شىء عن منهج التلسمانى فى العمل الاسلامى

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
شىء عن منهج التلسمانى فى العمل الاسلامى

لا ازعم لنفسى انى اؤرخ للاستاذ عمر التلمساني الداعية الاسلامى المعروف الذى فقدناه فى هذه الكلمه القصيره وانما هى لمحات سريعه اعرضهها هنا فى مناسبة ذكرى رحيله عن عالمنا الصاخب المثقل بهموم الناس وزخم الجور والفساد.

والرجل الذى عرفته مصر و دول اخرى فى المنطقه وخارجها فى السنوات الاخيره خلال العقد الثامن وحتى منتصف العقد التاسع الميلادى مرشدا عاما للإخوان المسلمين رغم عدم تمتع الجماعه باعتراف رسمى او قانونى لدى السلطه الحاكمه يعرفه الإخوان منذ الثلاثينيات كأحد رواد حركة الاخوان فى مرحلة النشأه فى عهد الإمام الشهيد حسن البنا منشا الجماعه لقد كان عضوا فى الهيئه التأسيسيه وعضوا فى مكتب الإرشاد.

كما كان كذلك فى المرحله التاليه من عمر الجماعه التى قاد مسيرتها الاستاذ حسن الهضيبي عقب استشهاد سلفه وعاصرت حركة الجيش فى يوليو 1952 وواجهة حملات التنكيل الوحشيه التى انزلها جمال عبد الناصر بالجماعه وراح ضحيتها عشرات الشهداء, وكان لعمر التلمسانى دوره فى الدفاع عن الجماعه والثبات فى مواجهة طغيان الحاكم وتحمل عقوبه الاشغال الشاقه المؤبده فى السجون مرفوع الرأس ,قوى الايمان, ثابت الجنان لم تفارقه عذوبة كلماته وسماحة نفسه.

و عندما اطلق الرئيس السادات صراح الاف المعتقليين للاول توليه الرئاسه وانهى المحكوم عليهم بالاشغال والسجن المؤبد, استرد الإخوان بعض نشاطهم الاسلامى فى اوائل السبعينيات, وجاء دور التلمسانى فى قيادة الجماعه عقب وفاة الاستاذ الهضيبي -رحمه -الله بقليل.

وكان التيار الاسلامى اول ما عرف بالصحوه الاسلاميه فى الطريق الى الظهور على المسرح السياسى والشارع السياسى فى مصر كما واكبه ظهور مماثل فى كثير من شعوب الدول العربيه والاسلاميه وكثير من الدول الاوروبيه والولايات الامريكيه كذلك.

وكانت الحقبه القصيره التى عاشها التلمسانى مرشدا عامل للجماعه كافيه لان يحرز نجاحا ملحوظا فى قيادته لحركة الإخوان المسلمين وهى تمر بمرحله بالغه الدقه مشحونه بكثير من المصاعب, سواء بالنسبه للاعادة ترتبي البيت من الداخل, او بالنسبه لتحديد ملامح العمل لاسلامى الذى يميز الجماعه عن غيرها من الجماعات والفصائل التى ازدحمت يها الساحه وتعددت اسماؤها واختلفت افكارها ومناهجها واشتهر بعضها بالفكر المتطرف, او بالنسبه لمواجهة عمليات التشويه المدبره من قبل قوى دوليه معاديه للاسلام, ومن تخطيط المخابرات الخارجيه المعروفه, لتصوير الاسلاميين عامة والاخوان المسلمين خاصة بأنهم ارهابيون متعصبون رجعيون يتعين على السلطات الحاكمه ان تخطط وتعمل على تصفيتهم و تعويق حركاتهم بكافة الوسائل.

فى هذا المناخ المضطرب وفوق هذه الارض الملغومه, وتحت هذه الضغوط الخانقه كان على عمر التلمسانى ان يقود الجماعه وان يحاول جاهدا على السير بسفينتها فى البحر اللجى نحو شاطىء الامان املا فى الوصول بالجماعه الى الشرعيه القانونيه التى توفر لها الفرص المشروعه لممارسة نشاطها المشروع لنشر الدعوه الاسلاميه والاسهام فى بذل الجهود المخلصه من ابنائها للاعادة بناء المجتمع المسلم وحل مشكلاته ى مختلف المجالات فى ضوء الإسلام كما كان عليه ان يحاول المضى بالجماعه فى استكمال بنائها الداخلى على اساس من الشورى, واحترام قانونها الاساسى, ووحدة القلوب والصف فى ظروف غير ملائمه وغير مواتيه .

