إلى سيد قطب من القول بتكفير المسلمين الذين يشهدون أن لا إله إلا الله ويقيمون الصلاة , فهذا أثر ونتيجة الحكم بالهوى , والابتعاد عن الموضوعية ونزاهة القصد , والدليل على ذلك , وعلى سبيل المثال :

أولا : المجتمع الجاهلي :

ورد بالمعالم تحت بند : ( لا إله إلا الله منهج حياة ) إن المجتمع الجاهلي : هو المجتمع الذي لا يخلص عبوديته لله وحده , ثم ذكر أنه يدخل في ذك :

أ – المجتمع الشيوعي

ب – المجتمعات الوثنية .

ج – المجتمعات اليهودية والنصرانية .

د – المجتمعات التي تزعم لنفسها أنها مسلمة .

ثم شرح سيد قطب هذه العبارات ليوضح المقصود منها , ولكن بعض من أدعوا محبته , وكذا من يناصبون منهجه العداء لعلمانيتهم أو لتبعيتهم لآخرين , قد زعموا أنه يقول بكفر المسلمين في عصرنا , ومنهم من رتب على ذلك أحكاما تتفاوت باختلاف قصده .

ومنهم من زعم أن سيد قطب أعلن لهم : أن النطق بالشهادتين لا يعد دليلا على إسلام المرء , فلا يعتبر مسلما من صلى وصام , ولم ينخرط في الجماعة التي تبني الحاكمية وفق مفهوم المخالفين , حسب ما هو مفصل في كتاب ( الحكم وقضية تكفير المسلم ) وكتاب ( ذكرياتي في جماعة المسلمين ) .

ولقد رتب بعض العلمانيين على ذلك مزاعم نسبوها إليه وإلى غيره من الدعاة – أفرادا وجماعات – حسب ما ذكرناه من قبل .

والأستاذ سيد قطب بريء من هذه النتائج , فقد أوضح في شرحه لهذه العبارات سبب الوصف بالجاهلية للمجتمعات التي تدعي الإسلام .

وهو لا يطلق كلمة الجاهلية دون تحديد , فما كان منها متعلقا بالعقيدة ركز عليه , وما كان منها متعلقا بالتقليد أشار إليه .

والدليل الأول :

قوله : ( لقد حاول اليهود – بمساعدة الحمير الذين يستخدمونهم من الصليبيين – أن ينشروا موجة من الإلحاد في نفوس الأمم التي تعلن الإسلام عقيدة لها ودينا .

ومع أن الإسلام كان قد بهت وذبل في هذه النفوس , فإن الموجة التي أطلقوها عن طريق البطل ( أتاتورك ) في تركيا انحسرت على الرغم من كل ما بذلوه لها وللبطل من التمجيد والمساعدة , وعلى كل ما ألفوه من الكتب عن البطل والتجربة الرائدة التي قام بها . . . . . ومن ثم استداروا في التجارب الجديدة يستفيدون من تجربة أتاتورك ألا يرفعوا على التجارب الرائدة راية الإلحاد , إنما يرفعون عليها راية الإسلام , كي لا تصطدم الفطرة كما صدمتها تجربة أتاتورك , ثم يجعلون تحت هذه الراية ما يريدون من المستنقعات والقاذورات والانحلال الخلقي , ومن أجهزة التدمير للخامة البشرية بجملتها في الرفعة الإسلامية ) .

الدليل الثاني :

قوله : ( فالشرك بالله المخالف لشهادة أن لا إله إلا الله يتمثل في كل وضع , وفي كل حالة لا تكون فيها الدينونة في كل شأن من شؤون الحياة خالصة لله وحده , ويكفي أن يدين العبد لله في جوانب من حياته , بينما هو يدين في جوانب أخرى لغير الله حتى تتحقق صورة الشرك وحقيقته , وتقديم الشعائر ليس إلا صورة واحدة من صور الدينونة الكثيرة . . . . . .

والذي يظنون أنهم في دين الله , لأنهم يقولون لأقوامهم : نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويدينون فعلا في شئون الطهارة والشعائر والزواج والطلاق والميراث , بينما هم يدينون فيما وراء هذا الركن الضيق لغير الله , ويخضعون لشرائع لم يأذن بها الله , وكثرتها مما يخالف مخالفة صريحة شريعة الله , ثم هم يبذلون أرواحهم وأموالهم وأعراضهم وأخلاقهم أرادوا أم لم يريدوا , ليتحقق ما تتطلبه فيهم الأحكام الجديدة , فإذا تعارض دين أو خلق أو عرض مع مطالب هذه الأحكام , نبذت أوامر الله فيها , ونفذت مطالب هذه الأصنام ) . . . . . عليهم أن يضيقوا لما هم فيه من الشرك .

الدليل الثالث :

ما أورده عن معنى قول الله تعالى " ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا " ( النساء 94 )

قال في الظلال : يكتفي الإسلام هنا بالنطق بكلمة اللسان , فلا دليل يناقضها , أي أنه يقول بإسلام من نطق بالشهادتين دون انتظار لامتحانه , إذ أنه لا يوجد دليل يخالف هذا الظاهر .

الدليل الرابع ورأي بن باز :

وهو في موضع آخر يحدد قصده من الجاهلية بقوله :

( إنها تعلن العلمانية كمنهج في التشريع وفي الحياة كلها , وبعضها وضع قوانين من عند نفسه تخالف شرع الله , وقال عنها : هذا شرع الله ) . ولا يخفى على من يفقه الإسلام : أن هذه الأعمال تصبح سببا لردة المسلم عن الإسلام إذا قالها أو فعلها وهو على بينة من دلالاتها .

وقد أوضح بيان صدر بتوقيع الشيخ عبد العزيز بن باز أن مثل هذه الأعمال تعتبر ردة عن الإسلام , وذلك في كتيب صدر عام 1402 ه / 1982 م عن إدارة البحوث والإفتاء بالمملكة العربية السعودية بعنوان : ( دليل الحاج والمعتمر ) . . فذكر البيان : أن من أسباب الردة الاعتقاد بجوار الحكم بغير ما أنزل الله , وإن لم يعتقد أن ذلك أفضل من حكم الله , وكذلك الإعراض الكلي عن الإسلام .


ثانيا : الجماعة و الكفر :

ذكرنا أقوال خصوم الشهيد وكذا من زعموا التبعية له , وكلها تزعم أنه يكفر من ليس في جماعته . وفي الظلال يصف المسلم غير المرتبط بالجماعة , بل القاعد من الأفراد بقوله : ( أما القاعدون من المسلمين – الباحثين والمفسرين الذين لا تحركون حركة علمية بالقرآن – فهم لا يفهمون القرآن , ولا يحسنون تفسيره , ولا يدركون منهجه . إن هذا القرآن لا يتذوقه إلا من يخوض مثل هذه المعركة ويواجه مثل تلك المواقف التي تنزل فيها ليواجهها ويوجهها , والذين يتلمسون معاني القرآن ودلالته – وهم قاعدون يدرسونه دراسة بيانية أو فنية – لا يملكون أن يجدوا من حقيقته شيئا في هذه القعدة الباردة الساكنة , بعيد عن المعركة , وبعيد عن الحركة ) وقد سئل – رحمه الله – في تحقيقات الجناية 12 / 1965 أمن الدولة العليا بمصر : هل ترى أن هناك فرقا بين المسلم المنتمي لجماعة الإخوان وغير المنتمي لتلك الجماعة ؟ والسؤال من صلاح نصار رئيس النسابة . وكان الجواب هو :

( الذي يميز الإخوان : أن لهم برنامجا محددا في تحقيق الإسلام , فيكونون مقدمين في نظري على من ليس لهم برنامج محدد ) .

( والتمييز في رأيي ليس تمييز شخص على شخص , ولكن فقط باعتبار أن الجماعة ذات برنامج , وأن كل شخص فيها مرتبط بهذا البرنامج لتحقيق الإسلام , وهذا وجه التمييز ) .

ولكن مع هذا الوضوح والتحديد , ما زال ينسب إليه القول بكفر غير المنتظم في الجماعة .

ثالثا : دار الحرب :

وأخيرا : فإن ما نسب إلي سيد قطب من اعتبار غير المسلمين دار حرب , ويجب استخدام السيف معهم , حتى لو لم يكن منهم اعتداء على المسلمين هو كذب صريح عليه , فقد كتب في الظلال أقوال الأستاذ محمد عزة دروزة , التي تضمن أن أهل التأويل والتفسير تكلموا عن آية السيف , ويعتبرونها ناسخة لكل آية فيها أمر بالتسامح مع المشركين . . . . . وآية الجزية واعتبرها سيفا في أهل الكتاب .

وكان تعقيب سيد قطب هو بنصه :

أ – ( آيات سورة التوبة إلى الآية الثانية والعشرين نزلت تحدد العلاقات النهائية بين المجتمع الإسلامي – الذي استقر وجوده بالمدينة وفي الجزيرة العربية بصفة عامة – وبين بقية المشركين في الجزيرة . . . . . ) . إنها خاصة بمشركين العرب في الجزيرة العربية . وليست حكما عاما لجميع الناس على وجه الأرض .

ب – الأجل الذي ضربه الله للمعاهدين : " فسيحوا في الأرض أربعة أشهر " ( التوبة 2 ) إنما هو لأهل العهد الذي ظاهروا على الرسول ونقضوا عهدهم قبل انقضاء موته .

فأما الذين لم ينقضوا عهدهم ولم يظاهروا عليه , فإن الله أمر نبيه بإتمام العهد بينهم إلى مدته .

ج – وقال : ( من العجيب أن يقال : إن آية سورة التوبة نسخت كل العهود , وشرعت قتال المشركين إطلاقا , بينما الآيتان اللتان تستثنيان غير الناقضين واردتان في نفس السياق ) .

لقد قام لذلك الشهيد سيد قطب بأن نقل عن محمد عزة دروزة قوله :

( ولقد نبهنا قبل على أن أهل التأويل والمفسرين يسمون الآية الثانية : " فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم " ( التوبة : 5 ) , آية السيف , ويعتبرونها ناسخة لكل آية فيها أمر بالتسامح والتساهل مع المشركين وإمهالهم والإغضاء والصفح والإعراض عنهم , وتوجب قتالهم إطلاقا , وبعضهم يستثني المعاهدين منهم إلى مدتهم , وبعضهم لا يستثنيهم ولا يجوز قبول غير الإسلام منهم بعد نزولها . وقال – رحمه الله : ونبهنا على ما في الأعداء وترك المسالمين والموادين وبرهم والإقساط إليهم ) ثم قال : ( وروى ابن كثير , أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث علي بن أبي طالب بهذه السورة , حيث بعثه يؤذن في الناس يوم الحج الأكبر بحكمها وهذه الآية :

1 – وسماها سيفا في المشركين من العرب .

2 – وسيفا في قتال أهل الكتاب وهي أية : " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون "

3 – وسيفا في المنافقين , وهو قول الله في سورة التوبة : " يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم " ( التوبة 73 )

4 – وسيفا في قتال الباغين , وهو هذه الآية في سورة الحجرات : " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله " ( الحجرات  : 9 ) . ثم نقل عن الشيخ دروزة ( ومن العجيب : أن الطبري ذهب إلى أنه هذه الآية تشمل المعاهدين ومن لا عهد لهم إطلاقا دون تفريق , مع أنه قرر في سياق أية الممتحنة هذه : " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين ( 8 ) " ( الممتحنة ) .

أنها محكمة , وأن الله لا ينهي المسلمين عن البر والإقساط لمن يقف منهم موقف المسألة والمحاسنة والحياد من أية ملة كانوا , وهؤلاء قد لا يكونون معاهدين ) .

نقل الشهيد سيد قطب هذا ثم قال : ( واضح أن المؤلف لا يلقي باله إلى طبيعة المنهج الحركي في الإسلام ومواجهته للواقع بوسائل مكافئة , فهو يحيل الأحكام النهائية الأخيرة على النصوص السابقة كانت تواجه حالات واقعة غير الحالة التي جاءت النصوص الأخيرة تواجهها , وحقيقة أن هذه الأحكام ليست منسوخة – أي عهود الموادعة والأمان – بمعنى أنه يجوز الأخذ بها مهما تكن الأحوال بعد نزول الأحكام الأخيرة , ولكنها لا تقيد المسلمين إذا واجهتهم حالات كالتي واجهتها النصوص الأخيرة , وكانوا قادرين على تنفيذها ) .

ثم انتهى إلى تلخيص الأحكام السالف ذكرها , وهي تتضمن أن هذه الآيات خاصة بمشركي العرب , وأن المعاهدين تحترم عهودهم بصراحة ووضوح لا لبس فيه ولا إبهام , ولكن العلمانيين والسذج من محييه ينسبون إليه ما لا يجول بخاطره .

القاعدة الثانية : الاحتكام إلى القرآن والسنة

إن القاعدة الإسلامية : أنه عند الخلاف والتنازع يجب الاحتكام إلى القرآن والسنة , قال الله تعالى : " فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ( النساء 59 ) .

وتطبيقا لهذه القاعدة يفهم قول النبي صلى الله عليه وسلم : " سباب المسلم فسوق , وقتاله كفر " , يرد ذلك إلى قول الله تعالى : " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما " ( الحجرات : 9 ) .

فمن هذا يتضح أن الاقتتال بين المؤمنين ليس كفر , ومن ثم يفهم الحديث النبوي : " وقتاله كفر " على أنه الكفر بنعمة الإسلام وليس الكفر المخرج عن الملة .

ولكن من ذكرنا تجاهلوا هذه القاعدة وتلمسوا أقوالا لسيد قطب ظاهرها يفيد الكفر , وهؤلاء لم يكلفوا أنفسهم عناء البحث في مؤلفاته لإثبات هذه الافتراضات أو نفيها , وأشاعوا الفتنة بهذه الأقوال وغيرها .

وفي ما يلي بعض الأمثلة على ذلك :

1 – نسبوا إليه فكرة المرحلية في عصرنا , ومقتضاها : أن المجتمعات المعاصرة تشبه المجتمع الكلي قبل الهجرة , وتأخذ حكمه من حيث وجوب الهجرة منها واعتزالها والكف عن القتال , فالجهاد بالكلمة فقط , حتى تقام الدولة الإسلامية التي يفرض فيها القتال . وسيد قطب لا يقول بذلك , فقال : ( إنه في الفترة المكية كان الولاء للعقيدة في المقام الأول – بما في ذلك الإرث والتكافل – فلما انتصر الإسلام في بدر , عدلت أحكام تلك الفترة الاستثنائية ) , وهؤلاء قد التمسوا قوله عن الحركة الجهادية وأولوه .

لقد قال :

( إن خطة الحركة الجهادية – كما يرسمها القرآن – خطة مرحلية , إنها تأمر بقتال الذين يلون دار الإسلام , فإذا انتهى قتالهم , انتقلت جيوش الجهاد إلى الذين يلونهم وهكذا , وبهذه الخطة القرآنية تتوحد الرقعة الإسلامية , وتتصل حدودها , ولا توجد جيوب فيها لأعدائها . . . . . وعلى هدي هذه الخطة سارت حركة الفتح الإسلامي الأولى مرحلة مرحلة , فلما أسلمت الجزيرة العربية , كان التوجه إلى بلاد العراق ثم بلاد الشام " .

فالمرحلية عند سيد قطب تتعلق بالحركة الجهادية , ولا تشير من قريب أو بعيد إلى القول بالمرحلية في الأحكام الشرعية في عصرنا , كالتي كانت في العهد المكي , حيث لم يفرض الجهاد ولم تفرض الحدود والزكاة وغير ذلك . فمن قال : إننا اليوم في العصر المكي ولا تلزمنا هذه الأحكام , فقد ابتدع ذلك من عنده , وحلل وحرم في دين الله , وهو ما يروجه المدعو محمود طه في السودان وبعض الجاهلين في مصر .

2 – إن المرحلية التي ينسبونها إلى سيد قطب تفيد حل زواج المشركات في عصرنا , بدعوى أننا في العصر المكي , حيث كان يباح زواج المشركات , ولكن في الظلال في سورة البقرة الآية 221 بشأن الزواج يقول : إنه قد تضمن اثني عشر حكما من أحكام الزواج .

ويقول : ( الحكم الأول يتضمن النهي عن زواج المسلم بمشركة , وعن تزويج المشرك إلى مسلمة ) .

فهذه أقوال صريحة في أن المزاعم التي روجها بعضهم ورددها آخرون – من أن سيد قطب يقول بحل زواج المشركات – في عصرنا – بدعوى أننا ما زلنا في العهد الملكي – مزاعم باطلة – فضلا عن أن هؤلاء يجهلون أن الحكم الوارد في سورة الممتحنة بتحريم المشركات لقول الله :

" ولا تمسكوا بعصم الكوافر " ( الممتحنة : 10 ) قد طبق على المسلمين في مكة والمدينة , فطبق في مكة على السيدة زينب بنت الرسول صلى الله عليه وسلم , ففسخ زواجها من العاص بن الربيع .

القاعدة الثالثة : التفرقة بين القضاة والدعاة

إن الخطأ الجسيم الذي يقع فيه بعض من يقرأ كتب الدعاة – الذين يركزون على تحكيم شرع الله تعالى , كالمعالم والظلال , والمصطلحات الأربعة , هذا الخطأ – هو اعتبار أقوال هؤلاء أحكاما شرعية كتلك التي يصدرها القضاة , أو أحكاما فقهية قد صدرت عن الفقهاء المختصين في الفتوى , وهؤلاء لم يقصدوا إصدار أحكام على المسلمين , بل إن الشهيد سيد قطب قد صح أكثر من مرة , وفي أكثر من موضع : أنه من رغب في معرفة الحكم الشرعي في المسألة , فليرجع إلى كتب الفقه , وأعلن أننا دعاة ولسنا قضاة .

ومع هذا , فإن بعض من زعموا أنهم تلاميذه أهدروا الحكم الفقهي وكتب الفقه , وزعموا أنه أرشدهم إلى نبذ كتب الفقه , لأن التلقي المباشر من القرآن الكريم هو المنهج القويم , ولأن هذه الكتب وضعت في عصور لا تلاءم عصرنا , كما أن خصومه – بل وخصوم الإسلام – حاولوا الصيد في الماء العكر , ونرجو مخلصين أن يدركوا أن سيد قطب ليس رسولا , وبالتالي فأقواله إن أمكن تأويلها بما يتفق مع القرآن والحديث النبوي , وما أجمع عليه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان الواجب المصير إلى هذا التأويل عند التعارض , وسيد قطب قد صرح بتبنيه هذا المنهج , وذكر ذلك في مواضع عدة , منها :

أ – فقد ذكر في مواضع مختلفة بما ينفي عن نفسه الشبهة التي قد تلحق بكتب الدعاة , وهو اعتبار ما فيها أحكاما شرعية بالكفر والإيمان , فكيف نلصق به هذه التهمة مع أنه في الحالات التي تبنى فيها حكما شرعيا يعلن رجوعه عنه إذا اتصل بعلمه وجود حديث نبوي في الموضوع الذي اجتهده , ففي تبيانه لقول الله تعالى : " فمن شهد منكم الشهر فليصمه " ( البقرة : 185 ) قال : إنه لا ينسخ التخيير السابق , ولكنه عاد في الطبعة التالية , وأعلن أن بعض الإخوان قد أرشدوه إلى أثار تفيد النسخ , ولهذا يعلن رجوعه عن رأيه , ونزوله على الرأي الذي ترجحه الآثار .

وبهذا انتهى إلى أن التخيير قد نسخ , وموقفه هذا يبطل دعاوي من ينسبون إليه هذا الفكر .

ب – وما يحتاج إلى بحث متخصص أو قضية مستقلة يشير إليه , مؤكدا أن هذه التفصيلات والأحكام تخرج من طبيعة الظلال:

يقول – رحمه الله :

( ولا نملك هنا – في الظلال – أن نبعد في عرض هذه المسألة بكل تفاصيلها لجلاء هذه الموافقات , فهي في حاجة إلى بحث متخصص ) , قال ذلك عن قول الله تعالى : " وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة " ( الأنعام : 98 ) .

ويقول عن الآية 12 من سورة الأنعام : ( ولا بد من الاكتفاء بالإشارة السريعة إليها , كي لا نخرج من نطاق الظلال القرآنية إلى قضية مستقلة ) , وإذا أراد أن يقف عند الآيات الفقهية , فإنه يقف لبيان الحكم من الأحكام ويعللها ويوجهها ويسجل إيحاءاتها الحركية والدعوية والنفسية والاجتماعية وغير ذلك .

ج – كما أن سيد قطب في مقدمة الظلال ينفي أنه أراد به أحكاما , فيقول : ( فقد يرى فريق – من قراء هذه الظلال – أنها لون من تفسير القرآن . . . . . . وقد يرى فريق آخر أنها عرض للمبادئ العامة كما جاء بها القرآن , وقد يرى فريق ثالث أنها محاولة لشرح ذلك الدستور الإلهي في الحياة والمجتمع وبيان الحكمة في ذلك الدستور , أما أنا فلم أتعمد شيئا من هذا كله , وما جاوزت أن أسجل خواطري وأنا أحيا في تلك الظلال ) .

د – وعلى هذا , فالأقوال الواردة في المعالم أو الظلال عن الجاهلية أو الحاكمية لا يراد بها كفر المجتمعات , بل يراد بها الولاء للإسلام , فهي خواطر وليست أحكاما بالكفر والإيمان , ومن ذلك قوله : ( فأما الذين يملكون الهجرة ولم يهاجروا استمساكا بمصالح أو قرابات مع المشركين , فهؤلاء ليس بينهم وبين المجتمع المسلم ولاية , كما كان الشأن في جماعات من الأعراب أسلموا ولم يهاجروا لمثل هذه الملابسات , وكذلك بعض أفراد في مكة من القادرين على الهجرة ) .

فقد أفصح الشهيد عن نفي النصرة فقط مع بقاء رابطة العقيدة , لأن الله تعالى أوجب نصرة من لم يهاجر إن لم توجد معاهدة تمنع من هذه المناصرة , فقال الشهيد : ( هؤلاء وهؤلاء أوجب الله على المسلمين نصرهم – إن استنصروهم في الدين خاصة – على شرط ألا يكون الاعتداء عليهم من قوم بينهم وبين المجتمع المسلم عهد , لأن عهود المجتمع المسلم وخطته الحركية أولى بالرعاية ) .

وهذا لا ينافي قوله عن هؤلاء الذين لم يهاجروا : ( هؤلاء لم يعتبروا أعضاء في المجتمع المسلم , ولم يجعل الله لهم ولاية , بكل أنواع الولاية – لأنهم كانوا في المجتمع المشرك بمكة ) .

لكنه يؤكد مرة أخرى أنه لا يعني نفي رابطة العقيدة , فيقول في تفسير سورة الأنفال : ( وهذا الحكم منطقي ومفهوم مع طبيعة هذا الدين التي أسلفنا ومع منهجه الحركي الواقعي , فهؤلاء الأفراد ليسوا أعضاء في المجتمع المسلم , ومن ثم لا يكون بينهم وبينه ولاية , ولكن هناك رابطة العقيدة ) .

التفرقة بين الدعاة وبين الأحبار والرهبان

إن المنهج الإسلامي يضع قواعد للتوفيق بين النصوص الشرعية في القرآن والسنة إذا كان ظاهرها التعارض , وذلك بإتباع القواعد التالية :

أولا : التوفيق بين النصوص التي ظاهرها التعارض , وذلك بعد جمع كل ما ورد في الموضوع .

ثانيا : الترجيح بين النصوص إذا تعذر التوفيق بينها , وهذا يستلزم إتباع ما يأتي :

1 – أن يقدم القطعي الثبوت والدلالة على غيره .

2 – أن يقدم إجماع الصحابة على الأمور المختلف فيها , وعل ما لم يرد بشأنه نص .

