عصام تليمة

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الشيخ عصام تليمة


من هو؟

الشيخ عصام تليمة
  • عصام حلمي محمد تلِّيمة
  • تخرج في كلية الدعوة الإسلامية سنة 1417هـ 1996م.
  • حاصل على ماجستير في التفسير وعلوم القرآن من جامعة وادي النيل.

اللغات ودرجة إجادتها

  • الإنجليزية: جيد.
  • الفارسية: مقبول.

العضوية في المجالس والاتحادات

  • عضو في الجمعية الشرعية بمصر.
  • عضو مؤسس في اتحاد علماء المسلمين العالمي.

الأعمال والمهام الوظيفية

  • إمام وخطيب بوزارة الأوقاف.
  • يعمل حاليا: باحث شرعي في جمعية قطر الخيرية.

المشاركات الصحفية

شارك بكتابة المقال في عدة صحف ومجلات عربية، منها:

جريدة (الشعب) و(آفاق عربية) و(المصري اليوم) و(اليوم السابع) ومجلة (حصاد الفكر) ومجلة (وجهات نظر) المصرية، و(الشرق) و(الراية) و(الوطن) القطرية، و(الاتحاد) الإماراتية، و(الأمان) و(منبر الداعيات) اللبنانية وغيرهم .

مشاركات على مواقع الإنترنت

شارك بكتابة المقالات والبحوث، والإجابة عن الاستفسارات والاستشارات على المواقع التالية:

  1. إسلام أون لاين. نت.
  2. موقع أدباء الشام يصدر من لندن.
  3. موقع الرواق.
  4. موقع الشهاب للإعلام يصدر من فرنسا.
  5. موقع الشبكة الإسلامية بقطر.
  6. موقع المصريون.
  7. موقع القرضاوي. نت. ومواقع أخرى.

كما شارك في تحرير بعض الأخبار على موقع إسلام أون لاين.

مشاركات إذاعية وتلفزيونية

شارك في عدة إذاعات وقنوات تلفزيونية وفضائية وهي:

  1. إذاعة قطر العامة.
  2. إذاعة القرآن الكريم بقطر.
  3. إذاعة إسلام أون لاين على الإنترنت.
  4. إذاعة جنوب إفريقيا.
  5. قناة الجزيرة.
  6. الفضائية القطرية.
  7. القناة الثانية السعودية الفضائية.
  8. قناة النيل المصرية للأخبار.
  9. قناة الناس.
  10. القناة الفرنسية الخامسة.
  11. الفضائية الإيرانية.
  12. إذاعة صوت الخليج.
  13. قناة (دليل) الفضائية.
  14. قناة (الرسالة) الفضائية.

مؤلفاته

في مجال التحقيق العلمي

له عدة مؤلفات منها:

في مجال التأليف

كتب بالإشتراك

  • ما لا نعلمه لأطفالنا (بالاشتراك مع عدد من أساتذة التربية في العالم العربي والإسلامي).
  • خصائص المشروع الفقهي للقرضاوي .

بحوث علمية

  • عوامل ضعف وقوة الفن عند الإسلاميين.
  • المواطنة.. حقوق غير المسلمين في الدولة الإسلامية.
  • الحركة الإسلامية والنقد الذاتي.
  • حسن البنا وتجربة الفن. ترجم إلى اللغة الإنجليزية .
  • الخارجون عن الإخوان... كيف ومتى ولماذا؟

حوار شامل مع الشيخ عصام تليمة


على العالم أن يكون مستقلا في ماله عن السلطان

حاوره: علاء الدين آل رشي

المؤسسة الدينية تحتاج إلى مراجعة و تقييم لمسيرتها وسيرتها وهي تخضع في كثير من مفرداتها للماضوية أو لارتهان المقدس للتاريخي أو تحويل الديني لصالح السياسي ولذا كان هذا الحوار من اجل استعادة جمال الفقه وإنسانية الخطاب.

  • ما هي الأولويات الفقهية للمسلم المعاصر اليوم؟
الأولويات الفقهية للمسلم المعاصر اليوم: أن يفهم الفقه بالمعنى الذي فهمه السلف الصالح، وليس بالمعنى الاصطلاحي، هو دراسة الفقه من أول: الطهارة، إلى المواريث، إنما نعني أن يلم بعدة أنواع من الفقه:
فقه النص: بأن يفهم معناه، ومغزاه، وحكمته.
وفقه النفس: بأن يطهرها من الذنوب والمعاصي، ويسمو بها الحياة البهيمية.
وفقه البدن: بأن يمرن جسده على الجهاد في سبيل الله.
وفقه الاختلاف: يعرف كيف يختلف مع إخوانه المسلمين ولا يتفرق، بآداب الاختلاف وأخلاقياته التي علمنا إياها علماء الإسلام.
وفقه الواقع: بأن يعرف ما يحتاجه واقعه المعيش، في ضوء الموازنة بين المصالح والمفاسد.
وفقه السنن الكونية: حيث إن للكون سننا لا تتخلف لا مع المسلم ولا مع الكافر.
وفقه الأولويات: أن يعرف ما حقه التقديم، وما حقه التأخير، فليست كل الأعمال في الإسلام لها درجة واحدة، ولا مستوى واحد، فهناك الفرائض والسنن، وهناك الكبائر والصغائر، وهكذا.
الطريقة المتبعة اليوم في تدريس الفقه في المعاهد والكليات الشرعية في تلقين الفقه من خلال المتن، وليس من خلال ربط الفقه بالدليل، فأنا لا أؤيد هذه الطريقة في التدريس
  • لكن هذه الاولويات كأنها مغيبة عن واقع المؤسسات الفقهية المعاصرة؟
عفوا أستاذ علاء دعني أتمم جوابي
نعم تفضل
أما عن الأولويات الفقهية بمعنى الفقه الاصطلاحي: فهو أن يفقه الإنسان دينه بصفة عامة، وبصفة خاصة بأن يكيف حياته وعمله وفق الشرع الإسلامي الحنيف، وأن يتعمق في أحكام تخصصه، فإن كان طبيبا فليقرأ ما لابد للطبيب أن يعمله من أحكام. وإن كان منشدا إسلاميا مثلا يعرف أحكام الغناء،واستخدام الآلات الموسيقية والآراء فيها، وهكذا.
طيب أستاذ عصام لكن سير التعليم الفقهي يختلف عما تذكره أنت فطريقة تدريس الفقه في المؤسسات الدينية طريقة تستحق النقد كما يذكر البعض: فقه بلا تفكير، هل تؤيد الطريقة المتبعة اليوم في تدريس الفقه في المعاهد والكليات الشرعية في تلقين الفقه من خلال المتن، وليس من خلال ربط الفقه بالدليل؟
للأسف الطريقة التي تدرس بها المؤسسات الدينية الفقه الإسلامي طريقة في الغالب إلا ما رحم ربي من المعاهد الدينية التي طورت من نفسها بدائية، ولا تتناسب مع العصر الذي نعيشه، من حيث المضمون، ومن حيث الأداء، فمن حيث المضمون: نرى مادة الفقه يعتمد فيها كتاب تراثي، يناقش فيه مسائل لم يعد لها وجود، كقضايا الصرف، وحتى القضايا التي لها بعض الصلة بالواقع كالبيع والشراء والشركات مثلا، نراها لا تتعرض للشركات المعاصرة،
  • هل من الممكن أن تذكر لي امثلة لما تقوله حتى نكون أكثر دقة؟
نعم سأوضح ذلك
اشكرك، سيدي تفضل
جزاك الله خيرا يا اخي كتب التراث الفقهي القديمة لا تعرف من الشركات إلا أنواع ثلاثة، شركة الوجوه، وشركة العنان، وشركة المفاوضة، ولكنا الآن نرى أنواعا أخرى من الشركات، غير ما ذكره الفقهاء القدامى في كتبهم، فالواجب علينا أن نجمع في المضمون ما بين القديم الذي يبنى عليه الرأي في الحديث، وما بين ما يستجد من حوادث وشؤون، فالطالب ابن اليوم لا الأمس.
هذا من حيث المضمون، أو من حيث المادة التي تقدم، من حيث موضوعاتها، أيضا عبارة الكتب القديمة عبارات فيها وعورة وصعوبة على الطالب، ولذا أفضل أن تكون دراسة هذه الكتب التراثية في مرحلة متأخرة،
  • عفوا ماذا تعني في مرحلة متأخرة؟
يعني في المرحلة الجامعية مثلا، ويدرس كتب تراثي مختصر وواضح العبارة وقريب من العصر الحديث، كتمهيد لهذه الدراسة.
وأن يقدم بطريقة معاصرة، ويشتمل على هوامش توضح الغامض، وتبوب الكتاب تبويبا عصريا يتناسب مع عقلية أبناء القرن الحادي والعشرين. والكلام على مضمون الكتب التراثية يطول الكلام فيه، فهناك قضايا مذكورة في الكتب القديمة من كتب الفقه، لا أرى إلا أنها خرجت في فترة الركود والجمود، وهي تدعو للسخرية،
إذا كان التناقض في الرؤى مقصود به تعدد وجهات النظر فلا شيء في ذلك، ما دام الرأي قد خرج من إنسان ثقة في دينه وعلمه، ولم يخرج الرأي منه بناء على هوى، أو أمر من سلطان غاشم
  • هل ثمة مثال؟
كأن تقرأ مثلا في بعض هذه الكتب في شروط الإمامة للصلاة، أن يصلي بهم أفقههم وأعلمهم بكتاب الله، فأسنهم، إلى آخر الشروط، يقول المؤلف بعد ذلك: فإن استووا في الشروط، ينظر أيهم أجمل امرأة يعني أصبح المرجح من تزوج بامرأة أجمل من الأخرى، ومن سيحكم بجمال المرأتين أيها أعلى جمالا؟!
وكيف يكون ذلك؟ والنماذج من ذلك كثيرة. هذا من حيث المضمون، أما من حيث الأداء، فللأسف الطريقة التي يشرح بها الفقه في كثير من المعاهد الشرعية والدينية، طريقة بعيدة كل البعد عن ربط الفقه بالحياة
  • ماذا تعني بهذا هل الخلل في المنهج والرؤية أم في شخصية المعلم نفسه؟
كثير من هؤلاء المدرسين أو المعلمين درس الفقه من كتبه القديمة، ولم يأخذ أدنى قسط من وسائل توصيل المعلومة للطالب، ولا دورة في كيف يؤدي الدرس جيدا، وكيف ينوع من وسائل الشرح، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان ينوع في وسائله التعليمية، من ضرب المثل، إلى الخط على الأرض، إلى غير ذلك من الوسائل، وكذلك نرى معلمي المواد الأخرى كالفيزياء والرياضيات، ينوعون، وتعطى لهم الدورات التدريبية والتعليمية لأداء رسالتهم، فالأولى بذلك من يقومون بتدريس المواد الشرعية.
كما يعتمد كثير ممن يقوم بشرح هذه المواد للأسف على التلقين لا على إعمال عقل طالب العلم، في حين إننا نرى أن علماءنا الذين وضعوا هذه العلوم الشرعية كانوا أذكياء، ويعملون عقولهم في المسائل، ولذا تراهم يتخيلون كثيرا من المسائل، بل رأينا (الخوارزمي) مكتشف علم الجبر، اكتشف هذا العلم ليعينه على حل مسائل (المواريث)
وهذا يدل على قمة ذكائه، ومن يتدبر حياة الإمام أبي حنيفة رحمه الله في مناظراته ومحاوراته يلمح الذكاء المتوقد، بينما نرى معلمي المواد الشرعية يصنعون من تلامذتهم حفاظا لا فاهمين، ولا ينمون عندهم ملكة التفكير، والتأمل والتعمق، والنقاش الحر، فالفقه بمجموعه كله دليل على الحوار العلمي، فالأئمة الأربعة بمدارسهم دلالة واضحة على النقاش الحر والبناء، ولذا خرج منها هذا الكم الهائل من الفكر والفقه.
وأحب أن أقول: إن تعبير (فقه بلا تفكير) لا يجوز أن نطلقه بعموم، فليس كل كتب الفقه هكذا، وليس كل من يعلمون الفقه كذلك، نعم السائد للأسف هو هذا التوجه، فأمتنا أمة تقدم الحفظ على الفهم، آلاف الجوائز لحفظ القرآن الكريم، ولا نجد جائزة واحدة لمن يفهم القرآن ويتدبره، وجوائز لمن يحفظ السنة، ولا توجد جائزة لمن يبدع في فهم السنة، وهكذا.
ولكن بدأ الآن يغلب طابع الفهم على الحفظ، فلا شك أن الأمة التي امتلأ كتابها القرآن الكريم بقوله تعالى: (لقوم يفقهون) (يعقلون) (يتدبرون) (لأولي النهى) (لأولي الألباب) إلى آخر ما ورد في القرآن من خطاب العقل واستثارته. والسنة التي يلتزمون بها هي سنة فهم: يقول صلى الله عليه وسلم: (فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه).
  • لكن طريقة تدريس الفقه تختلف تماما عما تذكره؟
هذا صحيح فالطريقة المتبعة اليوم في تدريس الفقه في المعاهد والكليات الشرعية في تلقين الفقه من خلال المتن، وليس من خلال ربط الفقه بالدليل، فأنا لا أؤيد هذه الطريقة في التدريس، بل إني نقدت في أحد كتبي اعتماد كثير من الفقهاء المعاصرين وغيرهم في اعتماد المصطلحات الفقهية التي لم يقم عليها دليل، ونظل نتمسك بها، وهي لا تدل إلى على التشدد،
  • مثل أي المصطلحات؟
كثيرا ما نرى في مصطلحات فقهائنا: العورة المغلظة والعورة المخففة، والنجاسة المغلظة والنجاسة المخففة، وكل هذه المصطلحات وأمثالها وهذا التقسيم لم يقم عليها دليل شرعي، وذكرت كلاما للإمام الشوكاني يؤيد هذا التوجه،
حيث يقول رحمه الله في كتابه (السيل الجرار): (الوصف لبعض النجاسات بالتغليظ ولبعضها بالتخفيف هو مجرد اصطلاح لا يرجع إلى دليل؛ والواجب اتباع الدليل في إزالة عين النجاسة: فما ورد فيه الغسل حتى لا يبقى منه لون ولا ريح ولا طعم كان ذلك هو تطهيره، وما ورد فيه الصب أوالرش أو الحَتُّ أو المسح على الأرض أو مجرد المشي في أرض طاهرة كان ذلك هو تطهيره.
وقد ثبت في السنة: أن النعل الذي يصيبه القذر يطهر بالمسح وهو من المغلظة اصطلاحا، وكذلك ورد في الثوب إذا أصابه القذر عند المشي على أرض قذرة أنه يطهره المرور على أرض طاهرة.
والحاصل أن الشارع الذي عرفنا كيفية تطير النجاسات هو الذي عرفنا كون هذه العين نجسة أو متنجسة والواجب علينا اتباع قوله وامتثال أمره وطرح الشكوك الشيطانية والتوهمات الفاسدة، فإن ذلك مع كونه مخالفة للشريعة السمحة السهلة هو أيضا غلو في الدين وقد ورد النهي عنه وهو أيضا إفراط، ودين الله إنما يؤخذ عن الله ورسوله. فليكن هذا منك على ذكر فإنه يخلصك من أمور شديدة وقعت في كتب الفروع).
  • ما هو المقترح لفك الارتباط الموهوم بين التدين والرؤى الفقهية التي لا تستحضر البعد الزمني والمكاني؟

