صلاح حسن

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
صلاح حسن .. شهيد الإخوان فى فلسطين

إعداد: موقع إخوان ويكي (ويكيبيديا الإخوان المسلمين)

توطئة

صلاح حسن من أعلام الإخوان المسلمين فى مصر الذين رووا بدمائهم أرض فلسطين الحبيبة ، نشأ فى أسرة تربت على الجهاد فى سبيل الله وعشق الشهادة ، فلم يكن شهيدنا صلاح حسن الوحيد من أسرته الذين قدموا أنفسهم للجهاد بأرواحهم الغالية فداء لفلسطين الحبيبة ، فكان أخوه (محمود حسن) من الإخوان المسلمين أيضا الذين جاهدوا فى فلسطين، يقول الأستاذ حسن دوح عن إحدى المعارك فى القناة : " ولما كانت المنطقة حساسة بالنسبة للعدو فقد حشدنا لها مجموعة كبيرة من أكفأ الإخوان الذين كانت لهم خبرة سابقة في حرب فلسطين ... أذكر منهم محمود شقيق صلاح حسن الذي استشهد في فلسطين ".

أولا : حياته مع الإخوان المسلمين

كان الشهيد صلاح حسن من إخوان السيدة زينب ، ولد سنة 1343هـ 1925م ، ارتبط بالإخوان منذ شبابه ودراسته الثانوية ، فكان يحضر دروس الإمام الشهيد حسن البنا ، وتربى على حب الجهاد والتضحية والعطاء ، كان من الطلاب المتفوقين وجاءت رغبته للدراسة فى كلية الهندسة ، لكن شاءت الأقدار أن يتحول إلى التربية الرياضية، ويروى الأستاذ محمد مهدي عاكف ذلك بقوله :

" عندما ذهبنا لمقابلة الأستاذ البنا ظلَّ يستعرض معنا نشاط الإخوان والشعب عامةً، وقال لي: ليس لنا أخ في معهد التربية الرياضية العالي، فأخذتُ هذه الكلمة وذهبت لكلية الهندسة فوجدت الشهيد صلاح حسن الذي استشهد في معركة الكرامة الشهيرة .. وكان من إخوان السيدة زينب، فعرضتُ عليه أن نذهب لمعهد التربية الرياضية فوافقني .."

ومن هذه اللحظة تحول صلاح حسن من كلية الهندسة إلى التربية الرياضية ليكون معلما ومدربا فى معسكرات الجهاد . .. إنه خلق ليكون مربيا ومقاتلا .. مربيا للأجيال على منهج الكتاب والسنة بأسلوب تفرد به، فقد كان يرى أن الطالب في صغره إلى الثانية عشرة من عمره ينبغي أن يتفرغ لدراسة الأصول الحية للإسلام، ولا تقحم عليه أساليب العربية الزاحفة من الغرب أو الشرق .. أما حبه للجهاد في سبيل الله فقد كان أقوى في نفسه من كل شيء ..

وليس أكثر برهانا من حبه للجهاد والشهادة أنه كان يمنى أبناءه بمكافأة كبيرة لهم عندما يحققون أمنيته بالتفوق فى دراستهم .. وهى الجهاد فى أرض فلسطين حتى تتحقق له الشهادة فى سبيل الله .

ما أغربها من جائزة ؟!!

درس صلاح حسن فى معهد التربية العالي ولم ينس دوره الجهادى ، فكان يدرب الشباب فى معسكرات الجهاد للجهاد فى القناة ، يقول عنه المستشار عبد الله العقيل : " عرفته بمصر أثناء الدراسة الجامعية، فعرفت فيه الرجولة والصلابة، والفداء والتضحية، والعزم والثبات، فقد كان من القلائل الذين فقهوا الإسلام جهاداً، وبذلاً، وصبراً، وعبادةً، ودعوةً، وخلقاً، وحباً، وأخوةً وإيثاراً.

كان يدرس في «معهد التربية العالي» ويشارك في تدريب الشباب المسلم والطلبة الجامعيين على الرياضة البدنية والتدريب العنيف الذي يصنع الرجال، ويحارب الميوعة لدى الشباب، فكان معلماً، ومربياً، وداعية، ومجاهداً، أحبه زملاؤه وتلامذته وإخوانه، فكان مثال الأخ المسلم في الخلق الفاضل، والأدب الجمّ والتواضع ولين الجانب."

ثانيا : حياته الدعوية والجهادية

لقد آن الأوان بعد تخرجه أن يبذل ويضحى ويستمر فى البذل والتضحية حتى يتم له الشهادة فى سبيل الله التى عاش من أجلها ، ليعطى القدوة لكثير من الشباب الذين يعيشون من أجل أهداف دنيوية تنتهي بحياتهم .