3 - إذا كانت النصوص من أحاديث الآحاد وتحتمل الخلاف – من حيث ثبوت النص – يقدم منها ما تؤيده القرائن , وتقطع بنسبته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم , فما يترك يكون لضعفه .

4 – إذا كانت النصوص ظنية الدلالة – كاللفظ المشترك الذي يحتمل أكثر من معنى , ولا يقطع بذاته على معنى بعينه – يرجح المعنى الذي عليه عمل الصحاب رضي الله عنهم .

ثالثا : عند تعذر الترجيح يلجأ إلى الاستثناء بالنسخ أو التخصيص . مثال ذلك : ما أورده سيد قطب في الظلال في معنى الآية : 87 بسورة يونس : " واجعلوا بيوتكم قبلة " فقال باعتزال معابد الجاهلية عند مطاردة المؤمنين وجبروت الحاكم , فتم تخصيص ذلك بمساجد القاديانية , أو عند اتخاذ المساجد للتصفيق والنفاق , واصطياد العاملين للإسلام .

إن هذا المنهج الذي يطبقه العلماء على نصوص القرآن والسنة , يأبى أناس أن يطبقوه على أقوال سيد قطب والمودودي أو غيرهما , ويصرون على اعتبار هذه الأقوال من الأمور التي لا تقبل التأويل أو الترجيح أو النسخ , حتى لو تعارضت مع القرآن والسنة , وفي هذه الحالة يصرون على تفسير النص الشرعي ليتفق مع فكرهم ورأيهم . ومنهم من يتجرأ فينسب هذا إلى حسن البنا وسيد قطب , ومن ثم يسيئون إليهم وهم لا يشعرون .

إن هذا المنطق هو منطق الأحبار والرهبان ومن اتبعهم , حيث يزعمون أن الله فوضهم في تغيير حكمه الثابت في الكتب المنزلة على رسل الله .

والقاعدة عندهم : أن ما يحلونه هم في الأرض يحرمه الله في السماء , ولهذا فأقوال الأحبار والرهبان تنسخ قول الله تعالى وتقدم عليه . قال الله تعالى : " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون 31 " ( التوبة ) .

والذين يلتزمون أقوال الأئمة والفقهاء وأمراء الجماعات الإسلامية – دون أن يعرضوها على القرآن والسنة وإجماع الصحابة – إنما يتبعون منهج الأحبار والرهبان , فما يصدر عن أئمتهم وأمرائهم يقدم على حكم الله تعالى وهم لا يشعرون , بل إن بعض الفرق – من غير أهل السنة – تزعم أن قول إمامهم هي رواية متصلة عن الله , فتخصص عموم القرآن , وتقيد مطلقه , وتنسخ أحكامه , ومن ثم يلتزمون بما نسب إلى الأئمة مخالفا لصريح القرآن الكريم , وهم يعلمون أو لا يعلمون .

وكل ذلك انحراف عن دين الإسلام , فهو مخالفة لصريح القرآن الكريم .

فكل عاقل يدرك أن أقوال الأئمة والعلماء ما هي إلا تفسير للقرآن والحديث النبوي فكيف تصبح ناسخة للقرآن أو السنة ؟ ! إن هذا هو منهج الأحبار والرهبان وأتباعهما , أما منهج الإسلام فنجده في نصوص كثيرة , منها قول الله تعالى : " وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله " . ( الشورى : 10 )

وقوله عز وجل : " فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا " ( النساء 59 ) .

المستشرقون والهدف من الكتاب

بعد الانتهاء من هذا الكتاب , اطلعت على كتاب (النبي وفرعون ) للأستاذ جيل كيبيل , وقد جاء به :

( كان جمال عبد الناصر مهتما بقراءة كل الكتب المحظورة . . . . . وعندما وقع بين يديه كتاب (معالم في الطريق ) جمع المسئولين عن الرقابة على المطبوعات وقال لهم : إنه لا يوجد به ما يستدعى وضعه على قائمة الحظر , ولهذا صدرت من الكتاب خمس طبعات في ستة شهور ) . وحدد الهدف من المعالم , فنقل عنه قول الشهيد : ( تقف البشرية اليوم على حافة الهاوية بسبب إفلاسها في عالم القيم . . . . ولقد فشلت الأنظمة الفردية والجماعية , وجاء دور الإسلام ودور الأمة في أشد الساعات حرجا وحيرة واضطرابا ) .

ثم وضع المستشرق الفرنسي تصوره عن ضرورة بيان ما اختلف فيه بقوله : ( إن إعدام سيد قطب المبكر وضع مفاهيمه وأفكاره في متناول الشعب – بكل ما احتملته من مضامين غير واضحة أيضا – وأدى ذلك إلى وقوع سلاح – التكفير بالفعل بين أيدي أتباع مذاهب لا يمكن السيطرة عليها ) . فإذا أدرك المستشرق الفرنسي ذلك , فهل نستطيع أن نتعامل مع أسلوب الحوار العلمي , أم أن كل طرف من الأطراف ستأخذه العزة بالإثم ؟ .

كما ذكر المستشرق : أن الجاهلية في فكر سيد قطب تتمثل في الدولة الاستبدادية , فالجاهلية في نظره : هي مجتمع يحكمه أمير فاسق يريد أن يعبده الناس – أي يطيعونه من دون الله – فيحكم وفق أهوائه وشهواته بدلا من أن يعمل بمبادئ الكتاب والسنة .

ويقول المستشرق الفرنسي : ( إن كتاب المعالم قد حدد الجاهلية بقوله : " المجتمع الجاهلي : هو المجتمع الذي لا يطبق فيه الإسلام , ولا تحكمه عقيدته وتصوراته وقيمه وموازينه ونظامه وشرائعه وخلقه وسلوكه ) .

ومن هذا يتضح : أن أقوال سيد قطب عن الجاهلية وعن الكفر لا تعني الأفراد , بل تتعلق بجاهلية المناهج والقيم والتصورات ويكفر التشريعات والأحكام , ولكن هذا الشباب ظن أن سيد قطب يرى أن الشهادتين لا تكفيان لدخول الإسلام , وهذا غير صحيح , حيث قال في الظلال : ( يكفي الإسلام بالنطق بكلمة اللسان , فلا دليل يناقضها ) .

الفصل الثاني: بين الكفر ولزوم الجماعة

بين الكفر ولزوم الجماعة

إذا كان التخلف عن بيعة الخليفة أو الإمام ليس كفرا , فهل التخلف عن البيعة للجماعة كفر ؟

لقد أوردت الرد بالنصوص الشرعية , ولكن قادة هذا الفكر يروجون أن الإمام حسن البنا يرى ذلك , ولذا وضع الإخوان المسلمون بحثا أصدره المرشد العام الأستاذ حسن الهضيبي جاء به : ( إن الجماعة التي ورد ذكرها في الأحاديث المشار إليها قد وردت معرفة ب " أل " العهدية والعلمية , فخرج بذلك من مفهوم النص أن يكون المقصود أي جماعة من المسلمين , بل جماعة خاصة معينة , وهي ليست جماعة الإخوان ) كما جاء به : " زعموا أن هذا رأي حسن البنا فلماذا فصل وكيلي الجماعة السابقين وبعض أعضاء مكتب الإرشاد , ولم يكن أحدهم قد ارتكب ما يخرجه عن الملة ؟ ! إذا كان ذلك , فإمام الجماعة يصبح كالباباوات بيده الحرمان والجنة والنار , وبيده التحليل والتحريم ) . . . .

ثم جاء بهذا البحث : ( ومن تخلف عن الانضمام لمثل هذه الجماعات والعمل معها , يأثم كإثمه عن ترك أي فرض أو تكليف شرعي , ولا يخرجه عن الملة بسبب ذلك , إلا أن يجحد الهدف من الجماعة , وهو تحكيم شرع الله , فيكون كافرا مرتدا ) .

مدى لزوم الجماعة

إن هذا الحكم أريد به نفي الكفر فقط عن أولئك الذين يعملون فرادى ولم ينضموا إلى الجماعات الإسلامية , أو وجدت لديهم أسباب حالت بينهم وبين الانخراط في صفوف هذه الجماعات .

1 – ولا يخفى على أحد أن الله تعالى قال : ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) .

2 – الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يتطلب الجماعة لتستطيع أن تقوم به وتؤمن السبيل لمن تولاه , وفي التخلف عن ذلك قال الله عنه . . . " لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون , كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون " ( المائدة ) .

3 – فالنصوص الشرعية توجب العمل للإسلام من خلال الجماعات , فالإسلام ليس شعائر تعبدية فقط , بل أيضا كلمة حق , وذلك لا يكون إلا بالجماعة , كما أنه دين ودولة , والجماعة هي السبيل إلى ذلك , وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب , لذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية " .

وقال أيضا : " يد الله مع الجماعة , ومن شذ شذ إلى النار " . ولقد رأينا القلة الكافرة في إسرائيل ولبنان انتصرت حينا على الكثرة , لأن الفئة انخرطت في الجماعة , والكثرة غثاء كغثاء السيل .

4 – وحسبنا في ذلك أيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم : " من خلع يدا من طاعة , لقي الله يوم القيامة لا حجة له , , ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية " .

5 – كما روى أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله : " من خرج من الطاعة وفارق الجماعة , فمات ميتة جاهلية , ومن قاتل تحت راية حمية يغضب لعصبة أو يدعوا إلى عصبة أو ينصر عصبة فقتل , فقتلته جاهلية , ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها ولا يتحاشى مؤمنها , ولا يفي لذي عهد عهده , فليس مني ولست منه " .

6 – عن حذيفة بن اليمان قال : كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير , وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني , فقلت : يا رسول الله , إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير , فهل بعد هذا الخير شر ؟ قال : " نعم " . .

فقلت : هل بعد ذلك الشر من خير ؟ قال : نعم , وفيه دخن " . قلت : وما دخنه ؟

قال : " قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هديي , تعرف منهم وتنكر " . فقلت : هل بعد ذلك الخير من شر ؟

قال : " نعم " , دعاة على أبواب جهنم , من أجابهم إليها قذفوه فيها " .

فقلت : يا رسول الله صفهم لنا . قال : " نعم , قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا " .

قلت : " يا رسول الله , فما ترى إن أدركني ذلك ؟ قال ك " تلزم جماعة المسلمين وإمامهم " . . . . فقلت :

فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام ؟ قال : " فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك " . . . .

قلت : إن هذه النصوص وغيرها تفيد وجوب تجميع الجهد الفردي وتجنيد المسلم في جماعة لحماية الإسلام , ولكن من تخلف عن ذلك الجهاد أو تأول , فجاهد خارج صفوف الجماعة فلا يعد كافرا , وجهاد الجماعة باللسان , لأن استخدام السلاح للحاكم . . .

سيد قطب والجماعة

إن الذين يزعمون أن المسلم غير المنخرط في جماعتهم قد كفر , يسندون مزاعمهم بكتابات الأستاذ سيد قطب , ومنها قوله عن الذين لم يهاجروا إلى مجتمع النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة : " وهؤلاء لم يعتبروا أعضاء في المجتمع المسلم , ولم يجعل الله لهم ولاية بكل أنواع الولاية مع هذا المجتمع , لأنهم بالفعل ليسوا من المجتمع الإسلامي , وفي هؤلاء نزل هذا الحكم : " والذين امنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق " ( الأنفال : 72 ) .

وسيد قطب إذ ينفي الولاية عن هؤلاء الذين امنوا وظلوا بمكة ولم يهاجروا إلى جماعة النبي , إنما يريد نفي ولاء المناصرة لا نفي ولاء العقيدة , وهذه لا ترتب وحدها على المجتمع المسلم تبعات تجاه هؤلاء الأفراد , اللهم إلا أن يعتدي عليهم في دينهم فيفتنوا مثلا في عقيدتهم , فإذا استنصروا المسلمين في دار الإسلام – في مثل هذا – كان على المسلمين في دار الإسلام – في مثل هذا – أن ينصروهم في هذه وحدها " . .

وسيد قطب إنما يهدف إلى حث المسلمين لتكوين تجمع حركي إسلامي يواجه التجمع الحركي الجاهلي , ولا يتعرض في هذا للحكم بكفر من لم يستجيب إلى هذه الدعوة وينطوي تحت لوائها , ويأتمر بقيادة جماعتها , على اختلاف هذه الجماعات وتباينها في الوسائل لا الغايات .

ويتضح هذا من قوله : " إن المجتمع الجاهلي لا يتحرك كأفراد إنما يتحرك ككائن عضوي تندفع أعضاؤه بطبيعة وجوده وتكوينه للدفاع الذاتي عن وجوده وكيانه , فهم بعضهم أولياء بعض طبعا وحكما , ومن ثم لا يملك الإسلام أن يواجههم إلا في صورة مجتمع آخر , له ذات الخصائص ولكن بدرجة أعمق وأمتن وأقوى , فأما إذا لم يواجههم بمجتمع ولاؤه بعضه لبعض , فستقع الفتنة لأفراده من المجتمع الجاهلي , لأنهم لا يملكون مواجهة المجتمع الجاهلي المتكامل أفرادا , وتقع الفتنة في الأرض عامة بغلبة الجاهلية على الإسلام بعد وجوده , ويقع الفساد في الأرض , وطغيان الجاهلية على الإسلام , وطغيان إلوهية العباد على إلوهية الله , ووقوع الناس عبيدا للعباد مرة أخرى وهو أفسد الفساد ) .

إن سيد قطب إنما يواجه المجتمع المسلم – في عصرنا – بحقيقة هذا الدين وحقيقة إعلان الشهادة , ولم يترتب على ذلك الحكم بكفر من لم ينخرط في المجتمع الحركي الإسلامي المطلوب كضرورة لبقاء المجتمع الإسلامي وبقاء الإسلام كمجتمع , لهذا يقول : ( وهكذا وجد الإسلام . . . . . . . هكذا وجد متمثلا في قاعدة عامة مجملة – ولكنها شاملة – يقوم عليه في نفس اللحظة تجمع عضوي حزبي مستقل , منفصل عن التجمع الجاهلي ) . يقول : ( لقد انخلع عن التجمع الجاهلي ومتوجه بهذا المجتمع كل من قال : لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله في مكة من الولاء لأسرته , والولاء لعشيرته , والولاء لقبيلته , والولاء لقيادته الجاهلية الممثلة في قريش , وأعطى ولاءه وزمامه لمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم , وللتجمع الصغير الناشئ الذي قام بقيادته ) . . .

ومن هذا العرض يتضح أن التخلف عن الانضمام إلى الجماعات الإسلامية ليس كفرا , حتى لو كانت جماعة الخليفة والإمام .

ولكن في الحالات التي يكون الإسلام فيها مضطهدا شرقية أو غربية هي المرجع , يصبح العمل مع الجماعة التي تسعى إلى تحكيم شرع الله , وإلى سيادة الإسلام فرض عين , أي واجبا على كل مسلم , للأسباب السالف ذكرها , ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين " , ويعني ذلك الذي تخلف عن الهجرة إلى جماعة النبي ولم يحارب معها , وأيضا لأن الله تعالى قد أسقط حق النصرة عن هؤلاء المتخلفين بقوله تعالى : " والذين امنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق " ( الأنفال : 72 )

سيد قطب والولاء والهجرة

لقد كانت السمة الغالبة لكتابة سيد قطب – بعد الأحداث التي اجتاحت العالم العربي والإسلامي , وبعد قيام الانقلابات العسكرية , تلك الأحداث التي تمخضت عن اضطهاد أكثر الحكومات المحلية الداعين إلى تطبيق الشريعة الإسلامية .

كانت السمة الغالبة – هي التركيز على مسألة الولاء ليصبح خالصا لله تعالى , من هذه الكتابات قوله : ( فأما الذين يملكون الهجرة ولم يهاجروا – استمساكا بمصالح أو قرابات مع المشركين – فهؤلاء ليس بينهم وبين المجتمع المسلم ولاية , كما كان الشأن في جماعات من الأعراب أسلموا ولم يهاجروا لمثل هذه الملابسات , وكذلك بعض أفراد في مكة من القادرين على الهجرة " . .. ولقد فهم بعض هذا الشباب – من مثل هذه العبارات , ومن عبارات مماثلة للأستاذ المودودي – أن من لم يهاجر إلى الجماعة الإسلامية ليكون عضوا بها , ولم ينخلع بهذا من التجمع الجاهلي المعاصر , فليس بمسلم , ومن هؤلاء من يزعم أنه من أنصار سيد قطب وتلاميذه , وهم بهذا الفهم يسيئون إليه أبلغ الإساءات , إذ ينسبون إليه الجهل بأحكام الإسلام .

وفات هؤلاء أن تحقق الولاء أو انعدامه شيء , والكفر شيء آخر , فقد يتحقق ظاهر الولاء لمسلم ويهاجر مع المسلمين , ولكنه ينكر حكما من أحكام الإسلام , فعندئذ تنتفي عنه صفة الإيمان ويصبح الظاهر وهو إعلان الإسلام وهذا الولاء , نفاقا في نفاق " فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله , ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها , فهجرته إلى ما هاجر إليه " .

وقد لا يكون بين المسلم وبين المجتمع الإسلامي ولاء , كأولئك الذين امنوا ولم يهاجروا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم , ومع هذا يظل هذا المسلم على إسلامه ونحكم له بالإيمان , ولكن لا مناصرة بيننا وبينه , لأن الولاء هو النصرة , فمن ارتبط بالمجتمع الإسلامي بالولاء كان على المجتمع أن يكفله وينصره , ومن اثر البقاء في المجتمع الجاهلي , فلا نصرة له ولا كفالة , أما إذا أعطى ولاءه للمجتمع الجاهلي وعمل ضد المجتمع المسلم , فيكون الحكم عليه بنوع العمل الذي قام به لصالح الجاهلية , فيكون كافرا إن كان الولاء في العقيدة ما لم يكن مكرها على ذلك , ويكون مؤمنا عاصيا ويعاقب ولو بالقتل إن كان الولاء للمناصرة لدنيا يصيبها أو لدفع ضرر .

أ – فإذا كان قد ظاهر الجاهلية , وأعلن عدم صلاحية الإسلام للحكم , فقد كفر بهذا , لأن هذه هي جاهلية الاعتقاد التي تقترن بالكفر , وهي التي قال الله عنها في سورة المائدة : " أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون " ( المائدة 50 ) , وقال " ومن يتولهم منكم فإنه منهم " ( المائدة : 51 ) .

وحكم من احتكم لهذه الشرائع الجاهلية مختارا غير مكره هو ما ورد في قول الله تعالى : " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " ( المائدة 45 ) , " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون " ( المائدة 46 ) , " ومن لم يحكم بما أنزل اله فأولئك هم الفاسقون " ( المائدة 47 ) .

فالظلم هنا مرادف للكفر , ومنه قول الله تعالى : " والكافرون هم الظالمون " ( البقرة 254 ) . . . أما الفسق فيراد به هنا الخروج على أمر الله وتفضيل غيره , كإبليس الذي قال الله عنه . " ففسق عن أمر ربه " .

ب – وإن ساعد الجاهلية في الأعمال والمعاصي – مع عدم اقتران هذه المعصية بما يدل على استحلاله له أو استهزائه بحكم الله – كان مسلما عاصيا على ما هو مفصل في موضعه من كتابي الحكم , وعلى المجتمع المسلم مناصرته ضد غير المعاهد , وعليه معاقبته إن نتج عن هذا الولاء ضرر بالمسلمين .

افتراءات على سيد قطب

والذين يرمون المسلم بالكفر وينسبون ذلك إلى الشهيد سيد قطب , إنما يفترون عليه , علموا ذلك أم جهلوه .

فقد أفصح الشهيد عن أن نفي الولاء يراد به نفس النصرة فقط مع بقاء رابطة العقيدة , لأن الله تعالى أوجب نصرة من لم يهاجر إذا لم توجد معاهدة تمنع من هذه المناصرة , فقال الشهيد : ( هؤلاء وهؤلاء أوجب الله على المسلمين نصرهم – إن استنصروهم في الدين خاصة – على شرط ألا يكون الاعتداء عليهم من قوم بينهم وبين المجتمع المسلم عهد , لأن عهود المجتمع المسلم وخطته الحركية أولى بالرعاية ) .

وهذا لا ينافي قوله عن هؤلاء الذين لم يهاجروا : ( هؤلاء لم يعتبروا أعضاء في المجتمع المسلم , ولم يجعل الله لهم ولاية – بكل أنواع الولاية ) , ومع هذا فالعضوية في المجتمع الإسلامي أي الإقامة فيه وتحمل تكاليفه – هي التي يركز عليها سيد قطب , ونفي العضوية – أي عدم الإقامة بهذا المجتمع – لا يعني الكفر كما نقلنا عنه .

ويؤكد الشهيد مرة أخرى أنه لا يعني نفي رابطة العقيدة فيقول : ( وهذا الحكم منطقي ومفهوم مع طبيعة هذا الدين – التي أسلفنا – ومع منهجه الحركي الواقعي , فهؤلاء الأفراد ليسوا أعضاء في المجتمع المسلم , ومن ثم لا يكون بينهم وبينه ولاية , ولكن هناك رابطة العقيدة ) .

إن هذه الكلمات لا يذكرها ولا يتذكرها أولئك الذين يستشهدون بأقوال سيد قطب .

وهم يعلمون أن منهجه قائم على أن يعيش المسلم في ظلال القرآن .

ولم يهدف الشهيد إلى إصدار أحكام على المسلمين , بل إنه قد صرح أكثر من مرة , وفي أكثر من موضع : أنه من رغب في معرفة الحكم الشرعي في المسألة , فليرجع إلى كتب الفقه , وأعلن أننا دعاه ولسنا قضاة .

ومع هذا , فقد أهدر من زعموا أنهم تلاميذه – أهدروا الحكم الفقهي وكتب الفقه – وزعموا أن الشهيد أرشدهم إلى نبذ كتب الفقه , لأن التلقي المباشر من القرآن الكريم هو المنهج القويم , ولأن هذه الكتب وضعت في عصور لا تلاءم عصرنا .

نرجو أن يدرك هذا كل من أراد الآخرة وسعى لها سعيها , وأن يدركوا أن سيد قطب ليس رسولا , وبالتالي فأقواله إن أمكن تأويلها – بما يتفق مع القرآن والحديث النبوي بدلالة ما رواه لنا صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم – كان الواجب المصير إلى هذا التأويل عند التعارض .

وإن كانت أقوال الشهيد لا تحتمل هذا التعارض , فما هو الدافع إلى نسبتها إليه , أي نسبة هذا التعارض إليه ؟

إن كان هؤلاء تلاميذه فليتقوا الله , وإن كانوا أئمته – وهم الذين خططوا لهذه المناهج – فإن أعمارهم وثقافتهم التي لا تتجاوز المرحلة الجامعية لا تتناسب مع هذا الإدعاء , وإن كانوا من أصحاب الإلهام – الذين من خصائصهم العلم بغير وسائله المعتادة – فليعلنوا ذلك في شجاعة ووضوح ولا يكذبون , فاخر أقوال الشهيد إنكار تكفير الأشخاص شعوبا أو أفرادا .

قاعدة تكفير من لم يكفر الكافر

كان أصحاب فكر التكفير مجموعة واحدة , ولما حدثت مواجهة بين قادتهم وبين الأستاذ حسن الهضيبيالمرشد العام للإخوان المسلمين – وصارحهم بأن هذا الفكر يخالف مذهب أهل السنة , لأن تكفير من أعلن الإسلام لأنه لم ينخرط في الجماعة – وكذا القول يكفر المخالفين في الرأي , أقوال كان يقول بها الخوارج واندثرت معهم , عندئذ ظهرت منهم فئة تعلن كفر صاحب هذا الرأي ومن معه من الإخوان المسلمين , وهي فئة من شباب جماعة التبليغ الذين تطرفوا , ومنهم ظهرت من أطلق عليه : جماعة التكفير والهجرة .