كما كان عليه ان يفتح امام نشاط الجماعه باب اعمل السياسى الدستورى متمثلا فى دخول البرلمان وتم له ذلك بالتعاون مع حزب الوفد الجديد و توفرت بينه وبين السياسى المجرب فؤاد سراج الدين زعيم الوفد ثقه متبادله, وربما يكون أعان على ذلك فرصة اللقاء غير المقصودة التى حققها اجتماع زعماء مصر وقيادتها من المسلمين و الاقباط فى اعتقال السادات لهم فى سبتمبر 1981, و كذلك فرصة اللقاء بين القيادات السياسيه فى سجون عبد الناصر و من قبل, ورب ضارة نافعه, وما اكثر ما تسهم احداث طارئه فى صناعة الغد المجهول.

و الرجل مخضرم, وله سابقة معروفه فى العمل السياسى الاسلامى منذ بداية انضمامه للإخوان المسلمين وما تلاها من احداث ضخمه خاضتها الجماعه فى الابعينات فى مواجهة استبداد القصر, ومحاربة الاحزاب السياسيه لها, وتامر الانجليز والحكام ضدها, وفى مقاومة الاحتلال البريطانى فوق ارض القنال, وفى حركة الجهاد الاسلامى ضد اليهود فى فلسطين, ثم فى مواجهة مخططات الرئيس عبد الناصر لاحتواء الجماعه ومحاولة ضربها من الداخل , و فى مواجهة ضرباته الضارية التى انزلها بها فى السجون والمعتقلات من قتل وتعذيب وتشريد.

وهو ذكى , واسع الصدر والحيله, له القدره على المناوره السياسيه والصبر على مخالفيه فى الرأى والحركه حتى من داخل الصف او خارجه , وله اضطلاع واسع فى الفقه والتاريخ والادب بالاضافه الى انه رجل قانون اشتغل بالمحاماه فتره طويله من عمره, فهو ذواق للكلمه الفكهه , واللغه الفصحى , وكل ذلك يلفه خلق سمح وتواضع جم ولين دون ان يكون شىء منها على حساب دينه وكرامة الدعوه والجماعه.

ولا اجدنى فى هذا مغاليا او متحيزا للجل الذى عايشته منذ ايام امامنا حسن البنا ومن تلاه _رحمهم الله_, فجمعنا فهم عميق مشترك للهدف والوسيله, وحب وثيق فى الله فى فترات العافيه والمحن على السواء, وتعاون فى البدايه والنهايه معا فى مكتب الارشاد فى نشاطات الجماعه وعملها السياسى والاجتماعى والقانونى, لا اجدنى كذلك حين اشهد له_ شهادة حى على تاريخ انقضى_ انه كان قائدا مهيئا لحمل الامانه فى فتره بالغه الحرج و الصعوبه, وانه نجح فى اداء مهمته قدر ما فى وسعه ووفق اجتهاده فيما له فيه حق الاجتهاد بوصفه مرشدا, ولا يزال كثيرا من قيادات مصر السياسيه والفكريه والدينيه يذكرونه بالخير و يذكرون له دوره الفعال فى معالجة ازمات حاده ومشكلات قوميه عرفتها البلاد أبان حياته من منطلق ايمانه الراسخ, و عقله الراجح, و فقهه الواسع, واريحته الجمه, وادبه الجم.

ولا شك ان التلمسانى اتخذ لنفسه وجماعته منهج عمل واضح المعالم فى موجهة الظروف التى مرت بالبلاد وبالدعوه اثناء فتره قيادته للإخوان.

