سيد قطب: كارل ماركس الثورة الإسلامية

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
سيد قطب: كارل ماركس الثورة الإسلامية


بقلم: ليزلي إيفانز


مقدمة

تقوم الدراسة على تقييم الأنموذج الفكري والأطروحات المعرفية التي قام سيد قطب على ترصينها قبل انضمامه للحركة الإسلامية وبعد ذلك في كهوف العذاب في ظل استبداد عكر صفو الماء ونسائم الهواء،مع إعطاء تلمحيات للوضع النفسي والاجتماعي والسياسي بشقيه المحلي والدولي الذي كانت له أصداء مباشرة على العناقيد الفكرية التي نظمها قطب.

لقد احتل سيد قطب (9 أكتوبر 1906- 9 أغسطس 1966) مكاناً مميزاً في الغرب ككاتب وناقد أدبي وفوق كل ذلك كمنظر لحركات الإرهاب الإسلامي،والجدير بالذكر أن كتاباته التي كتبها ما زال لها صدي حتى الآن الأمر الذي يجعل منها مناخاً حياً للدراسة المنهجية.

بل ربما لا نكون مبالغين إذا قلنا أنه بات من الصعوبة بمكان أن ندرس أهداف المتطرفين الإسلاميين المسلحين ومن ثم كيفية التعامل معهم كما يجب بدون الرجوع لسيد قطب وكتاباته وخطبه بشكل خاص.

ففي بحث أجراه موقع أمازون دوت كوم عن السيد قطب ومنشوراته،تم العثور علي سبعة كتب باللغة الإنجليزية عنه شخصياً والكثير و الكثير عن أعماله ومؤلفاته إلي جانب ما يتم ترجمته حالياً.

وقد اخترنا في هذه البحث عينة عشوائية من كتابين يحملان رؤى متباينة وبتركيز مختلف أيضاً.فالأول كتاب كتبه عدنان أيوب مسلم وهو مواطن فلسطيني من بيت لحم أعد الدكتوراه في جامعة ميشيجان ويعمل اليوم كأستاذ للدراسات التاريخية والسياسية والثقافية في جامعة بيت لحم في الضفة الغربية.

ويركز الكاتب علي نشأة سياسات سيد قطب واتجاهاته الإسلامية كقاعدة لبحثه متينة.

في حين أن باول بيرمان الذي أجري البحث الآخر ركز بدوره علي رؤى سيد قطب للغرب من الناحية العقدية الدينية ومن ثم تقييمه في ضوء الحضارة الغربية وعلمانيتها.

هذا وقد عرف سيد قطب منذ نعومة أظفاره بمثاله الفريد وخاصة في مرحلة شبابه المتقدة الأكثر ثورية،فرغم أنه كان أحد المنضمين للإخوان المسلمين المسلحين،إلا أن دوره فيهم لم يكن ليتعدى محرراً صحفياً ذا مقالة وصولة قلم إضافة إلي ساحة فكره التي أطلق لها العنان ليفعل كما فعل كارل ماركس في المتحف البريطاني.

فقد عمد سيد إلي تأليف معظم مؤلفاته وتحفه القيمة في غياهب السجون المصرية أثناء حكم جمال عبد الناصر.

لم يشرع سيد قطب في نشاطه الإسلامي الحركي إلا حينما تجاوز الأربعين من عمره،وقد توجت حياته باعتقال دام احدي عشر عاماً قضاها كلها في التأسيس الفكري والتأليف المتقد لنظرياته الجديدة حول الإسلام حتى عمت هذه المؤلفات أرجاء الدنيا بعد أن فارق الحياة في 1966.

لقد نشأ سيد قطب في أسرة متواضعة سكنت قرية مشأة بين القاهرة و أسوان وتربي في مدارس القرية الحكومية وأخذ دوره البارز منها حينما فاز بجائزة متميزة في مسابقة حفظ القرآن الكريم التي أجريت بين المدرستين.

وقد تحدث سيد قطب عن نفسه في هذه المرحلة في كتابه "طفل من القرية" وعن العادات والتقاليد والخرافات التي سادت هذا المجتمع لتشكل فكره واعتقاده الذي ثابر عليه السنين والذي يحمل في طياته هذا الإيمان والاعتقاد في عالم الأرواح.

وقد انتقل سيد قطب بعد ذلك إلي بيت خاله في القاهرة سنة 1922 ليكمل دراسته الإعدادية والثانوية ومن بعدهما الكلية تزامنناً مع تلك الحقبة ذات الطابع الوطني التي قادها سعد زغلول بزعامة حزب الوفد للكفاح ضد المحتل البريطاني.

فقد التحق سيد قطب بكلية دار العلوم وحاز منها علي الإجازة العالمية في اللغة العربية وآدابها وعلومها في 1933.ثم لم يلبث والده الذي خلفه ورائه في قرية مشاة أن لقي حتفه فلحق به أخوه وأختاه الصغيران ليعيشا بجواره ويكتنفا حبه ووده في القاهرة.

ثم ما لبث سيد قطب أن وصل التاسعة عشر من عمره أن دون شعره الذي كان يتمحور حول الموت والدار الآخرة وعالم الأرواح وتلك الفانتازيا التي أحبها،تماماًُ كما وصف مسلم.

كما أضاف مسلم مصرحاً بأن سيد قد كتب قصيدة تضامنية مع الشعب الفلسطيني وثورته ضد المحتل اليهودي في الفترة ما بين 19361939.


الناقد الأدبي العلماني

دفعت مسؤوليات سيد قطب تجاه اخوته أن يقبل العمل كمدرس في احدي المدارس الحكومية إلي جانب عمله كناقد أدبي بالعديد من المجلات المغمورة.

حصل سيد قطب بعد ذلك علي فرصة عمل في وزارة التعليم أبقي عليها كسمة العديد من الأدباء المصريين لتكون ملاذه الدائم إن ضاق به السبيل.

ثم لم يلبث سيد أن طرق أبواب الشهرة خاصةً بعدما اتصل بشكل مباشر بعباس محمود العقاد الناقد الأدبي والمفكر الإسلامي الذي لا ينشق له غبار إلي جانب أسلوبه الصحفي المهني المميز.

كان العقاد صاحب انتماء لحزب الوفد القومي العلماني الأمر الذي أثر علي سيد قطب أعمق الأثر في مقتبل عمره في الأربعينيات.

واقتبس مسلم ما قاله عادل حمودة عنه منذ سنين مضت واصفاً له حيث قال " لقد كان سيد قطب كاتباً لا ينشق له غبار،يرسل بالحمم والسهام من التعبيرات النارية التي تكوي القلوب كيا ربما لو شاهدته لم تتحسس فيه هذه الخشونة الكتابية المعهودة،لقد كان شخصاً كالنسيم إذا هب،لكنه علي العكس تماما ً إذا كتب،لقد كان قلمه بمثابة السوط وقرطاسه بمثابة البساط الناري،لقد كان ناراً لا يهدأ لهيبها أبد الدهر".وقد كان يقال علي جورج أور ويل نفس هذا الوصف،فقد كان حميمياً مألوفاً محبوباً في شكله ومظهره لكن كتاباته تنطق بشيء غير ذلك تماماً.

