دور الأزهر في قيادة الجماهير

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
دور الأزهر في قيادة الجماهير


مقدمة

لابد للشعوب من قيادة تقودها، قيادة لا تكتفى فقط بتمثيلها، انما كذلك تسعى بها الى تحقيق غاياتها وآمالها. وعندما تغيب هذه القيادة، يسهل التلاعب حينذاك بحقوق الشعوب وتطلعاتها. وعلى قدر وعى تلك القيادات وجسارتها وامتلاكها لأدواتها، يكون نصيبها من النجاح أو الإخفاق. فأكبر انجاز حققه الشعب المصرى في العصر الحديث، تحقق عندما كان لواء القيادة بيد علماء الأزهر وطلابه.

فقد استطاع الشعب المصرى فى أقل من عشر سنوات (1798 – 1807) ان يهزم أكبر حملتين عسكريتين، الحملة الفرنسية (1798-1801)، والحملة الانجليزية (1807)، وبينهما قام بثورة شعبية ضد حكم استبدادى، فخلع فيها حاكم وولى آخر (1805)! كانت القيادة هو (الأزهر الشريف)، وكان الدين (الاسلام) هو الدافع، حيث كان الأزهر بعلمائه وطلابه هم رأس الجماعة الوطينة المصرية وعمادها. فلم يكتفى الأزهر الشريف بالريادة العلمية

انما سعى كذلك الى :

  1. الدفاع عن الجماهير
  2. مواجهة الغزاة الاجانب

بهذه الثلاثة انعقدت للازهر لواء زعامة الجماهير فى مصر لفترة طويلة من الزمن. وكانت وسيلة الأزهر فى ذلك:

  1. الاستقلال المالى
  2. الاتصال بالجماهير
  3. توفر قيادات شجاعة

هذا الدور سبب ازعاجا للحكام المستبدين والعزاة الطامعين على السواء، فسعى كلاهما عبر العصور لتقليم صلاحيات الأزهر والعدوان على استقلاله، فعل ذلك محمد على والاستعمار الانجليزى ونظام انقلاب 52 على التوالي. حتى تصبح الشعوب لقمة سائغة تحت أنياب الطامعين والفاسدين. وفى المقابل حاولت القوى الحية ومنها جماعة الاخوان المسلمين، الدفاع عن دور الأزهر أو دعمه، حتى لا تبقى الشعوب بلا نخبة تعبر عنها وتمثلها وتقودها.

الأزهر والدفاع عن الشعب

فلقد تبنى علماء الأزهر مطالب الشعب المصرى لدى الحكام، فاذا لم يستجب الحكام، قاد الأزهر الثورات ضد هؤلاء الحكام. حدث هذا أيام حكم المماليك والعثمانيين. فقد كان الأزهر هو مركز الثورة في أواخر القرن الثامن عشر، وقد شغل هذا المركز بعد أكثر من مائة عام في ثورة 1919 (1)

مواجهة ظلم المماليك

فلم يكد يمر عام على ولاية شيخ الأزهر عبدالله الشرقاوي (الشيخ الثاني عشر للأزهر)، الا وقاد أشهر ثورة شعبية ضد المماليك فى عام 1795، بسبب ظلم محمد بك الألفي وجنوده للفلاحين، فرفع الشيخ الشكوى إلى كل من مراد بك وإبراهيم بك، وعندما لم يفعلا شيئاً، بادر الشيخ الى عقد مؤتمر شعبي في الأزهر، أعلن فيه الإضراب العام للشعب المصري فأغلق المصريون أسواقهم ومحلاتهم!

وفي اليوم التالي قاد الشيخ حشود المتظاهرين أمام بيت إبراهيم بك، فلما تلكأ المماليك فى اجابة الشيخ الى مطالبه، احتشد أهل القاهرة فى الأزهر، فاضطر المماليك الى الموافقة على رفع المظالم ووقعوا على وثيقة بذلك، فكانت هذه أول وثيقة تحفظ حقوق المصريين أمام حكامهم.

تولية محمد على

وتكرر ذات الامر بعد خروج الفرنسيين من مصر، فعندما فرض الوالى العثمانى خورشيد باشا الضرائب الباهظة على الشعب المصرى، وضاق الشعب بذلك توجه علماء الأزهر بقيادة الشيخ الشرقاوي شيخ جامع الأزهر وخلفهم ما يقرب من 40 ألفا، فطالبوا الوالى العثمانى خورشيد باشا بــ (عدم فرض أي ضريبة على القاهرة إلا بعد أن يقرها العلماء والأعيان، وجلاء الجنود عن القاهرة وانتقال حامية القاهرة إلى الجيزة، وعدم السماح بدخول أي جندي إلى مدينة القاهرة وهو مسلح..)