ولعل من المفيد ان الخصه هنا- فى ايجاز وموضوعيه- من خلال محاور ثلاثه ارى انه قد التزمها, وان كلا منها- يخدم الاخر- توصلا للهدف النهائى الذى كان يبتغياه وهو فى حكمه لما شمل الجماعه ما امكن والعم لعلى عودة حقها القانونى لها فى العمل العام واسهام الجماعه فى تحقيق الصالح العام لمصر وللمنطقه العربيه والدول الاسلاميه, وخدمة قضايا الاسلام الكبرى المتمثله فى قضية فلسطين وقضيه المجاهدين فىافغانستان, وحقن دماء المسلمين فى العراق و ايران, ووحدة لبناته, والقرن الافريقى والسودان, وغيرها من قضايا الاسلام الساخنه المعاصره.

أما المحور الاول: فإنه كان يركز على التزام المشروعيه القانونيه فى حل كافة المشكلات التى تواجه العمل الاسلامى حتى ما تعلق منها بشخصه حين شغل موقع المرشد العام للجماعه فى اخر السبعينيات واستقر وضعه فى اول الثمانينيات, فقد كان حريصا فى كل مناسبه على الاشاره الى ان ذلك تم له باعتباره أسن اعضاء مكتب الارشاد وهو المكتب الذى اختارته الهيئه التأسيسيه قبل حل الجماعه ســـ1954ــــــنة, وليس لاى اعتبار اخر, كما كان شديد العناية بتوجيه الشباب المسلم الى المنهج الصحيح للاسلام فى الاصلاح والتغيير, والى ان التغير بالقلب واللسان هو ما يملكه احاد الناس , وتملكه الجماعات .

والى ان ما فهمه بعض الشباب من ان التغيير يكون باليد والسلاح على انه الواجب الشرعى, تجاوز للحدود الشرعيه فى الامر بالمعروف والنهى عن المنكر, لان ضرره يكون فى هذه الحاله اكبر من نفعه, وان تغير الظلم والفساد والجور اولى به ان يكون عن طريق المؤسسات لا اندفاعات الافراد غير المحسوبه او اجتهادات من لم يستوفى شروط الاجتهاد والفتوى, وان كان طريق ذلك وشاقا, وكان يقول للشباب: لماذا تتعجلون النتائج او قطف الثمار قبل اوانها, ان طريق الدعوات بطبيعته شاق وطويل وهو اعداد وتربيه, وصبر وتضحيه وثبات على الحق حتى تنبت بذور المبادىء فى النفوس.

وتتأصل القيم والمفاهيم فى العقول والقلوب,فالكيف قبل الكم, والنوع قبل العدد, ودفع الضرر مقدم فى ذلك على جلب النفع, وان مهمته ان يقودهم الى ما فيه خير دينهم, ووطنهم الصغير والكبير, لا ان يقودوه الى ما يدفعهم اليه حماسه الشباب ومجرد الغيره على الدين دون تجربه كافيه ودون نظر شرعى للامور, يحسب فيه النفع والضرر,و الجدوى من العمل وعدمها, والقدره وحدودها, والظروف الراهنه وحكمها والمصلحه العليا ومقتضاها.

ومن هذا المنطلق ايضا التجاؤه الى ساحة القضاء للحصول على حكم قضائى بعودة الجماعه وعودة حقها اليها فى ممارسه نشاطها المشروع الذى سلب منها عند حل الجماعه فى حكومه رئيس الوزراء ابراهيم عبد الهادى 1984, واستردته قبيل قيام حركة الجيش التى كان للجماعه دورها المعروف فى انجاحها , ثم تكرر حلها على يد الرئيس جمال عبد الناصر عام 1954, حين قرر ضرب الجماعه والحركه, لخلاف حقيقى حول اسلوب الحكم الذى اراده عسكريا شموليا و اراده الاخوان دستوريا برلمانيا, وخلاف مصطنع عزى الى اتهام الاخوان بمحاولة قلب نظام الحكم او الثوره المضاده, وهى قضيه عاصرت فترات الحكم الاستبدادى فى مصر ولا تزال فى انتظار كلمة القضاء العادل النزيه منذ عام 1977 بعد ان تم تأجيلها 33 مره حتى الان .

