دعوة الإخوان في الأردن وصراع الهوية (الحلقة السادسة)

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
دعوة الإخوان في الأردن وصراع الهوية (الحلقة السادسة)


إخوان الأردن وحرب الحجاب

برزت جهود الإسلاميين حينما أخذ اللباس الشرعي للمرأة المسلمة في الأردن مكانة مهمة، على الرغم أن من دعا وقاد ظاهرة اللباس الشرعي في الأردن تعرض للاتهامات بالرجعية والتشويه, وقد أحدثت ظاهرة اللباس الشرعي بشكله الجديد في الأردن مفاجئة لكثير من الناس في شوارع عمان.

إلا أن الإسلاميون بدأوا جهودهم في الدعوة إلى الحجاب واعتماد نموذج مناسب للزي الإسلامي . فنشط في هذا الصعيد قسم الطالبات في اتحاد الطلبة المسلمين, وشكل ذلك أول جهد منظم للدعوة إلى الحجاب في الجامعة وبرز دور القطاع النسائي للحركة الإسلامية.

لم يتجاوز عدد المحجبات في الجامعة الأردنية في الستينيات أصابع اليد الواحدة, فبدأ الإسلاميون جهودهم في الدعوة إلى الحجاب واعتماد نموذج مناسب للزي الإسلامي . فنشط في هذا الصعيد قسم الطالبات في اتحاد الطلبة المسلمين , وشكل ذلك أول جهد منظم للدعوة إلى الحجاب في الجامعة وبرز دور القطاع النسائي للحركة الإسلامية, رغم محدوديته وقلة العاملات به آنذاك إلا أنهن قدمن نماذج وقدوات للطالبات الجامعيات, حيث عملن على إشاعة الأجواء المناسبة لنمو الحجاب وتأصيله في الجامعة الأردنية.

مارس الإسلاميون دعوتهم للحجاب واللباس الشرعي من خلال الحوارات التي تجري بين الطالبات في المنازل الداخلية السكنات حيث نشطت الطالبات الإسلاميات في الدعوة إلى للحجاب واللباس الشرعي وأيضا إقامة النشاطات داخل الجامعة وخارجها وخاصة في مقار جمعية المركز الإسلامي فأثمرت الجهود المتواصلة لاتحاد الطلبة المسلمين في زيادة عدد المحجبات في الجامعة الأردنية وجعل الحجاب معلما مألوفا, وبارزا عن الطلاب, فقد تحجبت 24 طالبة عام 1971 كنواة أولي في الجامعة في حين لم تكن هناك سوى محجبة واحدة فقط عام 1967).

وبذلك غدت الجامعة الأردنية في طليعة الميادين التي أبرزت الطابع الإسلامي وساهمت كثيرا في انتشار الحجاب واللباس الشرعي إضافة إلى الكثير من الظواهر مثل الفن والإنشاد الإسلاميين (1).

تقول سميرة الخوالدة (أول طالبة محجبة بالأردن): كان هناك جهاد كبير بمعني الكلمة أتذكر أنني كنت أقرأ سورة الإخلاص وأنا في طريقي للكلية حتى أصل, حيث كان الجو العام معارضا للبس الحجاب, وينظر إليه كشئ جديد بنظرات الاستغراب والاستهجان, فكنا في السنة الأول نحاول جاهدات الحفاظ على اللباس الشرعي حتى نصمد في وجه التيار المنحرف (2).

أنشأ فرع الأردن بالتعاون مع مجموعة من الشخصيات الإسلامية والعامة [جمعية المركز الإسلامي الخيرية]، التي أصبح لها فروع في مختلف مدن المملكة، وأنشأت المستشفى الإسلامي في عمان والعقبة وعدة مدارس ومعاهد.

وجمعية المركز الإسلامي هي جناح خيري للإخوان المسلمين في الأردن، تأسَّست عام 1963م، وسجلت فـــي وزارة التنـميــة الاجتماعية عــــــام1965م. تعد واحدةً من أكبر المنظمات غير الحكومية في البلاد (3).