وعندما رفض خورشيد باشا الاستجابة لمطالب الشعب اجتمع العلماء في المحكمة بصفتهم ممثلى الشعب، واتفقوا على عزل خورشيد باشا واختيار محمد علي والياً على مصر.. وكان (محمد على) يترأس فرقة ألبانية تابعة للدولة العثمانية جاءت الى مصر عام 1801 لتشرف على انسحاب الحملة الفرنسية من مصر، حيث مكث محمد على في قصر بالازبكية يرقب من هناك الأحوال لاربع سنوات، قبل أن يتم تعيينه واليا على مصر. فكانت هذه أول مرة في تاريخ مصر الحديث يعزل فيها الوالي ويختار بديله بإرادة الشعب (2)

الأزهر في مواجهة الملكية

وكان شيخ الأزهر الشيخ محمد أبوالفضل الجيزاوي قد رفض ما طرحه الملك فؤاد الأول حول إعلان نفسه خليفة للمسلمين بعد سقوط الخلافة العثمانية، مبرراً ذلك بأن مصر لا تصلح داراً للخلافة، لوقوعها تحت الاحتلال الإنجليزي، كما رفض طلب الإنجليز بإغلاق الأزهر بعد ثورة 1919، بل صدر في عهده قانون تقييد سلطة الملك في تعيين شيخ الأزهر (3)

الأزهر ومواجهة الغزو الاجنبى

وصف أستاذ التاريخ في جامعة الأزهر (الحسين حسن حماد) الحملة الفرنسية بأنها "أول غزو عسكري أوروبي لبلد عربي إسلامي في التاريخ الحديث". وكان الأزهر آنذاك هو من "يمثل مركز القيادة" في مواجهة الحملة، "وتحمّل شيوخه كعادتهم مسؤولية قيادة مقاومة الأمة على جميع المستويات طوال السنوات الثلاث" لوجود قوات بونابرت في مصر. (4)

الأزهر والحملة الفرنسية

لقد استطاع علماء الأزهر أن يقودوا ثورات الشعب المصرى ضد الجيش الفرنسي، حتى أجبروه على الانسحاب من مصر مهزوما مكسورا بعد ثلاث سنوات، وقدموا في سبيل ذلك العديد من الشهداء، وخاصة من علماء الأزهر الشريف.

العلماء يقودون المقاومة

فالسيد عمر مكرم يقود المقاومة الشعبية في موقعة الاهرام، عند دخول الفرنسيين القاهرة، وعندما دخلها الفرنسيون فر الى الشام، ثم عاد مرة أخرى الى مصر عام 1800 ليشارك في ثورة القاهرة الثانية، وعندما هُزمت الثورة فر مرة أخرى الى خارج البلاد فصادر الفرنسيون أملاكه، وبعد رحيل الفرنسيين من مصر عاد مرة أخرى لتنظيم الثورة ضد الوالى العثمانى خورشيد باشا عام 1805، وعندما غزى الانجليز مصر في 1807، قاد المقاومة الشعبية ضدهم وتمكن في النهاية من هزيمتهم. (5)

ولم يكن السيد عمر مكرم وحده في هذا المضمار، بل شاركه في ذلك العديد من علماء الأزهر الشريف كما ذكر الرافعى.

نابليون ومحاولة الاحتواء

فى محاولة من نابليون بونابرت لاستمالة علماء الأزهر واسترضائهم، أنشأ نابليون في اليوم الثاني لدخوله القاهرة في 25 يوليو 1798 (ديوان القاهرة)، وهو ديوان استشاري من تسعة من كبار المشايخ والعلماء ويرأسه الشيخ عبدالله الشرقاوي (شيخ الأزهر الشريف)، لحكم مدينة القاهرة، وتعيين رؤساء الموظفين، فاجتمع للشيخ عبد الله الشرقاوى الرياستين (الأزهر والقاهرة)، وقد ضم هذا الديوان كلا من القاضى ونائب السلطان العثمانى. (6)

وبرغم أن نابليون بونابرت كان يُكثر من تعظيم علماء الأزهر، وكان فاعتنى بقوافل الحجيج، واهتم بالمواسم والأعياد الدينية. الا أن علماء الأزهر كانوا يرون في الدولة العثمانية دولة الإسلام الكبرى وأن سلطانها هو خليفة المسلمين بينما نابليون حاكم غربي كافر استولى على بلاد المسلمين.