والفئة الأخرى تضم من كان في صفوف الإخوان , ثم اعتقد أن المجتمع كافر بأفراده , ولكنه توقف في الحكم بكفر من كان في جماعتهم أو جماعة تدعو إلى الإسلام بمفهوم الحاكمية والجماعية الصحيح – في نظرهم .

هذه الفئة قد أخذت – في ما بعد – نظام المفاصلة الشعورية والحركة بالمفهوم الذي أوضحناه , وهي تنسب جذور هذا المفهوم إلى الأستاذ سيد قطب , والجدير بالذكر : أن تكفير المخالف لرأي هاتين الفئتين أصل مشترك بينهما , ولكنهما يختلفان في الجزئيات والتفاصيل .

ولا يخفى على أحد : أن الخوارج هم الذين ابتدعوا كفر صاحب الرأي المخالف , وذلك بزعم كفر الإمام علي ومعاوية والحكمين – أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص – وكفر من رضي بالتحكيم .

والذي يجب أن ننبه القارئ إليه هو : أن قاعدة تكفير من لم يكفر الكافر , لم تظهر كسلاح ضد من كانت لديه أدنى شبهة في تكفير اليهود والنصارى , أو من توقف في ذلك بدعوى توحيد الأديان أو النظرية الثالثة , بل سبب إعلان هذه القاعدة هو تكفير الإخوان الذين استنكروا القول بكفر إخوانهم وآبائهم وأمهاتهم وسائر أفراد المجتمع .

أما المشرك وكل من أنكر وحدانية الله , فلا خلاف في كفره , بل ومن ارتد من المسلمين لا يختلف أحد في كفره , بل هو نفسه لا يزعم أنه مسلم , إنما وضعت هذه القاعدة لتكفير المسلمين وإرهابهم على الخضوع لهذا الفكر , ونعني به : فكر الخوارج الذين كان كل همهم هو حرب المسلمين بدعوى أنهم قد ارتدوا , ولهذا عندما كان يقع المسلم بين أيديهم , كان يغير اسمه ويتسمى بأسماء الكفار حقنا لدمائه .

وإذا كان الخوارج قد زعموا كفر الإمام علي , ثم كفر من لم ير كفر هذا الخليفة العادل ومن معه من الصحابة , فإنه لم يقبل أن يحكم عليهم بهذا الحكم , وقال : إنما فعلو ذلك متأولين شبهة عندهم , ولا توجد شبهة عندنا أنهم على الإسلام .

فهذه الأمور التي هي محل خلاف بين فقهاء المسلمين , هل يكفر صاحبها أم لا , والتي يتطلب فيها تكفير الشخص المعين ؟ لا يترك أمرها بعضنا بعضا أو يقتل بعضنا بعضا , بل تتولاه الدولة الإسلامية , وليس للأفراد أن يحكموا بكفر الشخص المعين في هذه الحالات , بل يحكمون بكفر الأعمال دون تسمية الأشخاص , لأنهم يصلون وقد عصم الإسلام دماءهم , والحكم بالكفر يترتب عليه استحلال دمهم .

وسيد قطب – رحمه الله – بريء من هذه الانحرافات , وقد كان يصلي في سجن ليما طره خلف إمام من غير الإخوان , لأنه الأكثر حفظا في الوقت الذي كانت تقام فيه بعض الصلوات , وقبل اعتقاله في أغسطس 1965 م , أوضح للسيدة زينب الغزالي أنه لا يقول بكفر المحكومين والشعوب , وأكد ذلك في تحقيقات القضية 12 / 1965 أمن الدولة , حيث أجاب أن المسلم المنتمي للإخوان يقدم على المسلم الذي ليس له برنامج محدد , وقال : هذا ليس تمييز شخص على آخر , بل باعتبار أن الجماعة لها برنامج .

سيد قطب والخروج عن الحاكم

لقد نشرت ( المسلمون ) في العدد الرابع في السنة الأولى مذكرات سيد قطب التي كتبها قبل إعدامه , وقد جاء بها : ( اتفقنا على مبدأ عدم استخدام القوة لقلب نظام الحكم , وفرض النظام الإسلامي من أعلى منطقة البدء , هي نقل المجتمعات ذاتها إلى المفهومات الإسلامية الصحيحة ) .

وهذا يتفق مع رأي جمهور أهل السنة , وهو أن الخروج على الحاكم لا يكون إلا عند الكفر البواح للحديث الوارد عن عبادة بن الصامت في بيعتهم للنبي صلى الله عليه وسلم والتي تضمنت : " وألا ننازع الأمر أهله إلا أن ترو كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان " .

وعند وجود هذا الكفر البواح , فإن الخروج عن الحاكم لا يجوز إلا إذا كان الخارجون في قوة وغلبة يرجع معها انتصارهم , قال بن حزم : ( إن كانوا في عدد لا يرجون الظفر لقتلهم وضعفهم , كانوا في سعة من ترك التغيير باليد ) .


الفصل الثالث: المجتمع بين المفاصلة والاتصال

المجتمع بين المفاصلة والاتصال

لقد تحمس هؤلاء الشباب للدين , وانتهوا في تحمسهم إلى القول بمقاطعة المجتمع الذي يعيشون فيه , حتى لو صلى أفراده وصاموا وحجوا , وتتمثل المقاطعة في أمور يختلف مداها بين هؤلاء .

وأهم أنواع الانعزال عن المجتمع تنحصر في :

أ – عدم الترشيح للانتخابات وعدم الاشتراك فيها بصوت أو بنصح أو رأي , لأن المجالس النيابية تشرع من دون الله , والمساهمة في ذلك كفر بواح , لأنه إتباع للكفر أو رضاه به .

ب – مقاطعة المساجد , لأن الصلاة فيها خلف أئمتها تتضمن الشهادة لهم بالإيمان وهم كافرون .

ج – الهجرة إلى الصحراء أو الكهوف والجبال , أن ذلك هو السبيل الذي سلكه النبي لإقامة دولة الإسلام .

د – التوقف عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , لأن المجتمعات كافرة , ليس بعد الكفر ذنب , بل عدم المساهمة في أي إنتاج , لأن ذلك يؤدي إلى تماسك المجتمع الجاهلي .

ه – مقاطعة المدارس والجامعات وإخراج أولادنا منها .

و – ترك الوظائف في الحكومة والشركات وممارسة أعمال التجارة أو الزراعة .

فلسفة عقائد التكفير والمجتمع الجاهلي

إن هذه الأفكار تتبع من فلسفة خاصة هي : أن المسلمين قد ارتدوا عن دينهم وأصبحوا كفارا , كما أن المجتمعات القائمة في العالم العربي والإسلامي كافرة , ولذا وجب مقاطعتها في كل ما ذكر . . . ومن هؤلاء من ينسب هذه الأفكار إلى الشهيد سيد قطب , لأنه في كتابه ( في ظلال القرآن ) عرف المجتمع الجاهلي بأنه : ( هو كل مجتمع غير المجتمع المسلم , وإذا أردنا التحديد الموضوعي , قلنا : هو كل مجتمع لا يخلص عبوديته لله وحده , متمثلة هذه العبودية في التصور الاعتقادي , وفي الشعائر التقليدية , وفي الشرائع القانونية ) . . . . إلى قوله : ( وبهذا التعريف الموضوعي تدخل في إطار المجتمع الجاهلي جميع المجتمعات القائمة اليوم في الأرض فعلا – المجتمعات الشيوعية , والمجتمعات الوثنية , والمجتمعات اليهودية والمسيحية , وأخيرا : يدخل في إطار المجتمع الجاهلي تلك المجتمعات التي تزعم لنفسها أنها مسلمة ) . . . ويؤكد هؤلاء الشباب هذا الفكر بكلمات للأستاذ المودودي قال فيها : ( إذا كان مفهوم المصطلحات الأربعة في القرآن غامضا متشابها , كانت معرفة الرجل بمعانيها ناقصة , تلبس عليه كل ما جاء به القرآن من الهدي والإرشاد , وتبقى عقيدته وأعماله كلها ناقصة مع كونه مؤمنا بالقرآن ) أي انه مؤمن , وقول سيد له بقية تبين أنها علمانية أو تنكر الغيب .

مواطن الداء وشبهة التفكير

إن موطن الداء في هذه القضية هو الشبهات التي أثارها كل من الشهيد سيد قطب وأستاذنا المودودي أو غيرهم – ممن يصفون المجتمعات بالجاهلية – فقد علمنا أن هذا الوصف قد يراد به جاهلية الكفر والاعتقاد , كما في قول الله : " أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون " ( المائدة 50 ) .

وقد يراد به جاهلية المعصية والعمل , لأن المجتمعات أو الأفراد التي تعمل أو تسلك سلوك الجاهلية توصف بذلك , ولكنها ليست كافرة , لأنها لم تعتقد الجاهلية , كما في قول الله لنساء النبي : " وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى " ( الأحزاب : 33 ) , وكما في قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر : " إنك امرؤ فيك جاهلية " أي بعض عاداتها , فالكفر يتحقق بالاعتقاد , ولو لم يصاحب العقيدة أي عمل , فمن اعتقد أن الزنا ليس حراما أو أنه أصلح لعلاج الشباب أو أن حكم الإسلام فيه جائز , أو أن الخمر ليست حراما , أو أنها تصلح للمعدة , أو أن حكم الإسلام فيها قد جانب الصواب , مثل هذا الشخص يعد كافرا ولو لم يرتكب هذا الفعل أو ذاك , وهؤلاء يعنيهم سيد قطب .

فعدم تصديق قول الله , أو إنكار وجود هذا القول أو السخرية به , هو السبب الرئيسي في كفر من كان مسلما أي في ارتداده عن الإسلام . . . يقول الإمام محمد بن جرير الطبري في معنى قوله : " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك في ما شجر بينهم " ( النساء : 65 ) أي لا يصدقون بي وبك وبما أنزل إليك , حتى يحكموك في ما شجر بينهم .

فالتصديق والإيمان بالله ورسوله جميعا هو سبب الدخول في الإسلام , وبالتالي إنكار الحكم وجحوده سبب الردة عن الإسلام ولو لم يقترن هذا الجحود بأي عمل من أعمال الجاهلية والكفر .

ولهذا وصف الله تعالى من اقتتلا من المسلمين بالإيمان وكان مفهوم قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر " أنه كفر المعصية لا الجحود , لأن الله تعالى وصف الطائفتين المؤمنتين اللتين تتقاتلان بالإيمان ولم يخرج أي منهما من هذه الملة , إذ قال تعالى : " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما " ( الحجرات : 9 ) كما نهى الإسلام نساء النبي عن أعمال الجاهلية فقال تعالى : " ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى " ( الأحزاب : 33 ) . . . ولم يزعم أحد أن من فعلت ذلك تعد كافرة , لأن الجاهلية المنهي عنها هنا جاهلية العمل – أي المعصية – وليست جاهلية الاعتقاد .

وأيضا حكم النبي صلى الله عليه وسلم على أبي ذر رضي الله عنه حين قال لأخيه : يا بن السوداء بحكم يصفه بالجاهلية إذ قال : " إنك امرؤ فيك جاهلية " .

ولم يقل أحد : إن أبا ذر الغفاري قد كفر بهذا , فلو كانت الجاهلية هنا هي الكفر لحكم بردته وطلب استتابته , لأن الكفر يخرج عن الملة مهما كانت كميته أو كان حجمه , والصحابي كان فيه بعض سمات الجاهلية وأعمالها , وهذه الأعمال – مهما كثرت – لا تخرج عن الملة إلا إذا اقترنت باعتقاد جاهلي مهما قل هذا الاعتقاد , والمعصية لا تخرج الشخص من الإيمان مهما كثر , طالما أنه لا تقترن باستحلالها .

والكفر يتحقق باعتقاد جاهلي كافر , ولو كان هذا الاعتقاد في أمر بسيط جدا , وليس من أصول الدين وفرائضه , فمن جحد أو احتقر ( صوم التطوع ) أو قال : إن المواظبة عليه أمر ضار بالمجتمع كان كافرا – على الرغم من أن هذه السنن غير مفروضة – أما من تركها دون أن يعتقد بذلك فهو مؤمن , والنبي صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي الذي أعلن أنه لن يزيد على الفرائض : " أفلح إن صدق " لأنه لم يرد سنة ثابتة .

ومن ازدرى واحتقر هدي الإسلام في طريقة الشرب أو طيفية دخول المسجد – وهو البدء باليمين – أو كيفية دخول المرحاض – وهو البدء باليسار – كان كافرا , لأنه إنما احتقر من سن هذه الآداب , وبهذا يجعل نفسه ندا لله ورسوله , يخطئ بعقله وهواه من جاء به الوحي : " قل أأنتم أعلم أم الله " " ( البقرة : 140 ) فإن اعتقد بعدم ثبوت هذه السنة فلا يكفر .

والوحي قد يكون بالقرآن وهو بلفظ معجز لا يستطيع البشر محاكاته , ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا , وقد يكون الوحي عن طريق السنة النبوية وهي غير معجزة , لأنها من ألفاظ النبي صلى الله عليه وسلم على الرغم من أن مضمونها ومعناها موحي به من الله تعالى .

وهنا , وأمام إباحة النبي صلى الله عليه وسلم الرواية عنه بالمعنى , وأمام عدم إعجاز هذا اللفظ قد حاول بعض أعداء الإسلام الكذب على أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم .

ومن هنا تكون التفرقة بين من جحد وأنكر الحكم الوارد في الحديث النبوي , لأنه لا يتفق مع بيته ومصالحه وهواه , فهذا يعد كافرا , أما الشك في ثبوت الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم للشك في الرواة أو أحدهم , ولهذا أنكر الحكم الوارد به , فهذا لا يعد كافرا . . . . . .

والخلاصة :

أن احتقار الآداب النبوية المسلم بصحتها هو من الكفر – على الرغم من أن هذه ليست من الفرائض ولا من أصول العقيدة , لأن التصرف هنا ليس ارتكاب معصية أو ترك سنة , إنما هو الإعلان بعدم صلاحية الإسلام في جانب من جوانب الحياة , وهذا إنكار للوحي الذي جاء من عند الله ورسوله , ويستوي أن يكون الإنكار لأمر يتصل بالعقيدة أو بما هو دونها مما هو معلوم من الدين ولا خلاف في ثبوته .

المجتمع الجاهلي والمجتمع المسلم

إن إطلاق وصف الجاهلية على الأشخاص المعينين إنما يراد به جاهلية الاعتقاد إن كانوا كفارا , وجاهلية المعصية إن كانوا مسلمين , ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله عنه : " إنك امرؤ فيك جاهلية " , وهي لا تعني جاهلية الكفر , والاعتقاد , بل فيه عمل من أعمال الجاهلية التي لا يكفر بها المسلم , ألا هو لمز أخيه , لأن اللمز ليس من أعمال الكفر , بل من أعمال المعصية , ولهذا قال الله : " يا أيها الذين امنوا لا يسخر قوم من قوم " إلى قوله : " ولا تلمزوا أنفسكم " ( الحجرات : 11 ) .

ولكن إذا أطلق وصف الجاهلية على المجتمع ككل , فهل يراد به جاهلية الكفر أم جاهلية المعصية ؟ وإن أريد به جاهلية الكفر , فهل معنى ذلك أن أفراد المجتمع كفار ؟ .

ولكن إذا أطلق وصف الجاهلية على المجتمع ككل , فهل يراد به جاهلية الكفر أم جاهلية المعصية ؟ وإن أريد به جاهلية الكفر , فهل معنى ذلك أن أفراد المجتمع كفار ؟

والقاعدة الشرعية هنا : أن الوصف بالجاهلية قد يراد به جاهلية الكفر أو المعصية , حسب نوع العمل الذي وصف المجتمع من أجله بهذا الوصف .

فمن رأي مسلمين يشربون الخمر فنبذهم وقال : هذا مجتمع جاهلي , فلا يمكن القول بأنه أراد أنهم قد كفروا , لأن العمل هنا معصية وليس كفرا .

ومن ناقش الذين يضعون تشريعات وقوانين تخالف تشريع الله , فأصروا على أنهم أفضل وأحسن , فوصفهم بالجاهلية , كان المراد هنا جاهلية الكفر , لأن العمل هنا كفر .

وبهذا نفهم أقوال الشهيد سيد قطب , فإنه تكلم عن ( حاكمية العباد للعباد , ورفض القوم لحاكمية الله مطلقا ) , ثم قال : ( بهذا يدخل تحت عنوان المجتمع الجاهلي كل مجتمع لا يحكم الإسلام حياته .

يدخل تحته كل مجتمع ملحد كالدول الشيوعية , وكل مجتمع وثني كالهند ووسط أفريقيا واليابان والفلبين , وكل مجتمع كان أو لا يزال يعد من أهل الكتاب , كالمجتمعات الرأسمالية عموما , وتدخل تحته أيضا تلك المجتمعات التي خلفت المجتمعات الإسلامية وورثت أرضها وديارها وأسماءها .

وأخيرا : يدخل في إطار المجتمع الجاهلي تلك المجتمعات التي تزعم أنها مسلمة ) .

فظاهر هذا : أن وصف المجتمع الجاهلي هنا يرتبط بعمل معين هو قول الشهيد سيد قطب : ( حاكمية العباد للعباد , ورفض حاكمية الله المطلقة للعباد ) .

فهذا الرفض لحكم الله هو كفر صريح , وبالتالي فالمراد بالجاهلية هنا جاهلية الكفر , وقد وضع الأستاذ سيد قطب حيثيات هذا بقوله : ( وهذه المجتمعات بعضها يعلن صراحة علنا نيته – أي اللا دينية – وعدم علاقته بالدين أصلا , وبعضها يعلن أنه يحترم الدين , ولكنه يخرج الدين من نظامه الاجتماعي أصلا , ويقول : إنه ينكر الغيب ويقيم نظامه على العلمية , وهو زعم جاهل لا يقول به إلا الجهال , وبعضها يجعل الحاكمية الفعلية لغير الله ويشرع ما يشاء ثم يقول عما يشرعه من عند نفسه : هذه شريعة الله ) . . .

فالمجتمعات التي تعلن صراحة اللادينية , أو تعمل صراحة على تغيير شرع الله , وتزعم أن هذا الباطل هو من عند الله أو هو حكم الله .

هذه المجتمعات كافرة لإنكارها حكم الله , الأمر الذي قال فيه سيد قطب : ( وإذا تعين هذا , فإن موقف الإسلام يتحدد في رفض الاعتراف بإسلامية هذه المجتمعات كلها وشرعيتها في اعتباره ) .

كفر أفراد المجتمع الجاهلي

إن وصف المجتمع السالف الذكر بالجاهلية هو وصف قاصر على المجتمع ومناهجه وقوانينه كشخصية معنوية مستقلة عن شخصيات أفراده , ولا يمكن أن ينطبق الوصف على كل فرد من أفراد المجتمع , وقد وضع الإسلام معايير أخرى للحكم على أفراد المجتمع بأعيانهم وأسمائهم وهذا الحكم لا يلقى جزافا , بل بعد التبين , ولهذا قال تعالى : " يا أيها الذين امنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا " ( النساء : 94 ) .

فمن أعلن الإسلام باللسان , ولم يظهر ما يوجب كفره لا تستطيع الحكم عليه بالكفر , وهنا يقول الشهيد سيد قطب تعقيبا على النص القرآني : ( يأمر الله المسلمين إذا خرجوا غزاة , ألا يبدؤوا بقتال أحد أو قتله حتى يتبينوا , وأن يكتفوا بظاهر الإسلام في كلمة اللسان , إذ لا دليل هنا يناقض كلمة اللسان ) .

وفي هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد : " أقتلته بعد أن قال : لا إله إلا الله ؟ " , ولم يقبل النبي حجة أسامة بأن المشرك إنما قالها خوفا من السلاح بعد أن كان السيف على عنقه , بل قال له النبي : " ما تصنع بلا إله إلا الله ؟ " .

فيجب الاحتياط عن إطلاق الحكم بالكفر على المسلمين الذين يستوطنون مجتمعات يمكن أن توصف بالمجتمعات الجاهلية . . وأصحاب هذا الفكر الذين لم يفطنوا إلى أن المجتمعات والدول غير الأفراد زعموا أن آباءهم كفار , لأنهم في مجتمع لا يحكم بكتاب الله وهم رضوا ذلك , قد فاتهم أن الدولة يمكن أن تكون كافرة وأكثر المواطنون فيها مسلمون , وأيضا الدولة المسلمة التي تحكم بشرع الله على أن تكون أكثريتها من شعب غير مسلم , فشبه القارة الهندية كانت في فترة من الزمان تحكم بالشريعة الإسلامية , وتسمى في اصطلاح الفقهاء : دار إسلام , ولكن هذا لا يفيد إسلام الوثنيين والبوذيين وعباد البقر بها وهم أكثرية , كما أن أمريكا كدولة ومجتمع جاهلي لا يطبق الشريعة الإسلامية فيها مسلمون , ولا يمكن إنكار إسلامهم بدعوى جاهلية المجتمع الذي يعيشون فيه أو رضاهم بهذه الجاهلية .

وقد فات هؤلاء أن الرضا بالجاهلية لا يفترض , بل لا بد من صدور قول صريح أو عمل عن الفرد لا تأويل له إلا الكفر , ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس , ولا أشق بطونهم " , كما قال لأسامة عندما قتل المشرك المحارب لاعتقاده أنه ما أعلن الإسلام إلا خوفا من السلاح , قال له : " هلا شققت عن قلبه لتعلم قالها أم لا " .

وإذا كانت دار الحرب في اصطلاح الفقهاء هي التي لا تحكم بشرع الله , فإنه لا يجوز إطلاق حكم الكفر على كل من يقطنون هذه الديار , وهذه بديهة من بدائه الإسلام لا ينكرها إلا من جهل الإسلام .

فوصف الدولة أو المجتمع بالجاهلية أو دار الحرب لا يعني أن أفرادها كفار , وأيضا وصف المجتمع أو الدولة بدار الإسلام لا يعني أن كل أفرادها مسلمون , فالحكم على الفرد هنا أو هناك يكون بحسب ما يظهر منه من الإسلام أو الكفر , حسب الأصول الشرعية المعلومة , وبالتالي فإن قال الشهيد سيد قطب : ( وإن هناك دارا واحدة هي دار الإسلام , تلك التي تقوم فيها الدولة المسلمة , فتهيمن عليها شريعة الله وتقام فيها حدوده . . . . وما عداها فهو دار حرب ) . هذا القول وصف للدولة وليس حكما على الأفراد , وهذا الوصف للمجتمع أو الدولة يخص أنظمتها وقوانينها ولا يمكن أن ينطبق على الأفراد , من قال بغير ذلك , فقد جهل حقيقة الإسلام وأحكامه .

والشهيد سيد قطب يفرق بوضوح بين الأقوام وبين الأوطان فيقول : ( الإسلام : شهادة أن لا إله إلا الله , وهي تتمثل في الاعتقاد بأن الله وحده هو الذي يتقدم إليه العباد بالشعائر التعبدية .

أ – وأيما فرد لم يشهد أن لا إله إلا الله بهذا المدلول , فإنه لم يشهد ولم يدخل في الإسلام بعد , كائنا من كان اسمه ولقبه ونسبه , والسبب قوله : ( أعطوا للعباد خصائص الإلوهية ) .

ب – وأيما أرض لم تتحقق فيها شهادة أن لا إله إلا الله بهذا المدلول , فهي أرض لم تدن بدين الله , ولم تدخل في إسلام بعد ) .

فالشهيد يفرق تماما بين الأفراد وبين المجتمعات أو الأوطان – أي الأرض – وهو لا يحكم على الأفراد بالكفر لمجرد أن المجتمعات أو الأوطان جاهلية , بل حيثيات حكمه يستمدها من الآية القرآنية : " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله " ( التوبة : 31 ) . ومن جواب النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم الذي قال : " ما اتخذناهم أربابا " أي ما عبدناهم , إذا كان جواب النبي : " ألم يحلوا لكم الحرام فتستحلوه , ويحرموا عليكم الحلال فتتبعوهم ؟ " قال عدي : بلى , قال النبي : " فتلك ربوبيتهم من دون الله " , أي عبادتكم إياهم .