لقد كان سيد قطب صاحب قلم راسخ فقد كتب نيف عشرين كتاباً أهمها في ظلال القرآن الذي وقع في أكثر من خمس عشرة جزءاً حسب طبعته وتمت ترجمة العديد من مؤلفاته عد تلك التي ألفها في صباه مثل "طفل في القرية" و "المدينة المسحورة (1946)" و "الأشواك (1947)".

وقد كان سيد قطب أول من كتب في مراجعات مؤلفات نجيب محفوظ الذي حاز علي جائزة نوبل في الآداب سنة 1988. وقد بدأ سيد قطب في الاتجاه في التأليف في الدراسات الإسلامية حيث بدأ بالقرآن الكريم من ناحيته الأدبية نقداً وتعليقاً وإخطاراًُ في 1939.

لقد تعجب مسلم بالفعل من طلاقته في التحدث في القرآن وتعليقاته وها هو قد ظل محافظاً علي القرآن في صدره منذ صباه.

أضاف مسلم إلي قائمة إعجابه بالتحف الأدبية والتعليقات التي ساقها في نعرض سور القرآن خاصة فيما يخص السيدة مريم العذراء حينما دخلت علي أهلها وقد حملت رضيعها مدعيةً أنها لم تأتي به من سفاح فهذا ليس من شيمها.

وإذ بها في معرض هذا الاتهام تطلب من صغيرها أن يعضد كلامها الراسخ وأدبها الجم فيقول ناطقاً "قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً".لقد اتجه سيد في هذا الاتجاه القرأنى الفريد فقام بالتأليف والتدوين فيه فأخرج اللثام عن كتابه الثمين المسمي "التصوير الفني في القرآن الكريم" في 1945.

وعاد مسلم من جديد ليتحدث عن لغز العقاد وقطب وهذه الطلاسم حول شخصيتهما فيصرح بأن كليهما كان قومياً كالقوميين لكنهما لم يصطبغا بصبغة الغرب المادية.

فالعقاد مثلاً كان قومياً عقلانياً وما زال علي إسلامه لكنه رفض ماركس والمادية الغربية بشتى صورها. لكنه عاد ليصف سيد قطب فيقول بأنه كان يؤمن بما وراء الطبيعة،ثم يمضي في ذلك فيقول بأن قطب كان في الثلاثينيات علمانياً لكن ليس بمعني اللاديني الذي لا يؤمن بالدين فلقد كان متديناً لكن ما زالت هناك شكوك تحوم حول تدينه وصبغته الدينية.

لكن ما لبثت هذه الرؤية تجاه سيد قطب أن تلاشت مع قدوم الخمسينات التي شهدت رواجاً لأفكار الدراسات الإسلامية التي اتجه إليها سيد قطب لكنه لم يكن وحده في هذا الاتجاه لكنه كان المسيطر علي صفوة الليبراليين المصريين آنذاك "وبمساعدة هذه العاطفة التي امتلكت الجميع ضد هذه السيطرة الأوربية علي المقدرات المصرية والعالم العربي بأسره إضافة إلي هذا المستوي الروحي الآخذ في الانخفاض علي المستوي الشعبي ومن ثم يتخذ الليبراليون القوميون من ذلك مطلباً برلمانياً لهم".

كما تلاشي في هذه الفترة كل أشكال التمجيد والتعظيم المبالغ فيه للحضارة الفرعونية التي سبقت الإسلام رغم هذا الكم الهائل من المنشورات والمطبوعات التي تناولتها.

ومع ارتفاع والدة سيد قطب "فاطمة" إلي ربها حيث لاقت حتفها في 1940،ومع سقوط آخر ورقة من شجرة الحب التي كانت تلهمه أي إلهام،رأي سيد أنه لا بد من أن يتفرغ للدراسات الإسلامية والمضي قدما فيها لتكون سلواه بعد فقدان والدته الحبيبة.,في هذا الأثناء، كتب سيد قطب مقالاً بعنوان "مدارس السخط" الذي ظهرت فيه صبغته الدينية وصنعته الروحية بشكل واضح للعيان.

ثم قام في هذه الفترة بالكتابة عن جمال الدين الأفغاني (1838-97) ورؤاه الإصلاحية في جمع شمل الأمة الإسلامية والوصول بها إلي مستقبلها التليد التي أضاعته وما إستلزمه من رفض للهيمنة الغربية ومن إضفاء طابع ديني علي السياسة الإسلامية التي تمثل جمهرة الأمة.

كما شرع في هذه الفترة بالكتابة عن العصر الذهبي للأمة الإسلامية الممثل في عصر الرسول وصحابته الذين أصبحوا مثالاً يحتذي وما تبعهم من خلافات رشيدة أثرت البشرية بأدوات التقدم الإسلامية.

وقد كان من الواضح في شخصية قطب هذا النقاء الأخلاقي خاصة قبل أن يحكم بحرمة الفصل بين الدولة والدين.

لقد تخلي قطب عن منهجه السابق فقام بشن حملات ضد ما سماه انتهاكات للعفة "ما كانت تبثه الإذاعة المصرية من أغاني وموسيقي اعتبرها سيد من أهم العوامل الهدامة للأخلاق ومن ثم تدمير الشخصية المسلمة وخلق جيل مشوه من الرجال والنساء".

طالب سيد بالمزيد من المراقبة من خلال عمل لجنة مراقبة علي الإصدارات والتسجيلات والمنشورات وغيرها من الأدوات الإعلامية. كما طالب بقانون يعاقب هؤلاء المغنيين المتهمين بإصدار أغاني مسيئة غير محترمة ولا مٌقرة.

في هذا التوقيت حدثت الحرب العالمية الثانية حيث كانت مصر مستعمرة بريطانية منذ 1988،ومن ثم تعرضت للإيطاليين ومن بعدهم الألمان النازيين بقيادة رومل الذي حاول الدخول من خلال مصر لينفذ إلي قلب فلسطين ويدحس اليهود هناك ومن ثم خلق جو ثوري في الوطن العربي بأسره (دراسة الوثائق الأرشيفية للحرب النازية التي قدمها كلاوس ميشيل و ملامان و مارتن كوبر من جامعة شتوتجارت والتي تم نشرها في وكالة الأنباء الفرنسية في 13 أبريل 2006).

وقد دخل رومل مصر التي تكبدت المزيد من الصعاب إضافة إلي هذا الجبروت والتجبر الذي تمتعت به الفوات البريطانية المستوطنة بالقاهرة الأمر الذي زاد من حنق سيد الشديد علي مستواه الشخصي.


العداء المتزايد للغرب

ومع أواخر الأربعينات شهدنا العديد من المتغيرات التي قلبت حياة سيد قطب رأساً علي عقب،حسبما يقرر مسلم.

لقد أصبح سيد مفكراً أخلاقياً حاداً جداً إلي جانب كونه مفكراً ومؤسساً للعداء للغرب ثم هو يؤسس لنقد الواقع السياسي والأدبي بأفكار معادية.