فحين أمر نابليون المصورين في أول اجتماع للديوان في سبتمبر 1798م بأخذ صورة كل منهم على حدة، ثم أمر رئيس الجند بوضع وشاح على أكتافهم يحمل ألوان علم فرنسا، فلما حان دور الشيخ الشرقاوي طرح الوشاح أرضاً وداسه مما أثار غضب نابليون، فقال المترجم للمشايخ "أنتم صرتم أحباباً لصاري عسكر، وهو يقصد تعظيمكم وتشريفكم بزيه وعلاماته فإن تميزتم بذلك، عظمتك العساكر والناس، وصارت لكم منزلة في قلوبهم"، فقال الشرقاوي "لكن قدرنا يضيع عند الله وعند اخواننا من المسلمين" (7)

الأزهر يقود الثورة

فحين اندلعت ثورة القاهرة الأولى بقيادة علماء الأزهر في 20 أكتوبر 1798 بسبب ظلم الفرنسيين وطغيانهم، قتل الثوار حاكم القاهرة الجنرال ديبوى، وبلغ المتظاهرون حينها أكثر من 50 ألفا.

اقتحم الفرنسيون الأزهر بخيولهم، وأهانوا ما به من المصاحف، وأصدر "بونابرت" أمراً بإبادة كل من بالجامع، وعسكر الجنود الفرنسيون في الجامع طوال الليل، وجعلوا الأزهر أسطبلاً لخيولهم لمدة شهرين، وقد نجح الفرنسيون في إخماد هذه الثورة وحكموا على 6 من شيوخ الأزهر بالإعدام، واقتيدوا إلى القلعة، حيث ضربت أعناقهم، كما أسفرت الثورة عن مقتل أكثر من 2500 مصري، وحوالي 20 من رجال الحملة الفرنسية.

بعد هزيمة نابليون وفشله في حصار عكا بفلسطين، قرر العودة إلى فرنسا للحفاظ على ما تبقى له من مجد في أوروبا، ورجع سراً إلى فرنسا في 12 أغسطس 1799م.. تولى كليبر قيادة الحملة في مصر، فقام كليبر بتوقيع معاهدة جلاء الفرنسيين عن مصر مع العثمانيين، وعندما شعر المصريون بأن الفرنسيين لن يرحلوا، اشتعلت ثورة القاهرة الثانية بزعامة عمر مكرم فى (20 مارس 1800م)

وكرر الشرقاوي دعمه للثوار، وجمع بنفسه الأموال لشراء السلاح والمؤن.. وأحرق كليبر القاهرة وقتل المئات، وبطش بكل شيوخ وعلماء الأزهر الذين شاركوا بالثورة ونكل بالشيخ السادات.. وذهب جنوده إلى الجامع الأزهر وفتشوا أركانه للبحث عن أسلحة مزعومة، وأحصوا من بالأزهر وأصدر قراراً بعدم المبيت فيه..

مقتل زعيم الحملة الفرنسية

ولم تمض ثلاثة أشهر على إخماد الثورة حتى اغتال سليمان الحلبي، طالب العلم الأزهري، كليبر، وتولى مينو قيادة الحملة، الذي أشرف بنفسه على إعدام سليمان الحلبي على الخازوق، وإعدام زملائه الأربعة الذين شاركوه الإعداد للاغتيال بقطع رؤسهم.. وقرر الشرقاوي اغلاق الأزهر بما يعني تعطيل الدراسة والصلاة في يوم الجمعة 28 محرم 1215هـ (21 يونيو 1800)..

وللمرة الأولى في التاريخ تم اغلاق الجامع وتسمير أبوابه من جميع الجهات.. وغضب المصريون وبدأوا يحتكون بالجنود الفرنسيين، فالقى مينو القبض على الشرقاوي وثلاثة آخرين من شيوخ الأزهر، ووضعهم في السجن حتى لا تتجدد ثورة المصريين، ولم يفرج عنه إلا بعد رحيل الفرنسيين في 1801م.