وقد أفصح الشهيد عن مفهوم الإتباع بقوله : ( فجعل رسول الله إتباعهم للأحبار والرهبان في قضايا الحلال والحرام بمعنى اتخاذهم لهم أربابا من دون الله ) .

فالإتباع في التحليل والتحريم هو الذي يفصح عن أن المحكومين الذي فعلوا ذلك إنما أرادوا وتعمدوا مشاركة الله في الشرائع , أي فعلوا عن علم وبينة .

وسيد قطب قد أفصح عن ذلك , فلم يضع من أنكر بقلبه في موضع واحد مع من اتبع , هذه التسوية الخاطئة التي حاول أصحاب هذا الفكر أن يلصقوها به وهو منها براء , فحسبنا هنا ما جاء في الظلال ونصه :

( ومرة أخرى نجد أن منازعة الله الحكم تخرج المنازع من دين الله حكما معلوما من الدين بالضرورة , لأنها تخرجه من دين الله قطعا , وكذلك الذين يقرون المنازع على ادعائه , ويدينون له بالطاعة وقلوبهم غير منكرة لاغتصابه سلطان الله وخصائصه , فكلهم سواء في ميزان الله ) .

من هذا يتضح أن الشهيد يضع شروطا لإعطاء المحكومين حكم الحاكمين الذين ينازعون الله حكمه وسلطانه , وهذه الشروط هي :

1 – إقرارهم الحاكم على سلب سلطان الله في التشريع . . . .

2 – أن يدينوا له بالطاعة المطلقة وقلوبهم غير منكرة لاغتصابه سلطان الله . . . .

فكيف يزعم أصحاب هذا الفكر أن المسلمين اليوم قد ارتدوا كفارا , لأنهم يرضون الحكم بغير ما أنزل الله , دون أن نفرق بين من أقر بالكفر وتابعه على علم وبين من جهل ذلك ؟ !

ومن أين علموا أنهم يرضون ذلك ؟ ومن أين تأتي لهم أن هذا هو فكر المرحوم سيد قطب بينما هذه هي أقواله , وهي تجعل المنكر بقلبه لا يدخل في دائرة الإتباع أو الرضا بالكفر فهو مسلم , لأنه أنكر بقلبه فقط ؟

المشاركة في الانتخابات والكفر

يردد هؤلاء أن المشاركة في الانتخابات – سواء عن طريق إعطاء الأصوات أو الترشيح – كفر , لأنه إتباع للنظام القائم الذي يحكم بغير ما أنزل الله , وهو عين الرضا به مما ينطبق عليه وصف الإتباع في التحليل والتحريم الوارد في حديث عدي بن حاتم , والشهيد سيد قطب الذين ينسبون إليه هذا – قد ترك كتبه بين أيدينا وهي لا تتضمن شيئا من ذلك ولم تتعرض لهذا الموضوع , إلا إن أرادوا قياس هذه المسألة على شرك الإتباع الذي أشار إليه الشهيد قطب باستشهاده بحديث عدي بن حاتم وفيه : " ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه , وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه " . فالسادة أحلوا الحرام لأتباعهم الذين استحلوا ذلك , فهل كل من كل من أعطى صوته في الانتخابات يعد مستحلا للحرام حتى ولو أعطى صوته لشخص رشح نفسه معلنا المطالبة بتحكيم كتاب الله ؟ !

وهل يكون مشركا – شرك الإتباع – هذا الذي رشح نفسه ليطالب المجالس التشريعية وغيرها بالاحتكام إلى كتاب الله , وليقيم عليهم الحجة أخذا بما ورد في كتاب الله تعالى : " وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون " ( الأعراف 164 )

وهل كفر هؤلاء الذين تلمسوا سبيلا لإقامة حكم الله عن طريق العمل على زيادة النواب الذين يطالبون بحكم الله , وذلك عملا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي قول : " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " .

وإذا كان المسلم اليوم لا يستطيع أن يقيم حكم الله بين عشية وضحاها , فهل يعد كافرا إن أخذ بقدر استطاعته , فسعي إلى إقناع من يستطيعون تغيير التشريعات أو سعي إلى استبدال آخرين بهم يؤمنون بحتمية حكم الله " ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين " ( الأحقاف : 4 ) . إن من يحاول – عن طريق المجالس النيابية – إحلال حكم الله بدلا من القوانين الوضعية لا يكون كافرا , والعاملون بالإسلام بتركيا كانوا مستضعفين , وكانوا يسجنون إن ضبطوا يتعلمون القرآن والسنة , ثم عن طريق النظام البرلماني توصلوا إلى أغلبية جعلتهم يفرضون شروطا منها حرية العمل للإسلام بما في ذلك طبع جميع الكتب وإعلان الأذان باللغة العربية وغير ذلك , فهل هؤلاء كفروا لأنهم شاركوا في الانتخابات ؟ ! .

ثم كيف نهدر الميزان الذهبي الذي خلقه وتركه لنا الرسول العظيم بقوله : " إنما الأعمال بالنيات , وإنما لكل امرئ ما نوى " ؟ ! .

ولست أدري من الذي وسوس إلى هؤلاء بمثل هذه الأفكار التي تريد عزل الإسلام عن الحياة , وترك الباب مفتوحا لأعدائه . . . . .

إن أصحاب هذا الفكر لا هم يملكون تغيير المجتمع , ولا هم يتركون غيرهم يعمل بالوسائل المستطاعة إذ يحكمون عليه بالكفر , وبذلك يعاونون أعداء الإسلام على تحقيق أغراضهم , فهل أدرك أصحاب الفكر هذه النتيجة ؟ .

وهل اطلعوا على أقوال الفقهاء في ترجيح المصلحة الشرعية ؟ إن تفصيل ذلك بالفصل الأخير .

بين المساجد ومعابد الجاهلية

إن اعتزال المساجد أمر من مقومات الإسلام عند هؤلاء الدعاة , لأن هذه المساجد هي معابد الجاهلية , والذين يصلون فيها قد ارتدوا عن الإسلام , وبالتالي الصلاة معهم شهادة لهم بالإيمان وهم كفار .

إن هذا الفكر يقوم على دعامتين :

الأولى : حتمية التسليم بأن مجتمعات المسلمين في عصرنا مجتمعات جاهلية .

والثانية : أن النتيجة هي حتمية اعتزال المجتمعات , وفي مقدمتها المساجد , لأنها معابد هذه الجاهلية .

والقوم يظنون أن هذا هو منهج الجماعة الإسلامية بباكستان , وينقلون عن الأستاذ المودودي في كتابه (المصطلحات الأربعة ) : ( إن معرفة الرجل بمعاني هذه المصطلحات قد شابها الغموض ! ولهذا فهي معرفة ناقصة , تلبس عليه كل ما جاء به القرآن من الهدي والإرشاد , وتبقى عقيدته وأعماله كلها ناقصة مع كونه مؤمنا بالقرآن ) .

ولا يخفى على أحد من المثقفين أن الجماعة الإسلامية بباكستان ترشح أعضاء منها في البرلمان , وتشارك في الانتخابات ابتغاء الوصول إلى تغيير التشريعات توصلا إلى الحكم بالكتاب والسنة , بل إن الجماعة قد دعت إلى تكوين جبهة وطنية من الجماعات والأحزاب الباكستانية , لتقف ضد حزب الشعب المتربع في الحكم . وقد نشأت الجبهة وخاضت الانتخابات هذا العام , وما زال الصراع هنالك على أشده .

وبالضروري يدري كل ذي حس وبصيرة أن هذا الموقف لا يكون إلا مع التسليم بأن المسلمين في مجتمعنا لم يرتدوا عن الإسلام , ولا تدري كيف يقبل ذلك والجبهة سالفة الذكر تعلن أن منهجها هو الحكم بالقرآن والسنة ؟ ! كما لا يخفى على هؤلاء أن ما كتبه أستاذنا المودودي لا يتضمن كفر المجتمعات المسلمة , فهو يشير إلى أن الفرد مع كونه مؤمنا بالقرآن إلا أن عقيدته وأعماله ناقصة , ومن المعلوم أن من عقيدة أهل السنة أن الإيمان يزيد وينقص , إذ قال الله تعالى : " هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم " ( الفتح : 4 ) , وبالتالي فالقول بنقصان الإيمان أو معاني العقيدة لا يفيد الكفر , ولهذا يقول المودودي : ( ( مع كونه مؤمنا بالقرآن ) .

فضلا عن ذلك أقوال الأستاذ المودودي في كتابه (البيانات ) المتضمن حد الكفر والإيمان جوابا عن المسألة القاديانية , أقوال تكذب استنتاج هؤلاء إذ يقول : ( الكفر الذي يخرج صاحبه عن الملة ويقطع صلته بالمسلمين يكون بإنكار عقيدة من عقائد المسلمين , أو إنكار فريضة من الفرائض , أو بالتغيير في شيء من ذلك . . . . . ) .

كما يقول في هذا الكتاب : ( إن المسلم الذي يترك الصلاة لا يعد خارجا عن الملة , وإن وصفه النبي صلى الله عليه وسلم فهو نوع خاص من الكفر لا يخرج صاحبه عن دائرة الإسلام ) .

أما تمسكهم بما جاء في أقوال الأستاذ سيد قطب عن المجتمعات التي تزعم لنفسها أنها مسلمة , إذ قال : إنها مجتمعات جاهلية , فقد سبق الإشارة إلى أن الجاهلية هنا خاصة بالمجتمعات ولا تنطبق على الأفراد , فالمجتمع له شخصية معنوية مستقلة عن شخصية الفرد , وجاهلية المجتمع تنحصر في جاهلية التشريع والحكم والأنظمة الدستورية , وهذا شيء وإسلام الفرد شيء آخر .

فالفرد يدخل الإيمان بشهادة التوحيد , ويكتفي الإسلام بكلمة اللسان للحكم عليه بالإسلام .

وهنا يقول الأستاذ سيد قطب : ( يكتفي الإسلام بظاهر الإسلام في كلمة اللسان , إذ لا دليل هنا يناقض كلمة اللسان ) .

أما المجتمع أو الدولة فتصبح مسلمة – أي دار الإسلام – إذا طبقت شريعة الإسلام , حتى لو كان أكثر سكانها من غير المسلمين .

وغير مقبول أن يقال : إن أي دولة تطبق الإسلام تصبح دولة إسلامية حتى لو كان حكامها من اليهود أو النصارى أو الملاحدة , لأن الله تعالى لا يقبل هذا النفاق إذ أوحي إلى نبيه : " إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون " ( المنافقون 1 ) .

فالأستاذ سيد قطب يفرق بين المجتمع وبين الأفراد الذين يتكون منهم هذا المجتمع , ذلك أن المجتمع اصطلاح حديث لم يكن شائعا من قبل ويراد به الدولة أو شكل الدولة , وهو ما كان يسمى بدار الإسلام ودار الكفر , وتلك تختلف عن الأفراد الذين يسكنون فيها , إذ يحكم لكل منهم بإسلام أو كفر حسب حالته .

سيد قطب واعتزال معابد الجاهلية

غير أن سيد قطب في تدبره لقول الله تعالى : " وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين " ( يونس : 87 ) .

يقول – رحمه الله : ( وتلك هي التعبئة الروحية إلى جوار التعبئة النظامية , وهما ضروريتان للأفراد والجماعات , وبخاصة قبيل المعارك والمشقات ) , ونرى أن هذه التعبئة لا شيء يمنعها , فإن كان بنو إسرائيل قد اضطهدوا ولم يستطيعوا ممارسة العبادة مع العلانية في المجتمع , فأمرهم الله بالصلاة في البيوت , فلا يوجد ما يمنع المسلم اليوم من أن يفعل ذلك بالنسبة لصلاة النوافل , إذ من السنة أن تصلي في البيت .

أما الفرائض فلا تصلى في البيوت في عصرنا إلا إن كانت هناك فتنة , أو كانت المساجد قد أصبحت مصيدة للقبض على المسلم وسجنه وإيذائه , أو حرفت الصلاة فيها , ولهذا السبب نجد الشهيد سيد قطب يتعرض لهذه المواقف فيقول : ( وهذه التجربة التي يفرضها الله على العصبة المؤمنة – ليكون لها فيها أسوة – ليست خاصة ببني إسرائيل , فهي تجربة إيمانية خالصة , وقد يجد المؤمنون أنفسهم ذات يوم مطاردين في المجتمع الجاهلي , وقد عمت الفتنة , وتجبر الطاغوت , وفسد الناس , وأنتنت البيئة , وكذلك كان الحال على عهد فرعون في هذه الفترة , وهنا يرشدهم الله إلى أمور :

1 – اعتزال الجاهلة بنتنها وفسادها وشرها – ما أمكن ذلك – وتجمع العصبة المؤمنة الخيرة النظيفة على نفسها , لتطهرها وتزكيها وتدربها وتنظمها , حتى يأتي وعد الله لها .

2 – اعتزال معابد الجاهلية واتخاذ بيوت العصبة المسلمة مساجد لتزاول فيها عبادتها لربها على نهج صحيح , وتزاول بالعبادة ذاتها نوعا من التنظيم في جو العبادة الطهور ) .

حقيقة معابد الضرار والجاهلية :

إن أقوال وأفكار سيد قطب عن اعتزال الجاهلية بفسادها أمر لا يثير التباسا في الفهم , ولكن الذي أثار هذا اللبس قوله عن ( اعتزال معابد الجاهلية ) .

لقد جعل ذلك وسيلة عند تحقق الفتنة التي قال عنها : ( وتجبر الطاغوت , وفسد الناس , وأنتنت البيئة ) ولكن مساجد المسلمين ليست كذلك .

وهذا يمكن أن يوجد في عصرنا فتوصف بعض المساجد بأنها معابد الجاهلية , كما هو الحال بالنسبة لمعابد القاديانية التي تزعم أن ( الميرزا غلام أحمد ) نبي مطبوع بطابع سيدنا محمد , ثم حرفت في العبادات , وأيضا يمكن أن يقبل وصف بعض المساجد بأنها معابد الجاهلية في الحالات التي تمارس فيها أعمال جاهلية – كالتصفيق للحاكم عند دخوله والهتاف له .

ولكن بعض شباب هذا الفكر أخذ من أقوال سيد قطب قاعدة عامة هي : أن اعتزال معابد الجاهلية ليس خاصا ببني إسرائيل في زمن نبي الله موسى , بل هو موجه إلى أمير المؤمنين في عصرنا لاعتزال المساجد , لأنها معابد جاهلية .

إن هذا لا يكون مقبولا إلا إذا كانت المساجد في عصرنا مخصصة لنوع من العبادة التي كانت تمارس في الجاهلية , مثل عبادة الأصنام والأوثان , وهذا لا وجود له بالمرة .

ومثل هذه المقارنة بين المساجد في عصرنا ومعابد الجاهلية التي كانت قائمة في زمن نبي الله موسى يكون لها محل , إذا كان الرسل وأتباعهم قد شاركوا الجاهليين والوثنيين في عصرهم العبادة بهذه المعابد , ولكن المصادر والكتب السماوية – حتى ما حرفوه منها – تنفي وجود مثل هذه المشاركة , فلم تكن هناك مشاركة في دور العبادة ولا التشريعات أيا كان نوعها , فالأصل العام الموحى به لجميع الرسل هو الوارد في قول الله تعالى لخاتم الأنبياء : " قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين , لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين " ( الأنعام : 162 , 163 ) . . . .

والذي يمكن أن يقال : هو أنه إذا ظهرت فتنة أدت إلى اضطهاد من يغشون المساجد , وتعقبهم في أنفسهم بالاعتقال والحبس , أو في أموالهم بالمصادرة وأعمالهم بالفصل , فلا تثريب على الفئة المضطهدة أن تعتزل المساجد وتصلي في البيوت , بل استنادا إلى الرخص المخولة للمسلم باعتبارها الضرورة والإكراه . هذا المعنى هو الذي يتفق مع نصوص القرآن والسنة , سواء تلك التي وردت في شأن بني إسرائيل أو غيرهم , أو التي وردت في شأن النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه أو غيرهم .

اعتزال معابد الجاهلية

إن المقصود من قوله : ( اعتزال معابد الجاهلية واتخاذ بيوت العصبة المؤمنة مساجد ) لم يطلقه الشهيد أو يلقي القول على عواهنه بشأنه , بل وضح المناسبة وهي قوله : ( وقد يجد المسلمون أنفسهم ذات يوم مطاردين في المجتمع الجاهلي , وقد عمت الفتنة , وتجبر الطاغوت , وفسد الناس , وأنتنت البيئة , وهنا يرشدهم الله إلى أمور , منها اعتزال معابد الجاهلية ) , فوصف الأستاذ سيد المعابد بكلمة معابد الجاهلية يتطلب أن يكون هناك اضطهادا ومطاردة للمؤمنين , وأن يكون المجتمع قد نتن وفسدت بيئته مع تجبر الطاغوت , كما كان الأمر في عهد فرعون .

إن هذه مبررات القول باعتزال معابد الجاهلية , فهذا مثل وصف مسجد المنافقين بمسجد الضرار في قوله تعالى : " والذين اتخذوا مسجدا ضررا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون , لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه " ( التوبة ) .

فقد نهي الله النبي أن يصلي فيه , لأنه مسجد للضرار , كما أن الله تعالى قد وصف صلاة الجاهلية بقوله تعالى : " وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون " ( الأنفال 35 ) .

ونحن قد نجد بعض الحكام قد اتخذ من بيوت الله أداة لأعمال الجاهلية – من تصفيق وهتافات له ولجاهليته – وهنا يجب اعتزال هذا المسجد . ومن وصفه بأنه من معابد الجاهلية لا نقره على هذه التسمية , ولكن الاعتزال هنا أمر مباح , ويقدر حسب حالة كل شخص , ولهذا تنقل ما كتبه العلماء عن أسباب نزول الآية محل الخلاف , نركزها في أربعة أسباب يتدرج تحتها خمس مسائل للقرطبي :

1 – الخوف هو أظهر الأسباب :

ففي تفسير ابن كثير – في شأن تدبره سورة يونس ( الآية : 87 ) يقول : ( يذكر الله تعالى سبب إنجائه بني إسرائيل من فرعون وقومه , وكيفية خلاصهم منهم , وذلك أن الله تعالى أمر موسى وأخاه هارون – عليهما السلام – أن يتبوءا – أي يتخذا – لقومهما بمصر بيوتا , واختلف المفسرون في معنى قوله تعالى : " واجعلوا بيوتكم قبلة " ( يونس : 87 ) .

فقال بن عباس : أمروا أن يتخذوها مساجد , وقال الثوري أيضا عن ابن منصور عن إبراهيم " واجعلوا بيوتكم قبلة " فال : كانوا خائفين , فأمروا أن يصلوا في بيوتهم . وكذا قال مجاهد وأبو مالك والربيع بن أنس والضحاك وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وأبوه زيد بن أسلم , وكان هذا – والله أعلم – لما اشتد بهم البلاء من قبل فرعون وقومه وضيقوا عليهم , أمروا بكثرة الصلاة كما قال تعالى : " يا أيها الذين امنوا استعينوا بالصبر والصلاة " ( البقرة : 153 ) . وفي الحديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى , ولهذا قال تعالى في هذه الآية : " واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين " ( يونس 87 ) , أي بالثواب والنصر القريب .

وقال العوفي عن ابن عباس في تفسير هذه الآية : قالت بنو إسرائيل لموسى عليه السلام : لا نستطيع أن نظهر صلاتنا مع الفراعنة , فأذن الله تعالى لهم أن يصلوا في بيوتهم , وأمروا أن يجعلوا بيوتهم قبل القبلة . وقال مجاهد في قوله تعالى : " واجعلوا بيوتكم قبلة " قال : لما خاف بنو إسرائيل من فرعون أن يقتلوا في الكنائس الجامعة , أمروا أن يجعلوا بيوتهم مساجد مستقبلة الكعبة يصلون فيها سرا , وكذا قال قتادة والضحاك , وقال سعيد بن جبير " واجعلوا بيوتكم قبلة " : أي يقابل بعضها بعضا " .

2 – الاضطهاد من الأسباب :

أما في تفسير القرطبي عن معنى قوله : " وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا " ( يونس : 87 ) : قال : فيه خمس مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا " أي اتخذا " لقومكما بمصر بيوتا " يقال : بوأت زيدا مكانا , وبوأت لزيد مكانا , والمبوأ : المنزل الملزوم , ومنه بوأه الله منزلا , أي ألزمه إياه وأسكنه , ومنه الحديث : " من كذب علي متعمدا , فليتبوأ مقعده من النار " , قال الراجز :

نحن بنو عدنان ليس شك
تبوأ المجد بنا والملك

ومصر في هذه الآية هي الإسكندرية في قول مجاهد . . . . . وقال الضحاك : إنه البلد المسمى مصر , ومصر ما بين البحر إلى أسوان , والإسكندرية من أرض مصر .

الثانية : قوله تعالى : " واجعلوا بيوتكم قبلة " قال أكثر المفسرين : كان بنو إسرائيل لا يصلون إلى في مساجدهم وكنائسهم , وكانت ظاهرة , فلما أرسل موسى أمر فرعون بمساجد بني إسرائيل , فخربت كلها , ومنعوا من الصلاة , فأوحى الله إلى موسى وهارون أن اتخذا وتخيرا لبني إسرائيل بيوتا بمصر , أي مساجد , ولم يرد المنازل المسكونة .

هذا قول إبراهيم وابن زيد والربيع وأبي مالك وابن عباس وغيرهم .

وروى عن ابن عباس وسعيد بن جبير أن المعنى : واجعلوا بيوتكم يقابل بعضها بعضا , والقول الأول أصح , أي اجعلوا مساجدكم إلى القبلة , قيل : بيت المقدس , وهي قبلة اليهود إلى اليوم , قال ابن بحر . وقيل : الكعبة . عن بن عباس قال : وكانت الكعبة قبلة موسى ومن معه . . . . . وهذا يدل على أن القبلة في الصلاة كانت شرعا لموسى عليه السلام , ولم تخل الصلاة عن شرط الطهارة وستر العورة واستقبال القبلة , فإن ذلك أبلغ في التكليف وأوفر للعبادة ) . . . ويمكن أن يكون المعنى : واجعلوا بيوتكم قبلة , أي مراكز للدعوة والصلاة .

3 – طلب الأمن هو سبب الاعتزال :

قال القرطبي : ( المراد : صلوا في بيوتكم سرا لتأمنوا , وذلك حين أخافهم فرعون , فأمروا بالصبر واتخاذ المساجد في البيوت , والإقدام على الصلاة والدعاء إلى أن ينجز الله وعده , وهو المراد بقوله تعالى : " قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا " الآية ( الأعراف : 128 ) .

وكان من دينهم أنهم لا يصلون إلا في البيع والكنائس ما داموا على أمن , فإذا خافوا فقد أذن لهم أن يصلوا في بيوتهم .

4 – التعبئة الروحية من الأسباب :

ويقول القرطبي : قوله – عليه الصلاة والسلام :

" جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا " : وهذا مما خص به دون الأنبياء , فنحن بحمد الله نصلي في البيوت والمساجد , وحيث أدركتنا الصلاة , إلا أن النافلة في المنازل أفضل منها في المساجد , حتى الركوع قبل الجمعة وبعدها , وقبل الصلوات المفروضة وبعدها . إن النوافل يحصل فيها الرياء , والفرائض لا يحصل فيها ذلك , وكلما خلص العمل من الرياء , كان أوزن وأزلف عند الله سبحانه وتعالى .

