خسائر الانشقاق 6 : الثبات والوفاء
د - إشكالية الانشقاق؛ومن يتحمل مسؤولية الخسائر ؟ :
عرفنا مفهومي "الثبات والوفاء " والتشابه بينهما كما عرفنا أهمية وفضل كل منهما ومحليهما وعلاقتيهما بالانشقاق ، ويبقى تفصيل مظاهر الخسائر الناجمة عن هذه العلاقة ، ولكن قبل تفصيلها لابد من حل الإشكال الذي مازال قائما ، والذي لا قيمة لكل ما يطرح دون حله ، ومفاده: من هو الذي يتحمل مسؤولية هذه الخسائر ومن هو الأجدر برفع شعار "الثبات والوفاء"؟.
الجواب نظريا واضح وهو أن متحمل الخسائر هو المنشق فردا أو مجموعة ، والأجدر هو الذي يحقق شروط البقاء على الأصل.
ولكن ميدانيا ليس كل منشق مقرا بانشقاقه، حيث إن بعضهم يتهمون القائمين على العمل الأول بالانحراف وينسحبون بدعوى أنهم على الأصل وغيرهم منحرف وهذا حدث متكرر في أزمنة مختلفة في عدة جماعات ومع عدة مؤسسين ناهيك عن بقية القياديين ، ولا داعي لكثرة التفاصيل والتشخيص (من أراد مثالا تاريخيا ينظر أحد فصول كتاب "الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ – رؤية من الداخل") ولكن المهم هنا هو أنه في مثل هذه الحالة لابد من تحديد مواصفات ومعايير يتميز بها الأصيل عن المنشق استنادا إلى الأعراف التنظيمية والحجج المنطقية والواقعية .
فالبقاء على الأصل بثبات ووفاء يشترط فيه (والله اعلم ):
1- التمسك بالانتماء للكيان التنظيمي المحلي الأول، باسمه الرسمي ووثائقه الإدارية وأدبياته الداخلية والخارجية ، ما لم يثبت انحرافه بانتفاء الشروط اللاحقة منه ، إذ لا يمكن أن يسير منهج واحد في إقليم واحد بتنظيمين اثنين .
2- الالتزام بالشرعية القانونية والتنظيمية واحترام قرارات مؤسسات الكيان المذكور (في الشرط السابق ) وعدم التملص منه .
3- مواصلة العمل على تنمية رصيد الانجازات السابقة وتحمل مسؤولية مقتضياتها وما يتعلق بها من مواثيق وعلاقات .
4- العمل بالمنهج الأصلي لتحقيق أهدافه وفق برامجه التربوية والسياسية ، والاجتهاد في تجسيد ذلك سلوكيا وعمليا (والكمال لله).
5- عدم التصريح بنقض العهد لفظا أو بالتخلي الواضح عن مقتضياته التنظيمية والتزاماتها عملا .
6- التأكيد لفظا وعملا على البقاء على الأصل وعدم التخلي عنه ، ومن ذلك تجديد العهد من حين لآخر ، في الظروف المناسبة .
7- عدم ظهور قرائن قطعية وليست ظنية تدل على الانحراف ولو دون تصريح ظاهر.
8- احترام الرموز والمؤسسين والاعتزاز بهم وإحياء ذكرياتهم (في حالة الوفاة)وتمجيد أفكارهم والاستنارة بأقوالهم (دون تقديس، فكل يؤخذ من كلامه ويرد...) .
9- تبنّي الشعارات المميزة للأصل وتجسيدها ، مع إمكانية التجديد والإضافة دون تنكّر للسابق.
10- الصدق في كل ما سبق ، ومن أجل ذلك لا بد للكيان التنظيمي من إجماع هياكله ومؤسساته على هذه الشروط ، دون تحايل أو مداراة ، ولا عبرة بأخطاء بعض أفراده إذا كانوا قلة .
يعدّ كل فرد أو كيان تمثلت فيه هذه الشروط ثابتا على الأصل وفيا له ، أما الانحراف فهو المخالفة الصريحة المتفق عليها (في الحالة الجماعية ) لأي شرط منها ، بمعنى أنه لا يصح في إثبات الانحراف على المنهج ـ سواء أمام الله (عز وجل ) في الآخرة أم أمام الشرائع والقوانين والأعراف في الدنيا ـ الاعتماد على التقاط السقطات والهفوات أو حتى التكتيكات التي قد يضطر إليها القائد أو على اتهام النوايا.
