سبعون عاما في حضن اللغة العربية 8

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ٠٩:١٧، ٢٤ أكتوبر ٢٠١١ للمستخدم Attea mostafa (نقاش | مساهمات)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
سبعون عاما في حضن اللغة العربية 8

أ.د/جابر قميحة

مقدمة

إلى المطرية من جديد

الحلقة الثامنة

كان لا بد أن أترك مدرسة المنزلة الثانوية إلى مدرسة أحمد ماهر الثانوية بالمطرية ، لألتحق بالفرقة الرابعة التي تؤهل لنيل شهادة هي " شهادة الثقافة العامة " ، لأن مدرسة المنزلة الثانوية لم تكن قد استكملت بعد ، ولم يكن تضم إلا الفرق الثلاث الأولى .

كان ذلك سنة 1951 م وكنت قد اكتسبت الكثير والكثير من دعوة الإخوان ، ومن قراءاتي المتعددة ، وخصوصا في الأدب . وكنت أتردد كثيرا على شعبة الإخوان في المطرية ، وكان تأثري الكبير في الخطابة بخاصة بالأخ محمد أحمد الأزهري .

ومن مدرسة أحمد ماهر كنا ننطلق في مظاهرات وطنية ، وكان على رأس هذه المظاهرات مجموعة طلاب المنزلة ، وكنا قرابة ثمانية ، من الإخوان . وكانت المظاهرة تبدأ بوقوفي في الفسحة الأولى ( بعد ثلاث حصص من الدراسة ) ، وألقي كلمة حماسية ، يتلوها هتاف قوي يوافق المناسبة مثل : "الله أكبر ولله الحمد ... الجهاد سبيلنا ... الحرية الحرية ... إلى الجهاد ... إلى الجهاد " .

كان ناظر المدرسة هو الأستاذ على عبد الرحمن النجدي ، وهو عم لثلاثة من الأساتذة ، عرضت لهم في الحلقة السابقة وهم : محمد أستاذ اللغة العربية ، ورفعت أستاذ اللغة الإنجليزية ، وعليّ أستاذ المواد الاجتماعية .

وكان الناظر يضايقه هذه الإضرابات والمظاهرات المفاجئة ، فأمر " حنفي " مسئول البوابة أن يغلقها بالقفل في كل فسحة ، حتى لا نستطيع الخروج ، وهذا الإجراء لم يمنعنا من الخروج إلى الشوارع ؛ لأننا تمكنا من رفع البوابة الضخمة من أسفلها ، فسقطت كالجثة الهامدة على الأرض ، وانطلقنا في شوارع المطرية بهتافاتنا القوية الصاخبة .

غير الناظر منهجه في التعامل معنا ، فأرسل إلي وانفرد بي في حجرته ، وقال لي بالحرف الواحد : " يا جابر أنا معجب جدا بالنشاط الذي تقوده ، فكله في سبيل مصر ... وحرية مصر ، لكن لي رجاء وهو : عندما تنوي على القيام بمظاهرة أو إضراب أخبرني قبلها بيوم ، حتى أعلن في الطلاب أن اليوم يوم وطني ، ستنطلقون فيه إلى شوارع المطرية ؛ لإبداء شعوركم الوطني ... " .

على أية حال مضينا فيما خططناه أنا وإخواني ، وخصوصا أن مصر كلها كانت تعيش بشعور متوهج ضد الإنجليز ومن والاهم .

ولا بد من وقفة قد تطول بعض الشيء في الواقع السياسي في هذا العام ( سنة 1951 م) :

في يوم الاثنين الثامن من أكتوبر عام 1951م أعلن مصطفى النحاس رئيس وزراء مصر في ذلك الوقت إلغاء معاهدة 1936م مع بريطانيا واتفاقية عام 1899م بشأن السودان.

الأمة تناشد الإخوان قيادة المعركة:

وفي العدد 1224 من ( مجلة روز اليوسف ( كتب الصحفي الشهير إحسان عبد القدوس معبرًا عمَّا يجول بخاطرِ كل أبناء الشعب ونظرتهم للإخوان المسلمين، مناشدًا الإخوان قيادة المعركة: "فيوم يتحرك الإخوان المسلمون ويعرفون كيف يتحركون وإلى أين، فقد اكتملت لمصر قواها الشعبية وضمنت لأيام الجهاد الاستمرار".

تبني الإخوان للمعركة:

قررت قيادة الإخوان تبني المعركة في القنال، فتم تكليف الأخ كامل الشريف بدراسة الوضع في منطقة القناة، ثم انعقد مؤتمر خاص بالإسماعيلية برئاسة الشهيد محمد فرغلي رئيس منطقة القناة، وحضره مندوبون عن المناطق المختلفة في القاهرة والقناة ومديرية الشرقية، لدراسة الأوضاع بالتفصيل، واستغرق المؤتمرُُ ثلاثةَ أيام وفي نهاية المؤتمر اختُير الأخ كامل الشريف قائدًا لتلك المعركة.