اما المحور الثانى: فهو عملها لمخطط الدؤوب على تصحيح صورة الاخوان المسلمين دعوه وحركة وجماعه, التى اشترك فى محاولات تشويهها عوامل مختلفه وجهات متعدده, واشتركت فى ذلك ايات ظاهره واخرى خفيه, وقوى داخليه وخارجيه, واحداث تاريخيه قديمه واخرى معاصره, ولا شك ان المجال هنا لا يتسع للتعرض لهذه المحاولات وما وراءها, او تقيمها وتحليلها,فهى ما يحتاج الى دراسات موضوعيه وتنظير علمى له مكان اخر, ويكفى ان أشير الى الظاهره التى عرفت باسم التطرف الدينى ,ففكر التكفير والهجره, وتعدد فصائل العمل الاسلامى وتفاقم امر هذه القضيه حين شهدت البلاد اثناء حياة الاستاذ التلمسانى احداث مؤسفه تمس الوحده الوطنيه, كأحداث الزاويه الحمراء فى القاهره والنظائر لها فى بعض المدن الاخرى من صعيد مصر, ومواجهات حاده بين العناصر المتطرفه واجهزة السلطه الامنيه.

وكان ذلك فى عهد السادات, فأبلى الرجل بلاء حسن فى مواجهة هذه المخططات والاحداث التى اريد لها ان تشوه وجه العمل الاسلامى لدى الرأى العام فى مصر و فى اقطار اخرى شقيقه, وأن تستنفر غضب الحكام نحو الاسلاميين, وان توجد ازمه بين التيار الاسلامى والسلطات الحاكمه , وانظمه الحكم فى المنطقه, وأن تقلب على الاسلاميين قادة الفكر واصحاب الاقلام والساسه, وقعد صعد حدة الاحداث توقيع السادات "لاتفاقية كامب ديفيد" او بتعبير أصح "أتفاقيه معسكر داود", والاخوان يعارضون لها للاسباب مبدأيه وعمليه , اثبت الواقع صحتها لمن كان يقف فى صفها, فكانت مهمه الاستاذ التلمسانى كمرشد للجماعه صعبه بكل المقاييس.

فلا معدى عن الجهر بكلمة الحق واعلان موقف الجماعه الرافضه للاتفاقيه, وفى نفس الوقت كان من المتعين تحرك الرجل والجماعه لحماية الوحدة الوطنية من تحركات العابثين بها من ذوى الاغراض الخبيثه و التعاون مع السلطه فى اطفاء هذه الفتنه و اعادة مياه الوحده الى مجاريها, كما كان من واجبه و موقع مسئوليته عن حماية الفكر الاسلامى و العمل الاسلامى من الانزلاق فى اخطاء الممارسات التى تتسم بالعنف و لا يقرها الاسلام.

و يعترف له جمهور اهل الفكر و الغيره على الدين انه نجح الى حد بعيد فى اظهار الدعوة على نحو واضح سليم وفى ازالة الشبهات التى حاول المغرضون و الاعداء الصاقها بها.

و استطاع امتصاص هذه الهجمات الشرسه و المخططه وان يقول كلمة الحق فى شآن الاتفاقيه و التطبيع المرفوضين من الشعب,وأن يؤكد مودة حقيقيه و ثقه صادقه بينه وبين رجال الكنيسه و تعاون فعال فيما بين الإخوان و الكنيسه لحماية الوحدة الوطنية الراسخه دينا و تاريخا من عبث الاعداء وكيد المتآمرين, وقد كان التلمسانى يشارك الاب شنوده الحرص على تبادل التهانى بالزيارات فى كل المناسبات الدينيه و قد عبر كل منهما عن مشاعره الصادقه على صفحات الجرائد و المجلات و هى وثائق تاريخيه تدفع كل من اراد ان يتخذ من الوحدة الوطنيه التى يرعاها الاسلام سلاحا يشهره ضد الدعوه الى تطبيق الشريعه وكان فى تطبيقها نيلا من حقوق اخواننا الاقباط فى مصر, على نقيض ما هو ثابت و مقرر قانونا و سياسه و تاريخا من ان الشريعه الاسلاميه سياج و ضمانه لحقوقهم و هى تقدر شأنهم القاعدة التى تقول "لهم ما لنا وعليهم ما علينا".

