سبعون عاما في حضن اللغة العربية 5

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
سبعون عاما في حضن اللغة العربية 5

أ.د/جابر قميحة

الحلقة الخامسة

"في المدرسة الابتدائية"

اعتقد أبي أنني يكفيني ما حصلته في المرحلة الإلزامية ، لأنني أصبحت على حد قوله قادرا على " فك الخط " ... وهذا يعني أن يستعين بي في حساباته ومعاملاته مع التجار ، وأكتب له ما يريد ، وأقرأ ما يكتب إليه .

وفي " المندرة " قال لي أبي بحضور بعض أقاربي : " مبروك يا جابر . خلاص ستبقى معي ، وفي المستقبل القريب نشد لك حمار ، وتسرح زي اخواتك ، والعمال الذين يعملون معي " . ومعنى هذا الكلام أن أبي يحرص على أن أكتفي من التعليم بهذه المرحلة ، ثم يسلمني حمارا في المستقبل القريب ، وأخرج به وعليه " خرج الحراير " ، و " أسرح " في القرى المجاورة أبيع " الحراير" .

نزل عليَّ هذا الكلام ، أو هذا القرار كالصاعقة ؛ لأنني حريص على أن أواصل تعليمي . ولم ينقذ الموقف إلا أحد الحاضرين من أقاربي وهو محمد إبراهيم حسن قميحة ، وكان موظفا في ديوان وزارة المعارف في المنزلة ، إذ قال بحماسة : " ليه يا عمي ؟ جابر صلاة النبي عقله نظيف ، ولازم يكمل تعليمه " ، وما زال يوجه الكلام بأدب إلى والدي حتى أقنعه . كان التعليم آنذاك عدة مراحل ، فصورته التصاعدية :

1 المرحلة الإلزامية ، قرابة ثلاث سنوات .

2 المرحلة الابتدائية ، أربع سنوات .

3 المرحلة الثانوية ، خمس سنوات .

4 المرحلة الجامعية ، أربع سنوات .

والمراحل الثلاث كان اسمها ينتهي بكلمة " الأميرية " ، فيقال مدريسة المنزلة الابتدائية الأميرية ... الثانوية الأميرية ، وهذا يعني بمفهوم هذه الأيام أنها ليست مدرسة خاصة ، بل مدرسة حكومية .

وكان في المنزلة مدرستان ابتدائيتان : مدرسة المنزلة الابتدائية الأميرية ، والمدرسة الخديوية الابتدائية ، وهي مدرسة خاصة يملكها ويديرها أستاذنا عبد الرحمن جبر رئيس منطقة الإخوان المسلمين في المنزلة دقهلية ... مسقط رأسي .

وفي جلسة " المندرة " في بيتنا تعهد محمد قميحة أن يعطيني بعض الدروس التي تؤهلني للنجاح في امتحان القبول للالتحاق بالصف الأول بالمدرسة الابتدائية الأميرية .

صحبني محمد قميحة في الصباح الباكر يوم الامتحان إلى المدرسة ، وأديت امتحانين في اللغة العربية والحساب ، والحمد لله اجتزت الامتحانين بنجاح .

ولا بد من وقفة قد تساعدنا على ما سيأتي فيما بعد :

كانت المدرسة جميلة ، مبانيها فخمة ، وواسعة ، ولها حديقة ضمت كثيرا من أنواع الورود والزهور . وعلى التلميذ أن يكون زيه المدرسي : بنطلون قصير "شورت" ، وقميص تحت " الجاكت " ، وطربوش ، ويا ويل من ينسى طربوشه، إذ يناله عقاب الناظر ، وكان شديدا مهيبا ، واسمه " سيد الخباطي " ، ولا بد أن يكون الطربوش " مكويا " نظيفا ، وقد كان في المنزلة " دكان " كبير هو دكان " على عَرَنسَة " ، يقوم بتصنيع الطرابيش وتنظيفها وكيها .

ولنا عودة في الحديث عن الطربوش لأنه كان بطلا دراميا في موقف لا أنساه .