وروى مسلم عن عبد الله بن شقيق قال : سألت عائشة عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم – عن تطوعه – قالت : كان يصلي في بيتي قبل الظهر أربعا , ثم يخرج فيصلي بالناس , ثم يدخل فيصلي ركعتين , وكان يصلي بالناس المغرب , ثم يدخل فيصلي ركعتين , ثم يصلى بالناس العشاء , ويدخل بيتي يصلي ركعتين . . . . . الحديث .

وعن ابن عمر قال : صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل الظهر سجدتين وبعدها سجدتين , وبعد المغرب سجدتين , فأما المغرب والعشاء والجمعة , فصليت مع النبي صلى الله عليه وسلم في بيته .

وروي أبو داوود عن كعب بن عجرة أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى مسجد بني الأشهل فصلى فيه المغرب , فلما قضوا صلاتهم رآهم يسجدون بعدها فقال : " هذه صلاة البيوت " .

الثالثة : واختلف العلماء من هذا الباب في قيام رمضان , هل إيقاعه في البيت أفضل أو في المسجد ؟ فذهب مالك إلى أنه في البيت أفضل لمن قوى عليه , وبه قال أبو يوسف وبعض أصحاب الشافعي . وذهب ابن عبد الحكم وأحمد وبعض أصحاب الشافعي إلى أن حضروها في الجماعة أفضل .

وقال الليث : لو قام الناس في بيوتهم ولم يقم أحد في المسجد , لا ينبغي أن يخرجوا إليه , أي إذا صلى الناس التراويح في البيوت فلا يصر أحد على صلاتها في المسجد .

والحجة لمالك ومن قال بقوله , لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث زيد بن ثابت :

" فعليكم بالصلاة في بيوتكم , فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة " .

واحتج المخالف بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد صلاها في الجماعة في المسجد , ثم أخبر بالمانع الذي منع منه على الدوام على ذلك , وهو خشية أن تفرض عليهم , فلذلك قال لهم : " فعليكم بالصلاة في بيوتكم " , ثم إن الصحابة كانوا يصلونها في المسجد أوزاعا متفرقين , إلى أن جمعهم عمر على قارئ واحد , فاستقر الأمر على ذلك وثبت سنة .

الرابعة : وإذا تنزلنا على أنه كان أبيح لهم أن يصلوا في بيوتهم إذا خافوا على أنفسهم , فيستدل به على أن المعذور بالخوف وغيره يجوز له ترك الجماعة والجمعة , والعذر الذي يبيح له ذلك كالمرض الحابس , أو خوف زيادته , أو خوف جور السلطان في مال أو بدن , دون القضاء عليه بحق , والمطر الوابل مع الوحل عذر إن لم ينقطع , ومن له ولي حميم قد حضرته الوفاة ولم يكن عنده من يمرضه , وقد فعل ذلك ابن عمر .

الخامسة : قوله تعالى : " وبشر المؤمنين 223 " ( البقرة ) قيل :

الخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم , وقيل : لموسى عليه السلام وهو أظهر , أي بشر بني إسرائيل بأن الله سيظهرهم على عدوهم ) أي آنذاك وهو الفراعنة .

حتمية تأويل أقوال سيد قطب

ترد في عبارات الشهيد سيد قطب كلمات الجاهلية , والأصول العامة في الإسلام توجب أن تفسر هذه العبارات إذا اتصلت بالمسلمين على أنها المقصود بها : اعتزال المناهج والتشريعات الكفرية على أساس أن أصلها جاهلي , ولا يترتب على هذا أن يقال : إن المسلمين في عصرنا قد ارتدوا عن الإسلام وأصبحوا كفارا , ولهذا فعبارة اعتزال معابد الجاهلية ليست إلا وصفا لا مدلول له من الناحية الفقهية , ذلك أن أقوال النبي صلى الله عليه وسلم استوجب تأويلها – اتساقا مع القواعد العامة كما رأينا – فمن باب أولى كلام العلماء والفقهاء , وليس أدل على أن الشهيد سيد قطب لا يريد النتائج والأحكام الفقهية المترتبة على الألفاظ العامة من الخطاب الذي نشره الأستاذ محمد قطب بمجلة المجتمع بالعدد 27 الصادر في 17 شوال 1395 ه – 21 / 10 / 1975 م , وهو يؤكد ما قلناه , حيث قال بالحرف الواحد :

نص الرسالة :

أخي . . . . .

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته , وبعد . . . . فإنك تعلم يا أخي ما دار من لغط في محيط الإخوان حول كتابات الشهيد سيد قطب , وما قيل من كونها مخالفة لفكر الإخوان أو جديدة عليه , وأحب في هذا المجال أن أثبت مجموعة من الحقائق , أحس بأنني مطالب أمما الله بتوضيحها حتى لا يكون في الأمر شبهة .

. . . . . . إن كتابات سيد قطب قد تركزت حول موضوع معين , هو بيان المعنى الحقيقي ل " لا إله إلا الله " , شعورا منه بأن كثيرا من الناس لا يدركون هذا المعنى على حقيقته , بيان المواصفات الحقيقية للإيمان كما وردت في الكتاب والسنة , شعورا منه بأن كثيرا من هذه المواصفات قد أهمل أو غفل الناس عنه , ولكنه مع ذلك حرص حرصا شديدا على أن يبين أن كلامه ليس مقصودا به إصدار أحكام على الناس , وإنما المقصود به تعريفهم بما غفلوا عنه من هذه الحقيقة , ليتبينوا هم لأنفسهم إن كانوا مستقيمين على طريق الله كما ينبغي , أم أنهم بعيدون عن هذا الطريق فينبغي عليهم أن يعودوا إليه , ولقد سمعته بنفسي أكثر من مرة يقول : ( نحن دعاة ولسنا قضاة ) .

إن مهمتنا ليست إصدار الأحكام على الناس , ولكن مهمتنا تعريفهم بحقيقة " لا إله إلا الله " , لأن الناس لا يعرفون مقتضاها الحقيقي , وهو التحاكم إلى شريعة الله , كما سمعته أكثر من مرة يقول : ( إن الحكم على الناس يستلزم وجود قرينة قاطعة لقضية الحكم على الناس , فضلا عن كوننا دعاة ولسنا دولة , دعوة مهمتها بيان الحقائق للناس لا إصدار الأحكام عليهم ) .

أما بالنسبة لقضية ( المفاصلة ) , فقد بين في كلامه أنها المفاصلة الشعورية التي لا بد أن تنشأ تلقائيا في حس المسلم الملتزم تجاه من لا يلتزمون بأوامر الإسلام , ولكنها ليست المفاصلة الحسية المادية , فنحن نعيش في هذا المجتمع وندعوه إلى حقيقة الإسلام ولا نعتزله وإلا فكيف ندعوه ؟ ! .

تلك خلاصة كتابات سيد قطب , ولي على هذه الخلاصة تعقيبان :

الأول : هو تأكيدي الكامل – بإذن الله – من أنه ليس في هذه الكتابات ما يخالف الكتاب والسنة اللذين تقوم عليهما دعوة الإخوان المسلمين .

الثاني : هو تأكيدي الكامل – أيضا – من أنه ليس في هذه الكتابات ما يخالف أفكار الإمام الشهيد حسن البنا – مؤسس هذه الجماعة – ولا ما يخالف أقواله وهو الذي نص في رسالة التعاليم في البند العشرين من ركن الفهم على أن : ( المسلم الذي لا يجوز تكفيره هو الذي نطق بالشهادتين وعمل بمقتضاهما وأدى الفرائض ) , وهذا فضلا عن كون كتابات سيد قطب – كما أسلفت – لم يقصد بها إصدار الأحكام على الناس , وإنما قصده منها كما كان قصد الإمام الشهيد بالضبط , وهو بيان حقيقة الإسلام ومواصفات المسلم كما وردت في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .

تلك حقائق أرى أن من واجبي أن أبينها وأوضحها أداء للشهادة لله , فإننا لا ندري متى نلقى الله , ولا ينبغي لنا أن نلقاه وقد كتمنا شهادة عندنا لله .

والله الموفق إلى سواء السبيل

أخوك

محمد قطب

سيد قطب ينفي فكر التكفير

إن فكر التكفير بجناحيه : جناح المفاصلة الكاملة الذي يدعي أنه جماعة المسلمين , وتطلق عليهم الحكومة اسم التكفير والهجرة , وجناح المفاصلة الشعورية والذي يستخدم أسلوب التقية ويظهر خلاف ما يبطن فيشيع كفر المسلمين ثم يتظاهر بغير ذلك , ويدعي أنه من الإخوان المسلمين , وهو يسعى إلى هدم جماعتهم وفكرهم .

هذا الفكر بجناحيه ينسب بدعته إلى الشهيد سيد قطب , وقد رأيت أن كتبه وعباراته لا تتفق مع أي جناح من جناحي التكفير , كما أن أخاه الأستاذ محمد قطب يقطع في هذه الرسالة أنه سمع منه أننا لا نعترض لقضية الحكم على الناس , لأن ذلك يحتاج قرينة قاطعة لا تقبل الشك , وهذا ليس في أيدينا , لأننا دعاة ولسنا قضاة , ولقد أكدت لي السيدة الفاضلة زينب الغزالي أنه في يوليو 1965 م قبل اعتقال الأستاذ سيد قطب سألته عما ورد في الظلال وفي المعالم من عبارات يتمسك بها بعض الشباب في تكفير أبائهم وأمهاتهم , فأكد لها أنه لا يتعرض للأحكام الشرعية , فهذه يختص بها الفقهاء , وهي مفصلة في كتب الفقه , ولا يقول بهذا الفكر , ولقد أكدت ذلك لي بحضور أخيها السيد / محمد الغزالي الجبيلي . . . . وقد نقل سامي جوهر في (الموتى يتكلمون ) أقوال الشهيد في التحقيقات , تضمنت أنه لا يقول بكفر أفراد المجتمع وما ورد في كتبه يتعلق بالمجتمع كدولة .


الفصل الرابع: اعتزال المجتمع وتحطيمه

اعتزال المجتمع وتحطيمه

لقد نصب بعض الشباب نفسه قاضيا وحاكما , وأصدر حكمه بكفر المسلمين , وأمر باعتزالهم وباعتزال مساجدهم ومعاهدهم , كما أمر بترك الوظائف والهجرة إلى الجبال .

وبالتالي لا مجال للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , لأن المجتمع كافر , وليس بعد الكفر ذنب , وأيضا الإقامة بالجبال بطبيعتها تعزل الفرد عن المجتمع في كل شيء .

ولا وجه للشبه بين هؤلاء والمعتزلة الذين ظهروا في القرن الثاني للهجرة , بعد أن اعتزل واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد مجلس الحسن البصري , ذلك أن المعتزلة لا يهجرون المجتمعات , إنما اعتزلوا فقط مجلس الحسن البصري لقوله بأن مرتكب الكبيرة مؤمن , وهم يرون أنه في منزلة من المنزلتين , وذلك للتوسط بين من يرون كفر مرتكب الكبيرة – وهم الخوارج – ومن يرون إيمانه – وهم جميع المسلمين من أهل السنة والشيعة .

كما أن المعتزلة يخالفون هؤلاء الشباب في موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , إذ يرونه من عناصر الإيمان فلا يتم إلا به , بينما فكر التكفير يرى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا ضرورة له , وذلك حتى يؤمن هؤلاء من جديد , ولكنهم لم يبينوا كيف يؤمن هؤلاء . وأما عن الهجرة فقد ورد أن السيدة عائشة رضي الله عنها سئلت عن الهجرة فقالت : لا هجرة اليوم , كان المؤمنون يفر أحدهم بدينه إلى الله تعالى وإلى رسوله مخافة أن يفتن عليه , فأما اليوم فقد أظهر الله الإسلام , واليوم يعبد ربه حيث شاء .

كما ورد أن مجاشع بن مسعود جاء بأخيه مجالد بن سعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : هذا مجالد , جاء يبايعك على الهجرة , فقال النبي صلى الله عليه وسلم " لا هجرة بعد فتح مكة , ولكن أبايعك على الإسلام والإيمان والجهاد " .

والنبي صلى الله عليه وسلم عندما أمره ربه بالهجرة من مكة إلى المدينة , كان بالمدينة رجال تجردوا لنصرة هذا الدين , وبالتالي كانت الهجرة إليهم ليمكن تكوين مجتمع مسلم يحتكم إلى شريعة الله , ولينصر دين الله , ويقاتل لتكون كلمة الله هي العليا . والمجتمع المسلم بالمدينة لم يعتزل اليهود أو المشركين بها قبل وضع ضوابط للتعايش معهم , ويمكن أن يسمى ذلك بلغة العصر : دستور الإسلام بالمدينة . . . . وإليك نصوصه بإيجاز :

دستور الرسول بالمدينة

لقد وضع النبي صلى الله عليه وسلم في أول عهده بالمدينة كتابا ينظم شئون المسلمين بعضهم ببعض , وشئونهم مع غيرهم من سكان يثرب وأهلها , ومما جاء به :

1 – أنهم أمة من دون الناس .

2 – المهاجرون من قريش على ربعتهم – على ما كانوا عليه – يتعاقلون بينهم – أن يدفعون الديات من باب التكافل – وهم يفدون عانيهم – أسيرهم – بالمعروف والقسط بين المؤمنين .

3 – وأنه من تبعنا من يهود , فإن لهم النصرة والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم .

4 – وأنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة وامن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثا أو يؤويه .

5 – وأنكم مهما اختلفتم فيه من شيء , فإن مرده إلى الله وإلى محمد . وهذه الصحيفة قد نصت على أن المسلمين أمة واحدة من دون الناس , وبالتالي فما ورد في الأحاديث النبوية عن كفر مفارقة الجماعة أو خلع البيعة إنما ينصرف على هذه الأمة الواحدة , فمفارقتها يراد به الارتداد عن الإسلام .

وهذه الصحيفة أوجبت على المؤمنين الرجوع إلى الله ورسوله عند الخلاف باعتبارين :

الأول : كونهم أعضاء الجماعة أو الأمة المؤمنة .

الثاني : كونهم من رعايا المدينة .

وبالتالي يخضعون لقانون وشرائع هذه الدولة وهو الإسلام , كما يخضعون لرئيس هذه الدولة وهو النبي صلى الله عليه وسلم .

أما غير المسلمين من اليهود والمشركين , فيلتزمون بالرجوع إلى قانون هذه الدولة المعبر عنه في الصحيفة بكلمة : ( مرده إلى الله ) , كما يخضعون لرئيس الدولة وهو النبي صلى الله عليه وسلم , وهم في خضوعهم له والتزامهم بقانونه إنما يكون باعتبارهم مواطنين في هذه الدولة .

كما أن هذه الوثيقة تنبئ عن أن الإسلام نظام حضاري عالمي يعيش في دولته المسلم وغير المسلم , وهو للمسلم عقيدة ونظام أو دين ودولة ولغير المسلم قانون ونظام .

سيد قطب والهجرة بعد الفتح

لقد وردت عبارات للشهيد سيد قطب قد يؤولها من أراد على أنه يربط الهجرة بالعقيدة , بل زعم بعضهم أنه يرى أن العقيدة تنقسم إلى المفهوم وإلى الحركة بالمفهوم , وليس لديهم أي سند بهذا الادعاء . . . . . . فيقولون إن الحركة بالمفهوم جزء لا يتجزأ من العقيدة , وهي تتمخض عن التزام أحكام العهد المكي من الحل والحرمة , واستندوا إلى قوله : ( ولقد ظل شرط الهجرة قائما حتى فتح مكة حين دانت أرض العرب للإسلام ولقيادته , وانتظم الناس في مجمعته , فلا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد وعمل , كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .

غير أن ذلك إنما كان في جولة الإسلام الأولى التي حكم فيها الأرض ألفا ومائتي عام تقريبا , لم ينقطع فيها حكم شريعة الإسلام وقيام القيادة المسلمة على شريعة الله وسلطانه , فأما اليوم وقد عادت الأرض إلى الجاهلية وارتفع حكم الله سبحانه عن حياة الناس في الأرض , وعادت الحاكمية إلى الطاغوت في الأرض كلها , ودخل الناس في عبادة العباد بعد إذ أخرجهم الإسلام منها , الآن تبدأ جولة جديدة أخرى للإسلام كالجولة الأولى – تأخذ في التنظيم – كل أحكامها المرحلية , حتى تنتهي إلى إقامة دار إسلام وهجرة , ثم تمتد حول الإسلام مرة أخرى – بإذن الله – فلا تعود للهجرة ولكن لجهاد وعمل كما حدث في الجولة الأولى ) .

إن أصحاب فكر التكفير يستندون إلى أقوال سيد قطب في تدعيم انحرافاتهم الفكرية وأغفلوا النصوص الشرعية , ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم : " الهجرة أن تهجر السوء " .

والهجرة عن أصحاب الفكر بنوعيه هي :

1 – الدعوة إلى العزلة والانفصال عن المجتمع , ولو إلى الكهوف والجبال مع هجرة المعاهد والمدارس والجامعات والوظائف .

2 – الدعوة إلى الأخذ بنظام الحركة بالمفهوم بدعوى أنه هو النظام الحركي للإسلام في مكة , وأن من العقيدة – في زعمهم – الأخذ بهذه الأحكام المرحلية , وذلك إلى أن يزول عهد الاستضعاف , ويبدأ عهد التمكين – وهو الحكم بالإسلام – على يد الجماعة , لأنها وحدها هي التي تحقق الإسلام الصحيح .

المرحلية تشريع مع الله

وحتى تتضح نتائج هذه الأحكام المرحلية – التي يعدونها من العقيدة – نشير إلى أن من هذه الأحكام المكية :

1 – حل الخمر .

2 – حل زواج المشركات .

3 – حل بقاء المسلمة زوجا للمشرك .

4 – عدم جواز الدفاع عن النفس .

5 – تلقين الإسلام على مراحل والأخذ بالمفاصلة الشعورية .

فهل في كلمات سيد قطب ما يؤيد استنتاج أصحاب الهجرة أو أصحاب المرحلية ؟ .

إن سيد قطب قد مهد لهذه الكلمات بقوله : ( ولكن الإسلام – كما قلنا – لم يكن يملك أن يتمثل في نظرية مجردة , ليعتنقها من يعتنقها اعتقادا ويزاولها عبادة , ثم يبقى معتنقوها على هذا النحو أفرادا ضمن الكيان العضوي للمجتمع الحركي الجاهلي القائم فعلا , فإن وجودهم على هذا النحو – مهما كثر عددهم – لا يمكن أن يؤدي إلى وجود فعلي للإسلام , لأن الأفراد المسلمين نظريا – الداخلين في التركيب العضوي للمجتمع الجاهلي – سيظلون مضطرين حتما للاستجابة لمطالب هذا المجتمع العضوية , يتحركون طوعا أو كرها , بوعي أو غير وعي – لقضاء الحاجات الأساسية لحياة هذا المجتمع الضرورية لوجوده , وسيدافعون عن كيانه , وسيدفعون العوامل التي تهدد وجوده وكيانه , لأن الكائن العضوي يقوم بهذه الوظائف بكل أعضائه سواء أرادوا أو لم يريدوا , أي أن الأفراد المسلمين نظريا سيظلون يقومون فعلا بتقوية المجتمع الجاهلي الذي يعملون نظريا لإزالته , وسيظلون خلايا حية في كيانه تمده بعناصر البقاء والامتداد , وسيعطونه كفايتهم وخبراتهم ونشاطهم ليحيا ويقوى , وذلك بدلا من أن تكون حركتهم في اتجاه تفويض هذا المجتمع الجاهلي لإقامة المجتمع الإسلامي ) .

من هذا نرى أن سيد قطب في إيجابه الهجرة من جديد إنما يريد الهجرة إلى الإسلام وجماعته وكيانه الحركي , ولا يقصد الهجرة إلى الكهوف والجبال وهجرة المعابد والجامعات , كما أن الأحكام المرحلية التي يهدف إليها ليست هي أحكام الحركة بالمفهوم حيث وضح سيد قطب بقوله : ( الآن تبدأ جولة جديدة تأخذ – في التنظيم – كل أحكامها المرحلية ) .

فالأحكام المرحلية التي يشير إليها هي أحكام التنظيم , وليست أحكام الحلال والحرام التي كانت في العهد المكي , ثم نسخت في المدينة وظلت هي حكم الإسلام إلى أن تقوم الساعة .

وهدف سيد قطب – كما أفصح عنه – هو تكوين تجمع إسلامي ينشأ بينه الولاء – أي المناصرة – وبالتالي يتميز عن غيره من الأفراد والتجمعات ولو أدى ذلك إلى عودة الأحكام التنظيمية المؤدية إلى تقوية أواصر هذا المجتمع . وفي هذا يقول : ( ولقد كانت لفترة البناء الأولى للوجود الإسلامي أحكامها الخاصة وتكاليفها الخاصة , قام الولاء في العقيدة مقام الولاء بما في ذلك الإرث والتكافل في الديات والمغارم , فما إن استقر الوجود الإسلامي بيوم الفرقان في بدر عدلت أحكام تلك الفترة الاستثنائية اللازمة لعملية البناء الأولى لمواجهة تكاليفها الاستثنائية , وكان من هذه التعديلات عودة التوارث والتكافل والديات وغيرها إلى القرابة – ولكن في إطار المجتمع المسلم في دار الإسلام ) .

خلاصة فكر سيد قطب

من أقوال سيد قطب هذه , يتضح أنه ليس صاحب فكر التكفير بمعالمه السالفة الذكر , كما أنه لم يصدر حكما بكفر من تخلف عن الهجرة إلى هذا التجمع الحركي الإسلامي .

كما أنه لم يصرح , بل لم يلمح بمسألة العودة إلى الأحكام المكية التي أطلقوا عليها اسم الحركة بالمفهوم , وعرفوها بكتم بعض شرائع الإسلام وإظهار بعضها , فقالوا بحل زواج المشركات وحل الخمر , وغير ذلك من الأمور التي ابتدعوها , والتي نجد بعضها عند الخوارج وبعضها عند بعض من زعموا أنهم من الشيعة الإسماعيلية والباطنية .

وكل الذي أشار إليه سيد قطب هو حكم الولاء للتجمع الحركي الإسلامي , وعده لازما في عصرنا مثلما كان في عصر النبوة ليمكن العودة إلى تحكيم شريعة الله في الأرض .

ولهذا أشار إشارة فقط إلى هذا الحكم في عصر النبوة , والذي من شأنه عدم مناصرة من خرج على هذا التجمع من المسلمين , أو من أثر منهم البقاء ضمن إطار التجمع الجاهلي وقيادته لأي سبب , كما أشار إلى مسألة التوارث والتكافل كأثر من أثار الولاء الذي نسخ بعد غزة بدر .

فأقصى ما يمكن استنتاجه من أقوال الشهيد سيد قطب , هو القول بالعودة بمعنى المناصرة , والتكافل بين أفراد التجمع الحركي الإسلامي إلى أن يتم تحكيم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .

ومع هذا فلو كانت دعوة هؤلاء هي الهجرة إلى أماكن الطاعة , أو إلى مواطن الأمن والحرية , أو هجرة المعاصي والسوء , لكان ذلك مقبولا إلى مواطن الأمن والحرية , أو هجرة المعاصي والسوء , لكان ذلك مقبولا في دين الإسلام , فقد وردت هذه المعاني في القرآن الكريم , من ذلك : " والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة " ( النحل : 41 ) .

" إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا في ما كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها " ( النساء : 97 ) .

" ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة " ( النساء : 100 ) .

فتوجد أنواع مختلفة للهجرة بالمعنى الوارد في هذه الآيات , وهي لا تتعارض مع الحديث النبوي : " لا هجرة بعد الفتح , ولكن جهاد ونية " , لأن هذه الأنواع هي من باب الجهاد , أما الهجرة التي يدعو إليها أصحاب هذا الفكر فهي بدعة كما رأيت .

