على شاطئ النيل

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
على شاطئ النيل

أ.د/جابر قميحة

تلك كانت عادتي من سنوات عديدة: بعد نومة القيلولة أو العصرية، أغادر مسكني في حي الدقي بالجيزة قبل المغرب بقرابة ساعة، وأسير على شاطئ النيل ما بين كوبري الجلاء المجاور لمسكني، وكوبري الجامعة.. جامعة القاهرة إلى أن تغرب الشمس , فأؤدي صلاة المغرب في مسجد صلاح الدين الذي يقع على الضفة الأخرى من النيل في نهاية كوبري الجامعة. ولم أقطع عادتي هذه ولا في الأيام الباردة، إلا إذا كنت في سفر خارج القاهرة.

كان اليوم يوم جمعة، وبدأت مسيرتي اليومية، لم يكن على الشاطئ ما يشد النفْس: المناظر هي المناظر، والناس هم الناس، وبعض الأسر تفترش الأرض الخضراء، وبعض الأطفال يتعلقون بالأشجار الشابة، أو يعبثون بالخضرة إلى حد الإتلاف.

بعد مسيرة خمس دقائق كان هناك ما شد سمعي ونظري: فعلى ناصية إحدى العمارات المطلة على النيل رأيت تجمعا من الشباب في هيئة حلقة غير منتظمة، وقد أحاطوا بشخص لم أتبينه وأنا على الرصيف الآخر، كانوا يتصايحون بأصوات مختلطة، لم ألتقط منها إلا بعض جمل مقطعة الأوصال:

-لا... مضبوط.

-اضربوه.. أحسن.

- يا عم دا سكران طينة.

-سايب أولاده، ورايح يسكر ابن الكلب.

-يا جدع سيبه, دا روحه هتطلع في إيدك.

وجدتني –بصورة عفوية- أعبر إلى رصيف العمارة، وأشق الحلقة البشرية لأرى رجلا شاحبا، نحيل الجسم، يرتدي جلبابا بلديًا، وعلى وجهه ابتسامة مرتعشة صفراء، وفي عينية ما يشبه الدموع المتجمدة كأنها قطعتان من الثلج...

كان يترنح من شدة السكرْ، ومما يوجه إليه من لطمات ولكمات.. وشتم وزجر:

-كان كيلو لحمة أحسن لك من الهباب اللي أنت طافحه..

-يا ناس الراجل حيموت في إديكم.

-سلموه لقسم الشرطة..

-آه.. أحسن.

-أهو قسم الدقي قريب من هنا.

-الله يخرب بيتك يا ابن الـ....

يشتد اللطم.. والوخز... والشد... والشتم، دون أن يبدي السكران أي مقاومة، وكأنه راضٍ بما يحدث له.

لم ينطق بكلمة واحدة، ولم تفارق الابتسامة الصفراء وجهه، ولا الدموع الثلجية المتحجرة عينيه.

بدأ يرفع كفه اليمنى إلى أعلى ببطء شديد، واعتقدت أنه سيهوي بها على أحد ضاربيه، لكنه لم يفعل، ورأيته يحكم قبضته اليمني على ورقة ملونة لم يظهر منها إلا جزء صغير مكتوب عليه "خمسون جنيهاً" وصرخ أحد الواقفين:

-يا خبر أسود.. دا مطبق إيده على ورقة بخمسين جنيه.

زاد اللغط:

-لازم سارقها.

-سارق إيه يا عم؟! تلقي اللي زي ده راقد على كنز.

-نجرّه على البوليس أحسن.

ظهر الإجهاد الشديد على وجه الرجل، وبدأت أنفاسه تتلاحق فيما يشبه اللهاث...

ولكنه ظل مطبقا قبضته بشدة على ورقة العملة , غير عابئ بما يصب عليه من

صفعات ولكمات .

أفقت إلى نفسي، تركت الجمع المنكود الذي أكل نصف وقتي المخصص لمسيرتي اليومية على النيل، ولم أدرك صلاة المغرب جماعة إلا في الركعة الأخيرة. لكني لم أستطع أن أنفض من أذني ضجيج الجمع ولغطهم ، وأسائل نفسي... يا عجبا!!!..أتكون النقود أهم عند الإنسان من نفسه , ومن سلامته الشخصية ؟؟؟ . ورأيت صورة السكران الشاحب تلح على ناظري وأنا في طريق العودة.. ترى ماذا تم في أمر هذا الرجل؟ أسرعت الخطو إلى رصيف العمارة.. لقد انفض الجمع، وغرق المكان في صمت غريب، وحدقت النظر، فرأيت شرطيا يقف على رأس الناصية أمام جثمان ممدد على الرصيف , وقد غطى وجهه بصحيفة قديمة.. نظر إليّ الشرطي، وأنا أرفع الصحيفة وأنظر في وجه الرجل:

-دا راجل قالوا إنه كان سكران طينة، ووقع ميت.. ما حطشْ منطق..

-من نفسه ..؟

-طبعا.. مات رباني.. محدش قرب منه..

كان وجه الرجل كما هو: الشحوب.. الابتسامة الصفراء.. الدموع الثلجية المتحجرة في مقليته.. قبضة يده اليمني التي أحكم إطباقها. وتحت وطأة رغبة ملحة في نفسي.. جاهدت حتى فتحت قبضته لأكتشف أنها كانت - هذه المرة – مطبقة.. على فراغ.

المصدر:رابطة أدباء الشام