أخذت مكاني في الفصل الأول الابتدائي ، وكان ملاصقا لحجرة الناظر ، وأحمد الله إذ كان أساتذتي الذين يقومون بالتدريس على مستوى طيب من العلم ، والإنسانية . ومن قبيل الوفاء أن أعرض أمام القراء صورة كل منهم :

1 الأستاذ شمس الدين المحلاوي : كان ضليعا في اللغة العربية ، ولا يتحدث إلا بالعربية الفصيحة السهلة ، ومن عباراته التي لا أنساها إذا نهر تلميذا يشغل عن الدرس " انتبه واسمع ، سمعت ما بعد يوسف " . ووضعنا في حيرة متسائلين ، من يوسف ؟ وما الذي بعده ؟ ، وأخيرا اكتشفنا أن سورة " الرعد " تأتي في ترتيبها بعد سورة " يوسف " ، فكأنه يزجره يقوله " اسمع سمعت الرعد " . وكان جهوري الصوت ، جميل الوجه والسمت ، دمث الخلق .

2 الأستاذ رأفت الخريبي : وهو مدرس حفاظة ، جادّ في تدريسه ، لا يستخدم الابتسامة في حديثه العادي ، وكان متدفقا في بيانه ، وظهرت قدرته الإدارية ، فكان الناظر يستعين به في كثير من الإداريات .

3 الأستاذ طه الغوابي : كان أستاذا بكل ما في هذه الكلمة من معنى ، هاديء الطبع ، هاديء الإلقاء ، وكان من خير الإخوان المسلمين في "المطرية دقهلية" ، وكان يدرس لنا مادة التربية الدينية ، ويشدنا إليه بصوته الهاديء العميق .

4 الأستاذ عباس عاشور : وهو من بلدة ميت سلسيل مركز المنزلة ، هو لم يدرس لي ولكنه كان المسئول الأول والأخير عن فريق التمثيل في المدرسة ... كان حب التمثيل هو همه الأكبر ، وقد حببني في التمثيل ، واختارني واحدا من فريق التمثيل في المدرسة ، ولا أنسى كلمته لي " يا بني غدا ستكون ممثلا كبيرا ، فلا تنسنا " . وكان يقوم بتأليف أغلب ما يقدم من تمثيليات ، وأذكر أننا قمنا بتمثيل قصة " الأقرع والأعمى والأبرص " ، وهي مستوحاة من حديث نبوي . كما قدمنا تمثيلية حوارية بعنوان " حوار بين قرد وغزال " : وموضوعها أن الغزال يحتقر القرد لأنه نطاط خفيف لا يعرف الاتزان ، كما أنه خائن يخطف الطعام من الآخرين ، وأهم من ذلك أنه مثال للقبح والدمامة ، والقرد يعيب على الناس أن يعتبروا الغزال نموذجا للجمال ، وأذكر من أقوال القرد للغزال مستهجنا:

أأنت عين الغزال

رب البها والجمال ؟

من قال فيه المغني

حبيبتي كالغزال ؟

ولقد حببني الرجل في فن التمثيل وخصوصا بعد أن جعلني بطلا لمسرحية طويلة من تأليفه ، وهي بالعربية الفصحى اسمها " الصياد المحسود " ، وتستغرق قرابة ثلاثة أرباع الساعة . وقد أعجب بها الجميع حتى إن بعض شعب الإخوان في المنطقة كانت تقيم احتفالات في بعض المناسبات الإسلامية المختلفة ، وتستدعينا لتقديم هذه المسرحية .

ولا أبالغ إذا قلت إن الأستاذ عباس عاشور هو السبب في حبي للتمثيل في المرحلة الثانوية وما بعدها ، وفي حرصي على كتابة التمثيليات نثرا وشعرا بعد أن تخرجت في الجامعة .

وأذكر بهذه المناسبة أنني بعد حصولي على شهادة التوجيهية ( شهادة إتمام مرحلة الدراسة الثانوية ) كان ما يزال يرن في أذني ونفسي كلمة الأستاذعباس عاشور " يا بني غدا ستكون ممثلا كبيرا ، فلا تنسنا " . فعرضت على والدي أن ألتحق بمعهد التمثيل ، فنهرني ، وقال في ثورة غاضبا : دي تبقى فضيحة ، أنت عاوز الناس تقول ابن الحاج متولي قميحة طلع مشخصاتي زي" إبراهيم الورّ " ، و إبراهيم الوِرّ واحد في فرقة العوالم بالمنزلة ، ويتقن الرقص بالصاجات ، و " أشياء " أخرى . فصرفت النظر عن هذه الرغبة إلى الأبد .

5 الأستاذ المهدي قورة : مدرس الرسم ، كان فنانا بكل معنى الكلمة ، وكان أنيقا رشيقا في كل شيء ، في جسمه وكلامه وابتسامته التي لا تفارق وجهه ، وكان من الإخوان المسلمين فكرا ، وإن لم يكن منهم تنظيما .