فلا يصح في ذلك إلا ما يصح به إثبات الطلاق أو الخروج من الملة . ولا نظن أن عاقلا يرد هذا الكلام .. فمن ثبت على هذه الشروط فهو على الأصل ولو كان وحده ومن فارقها فهو المنشق .ولا إشكال في من يخالف الشروط السابقة صراحة مفارقا لأصحابها علنا ، دون تحفظ – كما سبقت الإشارة – ولكن الإشكال في من يِؤمنون ببعض هذه الشروط ويتجاهلون بعضها لاسيما الشروط الثلاثة الأولى ثم الأخير (1،2،3،10) بدعوى أنها شكلية والأصل في غيرها ويمكن تعويضها بشكليات أخرى بعد مفارقة أصحابها دون اعتبار ذلك انشقاقا مادام الأصل محفوظا عندهم ،على حدّ زعمهم.
إلاّ أن هذه الدعوى باطلة من كل الجوانب.. ونذكر منها الجوانب الآتية : اللغوي والقانوني والتنظيمي والعرفي والمنطقي، فكلها تثبت أن المفارق لأصحاب الشروط العشرة السابقة يعد منشقا ولو ادّعي أنه على الأصل ، وتفصيلها كما يلي :
لغويا:
مهما أبدلنا لفظ هذا العمل بمثل : تحويل ، تجديد ، قسمة ، انشطار أو غير ذلك ..، فلا يمكن أن يخرج معناه عن فحوى "الانشقاق" الذي يدل على أن شيئا كان واحدا أمام أنظار الناس فانفصل عنه جزء منه سواء قل أم كثر، ولكن المعنى يتأكد بالكثرة.
قانونيا :
لا يمكن تفسير طلب الاعتماد القانوني لإطار تنظيمي جديد دون أي ارتباط بالأول إلا انشقاق وعدم ثبات؛ فهل يكون جسم واحد برأسين ؟
تنظيما:
لا يوجد في اللوائح ما يجيز هذا الفعل إذا كان مخالفا للشرعية وليس فيها ما يخوّل للجهات الفوقية التدخل بشكل مقسّم للوعاء ومحبط للانجازات ،وما كان مخالفا للوائح فهو خروج وانشقاق.
عرفيا :
بمجرد إعلان الخروج عن الوعاء الأول وبتسمية جديدة ، فلا يفهم المجتمع إلا معنى واحدا لذلك وهو ًالانشقاقً ولن يجد غير هذا المعنى ولو اجتهد في البحث عن غيره وهو لن يجتهد لأنه غير مكلف بذلك ولا حاجة له بأن يكلف نفسه به... يجب أن نعي بأننا نتعامل مع مجتمع لا مع نخبة ولا يليق بمشروعنا أن يحصر في النخبة . بل حتى النخبة لا يمكن أن تقتنع كلها بتفسير عدم الانشقاق لهذا الفعل ولو كشفت لها كل الأوراق ، والدليل ما شهدت به الأيام حتى في أوساط الذين يعرفون كل شيء فكيف بالذين سيلقّنون الدرس من جديد ، وعليه فإن كل عيوب الانشقاق في نظر المجتمع لاصقة بأصحاب هذا الفعل مهما كانت المبررات ولا يخفى ما في نفوس المسلمين من جروح وآلام من آثار الاختلافات والانشقاقات،ولن يغسل هذا العار إلا التوبة والاستغفار(والفرصة مواتية في هذه الأيام).