وفي 2006 حلت وزارة التنمية الاجتماعية مجلس إدارة جمعية المركز الإسلامي ووجهت تهماً بالفساد لعدد من أعضاء المجلس بأمر من رئيس الوزراء معروف البخيت، وقد اعتبر أعضاء التيار الإسلامي في الأردن أن هذه التهم كانت تستخدم كعذر لتصفية مجلس إدارة المركز لأسباب سياسية(4).

صدام واعتقالات

لم تدم حالة الود بين النظام الأردني والإخوان كثيرا، وذلك لاعتراض الإخوان على بعض تصرفات الحكومة او النظام، ولذا قام النظام بمصادرة مجلة الإخوان والناطق الإعلامي الوحيد لهم في ذلك الوقت وهي مجلة الكفاح الإسلامي، كما تعرض المراقب العام للاعتقال أكثر من مرة.

ففي عام 1954 احتج الإخوان على وجود ضباط إنجليز في الجيش العربي، وطالبوا بترحيلهم، ونظموا المظاهرات المعادية للاستعمار، كما هاجموا حلف بغداد، واعتقل المراقب العام عام 1955، كما عارضوا مبدأ آيزنهاور عام 1957 م المعروف بمبدأ ملء الفراغ في الشرق الأوسط (5).

وحينما وقع انقلاب 14 تموز/ يوليو في العراق وارتكبت مجازر فظيعة، فنزلت القوات البريطانية في العقبة وعمان وأماكن أخرى، مما اعتبره الإخوان شيء خطير، فنظموا مظاهرات احتجاجية على أثر ذلك عام 1958م وأصدروا بيانات وألقوا خطبا، فما كان من النظام الأردني إلا أن اعتقل المراقب العام الأستاذ محمد عبد الرحمن خليفة مرة أخرى عام 1958م، بالرغم كونه عضواً في البرلمان، كما وضع أعضاء آخرون تحت المراقبة، على الرغم أن الإخوان في الأردن أيدوا الوحدة بين مصر وسوريا (6).

وفي خريف العام ١٩٥٩ تم سجن المراقب العام خليفة بعد توزيع منشورات إخوانية تتّهم النظام بتعميم تأخير حلّ القضية الفلسطينية. وأتلفت الحركة وثائقها خوفاً، وسجن المراقب مرة أخرى في صيف العام ١٩٦٠ بعد احتجاجات إخوانية على «التساهل الأخلاقي» من قبل الحكومة، والذي تمثّل بالسماح بتقديم عروض منافية للأخلاق من قبل شركات أجنبية تجسّدت في عروض راقصة على الجليد، ونقلت أنباء عن اعتقالات للإخوان بتهمة الهجوم على دور السينما وأماكن اللهو الأخرى، على غرار ما صنع إخوان مصر، كما يذكر موسى زيد الكيلاني، وصوّت عدد من نواب الإخوان، ومنهم يوسف العظم نائب معان وعبد المجيد الشريدة نائب أربد، بحجب الثقة عن حكومة وصفي التل سنة ١٩٦٣، لأنها فشلت في تطبيق أحكام الإسلام ولأنها لم تقم بالجهاد ضد إسرائيل (7).

في عام 1970 رفض الإخوان الدخول في الصراع الذي دار بين النظام الأردني ومنظمة التحرير الفلسطينية؛ لتشهد فترة السبعينيات مدًّا إسلاميًّا، حيث انضم العديد من الشباب إلى الجماعة التي ركزت على التربية والدعوة، واتجهت نحو التوسع في العمل النقابي.

وحينما زار نيكسون – الرئيس الأمريكي- الأردن بعد حرب 1973م حرك الإخوان المظاهرات ضده لمعاونته إسرائيل في حربها ضد العرب عام 73م، وكتبوا بيان بعنوان (عد إلى بلادك يا نيكسون)، إلا أن السلطات اعتقل المراقب العام الأستاذ خليفة وعدد من شباب الإخوان والذي اجتمع معهم الملك حسين بعدها ثم أفرج عنهم (8).