يقول الباحث المصري ناصر أحمد إبراهيم - مؤلف كتاب "مائتا عام على الحملة الفرنسية" ان أكثر من ثلثي الجيش الفرنسى تمت تصفيته في مصر، وعاد الثلث المتبقي بين مريض ويائس وغاضب من إرسالهم في حرب بعيدة جنوب المتوسط، وإهمالهم 3 سنين وهرب قائدهم بونابرت الذي كان مشغولا بصناعة مجد سياسي شخصي، يصوّره فاتحا عظيما، على حساب الجيش وبأي ثمن. (8)

لكن البعض آثروا السلامة

لكن لم يكن علماء الأزهر الشريف على نسق واحد في آداء ذلك الدور دفاعا عن الدين والوطن وحماية الشعب ومصالحه، فمنهم من مال الى الغزاة وبرر للحكام. ففي أثناء ثورة القاهرة الأولى على الفرنسيين، يذكر نابليون في مذكراته التي أملاها على الجنرال برتران في سانت هيلين

يقول: (إن الشعب قد انتخب ديواناً للثورة ونظم المتطوعين للقتال واستخرج الأسلحة المخبوءة، وان الشيخ السادات انتخب رئيساً لهذا الديوان) وعلى الجانب الآخر يذكر فريقا آخر من العلماء الذين فرطوا في أمانة العلم فيقول: (.. وعندما تقدم رجال الديوان وكبار المشايخ ورجال الشريعة نحو المتاريس المقامة في حي المسجد الأكبر رفض الثوار السماح لهم بالمرور واستقبلوهم بطلقات البنادق. وكان الرد في الساعة الرابعة باصلائهم ناراً حامية من مدفعية القلعة)!!

ويشير الرافعي الى ما ورد في المراجع الفرنسية فيقول:

"الشيخ محمد المهدي سكرتير الديوان كان يتولى صوغ المنشورات التي يريد نابليون إذاعتها على لسان الديوان في قالب عربي مسجع، ولعل هذا هو السبب في امتداح نابليون للشيخ المهدي وتفضيله على باقي الأعضاء فقال عنه في مذكراته: إنه أذكى علماء الأزهر وأفصحهم لساناً وأكثرهم علماً وأصغرهم سناً لأنه باتفاق المراجع الفرنسية هو الواضع لمنشور نابليون في قالبه العربي
ولأن الثابت في رسالة نابليون التي بعث بها من يافا بتاريخ ١٠ مارس سنة ١٧٩٩ إلى المسيو بوسيلج مدير الشؤون المالية بالقاهرة أثناء الحملة على سوريا قوله فيها: "عليكم أن تأمروا بطبع كل المنشورات التي يبعث بها فانتور Venture إلى الديوان وأن تضيفوا إليها المحسنات والتنميقات التي يرى الشيخ المهدي ادخالها عليها وأن تنشروها في أنحاء مصر، فلم يبق شك في أن الشيخ المهدي هو الذي كان يتولى كتابة المنشورات التي يوعز بها الفرنسيون""

ومن هؤلاء الشيخ البكري الذى كان يشرب مع الفرنسيين (المنكر) ويسامرهم في حفلاتهم الصاخبة! (9)

الأزهر والاحتلال الانجليزى

حملة فريزر

في عام 1807 غزا الانجليز مصر بقيادة فريز، وكان هذا بعد تولية محمد على حكم البلاد بعامين، وكان محمد على وجيشه في ذلك الوقت مشغولين في مطارده فلول المماليك في الصعيد، فلم يتصدى لجنود الحملة الإنجليزية سوى الاهالى بقيادة علماء الأزهر، والذين استطاعوا هزيمة الجيش الانجليزى في موقعتى (الحماد) و (رشيد). وفى النهاية انسحبت الانجليز سنة 1807 م حيه معهم محمد على معاهدة دمنهور، والتي نصت على جلاء الإنجليز بعد هزيمتهم على يد المقاومة الشعبية في رشيد.

احتلال مصر 1882

وقد تكرر ذات الامر عندما عاد الانجليز مرة أخرى الى غزو البلاد في عهد أولاد محمد على في عام 1882، حيث قام عبد الله النديم بجمع الأموال لاجل الجيش المصرى ضد الانجليز، وأفتى الشيخ حسن عليش بكفر الخديوى توفيق لانه استعان بالكفار (الانجليز)، وانحاز بالفعل هو ومجموعة من العلماء لاحمد عرابى في مواجهة الخديوى توفيق عام 1882.

وفعل مثل هذا الشيخ على الغاياتى عندما سخر قلمه لمهاجمة الانجليز والخديوى توفيق، مما اضطره في النهاية الى الفرار من مصر عام 1910. والشيخ عبد العزيز جاويش الى ترأس تحرير صحيفة الحزب الوطنى (10)

ثورة 1919

وفى أثناء ثورة 1919، طلب المندوب السامي البريطاني من شيخ الأزهر أبو الفضل الجيزاوي إغلاق الأزهر، الا أن الشيخ رفض الأمر رفضا باتا لا يقبل المناقشة، وبدأت أولى المظاهرات من الأزهر، ومن الأزهر كان أول شهيد في الثورة، وقام علماء الأزهر بتشكيل البوليس الوطني لحفظ الأمن وتنظيم المظاهرات والحفاظ على الثورة، وكانت اجتماعات قادة الأمة وزعمائها وممثليها تعقد في رحاب الجامع الأزهر (11)

