حوار مع الشيوعيين في أقبية السجون

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث



حوار مع الشيوعيين في أقبية السجون
حوار مع الشيوعيين.jpg

بقلم / الأستاذ عبدالحليم خفاجي


كلمة الناشر

بسم الله الرحمن الرحيم

شاء الله تعالى أن يعد هذا الكتاب للطبع في الوقت الذى عقد فيه مؤتمر المنهج الاقتصادي فى الإسلام الذى نظمته نقابة التجاريين وكلية التجارة بجامعة المنصورة فى المدة من 25 إلى 28 من جمادى الآخرة عام 1403 هـ الموافق 9 إلى 12 من إبريل عام 1983.

وقد شارك فى المؤتمر حوالى 50 جهة مصرية وعربية وإسلامية بالإضافة إلى عدد من المفكرين الإسلاميين فى الدول العربية والإسلامية

ولقد أكد شيخ الأزهر فى هذا المؤتمر:

إن الإسلام كفيل بتقديم الحلول العملية لكل المشاكل الاقتصادية , وعلى رأسها نظام الضرائب ومشاكل التموين والإسكان كما طالب بضرورة تدريس الاقتصاد الإسلامى فى كليات التجارى والمدارس الثانوية التجارية على أساس من القرآن الكريم وصحيح السنة النبوية.

وعاتب شيخ الأزهر جامعاتنا لأنها لا تدرس العلوم الإسلامية والاقتصاد الإسلامي للشباب وتفضل استيراد النظريات الاقتصادية من الخارج.

وأكد وزير الاقتصاد المصرى فى كلمته على أن الاقتصاد الإسلامي يتميز بملامح أساسية هى أن رأس المال والموارد الطبيعية ملك لله كما يعتمد هذا الاقتصاد على ركيزتين أساسيتين هما العدل والإحسان والمقصود بالعدل: تكافؤ الفرص لاكتساب الرزق, والإحسان يعنى تقديم المسعدات لغير القادرين , ثم ذكر أن الإسلام لا يعترف بفلسفة البقاء للأصلح.

وقد أوضحت المناقشات أنه لا سبيل لقيام تنمية اقتصادية للعالم الإسلامي إلا بالرجوع إلى الإسلام نقدم هذا الكتاب الذى يؤكد هذه الحقيقة: " أن الإسلام ضرورة حياة"


مقدمة الطبعة الثالثة بقلم الأستاذ عمر التلمسانى

بسم الله الرحمن الرحيم

كتب الكثيرون عن الشيوعية والشيوعيين كتابات مستفيضة وقديمة بيد أن كلها نظريات وورود على أوراق وأن كان فى هذا ما يكفى للكشف عن زيف الشيوعية والشيوعيين إلا أن الدور العملى المتسن بالحكمة والمنطق والعلم والمخالطة العقلية لقادة الشيوعية فى مصر الذى سلكه الأخ الفاضل عبد الحليم خفاجى فى كتابه" حوار مع الشيوعيين فى أقبية السجون) هى المنهاج الواقعى الذى يفتح أمام الذهن بطلان ما يقولون ويضع اليد وضعا ملموسا محسوسا على كل الثغرات الواسعة فى تلك النظرية الباهتة.

وكان لخلق الأخ المؤلف وحسن معاشراته أكبر الأثر فى الوصول إلى الحقائق التى يرتاح إليها كل منصف, يحكم عقله وعلمه فى مناقشة الآراء والنظريات قبل أن يخضع لعاطفة هوجاء تعلو به إلى شاهق غير مأمون أو تهوى به فى قاع غير معلوم.

جزى الله ابنى المؤلف خير الجزاء عن خدمته لدينه وسعيه فى كشف الحق الواضح المبين

تعقيب المؤلف

كتب الأخ الكريم عمر التلمسانى أول مقدمة للحوار من موقع مسؤوليته عن الإخوان فى سجن المحاريق بالواحات الخارجة وقد قدمه بهذه الصفة ليقرؤه الجميع فرادى ومجتمعين.. فلم يكن ما كتبه مجرد مقدمة بل كان تقديما كذلك.. وكم تمنيت لى قدر لهذا التقديم أن يرى النور بتصدر جميع الطبعات ولكن أبى القدر إلا أن نتخلص منه فى ظروف أمنية شديدة فى سجن القناطر وأن تجئ هذه المقدمة المقتضبة اليوم من قلب مشاغل الحياة وهموم الدعوة عوضا عن ذلك الكنز المفقود.. وآمل أن يوفقنى الله فى طبعه قادمة إن شاء اله إلى تسجيل قصة كتابه هذا البحث فى أحلك الظروف وتنقله معنا فى مختلف السجون بكل ما كان فيها من مآزق ومخاطر ومفاجئات.

مقدمة الطبعة الثانية بقلم الأستاذ عبد الله العقيل

ليس سهلا على النفس البشرية أن تتخلى عن مشاعرها وعواطفها وهى تتحدث عن شخص يرتبط وإياها برابطة الحب بتجاوز مداها ما تواضع عليه الناس من روابط العصبية والإقليمية والقبلية والنسبية وترتفع إلى آفاق العقيدة وآصرة الأخوة فى الله والعمل من أجل مرضاته وإعلاء كلمته.

وهذا هو شأنى مع الأخ الكريم الأستاذ عبد الحليم خفاجى الذى يسعدنى أن أستجيب لطلبه فى تقديم كتابه القيم" حوار مع الشيوعيين فى أقبية السجون" الذى جاء تسجيلا صادقا أمينا وبحثا علميا دقيقا مشربا بحرارة الإيمان وقوة البرهان ومدعما بالحجج الدامغة والأدلة الساطعة التى أفحمن الخضوم وجعلت ادعاءاتهم تتهاوى أما قوة الدليل ونصاعة البرهان فزادت الذين آمنوا إيمانا مع إيمانهم واستمساكا بالحق الذى معهم وإصرارا على منهجهم فى إقرار العبودية لله والكفر بما عداه.

والمؤلف الفاضل لم يكتب ما كتب من قبيل الترف العقلى والحوار الذهنى المجرد ولكنه سجل ما يعتقد أنه الحق وسلك فى تفنيد آراء مخالفيى الأسلوب العلمى الرصين والمجادلة التى هى أحسن, ولم يكن هذا حوار من خلف المكاتب الفخمة والأرائك الوثيرة وإنما على أرض السجن فى الزنزانات وأثناء الأعمال الشاقة وتكسير الأحجار وحفر الأرض وكانت الأجساد ممزقة بسياط الجلادين والوجوه يختلط فيها العرق بالدم والغبار ومع هذا كان نور الإيمان وفيض اليقين يعمر قلوب الدعاة إلى الله ويشيع بالبشر فى وجوههم ويزكى نفوسهم ويثبت أقدامهم.

ولقد ثبت الله الأخ المؤلف وكثيرا ممن معه من الدعاة المجاهدين والرجال الصابرين برغم قساوة المحنة وشراسة الجلادين وبطش الطغاة وكان هذا قضاء اله وقدرة ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيى عن بينة.

والكتاب ليس حاجة إلى تقديم فهو يقدم نفسه. وأكبر دليل على النجاح والتوفيق الذى حالف مؤلفه أنه ما كادت تظهر طبعته الأولى حتى تلقفتها الأيدى من مختلف بلدان العالم العربى والإسلامى بل وحتى المغتربين فى مهاجرهم ونفذ الكتاب.

وهذا ولا شك دليل توفيق الله للمؤلف حيث قارع الحجة بالحجة وساق الدليل أثر الدليل. وفند المزاعم.

وأزال الشبهات . حتى أسقط فى يد القوم وبطل ما كانوا يدعون.وانكشفوا على حقيقتهم ما بين جاهل مغرر به وعميل مرتزق بتاجر بالمبادئ فى سوق الجهل والضلال.

ومن هنا يجدر بالدعاة إلى الله أن يستشعروا ضخامة العبء وعظم المسئولية وهم يواجهون هذه الأنماط المختلفة من أصحاب المبادئ والشعارات التى تريد القضاء على الدين وتصفية دعاته بكل ما تملك من وسائل البطش والإرهاب والكذب والتزوير والملق والنفاق وشراء الذمم والضمائر واستعداء الجهلة على الدعاة وإغراء السفهاء بهم.

وكلمة الحق التى ينطلق بها الدعاة العاملون بقوة الإيمان وتوفيق الله إنما هى الكلمة الطيبة التى مثلها كمثل الشجرة الطيبة أصلها ثابت وفرعها فى السماء تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها.

ولا شك أن ( فى حملة الأقلام منا كثيرون يحسنون القول فى تأييد الحق, ولكن إذا كانت له سوق يروج فيها أو دولة تخطب ود مؤيديه ولو حين وهم على استعداد لأن يقولوا غير ذلك أيضا ولهم من براعة القول ما يحسنون به الاعتذار للباطل فى أدواته, فأحرى أن يحسنوا القول عن الحق إذا قامت له سوق ).

ولذا شرع الله المحن يبتلى بها عباده ليميز الخبيث من الطيب والصادق من الكاذب والأصيل من المدعى " أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون" ورحم الله الإمام القائل " إن ميدان القول غير ميدان الخيال, وميدان العمل غير ميدان القول, وميدان الجهاد غير ميدان العمل, وميدان الجهاد الحق غير ميدان الجهاد الخاطئ".

يسهل على كثيرين أن يتخليوا ولكن ليس كل خيال يدور بالبال يستطاع تصويره أقوالا باللسان, وإن كثيرين يستطيعون أن يقولوا ولكن قليلين من هذا الكثير يثبتون عند العمل , وكثير من هذا القليل يستطيعون أن يعملوا ولكن قليلا منهم يقدرون على جمل أعباء الجهاد الشاق والعمل العنيف.

وهؤلاء المجاهدون وهم الصفوة القلائل من الأنصار قد يخطئون الطريق ولا يصيبون الهدف إن لن تتداركهم عناية الله وفى قصة طالوت بيان لما أقول فأعدوا أنفسكم وأقبلوا عليها بالتربية الصحيحة والاختيار الدقيق وامتحنوها بالعمل, والعمل القوى البغيض لديها الشاق عليها, وافطموها عن شهواتها ومألوفاتها وعاداتها, وانشروا دعوتكم فى الجهات التى لم تصل إليها بعد ولا تضيعوا دقيقة بغير عمل".

مقدمة الطبعة الأولى بقلم الأستاذ زين العابدين الرّكابى

تحويل الظروف الصعبة – بسلبياتها المثبطة – إلى مناسبات مفعمة بإيجابيات العمل والبناء... ومناخ الغرس الفكرى وفرص متاحة لتبديل التضييق المكانى – السجن أو الاعتقال – بالانفتاح العقلى ... والسعة الروحية والاتصال الثقافى اللا محدود.

هذا الاتجاه الإيجابي.... ظاهرة بناءة نادت انتباهنا – فى لحظات مبكرة من مطالعتنا لهذه الدراسة – وأورثتنا مزيدا من الثقة بالإنسان المؤمن.

فمؤلف هذا الكتاب. أو صاحب هذه الدراسة : الأستاذ عبد الحليم خفاجى – لم يكتب دراسته فى مكتب مريح أو تحت ظلال شجر وارف فى حديقة جميلة.

إنما كتبها ... فى السجن.

السجن بعذابه وقهره... وكبته وقيوده.

إن أهوال الأساطير تتحول – فى السجون – إلى مذابح يومية تتحكم فى خطى الإنسان... وحركته... وتحصر وجوده المادى والأدبى... وتضغط آماله ميعا فى دائرة " قهر الرجال".

فالسجناء الذين يلقى بهم فى السجون لارتكابهم جرائم مخلة بالشرف .. لايطيقون السجن.

فما بالكم إذا كان السجن قد جعل " مقر دائما" للأحرار الذين يدافعون عن شرف الإسلام.. وشرف الحياة.. وشرف الإنسان؟

فى هذه الظروف الصعبة.. بخطى الأخ والصديق الأستاذ عبد الحليم خفاجى و إخوانه تخوم السجن وأسواره.. واستصغروا المتاعب – على فداحتها – فى سبيل الاستحضار الدائم للهدف العظيم.. وفى سبيل ح\خدمة الغابة الكبرى..

إن الإفلات من الواقع السىء.. والضغوط المحطمة... مطلب رائع.. يعين على تحقيقه.. حضور الهدف فى العقل والفؤاد.. وتتابع الزحف لبلوغ الغاية ...واستصحاب مستمر لحقيقة : إن طريق الدعوات محفوف بالمكاره... وأنه من أجل ذلك كانت البيعة فى " المنشط والمكره" معا.

ومن الطبيعى أن نقول – وهو قول تدعمه وقائع الدراسة إن إخوانا للأستاذ خفاجى قد شاركوه – فى السجن – هذه الإيجابية وهذا التغلب على الظروف السيئة ... واستهموا فى هذا الجهد الطيب.

وذلك مما يثرى الحياة بأكثر من نموذج حى وفعال... مستمسك بالحق على كل حال.. نزاع إلى الخير دوما.

منذ قرون ... وأمتنا تتعرض لسحق متواصل... على مستوى الجماعة... وعلى مستوى الفرد ... وكان لابد من المقاومة المتواصلة فى أسوأ الظروف..

إننا نتوقف عند هذه الظاهرة – ظاهرة تحويل الواقع السئ إلى عمل إيجابى – وندرسها مليا - ... لأنها زاخرة بالايجابية..

والوعى ... والأمل.

فمن أهداف السجانين – وهم يلقون بالأحرار فى أقبية السجون – قذف الناس فى نفوسهم.. وحملهم على إعلان التوبة ... ندما ... وإقلاعا... وعزما.

ندما على العمل الذى عملوه وإقلاعا عنه.

وهزما على عدم العودة إليه.

والعمل هنا: الدعوة إلى الإسلام... وتغيير الواقع باسمه وعلى هداه.

وكانت الإيجابية .. والعمل للإسلام – داخل السجن – إحباطا موفقا لهدف السجانين... وإفشالا للخطة النفسية... فى الحمل على إعلان التوبة من السير فى طريق الإسلام.

والإحساس بالاضطهاد بالبكاء... والحسرة ..... ثم القنوط.

فما من أمة ... ما من شعب... ما من جماعة عقائدية إلا ونزل بها من الاضطهاد .. ما أعنتها وآذاها.

كل الناس يألمون ... كما تألم.

والفرق بين ألم ... وألم... يستبين فى الروح التى تتعرض للاضطهاد.

فمن الناس.. من يكون إحساسه بالاضطهاد سلبيا.. يكتفى على ذاته.. يطيل النواح... ويفقد ثقته بنفسه.. وينسحق ... وهنالك فى أرض الضياع تصبح الشكوى... جهاده ... وسباب موكب الحياة الزاحف... سلاحه..

ولقد هلكت أمم ... وتبخرت جماعات تحت ضغط هذا الإحساس السلبى بالاضطهاد.

ومن الناس .. من يكون إحساسه بالاضطهاد إيجابيا ينتزع نفسه ويسحبها.. سراعا... من ضغوط الاضطهاد ويستدعى جميع طاقاته العاملة ... والاحتياطية ... ويقذفها فى ساحة التحدى والصراع.

غريزة " البقاء"

غريزة " الغضب".

غريزة" الصراع البشرى".

نزعة مقاومة الخطر.

عقيدة القضاء والقدر :" قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا".

يتدرع بكل شئ تحت يد وفى إمكانه .ثم يتغير الحال.

يستمد من الكران على مقاومة الاضطهاد – عزما جديدا على مواصلة السير نحو الهدف.

والاضطهاد ليس أمنية.. ولا هواية, فقد منع المؤمنون من تمنى لقاء العدو.

أما حين ينزل – عنوة – بالمؤمنين فينبغي أن يكون الإحساس به إيجابيا..

ذلك أن الإحساس السلبى هنا. لن يحل المشكلة.. وصاحبه لا تقدما أحرز...

ولا نفسه أبقى...

إن الأحياء الى تعيش حتى الآن... فى البر والبحر ... أرانب البرارى... أو حيتان البحار.. أعانها على الاستمرار فى الحياة قدرتها على اتخاذ " موقف" إيجابى غريزى إزاء ضغوط المناخ... وعنفوان تقلبات البيئة.

ولم تعش كائنات أخرى ... بسبب أنها انكمشت" أمام عصف الطبيعة ... وانسحقت... ثم انقرضت.

وفى عالم البشر.. أنبت التاريخ فى ديانات وعقائد شتى قد غابت عن الحياة تماما وأصحاب تلك العقائد .. لم يقرروا – فى مؤتمر عام أو بوثيقة جماعية - تدمير عقائدهم ودياناتهم.

اختفت عقائدهم.. باختفائهم هم أنفسهم.

وكان اختفاؤهم نتيجة للإحساس السلبى بالاضطهاد الذى لاقوه ووهنوا قدامه.

إنما العقائد بحملتها.

لا يظن المسلمون أنهم " بدع" فى التعرض للاضطهاد.

لقد اضطهد أقوام – من كل ملة – شر اضطهاد . وقد خلت من قبلهم المثلات

• اضطهد المسيحيون.

• واضطهد اليهود.

• واضطهد الشيوعيون.

ورغم ذلك نجد فى الأرض اليوم دولا مسيحية... ودولا شيوعية... وكيانا لليهود فى فلسطين.

ومن الإنصاف أن نقول : فقط أن إحساس هؤلاء بالاضطهاد كان إيجابيا.

ولئن كانت هذه الدراسة تمثل فى مجال الكفاح بادرة إيجابية.. فهى تمثل غى عالم الفكر .." الانفتاح والثقة".

كان إبراهيم عليه السلام – يجادل لكافرين..

ويتدرج بهم – فى حوار مفتوح – نحو الحقيقة..ز فينفعلون وهو وزين ... ويثيروه ... وهو هادىء... ويظل يتعقب مقولاتهم.. ويسقطها تباعا.. من خلال " منطق ملاحظة الطبيعة".

وفجر نبينا – عليه الصلاة والسلام – القوى العقلية فى جزيرة العرب... وفتح أمام الفكر آفاق التفكير.. وتنشيط الذهن... وطفق يجادل المشركين وأهل الكتاب..ز حتى خافوا منطقة وتحاشوه...

وكان ابن حنبل... وابن تيمية... وأبو حنيفة. كانوا ونضرب بهم مثلا فحسب – يحاورون أصحاب العقائد والمذاهب الأخرى... بانفتاح غير محدود. وبثقة لا تعرف التهيب, جرى ذلك .. إبان الصحوة العقلية .. فلما دخل العقل الإسلامى فى سبات طويل.. ضعفت " حجة" التفكير الإسلامى.. وظهر الملحدون وكأنهم هم الذين يخفون فى تلافيق أدمغتهم الوعى والذكاء... والمنطق القوى.

واستبدل المسلمون – باستثناء ثلة من المثقفين – الجهاد الفكرى... بالشتائم ... والتعيير... والتشنيع.

فى مجال نقد الماركسية – مثلا – لا يجدى وصف كارل ماركس بأنه يهودى.

فهذا... هجوم سياسى... بينما المطلوب – موضوعيا- نقد المذهب نفسه فى بنائه الأساسى... وتزكية الفلسفى والنتائج المترتبة على البناء والتركيب.

وهذه الدراسة حوار عقلى حر دار – فى السجون – بين فئة مؤمنة... وآخرين أخطأوا الطريق إلى الحقيقة..

وهذه الدراسة تدعم قاعدة " اليقين لا يزول بالشك".

صحيح أن هذه القاعدة الأصولية وردت فى الأبحاث الفقهية المتعلقة بالعبادات والمعاملات.

وينبغى أن تأخذ هذه القاعدة مكانها فى الدراسات العقائدية والفلسفة والفكرية.

فاليقين بالله لا يزول بالشك:" أفى الله شك فاطر السموات والأرض".

أن الإسلام يزدهر.. وبرهنته تتألق من خلال الحوار العقلى الحر.

ولن يهزم الإسلام فى مناقشة حرة أبدأ.

وهذه الدراسة .. كما تبرز الفكر الإسلامى..

تبرز من جانب آخر ... جدوى التزام الهدوء والإتزان فى النقاش الموضوعى..

فالانفعال أو الهيجان يعصف بسكينة النفس.. وحين نعقد النفس سكينتها ... يفقد التفكير عمقه.. من ثم تضعف الحجة.

الملحد ليس عملاقا رهيبا... ولا عبقريا أسطوريا.. ولا جنا يأتى بالخوارق.. حتى يفقد الناس سكينة أنفسهم فى مواجهته أنه شخص عادى... يستدعى الرحمة..ز أكثر مما يثير الاستفزاز..

لقد تبدت ثقة المؤمن بما عنده فى هذا الحوار.

يقول المؤلف" بعد أن نجحنا فى وضع البداية الطبيعية للماركسية وهى المادية الجدلية... وبعد أن أزلنا مخاوفهم من أى رد فعل – مهما كان عرضهم لنظريتهم متصادما مع عقيدتنا واسلامنا – وبعد أن زكينا مبدأ الصراحة والتعاون المشترك فى البحث عن الحقيقة. القينا السمع إلى الزميل الذى اخترناه ليتولى العرض لما لمسناه من صراحته.. وتشجيعا لبقية زملائه على اقتفاء أثره". والإنصاف الفكرى.. ملمح من ملامح هذه الدراسة.

وإنصاف المؤلف لاخوانه وإنصاف للشيوعيين.

فما فتىء المؤلف يؤكد دور " الجهد الجماعى " فى هذه الدراسة .. أوهذا الحوار المتميز بالجدة والرحابة.

ولا تكاد عبارة تخلو من " ضمير الجمع" العائد إلى إخوانه المؤمنين.

والفقرة التى نقلت عن المؤلف آنفا.. تجد فيها ضمائر نجحنا . ..أزلنا .. عقيدتنا... اسلامنا... زكينا.... ألقينا... لمسنا لقد اختفى " الأنا" فى نحن"... والفردية فى " الجماعة".

وتبدى إنصافه للشيوعين.. فى تقديره للظروف التى دفعتهم إلى فك ارتباطهم بأمتهم وعقيدتهم.. والالتصاق.. بأمم أخرى ..غريبة الوجه واللسان.. والمذهب والوجهه

أن لمح جانبا خيرا فى أحد الشيوعيين ذكره... وأن رأى خصائص الفطرة تتفجر فى نفوس الشيوعيين – أثناء الحوار.. أشاد بها.

وإذا رأى الحق فى جزئيه مما عندهم .. اقره..

وهذه قيمة جليلة.. من قيم القرآن العظيم..

" ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ... اعدلوا هو أقرب للتقوى".

لقد قرأنا هذه الدراسة " حوار مع الشيوعيين " بانتباه أحسبه موضوعيا.

ووراء هذا الانتباه أكثر من سبب.

فهذه الدراسة هى أول حوار مفتوح – فيما أعلم – بين فئتين التقتا فى السجن.. وافترقنا فى التصور والعقيدة والهدف.

