سيد منصور

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ٠٧:٣٧، ٨ يوليو ٢٠١٢ للمستخدم Ahmed s (نقاش | مساهمات)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
سيد منصور


بقلم: حسن دوح

إعداد : موقع إخوان ويكي (ويكيبيديا الإخوان المسلمين)

كان من عادتنا إذا فرغنا من التدريب في معسكر "هايكستب" جلسنا في حلقة دراسة نقرأ القرآن، ونستمع لحديث عن السيرة العطرة، ثم نتناول العديد من الموضوعات العلمية خاصة ما يتصل بالقضية التي هيأنا أنفسنا لها ...

وكان سيد منصور يحرص على هذه الدروس حرصه على التدريب الذي كان يتولى أهم شطر منه، وهو التدريب على بث الألغام أو إعدام مفعولها .. كان يجلس في صفوف التلامذة المتطلعين إلى المعرفة، وكأن لسان حاله يقول يجب على الأساتذة أن يتعلموا كيف يجلسون في صفوف تلامذتهم ..

وكان يحسن الصمت كما يحسن الكلام .. ولكنه ينفتح بكل مشاعره إذا عرضنا في حديثنا لذكر الشهادة والشهداء ومقامهم عند الله .. كان يحاول أن يرسم نفسه على طريق الشهداء .. يسأل عن نواياهم .. وعزائمهم .. وسيرهم .. وكل ما يتصل بأخبارهم .. ثم يستجمع هذه السير ليتخذ بينها طريقا له ...

وكنت كلما نظرت إليه تخيلته يمضي على الأرض بقدم واحدة .. أما الأخرى فتركض إلى الجنة في ثبات .. ومضت ثلاثة أسابيع، ولم تصدر الأوامر إلينا بالتحرك لأداء الواجب المناط بنا فازداد قلق الخمسين شابا الذين كانوا يعسكرون معنا في "هايكستب" وكان سيد أشدهم قلقا ..

وكانت أنباء الفالوجا المحاصرة تلهب الثورة في صدورنا جميعا .. إن جيشنا يعيش محنة قاسية، وهو يصرخ في الأمة مستنجدا بأبنائها وشبابها ..

ثم إن الجيش كان قد استأنف القتال بعد نهاية الهدنة المشؤومة، ولكنه كان في وضع لا يحسد عليه، فقد اضطره العدو لإخلاء مواقع هامة، والانسحاب إلى مراكز خلفية ..

وبدأت الأسئلة الحائرة تدور فيما بيننا .. لم عجز الجيش المحاصر عن فك حصاره وفيه قيادة سميت وقتها "بضبع الفالوجة" ولم عجز الجيش المصري كله عن فك هذا الحصار!! وأين الجيوش العربية السبع التي اتفقت فيما بينها على سحق اليهود !!! ثم صعد إلى القمة سؤال كبير، لم اختارنا القائد العام الجديد من دون الشعب؟ واصطفانا من بين كتائب الفدائيين الأخرى!!

والأجوبة السريعة والمتلاحقة عن هذه الاستفسارات تقول إن جيش الفالوجة كان يفتقد الأسلحة الصالحة لمغامرة فك حصار مضروب حوله بدقة وإتقان .. وإن الجيش كان متدهورا معنويا ولم يكن في وسع رجاله المجازفة بحياتهم .. وإن الجيوش السبعة كانت انعكاسا للأوضاع المتحكمة في دولهم ..

كانت جيوش استعراضات واحتفالات ونياشين!! أما الجواب الأمين فيكمن في إيماننا بأن الميدان العملي يحتاج لنوعية سيد منصور .. يحتاج لطلاب الشهادة دون أجر الدنيا من نياشين ورتب ومكافآت ...

انتهت فترة القلق بخبر مفزع طالعنا به قائد عام المعسكر على أثر إشارة تلقاها من عمان بأن ملك الأردن رفض نزول طائراتنا في أراضيه .. وكانت صدمة لمشاعرنا الملتهبة!! جيشنا يصرخ مستنجدا والعدو يخنقه بكل قوته!! وقائد عام الجيوش العربية يرفض إنقاذه!!