ومن مواطن جهاده

تدريب الشباب فى المعسكرات الفدائية

يقول حسن دوح :

" إن الرياضة وسيلة لغاية .. وتأسيسا على هذه النظرية حمل صلاح عضلاته التي فتلها في معهد التربية العالي بعد أن تخرج منه سنة 1952، واندفع بكل قواه ليدرب طلبة الجامعة الأزهرية وطلبة جامعة عين شمس على التكتيك العنيف .. ونجح صلاح في أول خطوة إيجابية استغل فيها كفاءته واستعداده .."
لقد أسهم في تدريب طلبة الجامعة بالأزهر، وعين شمس، وغرس فيهم روح الجهاد والتضحية في سبيل الله والمستضعفين، والدفاع عن أرض الكنانة بمحاربة الإنجليز في منطقة قناة السويس سنة 1951م.

جهوده الدعوية فى جنوب السودان

وحين قام الانقلاب العسكري سنة 1952م، غادر صلاح حسن أرض الكنانة بعد أن اجتاحتها نذر الشر، وعواصف الطغيان، مهاجراً إلى جنوب السودان للدعوة ، وفى جنوب السودان كثرت الإرساليات التبشيرية لأبناء المسلمين ، فكان لابد للمسلمين من محاولة لإنقاذ المسلمين هناك ، فكان الفارس صلاح حسن الذى حمل على عاتقه مهمة العمل الدعوى فى هذه المنطقة ، يقول حسن دوح : " وانطوت الصفحة الأولى من حياة صلاح عام 1952 ..

وكانت الثانية في ميدان جديد عليه .. فقد ذهب إلى جنوب السودان في "جوبا" وعمل مبشرا (داعيا) لدينه ودعوته .. وفي قلب الأحراش جلس صلاح معلما ومربيا واستطاع أن يسهم في سد الطريق أمام التبشير الأوروبي الزاحف ..

وتختنق السودان .. وتضيق الحياة هناك بصلاح .. فيخرج منها وكله أسى لأنه ترك ميدانا شاغرا لا يملأه أحد .. وولى وجهه شطر الشمال فوجد باب النيل مسدودا في وجهه .. فقرر ترك أفريقيا لحين وولى شطره شطر الصحراء، وظل يكافح ويجاهد متصدياً لحملات التبشير الصليبي، المزودة بالإمكانات الضخمة، والدعم الدولي والإسناد المالي، حتى ضاق به المبشرون، فأغروا عملاءهم من أصحاب السلطة بإخراجه من السودان بكاملها ، لا من الجنوب وحده .

فى الكويت

توجَّه إلى الكويت بعد خروجه من السودان ، ليعمل فيها مدرّساً للتربية البدنية في ثانوية الشويخ، التي هي مجال اختصاصه، ثم تفرّغ للعمل الحر الذي يكسب منه رزقه ويمارس من خلاله دعوته في حرية وانطلاق.

يقول المستشار عبد الله العقيل :

ولقد سعدنا به في الكويت كثيراً بعد هذه الغربة في السودان الشقيق، وكانت لنا معه جلسات وحوارات، وأحاديث ومساجلات، تدور كلها عن وضع المسلمين في العالم، وحاجة الأمة الإسلامية إلى إحياء روح الجهاد، الذي هو ذروة سنام الإسلام، وشعار عزته
وكان رحمه الله يكرر القول بأن مصائب العالم الإسلامي في القديم والحديث إنما هي من جرثومة الفساد اليهودي الذي حارب الإسلام منذ البعثة النبوية وما زال يسعى ليل نهار لئلا تقوم للإسلام قائمة أو يعود المسلمون إلى دينهم، ويقول: إن العلاج الوحيد لحسم مادة الشر هو التصدي لرأس الأفعى، ففي القضاء عليها شفاء لصدور المؤمنين.

نصيحته لعبد الناصر أثناء العدوان الثلاثي

ولم يقتصر الجهاد فى الميدان ، بل كان جهاده أيضا بالنصح والإرشاد ، وبالرغم من محاربة عبد الناصر للإخوان إلا أنه عندما تعرضت مصر للعدوان الثلاثي سنة 1956 لم يمنع ذلك صلاح حسن من إسداء النصح لجمال عبد الناصر لعله يدرك الموقف ويحسن التصرف فى تلك المواقف الحرجة .

ومن خلال البرقية التي أرسلها لجمال عبد الناصر أثناء العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956 ندرك مدى تفهم صلاح للقضية التي يدافع عنها .. قال في برقيته: "إن هدف اليهود من الاعتداء هو الاستيلاء على شرم الشيخ وفتح طريق العقبة للاتصال بأفريقيا" ويعلق على ذلك حسن دوح بقوله:وأظن واحدا منا لا ينكر الآن مدى بعد نظرة صلاح بعد أن تكشفت الأمور ..