منطقيا:
وهنا لا مفرّ من أن نتّجه إلى التمثيل من واقعنا ، فالذي يمكن أن يتصوره كل عقل من خلال هذه الدعوى التي تقول " لقد أخذنا المنهج الأصلي وتركنا المنحرفين بدونه" هو أن المنهج شيء مادي موجود في وعاء معين (صندوق أو كيس) وقع النزاع حوله فتمكنت مجموعة من الاستحواذ عليه وأخذته وفرّت به إلى مكان آخر ؛ فإذا كان من الممكن تحقيق هذا التصور على أرض الواقع فإن الدعوى المذكورة صحيحة لأن أصحابها يكونون فعلا لم يفارقوا الأصل لأنهم حملوه معهم ومن ثم فهم غير منشقين،ولكن أيّ واقع يحقق ذلك وأيّ منطق يقبله ؟! فما هو في الحقيقة إلا ضحك على أذقان الأتباع الطيّبين (الغافلين) "مثلنا" ، إلا أن الطيبين في طرفنا لم ينخدعوا إلا بشيء واحد هو "الشرعية" وهي واقع ماثل وليست ظنا مأمولا مثل التزكية المرتقبة التي يعول عليها غيرهم ....
ومنطق الثابتين على الأصل – على ما هو شائع – يقول: "لو كانت الشرعية لجهة أخرى ما تخلينا عنها ولو كان على رأسها عبد أو فاجر مادامت قد اختارته الأغلبية من وعاء طاهر".
نعود للقول بأن الفرار بالمنهج غير منطقي لأن المنهج ليس شيئا ماديا حتى يحمله أفراد ويتركوا غيرهم بدونه فهو توجهات وأفكار وقناعات لا يمكن أن تفتك ممن يحملونها ويعتزّون بها كما لا يمكن أن تُنفى عنهم ببساطة وآثارها ظاهرة في سلوكا تهم وأعمالهم وأقوالهم ولم يصرحوا بأنهم تخلوا عنها.
فلو علم إخواننا ما في قناعاتنا من تمسك بهذا المنهج و ما في قلوبنا من حب للمؤسسين ما كانوا يتجرؤون بنفي ذلك عنّا، لكنهم لا يعلمون ،لأنه لا يعلم ما في الصدور إلا خالقها سبحانه وتعالى . ويمكن أن نسألهم لينتبهوا :ما الذي يكون قد نسخ تمسكنا ومحبتنا هذين وقد تعلقنا بهما معهم سنينا طويلة وتلقينا من أجل ذلك ما تلقينا وقدمنا ما قدمنا، والحمد لله؟.
وهذا لا ينفي أن الذي يدّعي الفرار بالمنهج يعمل به هو الآخر ،ولكن ذلك لا يعفيه من أن يسمى "منشقا" وغير ثابت، مادام قد فارق الذين كان يعمل معهم به أول الأمر وقد تخلّى بذلك عن أمور أخرى من بين الشروط العشرة التي كانت تربطه بهم في إطار واحد ، ومادامت النتائج والآثار هي نفسها خسائر الانشقاق. فمن لم يصبر ولم يثبت في موقعه على الصعوبات لا يستحق أن يكون له شرف الأصالة إلا إذا عاد ،لأن الوفاء التام للمنهج يقتضي الحفاظ على من التفّوا حوله ،والوفاء للمؤسس يقتضي الحفاظ على من اجتمعوا حول منهجه فلو كان حيا (رحمه الله)ما كان يرضى بالانقسام وهل من الوفاء له أن نخالفه ونعمل بما لا يرضى به في أمر عظيم هكذا؟
بهذه الحجج القوية نصل إلى نتيجة أنه لا مبرر من كل الوجوه لمن يفارق جماعة ثابتة على تلك الشروط العشرة (المذكورة آنفا) ليقول :"لست منشقا وأنا الأصل وغيري منحرف "،ولو عمل بنفس المنهج الذي عمل به معهم سابقا ما داموا هم لم يتخلوا عنه ؛ بل هو المنشق وهو الذي يتحمل مسؤولية خسائر مجانبة "الثبات والوفاء"،التي سنبيّن مظاهرها لاحقا.
وعليه فإننا نقترح على كل من يريد أن يساهم في حل هذا المشكل (الحاصل عندنا) أن يدعم "الشرعية"ويقوي الجهة التي تمثلها حتى يزول التردد الموجود لدى البعض ويصحح الخطأ وتعود المياه إلى مجاريها ، ومن أبى فهو المسؤول على مواقفه ، أما أن يخطئ طرف ويتحمل آخرون أخطاءه فهذا غير معقول . والله أعلم .
المصدر
- مقال:خسائر الانشقاق 6 : الثبات والوفاءحركة مجتمع مسلم