وبدأت حركة الجهاد في الخطوات التالية:

1-حركة الحصار والمقاطعة للإنجليز في القناة:

نظَّم الإخوانُ مظاهراتٍ شعبيةً كان من مطالبها منع العمال المصريين من العملِ في معسكرات الإنجليز وتوفير الأعمال البديلة لهم، ولم تكد المصادمات المسلحة تبدأ حتى استجاب آلاف العمال لنداءِ الإخوان وهجروا مدن القناة ومعهم عائلاتهم، وكانت ضربة أصابت المعسكرات البريطانية بالشلل.

وأُجري إحصاء شامل للتجار المتعاملين مع المعسكرات، وأجريت اتصالات سرية معهم فيها تحذير من استمرار التعامل مع الإنجليز وحث لهم على إنقاذ أموالهم وتصفية حساباتهم استعدادًا لتنفيذ الحصار.

وبعد أسبوعين وُجه نداء إلى التجار والمقاولين والمزارعين يدعوهم إلى مقاطعة الإنجليز ويهدد باعتبارِ كل مَن يتعامل مع العدو بعد ذلك خائنًا لقضيةِ الوطن، وكان هذا النداء موضوع خطب الجمعة في المساجد والدروس في القرى والمدن، ونجحت الحركة وانقطع تدفق الأغذية عن المعسكرات الإنجليزية.

2-إقامة معسكرات التدريب:

أقام الإخوان عدة مراكز للتدريب، كان منها معسكر في مزرعة الحاج "إبراهيم نجم" قرب فاقوس، وجلبت إليه كميات متنوعة من الأسلحة والذخائر، وفي نفس الوقت كان شباب الجامعة من الإخوان يرتب لإقامة معسكرات للتدريب بالجامعات.

3-بدء حرب العصابات:

قرر الإخوان بعد ذلك القيام بحرب العصابات ضد الإنجليز في منطقة القناة، وكان ذلك على أساس العمل في حميع المناطق التي يحتلها العدو بحيث يضرب في السويس وبورسعيد والتل الكبير وفي جميع القرى الواقعة بينها مرة واحدة، واستمرت العمليات الجهادية بأساليب متعددة وضد أهداف مختلفة، منها:

- نسف مخازن الذخيرة:

وكان من أشهر تلك العمليات نسف مخازن الذخيرة بأبي سلطان، على يد ثلاثة من شباب الإخوان يقودهم الأخ المجاهد خطاب السيد خطاب وبإشراف الشهيد يوسف طلعت.. وظلت الحرائق تشتعل في المعسكرِ حوالي عشر ساعات متواصلة حتى أتت على كل ما فيه.

واعترف بلاغ بريطاني أنَّ كميةً كبيرةً من القنابل والذخائر قد انفجرت ولم يعترف إلا بقتل خمسة جنود، ولكن عمال المطابخ في تلك المعسكرات أكدوا أن القتلى تجاوزوا العشرين قتيلاً.. (صفحات من جهاد الشباب المسلم- حسن دوح - ص 82) .

-نسف القطارات:

وكان من أشهرها العملية الفدائية الرائعة التي قام بها شاب بمفرده هو المجاهد الشاب عبد الرحمن البنان في جبهة القنطرة، وبعدها قام يوسف علي يوسف بإسقاط قطار حربي إنجليزي في المنطقة الواقعة بين بورسعيد والقنطرة.

وفي جبهة بورسعيد قام علي صديق وإخوانه بنسف قطار إنجليزي آخر عند قرية الكاب القريبة من بورسعيد.. وكان من نتائج تلك العمليات تعطل شبكة المواصلات الحديدية البريطانية تمامًا.

حرق مخازن البترول:

ومن بين نماذجها إحراق مخازن البترول في سفح جبل عتاقة بالسويس ونفَّذها أحد الإخوان العاملين هناك، واستمرت الانفجارات الناجمة عنها يومين كاملين، حتى أتت على المخازن كلها وأتلفت مخازن البضائع. (المقاومة السرية - كامل الشريف- ص 122(.

- نسف الكباري الحربية:

ومن أمثلتها نسف كوبري أبو خليفة الذي أُقيم على ترعة الإسماعيلية في المنطقة الممتدة بين الإسماعيلية والقنطرة غرب، وقام بها مجموعة من رجال الإخوان: محمود حسن ومحسن وسعيد وعبد المنعم، وتمَّ فيها تدمير الكوبري تمامًا.

