د. توفيق الواعي يكتب: أطفال من أجل الحرية

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
د. توفيق الواعي يكتب: أطفال من أجل الحرية
توفيق الواعي.jpg

د. توفيق الواعي

أطفال ولكنهم أبطال، صغار ولكنهم عمالقة، نعم نشئوا في زمن الهزيمة وولدوا في أيام نحسات، ودرجوا على أرضٍ موات في الإحساس، وسط فقدان النخوة، ليرضعوا ألبان مجتمعاتٍ لا تعرف الصدق، ولا الصراحة، وتحوطهم العلل والأمراض الاجتماعية، والنفسية، والحضارية المتجذرة في الذات، وتسيطر عليها سحائب الفساد والغش والتزوير، وفقدان العدالة، وتظللها ثقافة الكذب والبهتان والنفاق واللامبالاة، كل هذا وغيره وسط دخان كثيف من الانهزام النفسي والحربي والإداري، جعل طبائع الناس كالجرذان والحشرات السامة والهوام، في جسد واهن تمتص دماءه أشباح متربصة.

ولهذا كله استنسر البغاث في أرضنا، وتعملقت الأقزام في ديارنا، وأخذ شذاد الأفاق في استعمارنا واستذلالنا ونهب مواردنا وخيراتنا، وقد نتساءل مَن الذي يسقي هذه الأجيال السم الرعاف، ويقضي على قواهم الحيوية والعقلية والثقافية؟ مَن الذي يبيد هذا النبت الأخضر الناضر، ويدوس هذه الزهور المتفتحة، إنهم أعداؤها بلا شك، وأعداء الإنسانية بالتأكيد، سواء كانوا من بني جلدتنا أو من غيرهم ولكن ظلم ذوي القربى أبأس وأشد، وصدق القائل:

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند

وقد يتبادر إلى النفس سؤالٌ آخر: مَن الذي حفظ هذه الورود الفواحة، والرياحين النفاذة من التلوث؟.. إنها التربية الإيمانية التي أخرجت النورَ من الظلمات، وأنبتت من الجاهلية خير أمة أخرجت للناس، ومن الفوضى عدالة لم يعرفها التاريخ، ومن الذلة عفة وكرامة وإباء، إنها التربية الحانية التي لمست شغاف القلوب، إنه الحضن الدافئ والشعور النبيل الذي تفتحت عليه الأعين، ودرج عليه الصغار وبزغ منه المواهب، وانبثقت منه النفس المستقرة وتفجرت منه الأحاسيس الجميلة، والشعور النبيل، ولهذا تلحظ وأنت تسمع هذه النفوس الغضة، والأرواح الوردية، وهي تُعبِّر عن آلامها وأتراحها، وعن سرورها وسعادتها كأن حقائق الأشياء تتكلم، وطيور الجنان تُغرد وتفرح، أو تلتاع وتحزن، فتخرج الكلمات نسمات، والألفاظ معبرات منيرات، وقد أنصتُّ وللأسف إلى شكوى ملتاعة من بلبلةٍ من هذه البلابل الحزينة تُندد بظلمٍ وقع على أبيها، وجور وقع على أسرتها، وهمجية حلت بساحتهم، فبدلت أفراحهم أتراحًا، وسرورهم أحزانًا فخطفت خفافيش الظلام والدها من بينهم وهي في قمة سعادتها به، وفرحتها بتنفيذ ما قد وعدها به من ترويحٍ حلالٍ عن النفس بعد الجهد والنجاح الذي نالته، فنسمعها تقول في أسى:

بابا وعدني وقلي يا بنتي يوم تنجحي حانروح البحر

نعمل رحلة وجمعة ولمّا فرحة ما مرت طول العمر

رحنا يا بابا، يا رتنا ما رحنا رحنا يا بابا، وما روحنا

رحنا وكنا سوا ماشيين نسبح نلعب فرحانين

داس بسلاحه على القوانين وعلى الأطفال وعلى المدنيين

سابني ودمعي تملى العين أصرخ أنادي بابا فين

رُد يا بابا عليَّ وقول مشمعقول تنام على طول

مشمعقول تُفتني وترحل وتيتم دمعي المذهول

رد يا بابا، رد يا عالم رد

وطبيعي لم يرد بابا لأنه قد غُيِّب في قعر مظلمة، وسُجن في أحشاء زنازين معتمة، بغير ذنب ولا جريرة، ولا فساد أو جريمة، إلا لأنه أطهر من المزن وأنقى من المطر وأنصع من البرد، ولأنه يحب بلده، ويعشق كرامة أمته وعزتها، وينهد إلى تربية جيل صادق فتي، وشباب واعد أبى إلا أن يكون ذخرًا لأمتهم ومددًا لربانية إسلامهم وثقافتهم، ولأنه وقع في أرض سبحة لا تحفظ ماءً أو تنبت زرعًا، وعاش في وسط ذئاب نهمة مفترسة تمزق أجساد من سالمها وأبدان من وادعها، وثعالب ماكرة لا عهدَ لها ولا ذمة، ولا شرف لها أو كرامة، تهادن لتخدع وتستعد، وتتحدث التضلل ثم تنقص، على كل شيء حتى المعاني الجميلة والأخلاق النبيلة والقلوب الرحيم

المصدر

قالب:روابط توفيق الواعى