وشاركت في الانتخابات النيابية التكميلية عام 1984، وحصلت على مقعدين آخرين في المجلس فأصبح لها 4 نواب، وشارك الإخوان في الانتخابات البلدية في إربد ومادبا وسحاب، وتقدم الإخوان في قيادة العمل الطلابي في الجامعات، وشهدت هذه الفترة توتراً في العلاقة مع النظام، حيث فصل عدد كبير من الإخوان الأساتذة في الجامعات وفي غيرها من المواقع الوظيفية، وبقي الأمر كذلك حتى عام 1989م (9).

الإخوان وقواعد الشيوخ

حرب حزيران/ يونيو 1967م - وتُعرف في كل من سوريا والأردن باسم نكسة حزيران وفي مصر باسم نكسة 67 وتسمى في إسرائيل حرب الأيام الستة - بما رافقها من ظروف وملابسات ومواقف لها تأثير عميق في التاريخ العربي المعاصر، في ضوء ما ترتب عليها من تشكّل العلاقات في الإقليم وعلى الصعيد الدولي.

وهي الحرب التي نشبت بين إسرائيل وكل من مصر وسوريا والأردن بين 5 حزيران/يونيو 1967 والعاشر من الشهر نفسه، وأدت إلى احتلال إسرائيل لسيناء وقطاع غزة والضفة الغربية والجولان.

كانت الهزيمة لها تأثير على الشعوب العربية التي صدمت في أنظمتها وجيوشها، إلا أن الخوف كان تملك منهم فلم يعد يستطيع أحد الصراخ مما جرى. غير أنه لم يستسلم عدد من المواطنين – وفي قلبهم جماعة الإخوان المسلمين – لما جرى فشكلوا التشكيلات الفدائية لمجابهة الصهاينة.

يقول رحيل غرابية:

عقب هزيمة عام 1967 بدأ المد الإسلامي بالتنامي وشارك الإخوان المسلمون في العمل الفدائي ضد إسرائيل من خلال حركة فتح، حيث أقاموا 3 معسكرات، ونفذوا مجموعة من العمليات ضد أهداف إسرائيلية، وقد عمل في هذه المعسكرات حوالي 180 مجاهداً متفرغاً، إضافة إلى العديد من المتطوعين على فترات متقطعة، كما استشهد عدد من هؤلاء المجاهدين في هذه الفترة وهم: صلاح حسن (مصر) مهدي الإدلبي (سوريا)، رضوان كريشان (الأردن)، محمد سعيد باعباد (اليمن)، إبراهيم عاشور (فلسطين)، رضوان بلعا (سوريا)، محمود برقاوي (الأردن)، صلاح الدين المقدسي (فلسطين)، زهير سعدو (سوريا)، نصر العيسى (سوريا)، سليم المومني (الأردن) ويعقوب عيسى (سوريا) (10).

حيث اتفق الإخوان مع ياسر عرفات – قائد حركة فتح- على القيام ببعض العمليات الفدائية ضد الصهاينة، ومن أشهر هذه العمليات عملية الحزام الأخضر والتي كانت في عام 1968م وتم بها السيطرة على مستعمرة وزرع العلم الفلسطيني بها قبل تدخل الجيش الإسرائيلي بكامل عتاده ليسقط أفراد المجموعة شهداء بعد أن ألحقوا الدمار والتخريب بالمستعمرة وقتلوا وجرحوا العديد من الصهاينة(11).

إلا أن إبراهيم المشوحي – أحد قادة قواعد الشيوخ – يؤكد أن معسكرات الإخوان قد وجدت قبل الاتفاق مع عرفات، لكن الإخوان أرادوا إعطائها الصفة الشرعية حتى لا يقع الصدام مع عرفات، حيث حاولت عناصر من فتح اقتحام معسكراتنا قبل الاتفاق، ولم تكن هذه المعسكرات بأذن من النظام الأردني. ولم يكن الإخوان يعلنون عن عملياتهم لارتباطها بأعمال قادمة، ومن الاعمال التي قام بها الإخوان عملية في 5/ 6/ 1970م حيث قتل فيها ما يزيد عن أربعة عشرة يهوديا، ولقد استمرت قواعد الشيوخ ثلاث سنوات (12).