- الهجوم على نقاط تفتيش العدو:

في 4 يناير 1952م كان هجوم الفدائيين على الإنجليز عند نقطة تفتيش العباسة، وكانت نتيجته انسحاب الإنجليز بدباباتهم من المعركة وجرح أحد الفدائيين، واستشهد بعد المعركة بأربع وعشرين ساعة، وهو الشهيد عادل غانم الطالب بكلية الطب ومن شباب الإخوان.

معركة التل الكبير (13/1/1952):

قامت هذه المعركة يوم 13 من يناير 1952م، واستشهد في المعركة ثمانية من الشباب على رأسهم الشهيدان عمر شاهين وأحمد المنيسي.

وكانت مدينة المطرية منفذا من منافذ جهاد الإخوان ضد الإنجليز ، واتخذت كتيبتهم من شعبة الإخوان مقرا دائما ، وأذكر منهم المجاهد العظيم علي صديق رحمه الله ، والمجاهد فؤاد هويدي ( الشقيق الأكبر للأستاذ فهمي هويدي ) أطال الله في عمره ، وكنا نزورهم في الشعبة ، وكان الأستاذ الشيخ عبده البسيوني رئيس شعبة المطرية ومعه عدد من الإخوان يقومون على خدمة الكتيبة الإخوانية بصفة دائمة ، وأذكر أن الأخ علي صديق كان مغرما بلهجة أهل المطرية، فكان حريصا على أن يتحدث إلى الأخ الطالب محمد عبد الرازق الغوابي الذي كان يتحدث بلهجة أهل المطرية الخالصة ، وأذكر أنهم قاموا عن طريق بحيرة المنزلة بنسف القطار الإنجليزي المحمل بالجنود والسلاح الثقيل .

ومصاحبة المجاهدين في المطرية كان شرفا أحرص عليه ، ويحرص عليه طلاب الإخوان .

كان لا بد أن أذكر هذه الصفحة الوضيئة وأنا في مجال الحديث عن " اللغة العربية " ، فما رأيته ترسب في أعماقي ، وانعكس في كثير من القصائد التي نظمتها فيما بعد .

أدينا امتحان السنة الرابعة ( وهي تؤهل للحصول على شهادة الثقافة العامة ) ... أدينا الامتحان في مدينة دمياط ، وأحمد الله إذ وفقني وحصلت على الشهادة بمجموع طيب ، يؤهلني لاستكمال دراستي الثانوية بالفرقة الخامسة التي تؤهل للالتحاق بالجامعة .

تذييل :

تلقيت ببريدي الضوئي الرسالة الآتية من الأخ أيمن سمير الحديدي ، وفيها يقول :

" أنا من عشاق الأدب العربي ، ولي محاولات في كتابة القصص عرضتها على بعض الأساتذة فكان جوابه أنها لا ترقى لمستوى الأدب الرفيع ، وأنا أريد أن تنجح محاولاتي ... علما بأنني أقرأ كثيرا ، وقد قرأت لك ثلاثة دواوين ، وخمسة كتب أخرى ، وبتعبير آخر بماذا تنصحني حتى أكون أديبا ؟ .

وأقول للأخ الحبيب : إن حماستك تقدر لك ، ولكن الحماسة لا تكفي ، كما أن رأي الأستاذ في محاولاتك ليس رأيا نهائيا ، فاكتساب وصف الأديب بمفهومه الصحيح ليس سهلا ، وأذكرك بأبيات أبي تمام :

الشعرُ صعبٌ وطويل سُلّمهْ

إذا ارتقى إليه مَن لا يعلمهْ

زلّت به إلى الحضيض قدمهْ

يريد أن يُعرِبه فيُعْجمهْ

وما يقال عن الشعر يقال كذلك عن الأدب بصفة عامة . وأحمد لك أن سألتني عما يمكن أن أوجهه للشباب " المتأدب " حتى يكون أديبا . ومما أوجهك إليه :

1 الإكثار من القراءة ، وهي نوعان : النوع الأول قراءة متخصصة في الأدب، والنوع الثاني قراءة معرفية، أو موسوعية ، فعلى الأديب أن يتزود بعدد من المعارف في العلوم المختلفة ... الإنسانية ، والعلمية .

2 الثقة بالنفس ، والاعتزاز بها دون غرور ، مع التواضع دون ضعة .

3 عرض الأعمال على عدد من النقاد ، وعدم الاكتفاء بالرأي الواحد .

وأنا على يقين أنه سيأتي اليوم الذي تكون فيه " أديبا " له وجود ؛ فنحن الأدباء والنقاد سرنا في طريق التدرج ، من الضعيف ... إلى القوي ... إلى الأقوى. فلا تيأس ، وفقك الله .

المصدر:رابطة أدباء الشام