فئة مؤمنة وفئة شيوعية.

كان جدال الشيوعيين يتم من وراء الحجب... وبالمراسلة.

أما هذه الدراسة فقد حققت معنى من معانى " الشهادة" على الناس..

بالرؤية المجردة... والحضور الفعلى.

والسبب الثانى هو: أن الفكر الشيوعى... يزاحم المسلمين فى بلادهم ويحاول أن يتخطى رقابهم.. إلى الصف الأمامى.

يصنع ذلك بوسائل شتى ... بوجود الأحزاب أو الحركات الشيوعية, وبالتأثيرات الفكرية فى الإعلام والثقاقة والفن ...

والشعارات الاشتراكية... بنفوذ الشيوعية الدولية عبر السلاح والخبراء..

وليس فى وسع الفكر الإسلامى أن يتجاهل هذه القضية, فجد الإسلام والظروف المعاصرة لا يسمحان بهذا التجاهل.

والسبب الثالث هو : حاجة الأمة إلى أن ينتقل الفكر الإسلامى إلى مرحلة التفاصيل.. ودقة التحديد .. انطلاقا من اعتبارين هامين..

1- البرامج المفصلة فى قضايا الناس ومشكلاتهم تشكل نمطا عمليا الأدلة العلمية.. على صدق القرآن .. وقدرة الإسلام المستمرة على ضبط مسيرة البشر باسم الله.

2- أن الشيوعية , لها رأى مفصل فى قضايا التنمية التى هى من أبرز القضايا العالمية.

وبصرف الهمة الآن عن الانشغال . بالأخطار المدمرة التى يقع فيها الشيوعيون وهم يتحدثون عن التنمية . فإن انتقالى الفكر الإسلامى إلى مرحلة التحديد , والوضوح التفصيلى, بجرد الشيوعيين من هذا السلاح الواقعى وبقى الناس فتنتهم فى هذا لميدان.

من أجل ذلك, كان الانتباه الفكرى ونحن نطالع هذه الدراسة.

بيد أن رأيى فيه لا يغنى عن مطالعتها. وأرجوا أن تكون هذه المقدمة دعوة للمشاركة فى " الحوار مع الشيوعين" دعوة تشحذ الاهتمام. ولا تسقط واجب القراء عن الآخرين فالنيابة عن الغير هنا تعطيل المسئولية السمع والبصر والفؤاد:

" أن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا".

ولقد عرفت الأخ الأستاذ عبد الحليم خفاجى.

بيد أن معرفتى به لا تغنى قارىء الكتاب عن التعرف عليه عبر الأفكار والكلمات.

الحلقة الأولى : بين يدى الدراسة "قصة البحث"

هذا البحث البسيط يلقى ضوءا خفيفا – من خلال نقد الماركسية علميا – على ملامح العقلية المنهجية الإسلامية التى أرادها رائد الحركة الإسلامية الحديثة امتداد لمرحلة اليقظة التى بثها فى الأمة فى قوله :" لابد من أن تحدد هذه الأهداف والمثل.. وبغير هذا التحديد والتركيز سيكون مثل هذه الصحوة مثل الشعاع التائه فى البيداء لا ضوء له ولا حرارة فيه".

وهو يواكب الأمة العربية والإسلامية فى مسيرتها إلى الغد الأفضل ويواكب العاملين فى الحركات الإسلامية فى الدرجة الأولى ويواكب الداعين فى ربوع العالم من كل جنس أو مذهب إلى استشراق حياة جديدة عميقة الجذور باسقة الفروع شهية الثمر..

وهو مجرد لوحة تحددت معالمها بالقلم الرصاص ريثما يتوفر لها الألوان والظلال.

والبحث يحقق بهذا التبسيط خاصية النظرة الشاملة, حاجة الكافة وطبيعة مرحلة الدعوة ريثما يتحقق بالتفصيل ضرورة النظرة الأخرى المتخصصة دائما على طريق المنهج الصحيح.

قصة البحث

وللبحث قصة لا تنفصل عنه بل أراها ضرورية فى توضيح الظروف التى أخرجته وكونت تاريخه لأن معرفته تاريخ الشىء جزء من حقيقته وعامل فى تقييمه, فضلا عما توحيه المعاصرة الزمنية والمعايشة الذهنية من مشاركة وجدانيه للموضوع وأشخاصه مما يذلل الفهم ويقدر العذر ويغفر التقصير وينبت الحب فلا يكون النتيجة اقتناعا باردا بل إيمانا دافئا دافعا يحرك العمل المخلص فى النفوس, وهذه حسنة أ خرى تضاف للتاريخ فوق حسنة الخروج منه بقوانين جامدة فى تفسير حركته..

والتاريخ فى موضوعنا هذا له جاذبيته الخاصة وأهميته الخاصة وله درجة حرارة أيضا يستمدها من طبيعة الموضوع ونوعية أشخاصه وظروف الزمان والمكان الذين شهدا ولادته.

فعلى أرض الواحات فى مطلع الستينات وفى بطن الصحراء البعيدة بصيفها اللهيب وليل شتائها الزمهرير ومن خلال العذاب المنصب علينا ليلا ونهار بكل أشكاله وأنواعه الثورية من تجويع وبرد وظلام وتفتيشات لا تنقطع حرمان من رؤية الأهل سنوات عدة ومعاملة سيئة لا تتوقف من قلوب أقسى الحجارة وفى ظل ما تعيشه أمتنا من صراعات مذهبية وسياسية كانت تفاعلاتها وراء نفينا إلى هذا المكان السحيق.. وفى ظل ذلك كله كانت يد الله الحانية بردا وسلاما والفجر الكاذب فجرا صادقا حتى أصبح سجننا باطنه الرحمة وإن كان فى ظاهره العذاب...

وفى إطلالة لنا على هذا الظاهر الملتهب كنا نرى المشاهد المفزعة تضحكنا وتسرى علينا, فهذا ضابط العنبر لا يكاد يلمح منظر الحملة العسكرية التى جردت لتأديبنا وهى تدخل علينا الزنازين بالسلاح بعد أن أحاطت الأسوار بالمدافع.. فهو لا يكاد يسمع النداءات وأصوات البروجى تتوالى من كل جانب. حتى تصطك أسنانه وترتعد فرائصه, وكنا نحن الذين نهون عليه الموقف ولكن بلا جدوى حتى أطلقنا عليه أحمد نرعش – من الرعشة !!



الصباح العاصف

ذات صباح قارس من أيام يناير قمنا فزعين على صرير الأبواب المفتحة ووقع الأحذية الغليظة وهى تجوس خلال الزنازين تدوس كل شىء فى طريقها وسط عاصفة من النداءات تأمر بالخروج السريع إلى الفناء دون توان أو حركة الحراس المذعورة والكل فى انتظار قرارات المأمور الطاغية الذى أسمعنا من قصص طغيانه ما يشيب الولدان.. وما هى إلا دقائق كأنها الدهر حتى خرج علينا فى زينته يتهاوى كالطاووس.. عيناه الجاحظتان تقذفان بالشرر من برج جثته الضخمة.. وكلنا عيون شاخصة وآذان صاغية وفى تراخى المتعاظم انشق فمه عن سيل من الحمم :" لقد قررت الدولة أن تستفيد من عضلاتكم لأنها يئست من صلابة عقولكم وستقومون

بشق الترع والمصارف إلى ما شاء الله حتى تستجيبوا لما نطلبه منك" ران صمت رهيب فى أعقاب هذه الكلمات الحاسمة, لأننا أدركنا منها بحسنا المتمرس على فهم أساليب الطغيان شيئا أعمق من السخرة فى العمل مثلما حدث مع أخوة لنا فى السجون أخرى حيث اتخذ الإنتاج وكسياته ذريعة للاحتكاك الذى وصف بالتمرد واستدعت دواعى الأمن قمعه!! وأمام المصير المجهول تكتسى الوجوه بملامح الإصرار والعزم وتشع العيون ببريق التحى وتقترب القلوب من الله أكثر من أى وقت مضى ويزداد الحب والثقة بيننا, هكذا كنا دائما فى مثل هذه المواقف..

توالت النداءات الغليظة بعد توزيع أدوات العمل من " فؤوس " وكوريكات " ومقاطف" وخرج طابور من البوابة الشمالية فى اتجاه الصحراء الغربية يتكون من مائتين أو يزيد من الشباب المسلم الفتى كلهم فى العقد الثالث إلا قليلا ممن هم فى حكم الآباء: ملابسهم زرقاء , أغطية رؤوسهم بيضاء, يحملون أدوات العمل فوق أكتافهم المعتزة.. خلفهم يسير طابور آخر من ستمائه شيوعى بملابس الاعتقال البيضاء حفاة الأقدام وأمام الجميع من الجنود المسلحين ويحيط بالطابور على الجانبين " جمزير" كبير من الحراس المدججين بالسلاح"...

خرج هذا الطابور من الأبواب الضخمة وخرجت وراءهم الشمس مسرعة تفرش الأرض بأشعتها الوردية أمام أقدامهم الواثقة التى تخط فوق رمال الصحراء سطور قدر جديد.


خطوط الهدنة

وهناك .. فى جوف الصحراء وفى المكان المخصص للعمل وجدنا كل شىء معد لاستقبالنا وتوقف الطابور إلى أن تمت مراسيم توزيع العمل علينا وعلى الشيوعيين مشفوعة بالتهديدات اللازمة أن حدث أى تقصير فى تسليم المقطوعيات المطلوبة مقرونة بأقسى التشديدات العسكرية على الحراس ليراقبوا التنفيذ بدقة وليمتنعوا تماما عن الحديث مع أى مسجون أو معتقل خشية أن نستميلهم لجانبنا.. وانتشر الحراس المسلحون فى دائرة كبيرة حول منطقة العمل. وعلى المرتفعات الجبلية المحيطة بالموقع نصبت المدافع المصوبة نحونا لكل من تسول له نفسه الشروع فى الهرب أو التفكير فى التمرد.. وتنبيه أخير موجه لنا ولشيوعيين معا بعدم الاختلاط ببعضنا وإلا حاق بنا اشد العقاب!!

وكانت الثغرة الوحيدة فى هذا النظام الصارم هى فى دورة المياه المشتركة التى كان يتاح لنا اللقاء عندها ومن ثم أطلقنا عليها " خطوط الهدنة".

وفى البداية كان اللقاء بطريقة فردية بين صديقين قديمين اكتشف كل منهما وجود صاحبه فى معسكر عقائدى آخر أو اثنين من الأقرباء كل منهم فى طريق أو لغير ذلك من الأسباب العارضة...

ثم تطورن اللقاءات غلى المستوى التنظيمى عندما اكتشفنا ما يعانيه الشيوعيون من جوع متواصل كذلك الذى مر علينا من قبل لمدة عام ونصف قبل مجيئهم. وكنا اليوم فى ظروف أفضل بسبب السماح لنا بالتعامل مع المقصف فى حدود الأجرة التى أعطيت لنا مقابل عملنا فى شق الترع والمصارف تنفيذا للائحة السجون التى تتكلم عن أجر للمسجون دون المعتقل وحرصا على شكلية الإجراءات فقد تنازعت مصلحة السجون مع إدارة الإصلاح الزراعى حول أجرنا عن هذا العمل انتهى بقرار إعطائنا قرشا واحدا للفرد هن كل يوم عمل وكان هذا يعتبر ثروة ضخمة نظرا إلى الحرمان السابق إذ صار هذا الأجر عبارة عن جنيهين فى اليوم بالنسبة للجميع تصبح على مدار الشهر ستون جنيها مما رفع على الفور مستوانا الاقتصادى وسمح لنا بتوفر فائض من الأغذية أو هكذا كنا نقنع الشيوعيين ونحن نحمل اليهم كل يوم عددا من أكياس الخبز وجرادل العدس والفول وبعض الفاكهة تسلم عند خطوط الهدنة بالتساوى بين مندوب الحزب الشيوعى المصرى و حزب " حدتو" لكى يقومان بدورهم بالتوزيع على زملائهما داخل م واقع عملهم. وكنا نصدر بذلك عن وعى بطبيعة ديننا الرحيم وعن عملنا بواقعة مد الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم – لأبى سفيان بمبلغ من المال لتوزيعه على فقراء قريش عندما أصابتهم مجاعة وهم على شركهم وبرغم استمرار القتال بينهم وبين المسلمين..

والحزبان الشيوعيات يتفقان فى الهدف ويختلفان فى الوسائل فالأول يرى عدم مهادنة أى نظام التزاما بثورية النظرية حتى تتحقق الثورة الشاملة والتغيير الكامل, وحزب حدتو ( أى الحركة الديمقراطية للتحرر الوطنى) يرى التدرج فى الوسائل والإستفادة من الأساليب الديمقراطية والتسلل الهادىء إلى المراكز القيادية فى الدولة حتى يصلوا إلى أهدافهم بأقل الخسائر.ز وكل منهما يرمى الآخر بشتى التهم التى تترواح بين التخريب والعمالة..

وكان يجمعهما العلاقة الطيبة معنا بحكم تزويدنا لدائم لهم بالمساعدات الاقتصادية وحل مشاكلهم مع بعض الحراس من مواقع كوننا " سوابق" فى فن المعاملة للإدارات حتى أنه كثيرا ما كانت تقوم السلطة العليا بتغيير إدارة السجن بدعوة أننا نجحنا فى التسلط عليها.

وشيئا فشيئا أخذت الرقابة تخف وأخذت اللقاءات تتسع وأخذ لحراس يندمجون معنا كلما أمنوا مرور فرصة ذهبية للندوات الخفيفة ولم تلبث فترات الراحة أن طالت والهمل أن توزع على فرق بعضها يعمل وبعضها يستريح .. وكان ذلك كله من مصلحة اجتماعاتنا الموسعة التى حرصنا فيها على أن تكون جامعة لكل الاتجاهات الحزبية حتى يسهل كشف الحقيقة دون التواطؤ عليها ليقيننا أنه يستحيل على هذين الحزبين أن المجالات .. وهكذا ولدت فكرة الندوات الفكرية فى جو ودى للغاية وزدنا الأمر أحكاما بعمل ضوابط وضمانات لاستمرار الحوار بعيدا عن كل عوامل الإثارة والتلبيس والتشحنات حتى نصل إلى الحقيقة سافرة بلا معوقات... وقد سارت الندوات بالفعل فى الطريق السليم الذى نعتبره مثلا يحتذى لكل مختلفين فى العقائد إذا صدقت النوايا وبعدت الأعراض السياسية عنها وخلت من الجهالة والأهواء..ز وهيهات أن يظفر بذلك فى خضم الحياة ..ز وقد كانت النتيجة متكافئة بالفعل مع هذه المقدمات السليمة.. حسبما سنرى فى الحلقة القادمة إن شاء الله من طريق سير الحوار ومما خرجنا به من دروس يهمنى توضيحا قبل البدء فى تناول جوانب الموضوع...

الحلقة الثانية : شروط الحوار والدروس المستفادة

لم نعد نشعر بقسوة طابور السخرة اليومى, ولا بالأخطار التى كانت تتهددنا إذ كانت سعادتنا بهذه الندوة الفكرية تغطى على كل ذلك حتى أصبحنا نخشى أن تتحول الإدارة عن سياستها التعسفية فتحرمنا متعة هذا الزمن الكافى, بهذه الروح العملية الخالصة من كثير من الشوائب وسارت الأمور على النحو الذى أردناه وخططنا له فيما بيننا.

فقد حرصنا أن تضم الندوة ممثلين عن كل الاتجاهات الحزبية المتنافرة وعلى أن تضن من الأشخاص من تقدر وزنهم الفردى أو مزاياهم الذاتية وأن بدوا تحت ضغط الظروف المفروضة عليهم ذوى ألوان حزبية, وكانت علاقتنا الخاصة ويدنا العليا وراء اختيارنا لكل من نرى وجوده فيها حتى يتوفر جو الصراحة وعدم المخاتلة الفكرية مما ييسر كشف الحقيقة.

كما هدفنا إلى إشاعة روح جديدة. وهى فى الواقع آداب ديننا . حين أفهمناهم أن علينا أن نتعاون فى البحث عن الحقيقة بكل موازينها العلمية دون الوقوع تحت تأثير أفكار مسبقة أو التردى فى سلوك معيب وألا تكون أطرافا تتناحر ويتصيد بعضها لبعض, فالأمانة أثقل من ذلك, وتواصينا بوضوح على تنحية كل من تفتقد هذه الروح المنصفة فيه, ولم يكن الأمر يخلو روح الحياد والجد إلى النقاش, وكنا حريصين على ألا تكون هذه السقطات من جانبنا..

استمعنا دون ملل فترة تزيد عن الشهرين إلى كل مستوياتهم الفكرية والتنظيمية بعمل قطاع طولى فى كل حزب يصل من القمة إلى القاعدة وكانوا يتفانون فى القدرة على عرض شئ واحد له نفس البداية ونفس النهاية ونفس الأمثلة المضروبة, هذا الشئ هو الماركسية أو النظرية كما يحلو لهم تسميتها.

غير أنهم بسبب يقظتنا وطبيعة تشكيل الجلسة وصراحة بعضهم لم تمكنهم من البداية الخادعة التى يبدءونها دائما مع أى مبتدئ وهى استعراض قصة التاريخ بصورة المظلمة استدرارا للشفقة على الطبقة المستغلة وتحريكا لروح الثأر والإنتقام فى النفس فضلا عن تفاديهم الاصطدام بالموضوعات العقائدية إذا هم بدئوا بالمادية الجدلية حسب التسلسل المنطقى للنظرية. ولم يكونوا فى حاجة إلى هذه المناورة الفكرية معنا لما لمسوه من يقظتنا من جهة ومن تقبلنا النفسى لكل ما يقولونه بصدر رحب مهما تصادم مع عقيدتنا.

كان وراء حرصنا على موقف الاستماع سببان:

الأول: هو التأسى بمسلك الرسل الكرام مع أقوامهم, فعندما قال سحرة فرعون لموسى عليه السلام, إما أن تلقى وإما أن نكون أول من ألقى, قال : بل ألقوا.. وعندما ذهب عتبه بن ربيعة إلى رسول الله فى المسجد وأخذ يعرض عليه الملك والمال والجاه صبر عليه الرسول الكريم فرغ من عروضه الطويلة ثم قال: أفرغت يا أبا الوليد؟ قال : نعم , قال اسمع فقرأ عليه المصطفى صدر سورة " فصلت" وختمها بأدب الداعية الربانى قائلا : أسمعت يا أبا الوليد , قال نعم قال له : أنت وذاك.

والسب الثانى: أننا كنا – للأمانة – على شىء من التهيب فى البداية جعل ثقتنا فى أنفسنا – لا فى إسلامنا – تهتز لأننا لم نكن نتعدى مجموعة من الطلبة باستثناء اثنين من الخرجين. وكان فى الشيوعيين مستويات ثقافية وعدد من الصحافيين من يحمل درجة , فكانت هذه الحقيقة وراء تخوفنا من أن نعجز علميا فى بعض الأمور التخصصية فنسىء إلى إسلامنا ودعوتنا , ففضلنا استكشاف الطريق أول: وسبب آخر يكمن فى اللاشعور دعانا إلى هذه البداية المتحفظة هو حذرنا من أن تبلغ آراؤنا فى الأوضاع الاقتصادية و السياسة للسلطة التى تتعقب أفكارنا وخواطرنا بعيونها المبثوثة التى لا تفتر حتى عن الكلمة الشاردة فى أى خطاب, وللزملاء القدامى تاريخ معنا فى هذا المضمار مما جعلنا تتحفظ مع الجدد منهم.

مثلما كنا تتلهف على الخروج للجبل كل صباح من أجل الندوة كنا كذلك أكثر تلهفا على العودة لاستئناف جلستنا الخاصة بعد صلاة العصر بإحدى الزنازين لمناقشة ما استمعنا إليه وتقييمه علميا بحضور كل التخصصات الممكنة ممن درسوا بالأزهر الشريف أو بالجامعات , أو ممن لهم ثقافة ذاتية, وكانت هناك قوة خفية بالرغم من ضآلة ما تحت أيدينا من إمكانيات نحصل عليها خلسة من مكتبة السجن الممنوعة علينا فى ذلك الوقت.

لم يكن الرضى تاما لدى بعض الأخوة الذين يعارضون سياسة الاتصال بالشيوعيين لأسباب مقنعة لديهم مما دعاهم إلى محاولة تعطيل الاستمرار أكثر من مرة لولا أننا التزمنا الصبر والحكمة وكان للشهيد عبد الحميد البردينى والأخ محمد حامد أبو النصر الفضل الأول فى تذليل العقبات أمامنا.

وأخيرا جاء دورنا فى الحوار, وجعلنا البداية سهلة غير مثيرة لا تتعدى الاستفسارات وتسجيل الملاحظات وطرح ما لدينا دون إلزام على سياسة ( فأنت وذاك) وفوجئنا بأن هذه البداية البسيطة قد أحدثت بينهم أكثر مما كنا تتوقع من مجادلات وتضارب فى الآراء انتهى إلى طلب مهلة للعودة إلى المختصين.

ولم نلبث أن وجدنا الماركسية تتسرب نقطة وراء أخرى إلى هؤلاء المختصين الذين ليسوا فى الواقع إلا ممثلين فى الندوة مرة أخرى ولكن فى ندوات خاصة داخل عنابرهم على غرار ما كان يجرى بيننا, والفاروق الوحيد هو أننا كنا على علم يومى بآخر ما وصلت إليه مناقشاتهم.

كانت المفاجأة الكبرى فيما أعلنه ما يزيد على الأربعين منهم من انفصال عن التنظيمات الشيوعية وعودتهم إلى الإسلام ومطالبتهم إدارة السجن بتخصيص سكن مستقل, وبدأنا بالفعل نسمه الأذان للصلاة وخطبة الجمعة بعد أن استجاب الإدارة لمطلبهم.. ولم يكن جميع المستقلين على درجة متكافئة من الإسلام بل كان فيهم من على ماركسيته قد فقد الثقة فى القيادات الحزبية بعد معاينته لعجزها.. ومثل هذا المسلك هو الخطوة الأولى دائما فى طريق العودة إلى الطريق السوى.

وقد أدى هذا الموقف إلى اتخاذ قرار جماعى من الحزبين بمقاطعة ما تقدمه لهم من مساعدات اقتصادية ظنوها هى السبب المباشر لتحول هذه المجموعة عملا بتفسيرهم كل شئ من زاوية اقتصادية, كما قصروا حضور الندوة على الرؤوس منهم دون السماح لحد من القاعدة بحضورها.ز وقد نجحنا فى ثنيهم عن الشق الأول من القرار لاعتبارات إنسانية..

قدمنا حصيلة هذه الجولة الجميع الأخوة فى صورة بحث يتداول بينهم مرة على المستوى الفردى ومرة على المستوى الجماعى فى ندوة مفتوحة لاستقطاب جميع المستويات العلمية فيه.