ثالثا : الجهاد والشهادة فى فلسطين

عملياته الجهادية فى فلسطين

لم يركن صلاح حسن إلى الحياة فى الكويت ، فما لهذا خُلق ، ولا فى حياة الراحة والدعة يرغب ، ولم يكن العيش فى الكويت على رحابته بغيته .

لذا فإنه أراد أن يمضى قدما إلى قلاع العدو الرابضة فوق فلسطين الحبيبة ،وكان ميدان فلسطين أحب إليه من غيره .. وقد بدأ عمله في الميدان بدراسة قضية فلسطين من جميع جوانبها .. ثم قام بدراسة أرض المعركة والإلمام بكل الظروف المحيطة بها .. وحتى يكون ظهره سليما أشبع أهله وولده الرغبة في الجهاد وحب الاستشهاد .. حتى إنه كان يمني أولاده بالذهاب لميدان العمليات إذا نجحوا في المدرسة .. وقد بر بوعده لأولاده وزوجته ...

وقد جرت الأحداث سريعا بعد احتلال فلسطين عام 1948، وظن العدو أن الأمور استقرت له ، لكن الإخوان أعادوا ترتيب الصفوف لجهاد دائم للعدو،وأصبح إخوان الضفة الغربية جزءا من تنظيم الإخوان في الأردن.. وأصبح إخوان غزة على ارتباط مع الإخوان في مصر.

و بعد حرب عام 1967.. وتصاعد العمل الفدائي في الأردن.. اتخذ المكتب التنفيذي للإخوان المسلمين في البلاد العربية قرارا بإحداث معسكر في الأردن تحت مظلة فتح يقوم الإخوان فيه بتدريب عناصرهم والمشاركة في الجهاد على أرض فلسطين.

انضمت عناصر قليلة نسيا للمعسكر ،كان أكثرهم من إخوان سوريا وقليل منهم من إخوان الأردن والسودان واليمن والكويت..

كان قائد المعسكر الشهيد أبو عمرو صلاح حسن.. من قادة الإخوان وهو من خيرة شبابهم .

ولقد استطاع بنشاطه وحيويته وروحانيته، أن يحرك الخمول الذي ران على قلوب الإخوان من خلال سنين المحن والانغلاق، وإذا بمعسكر الشيوخ (كما كانوا يسمونه) يعيد الحيوية لشباب الإخوان.. وإذا بهؤلاء الشباب يسجلون مـن جـديد علامات فارقة في عمليات مميزة أحس العدو لسعها وعمق تأثيرها.. ذكرته بعمليات إخوانهم من قبل في النقب والخليل وصور باهر عام 1948م.

لقد خطط (صلاح حسن) وإخوانه أبو أسامة وأبو خليل وغيرهم من المجاهدين المرابطين قبالة اليهود للقيام بعملية جهادية ضد اليهود تكون في نفس اليوم الذي هُزمت فيه الحكومات العربية عام 1967م (أي يوم 5/6) وبالفعل كان يوم 5/6/1970م موعد العملية الجهادية حيث دمّر المجاهدون دبابات للعدو كانت مرابطة في مستعمرة «كفار روبين» في سهل بيسان.

خرج صلاح على رأس قوة من زملائه يتحسسون الطريق إلى مستعمرة "كفار روبين" وتمكنوا من تركيز أسلحتهم في مواجهة عدة مراكز، وبدأ القصف على المستعمرة وعلى مدينة بيسان .. وكانت ضربات ناجحة أصابت أهدافها .. وحرصا على الاستفادة من العملية، وتضليلا للعدو أطلق نيران في عدة اتجاهات مما أثار الذعر في كل مكان فجن جنون اليهود .. ونجحت العملية وكبدت العدو خسائر.

ثم استأنف الجهاد بإعداد عمليات متتالية مباغتة للعدو ، وكانت العملية هذه المرة بالصواريخ ، وأطلق عليها (عملية سيد قطب) ضد دورية من عدة دبابات صهيونية ، ورتب الخطة وأشرف على المكان وزرع الصواريخ التي سيطلقها بالكهرباء، وأثناء العملية وجه وصيته الأخيرة التى تعتبر درسا ساميا رائعا للمجاهدين ، وهى عدم الانشغال بغير الجهاد وهم فى الميدان ..