ولكن ماذا نفعل؟ هل نتظاهر كما كنا نفعل في الجاعة إذا خنقت الحكومة حريتنا؟ إن ميدان القتال صورة عملية للرفض ولا بد من الدخول إليه ومن كل الأبواب .. ولا بد من قتل الخطيئة في شخص اليهود الذين يمثلون "تجمع الصهيونية والصليبية".

قمنا بتعديل خطتنا .. وهي تتلخص في الذهاب إلى غزة عن طريق السكة الحديد ثم نحاول من هناك شق صحراء النقب، إلى الخليل، ومن هناك نكمل عمليتنا وهي فك حصار الفالوجة حسب الخطة المرسومة .. ونفذنا المرحلة الأولى ..

ووصلنا إلى معسكر البريج "مخيم البريج الآن" وكنا قد استولينا عليه من الإنجليز عقب جلائهم عن فلسطين في 15 مايو سنة 1948، وبدأنا ندرس فكرة عبور الصحراء، وما تتطلبه هذه المغامرة من جهود، وما قد تسببه من خسائر، ولكن كل هذه الدراسات انهارت بعدما ترامت إلينا أنباء من أن اليهود تمكنوا من الهيمنة على الدروب المؤدية للخليل، وأنهم استطاعوا الاستيلاء على قافلة بأسرها كانت في طريقها للخليل وأجهزوا على كل رجالنا ..

فاضطررنا للعدول عن الفكرة، وتركنا أمر إنقاذ الفالوجة وإمدادها بالتموين والسلاح لقواتنا المرابطة في بيت لحم، والتي كان يتولى شطرا منها أحد ضباط الجيش الأفذاذ "معروف الحضري".

بدأنا نعمل في قطاع غزة، وهو الجزء الذي تبقى لنا بعد الهدنة ... وكانت عملياتنا تنحصر على الإغارة على المستعمرات الراقدة في مواجهة القطاع، وقطع الطريق الذي يصل هذه المستعمرات، وذلك ببث الألغام في الممرات الصحراوية والمرابطة في أوكار جانبية .. هذا بالإضافة إلى تلبية نداءات الجيش في كل العمليات الفدائية باعتبارها فرقة كوماندوز ملحقة بالجيش ...

وبدأ سيد منصور ينطلق بكل طاقاته .. لا تكاد تفلت منه دورية قتال أو استطلاع .. وقد كان التنافس على هذه الدوريات شديدا .

لدرجة اتهام القيادة "بالمحسوبية" لأنها آثرت جنديا على الآخر في عدد الدوريات .. وكنا نضعف أمام روعة التنافس بين شباب لا يتجاوز العشرين من عمره وبين آباء تجاوزوا الأربعين .. أيهما أفضل!!

أما سيد منصور فكانت عيناه تتوسلان في صمت، فلا نملك إلا الاستجابة لرغبته!! وكانت حجتنا أمام الآخرين أن سيد له خبرة ببث الألغام حتى أن الجيش نفسه كان يطلب إليه تدريب ضباطه على عملية بث الألغام وتفجيرها ...

علمنا ذات يوم أن اليهود سيغيرون على قرية مجاورة، وكانت العملية تحتاج لشباب سريع الحركة .. ولم يكن أمامنا وقت "للمساومات" و "الوساطات" فانتدبنا عبد الرحمن البنان وكان في السابعة عشرة، وسيد منصور وكان في الثلاثين من عمره أو يزيد قليلا ...

فانطلقنا في الوادي الفسيح لا يحميها إلا الظلام المتراكم ودعاء المئات من زملائهم المقيمين في المعسكر .. وانتظرنا إلى منتصف الليل ولكن الإخوان لم يعودا فران علينا صمت كثيف يسبق عادة نبأ استشهاد أحد الزملاء .. فوجفت قلوبنا وتحجرت الدموع في عيوننا .. فالميدان لا يسمح بإظهار العواطف بل على العكس يوصي بحبسها ...

وفجأة تبددت أوهامنا ونحن نسمع وقع أقدام الرجلين وهما يقطعان الطريق إلى داخل المعسكر وقد حمل كل واحد منهما مجموعة من الدجاج ... وكان منهكين لدرجة كبيرة .. ومع هذا لم نعفهم من الاستماع لمغامرتهم فتولى عبد الرحمن سرد أحداث القصة ..