أما مغامرات كتابته وإخفائه عن العيون ونجته من التفتيشات المتلاحقة وعدم علم الإدارة الغشوم به وتنقله معنا من سجن إلى سجن, ثم مغامرة خروجه بعد ذلك فأمر شرحه يطول ويؤكد فى النهاية أن الإجراءات البوليسية مهما بلغت فهى عاجزة عن أن تطفئ الشمس أو أن تصنع الحياة.

الدروس المستفادة

وقد خرجنا من هذه الجولات بدروس عديدة فوق ما خرجنا به عن الماركسية أرى من الأهمية تسجيلها قبل تناول أى موضوع وهى:

( أولا): قيمة وجود الحرية فى نشر الدعوة الإسلامية. فإذا كانت المذاهب الأرضية لا تجد فرصتها إلا فى الأساليب البوليسية وصور الخداع الحضارية فإن الإسلام على العكس من ذلك. وبهذا تصير الحرية الحقيقة جديرة بأن تكون مطلبا إنسانيا نشجع بل نعمل على وجوده فى الأنظمة الوطنية وألا تنقض من أى خطوة إلى الأمام فى هذا الطريق باعتبارها مناخنا الطبيعى, والأمر ما كانت الهجرة الأولى إلى الحبشة لوجود عدد من الضمانات الإنسانية على أرضها ( فإن فيها رجلا لا يظلم عنده احد).. وهذا ما يجعلنى اليوم أفهم أكثر من أى وقت مضى لماذا طالب الأستاذ الهضيبي أمام محكمة الشعب 1954 بالحرية والحياة النيابية ولم أسترح يومها لهذا المطلب ولم أكن أدرك أبعاده ومغزاه.

(ثانيا) :" إن الإسلام لم يهزم أبدأ فى حوار مفتوح ولا فى نقاش مذهب ودين فلسفته وتشريعه ويأخذ الحوار المفتوح مداه فى النقاش بين ممثلى المذاهب والأديان ابتغاء الحقيقة".

هذا نص عبارة وردت فى اعدد 98 بمجلة المجتمع فى تقديمها لندوة الأهرام التى عقدت بين القذافى وبعض المفكرين المصريين وهذه العبارة تعبير صحيح عن حاجة العصر.. بقى أن نقول ك إن هذا الذى ننادى به موجود فعلا اليوم على الصعيد العالمى و الإسلام هو وحده الغائب عن مائدة الحوار.. ذلك ان ظاهرة المؤتمرات الدولية الفكرية أو العقائدية قد ظهرت فى النصف الثانى من القرن العشرين فى أعقاب الخلاف الصينى الروسى الذى تطلب لفضه كثيرا من اللقاءات العقائدية شاركت فيها مختلف الأحزاب الشيوعية, ثن انتقل هذا التقليد إلى جميع الدول الاشتراكية.. وكلنا يذكر زيارات وفد الحزب الشيوعى وغيره من الأحزاب العربية , وكذلك ما عقدته هذه الأحزاب فيما بينها فضلا عن اللقاءات الفردية التى قام بها جارودى ومكسيم وأخيرا تلك التى عقدت مع الرئيس القذافى بجريدة الأهرام فى أبريل سنة 1973 ثم ما دعت إليه ليبيا من ندوة إسلامية على أرضها. هذه الظاهرة هى إحدى الميادين الخصبة لو أحسنت قوافل العمل الإسلامى أخذ مركز الأستاذية فيها.

(ثالث): إن البلاد الشيوعية التى يحكمها الحزب الواحد على رأسه سكرتير له الكلمة الأولى والأخيرة هى التعبير الحديث عن القبيلة القديمة وهى بذلك ميدان من نوع خاص للدعوة الإسلامية إذا أحسنا دخولها من فوق شيخ القبيلة.. فهو عندما تتغير عقيدته فإن التغيير يسرى فى جميع أفراد القبيلة كذلك دخل التيار والأتراك الإسلام وقبلهما كثير من قبائل العرب والبربر وكذلك حدث فى عصرنا الحديث مع دوبشك بتشيكوسلوفاكيا, وأمرى ناجى بالمجر وتيتو بيوغلاسلافيا وكاسترو الذى كان معاديا للحزب الشيوعى المحلى بكوبا ومعلقا لصورة العذراء على صدره فلما تحول تحت الضغط الأمريكى إلى الشيوعية جر كوبا وراءه.

والنفس البشرية لا تستعصى على الحق أن دخل على النفس من أقطارها..

(رابعا): إن مسئولية الإسلاميين كبيرة أمام كل من يرفع راية الإسلام وينادى بها وقد شهدنا هذه الأيام صوت الدعوة يرتفع من منبر السلطة وهى ظاهرة جديدة معناها كما تقول نص عبارات المجتمع فى عددها 95:

" فى ليبيا اليوم اتجاه واضح نحو الإسلام... ومن غير تنقيب فى ضمائر الناس ينبغى ألا يكون الموقف سلبيا من هذه التجربة .. أن موقف الفرجة على ما يجرى ليس موقفا سليما ولا حصيفا فهناك أكثر من اعتبار يدعو المهتمين بقضايا الإسلام إلى الاطلاع على القضايا المثارة فى ليبيا ومتابعة تطوراتها بوعى وانتباه"

(خامسا): لظروف تاريخية أصبحت الاشتراكية ينادى بها فوق أرضنا ولكن لا يجب أن يغيب عن المفكرين الأمناء أن أساتذة الاشتراكية فى العالم يعتبرونها مرحلة بين عصرين وهذا ما دعا الدول الشيوعية إلى أن تحتفظ لأحزابها السياسية باسم الحزب الشيوعى دلالة على صفة المستقبل الذى سينتهون إليه برغم الواقع الاشتراكى.

أحرى ببلادنا ومفكرينا أن يعبروا عن ملامح مستقبلنا وكل الدلائل تشير إلى الإسلام وحده كمستقبل لنا بعد إفلاس جميع حلولنا المرحلية... وعلى المفكرين أن يدركوا ويعملوا له وإلا خانوا الأمانى وأوقعوا شعوبهم فى غيبوبة الشكوك.

(سادس): كان لسماعنا الماركسية من أفواه معتنقيها واحتكاكنا بهم عن قرب وتعاملنا اليومى معهم أثر كبير فى تقييم موضوعاتها من خلال رؤيتها كواقع يومى يتعايشون به وتتحكم فى سلوكهم... وهذا ما لم يكن ليتوفر لنا فى خلال قراءة الكتب وحدها..

( سابعا) : إن هذا البحث قد كشف لنا عن قيمة العمل المشترك الذى تتوفر عليه كل المستويات فى أخوة وتجرد... فقد كنا جميعا نصب فيه بين الحين والحين بحيث يستقطب باستمرار كل ما لدينا من معرفة .. وهذا هو جوهر العمل المطلوب فى مرحلة الدعوة حتى لا تتوزع على مدارس فكرية فى الموضوع الواحد..

وهو اليوم معروض أيضا للمشاركة والإضافة الجديدة والنقد من أى إنسان فهذا عين ما تتمناه لأنه لا وقت للخلافات الصغيرة ولا للغيرة المصطنعة فالكمال لله وحده... وآمل أن يصلنا ما يفيد فى دفع الموضوع خطوة أخرى إلى الأمام..

(ثامنا): لم أقف اليوم عند حدود الحجج التى سقناها فى ندوتنا مع الشيوعيين حيث لم أر بأسا من تقديم ما هو جديد من العلم فى بابه وإن كان ما لدينا يومها كان كافيا لإحداث النتائج السابقة.

(تاسعا) : أود التذكير بأن عطاءنا اليوم لهذا العالم الحائر هو نفس عطاء الصدر الأول, فهم لم يخرجوا على العالم ليطورا الصناعات وأساليب الزراعة وإن كان كل ذلك قد حدث فعلا على أياديهم بل خرجوا ليغيروا النفوس فى الدرجة الأولى وليقدموا للبشرية المنهج الربانى القويم فى علاج كل قضايا الإنسان.. قدموا لها التوحيد بدل الشرك, والحب بدل الصراعات , والأخوة بدل العصبيات ,والعدالة والكرامة, وأمروا بالمعروف ونهوا عن لمنكر وأحلوا لهم الطيبات, وحرموا عليهم الخبائث ووضعوا عنهم إصرهم والأغلال التى كانت عليهم.

وهذه هى رسالة الرسل وهى أيضا رسالتنا اليوم وهى مجال أستاذيتنا وهذا سيكون مفتاح أستاذيتنا الراشدة فى المجالين فيما بعد...

(عاشرا) : أن حقائق التاريخ ملك للأمة العربية والأمة الإسلامية كلها وليست ملكا لأى فرد أو سلطة, ومن الأمانة الواجبة على الجميع أن يفتحوا النوافذ ليدخل الضوء والهواء ولكى تراجع الأمة كل ما جرى على أرضها لكى تأخذ منه الدروس والعبرة وتختصر الطريق إلى النهضة الحقيقية وق بدأت بوادر ذلك بمصر مما نرجو له التقدم وهدم الانتكاس حتى لا يطبق الظلام مرة أخرى على حياة الشعب و يبحث بين جدران السجون ع الطريق. فالبحث الدائر اليوم فى ضوء الشمس أجدى وأنفع للحاكم والأمة على السواء ولكل مخلص فى البحث عن الحقيقة وفى انتشال أمتنا من الضياع.

وبذلك نكون قد وصلنا إلى لموضوع الذى نبدأ فيه بعرض موجز للماركسية وكانت هذه المقدمة ضرورية ليعيش القارئ معنا فى نفس الظروف ويتحمل معنا قدرا من المسئولية.


الحلقة الثالثة: قل هاتوا برهانكم

نموذج ... من سماحة الفكر الإسلامى فى الإصغاء... فى الصبر... فى سعة الأفق

انتهى بنا مطاف اللقاءات العابرة والأحاديث المتفرقة عند خطوط الهدنة إلى صورة الندوة الكاملة على الشكل والنهج الذين أوضحتهما فى الحلقة السابقة... وأخذنا فى الإستماع إلى الماركسية وسط جو العمل الدائم حولنا وقد أخذنا حذرنا من المرور المفاجئ لأحد ضباط الجبل فتسلحنا بأدوات العمل بأيدينا أو بجوارنا...

وبعد أن نجحنا فى فرض البداية الطبيعية للماركسية وهى المادية الجدلية.

وبعد أن أزلنا مخاوفهم من أى رد فعل مهما كان غرضهم متصادما مع عقيدتنا واسلامنا.. وبعد أن زكينا مبدأ الصراحة والتعاون المشترك فى البحث عن الحقيقة.

ألقينا السمع إلى الزميل الذى اخترناه ليتولى العرض لما لمسناه من صراحته وتشجيعا لبقية زملائه على اقتفاء أثره.... ولم ينس هو بدوره أن يقدم لنسفه قائلا:

-" يهمنى قبل البداية أن أزيح الستار عن سر كبير لم يعد سرا كى لا تتوهموا أن صراحتى التى اشتهرت بها مبعثها غفلة أو سذاجة حركية أوقعتنى فى حبال أسلوبكم, لأن فن التجنيد للحزب هو هوايتى؟ وإنما سر هذه الصراحة هو أنها أصبحت لا تضر لأن انتصار الشيوعية فى مصر أصبح حتميا وكل يوم يقرب من هذه الحقيقة وأمام هذا اليقين الجازم الذى تعددت شواهده تنتهى كل مبررات الخوف والحذر.. وإذا شئتم تحديدا لهذا اليوم الموعود فإنه بكل ثقة واطمئنان سيكون مع آخر حجر يوضع فى بناء السد العالى.. يومها قد ركبنا على البلد " بالخسروان".

قلنا: لندخل إلى الموضوع إذن. ولتطامن قليلا من أحلامك...

قال : المادية الجدلية هى الإطار الفلسفى أو الأساس العقيدى للماركسية.

والفلسفة عموما, هى تفسير وتغيير أى تقوم بتفسير الوجود بغية أحداث التغييرات اللازمة فيه.. الفلسفة المثالية عموما هى تلك التى محورها الاعتقاد بوجود خالق يعتبر مصدر الوجود ومصيره والتى تستند إلى القوى الغيبية فى تفسير الظواهر المادية أو ترى وجود الفكر متقدما على وجود المادة وهى فى ايغالها فى التصورات الخيالية قد بعدت عن الواقع حتى أفسدته..

ومهما تباينت المذاهب المثالية فيما بينها فى شكل ديانات سماوية أو فلسفات أرضية فكلها قامت كتعبير عن العجز العلمى فى تفسير الظواهر الطبيعية بالإحالة إلى قوى غيبية... وكلها حملت كسلاح معنوى فى يد الطبقة المالكة المستغلة فى قهر وتخدير الطبقة المعدومة لمستغلة.

أما الفلسفة المادية فهى التى بدأ من المادة بدراستها ومعرفة قوانينها معتمدو فى ذلك على المنهج التجريبى فكانت وحدها القادرة على تفسير جميع الوجود تفسيرا علميا صحيحا, ومن ثم فهى بحق لجديرة بوصف الفلسفة العلمية.

والفلاسفة الماديون يذهبون إلى أن المادة وجدت أولا وأن الفكر وجد ثانيا لها وأنها فى رأيهم أزلية لم يخلقها احد وأنها أبدية, ولا توجد أى قوة فوق الطبيعة أو خارج العالم, وهناك بالطبع فلسفات ثنائية لا تقول بأولوية الفكر وإنما تثبت للعالم أساسين منفصلين ومختلفين فى طبيعتهما: المادة والروح. الطبيعة والفكر, الجسم والعقل وتلك كانت نظرة ديكارت. وهناك الفلسفة الوضعية التى تكتفى ببحث الحقائق التى تصلح أن تكون موضوعا للملاحظة دون البحث فيما وراءها سواء كان ماديا أو روحيا.

وكما قلت قبل ذلك أن الفلسفة المادية من دون ذلك كله هى الفلسفة العلمية.

وقد عرفت المادة بأنها كل ما تقع عليه الحواس... وعرفت حديثا بأنها الوجود الموضوعى خارج الذهن. وللمادة قوانين ثلاثة:

1- المادة سابقة فى الوجود على الفكر, بمعنى أن الفكر هو نتيجة التطور التاريخى للمادة, أنه خاصة لجسم مادى مركب تركيبا معقدا وغير عادى هو مخ الإنسان.

2- برغم أسبقية المادة للفكر وولادتها له إلا أن الفكر يشكل المادة بغيرها.

3- المادة تخضع لقوانين عامة وثابتة تسمى قوانين الجدل هى:

(أ) قانون التناقض : أى ظاهرة وجود الشئ ونقيضه فى وحدة واحدة تسمى وحدة الأضداد: السالب والموجب... الحرارة والبرودة, النور والظلام, الاليكترون والبروتون فى الذرة, كرات الدم الحمراء والبيضاء فى بلازما الدم: الذكورة والأنوثة... وهكذا..

(ب‌) قانون الحركة : كل شئ متحرك, هذه الحركة هى نتيجة صراع الأضداد, فالحركة تأتى من الداخل لا من الخارج, وهى تسير فى خط حلزونى متزايد.

(ت‌) قانون التغير: الصراع حركة, حتى إذا ما أضيف شرط خارجى إلى الحركة تبدأ ظاهرة التراكمات الكمية او ما يسنى بالتغيير الكمى غلى أن يتكون ما يسمى بالكم الثورى أى القدر الكافى من التراكمات , لأحداث تغيير مفاجىء فى الظاهرة المادية فعندما يسمى بالنتوء أو بنقطة الصفر أو باللحظة الحرجة يحدث التغيير المفاجىء أو الثورة فنحصل على حالة جديدة تصير إليها الظاهرة لامادية وهو ما يسمى بالتغيير الكيفى أو النوعى , وهو مفهوم التطور أى دوام الانتقال بالحركة من التغير الكمى إلى التغيير الكيفى وهكذا إلى ما لا نهاية فإذا أوقدنا على إناء به ماء كانت النار هى الشرط الخارجى الذى يدفع حركة جزئيات الماء حتى تصل إلى الكم الثورى وعند اللحظة الحرجة (100) تنقلب بخارا أى تصير كيفا آخر أى تتطور.

(ث‌) قانون الترابط: جميع الظواهر المادية مترابطة يؤثر الكل فى الجزء والجزء فى الكل. ذلك يوضع فى الإعتبار عند بحث أى قانون والقوانين الثلاثة تعمل فى إطار القانون الأخير.

منهج البحث: ما سبق ذكره هو المنهج العلمى فى البحث... فالفلسفة المادية هى الفلسفة العلمية, والمنهج الجدلى هو المنهج العلمى وهذا المنهج ينطبق على المادة فى مراحل تطورها وينطبق أيضا على الإنسان باعتبارها ظاهرة مادية فمن خلال التطورات الجيولوجية التى تقلبت الأرض فيها خلال تفاعلات كيمائية وبيولوجية فى عصور جيولوجية سحيقة نشأت الخلية الحية.. وظلت تتطور بدورها من خلال ظاهرة النشوء والاتقاء وبفعل قوانين الجدل حتى وصلت إلى الإنسان باعتباره قمة هذه السلسلة الطويلة.. وفكرة عملية مادية مختزنة ولدت القدرة على ربط النتائج بالمقدمات والأسباب بالمسببات.ز فالإنسان من ثم لم يخرج هن كونه ظاهرو مادية على قمة سلسلة التطور سعادته فى إشباع رغباته المادية حريته فى تحقيق ضرورياته أى تحريرها من أسر الطبيعة بالعلم أو من قبضة المستغلين بادراك قوانين التطور الاجتماعى.

والمنهج العلمى فى البحث يتلخص فى البحث عن الأساس المادى أولا فى الظاهرة محل الدراسة لنحقق بذلك قانون المادة الأول وهو أسبقيته المادة على الفكر, ثم بعد ذلك نبحث عن فعل قوانين الجدل دخل هذه الظاهرة , ونبدأ بالكشف عن قانون التناقض ثم تتابع الصراع بين النقيضين أو تزكية بينهما وهذا هو مدى الدور البشرى فى الفعل حتى يتحقق التغير فالتغير الكيفى.. كل هذا من خلال إدراك قانون الترابط..

وبتطبيق هذا المنهج المادى الجدلى على التاريخ أى على المجتمعات البشرية باعتبارها ظاهرة مادية يمكن تقسيمها إلى عصور مختلفة من خلال ما يسمى بالتفسير المادى للتاريخ أو المادية التاريخية..

انقضى يوم من أيام العمل بالصحراء بل انقضت أيام ونحن نستمع إلى المادية الجدلية وتطبيقاتها وهى تلك التى وأجزناها فيما سبق, وعبر الشيوعيون بذلك عقبة كؤودا طالما كانوا يروغون منها والآن وقد وقع المحظور ربما يكون قد راودهم الأمل أمام صمتنا بقرب اقتناعنا بهذا العرض المسبوك.... ولم نشأ أن نتخلى عن الصمت حتى آخر كلمة فى الماركسية... وتناقشنا فى عنبرنا فى كل ما سمعناه, وفى الجلسة التالية راق للزملاء أن يقدموا قبل البداية قصة ما حدث للزميل ( ع.ط) ورحنا نستمع إليه وهو يسرد ما وقع له حتى انتزع تقدير اللجنة المركزية للحزب فقررت له جائزة كبيرة لأنه كشف عن إيمانه بالمادية.. وبهذا يستأهل مكانة فى المراكز القيادية المقصورة على من تمت صبغتهم المادية... قال " كان ذلك ونحن مرحلون بالسلاسل إلى هذا السجن حيث قام القطار قبل أن يتم نزولنا جميعا من العربة مما أوقع البعض على الأرض وأخذ يتدحرج بجوار عجلات القطار, وكنت من هذا البعض... وكدت أستغيث بالله وأنا أرى العجلة تكاد تلتهمني ولكنى تذكرت أن إيمانى بالمادية يتناقض مع هذا الخاطر فقررت أن أنجح فى هذا الامتحان ونجحت ولم تخرج الكلمة من فمى. ولقد احتفل الحزب بهذا الموقف وكافأني عليه...

انبرى أحد الإخوة الظرفاء معقبا على هذا المشهد الساذج قائلا:

- التجربة لم يتوفر لها الشروط الموضوعية يا زميل حتى تخرج منها بنتيجة صحيحة..

- قال : ماذا تعنى؟

- قال : أعنى أنه كان يلزم مرور العجلة فعلا على جسمك أو أى عضو فيه لترى أتثبت على هذا الاعتقاد! ومع كل فإن مجرد ورود هذا الخاطر بذهنك فى هذه اللحظة أو غيره من عشرات القضايا والأشخاص الذين تقسهم يعتبر حجة عليك لا لك.. لنا عود بعد ذلك فى موضعه ولنستأنف الحديث.. وبدأ الزميل يتكلم عن التفسير المادى للتاريخ كأحد تطبيقات المادية الجدلية..

قال : مر التاريخ البشرة بالعصور الآتية:

 أولا: عصر المشاعية البدائية :

هو عصر انتشار ظاهرة القبائل على سطح الأرض , وعصر الرعى والصيد والأساس المادى للقبيلة فى هذا العصر كان يتمثل فى وسائل الإنتاج البدائية كالعصا والرمح حيث تتملكها القبيلة كلها على سبيل الشيوع..

كان المجتمع البشرى – مجتمع القبيلة – طبقة واحدة من الناحية الاقتصادية... من كل حسب قدرته ولك حسب حاجته, ومن ثم فلم يكن فى هذا العصر أى استغلال بكل مساوئه الاجتماعية, بل كان الموجود مجرد تقسيم للعمل بين أفراد القبيلة .. وحيث أنه لم يكن هناك صراع طبقى داخل القبيلة لعدم وجود الملكية الخاصة وما توجيه من استغلال لذلك .فإن التناقض الرئيسى كان بين المجتمع البشرى والطبيعة من أجل الحصول على الرزق وتفسير ظواهرها..

ولم تظهر فى هذا العصر سلطات الدولة كان شيخ القبيلة يقوم بحل المتناقضات الثانوية بين الأفراد عن طريق المصالحات فى الأغلب والجزاء الأبوى فى الأقل..

كان مشاعية الجنس إحدى الملامح الاجتماعية لهذا العصر لأن المرأة لم تدفعها الحاجة الاقتصادية إلى التبعية للرجل ولم يظهر شكل الأسرة إلا فى العصور التى غرفت مبدأ الملكية لخاصة حيث سرت عدواها وانتقلت من الأرض إلى الأدوات والدواب والنساء.

كانت عبادة " الطواطم" هى أول مراحل تطور المعتقدات وقد نشأت نتيجة عجز الإنسان عن تفسير الظواهر الطبيعية فاختلطت الرهبة فى نفسه بالإعجاب والاندهاش فعرف معنى التقديس واتخذ من بعض هذه الظواهر كالأشجار والحيونات والأحجار معبودات يتقى شرها ويرجو خيرها ويقرب إليها القرابين.