وصية أودعها صدور أبنائنا .. قال لزملائه الذين كانوا يعدون للمعركة .. وقد تشاغل بعضهم بسبب الزعماء الذين قبلوا مستسلمين مشروع روجرز ... قال لهم : "كفوا عن هذا وركزوا أذهانكم في العدو والمعركة، واشغلوا أنفسكم بذكر الله" .. فتعجب بعض زملائه من نصيحته .. فقال لهم .. "هل يجوز أن نلتفت وسط الصلاة لنسب هذا الزعيم أو ذاك ثم نستأنف صلاتنا، هكذا الجهاد إنه أسمى من أن يتدلني إلى ذكر هذا أو ذاك ...".

وبعد ذلك كان على موعد مع الشهادة ، إذ كمن له اليهود قرب الشارع ودارت بينهم معركة سقط فيها أبو عمرو شهيدا واستشهد معه محمود البرقاوي، وزهير فيشو (من حماه) ، ومن الموافقات العجيبة أن تاريخ الشهادة كان في نفس اليوم الذي استشهد فيه سيد قطب أغسطس (آب) سنة (1970م).

استشهاده

يروى حسن دوح أنه كان رحمه الله يتوقع الشهادة، بل لقد رأى في المنام ما يشعر بدنو أجله وأنه سيرزق الشهادة فحَدَّثَ إخوانه:

(رأيت في المنام أني أركب قطاراً ويقود هذا القطار الشهيد سيد قطب رحمه الله) فأوّلها هو وإخوانه بأنه سيرزق الشهادة ولقد اتخذه الله شهيداً في ذكرى اليوم الذي رزق الله الشهيد سيد قطب الشهادة» انتهى.
وفى العملية الأخيرة التى أطلق عليها عملية سيد قطب كان على موعد مع الشهادة التى كان يتمناها ، ويروى حسن دوح قصة استشهاده عن واحد ممن حضروا معه الموقعة ، يقول : وهذه قصة استشهاده يرويها أحد رفاقه في ميدان الجهاد:
«الظلام دامس.. والأصوات هادئة بل معدومة، بعدما ترك معظم السكان قراهم فهي خاوية لم تسكن من بعدهم.
واخترقنا هذه القرى المهجورة وخرجنا إلى الحقول والمراعي والبساتين، والركب الصغير يغذ السير إلى هدفه، ووصلنا بعد حوالي ساعتين من السير الحثيث إلى شاطئ النهر.
وتوقفنا عن السير فترة قصيرة حوالي نصف ساعة إلى أن ارتاحت قليلاً الأجسام المنهكة من ثقل ما حملت.
كان لساننا دائماً يلهج بالاستغفار والذكر.
وكانت تخطر دائماً على أفكارنا كثير من الآيات وصيغ الاستغفار.
وتدور حول أذهاننا وفي عقولنا أشرطة معينة لمواقف معينة، منها ما يضحك ومنها ما يبكي، ومنها ما يملأ النفس حماسة ومنها ييئس.. وهكذا أشياء لا ندري كيف تخطر على ذهن الإنسان في ثوان معدودة دون رابط بينها؛ ولكنها تشبه شريطاً من الأخبار الخاصة تعرض على ذهنك وكأن لا شأن لك بها.
بدأنا في حذر شديد في ترتيب عبور النهر، وأخذنا وضعاً مناسباً للقتال، تحسباً لأي مفاجأة، وقامت مجموعة صغيرة بعبور النهر والتمركز في الضفة الأخرى، ثم بعد قليل بدأت المجموعة الأخرى في العبور وهكذا إلى أن انتهينا جميعاً من العبور، ثم أخذنا نقطع النهر ذهاباً وإياباً إلى أن قمنا بنقل كل المعدات وبدأنا في الاستعداد، ولكنا شعرنا أن الوقت قد غلبنا ولم يبق على الفجر إلا القليل.
ومع بعض الحسابات الخفيفة أدركنا أنه من الصعب أن يسعفنا الوقت في عمل كل التجهيزات، فقررنا تأجيل موعد التنفيذ لليوم الثاني وكان لا بد من العودة قبل طلوع النهار.
قمنا بعبور النهر إلى الضفة الشرقية واسترحنا قليلاً بعد أن أرسلنا أحدنا لإخبار مجموعة (التغطية) بتأجيل العملية لليوم الثاني؛ وأثناء الانتظار ألَحّ النوم على جفوننا، وكنت ضمن مجموعة كتب الله الشهادة لمعظم أفرادها.

وقعت عيناي على أبي عمرو (أي الشهيد صلاح) وهو يغط في نوم عميق وكأنه ينام في بيته.