محاولات تحجيم الأزهر

فكان دور الأزهر وعلمائه واضحا في قيادة الشعب المصرى سواء في مجابهة ظلم الحكام أو مواجهة الغزو الخارجي.. لكن الحكام المستبدين رأوا في ذلك انتقاصا من سلطانهم، فحاولوا على مر العصور الانتقاص من الأزهر وسلطاته وصلاحياته، وكانت أولى تلك المحاولات ما بذله (محمد على) الذى ولاه على حكم مصر علماء الأزهر الشريف، بعدما أخذوا عليه العهود والمواثيق!

محمد على والأزهر

بدأ محمد علي خطواته في تقويض قوة الأزهر والسيطرة عليه، حيث قام بضم بعض أراضي الأوقاف التي ينفق منها الجامع إلى الدولة، كما همش المشايخ والعلماء، ونفى عمر مكرم إلى دمياط بعد أربع سنوات فقط من تمكنه من السلطة.

وقد أدت محاولات محمد على وأبنائه تقليص صلاحيات الأزهر والحد من تأثيره، الى تراجع دوره فى حراسة الوعى وقيادة الجماهير، ويبدو ذلك واضحاً عند المقارنة بين دوره فى قيادة انتفاضة الشعب المصرى فى مواجهة الحملة الفرنسية، وبين دوره فى مواجهة الاحتلال الانجليزى لمصر (1882-1954)!

وهكذا فبعد أن كان الدين هو المنظومة الرمزية الأقوى في المجتمع، أصبح عنصراً من عناصر منظومة السلطة، وأداة من أدواتها الانضباطية (12)

الاحتلال الانجليزى والأزهر

ومثلما فعل محمد على فعل الاحتلال الانجليزى، لكنهم ركزوا على الحرب الناعمة، حيث بدأوا بالتعليم. يقول اللورد كرومر أول معتمد بريطاني على مصر، في كتابه مصر الحديثة "Modern Egypt" الذي يُعتبر خطة عمل شاملة للقضاء على الهوية الإسلامية: "إن مهمة الرجل الأبيض الذي وضعته العناية الإلهية على رأس هذه البلاد (مصر) هي تثبيت دعائم الحضارة المسيحية إلى أقصى حد ممكن، بحيث تصبح هي أساس العلاقات بين الناس.

فعيّن كرومر القسيس "دانلوب" مستشارا لوزارة المعارف (التعليم)، والذى حرص على خفض رواتب المعلمين من خريجي الأزهر الشريف، دون غيرهم. وفي الوقت الذي كان فيه راتب مدرس اللغة العربية أربعة جنيهات فقط، كان مدرسو التخصصات الأخرى يتقاضون اثني عشر جنيها! فأدى ذلك إلى ضعف المكانة الاجتماعية لخريجي الأزهر ومدرسي اللغة العربية الذين أصبحوا مثار سخرية زملائهم! (13)

وهكذا حقق الشعب المصرى أعظم انتصاراته، عندما كان الأزهر الشريف بعافيته، يحمى الهوية ويقود الشعب في معاركه مع المستبدين وفى مواجهة الغزو الاجنبى. وباضعاف الأزهر وتفريغه غاب عن الشعب المصرى من يمثله ويقوده في معاركه مع استبداد السلطة أو أطماع المستعمر الخارجي.

المصادر

  1. تاريخ الحركة القومية وتطور نظام الحكم في مصر - عبد الرحمن الرافعي
  2. «الشرقاوي» زعيم 4 ثورات شعبية للمصريين
  3. لماذا يخشى الحکام من الأزهر؟
  4. بــيــن «الــنــار والتـنــوير»
  5. زعماء الإصلاح الإسلامي – د محمد مورو
  6. الأزهر ومقاومة الحملة الفرنسية
  7. «الشرقاوي» زعيم 4 ثورات شعبية للمصريين
  8. في ذكرى اندلاع «ثورة القاهرة الأولى»..يوم ثارت القاهرة ضد نابليون
  9. الصراع بين المؤسسات الدينية والأنظمة الحاكمة
  10. زعماء الإصلاح الإسلامي د محمد مورو
  11. كسر «شوكة» الأزهر الوطنية.. أمنية «اللورد كرومر» المستحيلة
  12. أزهر ما قبل الدولة: المؤسسة والسلطة
  13. اللورد كرومر وأصول التغريب البريطاني