خسائر الانشقاق 5 : الثبات والوفاء (1/3)
أ- المفهومان
الجمع بين "الثبات والوفاء" ناتج عن التشابه والتكامل في مفهوميهما ، ذلك أنهما يلتقيان لغويا في بعض المعاني« فمادة "الثبات" تدل على الاستقرار والرسوخ ، وعلى ضد التزلزل والاضطراب وفيها أيضا معنى القوة » (ج.1/96)*.
و« مادة "وفى" تدل على الاكتمال والإتمام »(ج.2/96) وفيها معنى المواصلة إلى بلوغ الغاية .
فالمعاني المشتركة بينهما – كما يبدو واضحا – هي :الدوام والاستمرارية وإتمام الحق دون انقطاع أو تذبذب .
أما في اصطلاح الدعوة والأخلاق فقد جاء في الرسائل « وأريد بالثبات أن يظل الأخ عاملا مجاهدا في سبيل غايته مهما بعدت المدة وتطاولت السنوات والأعوام حتى يلقى الله على ذلك وقد فاز بإحدى الحسنتين فإما الغاية وإما الشهادة في النهاية...»
وعن الوفاء جاء في موسوعة أخلاق القرآن : « هو ملازمة طريق المواساة والمحافظة على عهود الخلطاء .» (ج.2/194)
و المتأمل يرى أن كلا من الثبات والوفاء يحتاج إلى الآخر، ولذلك فإن كل واحد منهما يرد لفظه في شرح الآخر، فهذا مثلا أبو حامد الغزالي (رحمه الله ) يصف وفاء الأخ لأخيه فيقول: «ومعنى الوفاء: الثبات على الحب وإدامته إلى الموت معه، وبعد الموت مع أولاده وأصدقائه». (د.182).
وهذا الراشد (حفظه الله) يقول :«وما ثبت داعية على الطريق وازداد بذلا وإيثارا إلا لاكتمال معنى الحرية والوفاء فيه »(هـ.11) وبهذا التقارب والتشارك بين المفهومين لنا أن نقرر في موضوعنا أن الكلام عن الثبات هو كلام عن الوفاء والعكس .
ومن إشعاع قول الراشد (الأخير) يلوح نور الفضائل الآتية:
ب ـ الفضائل
إن أفضل الفضائل أن ينسب الأمر إلى القرآن الكريم وكذلك هما الثبات والوفاء، فقد صنف كل منهما من أخلاق القرآن في موسوعة الشرباصي وجاءت فيهما آيات عديدة إما للإشادة بالاتصاف بهما أو للأمر والإغراء والترغيب أو للتحذير والترهيب من مخالفتهما ، ولا يمكن أن نحصي ذلك كله ولكن يكفينا التمثيل :
- - )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ (الأنفال45
- - ) يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ (إبراهيم27
- - )وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً (الإسراء34
- - )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ ( المائدة1
- - )وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ(البقرة177
وقد يظهر الفضل بطريقة غير مباشرة دون ذكر اللفظ وبالتشهير بالمخالفين في مثل قوله تعالى :
- -) وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (الحج11
- - )وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ ( التوبة58
- وفي الحديث الشريف تظهر أيضا عظمة الفضل في بشاعة المخالفة ، يقول صلى الله عليه وسلم (في الصحيحين )عن الغدر و هو ضد الوفاء:
- -« لكل غادر لواء يوم القيامة يقال هذه غدرة فلان بن فلان .»
- -«أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها ..[ومنها].. إذا عاهد غدر .»
- -«من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية .» (و.168)
- ويقول أيضا صلى الله عليه وسلم :« لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له. »(و.149)
ومعلوم لغويا أن "لا" نافية للجنس أي أن ما بعدها يساوي صفرا ولا نظن أن ذلك يحدث إلا عند الكافر ، ولكن الأمر قد يضعف عند غيره بدرجة كبيرة .وعند أهل الاختصاص كلام في هذا المعنى في مثل شرح حديث "لا يزني الزاني .. ولا يسرق السارق..و لا يشرب الخمر...حين يفعل كل ذلك وهو مؤمن." وفي آيات المنافق كلام عن النفاق العقائدي والنفاق الأخلاقي..كما أن هناك ألفاظ الوعيد التي لا تطلق على حقيقتها..وهناك كفر دون كفر...الخ.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن المقصود من عرض هذه النصوص هو إبراز خطورة موضوعها وليس المقصود إسقاطها بهذه الحدة على جهة معينة ، ثم إن بشاعة هذه الصفات ليست بالضرورة في مستوى واحد عند كل الناس ، وفي هذا يقول الذهبي:«والخيانة قبيحة في كل شيء وبعضها شر من بعض،وليس من خانك في فلس كمن خانك في أهلك ومالك وارتكب العظائم»(و.149)
وبعد القرآن والحديث يأتي فضل كون الثبات ركنا من أركان الدعوة (أصالة عن نفسه ونيابة عن شقيقه الوفاء) وقد سبق في التعريف ذكر ما يريد به المؤسس (رحمه الله )، ولصاحب "في أفاق التعاليم "(رحمه الله) تعليقات حول هذا الركن تبرز فضله وأهميته نقطف منها ما يلي :
«-لا شيء يدل على صدق الإنسان مع الله مثل استمراره على حمل الدعوة في كل الظروف ، ولقد سألت مرة أحد الشيوخ عن الطريقة التي أتعرف بها على صدق الإنسان مع الله فقال لي: استمراره على الدعوة وحملها في كل الظروف والأحوال، وهو المراد بالثبات...فالاستمرار في كل الظروف هو الطريق لتحقيق الأهداف وتكاثر الصف .....