أمية النبي في مفهوم التكفير

لقد استحدث مبتدع هذه الأفكار سندا شرعيا لمفهوم التكفير في اعتزال المدارس والوظائف , فاستند إلى أن قول الله تعالى : " هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين , وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم , ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم " ( الجمعة ) .

لقد ادعى أن هذه الآيات تفيد :

1 – أن المسلم يجب أن يهجر المدارس والتعليم ليتحقق فيه وصف الأمية لأنه وصف الله لهذه الأمة .

2 – أن صفة الأمية ليست قاصرة على عصر البعثة النبوية , بل ممتدة إلى يومنا , فنحن المشار إلينا في قوله تعالى : " وآخرين منهم لما يلحقوا بهم " أي وآخرين من الأميين لما يلحقوا بالصدر الأول للإسلام .

وبالتالي , فيجب أن يتحقق فينا كلمة " وآخرين منهم " وهذه لا تكون إلا لمن كان أميا .

3 – ويدعي أمير هذه الجماعة أن لديه علما بتأويل جميع معاني القرآن بل وحروفه , ويستمد هذا من قوله تعالى : " ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء " ( الجمعة : 4 ) .

وهذا ضرب من تفسير القرآن بغير علم , وسنوضح ذلك بالأدلة :

أمية النبي واعتزال المدارس والجامعات

لقد فهم هؤلاء من وصف النبي بالأمي ,ووصف العرب بالأميين بأن معناه : أن من صفات المسلم الأمية , وتعني عندهم اعتزال الثقافات والعلوم طبقا للمفهوم الشائع والدارج لمعنى الأمية في عصرنا .

وهؤلاء يجهلون أساليب القرآن الكريم , واكتفوا بما يدعيه إمامهم من أن الله خصه بتأويل كلمات القرآن الكريم بل وحروفه , من هذا التأويل مفهوم الأمية السالفة الذكر .

إن القرآن الكريم يستخدم لفظ : الأميين كاصطلاح مغاير للفظ أهل الكتاب .

وأهل الكتاب في اصطلاح القرآن : هم الذين نزلت عليهم رسالات ولم يبعث فيهم رسول منهم , وبالتالي فهم لا يعلمون ذلك , ويصفهم الله أحيانا بالأميين وأحيانا بالذين لا يعلمون , والأمية هنا – وكذا عدم العلم – هي الأمية بالرسالات السماوية وعدم العلم بها , وليس الجهل وانعدام الثقافة .

قال الله تعالى : " وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم " ( البقرة : 113 ) .

فالذين نزل عليهم الكتاب من قبل هم اليهود والنصارى , والذين لا يعلمون هم العرب , إذ لم ينزل عليهم كتاب الله حتى بعث الله النبي إليهم , فكانوا قبله أمة أمية لا تعلم الرسالات السابقة , وفيهم نزل قوله تعالى : " وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا ايه كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون " ( البقرة : 118 ) .

الأمية في اصطلاح القرآن

ولأن العرب لم يبعث الله لهم رسولا , كان دعاء نبي الله إبراهيم الذي حكاه القرآن الكريم : " ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم " ( البقرة : 129 ) .

فالعرب كانوا قبل البعثة النبوية أميين , أي لا يعلمون الرسالات , وببعثة الرسول زالت عنهم هذه الأمية , وفي هذا قال الله تعالى :

" كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون " ( البقرة : 151 ) .

ووصف النبي بأنه أمي معناه : أنه لم يعلم شيئا عن الرسالات والرسل قبل نزول الوحي عليه , وبدأ علمه بذلك بتكليف الله له بإبلاغ ما أنزله الله عليه من الكتاب والحكمة , وأيضا يفيد الوصف أنه لم بتعلم القراءة والكتابة .

ولسنا ندري كيف يكون النبي أميا باصطلاح عصرنا وهو اصطلاح يرتبط بالجهل , بينما هو بعث ليعلمنا الكتاب والحكمة وما لم نكن نعلم , فالعلم لا يؤخذ من القراءة والكتابة فقط , ومن هنا كان الحفظ والتلقين والسماع من وسائل المعرفة , فما بالنا والله هو الذي يعلم نبيه ! .

وكيف يقبل عاقل القول بأننا أمة يجب أن تعتزل المدارس والوظائف والعلوم ليتحقق فينا وصف الأمية ؟ والله تعالى يقول :

" هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون " ( الزمر : 9 ) .

والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : " إن من أشراط الساعة : أن يرفع العلم , ويظهر الجهل " , كما يحذر النبي من الانقياد لأمراء ورؤساء جهال فيقول : " إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس , ولكن يقبض العلم بقبض العلماء , حتى إذا لم يترك عالما , اتخذ الناس رؤوسا جهالا , فسئلوا فأفتوا بغير علم , فضلوا وأضلوا " .

وكثير من الصحابة والتابعين كانوا علماء ومتعلمين , وشجع رسول الله صلى الله عليه وسلم العلم , وطلب من الأسرى تعليم أبناء المسلمين .

شبهات حول أمية العرب

إن ما أوردناه عن اصطلاح الأمية في القرآن الكريم لا ينفي أن الله تعالى إنما خاطب العرب بما هو مفهوم في عصرهم , ولقد كان معنى الأمية عندهم أيضا : عدم القراءة والكتابة , ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب " .

ومفهوم الأمية عند العرب نقله الطبري فقال : ( إن الأمي عند العرب هو الذي لا يكتب ) . كما نقله ابن حيان الأندلسي في ( البحر المحيط ) فقال : ( الأمي : لا يقرأ في كتاب ولا يكتب ) .

ولكن هذا لا يعني أن هذه الأمية كانت قاصرة على العرب , فقد قال الله عن اليهود " ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني " ( البقرة : 78 ) .

كما أن الأمية في مفهوم العرب , وكما وردت كوصف في القرآن الكريم , وكما أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم لا تعني الجهل , فالقراءة والكتابة عرفت متأخرا في تاريخ البشرية , وقبل ذلك كانت وسائل المعرفة قائمة على غير القراءة والكتابة , لأن وسائل تلقين المعرفة قد تكون بالقراءة والكتابة , وقد تكون بالوسائل السمعية والقولية الأخرى , ولهذا قال الدكتور نظمي لوفا في كتابه (محمد الرسول والرسالة ) : ( ليس العلم منوطا بقراءة وكتابة ) .

ومهما كان الأمر في شأن أمية العرب , فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد استخدم بعض الكتاب وسعى إلى ذلك .

فقد روى ابن حزم في ( جوامع السيرة ) : أن من كتاب النبي المغيرة ابن شعبة , والحسين بن نمير , وكانا يكتبان المداينات والمعاملات , وقال صلى الله عليه وسلم : " ما بال أقوام لا يتعلمون من جيرانهم ولا يتفقهون " .

وقد ذكر ابن عبد البر في ( الاستيعاب ) : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عبد الله بن سعيد بن العاصي , أن يعلم الناس الكتابة بالمدينة , وكان كاتبا محسنا .

وتحت باب ( المعلم الكافر ) كتب الشيخ الكتاني أنه في ( الروض الأنف ) للسهيلي , في الكلام عن غزوة بدر قال : كان من الأساري يوم بدر من يكتب , ولم يكن من الأنصار يومئذ أحد يحسن الكتابة , فكان من الأسرى من لا مال له , فيقبل منه أن يعلم عشرة من الغلمان الكتابة ويخلى سبيله .

وروى أبو داوود عن الشفاء أم سليمان بن أبي حثمة , قالت : دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عند حفصة فقال لي : " ألا تعلمين هذه رقبة النملة كما علمتيها الكتابة " . وقال الخطابي في ( معالم السنن ) :

في هذا الحديث دليل على أن تعلم النساء الكتابة غير مكروه .

وأما المقصود برقبة النملة , فقد جاء في النهاية : ( قيل : إن هذا من لغز الكلام ومزاحه ) كقوله للعجوز : " لا يدخل الجنة عجوز " , إذ رقبة النملة شيء كانت تستعمله النساء يعلم كل من سمعه أنه كلام لا يضر ولا ينفع .

كما جاء أيضا في كتاب ( نظام الحكومة النبوية ) . وفي حواشي البدر الدماميني على البخاري على حديث : " ثلاثة لهم أجران : رجل كانت عنده أمة – عبدة – يطؤها , فأدبها وأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها . . . . . . . . . " .

ونقل عن ( شرح الطريقة المحمدية ) للعارف النابلسي  : ( وليس من التشبه المذموم دخول المرأة في شيء من العلم وتعليمه وتربية المريدين , فقد كانت عائشة . تعبر العلوم , وتورد الإشكالات على الفحول , وقد استدركت على جماعة من الصحابة في كثير من الأحاديث , فاستدركت على عمر وابنه , وأبي هريرة , ابن عباس , وعثمان بن عفان , وعلي بن أبي طالب , وابن الزبير , وزيد , وأبي الدرداء , وأبي سعيد , والبراء , وفاطمة بنت قيس وغيرهم , وألف في ذلك جمع من العلماء أخرهم الحافظ السويطي , كتابه ( الإصابة في ما استدركته عائشة على الصحابة ) , وقول عروة : ما علمت أحدا أعلم بالحلال والحرام والعلم والشعر والطب من عائشة ) .

حتمية الجهل في مفهوم التكفير

هذا هو اصطلاح الأميين في القرآن , وهو يؤكد أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما جاء ليعلم الإنسانية الكتاب والحكمة , وأن العلم من وسائل الإيمان , وأن شيوع الأمية بمعنى الجهل هو من علامات القيامة , وهذا يؤكد أن قول الله تعال : " وآخرين منهم لما يلحقوا بهم " ( الجمعة : 3 ) ليس معناه : أن من يلتحق بالصدر الأول من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يجب أن يكونوا أميين , كما يدعى أمير هؤلاء الذي أكمل دراسته بكلية الزراعة , في الوقت الذي يدعو غيره لترك الجامعة أخذا بمفهوم الأمية الذي ابتدعه لهم .

وأما الزعم بأن المقصود بهؤلاء هم هذه الجماعة , فهو أمر لا يساوي ضياع الوقت للرد عليه , ولكن لتمسكهم ببعض عبارات سيد قطب تنقل ما كتبه الشهيد سيد قطب ( في ظلال القرآن ) إذ قال : ( وهؤلاء الآخرون وردت فيهم روايات متعددة ) .

روي الأمام البخاري بسنده عن أبي هريرة قال : كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم , فأنزلت عليه سورة الجمعة , " وآخرين منهم لما يلحقوا بهم " ( الجمعة : 3 ) قالوا : من هم يا رسول الله ؟ فلم يراجعهم حتى سئل ثلاثا , وفينا سلمان الفارسي , فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على سلمان الفارسي ثم قال :

" لو كان الإيمان عند الثريا , لناله رجال أو رجل من هؤلاء " . . .

قال سيد قطب : فهذا يشير إلى أن هذا النص يشمل أهل فارس , ولهذا قال مجاهد في هذه الآية : هم الأعاجم وكل من صدق النبي صلى الله عليه وسلم من غير العرب " .

العزلة وتحطيم المجتمع الجاهلي

إن هذا الفكر – بنوعيه وفرقتيه – يبدأ بداية ظاهرها العزيمة والقوة , ويرمي بالكفر كل من خالف التشريع الرباني .

ولكنه ينتهي إلى نوع من السلبية القاتلة , إذ يزعم أنه لا مكان للأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر في هذه المجتمعات , لأن ذلك معناه الشهادة لهم بالإيمان ومطالبتهم بتكاليفه , وهم كفار يجب أن يدخلوا الإيمان الصحيح أولا , وهو الممثل عندهم في مفهوم الحاكمية والجماعة السابق بيانه .

وعلى هذا رأينا أناسا منهم لا يجدون غضاضة من أن تحاكى بناتهم الأزياء الجاهلية التي تكشف عن مواطن عدة من جسد المرأة , وحجتهم أنه ليس بعد الكفر ذنب .

ثم هم يتسامحون مع أصحاب المعاصي , ويستندون إلى أنه ليس بعد الكفر ذنب , وهكذا لا يحاول هؤلاء إصلاح المجتمع , ويزعمون أن تخريبه من الواجبات الشرعية , لأنه مجتمع جاهلي يجب أن يكشف ويحطم .

ولهذا يستحل بعض هؤلاء إتلاف ما أمكن من الأموال العامة , وإيقاع المظالم بمن خرج عن جماعتهم , ومحاربتهم في أرزاقهم , وإيذائهم بشتى أنواع الإيذاء , ويعدون ذلك من الإيمان .

مدى شرعية تحطيم المجتمع الجاهلي

إن سند هؤلاء في استحلال تحطيم المجتمع , هو فهم خاطئ لقول الله تعالى : " ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين " ( الحشر : 5 ) .

وهذه الآية وردت في شأن يهود بني النضير , وهي مسبوقة بقوله تعالى : " ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار , ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب , ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله " ( الحشر ) .

وهذا الحكم ورد في يهود بني النضير خاصة لسبب ذكره ابن القيم نقلا عن البخاري , إذ قال : ( وكان ذلك بعد بدر بستة أشهر , قاله عروة , وسبب ذلك : أنه صلى الله عليه وسلم خرج إليهم في نفر من أصحابه وكلمهم أن يعينوه في دية الكلابين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري , فقالوا : نفعل يا أبا القاسم , اجلس ها هنا حتى نقضي حاجتك , وخلا بعضهم ببعض , وسول لهم الشيطان الشقاء الذي كتب عليهم , فتآمروا بقتله صلى الله عليه وسلم , وقالوا : أيكم يأخذ هذه الرحى ويصعد فيلقيها على رأسه يشدخه بها , فقال أشقاهم عمرو بن جحاش : أنا , فقال لهم سلام بن مشكم : لا تفعلوا , فو الله ليخبرن بما هممتم به , وإنه لنقض العهد الذي بيننا وبينه . . . وجاء الوحي على الفور إليه من ربه تبارك وتعالى بما هموا به , فنهض مسرعا وتوجه إلى المدينة . . . . . وبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اخرجوا من المدينة ولا تساكنوني بها وقد أجلتكم عشرا . . . . فأقاموا أياما يتجهزون , وأرسل إليهم المنافق عبد الله بن أبي : ألا تخرجوا من دياركم , فإن معي ألفين يدخلون عليكم حصنكم فيموتون دونكم , وتنصركم قريظة وحلفاؤكم من غطفان . . . . لذا أقاموا على حصونهم يرمون بالنيل والحجارة ) .

أما الأصل العام فهو ما رواه مالك في الموطأ : أن أبا بكر أمر الجيوش المجاهدة في الشام بعشر خصال في قوله لأمير الجند : لا تقتلن امرأة ولا صبيا , ولا كبيرا هرما , ولا تقطعن شجرا مثمرا , ولا تخزين عامرا , ولا تعقرن شاة ولا بعيرا إلا لمأكله , ولا تحرقن نخلا ولا تفرقنه ولا تغلل ولا تجبن , وذلك تنفيذا لقول النبي : " لا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا صغيرا , ولا امرأة ولا تغلوا " .

إن إباحة نخل يهود بني النضير اقتضته ظروف هذه المعركة , وهي استثناء من القواعد العامة للإسلام " فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم " . ( التوبة : 7 ) .

ومهما أباحت الحروب وضراوتها من تدمير بعض منشات العدو , فإن الإسلام قد جعل ذلك قاصرا على الحرب فقط وأثناء المعركة , فقد روى مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال : وجدت امرأة مقتولة في بعض تلك المغازي , فنهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان .

كما نقل بن القيم بعض هديه صلى الله عليه وسلم في المغازي والحروب فقال : ( وكان النبي ينهى في مغازيه عن النهبة والمثلة وقال : " من انتهب نهبة فليس منا " , وأمر بالقدور التي طبخت فأكفئت .

وذكر أبو داوود عن رجل من الأنصار قال : خرجنا مع الرسول صلى الله عليه وسلم في سفر فأصاب الناس حجة شديدة , وجهد , وأصابوا غنما فانتهبوها وإن قدورنا لتغلي , إذ جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي على قومه , فأكفأ قدورنا بقوسه , ثم جعل يرمل اللحم بالتراب ثم قال : " إن النهبة ليست بأحل من الميتة , أو أن الميتة ليست بأحل من النهبة " ) إسناده جيد – وفي رواية : أنها من الغنائم .

شبهة أخرى :

كما يرى هذا الشباب حل النهب والخديعة والغش , إذا كان من شأنه تقوية صفهم وتحطيم مخالفيهم , وقد كانوا يفعلون ذلك في مواقف شتى , فمجموعة منهم تعاونت على هذا وتواصت به داخل السجون والمعتقلات , فعندما كانوا يوزعون الخبز والطعام – والأصل فيه أنه يوزع بالتساوي – كانوا يخصون من معهم ويميزونه تمييزا ظاهرا من حق الآخرين , وقد شاهد ذلك ورواه جميع من عاصروا هؤلاء أثناء المحنة .

بل قام بعضهم بالعمل مع المباحث العامة للتجسس على المعتقلين وتتبع صلاتهم وصيامهم , وما قد يقومون به من تكافل اجتماعي في ما بينهم , وكان جوابهم : أن هذا يتم لصالح الجماعة الحقة – وهم أصحاب هذا الفكر – حتى يمكن تحطيم من خالفهم بالتضييق عليهم في معايشهم وأرزاقهم وحياتهم , وفي سبيل ذلك استحلوا الكذب وغيره , ومن هنا يظهر التضارب والخلل , فهم يعلنون عدم العمل والوظيفة في الحكومة ومعاونتها , لأنها كافرة بزعمهم , بينما يستحلون إيذاء زملائهم في المحنة , والتبليغ بالكذب عليهم لرجال الحكومة التي يرون كفرها .

ومن المؤسف : أنهم قد نوقشوا في ذلك , واعترض عليهم بأن الإسلام لا يحل هذه الوسائل , فيجب أن تكون الغاية شريفة , والوسائل يجب أن تكون شريفة أيضا , ولهذا عندما استحل اليهود هذه الوسائل , أي ونسبوها إلى الدين أنزل الله فيهم :

" ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون " ( أل عمران : 75 ) .

كما اعترض عليهم بأن الله تعالى قد أنكر على نبيه إبراهيم قصر الرزق على المؤمنين , فقال تعالى : " وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا أمنا وارزق أهله من الثمرات من امن منهم بالله واليوم الأخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم اضطره إلى عذاب النار وبئس المصير " ( البقرة : 126 ) .

رواسب التكفير

لقد أدى انتشار كتاب ( دعاة لا قضاة ) للمرشد العام للإخوان المسلمين أن عدل الشباب عن هذه الأفكار في ما عدا شكري مصطفى واثنين معه حيث قال : حسن الهضيبيالمرشد العاموحسن طلعت – مدير مباحث أمن الدولة – وجهان لعملة واحدة .

والأدهى من ذلك أن يدعي هؤلاء : أن المسلمين المعاصرين قد كفروا , ثم يرتبون على ذلك فسخ عقود زوجاتهم , والفتنة الكبرى بعد ذلك تزويج الزوجات وهن ما زلن على عصمة أزواجهم , وهذا يترتب عليه أن يرتكب هؤلاء الجنايات الآتية :

1 – جناية خطف الزوجات ونقلهن من بيوت أزواجهن إلى مكان أخر . . . . .

2 – جناية تزويج المرأة مع كونها في ارتباط زوجي مع آخر . . . . . .

3 – جناية التزوير , لأن التزويج لا يتم إلا بناء على إقرارها أنها ليست في عصمة الزوج .

لهذا كله يجب المبادرة بمنع هذه الفتنة , ووأدها في مهدها قبل فوات الأوان , وهذا فصلته في كتابي : الحكم وقضية تكفير المسلم .

استحلال النفس والمال

لقد أباح الخوارج لأنفسهم : عدم رد الأمانات إلى من لم ينضم إلى جماعتهم من المسلمين بدعوى أنهم قد ارتدوا عن الإسلام , ثم أباحوا أموالهم باعتبارهم غنائم , بل أباحوا نفس ومال من امن بفكرهم ثم تخلف عن الهجرة من موطنه إلى موطن إمام هذه الجماعة أو تخلف عن القتال معه ضد باقي المسلمين .

وبعد مضي خمسة عشر قرنا من انقراض أصحاب هذه البدعة طلع علينا طالب كلية الزراعة شكري مصطفى بمثل هذه البدعة , فاستحل دماء من كان معه ثم رجع عن هذه الأفكار واستحل أمواله , وذلك دون أن تكون له قراءة سابقة لفكر الخوارج , ودون أن يكون معه آنذاك أي مرجع فقهي يظن أنه كون رأيه من خلال هذا المرجع , حيث كان كل شيء بما فيها المصحف الشريف من الممنوعات بالسجن في هذه الفترة وهي منذ قرار جمال عبد الناصر في 6 / 9 / 1965 باعتقال كل من سبق اعتقاله على ذمة أي نشاط إسلامي وكل من يشتبه أن له أي نشاط إسلامي وظل هذا الخطر قائما حتى هزيمة يوليو 1967 حيث تم اعتقال بعض اليهود وأودعوا مع المسلمين في معتقل ( طره ) السياسي , فسمح لهم بالصحف والكتب والطرود من داخل مصر وخارجها , ولم يسمح بأي من ذلك لغيرهم من المعتقلين وغالبيتهم الساحقة من الإسلاميين , فزاد ذلك من أنصار المتطرفين ولما أبلغ قائد المعتقل – العميد ناصف مختار ذكي – الجهات المختصة بوزارة الداخلية بهذا التذمر والذي أدى إلى تعاطف أصحاب النشاط المعادي مع الإسلاميين , وعلى الأخص الإخوان المسلمين منهم وهم يشكلون الغالبية الساحقة , سمحت للباقين بالمصاحف وأنواع محددة من كتب التراث وبالصحف اليومية .

أباطيل الاستحلال

إن الذين ابتدعوا للنفس والمال , قد أقنعوا أتباعهم من الشباب الخاوي من الفقه والعلم , بحجج واهية وأدلة باطلة , وهذا ما نشير إليه بإيجاز غير مخل :

1 – استحلال قتل النفس :

لقد حدد النبي صلى الله عليه وسلم الأسباب التي تهدر عصمة دم المسلم بقوله " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : النفس بالنفس , والثيب الزاني , والمارق من الدين الخارج عن الجماعة " .

بهذا النص يتولى الحاكم تحديد عقوبة القتل في الأحوال الآتية :

1 – قاتل النفس بغير وجه حق .

2 – والزاني المتزوج , والزانية المتزوجة .

3 – والمرتد من المسلمين عن دين الإسلام بعد إمهاله للتوبة والعدول عن هذه الخيانة العظمة فأصر عليها .

والخروج عن الجماعة هنا هو الخروج عن جماعة الإسلام التي هي أمة الإسلام بردته عن الدين , وليس أدل على ذلك من أن الذين تخلفوا عن جماعة النبي صلى الله عليه وسلم من المسلمين بمكة , فلم يهاجروا إليها مخالفين أمر الله تعالى لهم بالهجرة , قد نزل فيهم قول الله تعالى : " إن الذين امنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين امنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير " ( الأنفال : 72 ) .

هذا وعند ثبوت السبب المفضي إلى إهدار دم المسلم لا يتولى ذلك الأفراد , بل يتولاه الحاكم عن طريق القضاء , وهذا هو إجماع الصحابة رضي الله عنهم عندما قتل عبيد الله بن عمر الهرمزان الذي ضبطوه متلبسا بجريمة قتل الخليفة الثاني عمر بن الخطاب فاقترح قتله , لأنه لا يملك القصاص لقتل والده إلا عن طريق الحاكم .