ولا أنسى أنه كان بوعيه الإسلامي وفكره الناضج يقول بحماسة " إن إسرائيل ستهزم على يد الإخوان ، فيكفي أن نرسل إليهم من كل شعبة من شعب الإخوان متطوعا ، ليحطموا ما يسمى بإسرائيل والصهاينة " ، وقد صدق الرجل وكان من الممكن أن تتحقق نبوءة الرجل لو لم يقف في وجه الإخوان الحكومات الظالمة التابعة للاستعمار الانجليزي . ومن كلمات الملك عبد الله الكبير آنذاك " الشيخ حسن البنا يريد أن يحكم فلسطين !!! ؟؟ ... أنا أسلم فلسطين لليهود ولا يحكمها حسن البنا " .

وكان للأستاذ المهدي تأثير كبير في شحن نفسي بالحماسة لفلسطين ، فتمخضت عنها محاولاتي الشعرية الأولى . وأكتفي بمثال واحد يتمثل في الأبيات الآتية ..

((وقد نظمتها مابين عامي 1948 و 1949 . وتعتبر من أول ما نظمت في حياتي ، وقد نشرها الأستاذ علي الغاياتي رحمه الله في صحيفته منبر الشرق) .

فلسطين أمي وحق اليقين

وحق الشهيد غدا تسمعينْ

غدا تسمعين بأنا نسودْ

وأنا حصدنا فلول اليهود

غدا تسمعين بأنا نعود

حشودا قوارع تتلو حشود

كمثل المنايا كمثل الأسود

ندك الجبال وندْمي الرعودْ

فلسطين مهد الهدى واليقين

وحق الشهيد غدا تسمعين

غدا تسمعين بأنا نسود

وأنا حصدنا فلول اليهود

غدا تسمعين بأن الخلود

ينادي لقانا وراء الحدود

وأنَّاحطمنا حديد القيود

وأنا بعثنا كفاح الجدود

فلسطين مهد الهدى واليقين

وحق الشهيد غدا تسمعين

غدا تسمعين بأنا نسود

وأنا حصدنا فلول اليهود

غدا تسمعين لصوت الشهيد

يفوح عبيرا كعطر الورود

إذا ما رآنا نعود .. نسود

وروح السلام إليك تعود

فلسطين مهد الهدى واليقين

وحق الشهيد غدا تسمعين

غدا تسمعين بأنا نسود

وأنا حصدنا فلول اليهود

هذا إلى جانب التأثر الكبير في هذا المجال بدعوة الإخوان وما تلقيته في المدرسة الإخوانية

الأستاذ إبراهيم العزبي : وهو من " ميت سلسيل " مركز المنزلة ، وكان من الإخوان المؤمنين الصادقين المخلصين المتحمسين للدعوة ، وكان يدرس لنا اللغة الإنجليزية ، وكان منهجه في التدريس منهجا عمليا تربويا سليما ، وهو الحرص على معايشة اللغة تدريجيا ، كنا في الصف الأول الابتدائي ومع ذلك يطلب منا أن نتحدث باللغة الإنجليزية ، بقدر ما نستطيع ، وأخذتنا الهيبة أول الأمر ولكننا تقدمنا تدريجيا بهذه الطريقة . فمثلا كنا نحفظ تركيب this is ويشير إلى الكتاب لكي نقول book . ثم يدير إصبعه بالإشارة إلى الشجرة مثلا فإذا لم نستطع معرفتها قال : tree . ويشير إلى القلم ، وإلى السبورة ، وإلى المقعد بتركيب this is ، وبهذه الطريقة خرجنا بحفظ كثير من الكلمات ، وتقدمنا في الإنجليزية تقدما باهرا بفضل الله وفضل أستاذنا إبراهيم العزبي .

كنت قد بدأت الاشتراك في جمعية الإخوان المسلمين بالمنزلة وأنا في هذه السن: ما بين العاشرة والثانية عشرة . وكان بائع الصحف يأتي كل يوم ليسلمه جريدة الإخوان المسلمين اليومية ، وذات يوم قال له بائع الصحف "يا أستاذ إبراهيم نسخة لك ، ونسخة لجابر قميحة" ( وكنت حريصا على قراءة الصحيفة وأعطي أنور موزع الصحيفة ثمنها مقدما ) .