وظللت أنقل عيني بين رجلين: زهير سعدو وصلاح حسن، وهما يغطان في النوم وعيناي تراقبان الطريق.
وما لبث أن عاد محمود برقاوي يخبرنا بنبأ التقائه بمجموعة التغطية وإبلاغها بتأجيل العملية.
وبدأنا السير في طريق العودة، لم نتكلم كثيراً.
لم نكن نعرف أن أبواب الجنة قد فتحت استعداداً لاستقبال شهداء سوف ينتقلون بعد لحظات، وأننا كلما قطعنا خطوة إلى الأمام، قطعنا خطوة إلى الجنة.
ووقفت أنادي محمود البرقاوي الذي كان سريعاً في خطوه: يا محمود لا تسرع حتى لا تختفي عن أعيننا في الظلام الحالك.
وللمرة الثانية حدث أن توقفنا وتكرر النداء لمحمود أن يبطئ في سيره.
وبدأ محمود يبطئ فعلاً في سيره.
ولكن كانت مرحلة الصعـود (أي صعـود الشهـداء) قد بـدأت، وكـان أبو عمرو يسير خلفي وكذلك شرحبيل (زهير سعدو)، وانتقلت من جانب الطريق الأيمن إلى الجانب الأيسر حتى أظلّ ملاحقاً لمحمود أثناء سيره.
وفجأة رأيت ناراً حامية تخرج من الأرض باتجاه محمود برقاوي وذلك من بعد حوالي خمسة عشر متراً وتابعت النار الحامية وهي تصيب محموداً وأدركت في الحال أن محموداً كان أول الصاعدين.. وهوى الجسد الطاهر على الأرض وصعدت الروح الكريمة إلى بارئها.. هوت المادة إلى المادة أصلها، وصعد السر الذي هو من علم ربه إلى خالقه.. وظلت المدافع تقصف في اتجاه محمود قصفاً عنيفاً متواصلاً.
وأخذنا وضع الاستعداد للالتحام.
ولم يخطر ببالنا أن إخلاء الأهالي لقراهم يمكن أن يغري اليهود بالتعمق إلى هذا الحد داخل أرض الضفة الشرقية وكأنها بلا صاحب.

فصحت بأعلى صوتي: انتبه.. ماذا تفعل؟

وذلك ظناً مني أنها مجموعة من الفدائيين حسبتنا يهوداً ففتحت نيرانها علينا؛ ولكن بضع كلمات عبرية بلغت آذاننا جعلتنا ندرك الوضع تماماً.. إنه كمين يهودي وإنه لا يقل عن فصيلة كاملة.
واستطاعت القوة اليهودية أن تطوق موقع انسحاب صلاح ورجاله، وأغرقت المنطقة، بالقنابل الشديدة الانفجار والرشاشات .. وتنفذ أول رصاصة إلى قلب "أبو جندل" ويمضي إلى ربه شهيدا، وتنفذ الثانية إلى "أبو عمر – صلاح حسن" ويصاب "شرحبيل" إصابة قاتلة ..
ولكن بقية من أنفاس تمكنهما من تتبع العدو الذي كان يحاول حمل قتلاه وجرحاه إلى الضفة الغربية .. فتضغط الأصابع المنهكة على الزناد فيباركها الله وتندفع منها طلقات إلى العدو الغافل فتصرع الكثير منهم: "وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى".
ولكن من أدرى اليهود أننا سوف نعود من هذا الطريق؟ هل هي (إخبارية) واستطاعت القوة اليهودية أن تطوق موقع انسحاب صلاح ورجاله، وأغرقت المنطقة، بالقنابل الشديدة الانفجار والرشاشات .. وتنفذ أول رصاصة إلى قلب "أبو جندل" ويمضي إلى ربه شهيدا، وتنفذ الثانية إلى "أبو عمر صلاح حسن" ويصاب "شرحبيل" إصابة قاتلة ..
ولكن بقية من أنفاس تمكنهما من تتبع العدو الذي كان يحاول حمل قتلاه وجرحاه إلى الضفة الغربية .. فتضغط الأصابع المنهكة على الزناد فيباركها الله وتندفع منها طلقات إلى العدو الغافل فتصرع الكثير منهم: "وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى".
هل المسألة صدفة؟ لا نستطيع الجزم وإن كانت الشواهد تنبئ أن لليهود في هذه المنطقة بعض العيون التي تنبئهم بالتحركات في المنطقة.. ظللت حوالي ثلاث دقائق وأنا أراقب الموقف للتصرف حسب التقدير السليم.
نظرت خلفي نظرة خاطفة فوجدت أبا عمرو قد جلس القرفصاء وأخذ وضع الاستعداد.
ولم نحاول الالتحام أو الرد حتى نخفي مواقعنا، ونخفي أيضاً عددنا بفضل الظلام الدامس.
وظلّ اليهود يضربون على غير هدى.
وقررنا الانتقال من أماكننا إلى أماكن أكثر أمناً.
ومع الانتقال بدأت القنابل اليهودية تنهال علينا من اليهود.
كل هذا ونحن ساكتون تماماً.
ثم بدأ اليهود إرسال طلقات كاشفة من مدفع هاون لمحاولة معرفة مكاننا، وأثناء انتقال أبي عمرو وزهير سعدو من مكان إلى مكان أصيب أحدهما في قدمه ووقف الآخر لمساعدته وظلا في أماكنهما إلى أن أراد اليهود أن يأخذوهما فأمسك كل منهما بسلاحه وكانت مواجهة عنيفة بين المجاهدين وبين اليهود.
وكانت كارثة مفاجئة لليهود فقد سقط في الحال أكثر من ثلاثة عشر قتيلاً غير الجرحى، مما حمل اليهود على الانسحاب بسرعة، هذا مقابل استشهاد البطلين صلاح حسن وزهير سعدو، وحين توجه المجاهدون لحمل جثث الشهداء الثلاثة وجدوا جثة الشهيد صلاح حسن قد مثِّل بها تمثيلاً شنيعاً، فقد فُقئتْ عيناه واخترقت عشرات الطلقات جسمه الطاهر، بعد أن قتل من اليهود أكثر من اثني عشر جندياً، وكان شقيقه (أبو خليل) معه في نفس المعركة، ولكنه نجا من الموت.
وقد تمكنا مساءً من سحب الجثث حيث دفن الشهيد محمود برقاوي في بلدة النواجع في الأردن ودفن زهير سعدو في حماة في سوريا ودفن أبو عمرو في أرض الكويت» انتهى.
ويأبى الله إلا أن يضم صلاح وشرحبيل إلى أحبائه الشهداء .. فتنزف جراحهما ما تبقى في قلبيهما الطاهرين ويتمدد الجسدان على الأرض الطيبة، وقد حملت كتف صلاح راس زميله الشهيد شرحبيل .. وناما في سلام وأمن وحب بعد أن أديا أروع رسالة على أحسن وجه وأكرم صورة .