غير أن أمل عيتاني تعرج على قضية عدم اشتراك تنظيم الإخوان في غزة في هذه القواعد فتقول: لم يرغب تنظيم الإخوان المسلمين الفلسطينيين (من أبناء قطاع غزة) بالمشاركة في معسكرات الشيوخ التي نظمها الإخوان في الأردن والبلاد العربية تحت مظلة فتح، ضمن العمل الفدائي الفلسطيني (1968 - 1970) في منطقة الأغوار شرقي الأردن ؛ بينما التزم الإخوان في الأردن وسورية والعراق وغيرها بإرسال مجموعات من الشبان للمشاركة في التدريب والعمل العسكري. ويذكر في هذا المجال، أن مجموعة من الإخوان اللبنانيين شاركوا في التدريب العسكري في قاعدة الأزرق في الأردن سنة 1970، ومنهم محمد شندب وأحمد خالد ، وكانوا بقيادة عبد الفتاح زيادة ، وقد تعرضت قاعدتهم لقصف جوى مكثف من الطيران الحربي الإسرائيلي، في وقت كانوا فيه خارج القاعدة يتلقون فيه تدريبات على الرماية (13).

ويقول محمد خليفة المراقب العام لإخوان الأردن:

إن اتفاقنا مع عرفات على قتال اليهود لا لقتال أي عربي مسلم، وقد غضب ياسر عرفات من ذلك (14).

ويضيف محسن صالح:

وأَسّس الإخوان المسلمون معسكرات الشيوخ في الأردن 1968-1970 حيث عملوا تحت غطاء حركة فتح مع احتفاظهم باستقلالية إدارية داخلية. وقد تم تدريب حوالي 300 رجل توزعوا على سبع قواعد فدائية. ورغم محدودية إمكاناتهم ومشاركتهم فقد قدموا نماذج متميزة في عمليات قوية كالحزام الأخضر 31 أغسطس 1969، ودير ياسين 14 سبتمبر 1969، وسيد قطب 28 أغسطس 1970، واستشهد منهم 13 رجلا (15).

ويضيف في موقع أخر قوله:

افتتح معسكر الشيوخ في منطقة العالوك (قرب الزرقاء) وحسب الورقة الأولى في مؤتمر الحوار الإخواني وعنوانها (نظرة تاريخية لمراحل تطور جماعة الإخوان المسلمين) والتي أعدها د/ إبراهيم زيد ود/ همام سعيد وزياد أبو غنيمة ود/ علي العتوم، فقد كانت القواعد في الأزرق والعالوك وجرش وشمال اربد خمس قواعد هي: (بيت المقدس وغزة والمغير والخليل وعلعال) وتولى التدريب صلاح حسن وإبراهيم حسن وعبد العزبز علي (ثلاثتهم من مصر)، وكانت الدفعة الأولى التي تم تدريبها كانت من 30- 40 رجلا ذهبوا منطقة اربد، وبلغ عدد الذين تم تدريبهم في معسكرات الشيوخ حولي 250- 300 رجل من الإخوان المسلمين ومؤيديهم بينما بلغ عدد القواعد التي فتحت سبع قواعد، وبلغ عدد شهداء معسكرات الشيوخ خلال الفترة من 1968- 1970م أحد عشر شهيدا (16).

ويقول زياد أبو غنيمة:

كما قدموا عددا من الشهداء الأبرار من بينهم المهندس صلاح حسن(مصري)، والقائد الركن محمد سعيد باعياد (يمني)، والشاب محمود برقاوي(فلسطيني)، والطالب رضوان كريشان (أردني) (17).