رأيت مظاهر السعادة والفرح على وجه الأستاذ إبراهيم إذ اكتشف فيّ أخا مسلما جديدا . وكان يطلب منا نقل بعض العبارات من السبورة لتقويم خط التلاميذ، ويقصده التلاميذ واحدا واحدا لتقويم خطه ، فلما جاء دوري رأيت الرجل يحييني بابتسامة عريضة ، ويقول بصوت هاديء رخيم " مرحبا يا أخ جابر ... فمن اليوم لست أستاذك ، ولكنني أخوك في الإسلام إبراهيم العزبي " . كانت لهذه العبارة في نفسي تأثير السحر ، فزادت من حماستي لدعوة الإخوان . وأشير إلى أن الأثر الأكبر الذي شدني للدعوة هو الخطاب الأول والأخير الذي سمعته من إمامي الشهيد على مدى ثلاث ساعات ، وقد تحدثت عن ذلك في كتابي " ذكرياتي مع دعوة الإخوان في المنزلة دقهلية " .

وفي هذا المقام أذكر أن الأستاذ شمس المحلاوي كان مسئولا عن جمعية الخطابة بالمدرسة ، وكنت أنا عضوا فيها ، وكان يعلمنا طريقة الإلقاء السليم ، وكيف يعيش الإنسان الكلمة متبعا تغيير الصوت تبعا للمعنى ، فأسلوب الحماسة يقتضي رفع الصوت ، وأسلوب الدعاء يحتاج إلى هدوء ورقة في الأداء ، وقد تمكنت بحمد الله في حضرته أن اخطب ارتجالا .

وهنا تلتقي دعوة الإخوان بما علمنا الأستاذ شمس ، فقد كنا بأمر الأستاذ محمد قاسم صقر رئيس جوالة الإخوان ، وكنت أنا أحد أشبالها نجتمع كل يوم جمعة بزي المدرسة ، ونؤدي صلاة الجمعة في " الجامع الكبير " . وذات يوم وقع حدث جديد في حياتي كان له في نفسي أثر مستقبلي عظيم . فبعيد صلاة الجمعة دفعني الأستاذ محمد صقر إلى الكرسي العالي الذي يجلس عليه قاريء سورة الكهف قبل صلاة الجمعة ، وقال لي بلهجة الآمر : " اطلع بسرعة يا جابر، اطلع بسرعة واخطب في الناس " ... فلما ترددت قال " اطلع بالأمر واخطب في الناس ، قل ما في ذهنك " وصعدت على الكرسي وليس في ذهني فكرة واحدة ، فأخذت أمطط في المقدمة وأقول بصوت جهوري : أيها المسلمون ... إليّ إلي وبقلوبكم نحوي ، من كان يحب الله ورسوله فليأت إليّ ويستمع ، ثم بدأت البسملة والصلاة على النبي ، وقفز إلى عقلي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصه :

عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال :سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول"ألا إن رحى الإسلام دائرة ، فدوروامع الكتاب حيث دار. ألا إن الكتاب والسلطان سيفترقان ، فلا تفارقوا الكتاب ، ألا إنه سيكون عليكم أمراء يرضون لأنفسهم ما لا يرضون لكم،فأن اطعتموهم أضلوكم ،وأن عصيتموهم قتلوكم.

قالوا:وماذا نفعل يارسول الله؟

قال صلى الله عليه وسلم:كما فعل بأصحاب عيسى بن مريم ، حُملوا على الخشب،و نشروا بالمناشير ،فوالذي نفسي بيده لموت في طاعة خير من حياة في معصية" .

وأخذت أتحدث بحماسة في ظل هذا الحديث الذي كنا حفظناه في "أسرتنا " في جمعية الإخوان بالمنزلة . ( ومن المعروف أن كل شعبة من شعب الإخوان تتكون من عدة أسر ، كل أسرة من قرابة سبعة أعضاء ، يجتمعون أسبوعيا ، ليتدارسوا القرآن والسنة وعلوم الدين وغير ذلك ) .

كنت قد بدأت الخطبة وأنا أحس بأن حرارتي ارتفعت ، وأن أذني قد اشتعلتا ، وأن وجهي لا أنف فيه ، ولكن عدت إلى حالتي الطبيعية بعد أن تدفقت في الكلام .

ولم أصدق عيني وأنا أرى الناس يتزاحمون عليّ وأنا الصبي الصغير لتقبيل يدي .