وهذا العصر يعتبر نموذجا فى علاقة الإنسان بأخيه الإنسان برغم شحه الموارد, تلك العلاقة الخالية من أى صراع طبقى وبالتالى من جميع صور الاستغلال .. والبشرية فى تطورها الدائم ترنو إلى الوصول إليه مرة آخرة فى صور الشيوعية العالمية..

ثانيا : العصر العبودى:

بدأ باكتشاف الزراعة من خلال العلاقة الجدلية بين الإنسان والطبيعة.. وكانت الأرض – وسيلة الإنتاج الطبيعية – هى الأساس المادة لذلك العصر, وباكتشاف الزراعة عرف فائض الإنتاج الذى استشار المستغلين إلى تسخير الغير فى الهمل للعيش على فائض انتاجهم.

فبتملك وسيلة الإنتاج الجديدة التى هى الأرض نشأت الملكية الزراعية , وبهذا يبدأ انقسام المجتمع إلى طبقتين: طبقة الأسياد وطبقة العبيد, ونشب بينهما الصراع فكانت مصلحة السيد هى الملكية وتأكيده لها بالقليل.. وكانت مصلحة العبيد فى التحرر من ذلك.

فى هذا العصر نشأت سلطة الدولة كسلاح مادى فى يد الأسياد المستغلين لقهر طبقة العبيد, كما استخدموا ظاهرة الدين كسلاح معنوى لنفس الغرض ولترضيه طبقة العبيد بالواقع ولهم العزاء فى دار أخرى يعرضون فيها عن حرمانهم فى الدنيا.

ونشأت ظاهرة الأسرة فى علاقة الرجل بالمرأة وتتلخص فى ملية السيد لعدد من النساء فى إطار ملكيته لوسيلة الإنتاج الطبيعية التى هى الأرض مما استدعى لحسن استثمارها أن يقوم السيد بتملك وحدة اجتماعية تساعده على ذلك متمثلة فى ملكيته لبعض الآلات والدواب والنساء وكان حجم الأسرة يتناسب طرديا مع حجم الملكية.كانت الدولة المصرية القديمة والامبراطورية الرومانية من نماذج العصر العبودى..

بفعل قوانين الجدل اشتد الصراع بين الأسياد والعبيد كطبقتين متناقضتين المصالح. فشلت بعض حركات التحرر التى قام بها العبيد , مثل ثورة اسبارتاكوس الذى ثار على رأس مائة ألف ضد الامبراطورية الرومانية. وأخيرا تم التغيير بعد أن أصاب هذا التغيير الأساس المادى أولا فى المجتمع العبودى – أى بعد أن تغيرت وسيلة الإنتاج – وهى هنا العبيد باعتبارهم وسائل الإنتاج كالآلات والدواب حيث تراكمت مشاعر السخط فى نفوسهم حتى أصبحت مهيأة للثورة على أسيادهم... ,كانت لحظة الصفر فى استجابتهم لغزو خارجى قام فيه الجيش الفاتح بتقسيم البلاد على الأسياد الجدد الذين عرفوا بالاقطاعيين, ونال العبيد فى ظل هذا لوضع الجديد بعض الحرية المتمثلة فى السماح لهم بتملك قطعة أرض صغيرة لكل منهم بجوار عمله فى مزرعة السيد الإقطاعى, وهذا ما يميز عصر الإقطاع عن العصر العبودى, فالإقطاعيون والإقنان هما الحالة المتطورة للأسياد والعبيد..

ثالثا: العصر الاقطاعى:

أساسه المادى هى وسيلة الإنتاج الطبيعية – أى الأرض- والعلاقة الانتاجية هى بين الاقطاعيين ورقيق الأرض أو الاقنان.. وقد تطورت هذه العلاقة الانتاجية من العلاقة السابقة بين الأسياد والعبيد حيث سمح للعبيد بتملك أجزاء محدودة من الأرض لكن الأمر لا يخرج فى مجموعة عن قبضة الاقطاعى.. وكلا العصرين العبودى والإقطاعى يوصفان بأنهما عصور الرق وأساسهما المادى واحد ... الأرض..

وتعرف عصور الرق بأنها ذلك النظام الذى يستطيع فيه شخص- نظرا لتملكه وسائل الإنتاج – أن يتحكم فى أرزاق وحريات الآخرين.. ويحمل العصر الاقطاعى ملامح العصر العبودى من حيث مظاهر الصراع الطبقى ولكن صورة أكثر تطورا.

وبإستخدام منهج المادية فى معرفة كيف تطور هذا العصر حتى وصل إلى العصر الرأسمالى يلزمنا البحث فيما أصاب وسيلة الانتاج من تطور, وقد تطورت وسيلة الإنتاج بالفعل عندما خصص الاقطاعيون فريقا من الرقيق للقيام بالخدمات الحرفية والتجارة.. وكبرت هذه الفئة وخاصة ما كان منها بالمدن محيطا بالملك وحاشيته وقواده وسميت بطبقة البرجوازية ( سكان المدن) أو الطبقة الرأسمالية نسبة إلى رأس المال الذى أخذ شكلا جديد بين هذه الطبقات الوليدة هو رأس المال السائل ( النقود) أو رأس المال الثابت _ ورش مصانع) .. وهذا هو التطور المادى الذى أصاب وسيلة الإنتاج حيث أخذت شكلا جديدا متقدما وقائدا هو رأس المال بدل الأرض.. وحينئذ تعارضت مصلحة الطبقة البرجوازية أو الرأسمالية مع مصلحة طبقة الإقطاعيين, ولا تنس أن هؤلاء الرأسماليين هم فى الأصل من نسل رقيق الأرض الذى كان مخصص ا لخدمة الإقطاعيين.

اشتد الصراع بين الطبقتين, فكانت مصلحة الرأسماليين هى هدم هذا الشكل الاجتماعى وتمزيق هذا الغلاف الذى يعوق حركتهم ولا يخدم إلا مصلحة الاقطاعيين, فتجارة الرأسماليين تتعرض للمخاطر أثناء مرورها بالإقطاعيات, ف ضلا عن دفعهم كثيرا من الضرائب على عبروها من إقطاعية لأخرى.. كما أن الرأسماليين يحتاجون إلى الكثير من الأيدى العاملة من الريف لتشغيل مصانعهم التى اتسعت بعد الاكتشافات العلمية ولكن الاقطاعيين لا يأذنون لهم بمغادرة الاقطاعيات..

كما أن استمرار القيود الاجتماعية والتشريعية التى كانت تميز بين الإشراف والرقيق فى الوظائف والتقاضى والتعليم وكافة مظاهر الحياة كانت تنطبق أيضا على الرأسماليين باعتبارهم امتدادا عضويا لطبقة الرقيق ووارثى أوزارهم..

لذلك كله اشتد الصراع بين الطبقتين ورفعت البرجوازية شعارات الإخاء والمساواة والحرية ودعه يعمل دعه يمر, اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس, واستخدمت كافة الأسلحة المادية والمعنوية بين الطرفين, وتحالفت الكنيسة مع الإقطاع, وتراكم الكم الثورى فى الطبقة البرجوازية حتى اكتمل للطبقة البرجوازية على طبقة الاقطاعيين وكانت بداية العصر الرأسمالى.. وتصادف فى هذه الفترة وجود بعض الشخصيات التاريخية .. ولكن علينا ألا نغالى فى نسبة الأحداث إليهم حتى لا نقع فى تفسير يخالف منطق المادية الجدلية التى تسند الفعل والبطولة إلى حركة الطبقة ككل.

وافترقنا بعد هذا العرض على لقاء جديد فى اليوم التالى..

وأبادر بتبصرة القارىء ببعض الأمور التى تساعد على سهوله المتابعة..

1- نلاحظ أن الزميل قد طبق منهج المادية الجدلية على أحداث التاريخ وهذا التزام عقائدى صرف مسبق اضطره إلى تطويع الأحداث لتساير منهجهم فى التحليل.

2- ونلحظ نظرتهم إلى الملكية الخاصة باعتبارها نفوذ اجتماعى يسبب لاستغلال وانها وراء الانقسام الطبقى, والصراع البشرى وهذا أيضا تبرير عقائدى تجاه الملكية سيضطر ماركس فيما بعد غلى مؤزارة هذا الموقف الانتقائى العقائدى المسبق بتحليلات اقتصادية حول موضوع فائض القيمة لكى يؤكد بالتحليل ما أعتقد مسبقا..

3- هذا الذى سقناه فى إيجاز أخذ منا أياما مثيرة من الاستشهاد بأقوال العلماء فى كل موضوع اجتماعى أو عقائدى أو سياسى على حدة من خلال ربطها بالنسيج لعام للموضوع...

4- فى الحلقة القادمة إن شاء الله سنفرغ من الماركسية ثم نتابع كل أجزائها فى ضوء العلم, وهذا العرض ييسر على القارىء أمر المتابعة.


الحلقة الرابعة: الأفكار.. فى المحك العملى

دور السلوك .. فى تقييم الفكرة والمذهب

لم تكد تمضى عدة أيام على ندوتنا مع الشيوعيين حتى اكتشفنا فيهم شيئا جديدا.ز أهم من الموضوع المثار.. أى أهم من مواصلة الإستماع إلى الماركسية... قد لا يبدو هذا الشئ ملفتا للنظرية ذاتها.. قد يبدو هذا الكلام مبالغا فيه لكل من لم يعايش أصحاب العقائد والمذاهب عن قرب واستغنى ببريقها فى الكتب عن رؤية الواقع والإحساس به.

هذا الشئ الذى اكتشفناه أو بالأحرى تعمق اكتشافنا له مطلوب رؤية دائما لدى من يدعى الإيمان بشئ .. ديا كان هذا الشئ أو مذهبا أو فكرة..

ومطلوب رؤيته فيمن يدعى الإيمان به, فردا كان هذا المدعى أو جماعته أو دولة. ومطلوب رؤيته على كل حال يمر به هذا الإيمان .. يسرا كان هذا الحال أم عسرا, رخاء أم شدة, محكوما أو مبوءا سلطة.

هذا الشىء البسيط العجيب معا.. هو السلوك؟؟

نعم السلوك اليومى من قول أو عمل إذ هو الثمرة الختامية لهذه القضية الكبيرة .. قضية العقائد والتشريعات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية... هو الثمرة الختامية بطعمها الحلو أو المر.

والثمرة فى وضعنا الراهن بكل ملابساته التى أوضحتها فى الحلقتين الأوليين كنا نراها وتتذوقها فى العبارة الشاردة والحكاية العارضة والنكتة العابرة والمواقف المتجددة التى يشركوننا معهم فيها ولم يكن الأمر ليشغلنا لة وقف عند حدود السلوك الفردى لأن الانحرافات الفردية لا يخلو منها أى نظام ولكن عندما تصبح الظاهرة عامة ومحل رضا من الجميع فإنها فى هذه الحالة تكون شيئا آخر خلاف كونها مسلكا فرديا.

ففوق ما يقوم به العلماء والمتخصصون من تناول الأصول النظرية بالفحص والتحليل, يقوم التطبيق العملى بأخطر عمليات التقييم, بما يكشف عنه من آثار هذه الأصول النظرية فى حياة الناس العملية ومن نصيب كل فرد من هذه الآثار فى معاملاته وقيمه وفى مشاعره وأمانيه, وهل هو فى كل ذلك قد أشبع حاجاته كلها أما ما زال طالبا لها, وهل تمتع بحرية حقيقية أم ما زال مقيدا وهل هو فى النهاية قد ظفر بسعادة الرضى والطمأنينة أم ما زال حائرا..

هذه الآثار الختامية هى أهم وسائل قياس صلاحية أصول أى نظام وهى مؤشر الصدق فيها.. بهذا قضت تجارب القرون ونطقت أوليات الإيمان وكشفت موازين الحضارات أن الزبد يذهب جفاء وأن ما ينفع الناس يمكث فى الأرض.

حتى الاصحاح السابع من انجيل متى يقول:" اخترزوا من الأنبياء الكذبة الذين يأتونكم فى ثياب الحملان ولكنهم من داخل ذئاب خاطفة, من ثمارهم تعرفونهم.. هكذا كل شجرة طيبة تخرج ثمارا طيبة,وأما الشجرة الخبيثة فتخرج ثمارا خبيثة.. فإذن من ثمارهم تعرفونهم".

لذلك كله فقد تولد لدينا الحرص على جميع أكبر عدد من هذه الثمار أى من الحكايات والتصرفات التى تجاوزت المستوى الفردى إلى مستوى الرضا الجماعى.. وكنا نفسح لها وقتا فى بداية كل حلقة من حلقات الندوة فهى لا تقل أهمية لدينا عن موضوعات الماركسية ذاتها.. ألمر الذى لن يتوفر لنا معرفته من قرأءة كل الكتب...

لذلك كان ترحيبنا صادقا بالاستماع إلى أحد الزملاء وهى يحكى طرفا من النوادر الصحفية قبل استئناف الكلام عن التفسير المادى للتاريخ.

قال: الوقت كما تعلمون هو رأسمال الصحفى, والسبق هو ربحه ولا يمكن متابعة الأحداث من توفيرها فكن لابد للصحفى الناجح من سبق الأحداث ذاتها..

- حل لنا هذه الألغاز

قال : حلها بسيط.. كنت إذا كلفت بعمل تحقيق صحفى مثلا عن موكب الرئيس من الإسكندرية إلى القاهرة.. اجلس إلى مكتبى على الفور فى اليوم السابق على الموكب وأتخيل مظاهر الاستقبالات الشعبية فى كل محطة سيقف فيها القطار وأتنبأ بما قد تقوم به الجماهير من تصرفات جنونية وحماس منقطع النظير.. أتخيل اللافتات والهتفات وكل كبيرة وصغيرة.. وفى اليوم التالى تكون مصاحبتى للموكب من باب السياحة والاحتياط للمفاجآت التى قد تستجد حتى إذا ما وصل الموكب غلى القاهرة كنت اسبق منه وصولا إلى دار المجلة بتحقيقى المدعم بالصور.. أما إذا التزمت متابعة الأحداث أولا ثم قمت بتسجيلها فهذا مالا يحقق السبق المنشود..

قاطعه وكيل آخر: لكن ما رأيك فى " ساندونش فول مع مارلين مونرو" ذلك التحقيق الذى أدهشت به الوسط الصحفى كله.. لقد عثرت عليها يا حضرات الأخوة وهى متنكرة فى زى غريب فى إحدى صالات باريس وكنت الصحفى الوحيد الذى عثر عليها من بين عشرات الصحفيين من جميع انحاء العالم, وأنقذت نفسها منى بأن قبلت أن تتناول معى ساندوتش فول وتجيب على جميع أسئلتى بشرط ألا أكشف شخصيتها وقد أعربت فى حديثها عن إعجابها بناصر وبنهضة الجمهورية العربية...و...الخ.

وبالطبع كان الحديث مدعما بالصور التاريخية لى معها..

قلنا وأى غرابة فيما قمت به... وهل أكتشافك لشخصيتها عمل غير عادى.

قال : طبعا.. لأن أكتشافى لها وحديثها معى المدعم بالصور قد أخرجته عبقريتى وأنا جالس على قهوة بحى الحسين أتناول ساندوتشا من الفول أوحى إلى بهذه الفكرة .. أما سؤالكم عن الصور فهو من سر المهنة. زميل ثالث: ماكنت أقوم به يعتبر أصعب من ذلك كله.. قلنا هات ما عندك. قال : كنت أتقمص شخصيات نسائية تتفنن فى عرض مشكلتها العاطفية على المجلة وأقوم مرة أخرى بالرد عليها.

فضحكنا وقلنا : لاشك يا زملاء أن زميلكم هذا هو أكثركم ثورية لأنه زاد على كل مافعلتموه وهو أجدر برئاسة تحرير جريدة تقدمية.

ولما أصر زميل رابع على سرد واقعة حدثت له قلنا: كفى ما سمعنا من الزملاء اليوم حتى لا نجور على وقت الندوة... ولكنه أصر فقلنا: ألديك جديد غير ما سمعناه!

قال : لدى ما هو جديد وجرئ معا والله.

قلنا: أو قلتها؟!

قال : إن لسانى لفظها بحكم ما فى النفس من رواسب المجتمع البرجوازى وهى لا نعنى عندى إيمانا بالله, ولا شك أنه بقيام العصر الشيوعى ستتخلص النفس من رواسب فترة الانتقال ويظهر إلى العالم الإنسان الجديد الذى سيختلف عن إنسان اليوم فى كل شئ.

قلنا: ادخل فى موضوعك إن كان لديك جديد.

قال: كان ذلك بشبين الكوم وفى حفلة ضمت رجالات المحافظة وعلى رأسهم المحافظ وكنت أقوم بتقديم الشخصيات فى الحفل فقدمت الزميل فتحى وكان ما زال على أبواب العمل الصحفى وغير معروف لأحد ونريد أن نشهره ونجعل اسمه يملأ الجو بسرعة.. ولكن مشكلتنا أن أحد لم يسمع به من قبل .. فهل تتضورون ماذا فعلت لأجعل كل الحاضرين يضجون بالتصفيق ويقبلون عليه للتعارف بعد الحفل.

قلنا: لا يصل تصورنا إلى حيلك الشيطانية طبعا.

قال : قدمنا هذا الكاتب الكبير الجالس أمامكم الآن على أنه كان غائبا فى غياهب السجون والمعتقلات يقاوم الفساد والاستعمار وقد نكل به العهد السابق ولفق له التهم لكى يقضى على قلمه الحر الجرئ الذى يدافع به عن العامل والفلاح.. كل هذا والزميل فتحى لم يكن قد دخل حتى قسم الشرطة فى حياته. فضحك الجميع. وقلنا : لاشك أنط أجدر بقيادة الحزب نفسه لا مجرد رئاسة تحرير جريدة... مع ما لنا كل ذلك من اعتراضات يا زملاء ولكن سنجزئها لحينها.. ويكفى ما سمعنا لنترك للزميل فرصة من الوقت لعرض النظرية.

الزميل: قد وصلت فى كلامى إلى العصر الرأسمالي ( العصر الرابع )ز وهم أهم عصر من عصور التاريخ وقد قال ماركس" الرأسمالية جاءت نتيجة لتحول طبقة الفلاحين غلى طبقة البروليتاريا الصناعية وما تبع ذلك من استغلال استعمارى وصراع من أجل المستعمرات" ولقد رأينا من عرض العصور السابقة كيف أن المجتمعات تسير فى عملية مستمرة من التغير والتطور يسببها التناقض والتوافق بين عوامل متضاربة وكيف أن الهيكل الاقتصادى للمجتمع هو الركن الأساسى فى التطورات الاجتماعية وهذا الهيكل الاقتصادى للمجتمع هو الركن الأساسى فى التطورات الاجتماعية وهذا الهيكل الاقتصادى لمجتمع هو الركن الأساسى التى يتبعها الفرد فى الإنتاج وهذه بدورها هى التى تحدد طبيعة الأفكار والإتجاهات. وقد أجمل انجلز ذلك فى قوله:" إن الأسباب المباشرة والنهائية للتطورات الاجتماعية والثورات السياسية ليس مردها إلى تفكير الأفراد وتعمقهم فى البحث عن الحق والعدل وإنما مردها إلى تلك التغيرات التى تطرأ على نظام الانتاج والإستبدال".

وفى عصر الرأسمالية هذا الذى تتكلم عنه اليوم لتشاهد ا، الآلة هى وسيلة الانتاج الرئيسية... ,العلاقة الانتاجية تقوم بين العمال والرأسماليين.. وفى الصراع الناشب بين هاتين الطبقتين تتكتل طبقة العمال فى النقابات والأحزاب العمالية وتتكتل طبقة الرأسماليين فى النوادى والأحزاب المحافظة كأدوات سياسية.

وتستخدم كل طبقة كافة الأسلحة المادية والمعنوية فى صراعها الدموى مع الطبقة الأخرى ولكن الصراع مع طبقة العمال الأكثر عددا والأسوأ حالا سينتهى بانتصار حتمى لطبقة العمال.. وقد قال ماركس: " صراع الطبقات حقيقة تاريخية متأصلة فى طبيعة نظامنا فلا حاجة غلى الدعوة إليها ولا جدوى من إنكارها ولكن مسؤولية الحرب تقع على عاتق من تدفعهم الأنانية إلى المحافظة علة ما يمتلكون ".

وقد كشف ماركس عن القوانين التى ستقوض النظام الرأسمالى بحكم منطق التطور الحتمى, ومن ثم جاء بنظرية فائض القيمة أو بتعبير أدق القيمة الفائضة التى تكشف عن استمرار حرص الرأسمالي على الربح( آفة النظام) سيؤدى إلى حدوث قوانين حتمية تعجل بنهاية الأسلوب الرأسمالى فى الانتاج وتختم عصور الصراع الطبقى وتفتح الطريق إلى مجتمع جديد خال من الطبقية والاستغلال.

لقد بين ماركس أن العمل أساس القيمة أى هو المعيار الوحيد للقيمة. وإذا كان العمل فى البداية هو أساس القيمة فإنه يقصد به حاليا العمل اللازم اجتماعيا.

فى عصور الرق ( الأسلوب العبودى والإقطاعى فى الإنتاج) كان الاستقلال يتم باستحواذ الطبقة الكاملة على فائض انتاج العبيد أو الأقتان.

أما فى ظل الرأسمالية التى تتميز بظاهرة الانتاج السلعى فغن الاستغلال ينم بالاستحواذ على فائض القيمة ولتوضيح ذلك أقول:

إن قيمة السلعة تحدد بوقت العمل اللازم اجتماعيا لانتاجها أى اللازم فى ظل الظروف التكنيكية العادية للإنتاج فى فترة معينة طبقا لمتوسط مهارة وجهد المنتج... وهذا لا يعنى أن كل سلعة تقايض فهلا بما يساوى قيمتها تماما لأنه يعبر عنها بالسعر الذى يتذبذب حول القيمة ارتفاعا وانخفاضا..

والإنسان فى ظل عصور الرق ملك كله لسيده, أما فى ظل عصر الرأسمالية فإنه يبيع فقط قوة عمله التى تعتبر سلعة مثل أى سلعة أخرى لها قيمة معينة هى تلك السلع التى يحتاج إليها العامل لكى تكفل ميعشته وتجدد قدرته على العمل وبعبارة أخرى إن قيمة قوة العمل هى وسائل المعيشة اللازمة للحفاظ على حياة صاحب قوة العمل..

وعندما يشترى الرأسمالى قوة العمل التى لها قيمة استهلاكية عنده فإنه يدفع العامل إلى العمل فينشئ هذا العمل قيمة جديدة أكبر من قيمة سلعة قوة العمل .. وهذه الخصيصة لسلعة قوة العمل هى التى تعطينا المفتاح لفهم ميكانيزم الاستغلال الرأسمالى.. وعليه فإن قيمة السلعة التى يبيعها الرأسمالى تتضمن:

أولاك قيمة المواد والجزء المستهلك من المعدات . ثانيا : قيمة عنصر الخدمة ( العمل من جانب العمال لاعداد هذه السلعة".