لقد أوضح سيد أنه من الضروري حفظ دين الدولة الإسلامية والمصرية وواقعها الثقافي،لكنه أيضاً من الضروري أن نعتمد علي التكنولوجيا الغربية كأداة وليس كغاية.وفي هذا الصدد،رفض سيد الداروينية ومن ثم المادية البيولوجية.

وكتب مسلم قائلاً "لقد أصبح سيد من ألد الأعداء للغرب في منتصف الأربعينات، ففي 1944 تنبأ سيد بسقوط الحضارة الغربية ومن ثم رحيلها عن عالمنا.

وقال معضداً بأن الحضارة الغربية فشلت إنسانياً فكان دورها إذاً أن ترجع القهقرى لتسمح للحضارة الإسلامية الجديدة بأخذ دورها الرائد في قيادة البشرية وخاصة أنها تنهج منهاج الروحانية الذي يعالج شتي المشاكل البشرية".

لقد انتقد سيد قطب فرنسا علي دورها الإستعمارى هذا في الجزائر و تونس و المغرب والذي استلزم قمع الليبراليين والقوميين هناك.

كما انتقد كذلك دور القوات الإنجليزية التي سيطرت علي مصر ومن ثم فرض حكومة وفدية علي جلالة الملك سنة 1942.

كما لم تسلم أمريكا هي الأخرى من نيران نقد سيد قطب الذي لامها بشدة علي دعمها للميليشيات اليهودية علي الأراضي الفلسطينية.

وفي مقاله الرسالة 21 أكتوبر 1946 كتب يقول "كيف لي أن لا أكره وأبغض الغربيين،أنا أكرههم بلا استثناء الفرنسيين والبريطانيين والهولنديين والأمريكان،هل هناك من مندوحة تثنيني عن ذلك.

لكني فوق كل ذلك أكره العرب والمسلمين الذين يعتقدون في الغربيين وصدقهم ويعتبرونهم طوق النجاة لهم" لقد صب سيد قطب جام غضبه وشديد حنقه علي الغربيين بل مضي قدماً في انتقاد العدالة المنتقصة حقها في الداخل مما أدي إلي تصارعه مع الوفد.

لقد رفض قطب كل أشكال الثقة المتبادلة مع الغرب بأي صورة وخاصة بعد أن دنا لنا وجههم القبيح، وما زال ينتقد أيضاً هذا الوضع المزري الذي تتمتع به الطبقة العليا من امتيازات علي حسب القواعد الشعبية ومن ثم موالاتهم للقوي الخارجية لضمان بقائهم علي ما هم عليه.

كما لم تسلم الأداة الإعلامية هي الأخرى من نقده اللاذع الذي عنفهم بشتى صورهم وأدواتهم علي بث المزيد من المواد التي اعتبرها مشينة أخلاقياً.

لكن مازالقطب علي ولائه لفكرة القومية العربية علي حساب الفكرة الإسلامية وخاصة أنه لم يكن لينضم تحت طائلة حزب أو جماعة علي الرغم من أنه بات نشيطاً إلي أبعد حد.

لقد ركز قطب في هذه الحقبة الزمنية علي الكتابة لمجلتين متطرفتين هما العالم العربي "جريدة قومية عربية" والفكر الجديد "جريدة نشرت ما بين يناير و مارس في 1948 ترأسها شخصيات متطرفة من الإخوان".

لقد تعرض قطب في هذه الفترة إلي فكرة الإخوان الإسلامية لكنه ما زال يصر علي أن التنظيم الإسلامي في هذه المرحلة ليس أمله ولا مطلبه.

لقد رأي قطب الإسلام في مرحلته هذه كبديل للشيوعية ومن ثم يقتضي المساواة بأي شكل ممكن بين الناس فيطعم الجائع والمسكين ويكسو العرايا ويكسب المعدمين ويسمح دموع الحزن عن البائسين.

لقد بات مقتنعاً إلي جانب إخوانه الكتاب في الفكر الجديد"الجريدة التي لم تستمر إلا فترة بسيطة" بأحقية الإسلام لأن ينادي بمبدأ المساواة بين الطبقات فيوزع الأراضي بالتساوي بين الناس ويحقق كل أُطر التعاون والدعم بين العمالة ورأس المال بدلاً من الصراع والشقاق والخصام.

ثم استجاب البلاط الملكي للوائح الاتهامات هذه فقرر القبض عليه لولا أن رئيس الوزراء ساعتها كان محمود فهمي النقراشي الصديق القديم في حزب الوفد قد أمر المشرفين علي سيد في وزارة التعليم بتحرير بعثة دراسية له للسفر لأمريكا لدراسة التعليم وأنظمته هناك.

فسافر سيد قطب لأمريكا في 1948 تاركاً خلفه مؤلفاته التي ألفها كان آخرها ما أعده للنشر المسمي "العدالة الاجتماعية في الإسلام".

وكان هذا الكتاب أول منشوراته باللغة الإنجليزية والذي نال صدي واسعاً حيث نشره المجلس الأمريكي للجمعيات التعليمية وما زالت هناك نسخاً مزيدة من قبل الكاتب نفسه ون قام له بالترجمة.

كما ركز الكاتب،حسبما يؤكد مسلم،علي أن مجتمع الإسلام الأول هو المجتمع المثالي الذي يجب أن نستحث الخطي إليه.

كما أكد قطب علي أن العمل بالإسلام بشتى أنظمته السياسية والاقتصادية هو الضمان الوحيد لبزوغ شمس المسلمين من جديد وسطوع قمرهم الآفل كما أنه الضمان الوحيد للقضاء علي الصعوبات التي تعترض طريقنا يوما تلو الآخر،فبدونه لا تستقر لنا قدم في معتركات هذه الحياة.كما بات قطب يؤكد علي أننا وصلنا إلي هذه النهاية بما كسبت أيدينا وليس بما تجناه الغرب علينا.

لقد اعتبر قطب أن نقطة الهبوط في الحضارة الإسلامية كانت من حيث تولي بنو أمية سدة الحكم وممارسة الطغيان الذي أصبح طبيعة الحكم في أرض الإسلام من يومها.

فخلص قطب بعد ذلك إلي أن العصر الذهبي في تاريخ الحكم الإسلامي لم يكن سوي 29 عاماً فقط منذ انتقال الرسول إلي الرفيق الأعلى في 632 ميلادية.

لقد كان هذه المجتمع،يستطرد سيد قطب،من أميز المجتمعات،تجد فيه السخاء والجود ولا يجد الطغيان فيه طريقاً ففيه حرية وسماحة ومسؤولية إلي جانب تحمل من لا يجدون من يحملهم بالصدقة و القربى والإحسان.

ثم أكد قطب علي أنه منذ أن انحرفت الأمة عن هذه الخصائص والمبادئ السامية استحقت أن تكون في ذيل الأمم حتى وإن بدا لنا أنها في أوج مجدها وانتصارها.