المقترح لفك هذا الارتباط الموهوم، يكون باتباع فقه الكتاب والسنة، بما فيه من شمول وعموم ويسر، وربط للبعد الزمني والمكاني، فالإسلام دين صالح لكل زمان ومكان، ومن علامات صلاحه: أنه يراعي الزمان والمكان والشخص؛

فنحن نرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الإجابة لسؤال واحد بأكثر من صيغة، يُسأل صلى الله عليه وسلم النصيحة من أحد أصحابه؛ فيقول له صلى الله عليه وسلم: "لا تغضب" ويسأله آخر، فيقول صلى الله عليه وسلم: "قل: آمنت بالله، ثم استقم" وهكذا، والسبب في ذلك: أنه راعى طبيعة الشخص الأول، فرآه يكثر من الغضب، فنصحه بما يناسبه، وراعى طبيعة الشخص الثاني فنصحه بما يتوافق مع طبيعته.
ولذا اشتهر في تراثنا الأصولي قاعدة: الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والحال والنيات والأشخاص، ودلل عليها الإمام ابن القيم في كتابه (إعلام الموقعين عن رب العالمين) بأدلة كثيرة من الكتاب والسنة، وواقع العلماء، حتى إنه ذكر من ذلك موقفا لشيخه شيخ الإسلام ابن تيمية، أنه رأى جنود التتار وقد أسلموا وكان في إسلامهم ضعف، وكانوا يقتلون الناس ويعتدون عليهم، ويشربون الخمر، فمر على جماعة منهم يشربون الخمر؛
فأراد بعض مرافقي الإمام ابن تيمية أن يزجرهم وينهاهم عن شرب الخمر، فقال لهم شيخ الإسلام: دعوهم، إنهم بشربهم الخمر يمتنعون عن قتل الناس، وحقن الدماء مقدم، على النهي عن شرب الخمر. وهذا يدل على فقه الرجل الذي استحضر فيه الزمان والمكان والشخص. فبالتعمق في الكتاب والسنة، والنظر السديد لفتاوى أئمتنا القدامى، يزول هذا التوهم.
  • شيخنا عصام : هناك تناقض ملحوظ وتضارب في الرؤى الاجتهادية ما بين أقصى اليمين وأقصى الشمال، هل من طريقة لإحياء الفهم المتعدد للنص الديني دون إقصاء للرؤى الأخرى؟
إذا كان التناقض في الرؤى مقصود به تعدد وجهات النظر فلا شيء في ذلك، ما دام الرأي قد خرج من إنسان ثقة في دينه وعلمه، ولم يخرج الرأي منه بناء على هوى، أو أمر من سلطان غاشم، الاعتراض على الاجتهاد الذي يخرج من غير أهله، وفي غير موضعه، يعني من غير أهل التخصص، أو الحاذقين في فهم الشريعة ونصوصها، وفي غير موضعه، في القضايا التي لا يجوز فيها الاجتهاد.
  • طيب ما هي الطريقة التي تقترحها طريقة بديلة؟
الطريقة التي نقترحها لإحياء الفهم المتعدد للنص، فهو أن نفهم طبيعة هذا الدين، فطبيعته وطبيعة نصوصه، تدل على أنه دين يحتمل في كثير من قضاياه الرأي المتعدد، والمساحة التي لا يوجد فيها إلا رأي واحد، هي مساحة قليلة جدا سماها علماؤنا (الإجماع) أو (المعلوم من الدين بالضرورة) لتمثل ثوابت الأمة؛
أما غيرها فهي عنوان على تقدم الأمة في فهم دينها، وقد عرفنا في تراثنا الفقهي من الصحابة: شدائد ابن عمر، ورخص ابن عباس، وشواذ ابن مسعود، ومع ذلك وقر بعضهم بعضا، ولم نر إساءة من أحدهم للآخر، ولم نر إقصاء لرأي الآخر..
ولذا لم نر مشكلة في وجود المذاهب الأربعة المعروفة، وغيرها من المذاهب التي لم يعد لها تلامذة الآن، ومع ذلك كانت للإسلام خلافة ودولة، وقف أحد خلفائها يوما يقول للسحابة: شرقي أو غربي فحيثما ذهب فسوف يأتيني خراجك، وقبول الرؤى الأخرى يتوقف على مدى نهوض الأمة الحضاري، ففي عصور التخلف تقصى الآراء الأخرى، وفي عصور الازدهار والتحضر نرى الآراء المتعددة، والمذاهب والمدارس المتعددة.
ورحم الله الإمام مالك رحمه الله الذي طلب منه أحد الخلفاء أن يوطأ للناس موطأ، فكتب الموطأ، وأراد أن يحمل الناس عليه، فأبى الإمام مالك، رغم أنها فرصة لنشر فكره، ولكنه أبى أن يكون نشر الفكر على حساب إلغاء الرأي الآخر.
إن آفة فرعون التي أنكرها القرآن (ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد) من الخطأ البين أن نتبناها باسم الدين، وأن نجعل على أقوالنا وآرائنا هالة من التقديس ما أنزل الله بها من سلطان، فلا قداسة لرأي ولا لشخص في الإسلام، بل يظل العلماء أشخاصا لهم توقيرهم، ولهم أن يخالفوا في أقوالهم، وكذلك الآراء.
ولا بد أن نفرق بين أمر هام تقع فيه أمتنا وطلبة العلم، وهو: أنهم يظنون أنك عندما تنقد رأيا وتخالفه، أن معنى ذلك: أنك تكره صاحب القول، أو الشخص المخالَف، وهذا خطأ، فلا بد أن نفرق بين العواطف والعقلية العلمية، فرق بين أن أحب فلانا، وبين أن أختلف معه في وجهة النظر، أو في رؤيتي لأمر ما؛
هل كان الحباب بن المنذر يكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لا يوقره حاشاه عندما سأله: أهذا منزل أنزلكه الله، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ وذلك في غزوة بدر، قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة، فأشار عليه بخلاف ما أشار. ومع ذلك قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم مشورته ورأيه. وغيره من القضايا.
لا بد للعالم والفقيه المسلم أن يكون مستقلا في كل أموره، وبخاصة الأمور الحياتية من حيث الراتب، وعدم تأثير السلطة عليه، حتى يخرج رأيه معبرا عن الأمة، منطلقا من كتاب الله وسنة رسوله، ومن ثوابت الدين، بلا ارتباط بالسلطة منعا وإعطاء.
  • تحول الدين في بعض البلدان إلى يد تقبل، ويد تأخذ، كيف نستعيد استقلالية رجل الدين والفقه؟
لا بد للعالم والفقيه المسلم أن يكون مستقلا في كل أموره، وبخاصة الأمور الحياتية من حيث الراتب، وعدم تأثير السلطة عليه، حتى يخرج رأيه معبرا عن الأمة، منطلقا من كتاب الله وسنة رسوله، ومن ثوابت الدين، بلا ارتباط بالسلطة منعا وإعطاء، ولذا نلاحظ زهد كثير من الناس في علماء السلطة، أو من لهم ارتباط بالسلطة، حتى شاع بين الناس مصطلح: علماء السلطة، ودعاة الشرطة.
والناظر لتاريخ الفقهاء والعلماء المستقلين بالرأي، والمعلنين بالحق مهما كان، وأينما كان، نراهم كانوا أصحاب مهن بجانب طلبهم للعلم، فأبو حنيفة رضي الله عنه كان تاجرا، ومع تجارته كان إماما في الفقه، والليث بن سعد كان تاجرا كذلك، ومع ذلك فهو إمام في الفقه؛
وكثيرا ما تقرأ في أسماء العلماء مثل هذا الأسماء: النجار، الحداد، البزاز، وغيرهم، وهذا يدل على صناعتهم، أي أنهم كانوا يجعلون مصدر رزقهم بعيدا عن العلم والسلطان حتى لا يكون مال السلطان سيفا مسلطا على رقبته، وحائلا يمنعه من قول الحق، ولذا رأينا قوة وشدة رأي الحسن البصري، وشكوى الخلفاء الأمويين منه قائلين: ما بال هذا الرجل شديدا علينا، وليس كغيره ممن يطرق باب السلطان للارتزاق؟ فقيل: استغنى عن دنيانا واحتجنا نحن إلى دينه!!
ورأينا ذلك في علمائنا المعاصرين عندما كان لعلماء المسلمين أوقافهم الخاصة بهم، ليس للسلطان عليها قوة، فرأينا من علماء الأزهر من مد رجله والملك يمر، فلما أراد الملك أن يغريه، وأرسل إليه رسولا بمال له، رد العالم الأزهري قائلا: ارجع وقل للملك: إن من يمد رجليه لا يمد يديه.
والشيء الذي يعيد استقلالية عالم الدين، هو عودة الأوقاف الإسلامية، بحيث يكون دخل العالم ومعيشته من أوقاف المسلمين، وليس من مال السلطان، يمنع ويعطي حسبما يشاء، فللأسف في بلادنا العربية والإسلامية في ظل الحكم الشمولي القائم على الظلم والديكتاتورية، صودرت أوقاف المسلمين، بينما ردت أوقاف المسيحيين، وحوفظ عليها، أما أوقاف المسلمين فصودرت ولم ترد، وذلك حتى يهيمن على علماء الدين، ولا تكون لهم استقلالية؛
كذلك ألا يعتمد العالم على راتب الدولة، بل عليه أن يحاول قدر استطاعته أن يكون له مصدر رزق بعيدا عن راتب الحكومة قدر استطاعته، لا أن يتخرج طالب العلم من الجامعة، ويجلس في بيته ينتظر أن يعين في وظيفة حكومية، ويقنع ويخنع لهذه الوظيفة ويظل يتدرج إلى أن يصل إلى منصب معين من مناصب الدين، ويظل رهين عمله ووظيفته وراتبه، ورحم الله الحسن البصري الذي مر عليه إنسان وكان مع الحسن مال يعده، فقال له الرجل: حتى أنت؟ يعني حتى أنت تهتم بالتجارة وجمع المال، فقال الحسن البصري: إليك عني، فلولا هذه (أي ماله) لتمندلوا بنا! أي لجعلونا مناديل في يدهم يلعبون بها أينما شاؤوا.
وقبل ذلك كله: أن يعلم أن رزقه ليس بيد السلطان، ولا بيد الوزير الذي يعمل في وزارته، إن الأرزاق والآجال بيد الله وحده، وكيف ونحن نعلم الناس قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت على أن يضروك لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك».