وكذلك كان موقفه واضحا فى قضية فلسطين و الممارسات البربريه العنصريه للصهيزنيه ضد سكان المخيمات و العزل ومساندة الولايات المتحده لسياستها العدوانيه و المناداه بالكفاح المسلح لاستعادة الارض المحتله وردها الى اصحابها الشرعيين و اعتبا رالاتفاقيه التى وقعها السادات مع اسرائيل مخالفه للشرع لغزوهم ارضا اسلاميه و قتالهم للمسلمين أيا كان موقفهم فالمسلمون امة واحدة وهم يد على من سواهم.

واعلن بكل وضوح وقوة رفض الإخوان للفكر المتطرف و اتخاذ العنف وسيلة للتغيير و تحمل السلطه الحاكمه مسئوليتها فى تفجير ظاهرة العنف المضاد نظرا لما اخذت به نفسها فى التعامل مع اصحاب هذا الفكر من معاملة وحشية و اسلوب القمع بدلا من اتخاذ اسلوب الحوار الامين فى حل هذه المشكله, واعتبار اكثر هؤلاء الشباب ضحية معيشية سيئه, ومعاناة حياته طاحنه, وحرية غائبه.

والتاكيد على ان الحل هو ازالة الفجوه القائمه بين السلطه التنفيذيه و التيار الاسلامى وازالة الفجوه المؤسفه بين السلطه التنفيذيه و تطبيق الشريعه.

وقد كان لبروز هذا المحور فى منهجه العملى اثره فى كثير من الاوساط المثقفه و فى قطاعات عريضه من الشعب من حيث توضيح المفاهيم الاسلامية و المبادىء الاساسية التى جاءت بها الشريعه لبناء المجتمع فحيد كثيرا ممن كانوا يقفون فى مربع المعارضة و الاتهام للإخوان المسلمين بل استطيع ان اذهب الى انه بعلانية اسلوبه و ادب حواره تواضع شخصه كسب اكثرهم الى صفة, و جعلهم أقرب فهما للدعوه و الحركه و تعاطفا مع الجماعة.

وأما المحور الثالث:من منهجه فكان يدور حول الاسلوب او السياسه التى جمعت بين كلمة الإسلام وأدب الحوار فى مواجهة الحاكم وهى ذاتها محنة قديمة واجهها كل الانبياء و الدعاه الى الله مع اقوامهم من غير المسلمين و بعد دخولهم فى الدين,ذلك لان الطغيان من امراض الملوك و الرؤساء على مر العصور, و قد عرف التاريخ الاسلامى غير قليل من الخفاء او الحكام والولاه من غلب عليهم جور الحاكمين على رعيتهم و صحب جورهم فساد رؤس الشوكة والجاه من الناس.

و لقد كتب عليه فى مسيرة جهاده منذ الثلاثنيات وحتى اواسط الثمانينيات ان يواجه جور ثلاثة حكام مع الجماعة اولهما الملك فاروق و ثانيهما الرئيس جمال عبد الناصر و ثالثهما الرئيس السابق انور السادات مع خلافات فى حدة هذا الجور وحجمه, وفى حظة من الواجهة كأحد افراد الجماعة او قياداتها كما حدث بالنسبه للاوليين, او فى حظه منها كمرشد مسئول عن الجماعة بالنسبة للاخير منهم و هو فى الاخيرة اثقل حملا و اوهن عظما و ان كان اكثر تجربه و حكمة.

و هو بطبيعته اميل الى الاعتدال فى المواجهه والى التسديد و المقاربه منه الى التشدد و المخاصمة و له قدره السياسى المحنك على التعامل بأكثر من اللونين الاسود و الابيض مع الاطراف الاخرى و على مرونة الحركة و التسامح مع الغير و هو مع جدية العمل و ثقل المهمة و متعاب الناس و اعناتهم له من الا دنين منه و الابعجين, وكات لا يفقد وراعته و لا تضيع منه دعابة و لايهمل اناقة ولا تخطئه رقه فى اسداء النصح أو نقده للغير فيه دقة القانونى, وله ذوق الاديب, وفقه الدارس للشريعه, ووعى العارف بتاريخ المسلمين, ومواجد المتصدفه, واتعادية المربين.