أما سيد فكان ينصت في سكون .. وكأنه لا يعرف شيئا مما حدث .. وكان يسرح بين الحين والآخر وكأنه يبحث عن مجهول يحاول استكناهه.لم ننتظر على الدجاج حتى الصباح، بل عجلنا بإعداد عشاء دسم ونحن نستمع لعبد الرحمن وهو يقص علينا ما حدث .. قال:

إن اليهود أغاروا على القرية فقلتوا من قتلوا، وحرقوا حصاد القرية، وسرقوا منها ما امتدت إليه أيديهم .. ثم حاولوا الهروب قبل أن نشعر بهم .. ولكننا تمكنا من اللحاق بهم وهم في طريق العودة إلى مخابئهم في المستعمرات المجاورة ..

واستطعنا أن ننال من عربة جيب كانت محملة بالمسروقات ومنها هذا الدجاج .. أما خسائرنا فلم تكن سوى هذا البيريه .. وخلع من فوق رأسه غطاءها وأشار إلى ثقب رصاصة نفذت من خلاله .. وقال ضاحكا وهو يشير إلى سيد الذي ظل ساهما مطرقا .. وعدنا برئيسنا كما ترون .. فتعشوا هنيئا لكم ...وكان عشاء ضاحكا كما يقولون ...

ومضت فترة قصيرة على هذه الحادثة إلى أن امتحنا في أكبر معارك فلسطين ...كان الجيش المصري قد مني بهزائم متلاحقة بعد استئناف القتال، فقد تمكن العدو من تجهيز نفسه بأحدث المعدات، كما عزز قواته بمحاربين أكفاء من جميع أنحاء العالم، وخاصة من أبناء أمريكا وأوروبا الغربية والشرقية .. وقيل وقتها إن روسا اشتركوا في المعارك التي وقعت بعد ذلك .. وقد انتشرت إشاعة طريفة في الجيش المصري أن الروس يمتازون برءوس ضخمة لا يخترقها الرصاص .. ولذلك لا جدوى من قتالهم ...

لنقترب من معركة "تبة 86" .. ولنكتف بالقدر الذي يقربنا من دور الشهيد سيد منصور ..

فلقد أعد اليهود خطة لفصل الجيش المصري المتمركز في غزة عن مراكز إمداداته في خان يونس ورفح والعريش، وذلك بقطع الطريق ما بين غزة وخان يونس، وحشد لذلك أمهر قناصته وقدم لعملية الزحف بوابل من نيران مدفعيته على اللواء المتمركز في هذه النقطة ..

ثم تقدمت مصفحاته تكنس الطريق أمامها من فلول الجيش التي بدأت الفرار من الساعات الأولى للاشتباك .. ويؤسفني هنا أن أعرض هذه الصورة عن جيشنا ...

ولكن للأسف الشديد كانت هذه هي الحقيقة .. وعذره الوحيد هو أن رائحة الخيانة والغدر من الحكومة والقصر وقيادة الجيش المركزية كانت قد فاحت في صفوفه، فأوهنت من عزيمته القتالية وزلزلت من ثقته بنفسه ..

فهو يواجه عدوا مزودا بأسلحة قوية ومعنويات عالية .. أما هو فأسلحته الفاسدة كانت ترتد إلى صدره فتقتله قبل أن تقتل عدوه .. ويكفي أن أضع هذه الحقائق البسيطة ..

لقد كانت أسلحة الجيش التي زود بها بعد الهدنة عبارة عن بنادق إيطالية لا تصلح الواحدة منها لإطلاق أكثر من خمس رصاصات ثم ترتفع درجة حرارتها وتنشق ماسورتها .. أما الذخيرة فالصالح منها لا يزيد على العشر أما الباقي فلا يحدث مفعولا ..

فإذا أضفنا لهذا المستوى المعيشي للجنود، لما تحاملنا على الجيش بهذا القدر فالجندي الذي تقدم له الطعمية كترفيه في ميدان القتال، حتى ترددت أغنية صعيدية "جابولنا الترفيه يا بوي يا بوي عيش وطعمية يا بوي" هذا الجندي لن يجد له زادا معنويا أو ماديا في مواجهة عدو ترعاه دول متحضرة وقوية ...