لقد كان للإخوان دور مجيد في القتال من خلال قواعد الشيوخ، وكان للإخوان علاقة طيبة مع معسكرات الجيش الأردني المجاورة، حيث كان الجيش الأردني يتدخل لانفاذ حرجى الإخوان وتغطية انسحابهم، وقد جرح أثناء العملية قائد الجيش الأردني.

ويذكر المشوحي انه كانت علاقتهم بالجيش علاقة طيبة وأخوية حيث كانوا يساعدونهم أثناء العمليات أحيانا (18).

ويقول عبد الله أبو عزة:

كانت فلسفة التحرير عند بعض الإخوان في غزة تقوم على نظرية قيام دولة إسلامية تتولى تحرير فلسطين. بعد حرب عام 1967.. وتصاعد العمل الفدائي في الأردن.. اتخذ المكتب التنفيذي للإخوان المسلمين في البلاد العربية قرارا بإحداث معسكر في الأردن تحت مظلة فتح يقوم الإخوان فيه بتدريب عناصرهم والمشاركة في الجهاد على أرض فلسطين (19).

ويقول مصطفى الطحان: انضمت عناصر قليلة نسيا للمعسكر ،كان أكثرهم من إخوان سوريا وقليل منهم من إخوان الأردن والسودان واليمن والكويت.

كان قائد المعسكر الشهيد صلاح حسن.. وهو من خيرة شباب الإخوان من مصر. ولقد استطاع بنشاطه وحيويته وروحانيته، أن يحرك الخمول الذي ران على قلوب الإخوان من خلال سنين المحن والانغلاق، وإذا بمعسكر الشيوخ (كما كانوا يسمونه) يعيد الحيوية لشباب الإخوان.. وإذا بهؤلاء الشباب يسجلِون مِن جِديد علامات فارقة في عمليات مميزة أحس العدو لسعها وعمق تأثيرها.. ذكرته بعمليات إخوانهم من قبل في النقب والخليل وصور باهر عام 1948م (20).

ويروي عبد الله عزام بعض خواطره عن هذه الفترة فيقول:

عندما حدث الصدام بين الجيش الأردني والفدائيين، ودخل الجيش لضرب قواعدنا.. جاء الأهالي في المناطق التي كانت قواعدنا في أكنافهم وقالوا: نحورنا دون المس بهم وصدورنا دون إيذائهم، لقد عرفناهم معلمين لأبنائنا، وأئمة وخطباء لمساجدنا، وحراسا أوفياء لقرانا ومزارعنا (21).

وانتهت الحركة الجهادية عام 1970.. فقد صفى الجيش الأردني قواعد الفدائيين.. وتعقبهم إلى جرش في آخر حصونهم.. بينما انسحب الإخوان ولم يرغبوا مقاتلة الجيش الأردني.

الإخوان وأحداث أيلول/ سبتمبر

من المحطات المهمة في تاريخ حركة الإخوان المسلمين في الأردن وقوفها على الحياد خلال أحداث أيلول عام 1970، التي وقعت بين الفصائل الفلسطينية والسلطات الأردنية وأفضت إلى خروج الفصائل إلى لبنان.

فمنذ أن وافقت بريطانيا على إعطاء إمارة شرق الأردن للأمير عبد الله، وقد خطت بيديها سبل التناجز بين الفلسطيني والأردني، وزاد الأمر بعد احتلال الصهاينة لفلسطين عام 1948م ثم عام 1967م حتى أضحى أغلبية المجتمع الأردني من الفلسطينيين.

ولذا ما أن تكونت حركة فتح وشاركت في العمليات الفدائية إلا وتطورت النزعة الاستقلالية لدى بعض زعمائها، وحاولوا فرض ذلك بالقوة العسكرية ومحاولة الإطاحة بالملك حسين، فكان الصدام.

كان الفدائيين يقومون بعملياتهم في الأغوار إلا أنهم بدأوا يقيمون مكاتب لهم في المدن مثل عمان وإربد، ولذا بدأت الاستفزازات بين الجيش الأردني وهؤلاء الفدائيين.