مقالات بقلم الشيخ عصام تليمة

الألباني والإخوان .. نموذج فريد يحتذى


الألباني والإخوان .. نموذج فريد يحتذى

عصام تليمة : بتاريخ 16 - 3 - 2008

لم أكن متعجبا من حقائق عثرت عليها بين أضابير المجلات والصحف الإخوانية القديمة، في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، كانت من أهم هذه الحقائق المذهلة بحق، هذا التواصل الحميم بين العلامة المحدث المرحوم الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، وجماعة الإخوان المسلمين، إذ هذا التواصل يؤكد أن الجماعات الإسلامية العاملة في حقل الدعوة من الممكن أن تتآخى وتتآزر، مع ما بينهما من خلاف بين وكبير في الفكر، ولكن يجمعها جميعا أمران: العمل للإسلام، والتخلق والتحلي بآدابه عند الخلاف والاتفاق.

أقول هذا الكلام لأعلن هذه الحقائق التي عثرت عليها للقارئ، وللجماعتين معا: السلفيين والإخوان المسلمين. كنت أقلب في صفحات مجلة (المسلمون) التي كان يصدها الأستاذ سعيد رمضان زوج ابنة حسن البنا الكبرى، وكان قد أصدر من مجلته ثلاث سنوات في مصر، وثلاث سنوات في سوريا، وثلاث سنوات في سويسرا؛

في السنوات الثلاث التي صدرت في سوريا عندما أسقط عبد الناصر عنه الجنسية المصرية في عام 1954م، فوجئت بكم من المقالات للشيخ الألباني، وكان المشرف على المجلة مع سعيد رمضان: الدكتور مصطفى السباعي المراقب العام للإخوان المسلمين في سوريا، وكان من هدي المجلة أن أي سؤال في علم الحديث يحال مباشرة للشيخ الألباني.

كما كان الشيخ الألباني رحمه الله يكتب من نفسه تعقيبات وتعليقات على ما يعن له من موضوعات، أو ما يختلف معه من مواقف وأفكار في المجلة لبعض الكتاب، من ذلك: سلسلة من أربع مقالات بعنوان: (عودة إلى السنة) يرد فيها على الأديب القاضي الأستاذ علي الطنطاوي، وقد كتب مقالا بعنوان: (مشكلة) يتحدث فيه عن مشكلة الدعاة إلى الله، والخلل والقصور في تناولهم للقضايا.

كما كتب الشيخ الألباني مقالا يعلق فيه على سلسلة مقالات للدكتور مصطفى السباعي، وهو ما جمع فيما بعد في كتاب تحت عنوان: (السنة ومكانتها في التشريع)، والتي ختم مقاله بهذه العبارة التي تدل على أدب الخلاف بين الرجلين: (وختاما: أقدم إلى الأستاذ الفاضل (السباعي) شكري على مقالاته التي يخدم بها السنة، مشفوعا بتحيتي الإسلامية).

وكتب مقالا آخر يعقب على ما كتبه الشيخ محمد الحامد العالم الحموي المعروف، حول مقاله عن أحاديث وردت في فضل العمامة، وقام بالرد عليه تخريجا وتعقيبا الشيخ الألباني.

كل هذه المقالات التي لم يكن الشيخ الألباني وقتها معروفا للقراء نشرتها له مجلة (المسلمون) التي يصدرها ويشرف عليها رمزين كبيرين من جماعة الإخوان المسلمين: سعيد رمضان، ود. مصطفى السباعي.

وقفت عند هذه الفترة من المجلة، وظننت أن علاقة الشيخ الألباني بدأت من هذه الفترة، ولكني فوجئت بثلاث مقالات سابقة مهمة لها أثر كبير في علاقة الألباني بالإخوان آنذاك، وفي أثر ما كتب وقتئذ في الحركة العلمية سواء عند الإخوان أو عند السلفيين؛

المقال الأول له، كان عبارة عن رسالة ينقد فيها تخريج بعض الأحاديث للشيخ سيد سابق، وكانت سنة 1947م في (مجلة الإخوان المسلمين) النصف شهرية، وكان الشيخ سيد سابق يكتب مقالات في الفقه جمعت فيما بعد في كتابه الأشهر (فقه السنة) فكتب الشيخ الألباني يعقب عليه في تخريج بعض الأحاديث، وأحال الأستاذ حسن البنا الرد على الشيخ سيد سابق، فكتب ردا على الرد بين فيها وجهة نظره في سند هذه الأحاديث، وفي فقه هذه الأحاديث، وكانت هذه المقالة هي النواة الأولى لكتابه (تمام المنة في التعليق على فقه السنة).

ثم كان مقاله الثاني في (مجلة الإخوان المسلمين) التي أصدر منها أعدادا الأستاذ سيد قطب رحمه الله في بدايات سنة 1954م قبل الصدام مع الثورة، وكانت تعقيبا على مقالة كتبها الدكتور عبد العزيز كامل رحمه الله مسؤول قسم الأسر، عن (نظام الأسر) أي الإخوانية؛

وورد فيها عدة أحاديث لم يخرجها الأستاذ عبد العزيز وقتها لعدم تخصصه في ذلك، فكتب الشيخ الألباني رسالة يعقب فيها على المقالة ويثني عليها، ويبين أنه ليت الكاتب يزيد في قيمتها بتخريج أحاديثها، وهذا ما تم بالفعل فيما بعد عندما أصدر الإخوان المسلمون رسالة (من آداب الأسرة والكتيبة) فقد رأيت تخريجات في الرسالة لا يمكن أن يكتبها الإخوان من أنفسهم، ورأيت أهم تعليقات الشيخ الألباني في هامش الرسالة، وأهم تخريجاته والتي كانت من كتابه فيما بعد (صحيح الترغيب والترهيب) ويبدو أنه كان قد بدأ في العمل فيه آنذاك.

هناك مقال ثالث كتبه الشيخ الألباني في هذه الفترة ولكن لم ينشر لأن المجلة كانت قد أغلقت، وكان تعقيبا على فتوى كتبها العلامة الفقيه الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله، حول الغناء والموسيقى، ثم طالت مقالة الشيخ الألباني فيما بعد حتى صارت كتابا في الأسواق الآن، بعنوان: (حكم آلات اللهو والطرب).

هذه المواقف توجها موقف أهم في وجهة نظري من كل ما مضى، ويبدو أنه كان علامة بارزة في نفس الشيخ الألباني، وهو للأسف إلى الآن حاولت الوصول إليه دون فائدة من البحث، وهي رسالة خاصة أرسلها الإمام الشهيد حسن البنا إلى الشيخ الألباني في عام 1947م، بعد قراءته تعليقه على تخريج الشيخ سيد سابق للأحاديث؛

وقد كتب له البنا يشكره على هذا النقد المهذب الرقيق، والبحث العلمي الدقيق الذي كتبه، ويشد على يده أن يسد هذه الثغرة في علوم الإسلام (علم الحديث) وقد كان البنا يعلم قيمة هذا العلم فهو ابن محقق كبير لمسند أحمد (الشيخ أحمد عبد الرحمن الشهير بالساعاتي)، ويحثه على المسير قدما في هذا التوجه العلمي المهم.

حاولت جاهدا بالاتصال بكل من أعرف من المقربين من الشيخ الألباني للعثور على هذه الرسالة ولكن دون جدوى، وقد حكى الشيخ الألباني مضمون الرسالة لأحد تلامذته وعنه نقلت.

وهذا ما دعا الشيخ الألباني إلى جمع مقالين للشيخ حسن البنا كتبهما في مجلة (المنار) التي رأس تحريرها خلفا للعلامة المجدد الشيخ محمد رشيد رضا، بعنوان: (المرأة المسلمة)، جمع الألباني المقالين في رسالة، وحققها، وعلق عليها بعض التعليقات، ويعتبر بذلك أول من قام بجمع مقالات لحسن البنا بعد وفاته، سواء من داخل الإخوان أو من خارجهم.

لم أرد من مقالي هذا السرد التاريخي بقدر الوقوف على الدروس المهمة، وكيف أن هؤلاء الناس كانوا كبارا في علمهم، وأدبهم، وخلقهم، وحسن التعاون، وفهم مخططات الأعداء في تفريقهم، والنيل من وحدتهم، ولذلك تعالوا على خلافاتهم العلمية والشخصية، ولا أدري متى انتهى الوفاق وبدأ الشقاق بين الجماعتين الكبيرتين، وبين الجماعات بوجه عام، تقرأ الآن في مجلات كل جماعة لا ترى فيها فكرا يخالف فكرها، ولا ترى كاتبا من فكر مخالف؛

رحم الله حسن البنا الذي جاءه الشيخ محمد عبد السلام الشقيري مؤلف (السنن والمبتدعات) وهو من علماء جماعة أنصار السنة، والرجل الثالث فيها، بعد العالمين الكبيرين: العلامة الشيخ أحمد شاكر، والشيخ حامد الفقي، فوجئت يوما بمقال له في مجلة (النذير) الإخوانية سنة 1940م، ممهورا باسمه، وتحت الاسم كان هذا التعريف المفاجأة: محمد عبد السلام الشقيري مسؤول شعبة الحوامدية بجماعة الإخوان المسلمين بالجيزة!! أي أن حسن البنا قبل الرجل وهو سلفي قح، ومن كوادر جماعة أنصار السنة، وقبل أن يكون مسؤولا كبيرا في جماعته.

متى نرى مثل هذا التوافق والتعاون على أوجه الخير والعلم وما أكثرها، ونضيق على شيطان التفرقة الخناق، ونفوت الفرصة على أعداء يتربصون بنا؟!


الغزالي لمبارك: انت مش ربنا!!


الغزالي لمبارك: انت مش ربنا!!

بقلم: عصام تليمة

للأزهر وشيوخه وأبنائه تاريخ عريق في النصح للحاكم، والتصدي له عند فساده، وتصحيح مسار حكمه، بل كان حاكم مصر من قبل لا يختار إلا إذا وافق عليه علماء الأزهر، وكانت لجنة الفتوى بالأزهر تسمى (لجنة الثورة) لكثرة خروج الفتاوى منها ضد الطغيان، وكثرة ثورتها على الظلم.