واستدراكا أقول إن الجندي كان على استعداد لتحمل شظف العيش لو قيل له إن دولته لا تملك غير هذا .. ولكن كان يعلم مدى الخيانة المرابطة وراء أمثال هذه التصرفات ...

نعود إلى المعركة .. لنقول إن الجيش المصري كان قد أحيط به من كل جانب .. المدفعية تصليه بنيرانها .... والقناصة تتصيد الضباط والمصفحات تطوقه ...

وكانت هذه الأخبار تصلنا في معسكرنا "البريج" فنثور ونتهيج رغبة في إنقاذ إخواننا، ولكن جاء الفرج وتلقينا رسالة مستعجلة من اللواء أحمد فؤاد صادق قائد عام الجيش المصري بالتحرك على وجه السرعة .. وعلى الفور أعد الأخ كامل الشريف قوة من 35 شابا من شباب المعسكر .. كان من بينهم سيد منصور، وعبد الحميد خطاب، وسيد عيد، وفوزي فارس ...

وصلنا لأرض المعركة في أدق مرحلة من مراحلها، وتمت عملية انتشار سريعة .. وتمركزنا في مناطق رئيسية بحيث تمكنا من اكتشاف مراكز تجمعات العدو والدشم التي يسدد منها نيرانه إلى صدور رجالنا.

وكان يوما ممطرا، شديدة البرودة، ومع هذا كانت سخونة المعركة تعطينا دفئا وحرارة، وطاقة رائعة .. وتذكرنا يومها ما أنزله الله في أرض بدر:

"وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به، ويذهب عنكم رجز الشيطان، وليربط على قلوبكم، ويثبت به الأقدام" فنشطت قلوبنا وألسنتنا بالذكر والدعاء ونشطت عقولنا بالتدبير لتطويق العدو وكسر شوكته ...

كان تكتيك العدو في هذه المعركة إرهابنا وإلقاء الرعب في صدور جنودنا ثم تشتيتنا وتصيدنا بعد ذلك، فألقى الآلاف من قنابل الهاون الصوتية والحارقة وشديدة الانفجار ..

وقد حقق نجاحا في الجولة الأولى، فبدأ الجنود يتبعثرون في كل مكان واستحال على قيادة المعركة إعادة الضبط والربط، بل إن كبار ضباط الجيش لم يجدوا مناصا من التخفي لتجنب قنابل اليهود وسخط الجنود الفارين، وأذكر أنني التقيت باللواء علي عامر (الفريق) يرابط في حفرة في الخطوط الأمامية ..

وقلت للرجل إن بقاءك هنا لا جدوى منه بعد أن فر الجنود .. قال لي: إنني ألتزم الأوامر وكان الرجل في موقف لا يستطيع منه التقدم أو التراجع فآثر انتظار القضاء ...

سبق أن قلت إننا حاولنا التمركز في مواقع قريبة من تحصينات العدو، ومراكز إطلاق نيرانه، ولكن لم يكن هذا ليتم إلا إذا قطعنا طريقا مكشوفا ومعرضا للنيران .. فطلبنا من قيادة الجيش السماح لنا بدبابتين لنتخذهما ساترا متحركا نحتمي به إلى أن نتسلق تبة عالية ..

ووافق القائد .. وبدأت قواتنا تتحرك خلف الساتر تكتنفها نيران العدو من كل جانب .. وفي ظلال دبابة مكشوفة كان يركض سيد منصور وعبد الحميد خطاب الطالب الأزهري الذي لم يكن قد تجاوز الثامنة عشرة، ونيران العدو تنفذ من بين أيديهما وتتساقط فوق رءوسهما، ودوي القنابل يزلزل الأرض من تحتهما، ومع هذا مضى سيد وعبد الحميد لغايتهما في إقدام وجرأة وتحد للعدو .. وإصرار على مواجهته، ورغبة صادقة في لقاء الله مع النبيين والصديقين والشهداء، ويشعر العدو بالخطر المتحرك خلف الدبابة فيسدد جميع أسلحته في اتجاهها، ويركز عليها نيرانه ..