يقول إبراهيم غوشة:

بل بلغ الأمر ببعض الفصائل أنها كانت تكتب على الحوائط (كل السلطة للمقاومة)، (تحرير القدس يبدأ من عمان)، وقد زاد نشاط الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية في ذلك وانجرت فتح معهم في هذا الأمر، وكانت تحدث اشتباكات بين الجيش والفصائل، حتى بلغ الأمر أن بعض شباب الحركات كان يجرد ضباط الجيش من ملابسه تحت تهديد السلاح (22).

اعتبر الملك حسين أن المسألة الفلسطينية ستظل قضية الأمن القومي المهيمنة في البلاد؛ وخشي من أن ضفة غربية مستقلة تحت إدارة منظمة التحرير ستهدد استقلالية ممكلته الهاشمية.

إلا أن المنظمات الفلسطينية أساءت التصرف مع الجيش الأردني والشعب، يقول كامل الشريف: كان الفدائيون يستهينون بالدولة، وكنت أسمعهم وهم يشتمون الملك في خطبهم في مجمع النقابات وأنا في بيتي.

ويقول طاهر المصري: كنت عام 1970م موظفا في البنك المركزي، ولا أدري إذا كانت الفتنة مرتبطة بمخطط، لكن ما رأيته هو تجاوزات الفدائيين حيث كانوا يأخذون (الخاوة)، وخطفوا عديلي لأنه في الجيش – رغم أنه غزاوي – وقد كنت أبيت الليالي في البنك المركزي لأنني لم استطع العودة إلى منزلي. لقد شهدت البلاد فترة انفلات أمني بعد حرب 67 مما دفع الناس للالتحاق بالفدائيين، وعمت الفوضى حتى أن مضر بدران (مدير المخابرات العامة قبل 1970م كان يقول لقد تحولت معسكرات الجيش إلى سجن كبير للجنود والضباط، حتى إذا بلغ السيل الزبى حصل الملك على موافقة الجيش لإنهاء هذه الفوضى (23).

ويرى بعض المحللين أنه هذه الأحداث كان يرتب لها من الخارج، يقول كسنجر في مذكراته: إن محاولة اغتيال الملك حسين أتاحت الفرصة للولايات المتحدة بأن تقوم بدور حاسم في التطورات المستقبلية في الأردن. ففي 9 يونيو 1970م دعا كيسنجر مجموعة واشنطن للعمليات الخاصة المناط بها معالجة الأزمات إلى اتخاذ الإجراءات المناسبة لمعالجة الأزمة الأردنية. وضعت الخطة على أن تتولى إسرائيل ردع أي تحرك سوري أو عراقي لمساعدة الفدائيين (24).

كانت الأحداث كثيرة، والمشهد ضبابي، والأيادي الخارجية تعبث بالمشهد على الأراضي الأردنية لصالح إسرائيل، خاصة أن الحركات الفدائية أصبحت كثيرة العدد متعددة القيادة، متنوعة الولاء لبعض الدول العربية والغربية، ولذا لم يعجبهم سياسة حسين في التفاوض من أجل السلام الذي كان ينشده لوطنه مع إسرائيل.

بحلول عام 1970، بدأت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بزعامة جورج حبش والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين بزعامة نايف حواتمة، التشكيك علنا بشرعية الملكية الهاشمية، ودعوا إلى إسقاطها واستبدالها بنظام ثوري، وساهم في الأمر النظام البعثي في سوريا حتى أنه تدخل لصالح الفدائيين ضد الجيش الأردني.

بدأ الملك حسين تحت ضغط الجيش في التحرك ضد الحركات الفدائية، وتعهدت إسرائيل بعدم استغلال الموقف وقت المواجهة.