والقيمة التى تنتج بواسطة فائض عنصر العمل من جانب العمال تسمى فائض القيمة. واستيلاء الرأسمالى عليها تحت ستار الربح هو جوهر الاستغلال.. واستمرار حرض الرأسمالى على زيادة الربح يفضى إلى ثلاثة قوانين حتمية تؤدى فى النهاية غلى تفويض النظام الرأسمالى:

1- قانون تراكم رأس المال:

بزيادة الآلية فى الإنتاج يتم الإستغناء عن عدد من العمال ينضافون إلى جيش العاطلين... وزيادة الآلية تخفض نفقات الانتاج.. ونتيجة المنافسة الحرة ينخفض سعر السلعة عن ذى قبل مما يترتب عليه انخفاض فائض القيمة على مدار المجتمع أى انخفاض ربح طبقة الرأسماليين, مما يخفزهم إلى استخدام الكثير من الأساليب الاستغلالية لتعويض هذا الانخفاض فيلجئون إلى تشغيل من لم يطردوا من العمال ساعات أكثروا ويشغلون الأطفال والنساء بأجور منخفضة.. وأخيرا يتكتلون لفرض أسعار احتكارية وللتحكم فى الأسواق , وهذا كله يؤدى إلى تراكم رؤوس الأموال فى أيديهم..

2- قانون تركيز رأس المال:

وهو نتيجة حتمية للقانون الأول لضمان استمرار الرأسماليين فى استغلال الطبقة العاملة ونشأت لذلك الاحتكارات ذات الصور المختلفة ( كارتلات وترست).

والإستعمار هو أعلى مراحل الرأسمالية..والامبريالية مرحلة متقدمة فى الرأسمالية.. والإمبريالية مرحلة متقدمة فى الرأسمالية.

3- قانون زيادة البؤس:

تزداد حالة السوء فيتكتلون , وتشتد حالة الصراع بينهم وبين الرأسماليين إلى أن يتحقق الكم الثورى اللازم لقيام الثورة , وبذلك يزول التناقض بين الملكية والعمل حيث يصير الذين يعلمو هم الذين يملكون ويعود الحق المسروق إلى أصحابه الشرعيين,

ولذا كانت الرأسمالية التى تطورت إلى الاحتكارات العالمية والامبريالية تعمل ما فى وسعها للحيلولة دون تفاقم الأزمات التى تقوض بنيانها فتعمل على العمالية وبعض الضمانات الاجتماعية ثم الاندفاع نحو الإستعمار ثم إشعال الحروب المحلية مث كوريا وفيتنام.

خامسا مرحلة الاشتراكية:

قلنا : تقصد عصر الاشتراكية

قال : بل أقصد كلمة مرحلة لتأكيد الإحساس بأنها وصلة بين عصرين متتالين عصر الرأسمالية وعصر الشيوعية العالمية.. هى مجرد جسر بينها.. وهى تسمى أيضا بالشيوعية الأولى. وفى كل هذه التسميات لا تسمى عصر لأنها فترة انتقال .. وكل ما فى هذه المرحلة من أمل الشيوعية العالمية هو فى تقرير الملكية العامة لوسائل الإنتاج وفى أسباغ صفة الشيوعية العالمية هو فى تقرير الملكية العامة لوسائل الإنتاج وفى إسباغ صفة الشيوعية على الحزب . ومن ثم فالنظام يحمل الواقع الاشتراكي والحزب يحمل اسم المستقبل الشيوعى.

وتتميز مرحلة الاشتراكية عن عنصر الشيوعية العالمية بما يلى:

1- فى ظل الاشتراكية , من كل حسب قدرته ولكل حسب إنتاجه, ومن ثم فقد تفاوتت الأجور( من أسباب الخلاف بين ستالين وتروتسكى) أما فى ظل الشيوعية فسيكون من كل حسب قدرته ولكل حسب حاجته).

2- فى ظل مرحلة الاشتراكية يكون الإبقاء على سلطة الدولة فى شكل ديكتاتورية الطبقة العاملة ( البروليتارية) ريثما يتم القضاء على أعداء الثورة فى الداخل أى على الثورة المضادة وريثما يندفع عنها خطر المعسكر الرأسمالى فى الخارج. أما فى ظل الشيوعية فستذبل سلطات الدولة حتى تختفى ويحل محلها لجان المصالحات لحل التناقضات الثانوية.

3- فى مرحلة الاشتراكية يظل الإبقاء على بعض الأشكال الاجتماعية كالأسرة أو الأشكال الاقتصادية كالنقود والحوافز المادية والملكيات الصغيرة مما قد يشكك فى جدية التحول إلى الشيوعية العالمية ولكن ذلك الإبقاء سنتهى ريثما يتوفر الأساس التكنيكى للانتقال وريثما تتخلص النفس البشرية من رواسب القيم البرجوازية الإنسان الجديد..

سادسا: عصر الشيوعية العالمية:

استطرد الزميل قائلا هو عصر الاشتراكية العلمية بمعناها الحقيقى وفيها يصير الناس طبقة واحدة خالية من الصراع وينتقل التناقض الرئيس من داخل المجتمع البشرى ليصير بين الإنسان والطبيعى كما كان فى عصر المشاعية البدائية الخالية من الصراع الطبقى ويحل محله النقد الذاتى كبديل وكعامل حركة مشروع.

ويحل العلم محل العقائد والفلسفات فى صراع الإنسان مع الطبيعة فى تفسير ظواهرها واستخدامها فى توفير ضرورياته أى فى تحريره حيث يصير من كل حسب قدرته ولكل حسب حاجته, حيث تذبل سلطات الدولة, وحيث تقوم المعاشرة الاختيارية( المشاعية الجنسية) فى علاقة الرجل بالمرأة محل الشكل الأسرى الملىء بالقيود... وفى ظل هذا العصر ستتغير الطبيعة البشرية وتتطور وستعيش فى مشاعية الوفرة والغنى آمنة شر الاستغلال والعجز... هذا يا حضرات الأخوة هو كل ما نؤمن به.

قلنا هل بقى لديكم ما تقولونه عن الماركسية.

قال بعضهم: ليس سوى أن كثيرا من الموضوعات التى وردت فى غضون الماركسية وكونت نسيجها تحظى على انفراد بدراسة مستقلة بطريقة مادية جدلية.. وهى فى مجموعها تعمل على تدعيم الماركسية وتغذيتها بالمادة العلمية وهو يعطى الماركسية فى النهاية صفتها العلمية من هذه الموضوعات.

(أ‌) دراسة فلسفية عن الوجود والإنسان من خلال المفهوم المادى لهما.

(ب‌) نشأة الحياة وإثبات إمكان تخليق الخلية الحية معمليا مما يؤكد صحة القانون الأول للمادة.

(ت‌) نظرية دارون.

(ث‌) نظام الأسرة وانبثاقها من فكرة الملكية لخاصة لوسائل الانتاج.

(ج‌) تطور الأديان وكيف تدرجت من عبادة الطواطم إلى عبادة التماثيل فالنجوم والكواكب فألا رواح فالإله المجرد وكيف اغني العلم اليوم عن كل هذه المحاولات.

(ح‌) سلطات الدولة.

(خ‌) الأخلاق والقيم وكونها متغيرة نسبية.

والآن وقد فرغنا من الاستماع إلى الماركسية يهمنى قبل التعرض إلى النقد أن أشير إلى ما يأتى:

1- أن وجه الإغراء فى الماركسية لدى متوسطى الثقافة نابع من أنها أشبه بالدين الذى يعطى فهما فى الوجود والإنسان والحياة والقيم والشرائع... ولهذا كان متوسطوا الثقافة هم أخصب وسط لانتشارها ولا يمكن أن يتقدم الإنسان مراحل العلم ويبقى فى الوقت نفسه على الاقتناع بصحة قضاياها. وقد شوهدت أمثلة على ذلك كثيرة ليست مشهورة لدى الرأى العام وأن كان أبرزها وضوحا ظاهرة جلال كشك و مصطفى محمود الذين قادهما تقدمهما العلمى إلى الابتعاد عن الإلتزام بها. ولا يبقى على إيمانه بها زمنا طويلا إلا أن أحد صنفين, من لازمته ثقافته المتوسطة أو من ارتبط من ورائها بمصلحة معينة من منصب أو جاه يجعله قانعا بحالة لا يريد له تغييرا حتى أن كثيرين ممن تصدروا السلطة عن طريق الانقلابات العسكرية كانت ثقافتهم المتوسطة هى مصيدة تغذيتهم بالأفكار اليسارية..

2- هناك سبب ثان لدى الطبقات المحرومة والمظلومة من ضحاياها النظام الرأسمالى إذ يصادف هذا الكلام لديها إحساحسا لعلها تجد فيه خلاصها.

3- هناك سبب ثالث ناشىء من ضعف المواجهة حيث أن النظام الراسمالى ملئ بالأخطاء وعاجز عن الرد على ما يوجه إليه من تهم لها أساس كبير من الصحة.

4- وسبب رابع فى تنحية الإسلام عن المجال التشريعى جعل الذين يجهلونه يظنون أنه يمكن الجمع بين الإسلام كعقيدة والماركسية كمنهج حياة ولعلاج الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

5- وسبب خامس هو وجود روسيا كدولة كبرى تكبر فى الصدور الضعيفة فيظنون أن ما تدعو إليه مثل هذه الدولة الكبرى لابد وان يكون حقا..

6- وسبب سادس فيما سيصاحب التجميد للماركسية من إغراءات شتى لا تغيب عن أحد.

7- وسبب أخير هو قيما قصدته القوى الاستعمارية مع سبق الإصرار من نشر هذه التيارات اليسارية فى بلادنا وتمكنيها من السلطة لضرب الروح الإسلامية فى المنطقة بل وفى كثير من البلاد الإسلامية..


الحلقة الخامسة: دور العقل فى قضية الإيمان

جدوى الجهد المشترك.. فى الدراسة إنتشار ظاهرة التفكير المادى بأوربا.. وأسبابها

من العرض السابق للماركسية يبدو واضحا أنها تشتمل على ثلاث قضايا رئيسية( المادية الجدلية, " المادية التاريخية" فائض القيمة) مترابطة عضويا ومشدودة بعضها إلى بعض بخلايا بينية من مختلف الفروع والقضايا العلمية التى يحظى كل فرع منها بدراسة مستقلة على مختصين وبتشابك هذه الخلايا مع محاورها الأساسية على أيدى المنظرين أو فلاسفة الماركسية يتكون نسيج الماركسية... ذلك النشيج الذى وضع أسسه ماركس وطورته إضافات لينين وستالين وخروشوف ومن بعدهم, ومن ثم فالدراسة الوافية تقتضى الماما ومتابعة دائمة اما يسمى بالماركسية اللينية الستالينية الخروشفية الماوية.. الخ. ومع هذا فإن تركيزنا على الإطار النظرى الذى تركه ماركس سببه أن هذا الإطار السابق على كل هذه الإضافات ما زال هو الفعال فى مجال الإقناع بالماركسية... وتعمل الممارسات العملية والسماء التاريخية والواقع الدولى فى المجال النفسى لا أكثر.

وكلما مر الزمن كلما ازداد الانفصام بين هذا الإطار النظرى الذى تركه ماركس وبين الواقع العملى فى البلاد الشيوعية حتى أن الماركسية اليوم وأن كانت بموازين العلم لا وجود لها وأصبحت شيئا تاريخيا بعد أن تحولت إلى مجرد شعارات عقائدية لا حقائق علمية إلا أن فاعليتها السياسية تجعل تلك البلاد التى تدين بها تحرص عليها لأنها تتبدى بها كحاملات لرسالة إنسانية فى سبيل تحرير الشعوب من الإستغلال والتخلف على أسس علمية محايدة وبدون هذا القناع العقائدى يظهر الوجه الاستعمارى سافرا..

ولم نكن نخفى دهشتنا فى البداية من وجود أفراد قلائل يحملون درجات علمية عالية بين الشيوعيين ولكن الاحتكاك عن قرب زال هذا الاندهاش حيث تحققنا أن المختص بفرع معين فروع العلم تكون صلته فى العادة ببقية الفروع الأخرى صلة ثقافية لا تخصصية مما قد فى رذيلة التسليم بكثير من القضايا الخارجة عن دائرة تخصصه وعدم صحتها عمليا فإنه مع هذا يظل على اعتقاده بأنها صحيحة فى القضايا الأخرى التى تشكل فى مجموعها بناء متماسكا قادرا على تقديم الحلول العلمية..

فلو اكتشف دارس الاقتصاد عدم صحة ما قاله ماركس فى القيمة يظل أيضا على اعتقاده بصحة النظرية فى مجال الفلسفة والتاريخ والاجتماع ولا يستطيع أن ينفصل شعوريا عن القضية العامة بسهولة ليعيش فى فراغ مرة واحدة.. ولو اكتشف دارس الفلسفة تخلف الماركسية فى قضايا المادية الجدلية فإنه يظل على اعتقاده بعض التشوهات العقائدية التى حاول بعض الزعماء فرضها على شعوبهم فى محاولة جاهلة أو مشبوهى للجمع بين منهج الماركسية والعقيدة الإسلامية وسوكارنو الذى كان يقول: أننى أؤمن بمحمد فى السماء وبماركس على الأرض, نموذج لهذا النوع.

وقد اكتشفنا على الطبيعة هذه الحقيقة . حقيقة أن المتخصص فى نوع قد يقع فريسة الفروع الأخرى.

وأنه إن كان أستاذا فى جانب فهو تلميذ فى الآخر, وإن كان علميا فى جانب فهو يسلم تسليم العوام فى الآخر. وإن كان متفتح الذهن فى جانب فإنه متعصب ومغلقه فى الآخر. و لم يعد من ثم مدهشا لنا أن نرى المتخصص يصول ويجول فى مادة تخصصه ثم يعود إلى الحبو والتعثر فى بقية مواضيع الماركسية يردد ما يقوله الجميع بنفس العبارات وبنفس الأمثلة المضروبة ونفس الاستنتاجات السياسية وما كنا لنلمس هذه الحقيقة أبدا من خلال قراءة الكتب فقط بل وما كنا نتوقعها.

وكأنى سؤالى ذكى يتبادر إلى ذهن القارئ عندما يقول : وماذا يكون الأمر لة اجتمع كل المتخصصين فى كل الفروع معا ليطابقوا بين مجموع علمهم وبين الماركسية, أليس فى هذا الحشد من العلماء يكمن القول الفصل لها أو عليها.

وأنا أقول للقارئ أن هذا قد حدث فعلا حيث اجتمع 39 عالما سوفياتيا فى جميع التخصصات وأخرجوا فى عام 1963 كتاب" أسس الماركسية اللينينية" وستأتى الإشارة إليه مفصلة فيما بعد . وفيه أصاخوا الحقائق العلم فى جانب وخضعوا لمتطلبات السياسة فى جانب آخر والمدارك لحقيقة الترابط بين القضايا يجد أن أحدهما لابد وأن يلغى الآخر. فأما أن يقوى العلم على دواعى السياسة وإنا أن تخنق السياسة صوت العلم.. وفى جميع عصور الظلام كانت السياسة فوق العلم وحقائقه. هذا الجانب الذى أصاخ له هؤلاء العلماء هو إعلانهم بعدم وجود الجدل فى الطبيعة, وإن بقى ذلك فى المجتمعات أى عدم صحى القانون التناقض وصراع الأضداد فى الطبيعة, وصحة هذا القانون فى المجتمعات البشرية. وهو ما لا يستقيم فى ظل الماركسية ويتناقض مع منهجها, ولنا مع كل ذلك عود فى موضعه من الدراسة وإنما كان الدافع هو التذكير بأن الماركسية تظل فى المركز الأقوى بالنسبة للمتخصص الفرد, وتظل فى مزوالة إغرائها له. وهنا تكمن إحدى صعوبات المواجهة التى تستلزم مواجهة مشتركة متخصصة ,أتاحت لنا مواجهتنا المشتركة هذه القدرة . ألمر الذى لا يفطن غليه كل من ينشغل بالرد على جانب واحد منها فى حدود تخصصه.

ولذلك كان المتخصصون فقط عاجزين هن مواجهتها منفردين أو مجتمعين بعيدا عن العقيدة الشاملة لأن الماركسية أشبه بالدين الدين لا ينتصر عليه إلا دين أشمل وأنفع ولذلك كانت كل مواجهات الماركسية ضعيفة, لأنها لم تقدم البديل حتى خرج عليها الإسلام بشموله لقضايا العقيدة والتشريع وبدعوته الدائمة إلى لعلم.

- وفيما يلى بيان لخط تناولنا لمواضيع الماركسية: ابتداء من المادية الجدلية ومرورا بالنظرية الاقتصادية ثم تفسير التاريخ. وأذكر القارئ بخط السير حتى يسهل أمر المتابعة وحتى إذا ما تشعب الكلام فى إحدى النقاط لا يضل الطريق. سنبدأ بالكلام عن أسباب انتشار ظاهرة التفكير المادى بأوروبا دون غيرها من بقاع الأرض ثم حوار نشأة الحياة ... يليه:

• هل الوجود مادة فقط؟

• وقفة مع القوانين الجدل.

• نظرية المعرفة ( الأسلوب العلمى فى الإستدلال على وجود الخالق).

• القضية المنطقية.

• منهجان علميان: منهج للأشياء, ومنهج للإنسان.

وعلى ضوء الحقائق العلمية الجديدة يكون لنا دراسة فى داخل الإنسان:

قانونه, مفهوم الحرية, أداة الاختيار ( الملكية) أنواع الثروة, نظرية الربح, ،:,، قد أحطنا فى الطريق بقضيتين من قضايا الماركسية المادية الجدلية والاقتصاد) ثم تتناول تفسير التاريخ من جديد.

ثم نصل إلى إلى الإسلام كمنهج كامل, نختص منه الكلام عن الملكية فى إطار النصوص, ثم من التطبيق العملى على مدار التاريخ الإسلامى حيث تقابلنا قصة الأرض العشرية والأرض الخراجية باعتبارها نموذجان الملية خاصة اسلامية وملكية عامة اسلامية.

وبهذا نكون قد حققنا غرضين فى وقت واحد: تفنيد الماركسية وتوضيح الإسلام كمنهج حياة وبصفة خاصة فى الجانب الاقتصادى, ونكون قد أزلنا كل ما هو غير علمى وأحللنا محله الحقائق العلمية كمرتكز لنظرية جديدة ثالثة فى علاج القضايا الإنسانية جديدة ثالثة فى علاج القضايا الإنسانية جديد فى فهمنا لها لا أكثر مع التحفظ فى استخدام اصطلاح النظرية أيضا وأفضل عليه " الدعوة".

وفى مطلع تناولنا للمادية الجدلية, نبدأ بالكلام عن أسباب انتشار ظاهرة التفكير المادى بأوروبا , وهو موضوع نبت اهتمامنا به بعد انقضاض الندوة حيث كان اهتمامنا أثناء الندوة منصبا على الموضوعات بطريقة مباشرة ووردت الإشارة إلى ظروف أوروبا التاريخية بطريقة عابرة’ وقد أتيح لنا فيما بعد أفراد مستقل جديد فى بابه لتفسير هذه الظاهرة.

انتشار ظاهرة التفكير المادى بأوروبا.. وأسبابها؟؟

أبادر بتقرير هذه الحقيقة وهى مسئولة المثالية عن انتشار الفلسفة المادية.. ذلك أن الفلسفة المثالية وكتعبير عن أزمتها فى نفس الوقت..

وسأزيد الأمر وضوحا ببيان الظروف التاريخية والأجواء الفكرية التى شاعت فيها هذه الفلسفة المادية مما حدا بماركس إلى اختيارها أساسا عقيديا لنظرية الاقتصادية..

ولقد عاصر ماركس فترة المخاض الحضارى التى مرت بها أوروبا , حيث تنسلخ صيحة الحياة من صرخة الألم, وينسلخ ضوء النهار من ظلمة الليل البهيم.. وهى فترى حرجة بطبيعتها تسمح بالرؤية والرؤية النفسية فى أكثر من اتجاه, بل وأكثر من ذلك حرجا أنها قد تدفع الرؤية النفسية فى اتجاه مضاد للرؤية الفكرية, وينقلب الحرج إلى مأساة عندما تكون الغلبة للرؤية النفسية الكليلة فلا ترى الحق والخير من خلال موازينهما وإنما تراه من خلال هواها وعلى ضوء مصالحها وتحت ضغط مشاعرها المكبوتة وآلامها الدفينة التى خلقتها عصور الظلم والحرمان قبل أن ترى لها حقا فى الحياة الكريمة...

وإلى أن يمتلك الفكر المستنير زمامها ويحد اندفاعها ويحكم قيادتها ويضىء لها الطريق بموازين الحق والخير المبرأين من شوائب الظروف الشخصيى والفكرية على السواء فتكثير من حولهما الضحايا.. الضحايا التى قد تتعدى الأفراد والجماعات فتصيب شعوبا بأسرها فتعيش فى قيود جديدة وآلام جديدة من حيث ظنت أنها تخلصت من قيودها وآلامها.

وهذا بالضبط هو ما عاشت فيها أوروبا... وهو الذى ما زالت أيضا تعانيه على مستوى القرن العشرين.. حيث كانت أسيرة لون معين من العقائد الموضوعة والفلسفات المخترعة ساهمت بوعى منها أو بغير على بقائها أسيرة الفكر ومذلة الروح... وقد كان هذا الأساس الفكرى والعقيدى يمثل السلطة المعنوية التى استخدمتها كل القوى التى كانت ترى مصلحتها فى استمرار, هذا اللون التقليدى من الحياة سواء فى ذلك قوة الكنيسة أو قوة الإقطاع حفاظا على ودوام النفوذ والسيطرة... وطالما تظاهرت قوة الكنيسة مع قوة الاقطاع للحيلولة دون صيحة الحياة ودون ومضات الضوء التى كانت ترسلها منارات الشرق الإسلامى على جميع مداخل أوروبا.

المثالية والمادية

فمنذ عهد الأغريق والرومان حتى وقتنا الحاضر وأوروبا مسرح لنوعين من المذاهب الفلسفية... المثالية والمادية .. فقديما تقابلنا مثالية أفلاطون ومادية ديمقريطس وأبيقور وحديثا تقابلنا فى القرن التاسع عشر مثالية عيجل ومادية فيرباخ... ونذكر فى هذا المقام من الفلاسفة الماديين على مدار هذا المحور الزمنى الفيلسوف اتتستينس ( 444 – 368ق.م) الذى كان يدعو إلى الرجوع إلى بساطة الطبيعة ورفض الدين المتوارث ويى فى الوجود رأيا ماديا.. ومنهم أيضا روسيلينس فى القرن الحادى عشر( 1050 -1120 م) الذى جدد المذهب المادى على عهد المدرسيين ومنهم وليم فو نفى القرن الرابع عشر ( 12701347 م) الذى أرجع المعرفة كلها إلى التجربة الحسية... الخ... وهكذا إلى أن نصل إلى فيورباخ فى القرن التاسع عشر..