- ولعله يكون واضحا أن الثبات على طريق الدعوة وعدم التخلي عن الصف رغم المحن والشدائد يحقق استمرارية المسيرة وإمكانية توريث الدعوة بأماناتها من جيل إلى جيل حتى يتحقق النصر بإذن الله. وقد أعان الله الإخوان في مصر وغيرها إلى الوفاء بهذا الركن وثبتهم الله وظلوا رافعي الراية رغم قسوة الضغوط وطول زمنها »(ز.116) ونضيف الآن:"ورغم كثرة الانشقاقات وتعدد طرقها".
ومما يؤكد هذه الأهمية ما ذكره الإمام محمد عبده(رحمه الله)في تفسيره لقوله تعالى: ..)وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ(البقرة(177) من أن الوفاء ضرورة لعمارة الأرض وإخلافه هادم للنظام العام في الحياة كلها – وليس في الدعوة فقط – وسبب في عقوبة الله للأمم، فانتبه إلى قوله:
«إن الإيفاء بالعهود من أهم الفرائض التي فرضها الله تعالى لنظام المعيشة والعمران............ و الإخلاف من الذنوب الهادمة للنظام ،المفسدة للعمران المفنية للأمم،وما فقدت أمة الوفاء الذي هو ركن الأمانة وقوام الصدق إلا وحل بها العقاب الإلهي،ولا يعجل الله الانتقام من الأمم لذنب من الذنوب يفشوا فيها،كذنب الإخلال بالعهود والإخلاف بالوعود. وانظر حال أمة استهانت بالإيفاء بالعهود،ولم تبال بالتزام العقود،كيف حل بها عذاب الله تعالى بالإذلال وفقد الاستقلال، وضياع الثقة بينها حتى في الأهل والعيال،فهم يعيشون عيشة الأفراد لا عيشة الأمم: صور متحركة، ووحوش مفترسة ، ينتظر كل واحد منهم وثبة الآخر عليه ....ويحترس من غدره بكل ما يمكن،فلا تعاون ولا تناصر ولا تعاضد ولا تآزر، بل استبدلوا بهذه المزايا التحاسد والتباغض، والتعادي (بأسهم بينهم شديد )ولكنهم أذلاء للعبيد.»
إن الإمام المفسر (رحمه الله ) يتكلم عن عوام الأمة وقد أسس خواصها الدعوة ليكونوا لها أطباء من أجل تطهيرها من هذه الأمراض وحتى تنجو مما ينتج عنها من العقوبات إلهية ، فكيف إذا أصيب الطبيب بنفس الداء !؟ وقد علمنا الطب الحديث أن المرض المستشفوي (الذي يتسبب فيه المستشفى نفسه ) أصعب في العلاج، فهنا يكمن الخطر ويتبين فضل الثبات والوفاء أكثر. ولعل أهم مثال لهذا الوضع المزري يتبادر للأذهان هو إخلاف مواعيد العمل و الاجتماعات الذي صار عادة مألوفة يضرب بها المثل فيقال "مواعيد عرب " للأسف الشديد..فهل يتعظ الدعاة؟
ج-علامَ الثبات، ولمن الوفاء ، وما العلاقة بالانشقاق؟
أما الثبات المطلوب فقد اتضح من خلال ما سبق أنه الاستمرار في طريق الدعوة والعمل لها إلى غاية تحقيق الأهداف أو الوفاة، وهذا في إجماله واضح ولكن في تفصيله تطرح أسئلة سنأتي إليها فيما بعد لمعرفة من هو المستمر ومن هو المتخلي .
وما دام الثبات دوام واستمرار والانشقاق انقطاع وانفصال فإن العلاقة بينهما هي علاقة خسارة الأول بوجود الثاني.