لقد سلمت الأمة الراية للحضارة الغربية مع أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين لتأخذ دورها الحضاري بعد عجز أمة الإسلام عن النهوض بدورها.

لقد أخذ قطب إذاً موقفاً ثابتاً من كيفية الحصول علي الحضارة في ظل هذه الأطماع الاستعمارية التي توجت توجهات الحضارة الغربية.

ففي حين رفعت الصين شعارها "العلم والديمقراطية" في 1920،رفض قطب الاستعانة بالروافد الغربية مؤكداً علي أن بديننا ما يكفينا من إحقاق لمبادئ العدالة الأمن الاجتماعي وتقسي الثروات بالتساوي بين الأغنياء والفقراء وغيرها من المبادئ الإسلامية الأصيلة.

كما أكد قطب رفضه التام للاستعانة بالديمقراطية الغربية مؤكداً علي أنها انبعاث آخر لأفكار مادية بشرية مثلها مثل الفكرة الشيوعية سواءً بسواء.

قطب في أمريكا (نوفمبر 1948- أغسطس 1950)

أبحر سيد قطب من الإسكندرية إلي نيويورك في نوفمبر 48 وتجول في الولايات هناك من واحدة لأخرى من نيويورك إلي واشنطن إلي جريلي ثم إلي دينفر ثم إلي كولرادو ثم في النهاية إلي كاليفورنيا،وقد قضي أوقاتاً في سان فرانسيسكو وبالو ألتو وسان دياجو.

وتحدث مسلم عن هذه الفترة الزمنية في حياة قطب فيصرح بأنه كان متضايقاً تماماً من هذا المجتمع الجنسي المفتوح علي مصراعيه (رغم أنه كان قبل حركة الحب المفتوح في الستينات).

ثم يستطرد قطب واصفاً هذا المجتمع فيقول بأهم يبحثون عن الأجساد التي تلبي متعتهم فقط من جسد إلي جسد حتى تشبع نهمتهم وتلبي رغبتهم،تجدهم ينتقلون من جسد حيث اللذة إلي جسد آخر حيث لذة أخري فكان مجتمعاً بهيماً تعمل فيه قوانين البهائم الذين يبحثون عن شهوتهم أينما وجدت فلا مجال للارتقاء الروحي أوالإعداد النفسي بل ربما لم يكن لديهم وقت يضيعوه في التمهيد لهذه العملية الشهوانية البهيمية.

لم يتورع قطب في هذا الأثناء أن يتهم المجتمع الأمريكي بأنه مجتمع فاحش داعر لم يستطع أن يقضي علي الفاحشة والدعارة وبقي أسير الشهوة والشذوذ الذي عم الآفاق ليصل إلي الكتب والمواد الإعلامية.

ثم لم يتأثر قطب بموسيقي الجاز الأمريكية واصفاُ إياها بأنها نبعت أساساً من السود لتلبي رغباتهم وحاجاتهم البدائية ويدل علي ذلك أسلوبها البدائي الموحش.

مضي قطب ناقداً أمريكا ومشاركتها في حرب كوريا التي اندلعت في يونيو 1950.وانتهي مسلم قائلاً "لقد عزز وجود قطب في أمريكا فكرته الإيمانية بأن الإسلام وحده هو الكفيل بأن يكون حلاً ناجعاً لإنقاذ البشرية من الرأسمالية التي لا تجد لها ربا تأوي إليه.

لم يوافق قطب علي كل حال ما فعلته جماعة الإخوان المسلمين وقائدها حسن البنا في 1928 في الاعتماد علي تشكيل جانب مسلح يهدف إلي طرد الاحتلال البريطاني من مصر حتى مع تعاونهم مع النازية الألمانية ضد الاحتلال البريطاني 1930.

ثم سعي الإخوان من أجل الإطاحة بالنظام الملكي إلي الاغتيالات لقلب نظام الحكم،فسعت الحكومة من جانبها لحل الجماعة في ديسمبر 1948.

فرد الإخوان علي هذا القرار الحكومي باغتيال رئيس الحكومة النقراشي باشا في نفس الشهر فما كان من الحكومة إلا أن تستدرج حسن البنا المرشد العام لها وتغتاله في فبراير 1949.

علي هذا الصعيد احتفلت أمريكا وانجلترا و غيرهما الكثير بهذا النبأ الإخباري الذي هز أركان سيد قطب وارتعدت لف فرائسه فبات معترضاً بكل غضب علي هذا التعامل الاحتفالي وما هي إلا أيام وعاد إلي القاهرة في أغسطس 1950 واستقبله في المطار وفد من الإخوان المسلمين ورحبوا به أيما ترحاب.


رؤيته لنظام الحكم الإسلامي

لقد ركز خطاب قطب في مرحلة ما قبل انقلاب عبد الناصر في 52 علي خطابه المناهض للرأسمالية النظر لموضع الفقراء في البلاد ومن ثم توزيع الثروات.

ثم تحرك قطب في هذه المرحلة الخطابية ليحشد الناس للفكرة الإسلامية السياسية وأحقيتها في أن تتجاوز الحدود فلا تعترف بحد حكومي يفصل بين دولة ودولة أو بين مسلمين ومسلمين.

ثم هذا النظام الإسلامي العادل الذي يسوى بين الناس حكاماً ومحكومين في إطار ديني لا يعلو عليه نظام.

ويلخص مسلم فيقول " لقد كان يعتقد قطب في ضرورة أن يحكم الإسلام بأي شكل ممكن ويهيمن علي هذه الحياة فيضفي عليها الصبغة الإسلامية.

فالإسلام ليس عبادات تؤدي أو شعائر تقام في المساجد وبيوت العبادة كالنصرانية،لكنه نظام حياة قبل كل ذلك بنص القرآن الذي ينهي عن استبعاد الإسلام من الحكم فيقولها صريحة ويعلنها مدوية في سورة المائدة "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون" والخطاب هنا يشمل المسلمين وغيرهم في وجوب تطبيق نظام الإسلام علي المستوي الشخصي ثم الارتفاع به إلي الساسة والحكام ليحكموا به العامة".

ثم دافع قطب عن فكرة حكم الإسلام هذه إلي حد بعيد فهو يري ضرورة تحكيم الإسلام بغض النظر عن الاستجابات الدولية التي تعبر عن تناسق أو تنافر حيال هذه العقيدة.

ثم يمضي قطب فيؤكد علي أنه من حق المسلمين أن يعيشوا عيشة هانئة كغيرهم من البشر وإنه لمن أكبر الكبائر أن يسعى هؤلاء الحكام ليجعلوا أنفسهم خلفاء الله في الأرض فيحرمون ما أحل الله ويحلون ما حرم فيحق للناس حينئذٍ أن يعبدوهم لا يشركوا بهم شيئاً.

وعليه كانت انطلاقة الحركات المسلحة وتأسيسها ببكة مبادئ قطب التي أرساها ومنها: أن لكل أمة ثلاث خيارات مع دعاة الإسلام: أن يعتنقوا الإسلام أو يدفعوا الجزية أو يستعدوا للقتال و الجهاد.