في 9 يونيو نجا الملك حسين من محاولة فاشلة لاغتياله أثناء مرور موكبه في منطقة صويلح ومحاولة فاشلة أخرى بوسط عمان حيث قام قناص كان مختبئاً على مئذنة المسجد الحسيني بإطلاق النار على سيارة الملك واستقرت إحدى الرصاصات في ظهر زيد الرفاعي الذي كان يحاول حماية الملك وقامت مصادمات بين قوات الأمن وقوات المنظمات الفلسطينية ما بين فبراير ويونيو من عام 1970 قتل فيها حوالي 1000 شخص.

في 6 سبتمبر 1970 خطفت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ثلاث طائرات أجنبية كانت قد أقلعت من فرانكفورت (ألمانيا) وزيورخ (سويسرا) وأمستردام (هولندا) متجهة إلى نيويورك. حوّل الخاطفون اتجاه طائرتين منها إلى الأردن وأجبروهما على الهبوط في مهبط دوسون (قيعان خنا)، وهو مطار بعيد في منطقة الأزرق الصحراوية شمال شرق الأردن، فيما حوّلت وجهة الطائرة الثالثة إلى القاهرة حيث عمد الخاطفون إلى تفجيرها. بعد مرور ثلاثة أيام على الحادثة خُطفت طائرة مدنية أخرى إلى المهبط ذاته. طلب الفدائيون إطلاق سراح رفاق فلسطينيين لهم معتقلين في سجون أوروبية، وعندمت رُفض مطلبهم عمدوا في 12 سبتمبر وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، إلى تفجير الطائرات الثلاث بعد إطلاق سراح ركابها، بعدئذٍ بيومين دعت منظمة التحرير الفلسطينية إلى إقامة (سلطة وطنية) في الأردن (25).

لقد حسم الملك حسين والجيش الأردني الموقف – بعدما شهدت الساحة اقتتالا عنيفا خلف آلاف القتلى والجرحى من الطرفين- ولقد أُجبر الفدائيين على مغادرة البلاد إلى لبنان، حيث خسروا أرضا مهما في إقامتهم أعمالهم الفدائية، غير أنهم شكلوا منظمة أيلول الأسود حيث قامت باغتيال وصفي التل – رئيس وزراء الأردن (26).

وقف الإخوان على الحياد – رغم أن الفدائيين والجيش الأردني غضبوا من موقفهم – لأنهم كانوا يعتقدون انه لا يجوز للمسلم بأن يقتل المسلم، فالفدائيين مسلمين والجيش الأردني مسلما.

أصدر الإخوان بيان في 14 يونيو 1970م بعنوان لمصلحة من هذه الفتنة العمياء، جاء فيه: الجيش بجميع أفراده المؤمنين الصادقين الشجعان، وعناصر الفدائيين الصادقيين الشجعان يلتقون كلهم على هدف واخد هو تحرير الوطن المحتل..إنها دعوة الجاهلية بعصبياتها القبلية وعادتها الرجعية (27).

وقال محمد أبو فارس: إذ حصل صدام دموي مفتعل بين الحركات الفدائية والجيش الأردني، وأن البنادق يجب أن تتجه نحو العدو الصهيوني (28) ويقول مصطفى القيسي (مدير المخابرات الأسبق): كان موقف الإخوان حينما وقعت الأحداث مشرفا حيث لم يسجلوا على أنفسهم ما يمكن أن يسيء إلى فكرهم ولهذا فإن موقفهم لا غبار عليه دينيا وسياسيا (29).

وبذلك يتضح موقف الإخوان جليا في هذه الفتنة التي أكلت الأخضر واليابس في البلاد، وجعلت رفقاء الدرب يتناحرون بل ويقتل بعضهم بعضا بدلا من أن يوجهوا رصاصتهم للعدو الصهيوني.