وأما الوفاء فهوـ من خلال النصوص والمراجع التي عالجتها ـ عدة أنواع فهناك ما يتعلق بالعهود وما يتعلق بالعقود وما يتعلق بالوعود ... وهي أنواع أيضا، كما أن منها ما يكون مع الله ومنها ما يكون مع غيره .. ودون كثرة تفاصيل ، فإن أهم ما يعنينا هنا هو:
- 1-الوفاء مع الله: لقول الداعية "أعاهد الله العلي العظيم... على خدمة الدعوة... " ولإنفاذ هذا العهد يجب تنفيذ كل ما جاء في محتواه، وملخصه العمل الدؤوب، وفيه يدخل الوفاء للمنهج الذي يلزم الاستمرار عليه وعلى مقتضياته ما توفرت الإمكانيات وما استطاع المعني إلى ذلك سبيلا؛ أما الإمكانيات فهي من مسؤولية الجهات القائمة على العمل فإن "رفعت عنه" فقد برئ منها ،ولو أن ذلك لا يعفيه من وجوب العمل الدعوي العام أو على نهج آخر .أما الاستطاعة فهي "المشجب" الذي يجب أن نحذر منه لأن حدودها يعلمها علام الغيوب(جل شأنه)ولكن النفوس قد تخطئ في تقديرها، ومن أجلها وجب الصبر وشرع الثبات.
- 2-الوفاء للجماعة وأفرادها: سواء كانوا مؤسسين وقادة أم إخوة في الدرب، وسواء كان ذلك على مستوى العلاقة الدعوية أم العلاقة الشخصية، فعملنا معهم يِؤنسهم ،وعاطفتنا لهم تشحنهم، وسلوكنا الطيب معهم يساعدهم، وطاعتنا أو احترامنا لهم يرفعهم؛ والعكس في كل حالة صحيح . هذا بالنسبة للأحياء أم الأموات فالوفاء لهم صدق وثبات وتأكيد للوفاء مع أتباعهم من بعدهم؛ والعكس صحيح أيضا.
ومن مستلزمات الوفاء للأخ كما أوردها حجة الإسلام الغزالي(رحمه الله) ما ملخصه الآتي :
- - مراعاة جميع أصدقائه وأقاربه والمتعلقين به.
- - أن لا يتغير حال الإنسان في التواصل مع أخيه وإن ارتفع شأنه واتسعت ولايته وعظم جاهه ، والترفع على الإخوان بما يتجدد من الأحوال لؤم ، قال الشاعر:
- إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا -- من كان يألفهم بالمنزل الخشن.
- - أن يجزع الإنسان لفراق أخيه.
- - أن لا يسمع بلاغات الناس عليه (الوشاية).
- - ألا يصادق عدوه، قال الشافعي (رحمه الله):«إذا أطاع صديقك عدوك فقد اشتركا في عداوتك» (د.182)
يبدو أن هذه المستلزمات تركّز على الجانب الشخصي للفرد وبإمكان كل فاهم للوفاء أن يزيد عليها،ولكن ذكرها مهم لكونها واردة من "حجة " ومن خلال هذه المستلزمات تتضح علاقة الوفاء بالانشقاق .
إن المتأمل يجد أن الانشقاق يذهب بها أو بجلها، في أحسن الأحوال، كما يذهب بالمعاني والفضائل السابقة وعليه فإن صاحبه يكون قد خسر "الوفاء" مع من كان معهم، كما خسر الثبات بالانقطاع عنهم .
والعديد من الآيات القرآنية تؤكد هذه العلاقة حيث تربط عدم الثبات أو عدم الوفاء(لفظا أو معنى) بالخسارة ومنها قوله تعالى: )وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ (المائدة21 والارتداد عدم ثبات .
ويبقى الإشكال الذي وعدنا بحله مطروحا ويتمثل في: من هو المنشق الذي يمكن أن ينطبق عليه هذا الكلام والذي لا يليق به رفع شعار "الثبات والوفاء"وما هي مظاهر خسارته بالتفصيل بعد الإجمال المذكور؟... هذا محتوى ما سيأتي إن شاء الله.
بقلم علي حلواجي
تهميش
- ما هو موجود بين قوسين من أرقام مسبوقة بأحرف هو إحالات إلى المراجع .أما الرقم فهو رقم الصفحة، وأما الحرف فيرمز إلى اسم المرجع على النحو الآتي:
أ- تفسير القرطبي ـ دار إحياء التراث العربي ـ بيروت،ط2.
ب- تهذيب مدارج السالكين، عبد المنعم صالح العلي العزّي (الراشد).
جـ- موسوعة أخلاق القرآن للشرباصي، دار الرائد العربي ، ط1.
د- تهذيب موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين لمحمد جمال الدين القاسمي ، مكتبة رحاب الجزائر.
هـ- العوائق، محمد أحمد الراشد ، مؤسسة الرسالة ، بيروت، ط2.
و ـ الكبائر،شمس الدين الذهبي، دار الشهاب ، باتنة.
ز ـ في آفاق التعاليم ، سعيد حوى، مكتبة الرسالة الحديثة ، الأردن.
المصدر
- مقال:خسائر الانشقاق 5 : الثبات والوفاء (1/3)موقع: حركة مجتمع السلم