وعليه فمن رفض الإسلام لابد أن تتم محاربته علي خلفية أنه يمنع خير الإسلام من أن يصل إلي هؤلاء البش البائسين المتعطشين له مع كر الأعوام وفر السنين.

وإذا تغلب المسلمون علي عدوهم هذا وجب علي هذا العدو دفع الجزية لأنه أصبح من روافد الدولة الإسلامية التي حاربها (الإسلام والسلام العالمي،انديانوبولس صفحة 73 و 74).

ثم دعي إلي ضرورة الدعوة للدولة الإسلامية المنفردة لكن لابد قبل ذلك من محاربة كل من يخول بفكره هذه النزعات القومية التي تفرق جمهور الأمة ولا تجمعه علي حد سواء.

وفي 1951 بدأ سيد قطب في الكتابة لجماعة الإخوان المسلمين مادحاً جهازهم السري هذا الذي لم تهدأ له بال في محاربة الاحتلال البريطاني رغم أن الدولة المصرية آنذاك ما زالت تحت الحماية البريطانية.

لقد كان الهدف من تشكيل هذه الجماعات المسلحة علي ضفاف القناة هو محاربة القوات البريطانية التي أخذت تجول في البلاد طولا وعرضاً حتى تم اعتقال بعض هذه الجماعات في الأربعينات ثم لم يلبث عام 1952 أني يأتي حتى أعاد للجماعة اعترافها القانوني الذي سلب منها قبل ذلك بسنين في مايو 1952.

ثم أتت بعد ذلك ثورة الضباط في يونيو 1952 والتي شكلت حكومة جديدة تدخلت فيها جماعة الإخوان بشكل تنظيمي بعد الإطاحة بالملكية الظالمة.

لقد كان منبع الثورة عند سيد قطب في منزله حيث اجتمع القادة عند سيد قطب الذي كان يعرفهم واحداً واحداً ومنهم جمال عبد الناصر.

االرئيس محمد نجيب

تشكلت الحكومة برئاسة محمد نجيب أو بالأحرى جمال عبدالناصر وكان قطب من أحد أعضاء قيادة الثورة حيث كان يشغل منصب إعداد المناهج الدراسية وتم إعداده مستقبلاُ ليشغل منصب وزير التعليم.

لقد تخلي إذاً سيد قطب عن فكرته التعددية الإسلامية ليدعم فكرة مساندة الدكتاتورية الثورية،يتضح ذلك جلياً حينما دعم الحكم الصادر ضد عاملين شيوعيين بشركة مصر للغزل والنسيج بكفر الدوار اللذان حكم عليهما بالإعدام للتخطيط لإضراب أغسطس 1952.

لقد أتي مجلس الثورة بقيادة نجيب وعبد الناصر بمعرفة الإخوان وبدعمهم لكنهم لم يكونوا عازمين علي إقامة دولة إسلامية في مصر بعد هذه الثورة.

من هذا المنطلق قام مجلس قيادة الثورة بتنحية العديد من الضباط الأحرار القريبين من الإخوان.

قام المجلس بعد ذلك بحل كافة الأحزاب السياسية،أما الإخوان فتم حظرهم كجماعة إسلامية في 1953 وتم إنشاء جبهة ليبرالية مناوئة.

ثم قام قطب بالاستقالة منصبه في الحكومة لتفوته فرصة وزير التعليم ليقبل تعيينه بالإخوان مسئول اللجنة الإعلامية.

يعترف سيد قطب في سجنه في 1965 أنه التحق بالإخوان المسلمين بسبب جديتهم في ملاحقة المشاريع الصهيونية المتلاطمة بموجات مضادة تعرف علي صداها من قريب ومن بعيد كان آخرها ما علمه من موقعهم الحقيقي في الغرب أثناء دراسته بأمريكا اللغة التي ربما لاحظتها في كلام طلابه من أبناء القاعدة اليوم.

ثم استمر الإخوان في رفضهم لنظام عبد الناصر ونجيب العسكري الذي ربما لم يستوعب الدرس جيداً في مقاومة الإنجليز.

وفي يناير 1954 احتج الإخوان علي قرار مجلس قيادة الثورة بحظر جماعة الإخوان بشتى نشاطاتها فما كان من القيادة إلا أن اعتقلت الكثير من قيادات الجماعة كان منهم سيد قطب.

وقد قام عبد الناصر بعدها بقليل بتنحية محمد نجيب ليكون مكانه في سدة الحكم وخاصة أنه أقعده حبيس منزله بقرار جمهوري حيث نسب إليه تنظيم أحداث المنشية لاغتيال عبد الناصر والتي تورط فيها الكثير من قيادات الإخوان آنذاك.

المستشار الهضيبى

قامت الحكومة بالحكم بالشغل المؤبد علي المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين يومها حسن إسماعيل الهضيبي وشنق ستة من إخوانه في التنظيم السري.

ودخلت الجماعة من يومها إطار الحظر القانوني وتم الحكم علي سيد قطب بعد اعتقاله في نوفمبر 54 بخمس عشرة سنة مع الشغل والنفاذ.

بقي قطب في السجن بعدها حتى مايو 1964 وتم الإفراج عليه لسوء أحواله الصحية.


عقد كامل في السجن: تكفير المجتمع العلماني

لقد قضي سيد قطب معظم فترات اعتقاله في المستشفي حيث كان يعاني من آلام في الكبد والرئة لكن الفترة التي كان فيها خلف القضبان مؤثرة في شخصيته أيما تأثير.

لقد تأثر قطب كثيراً حينما دفعوا بواحد وعشرين من الإخوان في سجن ليمان طرة .

لقد كان مسموحاً لسيد قطب بالكتابة خلال الفترة التي قضاها في المعتقل ما بين 1954 حتى 1965، وخلال هذه الفترة أسس سيد قطب لفكرته المتطرفة المسلحة لتكون نذيراً للخروج إلي الواقع وتستمر نيف أربعين سنة بعد موته.

لقد أخذ سيد قطب فكتين أساسيتين عن الكاتب والمفكر الباكستاني المتطرف أبو العلاء المودودي هما الجاهلية و الحاكمية.

لقد وصف قطب المجتمع بالعودة للجاهلية من جديد في حين أن هذا اللفظ كان يستعمل إبان عصر الرسول حينما أغلقت القوتان العظمتان آنذاك طريق التجارة الذي كان يمر العرب من خلاله فعاش العرب في ظلمة وجهل غير معهود،من هنا كان لم يجز وصف المجتمع الآن بمثل هذه الأوصاف لعدم التطابق.

عمد قطب إلي التأليف منذ تم القبض عليه فأسس لمشروعه الكبير "في ظلال القرآن" وقد توقف فترة ما لأسباب تعسفية إلا أن الناشر قام برفع دعوى قضائية تخول الكاتب بالسماح له بالكتابة لاستكمال عمله الضخم الموسوعي حتى لا يتعرض الناشر للإفلاس.

هذا وقد تم ترجمة هذا العمل بشكل مختصر كما تم عمل نسخة إلكترونية منه علي شبكة المعلومات الدولية.