يقول حسن دوح : وهذا صلاح حسن شهيد مصري مغترب لم تطأ قدمه أرض بلاده منذ ستة عشر عاماً يستشهد في فلسطين على مشارف (كفار روبين) ويدفن في مقابر الكويت في أغسطس سنة 1970م فسبحانك ربي.

وقد وقف ابن الشهيد عمرو صلاح حسن وعمره اثنا عشر عاماً فوق كثيب من الرمال تتساقط دموعه وهو يودع أباه الشهيد.
وألقى المستشار عبد الله العقيل كلمة وهو مستند إلى سيارة مستشفى الصباح التي حملت جثمان الشهيد إلى المقبرة وفي كلمته يحكي ما رآه الشهيد في المنام قبل استشهاده من أنه كان يركب قطاراً كان يقوده الشهيد سيد قطب ورأى أخاه محمود حسن متعلقاً في إحدى عرباته فكانت هذه الرؤيا بشارة له بالشهادة التي نالها.
وألقى الأستاذ علي الحسن ممثل فتح كلمة بالمقبرة وكذلك تكلم الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق وكذا شقيق الشهيد الأخ محمود حسن ألقى كلمة قال فيها: إنني شاركت في حرب فلسطين سنة1948م وحرب قناة السويس سنة 1951م وفي نفس المعركة مع شقيقي ولكن الله أكرم أخي بالشهادة ولازلت انتظر» انتهى.
وكان استشهاده فى أغسطس (آب) سنة (1970م) عن خمسة وأربعين سنة ، وعاد صلاح إلى مهجره في الكويت تحف به قلوب إخوانه وأحبابه وتلامذته ليدفن فى الكويت .

أثر استشهاده على أسرته

يقول حسن دوح : ويقف "عمرو" بن صلاح صامتا يحاول أن يغالب دمع على أبيه .. إن أباه قد أوصاه بأن يخلفه في أداء رسالته .. ويقوم مقامه ويتذكر أول درس تلقاه من والده الصبر والثبات والتحمل فالطريق طويل وشاق .. ويقف تلامذة صلاح وحوله يستذكرون دروسه ووصاياه ..

وكانت زوجة الشهيد قد رافقته في رحلته الأخيرة، وأنزلها في مكان قريب من المعسكر .. فلما سمعت باستشهاده، قالت: "هذا ما كنت أتوقعه .. فلقد رأى في منامه قبل استشهاده بأيام أنه يصعد فوق مئذنة عالية يتوجها نور ساطع يملأ السماء كلها .. فلما قص علي رؤياه علمت أن الله سوف يختاره شهيدا".

رابعا : جوانب إبداعه

رواية ثمانون عاماً بحثاً عن مخرج

لم يكن صلاح حسن مجاهدا فى ميدان القتال أو معلما للأجيال فحسب ، بل كان أيضا أديبا مبدعا ، أسهم بالتأليف لروايته الشهيرة : ( ثمانون عاماً بحثاً عن مخرج)، تقديم زين العابدين الركابي ، نشرت بدار العلوم للنشر والثقافة بالأردن ، 2002م .