ولم تكن هذه الصفحة تاريخا مضى، بل رأينا في عصرنا الحديث من علماء الأزهر من وقف للحاكم بالمرصاد، لا يفوت له الخطأ، ولا يتركه دون تصويب، أو قول كلمة الحق، أقول هذا الكلام لأننا أصبحنا نلتفت يمنة ويسرة فنرى علماء الأزهر إلا ما حم ربي قد انسحبوا من الساحة، ومن التفاعل مع قضايا الناس الحية، وأريد أن أذكر نفسي وأساتذتي وإخواني من الأزهريين بما كان من مواقف بعض العلماء الذين رحلوا عن دنيانا منذ بضع سنوات أو أكثر قليلا، من باب تصحيح الصورة المشوهة العالقة بأذهان البعض، ومن باب الاقتداء بهم في ذلك.

الموقف الأول للشيخ إسماعيل صادق العدوي رحمه الله، خطيب الجامع الأزهر، والذي ظل خطيبا له عدة سنوات، إلى أن خلعوه من المسجد، ليرتقي منبر الأزهر بدلا منه الشيخ محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر، وكان الشيخإسماعيل صادق العدوي يفسر قوله تعالى:

(ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) الأعراف: 34 في درس التفسير الذي كان يلقيه كل يوم اثنين، وكان ذلك مساء يوم الاستفتاء على تجديد فترة ولاية الرئيس مبارك الثالثة، وأراد الرجل أن يتكلم في الموضوع ولو تعريضا، ولكن الآية التي يفسرها لا تمت من قريب أو بعيد بالسياسة، فاحتال الرجل بذكاء الأزهري المحنك، فقال: كنت أركب القطار مع فضيلة الشيخ البنا رحمه الله، وجاءت محطة وصولنا، فقال لي الشيخ البنا: يا شيخ إسماعيل، القطار والسفر كالحياة والموت والمناصب، إذا جاءت محطتك لا بد من نزولك، ثم أخذ الشيخ إسماعيل صادق العدوي يركز ويشدد ويعيد ويكرر، على هذا المعنى بهذه العبارة، قائلا باللغة العامية:

يعني إذا جت محطتك انزل، كفايه علينا كده انزل، خلاص محطتك جت انزل، ولا عايز تركب محطتك ومحطة غيرك!!
وقد ضج المسجد بالضحك وقد وصلهم المعنى الذي يريده الشيخ، إلا رجل ساذج مسكين، قال: الله يرحمه، فسأله الشيخ العدوي: هو مين؟ قال الرجل: الشيخ البنا، فقال الشيخ العدوي بغيظ: ويرحمك انت كمان!!

والموقف الآخر للشيخين الشعراوي والغزالي رحمهما الله، فقد كان من الضروري أن يهنأ الرئيس مبارك بسلامته ونجاته من محاولة اغتيال في أديس أبابا، واجتمع في يوم التهنئة ومكانها علماء المسلمين وكهنة النصارى، ووقف الشيخ الشعراوي يقول كلمته القوية التي يحفظ معظم الشعب المصري ما جاء فيها:

"لن أختم حياتي بنفاق وأنا أقف على عتبة الآخرة، اسمع يا سيادة الرئيس: إن كنت قدرنا فنسأل الله أن يعيننا على هذا القدر، وإن كنا قدرك، فأعانك الله علينا، أسأل الله أن تكون هذه الحادثة سببا لتطبيق منهج الله وشرعه، إلى آخر ما قال رحمه الله.

وقال الشيخ الغزالي كلمة عابرة ظن الجميع أنها كانت أضعف الكلمات، ولكن ما حدث بعد الكلمة كان أقوى مما قاله الشيخ الشعراوي والجميع، فقد حدث حادث مهم للغزالي مع الرئيس مبارك، ولكنه موقف غير معلن، ولم يعلنه الغزالي، وقد أسر به إلى أستاذنا الدكتور محمد سليم العوا، وحدثني به، فرأيت من الإنصاف للغزالي نشر الموقف، وهو كالتالي:

بعد انتهاء الجميع من الكلام جاء مندوب من مكتب الرئيس ليطلب من الشيخ الغزالي والشيخ الشعراوي والشيخ جاد الحق شيخ الأزهر، فانتظروا في غرفة أُجلسوا فيها ودخل الرئيس مبارك عليهم، وكان المكان الخالي على أريكة في ناحية فيها الشيخ الغزالي، وجلس الرئيس في الناحية الأخرى، وبعد مجاملات معتادة قال الرئيس للشيخ الغزالي، وهو يربت على ركبته:
ادع لي يا شيخ غزالي، أنا حملي ثقيل، أنا مطلوب مني كل يوم الصبح أوكل (أطعم) سبعين مليون.
قال الشيخ الغزالي: لم أشعر بنفسي وهو يقول ذلك، واستعدته الكلام: انت بتقول إيه؟!
فكرر عبارته: أنا مطلوب مني كل يوم أوكل سبعين مليون.
يقول الغزالي: فوجدت نفسي أنفجر فيه لأقول له:
انت فاكر نفسك مين؟
إياك انت فاكر روحك ربُّنا!
هو انت تجدر (تقدر) توكل نفسك!
يا شيخ اسكت. وانت لو جت (جاءت) دبانه (ذبابة) على أكلك تأكله ولا تجدر (تقدر) تعمل فيها حاجه!
قال الشيخ الغزالي: فارتبك الرجل وتغير لون وجهه،
وقال لي: أنا قصدي من الكلام المسؤولية التي علي.
قال الشيخ الغزالي: ولم أكن قد سمعته جيدا فأكملت: مسؤولية إيه؟!
المسؤولية على اللي يجدر (يقدر) واحنا كلنا في إيد ربنا.
انت بكتيره .. بكتيره .. تدعي وتقول: يا رب ساعدني.
لكن تقول: اوكلهم، وكِّل نفسك.
قال الشيخ الغزالي: فوضع الرجل يده على ركبتي مرة أخرى وقال: استنى يا شيخ محمد، استنى، انت يمكن مش فاهمني.
فقال له الغزالي: مش مهم افهمك، المهم انت تفهمني.

يا أخي (وفي السماء رزقكم وما توعدون).(وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها)(أفرأيتم الماء الذي تشربون أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون)

فسكت الرجل ونظرت إلى وجهه وهو متحير، فأدركت ما فعلت، وأفقت، فنظرت إلى الشيخين لعل أحدهما يعينني، فوجدت أكبرهما سنا قد أسند ذقنه على عصاه، وأغمض عينيه، ووجدت أكبرهما مقاما قد أسند رأسه إلى مقعده وأغمض عينيه تحت نظارته التي نصفها ملون ونصفها الآخر أبيض؛
وأكمل الرئيس كلامه بما يشبه الاعتذار عما قال، والرضا بما كنت أقوله، وجامل كلا من الشيخين بكلمة، ثم قمنا لنخرج فأوصلنا إلى باب السيارة، فأسرع أحد الشيخين فجلس إلى جوار السائق، ودار الثاني ليركب من الباب خلف السائق، وكنت أنا أبطأهم خطوة، فمشى الرئيس إلى جواري حتى بلغنا باب السيارة فمددت يدي لأفتحه فإذا بالرئيس يسبقني ليفتحه لي، فحاولت منعه من ذلك، وأمسكت بيده وقلت له: أرجوك يا سيادة الرئيس لا تفعل. فقال: هذا مقامك يا شيخ محمد... أنا والله أحبك يا شيخ محمد ادع لي.
ركبت السيارة وأغلق هو الباب، وبقي واقفا إلى أن تحركت السيارة فأشار إلي مودعا، وانطلقت السيارة والشيخان صامتان لم يتكلم أي منهما بكلمة حتى أوصلناهما واحدا بعد الآخر، ثم أوصلني السائق إلى بيتي.
وفي نفس الليلة أو في صباح ثاني يوم هاتفاني كل منهما على انفراد ليدعو له ويقول له: لقد قمت بفرض الكفاية عنا يا شيخ غزالي، ويضحك الشيخ ضحكة طويلة من ضحكاته الطفولية التي يعرفها محبوه، ثم قال لي: اسمع يا محمد (أي دكتور محمد سليم العوا) احفظ هذه الحكاية، ولا تحكها إلا بعد موتي، فإني أرجو أن يكون ما قلته لهذا الرجل في الميزان يوم القيامة، وأن يدعو لي بعض من يعرفونه دعوة تنفعني إذا فارقت الأهل والأحبة.
هذه بعض مواقف لعلماء الأزهر الأحرار مع الرئيس، ولو استزادني القراء لزدتهم، وهو غيض من فيض، فعلى ذلك فلنسر، فلم يكونوا أكثر منا يدا ولا رجلا، وما كانوا يطمعون في شيء إلا رضا الله سبحانه وتعالى، أسأل الله أن يعيد هذه الصفحة المطموسة من تاريخ أزهرنا العريق.

رحم الله الشعراوي والغزالي وجاد الحق ورضي عنهم.


دعوة لنقد القرضاوي مفكراً وفقيهاً


دعوة لنقد القرضاوي مفكراً وفقيهاً

نقد عصام تليمة

لعل كثيراً من الناس يعرف ما بيني وبين الشيخ القرضاوي من علاقة، وأعترف بداية بما للشيخ عليّ بعد الله من فضل، ولم تكن علاقتي به يوماً علاقة المرؤوس مع رئيسه في العمل، وأشهد أنها دوماً كانت عاطفة الأبوة والبنوة، وعاطفة المعلم مع تلميذه، بما تمثله هذه العلاقة من عطف وحب وتقدير، وبث ما في جعبته وهو معين لا ينضب من حنان وخبرة وعلم، بل في كثير من الأحيان كنت أبثه همومي رغم أعبائه وهمومه ومشاغله فكان نعم العون لي عليها.

ولقد كتبت في شهر رمضان الماضي ثلاثين حلقة في جريدة (الشرق) عن فقه الشيخ، ونظرات في فقهه، وأثره في الفقه الإسلامي، ورددت على معظم الشبهات التي تثار حول فقهه، وخالفته الرأي في بضع مسائل.

وأقف اليوم مرة أخرى موقف الناقد، فقد علمنا الشيخ: عدم التعصب لرأي مهما كان قائله، وأنه لا قداسة لرأي في الإسلام، ولا يوجد من هو أكبر من أن يُنصح، ولا يوجد من هو أصغر من أن يَنصح. وأن نكون رؤوساً لا ذيولاً، وأن نكون تلامذة لا عبيداً، فالتلميذ يناقش أستاذه فيما يقول، أما العبد فهو أسير ما يلقنه سيده، أينما يوجهه لا يأتي بخير.

ونقد الشيخ القرضاوي وتراثه الفكري والفقهي مطلوب بإلحاح، فهو ليس معصوماً، بل نقد الفكر المعاصر للعلماء عامة مطلوب بشدة، حتى يثرى الفكر الإسلامي، وعلى العلماء أن يفسحوا صدورهم لمن ينقد فكرهم، بل لابد أن يشجعوا هذا النقد، فهم أول من يستفيد، ورحم الله الإمام الشهيد حسن البنا الذي كتب بعد أن تولى رئاسة تحرير (مجلة المنار) خلفاً للعلامة المجدد محمد رشيد رضا مقالاً بعنوان (دعوة لانتقاد المنار) وفعلاً انتقده القراء، واتهموه بأنه غير خط المنار العلمي، ورد عليهم، وسعد بهذا النقد.

ورحم الله العلامة المودودي حينما انتقده الشيخ أبو الحسن الندوي في كتابه (التفسير السياسي للإسلام) فرحب المودودي بنقد الندوي، بل دعاه إلى أن ينظر إلى بقية مؤلفاته بالنقد.