كما كان أيضاً من أهم الأعمال التي ألفها "معالم علي الطريق" الذي أسس فيه لفكرة الجاهلية وكيفية التعامل مع هذه المجتمعات والتعاطي مع مبادئها العلمانية، فقد كان يطلق مبدأ المجتمع العلماني ليراد بها المسلم وغير المسلم.

لقد دعي من خلال هذا الكتاب إلي تكفير كل المجتمعات التي لا ترتضي عبادة الله الواحد ويخضعون لجور السلطان ووطأة الحاكم كما دعي إلي التنحي عن هذه المجتمعات الجاهلية الكافرة واستهداف تغيير تلك المجتمعات بكل شكل ممكن وبكل قوة ممكنة، كل ذلك جاء من خلال المرجع الذي أعده ليكون دستور الحركات الجهادية المسلحة ومادة دسمة تعينهم علي الطريق من خلال "معالم علي الطريق".

في هذا الصدد دعي قطب إلي استبدال تلك المجتمعات العاطبة الجاهلة بتلك المجتمعات العاقلة المؤمنة التقية وهو ما سماه بالحاكمية.

لقد دعي إلي الجهاد بالسيف ضد الجاهلية المعاصرة بشتى صورها وفي مختلف مناحيها من أجل أن يطبق شرع الله وتسود كلمة الله الباقية علي يد عباده المؤمنين الذين يكافحون لاستبدال واقعهم الجاهلي بآخر يحتكم إلي الدين والعقل والحكمة.

ربما نكون محقين إذا قلنا أن قطب قام بتتبع خطوات لينن وثورته وخاصة استراتيجيته في تقسيم العالم.

لقد قسم قطب العالم إلي فريقين ،حسبما كتب في كتابه "دين الإسلام" 1962، فريق يعبد الله تعالي فهو له طائع وبين يديه خاضع وتحت لوائه تابع وحامل، وفريق آخر يحمل لواء الشيطان ولا يرضي بحاكمية الرحمان ويسلك نهج الشيطان في تدبير الأمور وتبنيها فهو ليس منضماً إلي صف حملة لواء الله وإن كان ممن آمنوا به شفاهيةً ولم يعملوا بمقتضي إيمانهم.

ثم تابع كتاباته في هذا الأثناء ليخرج في 1965 بكتاب يسمي "الإسلام دين المستقبل" ينص فيه علي أن الإنسان الأبيض قد تجاوز حدوده في التعامل مع حضارة الله فهو لم ينشئها كما أراد الله بل ثار علي كل المناهج التأسيسية للحضارة كما يريده الله لخلقه تبعاً لطبيعة تكوينهم كمخلوقات بشرية.

ثم خرج سيد قطب من المعتقل بمعرفة عبد السلام عارف العراقي في أواخر 1964 وقد استقبلته جماعة الإخوان المحظورة وقتها بكل ترحاب ليخططوا لنظام تربوي إسلامي يصل بالأمة بعد ذلك لتؤسس للدولة الإسلامية وقد اشترطوا سرية هذا المخطط وإن عرفت به الحكومة يتم اغتيال أعضائها تباعاً.

لم ينفذ هذا المخطط التربوي وعلمت الحكومة به فبادرت باعتقال كوادر الجماعة كان علي رأسهم السيد قطب مرة أخري في أغسطس بتهمة التخطيط لاغتيال عبد الناصر والإطاحة بالحكومة.

هذا وقد تم تسجيل كتاب "معالم علي الطريق" ليكون شاهد القضية التي استخدمته الحكومة ضد المعتقلين. وعلي الرغم من تدخل منظمة العفو الدولية لحل الإشكالية إلا أنه تم إعدام سيد قطب وغير واحد من إخوانه في 29 أغسطس 1966.


باول بيرمان ونقد قطب للمسيحية

ويأتي دور باول بيرمان هو الآخر الذي كتب مقالاً في نيويورك تايمز يقول فيه بوجود الشبه القريب بين كارل ماركس وسيد قطب بل إنه حسب تصوره "كارل ماركس الجهاديين".

عمد بيرمان إلي مؤلفه الضخم "في ظلال القرآن" نقداً وتحليلاً فكرياً مقارناً.استعان الأخير بالجزء الذي اكتمل من الظلال باللغة الإنجليزية وخاصة ما تناول فيه حاكمية القرآن والتفرقة بين الأديان والدين الإسلامي.

ثم أكد قطب علي أنه الإسلام بشريعته الغراء جاء بعد شريعتين عظيمتين هما اليهودية والنصرانية وقد ركز في شريعته علي أن تكون الشريعة هي الحاكمة للإسلام ولا يتم استبعادها كما فعل بتنحية الكنيسة عن الدولة الأمر الذي بات مستنكراً علي كل حال.

تجول بيرمان داخل حدود "ظلال القرآن" فوجد أسلوب قطب الجذاب في عرض نقاط السورة مجملة وما فيها من معاني بلاغية وموسيقي خيالية جذابة تشد الأذهان إليها وتخطف الأبصار نحوها ثم يعمد قطب إلي إبراز الأحكام والدخول في التفاصيل إن احتاج الأمر ذلك فتتنوع مواضيع شرحه وكل الموضوعات ذات الصلة من كيفية الصلاة لينتقل إلي حكم عدة المتوفى عنها زوجها لينتقل إلي مسألة أعقد وهي زواج المسلم من كتابية أو غير مسلمة ثم يطوف بحكم الربا وموضوعاته وكيفية معالجة الإسلام له وحكم القرض وغيره من ألاف الأحكام التي تعرض له.

ثم لا يألوا قطب جهداّ أن يشرح بعد عرضه للسورة وما قاله المتأخرون من المفسرين فيها أن يعمد إلي الواقع الدولي وليس المصري فيحدد مشاكله التي يعاني من تضخمها.

"يصف قطب البشرية بأسرها بأنها عادت أدراجها ليكون أقل من البهيمة حينما اتجهت نحو الغرائز البشرية البهيمية ونسيت عقله وفطنتها، فهي تخرج من سيئ لأسوء وتتكبد الويلات جراء هذا الاضمحلال الذي منيت به".

ثم ساهم كذلك هذا الانفتاح الذي أصبح سمة العالم المتحضر في دحس عقائد البلاد وتنحيتها من قبل المهاجرين إليها فتقضي علي عقائد البلاد وتدخل رافداً جديداً عليهم لا ينفك عنهم ويطور أمرهم إلي الأسوأ.

ثم أدي كذلك التقدم العلمي والتكنولوجي إلي التجرؤ علي قواعد البشرية وانتهاك حرمات قواعد الكون مما يؤدي لا محالة إلي الكفر والجحود.

فعلي الرغم من أن الكثيرين ينعون اضمحلال القيم والمبادئ والغايات، إلا أن الحياة ما زالت مستمرة علي كل حال.

وما زال الناس متأهبين ومستعدين لتحمل المزيد والمزيد ما داموا يخرجون من حلم الشيوعية ليدخلوا حلم عودة المسيح من جديد وأخيراً حلم قطب الأخير بعودة حكومة العالم الإسلامي الموحدة.