وقد أورد الطبري روايتين : الأولى : أنه لما بويع عثمان بالخلافة وكان عبد الله بن عمر قد سجنه الصحابة لفتل الهرمزان بغير سلطان من الحاكم , أخذ برأي عمرو بن العاص أنه لم يكن للمسلمين حاكم يوم قصاص ابن عمر من المجوسي قاتل أبيه , واحتاط عثمان للأمر , فدفع دية القتل إلى ورثة الهرمزان من المال الخاص للخليفة .

والرواية الأخرى : أنه مكن القماذبان بن الهرمزان من عبيد الله بن عمر ليقتص منه , فتأثر لذلك وعفي عنه .

أما دعوة ردة المسلمين في عصرنا ودعوى جواز قتل المرتد بغير سلطان الحاكم , فتحتاج إلى التفصيل الأتي :

بين ردة المسلمين وقتلهم

إن فكر التكفير في ماضيه وفي حاضره يؤمن بكفر من لم ينضم إلى جماعتهم حسب ما فصله كتابي ( الحكم ) , ولقد كانت حجتهم الأخيرة قولهم :

( إن الناس في هذا الزمن لا شك أنهم من نتاج مناخ الكفر الضارب الجذور حول البشرية المعاصرة . إن ارتضاء الناس – من المحسوبين على الإسلام – الولاء للطاغوت البشري والحكم بغير ما أنزل الله . قد قطع الطريق أمام أي دعوى بإسلام أهل هذا العصر ) .

وقد تحدث كتاب ( جند الله ) عن ردة المسلمين في عصرنا , وعن رأي صاحب الهداية من الأحناف بجواز قتل المرتد دون الرجوع إلى رأي إمام المسلمين , وأن القاتل لا يأثم بذلك . . . وأسرف المظفر والمامقاني في تكفير من ليس جعفريا .

والجواب على ذلك :

سبق التدليل على أن المسلم الناطق بالشهادتين لا يطلق عليه اسم مرتد وذلك محل إجماع المسلمين ومناقشة عالمي الشيعة مفصلة بالطبعة الثالثة بكتابي (السنة المفترى عليها ) وكتابي (الحقائق الغائبة بين الشيعة وأهل السنة ) .

أما ما ورد من طاعة أكثر المسلمين لكافرين , فلا يعد هذا ردة إلا إذا كان هذا الإتباع مقترنا بإنكار حكم الله واستحلال مخالفته .

قال الإمام حسن الهضيبي : " إذا كان الإتباع بالعمل دون الاعتقاد بضرورة الانقياد – أي مع الإقرار بأن العمل عصيان لأمر الله – فإن المتبع أو المطبع بهذا المعنى عاص وليس كافرا , إلا ما ورد فيه نص أن عامله ينتفي عنه اسم الإيمان بمجرد العمل ) .

1 –نقل كتاب (جند الله ) عن فقهاء الحنفية أن ( الأصل أن كل شخص رأى مسلما يزني يحل له قتله , وعلى هذا المكابر بالظلم , وقطاع الطريق , وصاحب المكس , وجميع الكبائر , يباح قتل الكل ويثاب قاتلهم , وأفتى الفاصحي بوجوب قتل كل مؤذ . . . . . . ) والفصل في ذلك ما رواه مسلم من أن سعد بن عبادة قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إن وجدت مع امرأتي رجلا أأمهله حتى آتي بأربعة شهداء ؟ فقال : " نعم " .

لهذا روى مالك في الموطأ : أن الإمام عليا سئل عن رجل من أهل الشام وجد مع امرأته رجلا فقتله , فقال الإمام علي : إن لم يأت بأربعة شهداء فليعط برمته , أي يسلم إلى أولياء المقتول لقتله قصاصا أو قبول الدية .

وقال الإمام الغزالي في ( إحياء علوم الدين ) : ( ليس إلى أحاد الرعية إلا الدفع وهو إزالة المنكر , فما زاد على ذلك فهو عقوبة على جريمة سابقة أو زجر عن لاحق , وذلك إلى الولاة لا إلى الرعية ) .

فالمتفق عليه : أنه إذا كان الجاني متلبسا بالجريمة فيمنعه أي شخص بالقوة , وذلك دون أن يتجاوز حدود منع الجريمة وبعد ارتكاب الجريمة , فلا يملك العقاب إلا الحاكم .

2 – ليس من صلاحية كل فرد أن يقيم الحد على أحد من الناس ولا لقتل الناس بعضهم بعضا متذرعين بإقامة الحدود , فالقاعدة : ألا يخول الإنسان استيفاء حقه بنفسه , فإن كان الحق من حقوق الله كقتل المرتد , فليس من حق الفرد أن يتولاه عن نفسه .

3 – إن المرتد لا يقتل إلا بعد أن يقوم الحاكم – بنفسه أو عن طريق من يخصصهم لذلك – باستتابته , فالجمهور قالوا : يستتاب , فإن تاب أعفى من القتل وإلا قتل , واحتجوا برواية أبي داوود لقصة معاذ بما رواه الشافعي , أنه قدم على أمير المؤمنين رجل من قبل أبي موسى – من اليمين – فسأله عن الناس فأخبره قال : كفر رجل بعد إسلامه , قال : فما فعلتم به ؟

قال : قربناه فضربنا عنقه , فقال عمر : هلا حسبتموه ثلاثا وأطمعتموه كل يوم رغيفا واستتبتموه لعله يتوب ويراجع أمر الله . . اللهم إني لم أحضر ولم أرض .

وقد نقل بن بطال عن أمير المؤمنين علي : أن المرتد يستتاب شهرا , وعن النخعي يستتاب أبدا , بينما يقرر الجمهور أن الاستتابة ما بين يوم أو ثلاثة أيام على تنوع بينهم .

هذا وقال الشوكاني : ( النص في موضع النزاع هو حديث معاذ , أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أرسله إلى اليمن قال له : " أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه , فإن عاد وإلا فاضرب عنقه , وإيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها , فإن عادت وإلا فاضرب عنقها " قال الحافظ : سنده حسن ) فالدعوة هي الاستتابة .

4 – أما الخلاف في أمر الزنديق هل يستتاب أم لا ؟ فقد حسمه المحققون من الفقهاء .

والزنديق : اسم فارسي يطلق على من يقول بدوام الدهر , وتطلقه العامة من العرب على الملحد , قال الحافظ : والتحقيق ما ذكره من صنف في الملل والنحل : أن أصل الزنادقة أتباع ديصان ثم ماني ثم مزدك , وكانوا يقولون : إن النور والظلمة أصل العالم وقد حدث منهما . هذا وقال مزدك بشيوعية الجنس حتى ظهر الإسلام , فلم تجد هذه الخفافيش ظلما أو ظلاما تعيش فيه .

ويرى الشافعي أن يستتاب الزنديق كغيره , وأما أحمد وأبو حنيفة فعنهما روايتان : إحداهما : لا يستتاب , والأخرى : يستتاب إلا إذا تكرر منه فلا تقبل توبته , وحكي في البحر عن العترة وأبي حنيفة والشافعي ومحمد : أن تقبل توبة الزنديق , لعموم قول الله تعالى : " إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف " ( الأنفال : 38 ) .

وقد أورد الشوكاني : أن الاستدلال بعدم استتابة المرتد يستند إلى حديث ابن عباس مرفوعا : " من خالف دينه , دين الإسلام , فاضربوا عنقه " . وقال بعد ذلك : إن بعض طرق الحديث فيها أن أمير المؤمنين عليا استتابهم كما في الفتح , وأورد النووي رأي الأئمة الأربعة , والجمهور أن يستتاب .

هذا والأصل : أن حديث النبي صلى الله عليه وسلم إلى معاذ تضمن الاستتابة , وبالتالي فعموم الأحاديث الأخرى ومنها حديث : " من بدل دينه فاقتلوه " .

هذا العموم يخصصه حديث معاذ الذي أوجب الاستتابة .

استحلال الأموال وتحطيم المجتمع

إن حجة القلة التي اتبعت شوقي وعادل عبد الباقي – في استحلال الأموال حسبما أفصح عنها الأخير – هي أن المجتمع غير إسلامي , ويجب تحويله إلى مجتمع إسلامي , والسبيل لذلك هو أخذ المال من أيدي هؤلاء الكفار .

وحجة كبيرهم الذي سبقهم إلى هذا التأويل الفاسد , هي أن الله تعالى قد أباح تحطيم المجتمع المعادي بقوله تعالى : " ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله " ( الحشر : 5 ) . والجواب عليها بالصفحة التالية .

إن هؤلاء الشباب يفسرون القرآن والسنة النبوية حسب مل يمليه عليهم شيطانهم , وفي ما يلي القول الفصل في ذلك :

1 – أنه قد روى البخاري : أن المغيرة بن شعبة أقبل ليعلن إسلامه , فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان له أصحاب يعادون الإسلام والمسلمين , وأنه قبل أن يدخل الإسلام في قلبه قتل من هؤلاء , وأخذ أموالهم , فكان حكم النبي صلى الله عليه وسلم هو قوله : " أما الإسلام فأقبل , وأما المال فلست منه في شيء .

2 – أنه على الرغم من أن كفار مكة قد استباحوا أموال من أسلموا مع النبي صلى الله عليه وسلم , واستولوا على أموال صهيب الرومي وغيره من شرعوا في الهجرة إلى المدينة , إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعاملهم بالمثل , فبعد هجرة أصحابه واستيلاء كفار مكة على أموالهم , هاجر صلى الله عليه وسلم بعد أن كلف علي بن أبي طالب أن يمكث في بيته صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام , حتى يؤدي الأمانات التي أودعها كفر مكة عنده صلى الله عليه وسلم , ولم يعاملهم بالمثل .

3 – لقد قتل يهود خيبر أحد الصحابة وهو عبد الله بن سهل , حيث وجده المسلمون مقتولا في حصون اليهود بخيبر , وألقوه في بئر لهم , فكتب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى اليهود ليحاكمهم إلى تعهداتهم بالوثيقة التي ارتضوها , فأنكروا أنهم قتلوه , فلم يأخذهم النبي صلى الله عليه وسلم بهذه القرينة , وتولى دفع الدية الشرعية إلى أولياء المقتول , كما لم يلزم اليهود بهذه الدية وهي مائة بعير .

يقول ابن حزم في ذلك : ( ووجد أصحابه قتيلا من خيارهم وفضلاء أصحابه بهذه البلاد العظيمة . . . . فقد مثله . . . فلم يقتص له من أجله على أعدائه اليهود الذين وجدوه مقتولا بينهم , بل وداه مائة ناقة من صدقات المسلمين , وإن بأصحابه لحاجة إلى بعير واحد يتقوون به ) .

4 – لقد خان يهود خيبر عهدهم مع النبي صلى الله عليه وسلم , , , واتفقوا مع قريش وغيرها على جمع جيش كبير يغزو المدينة , وينهي وجود المسلمين بها .

فكانت غزوة خيبر , والتي أكدت حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تحريم أموال الناس جميعا , وحتى لو كانوا محاربين , فقد أسلم أحد رعاة الغنم أثناء حصار المسلمين لحصون خيبر , وكان أجيرا ليهودي يحرس له الغنم , ولما أسلم كانت غنم اليهودي مع هذا الشخص والذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الغنم , فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يردها إلى صاحبها اليهودي المحارب , فظل يدفعها حتى دخلت الحصن عند اليهودي .

5 – أن الخليفة الثاني – عمر بن الخطاب – أمر بالمحافظة على الأملاك الموقوفة لغير المسلمين ومعابدهم . . . وفي عهد الخليفة الرابع شهد البطريرك أن العرب لا يتعرضون للدين المسيحي , ويسبغون الهبات على الكنائس والأديرة , ورد ذلك في رسالة من البطريرك إلى أسقف فارس .

6 – لما فتحت مصر – كان شعبها قبطيا تحكمه الإمبراطورية الرومانية – أقام والي مصر – عمرو بن العاص – قضاة من النصارى للحكم بينهم في جميع منازعاتهم .

مرحلية الجهاد وزواج المشركات

وتلمسوا أقوالا لسيد قطب ظاهرها يفيد الكفر . وهؤلاء لم يكلفوا أنفسهم عناء البحث في مؤلفاته لإثبات هذه الافتراضات أو نفيها , وأشاعوا الفتنة بهذه الأقوال وغيرها .

وفي ما يلي بعض الأمثلة على ذلك :

1 – نسبوا إليه فكرة المرحلية في عصرنا , ومقتضاها : أن المجتمعات المعاصرة تشبه المجتمع المكي قبل الهجرة , وتأخذ حكمه من حيث وجوب الهجرة منها واعتزالها والكف عن القتال , فالجهاد بالكلمة فقط , حتى تقام الدول الإسلامية التي يفرض فيها القتال .

وسيد قطب لا يقول بذلك . فقال : ( إنه في الفترة المكية كان الولاء للعقيدة في المقام الأول , بما في ذلك الإرث والتكافل , فلما انتصر الإسلام في بدر , عدلت أحكام تلك الفترة الاستثنائية ) .

لقد قال : ( إن خطة الحركة الجهادية – كما يرسمها القرآن – خطة مرحلية , إنها تأمر بقتال الذي يلون دار الإسلام , فإذا انتهى قتالهم , انتقلت جيوش الجهاد إلى الذين يلونهم وهكذا , وبهذه الخطة القرآنية تتوحد الرقعة الإسلامية , وتتصل حدودها , ولا توجد جيوب فيها لأعدائها . . . . وعلى هدي هذه الخطة سارت حركة الفتح الإسلامي الأولى مرحلة مرحلة , فلما أسلمت الجزيرة العربية , كان التوجه إلى بلاد العراق ثم بلاد الشام ) .

فالمرحلية عند سيد قطب تتعلق بالحركة الجهادية , ولا تشير من قريب أو بعيد إلى القول بالمرحلية , فالأحكام الشرعية في عصرنا كالتي كانت في العهد المكي , حيث لم يفرض الجهاد , ولم تفرض الحدود والزكاة وغير ذلك , فمن قال : إننا اليوم في العصر المكي ولا تلزمنا هذه الأحكام , فقد ابتدع ذلك من عنده , وحلل وحرم في دين الله , وهو ما يروجه المدعو محمود طه في السودان وبعض الجاهلين في مصر .

2 – إن المرحلية التي ينسبونها إلى سيد قطب تفيد حل زواج المشركات في عصرنا , بدعوى أننا في العصر المكي حيث كان يباح زواج المشركات .

ولكن في الظلال في سورة البقرة الآية : 221 بشأن الزواج يقول : إنه تضمن اثني عشر حكما من أحكام الزواج .

ويقول : ( الحكم الأول يتضمن النهي عن زواج المسلم بمشركة , وعن تزويج المشرك من مسلمة ) .

فهذه أقوال صريحة في أن المزاعم التي روجها بعضهم ووردها آخرون من أن سيد قطب يقول بحل زواج المشركات في عصرنا , بدعوى أننا ما زلنا في العهد المكي مزاعم باطلة , فضلا عن أن هؤلاء يجهلون أن الحكم الوارد في سورة الممتحنة بتحريم المشركات لقول الله : " ولا تمسكوا بعصم الكوافر " ( الممتحنة : 10 ) .

قد طبق على المسلمين في مكة والمدينة , فطبق في مكة على السيدة زينب بنت الرسول صلى الله عليه وسلم , ففسخ زواجها من العاص بن الربيع .

أكبر دليل على أن سيد قطب لا يفرق بين الفترة المكية والفترة المدنية :

أنه في تقديمه لسورة الحج يقول : إنها مشتركة بين المكي والمدني على الرغم من أن السورة مدنية .

إن سيد قطب قد نذر نفسه وماله لبيان أن الحكم والتشريع لله , وهو ما عرف باسم الحاكمية , وأكد مرارا أن من مارس هذه الخاصية فقد أصبح ندا لله , ويخرج بذلك عن الإسلام ولو صلى وصام وزعم أنه مسلم . . . . . .

فكيف يتناقض مع أصول هذا المنهج ليقول بحل زواج المشركات أو باستحلال أموال غير المسلمين , وأموال المخالفين , وهذا كله تشريع مع الله .


الفصل الخامس: أنواع الكفر

أنواع الكفر

إنه لمن دواعي الأسى والأسف أن بعض الشباب تلقى عن إمامه – وهو شاب مثله – أن المسلمين قد ارتدوا كفارا بارتكابهم المعاصي , لأنه لا يوجد في شرع الله أي تفرقة بين الكفر والفسق , وأنهم غير ملزمين بأقوال الأئمة الأربعة في هذا الشأن , بل وصف بعضهم الإمام النووي بإمام المضللين , وقال إمامه عن الأئمة الآخرين :

( إن جماعتنا قد قامت لتعيد الناس إلى ربهم , وأول ذلك هو إعادة الناس إلى كتاب الله وسنة رسوله , وتحطيم لأصنام المعبودة من دون الله , وأولها بغير مواربة هو صنم الأئمة المتبعين لغير سلطان الله ) . . .

ولما كان هؤلاء يدعون أن فكرهم قد تلقوه من الشهيد سيد قطب – وهم لم يلتقوا به – فإنه بمواجهتهم بحقيقة فكر الشهيد وأقواله , ومنها قوله عن الآية : 94 من سورة النساء : إن الله يكتفي بظاهر الإسلام في كلمة اللسان : إذ لا دليل يناقضها .

هنا قال هؤلاء الشباب : الاحتكام إنما يكون للقرآن والسنة , وليس لأقوال سيد قطب . وقد نسى هؤلاء أمورا منها :

1 – أن سيد قطب يستند إلى اية النساء , وهي قول الله تعالى : " ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا " ( النساء : 94 ) .

2 – أن القرآن الكريم قد أورد عقوبة أصحاب الذنوب , كقطع يد السارق , وجلد الزاني , ولو كانت المعاصي من الكفر ! لكانت عقوبتها كعقوبة المرتد وهي القتل .

3 – أن النبي صلى الله عليه وسلم قد فصل ذلك فنهى عن التكفير بالذنوب , فقد روى أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ثلاثة من أصل الإيمان : الكف عمن قال : لا إله إلا الله , ولا تكفره بذنب , ولا تخرجه من الإسلام بعمل , والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال , لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل , والإيمان بالأقدار " , كما قال صلى الله عليه وسلم : " من قال : " لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله , حرم ماله ودمه , وحسابه على الله " .

4 – أنه لا يوجد أصرح ولا أوضح من رواية البخاري ومسلم والترمذي والنسائي لحديث عبادة بن الصامت – رضي الله تعالى عنه – حيث قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس فقال : " تبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا , ولا تسرقوا , ولا تزنوا , ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق " , وفي رواية أخرى : " ولا تقتلوا أولادكم , ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكن وأرجلكن , ولا تعصوني في معروف , فمن وفى منكم فأجره على الله , ومن أصاب شيئا من ذلك , فعوقب به في الدنيا , فهو كفارة له وطهر , ومن أصاب شيئا من ذلك , فستر الله عليه , فأمره إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه " . قال : فبايعنا على ذلك .

5 – أن ألفاظ الكفر والفسق قد ترد في القرآن الكريم والسنة النبوية ولا يراد بها الكفر , كما أنها ترد بمعنى الكفر المخرج عن الملة , وسياق الموضوع يرجح المعنى المقصود , فقد روى البخاري ومسلم قول النبي صلى الله عليه وسلم : " سباب المسلم فسوق وقتاله كفر " , ولا يراد به الكفر المخرج عن ملة الإسلام بل يراد به الكفر بنعمة الإسلام , والإخوة في الله , فالقرآن الكريم قد حكم بالإيمان للذين يقتتلون في قول الله تعالى : " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما " ( الحجرات : 9 ) وهذا ما أجمع عليه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن القتال الذي نشب بينهم في عصر الإمام علي – رضي الله تعالى عنه .

بين الكفر والفسق والظلم

عالجت سورة المائدة في آيات ثلاث الحكم بغير ما أنزل الله , فوصفت ذلك بالكفر والفسق والظلم , أي أن من الكفر ما هو معصية , ومنه ما يخرج عن الملة وهو المقترن بإنكار حكم الله , ولهذا قال في الكفر الذي لا يقترن بجحود حكم الله وإنكاره . ( ليس بكفر ينقل عن الملة ) , كما نقل المفسرون عن ابن عباس أنه قال : الكافرون والفاسقون والظالمون أهل الكتاب , وعن ابن مسعود : هو عام في اليهود وغيرهم .

وقال الزمخشري مشيرا إلى وجه الترتيب في هذه الأوصاف وتفسيرا لقول ابن عباس : وأن يهود هم الأهلون بهذه الأوصاف والمرادون بها , فقال : الكافرون والظالمون والفاسقون وصف لهم بالعتو في كفرهم حين ظلموا بالاستهانة , وتمردوا بأن حكموا بغير ما أنزل الله , فجعل الظلم استهانة والفسق تمردا , وقد فسر الفاسقين من قوله تعالى في أية البقرة " وما يكفر بها إلا الفاسقون " ( البقرة : 99 ) . بأنهم المتمردون من الكفرة . جعل الزمخشري الاستهانة مسيرة ظلمهم ومادته , فظلمهم المسبب عنها بعد حصول كفرهم أشد من الكفر , ثم إن التمرد المعبر عنه في الآية بالفسق , وإن تقدمته الاستهانة وكانت له كالمادة , فإنه أشد من الاستهانة , لأن التمرد تفعل من مرد , أي عتا , والتفعل ينبني على التعمد والتعمل , فتأمل حصول الترقي في كلامه أخف إلى أثقل , وانسحاب كلامه على الأوصاف الثلاثة من الكفر والظلم والفسق , وإن لم يفصح بسؤال ولا جواب , وكثيرا ما يعتمده وينقل كلامه من قدمنا . مأخذه في هذه الآية وهو أبو الفضل بن الخطيب , ثم إنه عدل عن اعتبار كلامه هنا وارتكب خلافه , ولم يستوف توجيه الأوصاف الثلاثة , وقصر السؤال على فصل ما بين الكفر والظلم دون الفسق , ورأى ذلك غير ما ينبغي , والله أعلم .

ثم قال في ملاك التأويل : ( إنما يدخل الغلط من أخذ هذه الصفات مجردة غن القرائن وما يثمره الاشتراك , فالكفر إذا ورد مجردا عن القرائن إنما يقع على الكفر في الدين , ثم إنه قد يقع على كفر النعمة ويفتقر إلى قرينه ومنه : " وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين " ( الشعراء 19 ) .

وأما الظلم فلفظ مشترك , فإذا ورد مجردا عن القرائن , لم يكن نصا في شيء من مواقعه وإنما يتخلص بالقرائن , قال تعالى : " إن الشرك لظلم عظيم " ( لقمان 13 ) , وقال تعالى مخبرا عن نبيه يونس عليه السلام , " سبحانك إني كنت من الظالمين " ( الأنبياء 87 ) , ومعاذ الله من الكبيرة , فكيف بالشرك الذي لا فلاح معه , ولم يخالف أحد من أهل السنة ممن يعتمد نظره أنهم معصومون من الكبائر , جلة أهل السنة على عصمتهم مما فيه دناءة من الصغائر , وبعضهم في طائفة كبيرة من سيئة المتصوفة يقولون بعصمتهم من الصغائر على الإطلاق , وكل هذه الضروب يصح وقوع اسم الظلم عليه , وقوله تعالى : " إن الله لا يظلم مثقال ذرة " ( النساء : 40 ) . أوضح شهادة على ذلك .

أما الكفر فلا تنشر مواقعه , وكأن دلالته على كفر النعمة من قبيل ما يدل بتشكيك , كدلالة موجودة على العرض , وأما الظلم فعلى ما تقدم , فإذا اقترن بالظلم الكفر , كان أعظم من الكفر .