الشهيد صلاح حسن روائي و معلّمٌ ومربّ، وداعية، حاول في هذه الرواية أن يغرس قيم الإسلام ومبادئه وأخلاقه في نفوس الأجيال الجديدة المتوالدة في بيئات عربية مسلمة اجتاحتها شياطين الغزاة بمبادئهم الدخيلة، لتطمس على قلوبهم، فينحرفوا ذات اليمين وذات الشمال، فاقدي الهويّة، تائهين ضائعين، لا يكادون يهتدون سبيلاً أقيمت على جوانبه المعالم والصُّوى.

وتدور رواية "ثمانون عاماً بحثاً عن مخرج" للشهيد صلاح حسن حول حكاية مجموعة من الأصدقاء الصغار الذين يقتحمون بفضولهم المعرفي ظروفاً ومواقف عصيبة، تكشف عن آليات التعامل السلبية والإيجابية التي يقومون بها، مما ينتج الإدراك بالصواب والخطأ، ويمنح المتلقي أكثر من حالة إنسانية تستحق التأمل والاستفادة التربوية منها.

وعندما تُقارن الرواية مع غيرها من الأعمال الأدبية نجدها أكثر قدرة على إيصال هدفها التربوي السامي في تكوين الطفل المسلم، ففيها منهج متكامل للتربية السليمة يهدف إلى زرع معاني القوة الإيمانية في نفوس المؤمنين.

دراسة أكاديمية عن رواية :" ثمانون عاماً بحثاً عن مخرج "

وقد ناقشت الباحثة أماني أحمد غنيم رسالة ماجستير في قسم أصول التربية بالجامعة الإسلامية، وجاءت دراستها بعنوان "المضامين التربوية في رواية ثمانون عاماً بحثاً عن مخرج"، وذلك من خلال الإجابة عن التساؤلات عن دور أدب الأطفال في غرس القيم التربوية الإسلامية في نفوس الأطفال، والمفاهيم التي يمكن استنباطها من خلال الرواية، والقيم التربوية التي ارتكز عليها فكر كاتب الرواية الشهيد صلاح حسن، والأساليب التربوية التي استخدمها فيها.

وقد أسفرت الدراسة عن عدة نتائج من أهمها أن أدب الأطفال ينقل للطفل القيم الثقافية عن مجتمعه والحقائق الموروثة من الأجيال السابقة، وهو وسيلة هامة لغرس القيم والأخلاقيات المرجوة في الأطفال لأنه مادة محببة لديهم.

وقد توصلت الباحثة إلى عديد من المفاهيم التربوية المتضمنة في الرواية، منها: العبادة، والتوبة، والمصيبة...، فهي تهدف إلى تنمية الوازع الديني والأخلاقي عند الأطفال.

وتم الكشف عن العديد من القيم التربوية منها: الصدق، والرفق بالحيوان.

وهدفت هذه القيم إلى ضبط تصرفات الأطفال وتوجيهها توجيها إيجابياً.

كما عرضت الرواية بعض الأساليب التربوية التي لها تأثير قوي على الأطفال لأنها تستغل مهاراتهم وقدراتهم ونقاط التأثير فيهم، منها: أسلوب الموعظة الحسنة، والنصح، والقدوة الحسنة.

خامسا : الشهيد صلاح حسن فى عيون معاصريه

يقول حسن دوح فى : " شهداء على الطريق :

"صلاح المعلم .. والمقاتل ..
لم يكن صلاح حسن فردا عاديا من الذين يعدون في الأمم بأيدي الأخصائيين .. كأن آلافا من الرجال اجتمعت في رجل واحد .. كان جامعة كبيرة للمعرفة .. كان معلما وداعيا، ورياضيا، وصحفيا، ومقاتلا .. وأبا يملأ حياة بيته حبا وخيرا وحنانا ..
والغريب في حياة صلاح أنه استطاع أن يحقق نجاحا في كل ميدان طرقه .. حتى إنني عجبت وأنا أقرأ له بحثا اقتصاديا ممتعا يحاجج فيه الدكتور محمود أبو السعود .. وعجبت أكثر لما فاتحني في مشروع إنشاء مجلة للأطفال .. وكان يحمل بين يديه مجموعة قصص الأطفال ..
وعلمت أنه استطاع أن يصور أفلاما سينمائية تربوية .. والأمر الذي لم أستغربه هو أنه، وفي سن الثانية والأربعين بدأ يخوض معارك عنيفة ضد الصهيونية، فتاريخه وتاريخ أسرته يشهدان له أمام الله والناس بأنه نشأ بطلا شجاعا مقداما لا يهاب الموت ...
لقد فهم صلاح المعنى الأصيل للرياضة .. فهي ليست وسيلة لملء العضلات، واستعراض الأكتاف .. وحمل الكؤوس الفضية، وتسجيل الانتصارات ..
إن صلاح أخذ الرياضة من مأخذها السليم .. إنها وسيلة وليست غاية .. إن الجسم الصحيح يستطيع أن يخدم العقل والقلب .. ويعين الضعفاء ويأخذ بيد المحرومين ويضرب على يد المحرومين ..