لقد وضع سيد قطب أمام العيان الاختلافات الأساسية بين الإسلام والمسيحية فيما يخص علاقتهما بالعالم الخارجي.

فصرح الأخير أن المسيحية ارتضت أن تفصل بين شؤونها وبين هذا العالم الذي لا يتناسب مع روحها ومعتقداتها، لكن الإسلام أخذ دوره في ملء هذا الفراغ ولم يتخلى عن دوره الريادي القيادي في الحياة بغض النظر عن الطوارئ التي تطرأ عليه أو المتغيرات التي تعصف به.

وكتب بيرمان ثانية عن رؤية قطب فقال" لقد كان الأوربيون يفهمون الحياة في ظل النصرانية شيئاً خاصاً بالله وآخر للعلم، أو شيئاً خاصاً بالدين وآخر التفكر والتدبر والتأمل والتعلم، فقد فصلوا بين كل الجزئيات التي لطالما جمع الإسلام بينها".

كما صور قطب هذه الفصول الدراماتيكية للفصل بين الدين والدنيا أو بينه وبين المجتمع أو بينه وبين العلم أو بينه وبين السياسة علي أنها "انفصام داعر في الشخصية".

ثم لم يسلم اليهود أيضاً من نقد سيد قطب وخاصة أنهم عانوا معاناةً ربما لم يسبق لا مثيل في أسرهم علي يد حاكم ظالم ثم نفادهم من تحت وطأته وكيف تعامل القرآن مع نفسياتهم المختلفة المتقلبة، كل ذلك كان من أولويات سيد قطب في الكتابة عن اليهود في كتابه الظلال.

ثم ينظر قطب إلي الصهيونية نظرة عابسة ويعتبر هدفها الأسمى ومستهدفها الحقيقي هو الإسلام وأُطر القضاء عليه.

ثم يستمر قطب في نقده لأمريكا فيصرح أنه لا يكرهها إلا بدافع قيمها ونظامها المؤسسي. ثم كتب "إنني لا أري المواجهة بيننا وبينهم متكافئة وخاصة أن المصادر والموارد الاقتصادية وغيرها غير متكافئة إذاً فهو ليس إلا تقصيراُ من صالحنا ولا نلوم أحداً غير أنفسنا إذ أعطيناهم الفرصة ذاتها ليتحرشوا بنا ما دمنا نلعب في أيديهم كالصغار".

كما صادر قطب أي أفكار تنحي الإسلام عن القيام بدوره الاجتماعي الذي يمثل جزءاً لا يتجزأ من هذا الدين وليس شيئاً دخيلاً ومن ثم فلا يجوز انتقاص دوره أو مصادرته أو حتى وضعة تحت الاختبار فهذه مرحلة قد تعداها الإسلام منذ آلاف السنين" ثم عقب بيرمان قائلاً "إن المواجهة الحقيقية والمنازلة الحقة ستتمحور حول الإسلام ودوره في المجتمع وطرق تطبيقه علي هذا المستوي ومستويات أخري تلحقه، وليست هناك مواجهة غير هذه".

هذا ولسوء الحظ فقد أصبح قطب وأعوانه من مؤسسي مبدأ تحكيم الشريعة في كل أمور الحياة العامة حسبما يريد الناس فهم يرون القصاص العين بالعين والسن بالسن والأنف بالأنف والنفس بالنفس، يجدون هذا القصاص علاجاً ناجعاً لمثل هذه الآفات إلي جوار غيرها من آفة الزنا التي تعتبر انتهاكاً لا يسبق له حد للعفة والطهارة والخلق العفيف فكان عقابها من جنس الفعلة.

لذا كان عقاب المتزوج الزاني أو الزانية هو الرجم بالحجارة حتى الموت ولغير المتزوج مائة جلدة والتغريب عاماً كاملاً عن البلد.

كما تم تحديد حد القذف للعفيفات الطاهرات بالجلد ثمانين جلدة والتغريب عاماً كاملاً. ولهؤلاء الذين يهددون أمن البلاد كان الجزاء الأعنف حيث القتل أو الصلب أو تقطيع الأيدي والأرجل أو النفي خارج البلاد.

والشريعة عند سيد قطب تعني الكثير، فهي عنده تحرير للعقل من سلطان الهوى والنفس الذي يطاردها كما أنها تحرير للنفس من هذا الانفصام الشخصي الموجود في العصر الوليد هذا.

إن الشريعة عنده تعني نظاماً حاكماً عادلاً يطلب الكمال وحرية البشرية وكرامتها، أو هو نظام اقتصادي متكامل أعظم من النظام الشيوعي بل كل الأنظمة الدكتاتورية في القرن الواحد والعشرين، أو هو حسبما يصرح "نظام يحرر الإنسان من عبودية غيره له".


حركة الجهاد وميراث سيد قطب

بدأ تأثير سيد قطب الحقيقي بعد مماته بقليل، حيث اتخذ الجهاديون، حسبما نقل عدنان مسلم عن المفكر اللبناني رضوان السيد قوله، كتاب السيد قطب الشهير "معالم علي الطريق" ليكون مرجعهم الأساسي.

فمن بين ثنايا سطور هذا الكتاب خرجت الجماعات الجهادية المتطرفة كالجهاد وغيرها.ثم عمد مسلم بعد ذلك بسرد الحركات التي قد تأثرت بفكر السيد قطب وكتاباته كان أهمها:

حركة طالبان وحركة التحرير الإسلامية مورو والإسلاميون في أوربا والإتحاد السوفيتي السابق إضافةً إلي الجماعة الأكثر تطرفاًُ في المنطقة وهي الجماعة الإسلامية في الجزائر وكذلك الإخوان المسلمون في سوريا.

وجدير بالذكر فقد كان الضابطان اللذان نفذا حادث اغتيال السادات في 1981 أعضاء في جماعة الجهاد المصرية التي انبثقت من رحم جماعة الإخوان المسلمين التي ترأسها آنذاك أيمن الظواهري الطبيب البشري الذي يعتبر الرجل الثاني في القاعدة الآن.

وفي سيرته الذاتية التي نشرت له في لندن 2001 تحدث الأخير عن دور كتابات سيد قطب العظيمة في قراره للتحول لجماعة الجهاد.

وفي 1998 تحالفت القاعدة مع الجهاد مكونةً تخالفاً عالمياً يضم أوربا وأفريقيا وآسيا والشرق الأوسط أسمتها الجبهة الإسلامية الدولية للجهاد ونادت من خلال هذه الجبهة الدولية كطل المسلمين باستهداف المصالح الأمريكية والأمريكان أنفسهم قدر الإمكان.

كما باتت الجماعة الإسلامية التي تولدت هي الأخرى من رحم الإخوان في مصر بقيادة الشيخ الكفيف عمر عبد الرحمن مقتنعة تمام الاقتناع بأفكار سيد قطب وأيدلوجياته.