وأبدأ بتقديم نموذج لنقد فكر وفقه الشيخ، ولست بنقدي هنا عاقاً للشيخ، ولا متنكراً لفضله عليّ شخصياً، وعلى الأمة الإسلامية، ولكنه الإسلام الذي علمنا أنه لا يوجد بشر فوق النقد، ولا أحد أعلى من أن يستخدم القلم الأحمر في فكره.

الأول: من أهم ما وصف به شيخنا العلامة القرضاوي: أنه لا يقلد غيره، ولا يكرر نفسه. وفي الآونة الأخيرة لاحظت ولاحظ قارئوك أن بعض أفكار وصفحات كاملة في كتبك الجديدة مقتبسة من كتبك السابقة، فهل هذا أتى من باب التكرار، أم أن له سبباً علمياً؟
الثاني: لقد تجاوزت كتب الشيخ القرضاوي المائة كتاب وأكثر، فهل يأتي الكم على حساب الكيف، أم أن فضيلتك تراعي أن يسير الكيف والكم جنباً إلى جنب؟
ثالثاً: إن رأيك في الغناء يثير كثيراً من المتدينين، والعلماء وطلبة العلم، وأرى أن هناك لبساً في الموضوع، فما أعلمه عنك أنك لم تبح الغناء يوماً، بل قيدته تقييداً شديداً، ولكن من يقرأ كتبك لا يفهم هذا جيداً، وبخاصة أن من يقرأ كلامك، تظل في ذهنه صورة الغناء المعاصر بمجونه وخلاعته، وما فيه من عري وصخب، هذا الغناء الذي صار لا هم له ، إلا جلب الكاسيات العاريات، اللائي لا وظيفة لهن في الأغنية إلا هز الأرداف والأخصار، فأقول لشيخنا: هل من توضيح لموقفك بجلاء ووضوح في الغناء، وبخاصة الغناء المعاصر؟
وختاماً أرجو ألا يضيق صدر شيخي بما أبديه من نقد. فما أتى إلا من قلم يحبه في الله، ولكن لا يعميه الحب عن النقد البناء.

لقد كانت هذه الأسئلة في رسالة خاصة بيني وبين الشيخ، وقد رد عليّ كتابي وأعطاني الرد، ولكنني رأيت في نشرها ما يوضح بعض الغموض، وبعض ما يثار حول الشيخ. وهذا رد الشيخ:

رد العلامة القرضاوي

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

الابن العزيز: عصام

قرأت ما كتبته وما أثرته من نقد لم تخرج به عن إطار البنوة، ولا عن حدود أدب الاختلاف، وأقول إجابة عما أثرته من نقد.

أما عما ذكرت من تكرار في بعض كتبي، مما كتبته في كتب أخرى قديمة فأقول: من فضل الله عليّ أني لا أحب أن أكرر نفسي، كما لا أحب أن أقلد غيري.

ولا أحب أن أكتب في موضوع إلا إذا كان عندي شيء جديد أضيفه أما مجرد تكرار ما قاله الآخرون، فليس هذا من شأني وكثيراً ما تطلب مني الكتابة في موضوعات معينة فأعتذر، لأني لم يفتح عليّ فيها بشيء أضيفه إليها.

ومن نظر إلى قائمة كتبي وجد كل كتاب فيها أضاف شيئاً، ابتداء من أول كتاب دخلت به حلبة التأليف، وهو (الحلال والحرام) الذي كان بشكله ومضمونه جديداً وأصيلاً، واستقبله المسلمون في العالم الإسلامي بقبول حسن، وترجم إلى لغات لا أستطيع حصرها، وقامت حوله الدراسات، وقدمت أطروحات.

أما ما ذكره من يسأل عن بعض ما يلحظه من تكرار في بعض مؤلفاتي الأخيرة، فأود أن أرده إلى أسبابه

فمن هذا التكرار ما هو مقصود بالفعل، مثل أخذ بعض فصول من كتب معينة، لإصدارها في رسائل صغيرة الحجم، رخيصة الثمن، ميسرة للقراءة، ولا سيما أننا في عصر يسميه بعض الناس (عصر الساندوتش) وهذا ينطبق على الغذاء المادي، والغذاء الثقافي.

لهذا اقترح عليّ بعض الأخوة من الدعاة المتمرسين أن أقتبس بعض الفصول المهمة من كتبي الكبيرة نسبياً، لأخرجها في رسائل، فاستجبت لهم، وأخذت مثلاً فصلاً من كتابي (بينات الحل الإسلامي) لأخرجه في رسالة من (رسائل ترشيد الصحوة) وهو فصل (الدين والعلم).

وكذلك أخذت أكثر من فصل من كتابي (ملامح المجتمع الإسلامي الذي ننشده) ليصدر في رسائل مثل (جريمة الرد وعقوبة المرتد)، (مركز المرأة في الحياة الإسلامية) كما أخذت من كتابي فتاوى معاصرة (فتاوى للمرأة المسلمة) و (النقاب للمرأة بين القول ببدعيته والقول بوجوبه) ونحو ذلك.

ومن التكرار: ما تقتضيه ضرورة الموضوع المكتوب فيه، فقد يكتب الإنسان في موضوع معين، ضم جزء من كتاب، ثم يحاول أن يفرد كتاباً خاصاً كاملاً في الموضوع ذاته، فلا حرج أن يستفيد المؤلف من كتاباته السابقة في الموضوع، ويضمها إلى كتابه الجديد.

مثال ذلك: إني كتبت عن فهم القرآن وتفسيره في كتابي (المرجعية العليا في الإسلام للقرآن والسنة).

ثم صنفت بعد ذلك كتابي (كيف نتعامل مع القرآن العظيم؟) وفيه عدت إلى الكتابة عن تفسير القرآن بتوسيع وتفصيل وتعميق، فلم يكن يسعني إلا أن أستفيد مما كتبته من قبل.

ومثل ذلك حين كتبت عن (المدخل إلى معرفة الإسلام) فذكرت فيه عن (العقيدة وخصائصها) واستفدت مما كتبته قديماً في كتابي (الإيمان والحياة).

أما عن سؤالك: هي يأتي الكم على حساب الكيف؟

فلم يكن همي في أي مرحلة من حياتي ولله الفضل والمنة العناية بـ (الكم) ولو على حساب (الكيف) أو بـ (الشكل) على حساب (الجوهر).

وفي كتابي (في فقه الأولويات) جعلت من الأولويات الأساسية التي يجب أن تراعى: (أولوية الكيف على الكم).

وفي كتابي الحالي الذي أعده عن ترشيد الصحوة الإسلامية المعاصرة والذي سميته (الصحوة الإسلامية من المراهقة إلى الرشد): فصل بل هو الفصل الأول بعنوان: (الصحوة من الشكل إلى الجوهر).

وهذا ما عنيت به طوال عمري التأليفي، والذين يعرفونني عن كثب، يعلمون أنني أتعب في إعداد ما أصنفه من كتب، وأتحرى وأدقق في إخراجها إلى حد سماه بعض إخواني بـ (الوسوسة) وقد يظل الكتاب عندي سنين طويلة، ولا أخرجه إلى الطباعة والنشر، لأنني غير راض عنه.

وعندي ملفات مفتوحة لبعض الكتب المستقبلية، من سنين طويلة، أضع فيها كل ما يصلح لها من أفكار وتأملات أدونها، ومن ثم نقول تخدمها.

وأنا أضع أمام القارئ آخر دفعة صدرت من كتبي خلال السنة الأخيرة لينظر فيها ويحكم بالقسط: أهي كم بلا كيف؟ أفيها أصيل وجديد أم لا؟ وهي:

  1. أمتنا بين قرنين.
  2. ثقافتنا بين الانفتاح والانغلاق.
  3. رعاية البيئة في شريعة الإسلام.
  4. الجزء الثالث من (فتاوى معاصرة).
  5. الجزء الرابع من (حتمية الحل الإسلامي) بعنوان (أعداء الحل الإسلامي).
  6. الإيمان بالقدر.
  7. حاجة البشرية إلى رسالتنا الحضارية.
  8. المسلمون والعولمة.

وقد تلقاها المسلمون بالقبول والثناء حتى إن دار الشروق ناشرة كتابي (أمتنا بين قرنين) و (ثقافتنا بين الانفتاح والانغلاق) أبلغتني أن المسلمين في إندونيسيا طلبوا الإذن بترجمة الكتابين إلى الإندونيسية ونشرهما هناك.

وأحسب أن الذين أثاروا قضية (الكم) لم يقرؤوا كتبي، ولكنهم استكثروا على رجل مثلي مشغول في المؤتمرات والندوات والبرامج الفضائية: أن يكون له مثل هذا الإنتاج الوفير.

وهو سؤال طالم وجه إليّ من قديم، في أكثر من بلد وأكثر من سائل: كيف استطعت أن تجمع بين المشاركة الملحوظة في أنشطة شتى وبين التأليف العمي الغزير، المعترف بها في أنحاء العالم، والذي ترجم معظمه إلى عدد من اللغات؟

وقد قلت لهم، وما زلت أقول:

أولاً: إن هذا من فضل الله عليّ، وتوفيقه لي، أن رزقني البركة في وقتي، ولا أقول إلا ما قال سيدنا شعيب (وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب) وما قاله الشاعر قديماً:
إذا لم يكن عون من الله للفتى
فأول ما يجني عليه اجتهاده
فهذا فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
وثانياً: أنني أعمل نحو خمس عشرة ساعة تقريباً يومياً، ولا أكاد آخذ لنفسي أجازة، لا في صيف ولا شتاء، وأكتب في كل مكان وفي كل حين وعلى أية حال.

أكتب في المطارات وأنا أنتظر الطائرة، وأكتب وأنا في الطائرة وأكتب وأنا في الفندق، كما أكتب أكثر ما أكتب في منزلي، أو في صومعتي.

وقد رآني أحد الأخوة الأصدقاء المعنيين بالفكر والثقافة يوماً في سفر من القاهرة إلى لندن، ووجدني منهمكاً في الكتابة، فلحظت عليه الدهشة والاستغراب وسألني، تكتب في الطائرة؟ قلت: نعم، عندي نحو أربع ساعات، هل أضيعها؟ قال: وكيف تكتب بلا مراجع؟

قلت: ليس كل ما يكتب يحتاج إلى مراجع، هناك من الكتابة ما هو (تأملات) مرجعها هو الفكر الإنساني، وهناك كتابة من (المخزون الثقافي) للكاتب، وما فيها من نصوص ونقول أكتبها من الذاكرة ولا تزال بحمد الله تسعفني ثم أوثقها بعد ذلك.

قال: وهذا ما لا يقدر عليه كل الناس، وهو سر الوفرة في إنتاجك، وهو من نعم الله تعالى عليك.

قلت: أقول: الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

وأتغنى بقول الشاعر:

لك الحمد مولانا على كل نعمة
ومن جملة النعماء: قولي (لك الحمد)
أما عن موضوع الغناء: فقد أشاع بعض الناس عني أني أبيح الغناء بإطلاق، فهذا محض افتراء، وما قلت ذلك قط، لا مشافهة ولا تحريراً.

ومن قرأ ما كتبته من قديم في كتابي (الحلال والحرام في الإسلام) أو ما كتبته في كتابي (فتاوى معاصرة) أو ما كتبته في فصل (اللهو والفنون) من كتابي (ملامح المجتمع الذي ننشده) وكذلك في رسالة (الإسلام والفن) من رسائل ترشيد الصحوة الإسلامية .. من قرأ ذلك كله، فسيرى بوضوح أنني لم أطلق الإباحة يوماً ما، بل قيدت الإباحة بقيود، وضبطتها بضوابط، من حيث الكم، ومن حيث الكيف، ومن حيث المضمون، ومن حيث الشكل والأداء، ومن حيث ما يصحب الغناء من أمور قد تنقله من الحل إلى الحرمة، ومن الجواز إلى المنع.