ويذكر المستشار عبد الله العقيل جُملا من أقوال معاصريه عنه ، فيقول  :

يقول الأخ د. محمد أبو فارس في كتابه (كتاب شهداء فلسطين):

«... إن شهيدنا صلاح حسن كاتب معروف له أكثر من كتاب في القصة والسيرة والتربية، وهو واسع الاطلاع، متين الثقافة، سيّال القلم، خصب الفكر، ذو قدرة على الإِبداع، وكان محبوباً عند إخوانه من المجاهدين، وكل من يتعرف عليه من الناس لتواضعه ومرحه وحلمه وصدق إيمانه، وكان يتنافس مع أخيه أبي خليل في الجهاد والاستشهاد، حيث قال له: «لئن سبقتني إلى الجهاد فسأسبقك إلى الشهادة والجنة».

و يقول الشقيق الأصغر للشهيد وهو ماجد حسن:

«... لقد أخرجتنا يا أخي من طبيعة الطين التي خلقنا منها والتي ظلت تأسرنا سنين طويلة فنتثاقل في الأرض ويقعدنا عن الجهاد أرزاقنا.. أهلونا.. أبناؤنا.. أزواجنا.. كانت ظلمة ظللنا نتخبط فيها.. ونحن نجتر ألفاظ الجهاد دون أن نحولها إلى عمل فإذا بك يا صلاح تصفعنا جميعاً وتخرج بنا من أسر وذل الرزق والأهل والأبناء والأزواج وتسبقنا للقاء الله فهنيئاً لك فوزك في ذلك السبق إلى الله.
وطوبى لمن لحقك على الدرب وهنيئاً لمن أخلص وعاهد الرحمن في صدق» انتهى.

وقد رثاه الشاعر محيي الدين عطية بهذه الأبيات:

صَمُوتٌ عَلى وَجْهه بَسْمَةٌ

تُحدِّثُ قَارئها بالخَبَرْ

وفي خَطْوهِ عَزْمة الواثِقين

وفي صَدْرهِ هَمَسَاتُ وَتَرْ

وَفِي العَيْن طْيفٌ شَفيفٌ عَمِيقٌ

وَشَوْقٌ لِعَالَمِه المُنتَظرْ

ذَرَفْنَا عَلى قَبْرهِ دَمْعَةً

وَعُدْنَا نَجُرُّ بَقَايَا العُمُرْ

فَكنَّا نَسِيرُ كَألفِ رُفاة

تُشيِّعُ حَيَّاً حَبَاهُ القدَرْ

تُرَى هَل سَنَمْضِي عَلى حَالِنا

تُحَاصِرُنَا سُخْرِيات أُخَرْ؟

تَدقُّ الحَوَادثُ أبوابَنَا

ونَغْمسُ آذَانَنَا فِي الدُثُرْ

وتَلْوي المَصَائِبُ أعْنَاقَنَا

فَيَخْبُوْ مَعَ الدَّمْعِ ومْضُ الشَّرَرْ

سادسا : المراجع

  1. حسن دوح ... شهداء على الطريق ، نسخة الكترونية على موقع إخوان ويكي ، مكتبة الدعوة .
  2. المستشار عبد الله العقيل :المجاهد الشهيد صلاح حسن (أبو عمرو) ، موقعه الشخصي .
  3. إخوان أون لاين : الأستاذ عاكف يفتح دفتر 80 عاما بتاريخ 3/8/ 2011 .
  4. د/ جابر قميحة : الشهادة ... وحل الإخوان : موقع رابطة أدباء الشام .
  5. عبد الله الطنطاوي : عرض كتاب (كتاب ثمانون عاماً بحثاً عن مخرج ) للشهيد صلاح حسن ،موقع رابطة أبناء الشام.
  6. موقع شبكة الإعلام العربية :دراسة أكاديمية عن رواية "ثمانون عاماً بحثاً عن مخرج .
  7. موقع الشبكة الدعوية : حركة الإخوان المسلمين في فلسطين .
  8. موقع الكتلة الإسلامية فى جامعة بيرزيت : جهاد الحركة الإسلامية سنة (1969- 1970م) .