ومن البديهى ألا تتوقع أن يكون ما تتناوله هذه المذاهب المثالية والمادية على السواء فى القرن 19 أو القرن 20 على نفس مستوى تناولها فى القرون الأولى وإلا أسقطنا من اعتبارنا كل ما استفادته البشرية من نقدم علمى على مدار هذه الحقبة الطويلة أثر على طبيعة تناول المشكلة ولكنه لم يغير من جوهرها.. ود تناوب الاتجاهات الغلبة فى ميدان الفكر والحياة أيضا حتى انتهى بهما المطاف فى القرن العشرين غلى اقتسام أوروبا فى ميدان الفكر والأرض معا.. فقسم يدين بالمادية ويرفع رايتها علنا فوق رقعة الاتحاد السوفيتى وتوابعه وقسم آخر يدين المثالية ويرايتها على استحياء فوق بقية دول الغرب وتفضح ذلك تصرفاته وسلوكه المشوب بكثير من اللوثات المادية..

أما تساؤلنا عن سبب هذا الانقسام والخصام الشديد فتقع مسؤوليته الكبرى على الاتجاه المثالى..

ولتوضيح الأمر نذكر بأن الاتجاهات الفلسفية المثالية منذ القدم كانت تتناول موضوعات شتى مثل البحث فى الطبيعة بفروعها من فلك وحيوان ونبات, وفى المنطق وفى الأخلاق و السياسة والرياضيات وفى الالهيات.. وجاءت محنة الفلسفة من خلال الالهيات عندما تجاوزت فى البحث منطقة الأمان فيها..

ذلك أن الفلاسفة المثاليين استطاعوا بأعمال فكرهم أن يصلوا إلى نتيجة صحيحة ونقطة بدء سليمة علميا وهى وجود خالق لهذا الكون البديع يتصف بالكمال المطلق... ولكنهم انحرفوا بعد ذلك فى جميع متعلقات هذه القضية فكيف كان ذلك!! وما نتائجه!.

إن قضية وجود الله تعالى هى فى الواقع قضية علمية إنسانية أى يستطيع العلماء فى كل عصر التدليل على صحتها بمختلف الاستدلالات العلمية.. ومن ثم يقول الفقهاء أن الإيمان بوجود الله مقدم على الإيمان بالرسل, ولم تكن الرسل تبعث إلى أقوام يجهلون هذه الحقيقة:" ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله". ولكنهم كذبوا الرسل.. وفى عصرنا الحاضر نجد العديد والجديد من الأدلة العلمية فى إثبات هذه الحقيقة حتى أصبح كل فرع من فروع العلم يشكل نافذة جديدة عليها.. ولقد صدر الكثير من الكتب فى هذا المجال .. الله لجون كلوفر) ( الله يتجلى فى عصر العلم)... الخ.

ولم تعد المشكلة فى محاولة إثبات ذلك, بل تنبت المشكلة الحقيقية فيما تثيره هذه القضية من عديد الأسئلة فى نفس الإنسان بعد اطمئنانه فكريا إليها , هذه الأسئلة تعتبر ثمرة طبيعية للمعرفة لا يستطيع أحد من الناس أن يتجاهلها ولا يملك الفكاك منها, بل أنها تظل تفرض نفسها فى الحاح شديد لا يتوقف, حيث يثور التساؤل عن ذات الله تعالى وصفاته ومدى وكيفية التعامل معه, وعن معنى الحياة والموت وعن كنة الوجود بأسره , وعن النفس وخباياها وعن ظلال ذلك كله على سلوكنا وغايته,إلى آخر هذه الالحاحات التى تولد القلق الدائم والتوتر المستمر فى النفس مالم تهتد إلى أمرها.. ولا يملك أحد أن يعزل سلوكه اليومى عن نتيجة الأجوبة عليها ويظل فى خاطره أجوبته الخاصة الخاطئة بالطبع والتى لا يفصح عنها لأحد إن لم يجد الإجابة الشافية عليها من خارج.. وهذا ما يشكل فى النهاية مفهوم العقيدة عنده فكيف يكون صمام الأمان فى تكوينها.

وهنا يبرز سؤال هام, وهل فى مقدور الفلسفة ان تجيب على هذه التساؤلات؟ كان فى مقدور الفلسفة أن تتكلم كثيرا عن الطبيعة والكيمياء والحيوان والنبات قبل أن تنفصل عنها وتصبح علوما مستقلة, وكان فى مقدورها أيضا أن تتكلم فى الأخلاق و السياسة وتخطىء فى كل ذلك وتصيب فالمخاطر من وراء ذلك محدودة غايته أنها ما زالت تجهل.. أما أن تجيب هى على كل التساؤلات الخاصة بالإلوهية ومتعلقاتها فهذا ما تردت فيها بالتخميات والشطحات, ذلك أن هذه القضايا لا تخضع بطبيعتها لموازين الإنسان وليس معنى ذلك أنها معدومة لأنها مبنية على أساس صحيح علميا هو وجود الله تعالى حسبما سنبين أدلة ذلك فى فصل تال.

ولا شك أن هذه التساؤلات ستظل حائرة فى الصدور ويظل الإنسان حائرا معها فى السلوك, ويظل المجتمع بأسره حائرا فى التشريعات والقيم إلى أن تجد الإجابة الشافية طريقها إلى النفوس فتذهب الحيرى ويستضئ السلوك بنور المعرفة الصافية فكيف السبيل إذن إلى هذه المعرفة؟.

والفطرة السليمة لا تكف عن البحث عن وسيلة للصلة بذات الله تعالى الذى تحققت من وجوده فكريا ولم ترتو بعد وجدانيا أنها تريد أن تسمع منه هو سبحانه وتعالى الإجابة على كل ذلك.

وهذه الفطرة السليمة تستهجن عدم قيام هذه الصلة بالله الذى خلقها ثم دلها عليه بل إنها لتتعلق به أن يفعل هو ذلك.

والمنطقى أن تتم هذه الصلة بين موجودين وجودا علميا حقا كل منهما يعرف الآخر, وإذا لم تتم هذه الصلة فإنها تكون إذن قطيعة غير مفهومة ولا مقبولة.. إننا نستهجن هذه القطيعة ممن نعرفه من البشر فكيف نصبر عليها ممن عرفنا ربوبيته لنا, فالصلة قضية منطقية مبنية على أصل علمى.

ويلبى الله تعالى أشواق هذه الفطرة ويشير إلى منطقية هذه الصلة فى قوله تعالى:" وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شئ" وفى قوله تعالى:" قل لو كان فى الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا" ويستهجن موقف المكذبين بذلك فى قوله تعالى:" أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم"

فمن طريق الوحى – صلة الله تعالى بخلقه – تتم معرفة جميع حلقات المعرفة المغيبة عن حواسنا وتتم القدرة على التعامل معها وبالتالى تتم الحركة الصحيحة للإنسان.

فالتدليل على وجود الله تعالى قضية إنسانية وبتكملتها بالوحى تصير قضية إسلامية.

ومن عجيب أمر هذا الوحى أنه يخبر عن كل ما ليس فى طاقة البشر معرفته بوسائلهم العلمية التى اقتضت حكمة الله أن يجعلها موصلة غلى حقيقة الحقائق وهى الذات الإلهية ولا يجعلها موصلة إلى ما عداها من أمر الملائكة والبعث والحساب..

ومن هنا اتجه البحث لدى الأقوام قديما اتجاها منطقيا حول التحقيق من صدق الرسول المبعوث واتجه الرسل بدورهم إلى تأكيد صدقهم كما كانوا دائما قسة قومهم فى العلم والخلق وفعل الخيرات وبعد البعث كانت المعجزات أسلوبا مطلوبا لنقل مركز الثقة إليهم ريثما يتم تحريك العقول تحريكا ذاتيا. نخلص من ذلك أن سبيل الأمان فى موضوع الإلهيات بالذات هو أن للعقل دوره فى الاستدلال على الله تعالى فقط وألا يتجاوز هذه المنطقة وإلا دخل فى دائرة الظنون والتخمينات.. كما أن للوحى دوره فى تكملة المعرفة بصفات الله تعالى وما يجب وما يستحيل فى حقه تعالى وما يلزم معرفته من جميع حقائق العقيدة والتزاماتها التشريعية.

ولكن هل وعت الفلسفة المثالية هذا الدرس؟... بالطبع لا .. إذ حاولت أن تكمل العلم بالله تعالى وصفاته وصلته وصلته بخلقه عن طريق التخمين والتخيل فجاءت بركان من التصورات الشاذة الغريبة مما أوقع الفكر الإنسانى والسلوك البشرى فى متاهات كثيرة..

وقد ذهب الفلاسفة فى ذلك مذاهب شتى , فمنهم من تصور الله تعالى حالا فى جميع المخلوقات يتبدى فيها’ ومنهم من تصوره ملك على عرش عظيم أبدع خياله فى وصف الأسود الرابضة من حوله, ومنهم من تصوره عقلا محضا أو روحا محضا منعزلا كلية عن خلقه بعد أن بث فى كل شىء ناموسه, ومنهم من تصوره – سبحانه وتعالى – يعلم الكليات ولا يعلم الجزئيات ومنهم من تصوره فكرة مطلقة ما زالت تحاول التعبير عن نفسها من خلال التدريج فى الكائنات إلى أن وصل إلى الدولة ومؤسساتها. إلى آخر الخلط الذى لا يحده حصر .. ومثل ذلك عن الروح والبعث والجزاء والخير والشر...

فماذا كانت النتيجة؟

كانت النتيجة أن انعقدت حياة الناس وتقاذفتها شتى الاتجاهات واضطراب السلوك واضطربت معه العلاقات والقيم فمن إفراط فى السلبية فى ظل مثالية أفلاطون التى دعتهم إلى هجر عالم الحس غلى عالم الخيال والمثال, إلى إفراط فى الإيجابية التى تعطى الإنسان سلطان فى الأرض فى فلسفة نيتشه.

فكان من الطبيعى أن يكون لذلك كله رد فعل قوى فى صورة التفكير المادى الذى لا يؤمن إلا بالطبيعة الملموسة المحسوسة وينكر ما عداها ويرى فى إشباع الملذات قيمة عليا.. ولم يفطن هذا الفكر المادى إلى الفصل بين أصل القضية الصحيح وهو وجود الله.. وبين ما أحاط بها من انحراف المثاليين فوقع فى خطأ رفض القضية ككل بجميع تعاليمها..

وهكذا تناوب الاتجاهات التفكير الأوروبي والحياة الأوربية عموما... أحدهما الجانى والثانى هو ثمرة الجريمة والاتهام طبعا موجه إلى مختلف أنواع التفكير المثالى.. لكن أين كانت الكنيسة من ذلك كله؟؟..


الحلقة السادسة: أين كانت الكنيسة .. فى خضم التيارات الفلسفية؟

. الوثنية طمست إشراق المسيحية

. الخرافة .. طريق المادية والإلحاد

. موجة إيمان جديدة ... تعمر العالم

قد رأينا كيف كانت أوروبا مسرحا لتيارين من الفلسفة: المتالية والمادية وكيف كان المثالية هى المسئولة عن ظهور تيار الفكر المادى كرد فعل لشطط المثالية فى متعلقات قضية الإلوهية.. وأن القصة قديمة قدم الفكر اليونانى نفسه وحديثه حداثة الفكر البشرى المعاصر ذاته بمعنى انها قضية كانت .. ولا زالت.. وستظل ما وجد فريق من العلماء يقفون عند حدود الاستدلال على وجود الله تعالى , ثم لا يفهمون أن لهذه الحقيقة مستلزماتها من ضرورة الوحى كقضية منطقية به يتم العلم البشرى فى جميع قضايا العقيدة وكليات الشريعة وكل ما يهدى البشرية سواء السبيل وإلا – إذا حرمت الوحى أو حادث عنه – تردت فى شحطات المثالية على اختلاف صور هذا الشطحات تبعا لاختلاف المستويات العلمية.. فتكون الأزمة ويكون رد الفعل قاسيا فى صور أفكار مادية لا تقف عند حدود قضية الإلوهية لتبحث من جديد عن طريق, بل يسوقها الغضب المعمى غلى رفض القضية ككل مرة أخرى.

هكذا كان ينقلب الفكر فى أوروبا بين نارى المثالية والمادية كالمستجير من الرمضاء بالنار.. فأين كانت الكنيسة من ذلك كله؟

اما عن الكنيسة فقد تاهت فى هذا الخضم من التيارات الفلسفية؟!

صحيح أنها ورثت بلاد الأغريق والرومان ولكنها ورثت معهما أوزارهما فقد أصاب عقيدتها شرور الاتجاهين المثالى والمادى على السواء.. فظهرت عقيدة التثليث وتقديس الصور والمخلفات وحوت الكتب المقدسة أفكار عن الكون والحياة من وضع الشراح المتأثرين بالتيارات الفلسفية اعتبرت فيما بعد نصوصا مقدسة لا يمكن معارضتها, وفى هذا يقول الكاتب الأمريكى درابر فى كتبه" الدين واعلم" :" دخلت الوثنية والشرك النصرانية بتأثير المنافقين الذين تقلدوا وظائف خطيرة ومناصب عالية فى الدولة الرومانية بتظاهرهم بالنصرانية, ولم يكونوا يحفلون بأمر الدين ولم يخلصوا لها يوما من الأيام, وكذلك كان قسطنطين, فقد قضى عمره فى الظلم والفجور ولم يتقيد بأوامر الكنيسة الدينية إلا قليلا فى آخر عمره سنة 337م. إن الجماعة النصرانية وإن كانت قد بلغت من القوة بحيث ولت قسطنطين الملك لكنها لم تتمكن من أن تقطع دابر الوثنية وتقتلع جرثومتها وكان نتيجة كفاحها أن اختلطت مبادئها ومنشأ من ذلك دين جديد تتجلى فيه النصراينة والوثنية سواء بسواء".

وظلت العقيدة النصرانية تتلبس بالخلافات السياسية والعنصرية والطائفية تلبسها بالأساطير الوثنية والتصورات الفلسفية حتى وقعت الانقسامات فيما بينها واليكم مثالا لذلك.

- قالت فرقة : إن المسيح إنسان محض.

- وقالت فرقة: أن الأب والأبن وروح القدس إن هى إلا صور مختلفة أعلن الله بها نفسه للناس. - فالله – بزعمهم – مركب من أقانيم ثلاثة, الأب والابن والروح القدس( والإبن هو المسيح) فانحدر الله الذى هو الأب فى صورة روح القدس وتجسد فى مريم إنسانا وولد منها فى صورة يسوع.

- وفرقة قالت: إن الأبن ليس أزليا كالأب بل هو مخلوق من قبل العالم ولذلك هو دون الأب وخاضع له.

- وفرقة : أنكرت كون روح القدس أقنوما.

- وقرر مجمع نيقية سنة 325م ومجمع القسطنطينية سنة 381 م أن الأبن وروح القدس مسا وللأب فى وحدة اللاهوت, وأن البن قد ولد منذ الأزل من الأب وأن روح القدس منبثق من الأب.

- وقرر مجمع طليطلة سنة 589م بأن روح القدس منبثق من البن أيضا. فاختلفت الكنيسة الشرقية والكنيسة الغربية عند هذه النقطة وظلتا مختلفين . كذلك ألهت جماعة منهم مريم كما ألهوا المسيح عليه السلام.

هذا و ما آل وضع الكنيسة ويعتبر القرآن الكريم, كما قال مؤلف " المثل الأعلى للأنبياء". هو أول وثيقة تاريخية أشارت إلى تأثر النصرانية بالأفكار الفلسفية فى عقيدة التثليث بعد أن كان مظنونا أن التثليث قضية نصرانية محضة , ذلك فى قوله تعالى :" وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل".

ومع ان الكنيسة ظلت صاحبة السلطات الظاهر فى أوروبا لفترة طويلة إلا أن السلطان الخفى والحقيقى كان لهذه الاتجاهات الفكرية , المثالية والمادية على السواء بما تركت من تأثير كبير فى معتقدات الكنيسة انسحب أثره على الحياة بأسرها وعجل بنهايتها أمام زحف العلم القادم من الشرق.


عصر النهضة .. عصر التنوير.. عصر الإنسان وأزمة الكنيسة:

كلها أسماء أطلقت على الفترة التى بدأ غزو الحضارة الإسلامية لأوروبا من جميع مراكز الاحتكاك مع الشرق. فى الأندلس فى الجنوب ايطاليا, فى التجارة والسفارات, وفى الحروب الصليبية حيث وجد الأوروبيون ما عليه المسلمون من وضوح العقيدة وبساطتها ومن ازدهار العلوم وتقدمها, ومن حياة مفتوحة خالية من الحواجز الطبقية, فبدأت سلسلة التأثيرات تتوالى , وبدأت صيحات الحياة ترتفع فى وجه هذا النظام العتيد المتمثل فى الكنيسة والإقطاع.. وشجه بعض الملوك هذه النهضة الفكرية حتى تخلصت العلوم فى النهاية من سلطان الأديرة ووجدت فرصتها فى رحاب الإمبراطور فريدريك الثانى الذى اعتلى عرش ايطاليا والذى كان يلقب بأعجوبة الدنيا والذى كان فى الوقت نفسه متمردا على سلطة البابا, هذا الإمبراطور قام بدور كبير فى التفاعل الثقافى بين الشرق والغرب حيث فتح بلاطة العلماء المسلمين ومفكرهم, وذهب إعجابه بنهضتهم الفكرية إلى حد ادخال تقاليد العرب وعاداتهم فى بلاطه ثم أسس جامعة نابولى سنة 1224م, حيث كانت تدرس فلسفة ابن رشد وفلسفة أرسطو المنقولة بواسطة المتآجمين المسلمين واعتمد فى هذه الجامعة على الدروس التى وضعها ابن سيناء والرازى وسائر أقطاب العلم والفلسفة من المسلمين.

والإمبراطور فريدريك هو الذى أمر بترجمة فلسفة أرسطو وتعليقات ابن رشد عليها وهو الذى أدخل الأرقام العربية وعلم الجبر إلى أوروبا.. وكانت جامعة نابولى وساليرنو هما النافذتان اللتان تسربت وبولونيا الفكرية غلى جميع أنحاء أوروبا عن طريق جامعات باريس وبولونيا واكسفورد.. هذا مثل واحد بالإضافة إلى نواحى التأثير الأخرى..

وبدأت أوروبا تستيقظ من سباتها لترى واقعها الأليم فى قبضة الكنيسة والإقطاع يتحديان كل عقل وكل منطق للعدل او الإنسانية ويقفان بالمرصاد فى وجه كل تغيير تهب ريحه من الشرق فى الأفكار أو فى الحياة الاجتماعية.. وألصقت تهمة الكفر بالعلماء الذين رفعوا مشاعل العلم ليبددوا بها ظلمات الجهل.

وأخذت المعركة تشتد بين رسل النهضة ورجال الكنيسة والإقطاع وحمل الينا التاريخ أروع قصص البطولة والداء من جانب, وأخس أنواع العذاب الذى تعرض له المفكرون الأحرار من جانب آخر.. وحمى وطيس المعركة وزادتها دماء الأحرار اشتعالا.


حلف المثالية والمادية ضد الكنيسة:

نشطت أولا الاتجاهات المثالية فى الفلسفة تحاول انتزاع سلطان الكنيسة وتحرير المعتقدات من قبضة النصوص المتحجزة.. وللضعف الطبيعى الكامن فى منهج الفلسفة المثالية على ما سبق ذكره فقد ذهبت تتخبط فى متاهاتها القديمة ولكن بأساليب جديدة تتناسب وعصر النهضة وكانت على العموم فى مركز أحسن من مركز الكنيسة يسمح لها برفع راية الهجوم عليها نظرا لتاريخها الطويل الأليم ورصيدها السئ فى النفوس..

وكانت الاتجاهات المثالية عموما تسير فى اتجاهين:

(أ‌) اتجاه مثالى يؤيد الدين ويطالب بنبذ ما أدخلته الكنيسة والاعتماد على الكتاب المقدس وحدة والعودة بالمسيحية إلى بساطتها الأولى .

(ب‌) واتجاه مثالى آخر جعل السلطان للعقل وحده بصرف النظر عن كل ما جاء فى الكتب المقدسة.

ودخلت الفلسفة المادية المعركة بجوار الاتجاه المثالى من نافذة المنهج التجريبى فى العلم. ذلك أن المنهج التجريبى انتزع من الفلسفة المثالية بشقيها كافة الفروع التى كانت تختص بها وتدرسها دراسة نظرية وخاصة جميع العلوم التى لا تتعلق بالإلهيات, وكان ذلك استجابة للروح العلمية التجريبية التى كانت سائدة بين علماء المسلمين مما جعل هذه العلوم تتقدم على أيديهم تقدما كبيرا حتى أن الرازى وهو من علماء المسلمين فى الطب كان يلقب بالمجرب, وكان رائد الأسلوب التجريبى هو بيكون الذى يعتبره إقبال رائدا من رواد العلم والمنهج الإسلاميين إلى أوروبا المسيحية, والمعروف عنه أنه كان يجيد اللغة العربية.

المهم أن الناس بدأورا يضعون أقدامهم على أرض ثابتة بعد أن وجدوا من الجرأة ما شجعهم على أن يلمسوا بأيديهم ويختبروا بأنفسهم ما كانوت يعالجونه طويلا من خلال الفكر النظرى وحده. وهالهم اختلاف النتائج بين ما تسوقهم إليه الأبحاث العلمية وبين ما تحت أيديهم من معلومات وليدة الدراسة النظرية التقليدية بل وصل الأمر إلى حد أن تناقضت النتائج لعلمية مع باقى بطون الكتب المقدسة من معتقدات, فبدأ الشك فى العقائد الموروثة يتطرق إلى إلى القلوب وسهل من أمر الشك ما لرجال الكنيسة من رصيد سيئ فى النفوس وانتشر الافتتان بلاعلم وبكل ما تدركه الحواس, وهوجمت كل العقائد التى لا تأتى من هذا السبيل, وحظيت الكنيسة بالقسط الأوفر من هذا الهجوم.. أليس أن أحد شعارات الثورة الفرنسية:" اشنقوا آخر ملك بإمعاء آخر قسيس".

ومن هذه الثغرة دلفت الفلسفة المادية وظهرت إلى المسرح ظهورا سافرا حيث استغلت هذه العداوة بين فروع العلم الوليد والكنيسة واتخذت من عداوة الكنيسة أرضا خصبة لتبذر فيها الشك والإلحاد مؤسسا على دعوى العلم تلك الكلمة التى كان لها سحرها فى النفوس.. واتخذت من الاكتشافات العلمية سلاحا يقوى منطقها ويذرى بمنطق الكنيسة وساعدتها ظروف القرن التاسع عشر على ذلك. ويجعل الأستاذ العقاد فى " عقائد المفكرين" السباب التى عملت فى نشر موجه الشك والإنكار فى هذه الفترة مما ساعد على ارتفاع صوت المادية فى خمسة مسائل:

1- مسألة دوران الأرض.