ولكني عاتبت الأستاذ محمد صقر بعد ذلك ، وقلت له لقد قسوت عليّ بهذه المفاجأة ، وكان من المفروض أن أبدأ تدريجيا في الشعبة ، ولكنه قال لي : " خذ مني هذه الكلمة ، لو أنا أردت أن أعلم واحدا منكم السباحة ، وأتيت بطست أو إناء كبير مليء ماء ، وطلبت منه أن يعوم فلن يتعلم السباحة طيلة حياته ، ولكن المنهج الصحيح أن آخذه في قارب وألقي به في البحر ، وأطلب منه أن يعوم ، سيحاول وإذا عجز أخذنا بيده إلى القارب ، ونكرر العملية ، وبذلك سيتعلم فن العوم ، ولا ينساه طيلة حياته " .

وهنا التقى منهج الأستاذ شمس الدين المحلاوي في تعليمنا الخطابة بالمدرسة، ومنهج الأخ الأستاذ محمد قاسم . وكنت أعتقد أنه مبتكر في هذا المنهج إلى أن اندمجت في الجماعة ، وعرفت أن هذا هو المنهج العام ، وتأكد لي ذلك في الكبر بعد أن قرأت عن منهج الإمام الشهيد حسن البنا في هذا المجال .

كتب انيس منصور في الأهرام يوم السبت 26 /2/ 1983 م :

" أنا أقول لك ما الذي خلفه فينا الشيخ حسن البنا في شباب الأربعينيات ، إنها قصة قديمة ، ولكنها ليست قديمة جدا .

ونحن طلبة صغار كان الواحد منا يستطيع بمنتهى الثبات والثقة بالنفس أن يذهب إلى أي مسجد ، ويقترب من إمام المسجد ، ويقول له : " أنا فلان من جماعة الإخوان المسلمين " ، وإذا بإمام المسجد يقول : " تفضل يا بني ... فتح الله عليك ... اخطب وتقدم المصلين " .

وقد فعلت ذلك كثيرا ، وقد سمح لنا الشيخ حسن البنا نحن الصغار أن نخطب من ورقة ، وأكد لنا أن المهم ليس أسلوب الخطبة ، ولكن الموعظة الحسنة ، وتعلمنا منه قدرا كبيرا من التواضع ، فلا نخوض في المشاكل الدينية الصعبة ، وإذا فعلنا فلا ننسى أن نقول : هذا اجتهادي والله أعلم .

وكان هدف هذه الخطبة هو سلوك الناس في حياتهم العادية . ولم أكن أعرف تفسير الطبري ، ولا تفسير ابن كثير ، ولكن كان لا بد من معرفة تلك المراجع الطيبة في فهم القرآن الكريم .

وأذكر أن زميلا لنا ما كان يحسن الخطابة ، فذهبنا إلى الأشتاذ المرشد العام حسن البنا ، ولاحظ هو بسرعة أن زميلي خجول ، فطلب إليه أن يخطب في موضوع مناسب وهو : " كيف يذاكر الطالب وهو مستريح النفس ، وأن يعمل ما عليه ثم يترك الباقي على الله " . وطلب إليه أن يوجه حديثه إلى الآباء والأمهات ، وليس إلى الطلبة وأن يجعل ذلك من واقع تجربته هو .

وسمعت زميلي هذا يخطب في أحد مساجد امبابة لقد كان موفقا تماما ؛ فقد استهل خطابه بقوله : أيها الإخوان أحدثكم من نفسي ... إلخ .

إنه الإيمان يدفع إلى الشجاعة في مواجهة الناس ، وإنها الممارسة تدفع إلى الانتقال من القول إلى العمل ، ومن العمل إلى التضحية ما دام كل قول وكل عمل في سبيل الله ".الأهرام 2621983

ومن قبيل تشجيع المدرسة للتلاميذ أنها كانت في نهاية العام توزع هدايا على الطلاب المتفوقين ، وكنت بحمد الله أنا واحدا منهم ، ولم تكن الهدايا تزيد على مجموعة من مجلات الرسالة والثقافة ، وبعض الكتب الأخرى ، وكنت سعيدا بالجائزة التي أنالها .

وأرى أنه ما زال في الجعبة كلام كثير يتعلق بهذه المرحلة . وسنستوفي الموضوع في الحلقة القادمة إن شاء الله .

المصدر:رابطة أدباء الشام