وبهذا أعلن أن الغناء بصورته التي يقدم بها اليوم في معظم التليفزيونات العربية والقنوات الفضائية، مما يصحبه من رقص وخلاعة وصور مثيرة لفتيات مائلات مميلات، كاسيات عاريات، أو عاريات غير كاسيات، أصبحت ملازمة للأغنية الحديثة .. الغناء بهذه الصورة قد غدا في عداد المحرمات بيقين، لا لذاته، ولكن لما يصحبه من هذه المثيرات والمضلات، فقد تحول الغناء من شيء يسمع إلى شيء يرى وبعبارة أخرى: تحول من غناء إلى رقص خليع.

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل

الفقير إلى الله تعالى


حسن البنا.. رائد النقد الذاتي


حسن البنا.. رائد النقد الذاتي

بقلم: الشيخ عصام تليمة

مقدمة:

الإمام حسن البنا

لقد دفعني للكتابة في هذا الموضوع، عدة أمور أجملها فيما يلي:

أولا: أننا للأسف معاشر الإسلاميين إلا ما رحم ربي نلقي دوما بالتبعة في الأخطاء على الغير، فإذا أخفقنا في عمل ما فلا شك أن عوامل خارجية ومخططات جهنمية هي التي أفشلتنا وألحقت بنا كل هزيمة وفشل، وأن كل إخفاق في عمل من أعمال الدنيا أو أعمال الدعوة فلا شك أننا مبرأون من التقصير فيه، ولكن أعداءنا أحكموا العوائق والموانع مما جعلنا نقف مكتوفي الأيدي أمام مخططاتهم، وهكذا تأتي الأعذار التي تبرئ الإنسان من التقصير والخلل، والتي ترفع المسؤولية عن الإخفاق أو النجاح.
ثانيا: إذا قمنا بعملية الوقوف مع التراث الإسلامي والنصوص الإسلامية نقف لنأخذ العبر والدرس، فكلنا يقرأ غزوة أحد، ويقرأ كل الغزوات وما فيها من قصص وعبر، ومراجعة للنفس، ما بين انتصاراتها وإخفاقاتها، ولكننا نقف عند هذا الحد، ولا نسقط ذلك كله على واقعنا المعيش، بمعنى: أننا نحفظ عن ظهر قلب النصوص الدالة على محاسبة النفس، ومراجعة الأعمال، ومستعدون لأن نلقي عشرات الخطب والمحاضرات في ذلك، ونسطر الكتب والبحوث وفقط، أما أن يتحول ذلك إلى واقع عملي ملموس في تفكيرنا وحياتنا فهيهات هيهات.
ثالثا: ادعاء البعض من رموز الحركة الإسلامية، بأن كل نقد ذاتي منشور، يعد صراخا وضجيجا ضد الحركة، وأنه يعوق مسيرتها، وأنه نشر لغسيلها، وأنه ليس مقبولا، وهو أمر أعتبره غير صحيح، بل هو ظاهرة صحية يجب المحافظة عليها، وتشجيعها، بدلا من تسرب ظاهرة النفاق الدعوي للحركة، وأن يعلن الناس خلاف ما يبطنون، أو أن يسكتوا على مضض على أوضاع لا يقبلونها، أو لا يتفهمونها.
رابعا: ما حدث سواء أنكر من أنكر، أو اعترف بشجاعة من اعترف ويحدث أحيانا من محاكم تفتيش دعوية للأسف، لأصحاب الفكر، وأرباب القلم، وبخاصة من يكتبون ناقدين لأوضاع معينة في الحركة، وبدل أن يرد عليهم بفكر مماثل، رحنا نستعير من السلطة الغاشمة: ثقافة قصف الأقلام، وتكميم الأفواه، لكنهم يكممونها باسم السلطة، ونحن نكممها باسم الله، ونقصفها باسم الحرص على الدعوة، وكأنها صارت ملكا شخصيا، وسيفا مسلطا على كل كاتب، والدعوة براء من كل كبت للتعبير عن الرأي.

وقد أردت بتناول هذا الجانب المهم في حياة رجل من أعظم رجالات الإسلام، العاملين به، والداعين إليه، إنه الإمام الشهيد حسن البنا، لنرى هذه المزاوجة بين النظرية والتطبيق في جانب حري بالدعاة والحركات الإسلامية أن تجعل له نصيبا كبيرا في عملها الدعوي، وفكرها وخططها، كما أن كثيرا من أهل الحركة لا يرضون بعد كتاب الله وسنة رسوله حكما إلا بتراث البنا، فمرحبا فهاهو الرجل الذي ارتضيناه وارتضيتموه، فلنتأمل معا واقعه الدعوي، وواقع من حوله آنذاك، وماذا كان موقفهم من النقد الذاتي، والنقد بوجه عام.

حسن البنا والنقد الذاتي:

كان حسن البنا دائم النقد لذاته، يراجعها وتراجعه، ولو لم يكن يجري مراجعة ذاتية، بينه وبين نفسه، وبينه وبين إخوانه، ليرى الخلل في جماعته أين هو؟ وماذا تحتاج في المرحلة المقبلة، ولماذا أخفق في كذا، ولماذا نجح، وكيف يتجنب الإخفاق السابق، وكيف يجعل الأمور تجري في جماعته مؤسسيا، لا فرديا، كل هذه المراجعات يلاحظها بجلاء من وقف على حياة حسن البنا موقف الراصد المحلل لكل مواقفه الفكرية والدعوية والسياسية على حد سواء.

النقد الذاتي عمل دعوي مؤسسي عند البنا:

لم يقف البنا بالنقد للذات أو للآخرين، عند حد الوعظ والإرشاد، بل دعا لذلك وجعل له منظومة عملية تسير فيه، فقد وضع البنا وسيلة للتربية لها مكانتها وبرامجها في جماعة الإخوان المسلمين، وهي (الأسرة) وجعل من الأمور التي من حقوق الأفراد على بعضهم بعضا: النصح والتسديد، والنقد البناء، وقد جعل لهذا البناء التربوي أركانا ثلاثة: التعارف، والتفاهم، والتكافل، فقال عن الركن الثاني منها:

التفاهم:

(وهو الركن الثاني من أركان هذا النظام، فاستقيموا على منهج الحق، وافعلوا ما أمركم الله به، واتركوا ما نهاكم عنه، وحاسبوا أنفسكم حسابا دقيقا على الطاعة والمعصية، ثم بعد ذلك لينصح كل منكم أخاه متى رأى فيه عيبا، وليقبل الأخ نصح أخيه بسرور وفرح، وليشكر له ذلك، وليحذر الناصح أن يتغير قلبه على أخيه المنصوح بمقدار شعرة، وليحذر أن يشعر بانتقاصه، أو بتفضيل نفسه عليه، ولكنه يتستر عليه شهرا كاملا، ولا يخبر بما لاحظه أحدا إلا رئيس الأسرة وحده إذا عجز عن الإصلاح، ثم لا يزال بعد ذلك على حبه لأخيه وتقديره إياه مودته له، حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.
وليحذر المنصوح من العناد والتصلب، وتغير القلب على أخيه الناصح قيد شعرة، فإن مرتبة الحب في الله هي أعلى المراتب، والنصيحة ركن الدين: (الدين النصيحة) والله يعصمكم من بعض، ويعزكم بطاعته، ويصرف عنا وعنكم كيد الشيطان).

صور من نقد البنا ذاته:

كان الأستاذ البنا كثير الوقوف بين نفسه وربه، يحاسب نفسه على ما قصرت، فقد كان له ورد محاسبة يحاسب فيه نفسه على ما قصرت فيه في جنب الله، بل وحث أفراد جماعته على ذلك، ولم يقف به الأمر عند حدود محاسبة نفسه ونقده لها، عند أمر العبادات الفردية التي يؤديها مع نفسه، أو العبادات الجماعية التي يؤديها أمام الناس، بل يشمل ذلك أيضا: نقده لحركته ومسيرته العلمية والدعوية بما ذلك مسيرة جماعته.

فكثيرا ما كان يكتب الإمام البنا رحمه الله مقالات يحاسب فيها نفسه وجماعته، ماذا قدمت؟ وفيم نجحت؟ وفيم أخفقت؟ وما المطلوب منها؟ وكل هذه وقفات لمحاسبة النفس، ففي مجلة النذير كتب الإمام البنا مقالا بعنوان (كشف الحساب.. ما علينا، ما لنا، ما يجب أن نفعله)

فبين ما عليهم كجماعة وكأمة أن يفعلوه ولم ينجحوا بعد في أداء هذه المهمة، من ذلك: وجود المستعمر في بلاد المسلمين، ومن ذلك: وجود العصاة بينهم بكثرة، وبخاصة الشهوانيين منهم والإباحيين من المسلمين، والذين ذهبوا إلى نشر الإلحاد في مصر وفي كثير من الدول العربية والإسلامية.

ومن ذلك: وجود المبشرين والمنصرين في البلاد الإسلامية، وبين الإمام البنا تقصيرهم في أداء واجبهم نحو هذه الأمور. وبين في بقية مقاله ما يجب عليهم عمله تجاه هذا التقصير في هذه الواجبات.

وكتب كذلك بعدها بعام في (مجلة التعارف) بمناسبة حلول شهر المحرم، وبداية عام هجري جديد، كتب مقالا بعنوان: (عامان في الميزان.. عام مضى، وعام في ضمير الغيب) وقد خاطب فيها نفسه والإخوان المؤمنين معه بدعوته، بهذه الأسئلة ليوجهوها لأنفسهم في نهاية هذا العام الهجري، فقال:

(أيها الإخوان: إن الخطوة الأولى من خطواتنا: صلاح النفس، فهل اطمأننا على صلاح أنفسنا؟ أنفسكم أولا أيها الإخوان، إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا.
فحاسبوا أنفسكم لتعلموا أين هي من التمس بمبادئ الحق والقوة والإسلام.
هل أنت مؤد للفرائض كاملة؟ هل أنت بعيد عن المعصية؟
هل تحب الخير وتعمله؟ ماذا قمت من أنواع الخير لنفسك أو للناس؟ هل أنت مستعد للعمل في سبيل فكرتك فجسمك صحيح، وفكرك صحيح، ووجدانك طاهر سليم؟ هل حاولت أن تبث فكرتك في المحيط الذي يتصل بك؟ وهل آمن بدعوتك إليها أحد أو أكثر من أصدقائك؟
بمثل هذه الأسئلة يجب أن يحاسب الأخ المسلم نفسه أولا، حتى يتأكد أين هو من طريق الإخوان.
ثم المجتمع بعد ذلك، وهذه ليست مهمتكم وحدكم، ولكنها مهمة المكتب العام ومهمة الهيئات الإدارية للإخوان قبل أن تكون مهمة الأفراد.
ماذا قدمت هيئة الإخوان من الخير لمن يحيط بها من الناس؟ وكم فردا أقنعتهم بالدعوة، وثقفتهم بمبادئها وتعاليمها؟ وكم مشروعا من مشروعات الخير نجح على يديها؟ وبمثل هذه الأسئلة نريد أن تزن هيئات الإخوان وسائل جهادها ونواحي عملها.
ثم النظام العام بعد ذلك كله، وهذه مهمتنا مجتمعين، ومعنا كل مسلم يؤمن بالله ورسوله فعلينا أن نسأل أنفسنا دائما في التغيرات الجديدة التي حدثت في نظام حياتنا العام فقربنا بها أو بعدنا عما رسمه الإسلام، فإن رأينا أننا نقترب ولو قربا ضئيلا فهو النجاح بعينه، وإن رأينا أننا نحرف انحرافا يسيرا فهو الإخفاق بعينه.
وعلينا إذن ألا يبعث النجاح في أنفسنا القناعة والخمود فإن الطريق طويلة والمسالك متشعبة، وألا يبعث الإخفاق في أنفسنا اليأس والقنوط فإن رحمة الله قريب من المحسنين، بل واجبنا دائما أن نستمد من النجاح قوة تدفعنا إلى الأمام، ومن الإخفاق درسا يدعونا إلى مضاعفة الجهود، هذا هو المقياس الذي أحببت أن أضعه بين أيديكم أيها الإخوان في عامكم الجديد لتظلوا دائما إلى الأمام).