2- مسألة القوانين المادية.

3- مسألة التطور.

4- مسألة الأديان المقارنة.

5- مسألة الشر وعلاقتها بالقدرة الإلهية.

المثالية والمادية عملتا معا فى جبهة واحدة ضد سلطان الكنيسة إلا أن الأيام باعدت بينهما حيث عمل الاتجاه المادى بعد ذلك مستقلا ضد الاتجاهات المثالية عموما أى ضد الكنيسة والفلسفة المثالية معا. باعتبار ذلك كله تفكيرا مثاليا من زاوية المادية ساق الناس إلى متاهات فكرية أورثتهم الحيرة والشطط وباعدت بينهم وبين الواقع المحيط, أليست المادية هى دائما رد فعل المثالية وهى التعبير عن أزمتها؟

وقد مال الفكر فى القرن التاسع عشر إلى الاتجاه أى إلى سيادة الطبيعة على العقل والدين وإلى استقلال الواقع كمصدر للمعرفة اليقينية إزاء الدين والعقل.

وتميز القرن التاسع بأنه عصر" الوضعية" وكان على أثر اندفاع أوربا – ورأي بيكون – أن ظهر الفيلسوف الفرنسى" كومت" فى القرن التاسع عشر ( 17981857) فأسس المذهب الوضعى وهى فلسفة لا تعتبر شيئا حقيقيا وواقعيا إلا ذلك الموضوع الوضعى الذى جاء أثر التجارب الحسية وأمكن اختياره بالحس.

والطبيعة, والحقيقة , والواقع, والحس كلها سواء فى نظر الوضعيين واعتبار الطبيعة هى التى تنقش الحقيقة فى ذهن الإنسان وما يأتى من خارج الطبيعة وهم خداع وليس حقيقة. وما يتصوره العقل من نفسه وهم وتخيل للحقيقة وليس حقيقة.

وبناء على ذلك فالدين وما فيه من وحى ( ما بعد الطبيعة) خداع والمثالية العقلية وهم لا يتصل بحقيقة هذا الوجود الطبيعى إذ هى تصورات الإنسان عن نفسه من غير أن يستلهم فيها الطبيعة المنثورة التى يعيش فيها ويدور حوله. أن عقل الإنسان – أى مافيه من معرفة – وليد الطبيعة التى تتمثل فى الوراثة والبيئة والحياة الاقتصادية والاجتماعية, أنه مخلوق ولكن خالقه الوجود الحسى... أنه يفكر ولكن عن تفاعل مع الوجود المحيط به, أنه مقيد مجبر وصانع القيد والجبر هو حياته المادية , وليس هناك عقل سابق كما أنه ليست هناك معرفة سابقة للإنسان . عقل الإنسان ومعرفته يوجدان تبعا لوجود الإنسان.. هما انطباع لحياته الحسية المادية

وطريق الإنسان فى حياته الطبيعية يبتدئ بالفرد وينتهى بالجماعة ومن ثم فالفرد نفسه ليس غاية, وحياته التى يعيشها ليست هدفا لسعيه, إنما غايته الأخيرة التى يجب أن يسعى إليها الجماعة عى غاية الفرد الأخير فهى معبودة وتذهب حريته لتبقى لها الحرية وتفنى الحرية وتفنى حياته لتبقى لها حياتها.


ماركس وانجلز وسط العواصف:

وفى داخل المذهب الوضعى تتدرج صور التفكير المادى, وقد تأثر ماركس وانجلز بمادية فيورباخ, ويقول انجلز:" إن مسألة علاقة الفكر بالكائن أو علاقة العقل بالطبيعة هى المسألة العليا فى كل فلسفة.. وكان الفلاسفة تبعا لإجابتها على المسالة ينقسمون إلى معسكرين كبيرين, فأولئك الذين كانوا يؤكدون تقدم العقل على الطبيعة ينتمون إلى مختلف مدارس المادية".. وتتابعت أقوال ماركس فى هذا الاتجاه فنراه يقول" أن الأفكار لا يبتدعها دماغ الإنسان... وهذا الدماغ ليس إلا " مادة" دقيقة التركيب وهو جزء من الجسم يعكس مؤثرات العالم الخارجى " ويقول :" إن وحدة العالم لا تقوم على وجوده بل وحدته الحقيقية تقوم على ماديته..

فإن قيل وما شأن الفكر والشعور ومن أين جاءا؟! قلنا أنهما ثمرة المخ وأن الإنسان نفسه ثمرة الطبيعة"... ومن بعد ماركس قال لينين:" أن لوحة العالم هى لوحة تبين كيف تتحرك المادة وكيف تفكر المادة".

هذا هو الجو الفكرى والإجتماعى العاصف الذى انزوت فيه الكنيسة وسقط الإقطاع وفشلت الاتجاهات المثالية وانتشرت الفلسفات المادية التى كان أبرزها المادية الجدلية على يد ماركس.

ولقد شاهد ماركس نهاية عصر مملوء بالأسى وبداية عصر متفتح بالأمل.. واختار أسلحة العصر التقليدية على رأسها المادية وقد تأثر بمادية فيورباخ وجدل هيجل وصاغ منهما فلسفة مادية متماسكة ولذلك يقولون:

لو لم يوجد هيجل وفيورباخ لما وجد ماركس.. ومن ثم فلسفة المادية لم تخرج عن الصورة الفكرية الشائعة فى عصره.. ورغم أن ماركس حاول فى بادىء الأمر أن يطرح عن الفلسفة مهمة التفسير أى مهمتها كمذهب يعالج مجموعة من القضايا حول الإنسان والعالم والمصير وأن يقصر وظيفتها على التغيير أى على قيامها بمهمتها كمنهج يرسم طريقا للتفكير والعمل فقط إلا إنه لم يستطع وراح يدلى بفلسفة قائمة على التفسير حيث أدلى بمجموعة أقوال عن الإنسان والعالم والمصير.. وهذا يؤكد القول القائل بأن الإنسان لا يملك أن ينعزل عن أن يكون له نوع اعتقاد فى الحياة من حوله .. وكون ماركس لم يخرج فى مجموع فلسفته عن الصورة الفكرية الشائعة فى عصره يكشف عن نقطة ضعف كامنة فى شخصيته لأنه لم يبعد فى نظرته للأمور عن الفهم الجزئى... وكان فى استطاعته أن يكون أكبر من ذلك شمولا وأكثر عمقا لو تخير الصواب أنى وجده سواء أكان فى جانب المثالية أم فى جانب المادية.. وكان هذا الصواب يتمثل فى أن مع المثالية نقطة بدء صحيحة وسليمة وهى الإعتقاد فى وجود الخالق جل وعلا, وما عدا هذه الحقيقة المجردة فقد تنكيت فيه بالفعل سواء السبيل.. كما أن المادية دلفت من نقطة بدء صحيحة وسليمة وهى الإعتماد على المنهج التجريبى.. وبين هاتين النقطتين الصحيحتين تأخذ مختلف الحقائق العلمية وضعا جديدا.. ويأخذ علاج القضايا الإنسانية نهجا جديدا لا ينافى حقا ولا يضيع مصلحة.. ولكن ماركس لم يفعل بل لم يستطع فكان فى مجموعه ممثلا لروح العوام الساخطة لا لروح العلماء المدققة المنصفة المرتفعة على الظروف الوقتية.. ولذلك فإن علة الأمر تكمن فى وجوب دراسة نفسيته التى دفعته إلى هذا الاختيار الأبتر.

والفصل الذى خصصه الأستاذ العقاد فى كتابه " الشيوعية والإنسانية" عن حياة ماركس وأخلاقه عظيم القيمة لأنه يفسر لنا نقطة الضعف هذه التى تلبست بعبقريته فأخرجت هذا المولود المشوه: الشيوعية على أساس من المادية... تلك المادية التى تجدها مبعثرة بين كتب" فقر الفلسفة"." فيورباخ ونهاية الفلسفة الألمانية الكلاسكية". " جدل الطبيعة"" الرد على دورنج"...


بيئة ... بيئة:

واليوم تتحمل البشرية كلها أوزار هذه الاتجاهات المنحرفة والقاصرة فى لمثالية والمادية على سواء.. والذى يدعو إلى الدهش أن البيئة الاسلامية قبل موجات الاستعمار قد برئت من هذه الصورة القاسية من الصراع الفكرى والإجتماعى الذى عاشت فيه أوروبا, رغم أنها أرسخ منها قدما فى جميع ميادين العلم... ولا غرابة فى ذلك.. فالفضل يعود لوجود الكتاب والسنة معينا العقيدة الواضحة والشريعة العادلة مما أعطى المسلمين هداية عصمتهم من نهايات أليمة من الشطط والانحراف.. فقد كانوا دائما على ذكر بالمدى الذى يبلغه الإنسان بوسائله العلمية فى أمور العقيدة وبالمدى الذى يبلغه من المعرفة عن طريق الوحى على رسول أمين ولا تعارض بين الوسيلتين.. ومن هنا عاشت الشخصية المسلمة فى مأمن من هذه المتاهة الفكرية التى تعكس أثرها على الأوضاع الاجتماعية.

ولا يؤثر فى نصاعة هذه الصورة ما حدث من تأثير جزئى نتيجة ترجمة الفلسفة اليونانية على بعض الاتجاهات الفكرية التى بدأت تفكر بالعقلية المثالية فى أمر الخالق وصفاته وأفعاله وأمر الروح والبعث والجزاء.. ولكن هذه التيارات ظلت ضعيفة فى خضم التفكير الإسلامى المتزن وفى ظل يقظة العلماء والفقهاء الذين نبهوا إلى نقطة الخطر ونقطة الأمان فى هذا اللون من التفكير الذى لم يجرف إلا قلة لم تترك أثرا على سطح الحياة الإسلامية..

وفيما كتبه الإمام الغزالى وابن القيم وغيرها تذكير بأن محنة الفلسفة جاءت من ولوجها إلى موضوع الإلهيات بلا عاصم من وحى.. وبفضل ذلك كله لم تجد البيئة الإسلامية نفسها فى احتياج إلى قضايا الفلسفة المثالية فى أمر عقيدتها كما لم تجد نفسها متبعة لأسلوبها الوصفى او النظرى فى علوم الطبيعة والكيمياء والطب وغيرها... فهى لم تصد عنه تعصبا وإنما لم يعش بينها لأنه لم يجد فراغا يملؤه ويفرض بعده سلطانه على الحياة..

ومن هنا لم تكن البيئة الإسلامية محتاجة فى أمور عقيدتها حتى إلى اصطلاح الفلسفة فهى غنية بموضوعها وباصطلاحها التى تولدت على أصولها الإيمانية ولم تكن كلمة الفلسفة من بينها وإنما كانت للإشارة إلى فكر السابقين من الأمم التى حرمت نعمة الوحى...

ولم تكد نفس قضايا الفلسفة اليونانية تنتقل إلى أوروبا عن طريق علماء المسلمين حتى صادفت جسما عليلا متقبلا للمرض وصادفت فراغا راحت تملؤه فأضرت أكثر مما أفادت لأنها عملت فى أوروبا كتيارات فكرية أصيلة فى ظل ظروف اجتماعية واقتصادية سيئة فأفسدت من حيث ظنت أنها تصلح وكان لها رد فعل قاس فى صورة الاتجاهات المادية على ما سيق ذكره الأمر الذى برئت منه البيئة الإسلامية.

واليوم ونحن فى القرن العشرين... وموجة الإيمان بالله تتصاعد يوما بعد يوم... وعشرات الكتب التى تبحث فى العقيدة على ضوء التقدم العلمى تصدر تباعا نجد ان الدائرة بدأت تدور على الفكر المادى الذى أخذ يتوارى فى خجل أمام نور الحقائق...

فهل معنى ذلك أن الخطر فى طريقه إلى الزوال حتى لو وضل الأمر إلى انقراض التفكير المادى كله... تجارب التاريخ الطويل تقول لا؟ لأن الاعتقاد فى وجود الله مجردا لا يفى ولا يعصم من الزلل لأن إبليس نفسه لم يكن يجهل وجود الله ولكنه لم يكن يطيعه.. كما أن علمنا بهذه الحقيقة سيحرك فى النفوس كل الأسئلة السابقة عن الله وصفاته وصلته بخلقه وعن الحياة والموت والحساب وعن ما تستلزمه الأوضاع من تغيير. فهل ستترك أنفسنا للتخمينات والظنون وتعود للمثاليات سيرتها الأولى ويعود للحياة ضلالها القديم؟! أم سنسلك طريق الهدى بمعرفة دور العقل وضرورة الوحى. لتأمن ردود الأفعال..؟!

والآن هل الوجود مادة فقط؟! وكيف نشأت الحياة؟!


الحلقة السابعة: القضية الأم.. هى الإيمان بالله

والقضايا الأخرى تتبعها .. منطقيا.. وتسلسلا.. والتزاما

حوار سافر.. تتألق فيه براهن الإيمان وحججه.

الشيوعى يناقش الجزئيات.. والمسلم يرده إلى الأصول!

" هذا الحوار العقلى الحر الذى دار – فى السجون – بين فئة مؤمنة.. وآخرين أخطأوا الطريق إلى الحقيقة... يؤكد – بكل معنى من معانى التوكيد والتثبيت – قاعدة " اليقين لا يزول بالشك".

صحيح أن هذه القاعدة الأصولية وردت فى الأبحاث الفقهية المتعلقة بالعبادات والمعاملات.

وينبغى أن نأخذ هذه القاعدة مكانها فى الدراسات العقائدية..

والفلسفية.. والفكرية..

فاليقين بالله لا يزول بالشك " فى الله شك فاطر السموات والأرض".

إن الإسلام يزدهر .. وبراهنته تتألق من خلال الحوار العقلى الحر.. ولن يهزم الإسلام أبدأ فى مناقشة حرة.

وهذه السلسلة من المناقشات .. كما تبرز أصالة الفكر الإسلامى...

تبرز- من جانب آخر – ضرورة التزام الهدوء.. والإتزان فى النقاش الموضوعى..

فالانفعال أو الهيجان يعصف بسكينة النفس.. وحين تفقد النفس سكينتها.. يفقد التفكير عمقه.. ومن ثم تضعف الحجة"

هل الوجود مادة: وكيف نشأت الحياة!!

أحببنا أن نعرف المدى الذى تبلغه قدرتهم العلمية على الإجابة المحددة على هذا السؤال لإدراكنا قيمة هذه القضية المحورية فى تحديد غيرها من القضايا.. ولا يمكن أن يستقيم منهج حياة يتجاهل هذه الحقيقة بالسلب المانع أو الإيجاب القاطع وأى تجاهل لها معناه ببساطة أننا لم نعد أمام ما يسمى " بالنظرية" بل نكون أمام ما يسمى " بالتجربة والخطأ" وهو نوع من الاختلاجة الفكرية والعشوائية فى التصرفات تدفع الأمم ثمنها باهظا فى الأموال والأنفس والثمرات..

وإذا كان هناك وجه شبه بين الدين والنظرية فهو فى أن كلا منهما قد تكلم فى قضايا الوجود ( الكون والحياة والإنسان) ثم فى المنهج المتولد منها.

وإذا كان هناك وجه خلاف بينهما فهو ذلك الذى يكون بين الأصل الصحيح والصورة الباهتة أما " التجربة والخطأ" فهو مالا أرى له موضعا فى عالم الإنسان والعقائد أن لم أكن أراه بحق جريمة فى حق هذه القضايا .. ولا يخفف من جرمه محاولات ستره تحت اسم " الممارسة العملية " أحيانا..

ومن ثم كان اهتمامنا منصبا على رؤية ملامح النظرية لا أكثر.. وهل صورتها مكتملة الملامح أم أن ما يعتبرونها نظرية هى وجه آخر " للتجربة والخطأ" عليه طلاء علمى. أم أنه ليس ثمة فى الحقيقة إلا الرسالات السماوية فى جانب" والتجربة والخطأ فى الجانب الآخر"؟ كانت هذه الخواطر وراء السؤال الذى وجهه واحد منا إليهم فى جلسة ضمت كل اتجاهاتهم الحزبية..

الأخ: ماذا تقولون عن نشأة الحياة؟

- الزميل : وجدت الخلية الأولى, التى انشعبت عليها سلسلة التطور ,نتيجة تفاعلات كيمائية وبيولوجية فى عصور جيولوجية سحيقة.

- قال من وجه السؤال بعد أن لمس المغالطة.

- لعلك نسيت يا زميل ما سبق أن اتفقنا عليه من التعامل بصراحة تليق بنا ومن البحث المشترك عن الحقيقة.. وليس فينا أحد يهزل عندما صمم على أن يتحمل فى سبيل معتقداته كل التضحيات.. نود أن نلمس روح الجد فى إجابتكم لا روح الدعاية والتلبيس... هذه الإجابة يقينى أنك شخصيا لست مقتنعا بها.. ومثل هذه البداية لا تشجع على الوصول إلى الحقيقة التى تواصينا بالبحث عنها...

" وهنا انبرى أحد الزملاء ملطفا للجو وقد أصبح مستقلا عن التنظيمات فيما بعد".

- يا فلان أنت أمام مجموعة قضوا عمرا طويلا فى السجن إيمانا بمبادئهم .ز ويمثلون واقعا ضخما فى الأمة أرجو أن تقدر ذلك حين تجيب وتقدر أنهم لا يخفى عليهم قصدك.. حافظ على أن يحترموا تفكيرك.. ومع كل يا حضرات الأخوة فظنى أنه لا يجهل ذلك وإنما أراد ألا يصدم مشاعركم الدينية.

- الأخ: من جانبنا , فإنه أسعد لنفوسنا منطق الصراحة لأنه أبعث على سرعة الالتقاء, والأمر بسيط وهو لا يعدو أن لديكم اعتقادا له حججه. ولدينا اعتقاد له حججه.. ونحن الآن تتكلم عن الحجج والأدلة.. أى تتكلم من خلال عقولنا لا من خلال مشاعرنا, أما من يعطل عقله منا أو منكم فله علينا أن نخاطبه بلغة المشاعر..

- مرة أخرى.. ماذا تقولون فى نشأة الحياة... ولا يخفى عليكم أن العلم لم يقل كلمته بعد.. وإجابة الزميل تخمين لا سند له من العلم .. وعندما نقول العلم.. تقصد به قول علماء الأكاديمية الروسية الذين يحاولون منذ أكثر من نصف قرن تخليق الخلية الحية ومعرفة سر الحياة.. لأن هؤلاء العلماء هم الثقاة لديكم.. ولا نريد أن نحتج الآن بغيرهم من العلماء ولا بمنطقنا الفكرى الخاص او الإيمانى.

- الزميل: سنرجع إلى المختصين لدينا فى هذا الشأن لعل عندهم علما فيه..

- أما نحن فإن الاهتمام السياسى يستغرق كل نشاطنا ولا نعطى هذا الأمر اهتماما. ونعتقد أنه عديم الجدوى أو التأثير فى واقعنا . أننا نهتم بالواقع وبمشاكل العمال والفلاحين الراهنة.

ونسترشد بالنظرية فى حلها, وتترك أمر هذه الأمور الغيبية للاعتقاد الشخصى ريثما يكشف العلم عن سرها ويميط عنه اللئام. وبعد فراغنا من حل مشاكل العمال والفلاحين يكون لدينا متسع من الوقت لبحث هذه القضية باعتبارها ترفا علميا.

- أخ: هذا المنطق فيه قصور لا يليق بمن يتصدى لحل قضايا البشر. وإليك وضعك الراهن. فأنت فى السجن. مشاكلك الواقعية المشاهدة هى كل ما يدور داخل أسواره, أما ما يدور خارج الأسوار على مدار الوطن من مختلف النشاطات الاجتماعية والسياسية فيعتبر غيبا عنك. لكن هل يغيب عنك أن بقاءك فى السجن وأن خروجك منه مرتبط بهذا الغيب الذى يؤثر فيه تأثيرا مباشرا؟! وأنه لذلك فأنت تتابع هذا الغيب باستمرار ولا تنعزل عن تياراته. هيا بنا إلى خارج الأسوار لنشارك بملء اختيارنا فى كل أنواع النشاط, فإن ذلك سيكون هو واقعنا المشاهد, أما جميع دول العالم وما يجرى على وجه الأرض من صراع بين الشرق والغرب فيعتبر غيبا بالنسبة لوطننا.. لكن هل نستطيع تجاهل الأثر المباشر للأوضاع العالمية على استقرار وطننا الداخلى, هل تسلك الانصراف عن متابعة ما يدور وراء حدودنا وندفن رؤوسنا فى التراب.

هيا بنا نمشى على مسرح العالم الكبير وننظره نظرة كلية إلى تشابك مصالحه وتفاعل تياراته فإن ذلك سيكون هو واقعنا المشاهد الجديد وما وراء كرتنا الأرضية من أفلاك ونجوم وكواكب وأقمار ومذنبات وشهب وسدم وإشعاعات ومجالات وقوى سيكون غيبا عنا, فهل نستطيع أن نقف منا موقف اللامبالاة ولا نتجه إلى أجواء الفضاء بالدراسات والأبحاث لما كان ذلك من أثر مباشر على حياتنا: وما يلزمنا من تكيف داخل دارنا الدنيا لنتوافق مع النواميس الكونية ولا تتصادم معها.

ابتداء من داخل أسوار السجن إلى داخل حدود الوطن إلى داخل أقطار الأرض فإن تجاهل حلقات الغيب على مدار ذلك كله فيه غفلة وقصور عاجلين وهلاك آجل, وهو على العموم منطق غير علمى ألا يدعونا إدراك ذلك إلى أن تقف من جميع قضايا الغيب موقفا جديا لنقطع فيها باعتقاد فأما يقين له أدلته القوية وأما إنكار عليه أدلته القاطعة. العلم على مدار العصور قد قال كلمته فى هذه القضية بأكثر من أسلوب لمن أراد أن يكلف نفسه فضيلة البحث والإهتمام. فهل فى اهتمامنا بهذه النظرة الشاملة خروج على منطق العلم والواقع.

ألست ترى يا زميل أن درجات التزاوج بين الواقع المشاهد والواقع المغيب تكاد تجعل الغيب شهادة والمشاهد غيبا حسب الزاوية التى ننظر منها إلى جوهر الحقيقة وحسب ما عليه الناظر نفسه من العلم.

الزميل: إذا أردت الحق فإنى أوافقك على أهمية ذلك. ولا نملك أن تتجاهل هذا الأثر, ولكننا جعلنا الأولوية لمشاكلنا الاقتصادية لأنها هى التى نكتوى بها. وبعد ذلك سيكون لدينا الفسحة لاعطاء هذا الجانب ما يسحتقه من الإهتمام.