لقد كان من أعظم أعمال هذه الجماعة الإرهابية المتطرفة وأكثرها دموية ما حدث في الأقصر في السابع عشر من نوفمبر 1997 حينما هاجموا قافلة سياحية قتلوا فيها ما يقرب من 58 وجرحوا ما يقرب من 20.

قام مجلس العلاقات الخارجية علي إثرها بالتصريح بأن هذه الجماعة هي الأكثر تطرفاً في مصر. كما صرحوا بأن هذه الجماعة تتمتع بوجود داخل وخارج مصر. والجدير بالذكر فقد شاركت هذه الجماعة في اغتيال الرئيس الراحل السادات في 1981.

قام الشيخ عمر عبد الرحمن باستصدار فتوى اغتيال السادات فتم اعتقاله من 1981 حتي 1984 ثم تم نفيه خارج البلاد ليذهب إلي أفغانستان حيث التحالف مع القاعدة في حربها ضد السوفييت.

انتقل عمر من أفغانستان إلي الولايات المتحدة في نيويورك تحديداً في أوائل التسعينات ليلتف حوله المزيد من مريديه وينشأ هناك جيلاً يقوم بالعديد من العمليات.

ضمن هذه العمليات كان مهاجمة مركز التجارة العالمي والتجسس علي الأمم المتحدة وغيرها من الجهات مثل اف بي آى .

قام المدعي العام الحكومي بعد هذه الأعمال باعتقال الكثير من مريديه علي خلفية شرائط فيديو تظهر إعداد المتفجرات أسفل جراج مغلق قبل إلقاء القبض عليهم في 1993.

وقد تم القبض علي الشيخ عمر إلي جانب إخوانه في 1993 كما تم الحكم عليه بالسجن مدي الحياة بتهمة التخابر والتآمر الخارجي إلي جانب العديد من التهم كان منها الضلوع في التخطيط لاغتيال الرئيس مبارك.

حركة الجهاد الاسلامى

كما أكد مسلم أن جماعة الجهاد الفلسطينية إلي جانب حماس إلي جانب حزب التحرير الذي انتشر في غير بلد واحد في الشرق الأوسط حتي وصل إلي بريطانيا،كل هؤلاء يتبنون أفكار السيد قطب الجهادية علي مستواها العام.

ثم قام مسلم بالتأكيد علي هذه التأثير الذي تمتع به قطب وكتاباته لم يمكن ليكون بهذا الشكل لولا هذه مرحلة اعتقاله وسجنه التي قضي فيها معظم وقته للتنظير لتلك الأفكار.

ثم لخص مسلم كتابه الذي مات ولم يكمله "مكونات الفكر الإسلامي" قائلاً بأنه ما زال يؤكد علي أن الجاهلية ومجتمعها لا بد أن لا يكون لها مكان وسط عالمنا المعاصر.

وفيما يخص اليهود والنصارى لم يضع قطب لهم خياراً سوي أن يدفعوا الجزية وهم صاغرون للدولة الإسلامية القائمة.

في هذا الصدد يتهم الشيخ الدكتور القرضاوى العالم المصري المشهور سيد قطب بأنه يفسر القرآن بأسلوب أكثر راديكالية حيث يختار الآيات التي تحث علي العنف ويتجنب الآيات التي تحض علي السلم وهي كثيرة وفيرة.

وقد وصف فواز جرجس في كتابه "العدو البعيد: تعريف جديد للجهاد" والذي نشر في مطبعة جامعة كمبريدج،يصف فيه سيد قطب وأفكاره بأنها باقية أبداً حيث تتنامى وتتعاظم في نفوس أتباعه بعد موته بسنين.

وقال بأن أيمن الظواهري الذي يعتبر أحد المنظرين لهذه الفكر الجهادي اليوم يتتبع هو وأصحابه وصايا سيد قطب لهم بشن جهاد دائم أبدي لمنع هذه الظلم وإحقاق الحق والعدل ومن ثم توجيه الناس إلي عبادة الله وحده وترك ما عداه.

ثم أن الجهاد عند قطب وأنصاره لا يعرف الحكم الذي يقول بأنه فرض كفاية كما ينص علي ذلك العديد من نصوص الشرع والفقه الحنيف وعلمائه السابقين واللاحقين،إلا أنهم أيضاً ينأون بأنفسهم عن أن يقولوا بأنه جهاد دفع دفاعي لمنه عندهم جهاد طلب وعدوان.

لذا فهم يتهمون كل العلماء الذين ينظرون إلي فكرة الجهاد عكس ما يرون من أفكار وأيدلوجيات علي أنهم متخاذلون عملاء،فالجهاديون إذاً لا يريدون حرباً دفاعية أو حرباً منتقصة الأركان،بل لابد من حرب هجومية كاملة.


مقتطفات من "معالم علي الطريق"

دورك الآن في التقييم

ليس هناك حق يخولنا أن نداهن الجاهلية ومجتمعها أو نتعايش مع هذا النظام الجاهلي الفاسد.

فالجاهلية مهما اختلفت الأيام قديماً كانت أو معاصرةً أو حتي في المستقبل فهي لا تزال جاهلية كما هي.

هلا لا تزال ترفض حكم الله والانصياع لأوامره واجتناب نواهيه،فهي لا تزال تعبد أحداً غيره وتسأل رباً سواه.

فقد استوحت مبادئها وقيمها ووجودها ككل من غير الله،والمسلمون لا يعبدون إلا الله ولا يرون غيره خالقاً بارئاً لهذا الكون.

فالمجتمع الجاهلي اليوم يعبد بعضه بعضاً حيث يتسلط عليهم أحدهم فيأمرهم بطاعته وعصيان من سواه بعض النظر عن ما إذا كانت أوامره ونواهيه تتماشي مع خالق هذا الكون أن تتعارض،ولم يكن عليهم إذاً إلا الطاعة العمياء لغير الله.

فالمسلمون لا يستقون أو يستوحون شريعتهم إلا من الله خالقهم ورازقهم الذي يستحق الطاعة المطلقة وحده فمنه يكون مصدر الإلهام والوحي وتنظيم شئون الحياة حسب إرادته الحكيمة وحكمته الرشيدة.

والإسلام لا يضع حلاً مؤقتاً للجاهلية أو يتعاطي معها أو يقلصها،فهو لا يريد أن تقسم الأرض نصفين بين الجاهلية و الإسلام.

قال تعالي "فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهوائهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدي من الله إن الله لا يهدي القوم الفاسقين"، كم قال في آية أخري "أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون".

لذا كانت مهمة الإسلام أن ينتزع الراية من هذه الفئة الجاهلة الحاكمة لتكون له ليحكم بما أنزل الله ويُعبد الناس لله وحده وترك ما عداه.

"في موقف مشهود يسأل رستم قائد الفرس ربعي ابن عامر رسول المسلمين للفرس يدعوهم إلي عبادة الله.

سأله رستم فقال من أنتم؟ فرد قائلاً "نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج من شاء من عبادة العباد إلي عبادة رب العباد ومن ضيق الدنيا إلي سعة الدنيا والآخرة ومن جور الأديان إلي عدل الإسلام".