وتطوق الدبابة بسحاب من الدخان .. فيرتبك قائدها، وتضطرب عجلة القيادة في يده .. وتتحكم فيه ولا يستطيع الهيمنة عليها، فتتدحرج الدبابة إلى الوراء، ويسقط الرجلان تحتها فتعتصر جسد عبد الحميد وتضغط تروسها على النصف الأسفل من سيد منصور فتعجنه في الطين .. وتمضي المعركة .. ويتمكن الثلاثون شابا من تغيير مجرى المعركة من هزيمة إلى نصر ..

ويشعر اليهود بصلابة العنصر الجديد الذي هبط فجأة .. واستطاع أن يقتحم عليهم مواقعهم ويغير في جرأة على الدشم ويلتقي وجها لوجه بهم .. والمعروف أن اليهودي لا يحتمل المواجهة، ولا يصمد أمام المقاتل الأصيل وصدق الله العظيم:

"لا يقاتلونكم جميع إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى" فيضطر للانسحاب حاملا معه قتلاه وجرحاه ..

كانت الأرض تسبح في بركة من الدم الذكي ممزوجا بماء المطر ...

وجثث القتلى تتناثر على التباب والطرقات وتحت أشجار التين الشوكي .. ومن بين هؤلاء يرقد البطلان عبد الحميد خطاب الذي أسلم روحه لربه، وعلى قيد خطوات منه يرقد نصف سيد منصور ساكنا مستسلما.

اقتربت من سيد، وتحسست جسده، فإذا بنبض خافت ينبئ عن بقية حياة .. وفتح الرجل عينيه وأدارهما في وجهي وكأنه يدعوني إليه فحنوت عليه إلى أن لثمت جبهته .. فتمتم بعبارات .. فظننته يملي علي وصية لأبنائه الستة وزوجته، فأرهفت السمع فإذا به يردد عبارة واحدة:

"اللهم انصر دعوتنا .. اللهم بارك مرشدنا" .. ثم يقفل فمه قليلا حتى يدفع عنه ماء المطر المتدفق من باب السماء ..

ويعود لدعائه يكرره في إلحاح ورجاء .. ونسرع بطلب عربة إسعاف لإنقاذ سيد فيحضر رجال الإسعاف بمحفاتهم .. ويهمون بسيد ليستخلصوه من الطين فيستعصي عليهم لأن ساقيه كانتا قد امتزجتا بالطمي حتى صارتا قطعة واحدة ..

فيحملونه بكل الطمي المتراكم عليه .. ويمضون به إلى المستشفى العسكري ويقرر الأطباء بتر الساقين لاستخلاص بقية الجسد وتجرى عملة سريعة .. كان قضاء الله أسرع منها .. وترتفع روح سيد متمتمة بالدعاء:"اللهم انصر دعوتنا ...".

ويسمع قائد الجيش اللواء فؤاد صادق بوفاة الجندي سيد منصور، فينزعج للنبأ ويحضر على الفور لمعسكرنا ليقوم بنفسه بواجب العزاء في "الشهيد سيد منصور" ثم يصدر أعجب قرار وهو ترقية الجندي سيد منصور إلى رتبة ملازم أول تقديرا لخدماته في الجيش .. والجزء الذي نسيته من القصة أن سيد منصور كان يقوم بتدريب ضباط الجيش النظامي على طريقة بث الألغام وانتزاعها ...

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موقعة أحد: "من رجل ينظر إلى فعل سعد بن الربيع في الأحياء أم في الأموات، فقال رجل من الأنصار:

أنا أنظر لك ما فعل سعد .. وذهب الصحابي يلتمس سعد بن الربيع فوجده جريحا وفي النزع الأخير فقال سعد: ما شأنك؟

فقال الرجل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل أن أنظر في الأحياء أنت أم في الأموات فقال سعد:

أنا في الأموات فأبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عني السلام، وقل له إن سعد بن الربيع يقول لك: جزاك الله عنا خير ما جزى نبيا عن أمته ..

وأبلغ قومك عني السلام .. وقل لهم إن سعد بن الربيع يقول لكم إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم صلى الله عليه وسلم وفيكم عين تطرف".