المراجع

  1. طارق سالم النعيمات وزياد كامل اللالا: صفحات من تاريخ الحركة الطلابية الإسلامية الأردنية (النشأة.الصعود.القيادة.الحصار) الجزء الأول(تجربة الجامعة الأردنية)، الأردن، دار المأمون، 2010م، صـ 30.
  2. سميرة فياض الخوالدة: المرأة في روايات نجيب الكيلاني، أدب المرأة، العبيكان، صـ61 وما بعدها
  3. موقع جمعية المركز الإسلامي الخيرية، http://cutt.us/eicYy
  4. خالد أبو الخير: رجالات من الأردن، شركة دار البيروني للنشر والتوزيع البيول، الأردن، عمان، 2015م، صـ26.
  5. التجربة الحزبية في الأردن، مرجع سابق، 73، ومحطات في تاريخ جماعة الإخوان المسلمين في الأردن، مرجع سابق، صـ28.
  6. المئذنة الحمراء، مرجع سابق، صـ75.
  7. المرجع السابق.
  8. محمد الحسن: الإخوان المسلمون في سطور، دار الفرقان، عمان، 1990م، 69.
  9. رحيل الغرابية: الإخوان المسلمون في الأردن.. صراع الصقور والحمائم، الرابط
  10. الإخوان المسلمون في الأردن.. صراع الصقور والحمائم، مرجع سابق، الرابط
  11. بلال محمد شلش: سيدي عمر: ذكريات الشيخ محمد أبو طير، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات،بيروت، 2017م، صـ64.
  12. محطات في تاريخ جماعة الإخوان المسلمين في الأردن: مرجع سابق، صـ66- 68.
  13. أمل عيتاني، عبد القادر علي، معين منّاع: الجماعة الإسلامية في لبنان منذ النشأة حتى 1975م، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، بيروت، طـ1، 2009م، 65- 66.
  14. محطات في تاريخ جماعة الإخوان المسلمين في الأردن: مرجع سابق، صـ66- 68.
  15. محسن محمد صالح: الطريق إلى القدس، الطبعة الخامسة، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات - بيروت ، 2012 صـ 196-198.
  16. الطريق إلى القدس، المرجع السابق، صـ 195.
  17. زياد أبو غنيمة: الحركة الإسلامية وقضية فلسطين (سلسلة دراسات إسلامية هادفة) دار الفرقان، عمان، 1405هـ، صـ126.
  18. محطات في تاريخ جماعة الإخوان المسلمين في الأردن: مرجع سابق، صـ71
  19. عبد الله أبو عزة: الحركة الإسلامية في البلاد العربية، طـ2، دار القلم، 1992.
  20. مصطفى الطحان: القدس التحدي الحضاري، طـ2، اتحاد المنظمات الطلابية، 2006م، صـ180
  21. عبد الله عزام: حماس- الجذور التاريخية والميثاق، بيشاور، باكستان، مكتب خدمات المجاهدين، 1989م، صـ 86.
  22. المئذنة الحمراء، مرجع سابق، صـ111.
  23. محطات في تاريخ جماعة الإخوان المسلمين في الأردن: مرجع سابق، صـ75
  24. مذكرات هنري كيسنجر:الجزء الأول، ترجمة عاطف أحمد عمران، الأهلية للنشر والتوزيع، 2005م، صـ596.
  25. نذير رشيد .. مراحل من تاريخ الأردن، شاهد على العصر، ج6، الرابط
  26. أحمد الشقيري: إني أتهم، طـ1، دار العودة، 1973م،
  27. محطات في تاريخ جماعة الإخوان المسلمين في الأردن: مرجع سابق، صـ84
  28. صفحات من التاريخ السياسي للإخوان المسلمين في الأردن، صـ 174.
  29. محطات في تاريخ جماعة الإخوان المسلمين في الأردن: مرجع سابق، صـ84
تاريخ جماعة الإخوان المسلمون في الأردن

إعداد: ويكيبيديا الإخوان المسلمين

علم الأردن.png
شعار إخوان الأردن.jpg


للمزيد عن الإخوان في الأردن

من أعلام الإخوان في الأردن

روابط داخلية

كتب متعلقة

ملفات متعلقة

مقالات متعلقة

أخبار متعلقة

تابع أخبار متعلقة

وصلات فيديو

.


بيانات صادرة عن الإخوان في الأردن