نقده الضعف العلمي في الإخوان:

فقد لاحظ الأستاذ البنا الضعف العلمي الذي أصاب الجماعة في نهاية الأربعينيات، ومن باب نقده الذاتي للجماعة، وبعد كثير من الشكاوى من بعض العاملين في الصف الإخواني، راح يعالج هذا الخلل عمليا، فأنشأ (مجلة الشهاب) الذي وضع لها الأستاذ البنا منهجية للكتابة يبرز منها:
أنه قصد إلى علاج هذا النقص العلمي، فقد جعل لها أبوابا علمية ثابتة، كباب التفسير، وبدأ بمقدمة في علوم القرآن، ثم بتفسير سورة الفاتحة، ثم بدأ يفسر سورة البقرة، ثم يلي باب التفسير باب الحديث، وقد عهد به إلى والده الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا (الساعاتي) الذي بدأ بأحاديث في باب الجهاد، ثم يليه باب مصطلح الحديث، ويليه باب عن النظام الاجتماعي الإسلامي، وهكذا كانت تسير المجلة على هذه الخطى. فهو بذلك ينقد ثقافة الإخوان، ويعالج ما يراه من ضعف علمي في الجوانب الشرعية والثقافية.

نقده العنف غير المبرر من التنظيم الخاص :

من ذلك أيضا: نقده رحمه الله لسلوك التنظيم الخاص في آخر أيامه، بعد انتشار حوادث القتل والعنف، فقال رحمه الله فيما نقله عنه الشيخ الغزالي: لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ولرجعت بالجماعة إلى أيام المأثورات.
يريد بذلك أنه يتمنى أن يعود بالجماعة إلى أيام التربية الروحية، والتربية التي ينبغي أن تسبق حمل السلاح جيدا، وقد رتب البنا مراتب القوة من قبل التي ينبغي أن تسير بها الدعوة، فقال: قوة العقيدة، وقوة الأخوة، وقوة الساعد والسلاح، فقد جعل قوة الساعد والسلاح آخر مرتبة، فإن سبقت مرحلة من المراحل أدت إلى خلل ومشكلات لا يعلم مداها إلا الله، وما ذكره الشيخ الغزالي رحمه الله من نقد البنا لذاته وجماعته في مسألة التنظيم الخاص والجنوح بالقوة واستخدامها في غير ما هو مراد منها، هو نفس ما نقله عنه كريم ثابت عن الإمام البنا، وكريم ثابت من رجال القصر الملكي على عهد الملك فاروق، يقول عن هذه الأحداث:
(اتصل بي الأستاذ مصطفى أمين أحد صاحبي دار (أخبار اليوم) في ذات يوم وكنا في منتصف شهر ديسمبر سنة 1948م وقال لي: إنه رتب اجتماعا بيني وبين الشيخ حسن البنا المرشد العام للإخوان المسلمين في مساء الغد.
وفي الساعة السابعة من مساء اليوم التالي التقيت بالشيخ حسن البنا عند مصطفى أمين في داره بالروضة وكانت هذه أول مرة أجتمع فيها بالمرشد العام للإخوان المسلمين.
وكان النقراشي قد أصدر أمره العسكري بحل جمعية الإخوان المسلمين وفروعها بالأقاليم، ومصادرة أموالها، وأخذ في تنفيذ التدابير التي يقتضيها هذه الإجراءات، وامتدت موجة الاعتقالات بين المنتمين إلى الجماعة.
وطفق الشيخ حسن يحدثني عن قسوة تلك التدابير واتساع نطاقها، وأفاض الشكوى منها.
ثم استطرد يقول: إن انحراف الإخوان المسلمين إلى الاشتغال بالسياسة كان خطأ كبيرا، وإنه كان أحرى بهم أن يتجنبوها، وأن يصونوا أنفسهم عن الانزلاق في معمعانها، وأن يقصروا رسالتهم على خدمة الدين، ويصرفوا جهودهم في الدعوة إلى مكارم الأخلاق والهداية إلى آداب الإسلام، وهو الأصل في تكوين الجماعة).

وهذه الوقفة النقدية كي لا يشكك أحد فيها، لم ترد فقط عن الشيخ الغزالي، وكريم ثابت، بل وردت على لسان محب الدين الخطيب في مقال كامل له، ووردت في مذكرات الشيخ أبو الحسن الندوي نقلا عمن سمعها رأسا من البنا، بل نقل الشيخ عبد المعز عبد الستار حفظه الله: أن الأستاذ عبد الحليم أبو شقة مؤلف كتاب (تحرير المرأة في عصر الرسالة) ذهب وشكا للأستاذ البنا الضعف العلمي والروحي للتنظيم الخاص، وأنه صار قوة بدنية، بلا قوة شرعية ولا روحية، وأن هذا ينذر بخطر شديد.

كتابات نقدية للإخوان:

بل في عهد البنا، أفسح البنا المجال الواسع للنقد الذاتي للجماعة، فقام الدكتور عبد العزيز كامل، مسؤول قسم الأسر آنذاك، بالطواف على شعب الإخوان، ومناطقهم في أغلب محافظات مصر، أو مديريات مصر حسب تسميتها آنذاك ورصد الخلل التربوي لديها، والعيوب التي لاحظها، وراح يكتب سلسلة مقالات وصلت إلى أكثر من ثلاثين مقالا، بعنوان: حديث إلى الإخوان العاملين، وهي سلسلة منشورة في مجلة الإخوان المسلمون النصف شهرية، ولعل الله يقيض لها باحثا يقوم بجمعها وتحقيقها ونشرها لأهميتها.

بل قام د. محمد فتحي عثمان حفظه الله، بكتابة مقالات نقدية ذاتية، وقد كان أوكل إليه الأستاذ البنا مسؤولية صفحة من صفحات مجلة الإخوان النصف شهرية، فكتب مقالا ينقد فيه بعض عيوب في قسم الطلبة، وقد كان مسؤولا عنه آنذاك الأستاذ فريد عبد الخالق (الدكتور الآن)؛وكتب المقال بعنوان (إلى الطلبة) وكتب تحته: بعد إذن الأستاذ فريد عبد الخالق.

وعندما كتب الدكتور عبد العزيز كامل مقالا بعنوان: (مهندسو السطوح ومهندسو القاع) يمجد فيه رجال التنظيم الخاص بأنهم مهندسو القاع، والعمق، ولهم أهمية كبيرة، تفوق أهمية مهندسي السطوح، ويشير بمهندسي السطوح إلى عموم الإخوان في الدعوة، فقام ورد عليه محمد فتحي عثمان، بمقال مطول في مجلة الإخوان أيضا.

إذن تاريخ حسن البنا، وأدبياته العامة والخاصة، ومجلاته وصحفه، مملوءة بصفحات من النقد الذاتي لا حصر لها، وهو ما يؤكد ما ذهبنا إليه: أن النقد الذاتي عند حسن البنا كان عملا مؤسسيا، وكان عملا رسميا معلنا معترفا به، ومرحبا بمن يقوم به.



حسن البنا..هل كان يضيق بنقد الآخرين له؟


حسن البنا..هل كان يضيق بنقد الآخرين له؟

بقلم: عصام تليمة

مقدمة:

الإمام حسن البنا

تكلمت في مقالي السابق عن حسن البنا ونقد الذات، وبينت فيه كيف كان حسن البنا ينقد ذاته، وينقد جماعته، محاولا بذلك سد الخلل الذي يراه في بنائها الثقافي والتنظيمي والخلقي، واليوم أتناول جانبا آخر من النقد عند حسن البنا، وهو مدى قبوله بنقد الآخرين له، هل كان يضيق بالنقد وبخاصة المعلن منه على صفحات الجرائد والمجلات، أم كان يرحب به؟

لقد كان حسن البنا من أرحب الناس صدرا بالنقد والنصح، وفي كثير من الأحيان يأتيه النقد من العلماء والدعاة، وهذا هو الغالب في النقد بصفة عامة، غير أن الإمام البنا لجأ إلى أسلوب جديد في النقد، فدعا قراء مجلاته إلى نقده، وإلى نقد المواد التي تقدم في المجلة، فعندما تولى رئاسة تحرير مجلة المنار خلفا للعلامة الشيخ محمد رشيد رضا، كتب يقول:

الدعوة إلى انتقاد المنار

إننا ندعو جميع من يطلع على المنار من أهل العلم والرأي: أن يكتبوا إلينا بما يرون فيه من الخطأ في المسائل العلمية أو ما ينافي مصلحة الأمة، ونَعِد المنتقدين بنشر كل ما يرسل إلينا من نقد مع بيان رأينا فيه، بشرط: أن يكون النقد مختصرًا، مؤيدًا بالدليل، نزيه العبارة.

ونرجو عامة القراء: أن يطالبوا كل من يسمعون منه انتقادًا للمنار بكتابته وإرساله إلينا لنشره، وإلا أضاع الفائدة على نفسه وعلى الناس، وكان نقده عقيما لا نتيجة له، وهو ما لا يرضاه لنفسه محبٌّ للمصلحة العامة، ونسأل الله أن يوفقنا جميعًا لخير ما يحب ويرضى.(1)

ولم يكن حسن البنا رحمه الله ممن يدعون للنقد، أو يدَّعون سعة الأفق، ورحابة الصدر، ثم عند نقدهم يضيقون ذرعا بما قيل عنهم، أو بمن نقدهم، بل كان رحمه الله نموذجا في تقبل النقد، مرحبا بكل درجات النقد، سواء كان نقدا بناءا أو غير بناء، مشتملا على أدب الخلاف، أم عار عنها.

وعند تتبعي لكَمِّ الكتابات النقدية التي وجهت للبنا في حياته، أراها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: نقد علمي رقيق، ونقد لاذع حاد، ونقد ساخر متهكم، وسوف أتناول كل هذه الألوان من النقد، مع ذكر نماذج منها، وموقف البنا من هذه الألوان من النقد جميعا.

(1) النقد العلمي الرقيق

أول هذه الألوان: هو النقد العلمي الرقيق، الذي يعتمد في الأساس على لغة لا تجريح فيها ولا سباب، بل عمادها: النصح في الله، والأدب في أداء النصح، وقد كان هذا هو غالب النقد الموجه للبنا إلا القليل مما يندرج تحت القسمين الآخرين، وقد كانت شخصية البنا بطبيعتها تجبر كل مخالف على احترامه وإن بدأ ناقده بعنف وحدة سرعان ما انقلب نقده إلى نقد علمي رقيق، نظرا لأن البنا لم يكن يقابل إساءة الناقدين بالإساءة، بل كان يأسرهم بلطفه وخلقه وأدبه، ومن هذا اللون أذكر اثنين من نقاده من العلماء، وهما: الشيخ محمد الحامد العالم السوري المعروف رحمه الله، والآخر: الشيخ محمود عبد الوهاب فايد رحمه الله.

الشيخ محمد الحامد ونقده للبنا:

كتب الشيخ محمد الحامد الحموي عدة مقالات ينقد فيها كُتَّاب مجلة (الإخوان المسلمون) النصف شهرية، ثم الأسبوعية فيما بعد، ونشر الأستاذ البنا نقد الشيخ محمد الحامد، وقدم نقده بهذه التقدمة: (للأخ الشيخ محمد الحامد الحموي نظرات شرعية في بعض ما نشر وينشر في أعداد مجلة الإخوان، أحببنا أن نطالع بها القراء في هذه الصفحة تباعًا، تجلية للحقيقة، وعرضا لمختلف النظرات، والحقيقة بنت البحث كما يقولون).