ومما يساق فى هذا المقام عن اسلوبه الذى جمع بين الادب و شجاعة الموقف و الكلمه فى مواجهة الحاكم حين يرهقه من موقع الجور بكلام جارح فيه ظلم له ولدعوته و سخرية منه ومن جماعته و سوء ادب معه, حين لا يخرجه ذلك عن أدب المسلم التقى الذى يحسن كظم غيظه و يأوى الى ركن شديد من ايمانه بربه فلا يشكو بثه الا اليه,ظهر ذلك فى صورة جلية لكل من شاهد الشاشة الصغيرة فى ليلة من ليالى اواخر عام 1979 وأنور السادات رئيس الجمهورية أنذاك يحاور عمر التلمسانى او على الاصح يهاجمه دون وجه حق ملاأ و يخصه دون غيره من الحضور او الذين آصر السادات على استحضارهم من الدعاه فى حفرة فرعونية للتندد عليه و عليهم واستعراض بأسه و قهره فأساء توجيه الخطاب اليه والناس تسمع وترى دون مراعة لادب يليق بحاكم او يليق بشيخ وقور تجاوز السبعينات من عمره كل تهمه عنده انه يزعم انه يعمل لاعلاء كلمة الله و دعوة الناس الى العمل باحكام دينهم و التخلق باخلاقه دون تجاوز لما خوله الدستور للمواطنين من حقوق السياسيه و حريات عامة.

فما كان من رد او تعليق له اكثر من كلمات قليله هادئه انطقها الله على فمه فى اصطبار سابغ على هذا السوء و على هذاالطاغيه الظالم, حفظها الناس و هزت مشاعرهم من الاعماق ولا تزال تعيها ذاكرة التاريخ:"لو ان غيركم اساء الى بمثل ما فعلت الان معى لشكوته اليك اما و انت الذى صدرت عنه هذه الاساءه لى فانى اشكوك الى الله و هو حسبى ونعم الوكيل” و لم يزد, وما ان اطرقت كلماته سمع السادات و نفذت كالسهم الى داخله, حتى تغير لونه, و اضطرب السيجار الكبير فى فمه ولم يستطع ان يسيطر على اضطراب نفسه, فعاجله فى ذعر ذاهل قاءلا: اسحب هذه الشكوى يا عمر" فرد عليه التلمسانى لا اسحبها و لماذا اسحبها وما شكوتك الا لعادل" هذا هو عمر التلمساني.

الذى أشهد انه اتخذ فى مسيرته و مواقفه منهجا متميز الملامح, ازعم انه كان على مستوى احداث عصره فى المواجهو السياسيه و الرؤية الاجتماعية و النظرة الحضاريه, و ذلك على الصعيدين الداخلى و الخارجى, و انه كان فيه مسترشدا بأصول الشريعه, و بالمبادىء الكليه التى يقوم عليها الفقه السياسى الاسلامى, وبالتراث الفكرى و السياسى و الحركى الذى تركه حسن البنا مؤسس الجماعه و حسن الهضيبي مرشد الجماعه من بعده, كما كان مستنيرا فيه بمنهج العقل و متغيرات الواقع و معطياته المتحدثه ما وسعه ذلك.

و اشهد بانه ترك بذلك بصمات واضحه على مسيرة العمل الاسلامى فكرا و حركة, و هو ما ازعم ان الاعداء قبل الاصدقاء قد شهدوا له به ايضا, وأقر له اهل زمانه بانه رجل دعوه نجح فى اقامة جسور تفاهم بينه وبين مختلف التيارات الفكريه و السياسيه فى مصر ليس لحساب التيار الاسلامى الراشد وحده و لكن لمصلحة الوحدة القومية كذلك فتحقق الاقتراب اكثر من الاغتراب, و الوحده اكثر من الفرقه, فكان له حضوره الدينى و السياسى فى المجتمع.

رحم الله عمر التلمساني مرشد الجماعه الراحل, و جزاه عن بلائه خير الجزاء, والحقنا به فى الصالحين, غير خزايا ولا مبدلين, و اعز دعوته و صان جماعته من عوادى الزمن اللهم امين

فريد عبد الخالق