قال المفسرون في قوله تعالى : " وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون " ( العنكبوت 49 ) : إنهم المتوغلون في الظلم , المكابرون , فهذا كفر وزيادة , وقد تقدم تسمية الشرك ظلما , وأما الفسق فلم يرد في القرآن واقعا في صغيرة , وقد يقع على الكبيرة حيث يقصد تعظيمها , كقوله تعالى : " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء " ( النور : 4 ) . وقد ختمت بوصفهم بالفسق ولا أذكر غيرها , وقد عد عليه السلام هذه في السبع الموبقات , وإنما يقع في الأكثر على الكفر , كقوله تعالى : " أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا " ( السجدة : 18 ) وهذا أوضح في توجيهه هذه الأوصاف , ووصف يهود بالفسق أعظم من وصفهم بالظلم , ووصفهم بالظلم أعظم من وصفهم بالكفر .

وقد نقل المفسرون عن الحسن أنه قال : " إذا استعمل في نوع من المعاصي – يعني الفسق – وقع على أعظم ذلك , لنوع من كفر وغيره " ثم في أي سورة البقرة ما يبين وجه ( ختم أية المائدة بوصف الفسق ) , قال تعالى : " ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعد بالرسل واتينا عيسى بن مريم البينات " الآيات , إلى قوله : " وما يكفر بها إلا الفاسقون " ( البقرة 99 ) , فأما ما تضمنت هذه الآيات فقد ورد فيها بضع عشرة خصلة من شنيع مرتكباتهم , منها : إتباع ما هوته أنفسهم , أشار إليه قوله تعالى : " أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم " , ومنها استكبارهم وتكذيبهم الرسل وقتلهم إياهم وقولهم : " قلوبنا غلف " , إلى ما بعد من المرتكبات , وقد وقع في أول هذه الآي ذكر عيسى عليه السلام والتفقيه من بعده بالرسل , وفي آيات المائدة قوله تعالى : " وقفينا على أثارهم بعيسى بن مريم " ( المائدة : 46 " والضمير في : " أثارهم " لمن تقدم في قوله تعالى : " يحكم بها النبيون الذين أسلموا " ( المائدة : 44 ) , فورد مفصلا في آي البقرة ما ورد مجملا في المائدة , وختمت آيات البقرة بقوله تعالى : " وما يكفر بها إلا الفاسقون 99 " وآيات المائدة بقوله : " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون 47 " ( المائدة ) , فإلي مجموع ما في آيات البقرة أشارت آية المائدة , وختمت هذه من وصفهم بالفسق بما ختمت تلك , وحصل من وصفهم به أنه أعظم من وصفهم بالكفر والظلم , لأنه كفر جامع لكل شنيع من مرتكباتهم , ولذلك اختبر التعبير به عن مرتكب إبليس عن السجود واستكباره فقيل : " إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه " ( الكهف : 50 ) , فلم تقع هنا عبارة : كفره ولا ظلمه , لأن الفسق بما يعتضد به من القرائن أعظم من الكفر والظلم .

إن المفسرين قد أجمعوا على أن الوعد في هذه الآي يتناول يهود , وقد ثبت في الصحيح إنكارهم الرجم مع وجوده في التوراة , وفعلهم في ما نعى الله تعالى عليهم من مخالفة ما عهد بهم فيه , ونص في كتابهم حسب ما أشار إليه قوله تعالى : " وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماؤكم " إلى قوله : " أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض " ( البقرة : 84 , 85 ) إلى ما بعد , وهذا كله من حكمه بغير ما أنزل الله , فهم الكافرون والظالمون والفاسقون , ففيهم وبسبب مرتكبهم نزلت آيات المائدة , ثم نقول مع ذلك : إن الحكم إذا نزل بسبب خاص يمنع ذلك من دعوى العموم المنزل , وهذا باتفاق مع حذاق الأصوليين , وقد رددوا التمثيل بشاة ميمونة , وهذا مع عدم القرائن , قال الثقفي في ( ملاك التأويل ) :

( أما في ما نحن بسبيله في آيات المائدة , فقد عضد العموم في ذلك وغيرها موضع من الكتاب والسنة , فنقول بناء على ما ذكرنا : إن هذه الآية وإن نزلت بسبب جعل اليهود ومرتكبهم في الرجم وغيره , فإن ذلك عام في كل من حكم بغير ما أنزل إليه , ما لم يفعل ذلك جاهلا غير متعمد للمعصية , أو عاصيا متعمدا مع صحة اعتقاده وسلامة إقراره بلسانه , فقد خصت الشريعة هذين , الجاهل والعاصي المقر بذنبه فلم تخرجهما عن الملة .

وقد تعلقت الجوارح بعموم هذه الآية وأشباهها في تكفيرهم مرتكب الكبيرة , وليس شيئا من ذلك نصا في مطلوبهم , وهم ومن قال : إن ما تقدم من الوصف بالكفر والظلم خاص بيهود لتقدم ذكرهم قبل هذه الآيات , وقوله تعالى : " إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور " إلى قوله تعالى نهيا لهم : " فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا " إلى قوله : " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " ( المائدة 44 ) .

قال : ولم يتقدم ذكرهم بغير كفرهم وتحريفهم من غير التفات إلى ذكر ظلمهم غيرهم , إنما مجرد كفرهم ظلم لأنفسهم فأعقب هذا بقوله : " هم الكافرون " .

وفي ( ملاك التأويل ) : لما اجتمع في الآية الثانية ظلمهم لأنفسهم ولغيرهم بما ذكر من مخالفتهم في القصاص المشار إليه بقوله : " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس " ( المائدة : 45 ) إلى آخره , أعقب هذا قوله : " فأولئك هم الظالمون " لظلمهم أنفسهم بالكفر وزيادة ظلمهم غيرهم , فكان أشد من وصف الكفر , إذ هو كفر وزيادة , فعبر بالوصف العام للكفر وغيره , ثم لما أعقب بذكر إنزال الإنجيل , وكان الكلام قد انقطع عما قبله , ومن المعلوم أن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون من غير الكافر , وإن لم تبلغ منزلته الكفر , فهو فاسق لا كافر , فقيل هنا : " فأولئك هم الفاسقون " ( المائدة 47 ) , ثم أعقب هذا بأن قال : فقد بان لك أن كل موضع من الآي الثلاث أخبر فيه عن المذكورين قبل بالكفر والظلم والفسق , وأكثر وقوعه في القرآن إنما هو وصف اليهود والمنافقين , كقوله تعالى : " ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون " ( البقرة : 99 ) , نزلت في ابن صوريا لعنه الله , وكقوله تعالى : " منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون " ( أل عمران 110 " وكقوله تعالى : " فلا تأس على القوم الفاسقين " ( المائدة : 26 ) . وكقوله تعالى : " ولكن كثيرا منهم فاسقون " ( المائدة : 81 ) . في بضع وعشرين آية . وورد وصف الفسق في قوم لوط عليه السلام , كقوله تعالى : " إنهم كانوا قوما فاسقين " ( النمل : 112 ) , وكقوله تعالى : " إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون " ( العنكبوت 34 ) وقد وردت في من ختم عليهم بالكفر , قال تعالى : " كذلك حقت كلمت ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون " ( يونس 33 ) . وبجانب هذا نجد لفظ الفسق قد ورد بشأن من عصى من المسلمين , فجريمة قذف المحصنات المؤمنات ليست من جرائم الردة , ويظل صاحبها مؤمنا , وقد وصفه القرآن بالفسق في الآية الرابعة من سورة النور : " ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون " .

والخلاصة : أن الكفر يطلق على غير المسلم , وقد يطلق على المسلم مجازا بمعنى الكفر الأصغر وهو كفر النعمة , وأما الظلم والفسق فوصفان يوصف بهما الكافر , ويوصف بهما المسلم العاصي , وقرائن الأحوال وسياق الأقوال ترجح المعنى المقصود .


سيد قطب بين الأصحاب والخصوم

إنه قد يوصف مجتمع بأنه جاهلي إذا شاعت فيه أخلاق الجاهلية , وإن كان الحكم الصحيح أن يقال : إنه مجتمع فيه جاهلية , كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر : " إنك امرؤ فيك جاهلية " , أو أن يقال : إنه مجتمع كثرت فيه الجاهلية , إذ يستحيل أن يحصى أحد كل أفراد المجتمع ليحكم بامتداد هذا الحكم لكل فرد منهم .

ولكن الكاتب قد جنح إلى ذلك , فحكم بأن كل فرد له حكمه الخاص حسب موقعه من الجاهلية التي تظلله , فمن رضي فهو منها , ومن كرهها أو أنكرها فحكمه غير حكمها . . ولم يحدد ما مظاهر الرضا , وكيف نحكم على إنسان أنه رضي بالجاهلية أم كرهها , والقاعدة الأصولية : أنه لا ينسب إلى ساكت قول : إن المسلمين الذين لم يهاجروا إلى المجتمع الإسلامي مع قدرتهم على الهجرة التي فرضها الله تعالى عليهم , لم يحكم لهم الله تعالى بهذا الحكم , بل حكم لهم بالإيمان وأمر بنصرتهم في قول الله تعالى : " والذين امنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق " ( الأنفال : 72 ) .

ومع أنه يقول : إن الخوارج فرقة خارجة عن الإسلام , فقد أخذ بفكرهم على نحو ما ذكرته من قبل , وهو هنا – في شأن المعصية – يحكم أن التصديق والإقرار بالتوحيد لا يكفي ليكون المجتمع مسلما إذا شملت المعصية كل المجتمع .

وهذا حكم افتراضي وليس واقعيا , فلا سبيل لمعرفة ارتكاب جميع أفراد المجتمع للمعصية إلا إذا افترض أن جميع أفراد المجتمع عصاة , لن الحاكم لا يطبق شرع الله , وهذا خطأ من وجهتين :

الأول : أن حكم الله : ألا تزر وازرة وزر أخرى , فالأفراد لا يؤخذون بذنب الحاكم .

الثاني : أنه بافتراض اعتبارهم عصاة , فالمعصية لا تنفي صفة الإسلام عن المسلم , ولا يوجد من يقول بعدم إسلام العصاة إلا الخوارج .

وأرض المسلمين لا يجوز أن يحكم بأنها غير إسلامية أو ا ناهلها غير مسلمين , لأن الحاكم يحكم بغير ما أنزل الله , فهذا الحاكم لا يملك الأرض ولا يملك الناس , وإن تملكهم فما تملك عقيدتهم ولا سلطان له على قلوبهم .

بل إن النبي صلى الله عليه وسلم – والذي ينزل عليه الوحي من الله – يقول : " إني لم أومر أن أنقب على قلوب الناس ولا أشق بطونهم " .

قال ذلك لخالد بن الوليد عندما أراد أن يحكم بردة من اعترض على حكم النبي صلى الله عليه وسلم في توزيع الغنائم , وطلب قتله , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لعله أن يكون يصلي " فقال خالد : كم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه , فأجاب النبي صلى الله عليه وسلم : " إني لم أومر أن أنقب على قلوب الناس " .

لقد اختلف العلماء المعاصرون في المفاهيم التي وردت في ( الظلال ) و ( المعالم ) عن المجتمعات , فقال الأستاذ يوسف العظم , وهو ممن عايش سيد قطب وناقشه وأحبه حبا جما , قال :

( إن بلادنا التي نعيش فيها – نحن المسلمين – أرض إسلامية وأهلها مسلمون , وهاتان حقيقتان لا سبيل إلى إنكارهما , ولكن أنظمة الكفر وشرائع الطاغوت غلبت على جوانب كثر من حياتها , ومناهج عدة من تربية أبنائها وسلوك الأسرة فيها , ولذا لا يجوز بحال أن نعتبر بلاد المسلمين – التي تسكنها الأغلبية المسلمة – ويحكمها حكام لم يعلنوا كفرهم البواح أو يجاهروا به – أو لم يعرف عنهم ذلك بصراحة , لا يجوز أن تعد مثل تلك البلاد – ولو حكمت فيها بعض أنظمة الطواغيت – ديار حرب أو ديار كفر , بل ديار إسلام لا بد من إعادتها إليه أو إعادته إليها , ليعود الناس والحكام والأنظمة والعلاقات والعادات جميعا في إطار الإسلام دون سواء ) .

ومن هنا يتضح لنا : أن ديار الإسلام التي كانت تحكم بشريعة الله , ثم وقعت في أيدي كافرين أو ظالمين لا يحكمون بالإسلام تبقى ديار إسلام , ولا يبدل تسميتها ولا صفتها ما جد عليها من تسلط , وما وقعت فيه من ضلال .

ولذا أراني وفق ما سلف , لست مع أستاذنا الشهيد في كتابه ( المعالم ) حين عرف ديار الحرب ودار الإسلام بقوله :

( إن هناك دارا واحدة هي دار الإسلام , تلك التي تقوم فيها الدولة المسلمة , فتهيمن عليها شريعة الله , وتقام فيها حدوده , ويتولى المسلمون فيها بعضهم بعضا , وما عداها فهو دار حرب , علاقة المسلم بها إما القتال , وإما المهانة على عهد وأمان , ولكنها ليست دار إسلام , ولا ولاء بين أهلها وبين المسلمين ) .

فاعتبر ديار الأمة المسلمة اليوم جميعا دار حرب لا دار إسلام , وهو تعريف فيه من التطرف الذي أملته ظروف نفسية رهيبة ظالمة لا تحتملها النفس البشرية , ولا يطيقها الإنسان السوي بحال ) انتهى .

ويقول عبد الله أبو عزة : ( إن سيد قطب يقرر أن الناس في الأقطار الإسلامية جاهليون , خارجون عن الإسلام , وإن صلوا وصاموا وحجوا البيت الحرام باستثناء أعضاء التنظيم ) .

إن نفس الظن قال به باحث غير مسلم وهو المستشرق الفرنسي جيل كيبيل قال : ( إن هناك خلافا بين الأستاذ الهضيبي وبين كل من المودودي وسيد قطب في أن الهضيبي يكتفي بالشهادتين لدخول الإسلام , بينما يرى الكاتبان أن الشهادتين لا تكفيان لدخول الإسلام ) .

ولكن الباحث المدقق لا يجد خلافا بين الثلاثة , فما ورد في ( المعالم ) وفي ( المصطلحات الأربعة ) عن جاهلية الكفر لا يتعلق بدخول الإسلام , بل يتعلق بارتداد المسلم , وهذا سبق إيضاحه .

يرى الأستاذ الدكتور محمد عمارة في بحثه عن الصحوة أنه : ( قد تجاوز سيد قطب موقع المودودي على درب تجهيل المجتمع وتكفيره , ثم استمر به السير حتى صرح بما لم يصرح به المودودي , فحكم بكفر الأمة لا المجتمع والدولة فقط . . . . وقطع في هذا الحكم قطع الميثاق المستقين , بل لقد حكم بكفر هذه الأمة من قرون ) .

وسنده في ذلك : أنه حكم على المجتمعات بالارتداد عن الشريعة , إذ ليس على وجه الأرض مجتمع قد قرر فعلا تحكيم شريعة الله وحدها ورفض كل شريعة سواها . ( فوجود الأمة الإسلامية يعتبر قد انقطع منذ قرون كثيرة . . . . قد انقطع وجودها منذ انقطاع الحكم بشريعة الله من فوق ظهر الأرض جميعا ) , وينقل عنه أن الإسلام : ( يرفض الاعتراف بإسلامية هذه المجتمعات كلها وشرعيتها في اعتباره ) .

وينقل عنه : ( إن الناس ليسو كما يدعون مسلمين , وهم يحيون حياة جاهلية , ليس هذا إسلاما وليس هؤلاء مسلمين , والدعوة اليوم تقوم لترد هؤلاء الجاهلين إلى الإسلام , ولتجعل منهم مسلمين من جديد . . . . . . . . . ) .

ويستخلص الدكتور محمد عمارة أن الناس أفرادا وجماعات – غير مسلمين في مفهوم سيد قطب .

تحرير النزاع والمجتمع الجاهلي

إن الأستاذ سيد قطب كان من رأيه أن حكم العسكر في مصر يمكن أن يقوم بدور الدكتاتور العادل , ولهذا لم تتضمن الطبعات الأولى للظلال هذه المفاهيم التي أثارت هذه الخلافات , وبعد أن تبني هذا الحكم نظام العلمانية , وسخر أجهزة الدولة بل والقطاعات كلها لهذه الجاهلية . . . . . . تولى الأستاذ سيد قطب توجيه الأنظار في كتبه إلى هذا الخطر , وانصب ذلك على الفكر الجديد وأجهزته , ولم ينصب على الشعب المستضعف , وهذا ما أدركه المستشرق كيبيل بقوله : ( الدولة الاستبدادية هي التي تعطي نموذجا للجاهلية – في نظر سيد قطب عبارة عن مجتمع يحكمه أمير فاسق يريد أن يعبده الناس من دون الله , يحكم وفقا لهواه وشهوته بدلا من أن يعمل بمبادئ الكتاب والسنة . . . . . وعندما ازدانت الدولة بالإشتراكية العربية , اقتضت أن تسكت كل الأصوات بالبغي والسجن والإعلام ) .

وفي هذا يقول سيد قطب عن المجتمعات : ( بعضها يعلن صراحة علمانيته – أي اللا دينية – وعدم علاقته بالدين أصلا , وبعضها يعلن أنه يحترم الدين , ولكنه يخرج الدين من نظامه الاجتماعي أصلا ويقول : إنه ينكر الغيب ويقيم نظامه على العملية , وبعضها يجعل الحاكمية الفعلية لغير الله ويشرع ما يشاء ثم يقول عما يشرعه من عند نفسه : هذه شريعة الله ) كما يقول :

( لقد حاول اليهود – بمساعدة الحمير الذين يستخدمونهم من الصليبين – أن ينشروا موجة من الإلحاد في نفوس الأمم التي تعلن الإسلام عقيدة لها ودينا .. . . ومع أن الإسلام كان قد بهت وذبل في هذه النفوس , فإن الموجة التي أطلقوها عن طريق البطل ( أتاتورك ) في تركيا انحسرت – على الرغم من كل ما بذلوه – لها وللبطل من التمجيد والمساعدة . . . . . وعلى كل ما ألفوه من الكتب عن البطل والتجربة الرائدة التي قام بها . . . . . . . . ومن ثم استداروا في التجارب الجديدة يستفيدون من تجربة أتاتورك ألا يرفعوا على التجارب الرائدة راية الإلحاد , إنما يرفعون عليها راية الإسلام , كي لا تصطدم بالفطرة كما صدمتها تجربة أتاتورك ثم يجعلون تحت هذه الراية ما يريدون من المستنقعات والقاذورات والانحلال الخلقي ومن أجهزة التدمير للخامة البشرية بجملتها في الرقعة الإسلامية ) . . . .

فالأستاذ سيد قطب , لا يتعرض للأفراد المسلمين في توجيهاته وإيحاءاته , ولا يعني بجاهلية المجتمع أفراده , بل نظمه وتشريعاته وقيمه ومصادر المعرفة والقيم في الدولة . . . . . فليس صحيحا أنه يحكم بأن الناس – أفرادا وجماعات – ليسوا مسلمين , فهو يطلق كلمة المجتمع ويعني بها نظام الحكم , فجاهلية المجتمع عنده هي جاهلية نظام الحكم في مناهجه وتشريعاته وقيمه العلمانية , ولكن المصطلحات الحديثة تعني بالمجتمع الأفراد والعائلات , ومن هنا كانت الشبهات في فهم أقوال سيد قطب وهو بريء من تكفير الأفراد والأمة كما سترى . . . .

براءة سيد قطب

إن سيد قطب وهو يواجه هذا الواقع , وقوله عن انقطاع الأمة المسلمة , سبقه تعليل هو قوله : ( الأمة المسلمة جماعة من البشر تنبث حياتهم وتصوراتهم وأوضاعهم وأنظمتهم وموازينهم كلها من المنهج الإسلامي , وهذه الأمة – بهذه المواصفات – قد انقطع وجودها منذ انقطاع الحكم بشريعة الله من فوق ظهر الأرض جميعا ) .

ويؤكد أن هذا الحكم خاص بالأنظمة ولا يلحق الشعوب , فيقول : ( الأمة المسلمة هي التي تحكم في كل جانب من جوانب حياتها – الفردية والعامة والسياسية والاجتماعية والاقتصادية – بشريعة الله ومنهجه , وهي بهذا الوصف غير قائمة , وإن كان هذا لا يمنع من وجود الأفراد المسلمين , لأنه في ما يختص بالفرد يكون الاحتكام إلى عقيدته وخلقه , وفي ما يختص بالأمة الاحتكام إلى نظام حياتها كلها ) . . . . . . . . . . . . . . .

لقد فهم المستشرق الفرنسي جيل كيبيل المقصود بالمجتمع الجاهلي عند سيد قطب , وفهم الهدف من كتابه (معالم في الطريق ) , فنقل في كتابه (النبي وفرعون ) قول سيد قطب : ( المجتمع الجاهلي : هو المجتمع الذي لا يطبق فيه الإسلام , ولا تحكمه عقيدته وتصوراته وقيمه وموازينه ونظامه وشرائعه وخلقه وسلوكه . . . . . . . . . . . . على رأس القائمة , المجتمعات الشيوعية والمجتمعات الوثنية ومن بعدها المجتمعات اليهودية والمسيحية , وأخير المجتمع الذي لا ينكر وجود الله تعالى , ولكنه يجعل له ملكوت السموات ويعزله عن ملكوت الأرض , يبيح للناس أن يعبدوا الله في المساجد والبيوت , ولكنه يحرم عليهم أن يطالبوا بتحكيم شريعة الله في حياتهم , وهو بذلك ينكر أو يعطل إلوهية الله في الأرض ) .

ثم قال المستشرق : ( إن إعدام سيد قطب المبكر وضع مفاهيمه وأفكاره في متناول الشعب بكل ما احتملته من مضامين غير واضحة أيضا , وأدى ذلك إلى وقوع سلاح التكفير , بين إتباع مذاهب لا يمكن السيطرة عليه ) .

ويتضح من ذلك : أن الأستاذ سيد قطب إنما يصف بالكفر تلك المجتمعات التي يتبني نظام الحكم فيها المناهج اللادينية المناهضة للإسلام , ويحمل الشعب على هذه العقيدة الفاسدة , ولهذا فالحكم على المجتمع إنما يراد به الحكم على هذه المناهج وعلى الأنظمة التي تفرضها , وليس حكما على الشعب .

وعلى هذا , فالأقوال الواردة في ( المعالم ) أو ( الظلال ) عن الجاهلية أو الحاكمية لا يراد بها كفر المجتمعات , بل يراد بها الولاء للإسلام , فهي خواطر ليست أحكاما بالكفر والإيمان , ومن ذلك قوله :

( فأما الذين يملكون الهجرة ولم يهاجروا – استمساكا بمصالح أو قرابات مع المشركين – فهؤلاء ليس بينهم وبين المجتمع المسلم ولاية كما كان الشأن في جماعات من الأعراب أسلموا ولم يهاجروا لمثل هذه الملابسات , وكذلك بعض أفراد في مكة من القادرين على الهجرة ) .

فقد أفصح الشهيد عن نفي النصرة فقط مع بقاء رابطة العقيدة , لأن الله تعالى أوجب نصرة من لم يهاجر إن لم توجد معاهدة تمنع من هذه المناصرة , فقال الشهيد : ( هؤلاء وهؤلاء أوجب الله على المسلمين – نصرهم – إن استنصروهم في الدين خاصة – على شرط ألا يكون الاعتداء عليهم من قوم بينهم وبين المجتمع المسلم عهد , لأن عهود المجتمع المسلم وخطته الحركية أولى بالرعاية ) .

وهذا لا ينافي قوله عن هؤلاء الذين لم يهاجروا : ( هؤلاء لم يعتبروا أعضاء في المجتمع المسلم , ولم يجعل الله لهم ولاية – بكل أنواع الولاية – لأنهم كانوا في المجتمع المشرك بمكة ) .

لكنه يؤكد أنه لا يعني نفي رابطة العقيدة , فيقول في سورة الأنفال : " ولكن هناك رابطة العقيدة ) .