إلى أن وصل الأمر بالشيخ الحامد أن أرسل في إحدى المرات بورقة فيها بضع عشر نقدا لأشياء علمية أخذها على الأستاذ البنا، وبكل شجاعة أدبية وحرص على الاعتراف بالخطأ وقف الإمام البنا في (حديث الثلاثاء) يعترف بما أخطأ فيه، ويرد ما لم يقتنع به، بل يرد بأسلوبه المشتمل على النكتة والطرفة المعهود في حسن البنا؛

فكان من ذلك: أن الشيخ الحامد أخذ على الأستاذ البنا أنه وهو في جلسة التشهد في الصلاة يهتز، وهو شيء لا إرادي اعتاد عليه المصريون الذين حفظوا القرآن في الكتاتيب، واعتاد عليه الأزهريون كذلك، فهو شيء لا إرادي، وقد فعله البنا سجية وهو لا يدري؛

فقال البنا مازحا: والله يا شيخ محمد (أي الحامد) أنت حيرتني معك، فأنا حاولت ألا أهتز كما نصحتني، فحدث لي شيء من اللخبطة وعدم الخشوع والتركيز، وإن خشعت اهتززت بلا إرادة مني، وإن مَثَلي ومثلك: كمن قال لرجل طويل اللحية: يا عم الشيخ وأنت نائم أين تضع لحيتك؟ أسفل اللحاف (الغطاء) أم فوقه؟! والرجل كان ينام ولا يفكر في ذلك، فلما نبهه صديقه بالسؤال، ظل الرجل لفترة قبل نومه يفكر، أين لحيته: هل هي تحت الغطاء أم فوقه؟ مما ضيع النوم من عينه!!

وظل الإمام البنا يفسح صدره لنقد الشيخ الحامد، حتى وصلت سلسلة نقد الحامد لمجلة (الإخوان) والبنا إلى ست مقالات متتابعات، مما حدا بالبنا أن يجعل عنوان هذه الصفحة بـ (صفحة النقد)، وبعد بضع شهور فوجئ قراء مجلة (الإخوان المسلمون) بآخر مقال للشيخ الحامد في (صفحة النقد)، وقد صدرها البنا بهذه التقدمة التوديعية الرائعة، فكتب البنا يقول:

(كنا نود لو بقي صاحبها (أي صفحة النقد) الفاضل بيننا يسعدنا بروحه الزكية، وينقلنا بسمته الهادئ، وآرائه المحافظة إلى عصر السلف الصالح من العلماء العاملين، ولكنه آثر السفر إلى سوريا، وغادر أهلا لا يقلون حبًّا له، وإجلالا عن أهله الأقربين، الذين سافر إليهم، جمعنا الله وإياه على خير ما يرضيه). (2)

نقد الشيخ محمود عبد الوهاب فايد للإمام البنا:

وممن نقدوا الأستاذ البنا وكان من طلبة الأزهر آنذاك: الشيخ محمود عبد الوهاب فايد رحمه الله، وهو من علماء الأزهر والجمعية الشرعية، وكان دائم الحضور للإمام البنا في حديث الثلاثاء، إلا أن الإمام البنا تحدث عن الملائكة فقال: (الملائكة خلق من خلق الله تعالى يتشكلون بأشكال شريفة كالإنس ونحوهم، ولا يخرجون عن طاعة الله تعالى، ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. وقال بعض العلماء: إنهم خلق من نور، وهو قول يعوزه الدليل).(3)

وقد كتب الشيخ فايد ردا على ما ذكره الأستاذ البنا، فقال: (قديما قال أرسطو: أفلاطون صديقي والحق صديقي، ولكن الحق أصدق منه. طالعت محاضرة فضيلة الشيخ حسن البنا في العدد السابع من المجلة فلاحظت عليها ملاحظات عابرة:

أولا:عقب فضيلة المرشد على قول بعض العلماء في الملائكة أنهم خلق من نور بقوله: "وهو قول يعوزه الدليل".
ثانيا:تحدث عن علم الملائكة فقال: "وأما علم الملك فبالتلقي من لدن الحكيم الخبير".
ثالثا:استشهد على خاصية الإنسان وخاصية الملائكة فقال: (وعلم آدم الأسماء كلها) البقرة: 31 فيها خاصية العلم للإنسان، وقوله تعالى: (قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا) البقرة: 32 فيها خاصية الملائكة وهي التلقي.

ونبدي رأينا فيما ذكره فضيلة المرشد موجزين فنقول بصدد ملاحظتنا الأولى: قام الدليل على أن الملائكة خلقت من نور، فقد ورد في صحيح مسلم رضي الله عنه قال: عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم" أ هـ ص 451 ج 10 هامش القسطلاني.

وبمقابلة الأنواع الثلاثة بعضها لبعض يتضح أنه أراد أصل خلقة الملائكة. وحديث مسلم حديث صحيح لا يدفعه ما ورد في بعض الآثار، إما لعدم المساواة وإما لعدم المنافاة. وقد شرح العراقي هذا الحديث بما يتمشى معنا كما في (طرح التثريب) ص 277 ج 8. ونص ابن حزم في (المحلى) على هذا فقال ص 13 ج1 بصدد الملائكة: "خلقوا كلهم من نور، وخلق آدم من ماء وتراب، وخلق الجان من نار". ثم ذكر حديث مسلم بسنده إليه.

وقد رد الأستاذ البنا على نقد الشيخ محمود عبد الوهاب فايد فقال:

"إلى حضرة الأخ في الله تبارك وتعالى فضيلة الشيخ أحمد عاشور حفظه الله تعالى، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد: فقد اطلعت على ملاحظة الأخ العزيز السيد محمود عبد الوهاب فايد التي بعث بها إليكم حول محاضرتي الملخصة في (الاعتصام) الغراء، وإني أبادر بشكر الأخ على أدبه وأسلوبه الكريم، وأشكر لكم حسن ظنكم بأخيكم، وإسعاده بعرض هذه الملاحظات عليه.
ثم أقفي بعد ذلك بالثناء على فضل الأخ وعلمه، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم على العين والرأس (فالملائكة من نور) ونفوض حقيقة النور الذي أشار إليه الحديث الشريف إلى الله تبارك وتعالى، وهو به أعلم، وجزى الله تعالى الأخ عنا خير الجزاء.
ولم أُرِدْ بما قررت من أن خاصية الملائكة التلقي نفي الاختيار، ولكن نفي التوهم والخيال الذي هو للإنسان أساس الابتكار، والذي كثيرا ما يؤدي إلى الخطأ والعثار، فإن يكن هذا القصد صحيحا فمن الله تعالى وله الفضل والمنة، وإن يكن غير ذلك فمن نفسي، وما أبرئ نفسي، ونحن فيما أرى بعد ذلك الإيضاح متفقان.
وأسأل الله تعالى لي ولكم وللأخ العزيز تمام التوفيق والسداد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. في غرة ذي الحجة سنة 1366هـ).(4)

وقد كان الشيخ فايد رحمه الله يحكي هذا الموقف للعلماء وطلبة العلم، ويباهي به وبسعة صدر الإمام البنا رحمه الله، ويحكي هذا الموقف ومواقف أخرى خالف فيها الأستاذ البنا ونقده علميا، حتى أصبح هناك تعارف بينه وبين البنا، فكان إذا أتى الشيخ فايد مجالس البنا يداعبه قائلا بين الإخوان والحضور: إذا جاء الشيخ فايد جاء بالفوايد.

(2) نقد الآخرين المشتمل على الحِدَّة

ومن النقد المشتمل على الحدة والطعن في البنا ومنهجه: نقد جماعة (شباب محمد)، وقد كانوا من الإخوان ثم انشقوا عليها، يحكي الأستاذ عمر التلمساني عن رد فعل البنا تجاه هذا النقد الحاد، بل الانشقاق العنيف، فيقول: ويوم أن انشق بعض الإخوان، وخرجوا من الجماعة، وسموا أنفسهم شباب محمد، لم يثر عليهم، ولم يقاطعهم، ولم يوزع عليهم الشبهات، ولم يؤلب أحدا عليهم، ولكن تصرف معهم التصرف الذي لا يتصرفه سواه في مثل هذا الموقف.

اتخذ شباب محمد له مقرا، وأعد دفاتر للاشتراك في صفوفه. فكان الإيصال الأول (نمرة 1) باسم حسن البنا، ليؤكد لهم أن موقفهم هذا لم يزعجه، وأنه يتمنى لكل عامل في حقل الدعوة الإسلامية أن يوفقه الله لكل ما يحب ويرضى. وما دام هو واثق من نفسه، فلماذا لا يتصرف وهو على بينة من نتائج هذا التصرف؟؟ إنه التصرف المناسب، تعالى على الصغائر والمهاترات. واكتسب احترام الذين انشقوا عليه، لأنه لم يبدأهم بهجوم ولا ملام.(5)

(3) النقد الساخر المتهكم:

واللون الثالث من ألوان النقد الذي وجه للبنا، هو النقد المشتمل على السخرية والتهكم، ومع ذلك كان يتقبله البنا بصدر رحب، ويرد على صاحبه بخلق حسن، فمن ذلك على سبيل المثال: أن البنا كتب يفسر قوله تعالى: (الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون) الرعد:2.

فاستدل على تفسير الآية والتأمل فيها، بعبارات من كتاب نهج البلاغة.(6) رغم أن البنا كتب هامشا يعقب فيه على نقله من نهج البلاغة، وحول نسبة الكتاب للإمام علي أم للشريف الرضي فقال: (في نسبة ما جاء في نهج البلاغة لعلي رضي الله عنه الخلاف المعروف بين الأدباء وسواء أكان القول من كلام علي رضي الله عنه أم من كلام الشريف فمعناه من حيث تعظيم الله وحسن الثناء عليه رائع بديع).

فكتب أحد القراء معقبا بسخرية وتهكم على الأستاذ البنا:

(وملاحظة أخرى في العدد الأخير نحب أن تبينوا لنا حقيقتها وهو ما نسبتموه لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه في باب التفسير، ذلك الكلام العجيب الذي لا يشبه في أسلوبه ولا معانيه ما تواتر إلينا من كلامه رضي الله تعالى عنه ففي أي ديوان من دواوين السنة المعتبرة عند المسلمين وجدتم هذا الخبر؟ أفيدونا رحمكم الله، وإن لم يوجد في شيء منها، فهل ترون أن أمثال هذه (الحواديت) التي ملئت بها بعض الكتب المجهولة الأصل مثل (نهج البلاغة) وغيره تصلح للاحتجاج ولتقرير عقيدة إسلامية؟! وإني وإن كانت بيني وبين فضيلتكم معرفة، إلا أني أحب أن أكون إلى حين مستترا والسلام عليكم ورحمة الله).

فأجاب البنا على هذا النقد المتهكم قائلا:

(وثالثهما: استنكار ما نسبناه لأمير المؤمنين علي كرم الله وجهه في باب التفسير والتهكم عليه بهذا الأسلوب اللاذع، فغفر الله للكاتب سَوْرَةَ قلمه وعفا عنا وعنه، ونحب له أن يروض قلمه دائما على غير هذا الأسلوب فهو أعف وأبر، ولو أن حضرته التفت إلى أننا إنما سقنا هذا الكلام للبيان والاستئناس لا للاحتجاج والاستدلال وهذه واحدة، ونسبناه إلى نهج البلاغة ولم ننسبه إلى الإمام كرم الله وجهه وهذه الثانية، وعلقنا في حاشية المقال بما يستفاد منه أن نسبة هذا الكتاب موضع خلاف بين الأدباء وهذه الثالثة، لو أن حضرته ألتفت إلى هذه النواحي الثلاث لأعفى نفسه وأعفانا من هذا التعليق القاسي الذي لا مبرر له).(7)

هذه حالات ثلاث للنقد الموجه لحسن البنا، وكيف كان تقبله للنقد فيها، مؤثرا الاستفادة منها، على اتهام الناقدين، أو البحث عن نياتهم، أو عن تصنيفهم، بل تقبل النقد بأريحية وسعة صدر كبير، وهو كما نرى حالات نقد علنية، منشورة في صحف ومجالات سيارة.


للمزيد من كتابات الشيخ عصام تليمة

مقالات بقلم الشيخ عصام تليمة

تابع مقالات بقلم الشيخ عصام تليمة

.

وصلات فيديو