الأخ: جميل منك هذا التقدير. ولكننا إذا أعطينا غمار الناس عذرا فى أخذهم الأمور بهذا المنطق, فأنت – وقد نصبت من نفسك منقذا للبشرية ومخلصا لها – لا نستميح لك هذا العذر.

فمن أمانة مثل هذا الهدف أن تتزود له بادراك حقائق الكون والحياة الأساسية ليكون ذلك أعون لنا على علاج الدقائق.. كلانا.. نحن وأنتم يهتم بالواقع الذى نعيشه ونوالى تشريحه للوقوف على علله. ولكننا ونحن نشخص الداء أو نسف الدواء. وتتزود بالعلم الكلى لحقائق الحياة وتتسلح بمعرفة جميع مراكز التأثير على الظاهرة محل الدراسة وأنت بمنطقك هذا أنما تتجاهل أهم المؤثرات فى علاج واقعك وفى إعطائك نتائج صحيحة فلا أنت ستصيب فى تشخيصك ولا فى علاجك. فالقصور سيصاحبك فى جميع المراحل.

فكرر قوله أن الإهتمام بالواقع له المقام الأول. وهنا تدخل الزميل الذى استقل عنهم فيما بعد وهو اليوم صحفى لامع, وقد ادرك أى مأزق تردى فيه زميله إليه الكلام فى حدة قائلا: يا فلان.. إنه يطالبك بشمول النظرة, وهو فى هذا على صواب. ومن عجب أن يطالبك بأن تفكر بمنطق فلسفتك وأنت تتهرب منها, إن المادية الجدلية تزودك بقانون الترابط الذى يدعوك وأنت تدرس الجزء أن تضع فى اعتبارك ارتباطه بالكل حتى يكون تفكيرك علميا.. فلماذا تتهرب من ذلك؟

" ولم يشأ أن يزداد الموقف تحرجا إبقاء عليه لجولة أخرى. وقد يستغرب البعض تعاطف بعض الزملاء معنا.. وليس فى الأمر غرابة فقد كنا نعلم أنه ينكر عليهم أمورا كثيرة بحكم نفسيته المتحررة ولأن فى نفسه إشكالات لم تحل فكأنه ينتصر لنفسه لا لنا فى محاولته التضييق على زميله" وهذا كان وراء حرصنا على استمرار وجوده معنا. لم نشأ أن يتحرج الموقف فقال احدنا:

- على أى حال .. حسبنا الآن أنكم أدركتم وقدرتم أهمية القطع فى أمر منشأ الحياة لأننا سنحصل على احدى إجابتين قاطعتين كل منهما بعيدة الأثر فى حياتنا البشرية.

- أما أن يقطع العلم بأن المادة أصل الحياة التى تطورت حتى مرحلة الفكر ولا وجود لقوة أخرى أو شئ آخر غير المادة فيخلو الطريق أمام فلسفتك المادية وما يتفرع عليها.

- وأمما ا، يقطع العلم باستحالة خلق المادة ويكشف عما فوقها من وجود هل هناك غير أحد هذين الاحتمالين؟!

- قالوا: بالطبع لا..

- الأخ: هل نحن على استعداد لتقبل ما يقوله العلم؟!

- الزملاء: بدون شك

- الخ: وحتى يأتى العلم بالقول الفصل – وعلم روسيا طبعا عل نستطيع اليوم أن بجزم بأنه لا شئ غير المادة وأن الحياة منبثقة من تفاعلات كيميائية وبيولوجية فى عصور جيولوجية سحيقة هل تجرؤ على هذا القول وتفتأت على العلم؟

- " فصمت البعض .. وآزر البعض منطقيا وخاصة الزميل(ع.ط) الذى كانت صراحته تنال تقديرنا ونجعله مضرب المثل لزملائه فى جلساتنا لنشجعهم على الإقتداء.. وكان ذكيا أو صادقا إلى درجى أننا لم نسجل عليه موقفا فيه التواء أو زوغان, وكان لذلك أسبقهم إلى القول: كلامكم منطقى ولا غبار عليه.

- الأخ: وما دام العلم لم يقل لا أو نعم – علم روسيا – أليس من الأمانة العلمية ومن الإخلاص للمبدأ أن تسايره فلا تقولوا لا أو تعم فى أمر المادة مثلما لا نطالبكم بأن تقولوا لا أو نعم فى أمر الخالق والروح. وأن تعتبروا أن القول بالمادة فقط صواب يحتمل الخطأ... وأن قولنا بالخالق وبالروح فوق المادة خطأ يحتمل الصواب عندكم؟

- قالوا : ماذا تقصدون من ذلك؟!

قلنا: إن الإنصاف والإخلاص للحق فى ذاته , تدعوكم إلى القول بنظرية الاحتمالات, وهذا أدنى درجات الصدق مع النفس والتمشى مع منطق العلم.. فلا تقطعون بالقول بالمادة فقط بل تراجعون قوانينها دون إصرار على اعتبارها قوانين علمية لا تقبل النقض,انما الصواب أن تقولها أنها قوانين احتمالية.. وأن تدركوا أن كل ما رتبتم على ذلك من نتائج واعتبرتموها علمية, حقيقة أمرها أنها احتمالية. فلا تقولوا التفسير العلمى للتاريخ ولا الاشتراكية العلمية فربما كان العلم الصحيح فى جانب حقائق أخرى.. فهل توافقوننا؟

" فصمت البعض وأزر البعض منطقيا".

فرض بفرض..

واستطرد أحدنا بعد فترة صمت قائلا:

الأخ وعلى ذلك.. فإذا كان القول بالمادة وقوانينها قد انتقلنا به من الميدان العلمى القطعى إلى ميدان الظن والاحتمال ,أنه مجرد فائض يحتمل الخطأ والصواب.. فماذا لو فرضنا أن الحياة أوجدها خالق ... خذوها كفرض.. ولا نطالبكم بمنطقنا فهى عندنا اعتقاد له حججه وبراهينه. فماذا يدخل على منهجكم من تغيير لو صح هذا الفرض؟ وكيف سيكون مركز فلسفتكم المادية وما تفرع عليها؟

وهنا أبى أحدهم أن يغالط فقال:

الزميل: نحن لا نعتمد على الفروض, وإنما تتبع المنهج التجريبى" ويوم أن تجيب تجارب العلوم نفكر.. لأننا نخشى أن يجرنا الفرض إلى الكلام فى الغيبيات.

الأخ: قد سبق أن سلم بعضكم بأن القول بسيادة المادة مجرد فرض وسكت البعض الآخر.. ولا نظن أن السكوت كان لدليل أقوى, ثم أنه أقيم على هذا الفرض الذى يحتمل الخطأ والصواب منهج معين فى الحياة يطبق على كثير من الدول, ألا يكون من حقنا أن تقول أن تقول بالفرض فى أمر الخالق وليس من وراء ذلك ضرر عملى؟.

ثم إن الفرض من الأساليب العلمية التى تلازم التجربة دائما, بل لابد للفرض أن يسبق إجراء التجارب لينير الطريق للباحث. فالباحث عند كل مفترق يقف ليتساءل ويرجع, وما ذلك إلا صور للفرض.. واليك حال الطبيب , لابد وأن تمر بذهنه لحظة فرض لنوع المرض تنقلب إلى تأكيد بعد تمام افحص أو تنتفى.. أننا نطالب بالأسلوب العلمى, ولا نطلب شططا ونعجب كيف لا تأخذ الأمور مأخذا كاملا دون تهيب . ثم ماذا يكون موقفك لو علمت أن ما نطالبك بفرضه هو حقيقة علمية.

وهنا انبرى الزميل (ع.ط) الذى اشتهر بيننا بصراحته وقال .

-اسمحوا لى أن أجيب.

فعلت الابتسامات الشفاه.. ولم يخب ظننا حين انطلق قائلا:

إذا صح هذا الفرض سنضطر قطعا إلى التوقف. لنراجع أنفسنا كثيرا.. إذن وراء الحياة قصد؟ لن تصير المادة هى أصل كل شئ.. سيخلو الطريق للقول بالفكر الأعظم. ستتغير قطعا النظرة إلى الإنسان ودوره فى الحياة.. سيصبح كونه مكلفا أمرا معقولا بل ضروريا حتى ولو كان أصله قردا فعلا, ستنقلب فلسفتنا المادية وما تفرع عنها رأسا على عقب... سيكون سهلا على نفسى أن أصدق بالكتب السماوية وبالرسل والرسالات.. وبعقيدة البعث والجزاء... سأضع فى اعتبارى أمر الجنة والنار, وما يتطلبان من الإئتمار بالمعروف والانتهاء عن المنكر. كل القيم فى الحياة ستتبدل. سأقول بنفسى للناس لقد كنت أجهل أمرا جللا والآن إليكم الطريق القويم.

وعن نفسى فإنها لأمنية غالية أن أطمئن إلى أننى سأبعث لأحيا حياة أبدية فى جنات النعيم.. فعندئذ يهون على أن أقضى هذه الحياة بطولها أو قصرها, على أى وضع مضحيا فى هذا الطريق الجديد بنفس القوة التى أضحى بها فى طريقى هذا حتى ولو هشت طيلة عمرى أضرب بالنعال...

وعقب أحجنا قائلا: والآن نكرر الشكر للزميل(ع.ط) على صراحته المعهودة ولا نطالب بأكثر من النتائج التى رتبها هو بلسانه , وبيننا وبينكم ما يقوله العلم فى هذا السبيل فقد ارتضيناه حكما.

ولعلكم أدركتم بعد هذا الغرض الطيب من زميلكم كيف – لأنا نؤمن بحقائق معينة – كان لنا منهجنا الخاص إزاء كل القضايا الإنسانية.. وكيف أننا لا ننظر إليها بمنظاركم.

" وهنا دوت صفارة العودة من العمل"...

وقبل أن ننصرف نذكر بأننا سنظل نقدر الصراحة والاستعداد لتقبل الحقائق, ونأمل أ يكون ما وصلنا إليه اليوم أساس نبنى فوقه ولا نعيد الكرة من جديد.

كما نذكر بنقط الضعف هذه فى البناء الفلسفي لتولوها العناية اللائقة ولتقطعوا فى هذا الأمر باعتقاد لخطورة ما يترتب عليه من نتائج.

ولم يتسع الوقت لكلام جديد..: وبدأت استعدادات العودة من العمل ..واكتفينا فى هذه الجولة بأن هززنا ثقتهم فى فلسفتهم التى لم يفكروا يوما فى مناقشتها. وقد فتحنا بذلك فيهم ثغرة لها خطرها.. علمنا أنهم بسببها قد عقدوا جلسات استمرت ليلتين فى نقاش متواصل. وقد انفرد الزميل ص.ح أحد زعماء – حزب حدتو – بعمل سلسلة من المحاضرات على نطاق حزبه فى داخل العنبر, وركز فيها على أن قضية الإيمان بالله هى قضية شخصية لا أثر لها على المنهج الجدلى الذى يعتبر منهجا علميا صالحا من خلال أى موقف عقيدى. وسيتضح لنا فيما بعد مقدار ما فى المنطق من بعد عن الصواب.

وفى اليوم الثالث- قصد الزميل المتحرر موقع عملنا قبل أى شخص آخر وملامحه تنطق بالسرور وهو يقول:

- أحمل لكم نبأ عجيبا.ز لقد تحدث أحد رؤوسهم فى ندوة مفتوحة داخل العنبر وأنهى إليهم أنه قد قرأ أحد المؤلفات الفلسفية لعالم ماركسى بعنوان " أصل الحياة" وفيه يقرر المؤلف الماركسى أن هذا الكون أثر من آثار قوة كبيرة لها صفات معينة ثم سكت قليلا وقال:

- وأنا أعتبر هذا تحولا خطيرا فى فلسفتهم... ولا يفوتنى أن أسجل انتصاركم فى الجلسة الماضية بصورة قوية..

- قلنا : حسبنا أنك أدركت معنا قيمة هذا الأساس, وأنه جدير بأن يحظى بالاهتمام.. وأنها نقطة خطيرة فى فلسفتهم إن لم يكن نسفا لها... فل لهم لا ينسوا أنهم فى الشرق مهد الرسالات السماوية والإسلام بصفة خاصة .ز ذلك الدين القيم الذى حرر العقول والنفوس وقام على العلم وكرم العلماء وجعلهم ورثة الأنبياء , ومن الخطأ البين أن يظنوا أنهم فى أوربا حيث وجدت المادية مرتعا خصبا فى سخافات المثالية وخرافات الكنيسة وحجرها على العقول مما تبرأ منه المسيحية السمحة.. ومن الظلم أن نسحب هذه الظروف على منطقتنا قهرا عنها... تلك المنطقة التى قيضها الله دائما لإعادة التوازن إلى البشرية كلما جنحت نحو المادية أو الكهنوتية. ولعل من حسن الحظ أن تجرب الماركسية هى الأخرى نفسها فى هذه البيئة الفريدة لكى تراجع نفسها.

- أما عن انتصارنا فنحن لم نكن أكثر من مستفسرين ثم مذكرين بالأسلوب العلمى ونسجل أيضا لبعض الزملاء روح الصدق والصراحة مما يبشر بأطيب النتائج..

- هذه قصة إحدى الجلسات فى هذا الموضوع وخرجنا من جميعها بأنهم على اختلاف مستوياتهم يشتركون فى هذا الضعف ولا يملك أحدهم أن يجيب.. لكنهم يستغلون سذاجة محدثهم ليوهموه بأن العلم قد قطع فى كل هذه الأمور فى صالحهم.... وإذا ما لمسوه فظنه محدثهم عملوا على التملص وصرف الحديث إلى المشاكل الاقتصادية والسياسية والصراع الطبقى ويطلقون لألسنتهم العنان...

- وجهدنا بعد ذلك فى جلسات فردية وجماعية فى سوق ما وسعنا الجهد من الأدلة العلمية على وجود الله تعالى واهب الحياة والنهم ومنشئ الخلق من العدم.. واعتبرنا ذلك أساسا مهما قبل الدخول معهم فى مناقشة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية لأن جذور هذه لقضايا جميعا ستمتد فى تربة العقيدة عندنا والفلسفة عندهم... وكنا لا نحب أن نخوض جدلا عقينا إذا نحن دخلنا على هذه القضايا دخول أبترا وأسقطنا هذا الأمر من اعتبارنا..

ورحم الله الإمام الأعظم" أبو حنيفة الذى كان على علمه وفقهه الكبير, يخص قصة الإلوهية بوصف يليق بها هو : " الفقه الأكبر".

والآن ... ماذا قال العلم عنها؟!


الحلقة الثامنة: الماديون الجدليون فى واد... وحقائق العلم فى واد آخر

الإنسان ليس من صنع المادة.. لأن المصنوع لا يحيط بصانعه

تراجع الفكر الماركسى... أمام التجارب العملية

كشفت أسئلتنا الاستطلاعية فى الجلسة السابقة عن مدى قدرتهم العلمية فى تفسير ظاهرة الحياة وهم الذين يلخصون مهمة الفلسفة عموما فى عبارة موجزة " التفسير والتغيير" وها هى ذى اليوم تقف عاجزة تماما عن تفسير هذه الظاهرة تفسيرا قاطعا, ورأينا أن كل ما لديهم من آراء فى هذا الشأن ليس أكثر من احتمالات على أحسن الفروض, ومعنى هذا أنهم يقعون فى مزالق المثالية فى التفكير بالتدريج... بإتباع الظن, وإذا فقدت الفلسفة قدرتها على التفسير فمعناه أنها فقدت مهمتها الوحيدة لأن التعبير الذى يعقب هذه المهمة ولا يدخل فى تعريفها حيث تقوم به الإرادة البشرية على ضوء ما وعته من التفسير..

وبهذا العجز عن إعطاء التصورات الكلية الشاملة للوجود والحياة فإنها تتخلى عن مهمتها الأساسية لمختلف فروع العلم الجزئية التى تعالج ظاهرة بعينها لمعرفة قوانينها.

ولم يكن بوسعنا أن نفعل أكثر من إزاحة الستار عن هذه الحقيقى أما أعين الشيوعيين وأن نردهم إلى منطق العلم أمام كل فروع من فروعه على حد’, بعد أن تبيونا أن ما لديهم من تصورات كلية ثابتة شاملة عن الوجود والحياة ما هى فى الحقيقة إلا تخيلات مثالية مرة أخرى كتلك التى نعوها على الفلسفة المثالية من قبل وأنهم لكى يكونوا ماديين حقا عليهم أن ينعزلوا عن الاهتمام بهذه القضايا وهو ما ليس فى مقدور من يدعى أنه صاحب رسالة للبشر تفسر وتعالج الواقع وتوجه المستقبل أن نفعل وإلا عادوا إلى متخصصين بين جدارن المعامل يقدمون الكشف العلمى دون قدرة على تحديد قيمته أو فاعليته فى تيار الحياة المتدقق.. وهذا ما لا يجعل للماركسية كمنهج أى وجود... وقد رأينا فيما سبق كيف أن ماركس قد حاول فى بادئ الأمر أن يطرح عن الفلسفة مهمة التفسير أى مهمتها كمذهب يعالج مجموعة من القضايا حول الإنسان والعالم والمصير وأن يقصر وظيفتها على التغيير أى على قيامها بمهمتها منهج يرسم طريقا للتفكير والعمل فقط إلا أنه لم يستطع وراح يدلى بفلسفة قائمة على التفسير حيث أدلى بمجموعة أقوال عن الإنسان والعالم والمصير. ومن هنا جاء مقتل الفلسفة المادية حيث تؤول إلى شئ غريب, لا هو بقوانين العلم ولا بالفلسفة المثالية الخالصة لتفوق الأخيرة بنقطة بدء صحيحة هى وجود الله وجودا مجردا ثم اتفاقهما معا فيما وراء ذلك من الظن والتخمين.

وإذا ما أخذنا أحد تخمينات المادية أو بالأحرى الماديين مثل تعريفهم للمادة وعرضناه على معطيات العلم الحديث, أدركنا بوضوح أنهم فى واد والحقائق العلمية فى واد آخر.. وأن من أعجب الأشياء التى يكشفها الإنسان الدارس أن هناك من الشعارات العلمية فى خداع العقول ما هو أشد فتكا من الشعارات السياسية فى خداع الشعوب... وأشد من ذلك عجبا قدرة الاثنين على إدعاء التقدمية أمام الناس.

فما هى المادة:

نشأت الماركسية فى القرن التاسع عشر فى ظل التعريف السطحى للمادة " بأنها كل ما تقع عليه الحواس".. ونجح الأتباع والتلاميذ فى مطلع القرن العشرين فى إعطاء الماركسية قدرا من مصل الحياة بعد أن توالت الاكتشافات العلمية وتجاوزت ما تقع عليه الحواس إلى عالم الذرة.. فأعادوا صياغة التعريف بأن المادة: هى الوجود الموضوعى خارج الذهن؟.

واليوم يقف 39 عالما سوفياتيا اشتركوا فى تأليف " أسس الماركسية اللينينية" حائرين بعد أن أفلت جميع التعريفات من أيديهم وفقدت المسلمات النظرية حقيقتها أمام الممارسة العملية من جانب والتقدم العلمى من جانب آخر وهاك مرور سريع على قصة تعرف المادة( معبود الماديي) منذ القرن 19 حتى نهاية القرن 20 قبل أن نرى كيف يكون الاستدلال العلمى على وجود الله تعالى.

إن تفجير الذرة فى القرن العشرين قد فتح الباب أمام تعريفات جديدة للمادة ومحاولات أعمق فى فهمها.. قال أوستو الد بأن :" المادة صورة من الطاقة فحسب" وقال ليبون:" المادة صورة مختلفة من الطاقة" وقال ج .ب.س هالدين:" إن المادة مركبة من بروتونات والكترونات أى شحنات موجبة وسالبة من الكهرباء. فاللوح هو فى الحقيقة مكان فارغ مشتمل على شحنات كهربية مبعثرة هنا وهناك".

وقال هوايتهيد:" إن مفهوم الكتلة فى طريقه غلى فقدان اميتاز الوحيد باعتبارها المقدار الواحد الدائم فى النهاية. فالكتلة الآن اسم لكمية من الطاقة فى علاقاتها ببعض آثارها الدينا ميكية."ويقول ليبيون:" إن عناصر الذرات التى تنحل تغنى تماما , فهى تفقد كل صفة للمادة بما فى ذلك الثقل وهو أكثر صفاتها أساسية.. ذلك الميزان يعجز عن وزنها ولا شىء يستطيع أن يعيدها غلى حالة المادة فقد اختفت فى عظمة الأثير.. والحرارة والكهرباء والضوء تمثل آخر مراحل المادة قبل اختفاءها فى الأثير".

ولكن ما هو الأثير ؟: لا أحد يعرف.. ليس الأثير فيما يقول لورد سالسبورى إلا اسما على الفعل" يتموج". والأثير خرافة ابتدعت لإخفاء الجهل المثقف لعلم الحديث فهو غامض غموض الشبح أو الروح.

ويقول الأستاذ أدنجتون:" ليس الأثير نوعا من المادة فهو لا مادى ومعنى ذلك أن شيئا ما, لا ماديا يحيل نفسه إلى مادة بواسطة بعض الالتواءات, الغامضة أو الدوامات كما سماهم لورد كيلفن. ويصبح ذلك الذى لم يكن له بعد أو ثقل بإضافة أجزاء منه بعضها إلى بعض مادة متميزة ويمكن أن توزن.

ويقول الأستاذ العقاد فى كتاب " عقائد المفكرين" :" حدثت فى السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر حوادث علمية غيرت كل صورة من صور المادة عرفها الأقدمون".

وقد عرف الكيميائيون قبل ذلك أن عناصر المادة أكثر من أربعة وأنها ليست محصورة فى النار والتراب والهواء والماء عرفوا أن ذرة الهيدروجين أخف العناصر ليست هى أصغر جسم من أجسام المادة ينتهى إليه التقدير.. عرفوا الكهرب الذى تحسب ذرة الهيدروجين جبلا ضخما بالقياس إليه.. ثم تقدموا فى معركة الكهرب والذرة حتى أفلتت المادة كلها من أيديهم ولم يبق منها غير حسبه رياضية .. حسبة رياضية كانوا يحسبونها مثلا فى الدقة والضبط والعصمة من الخلل فإذا هى فى النهاية حسية لا يضبطها الحساب إلا على وجه التقريب.. أفلت من المادة كل شىء ثابت أو كانوا يحسبونه مضرب المثل فى الثبوت والحقيقة.

فاللون من الشعاع.. والشعاع هزات فى الأثير.. والوزن جاذبية والجابية فرض من الفروض والجرم نفسه متوقف على الشجنة الكهربية وعلى سرعة الجسم فى الحركة ونصيبه من الحرارة.. والحرارة... ما هى ؟ حركة .... والحركة فى أى شئ؟.... فى الأثير.

والأثير ما هى؟ فضاء أو كالفضاء.. وكل وصف أطلقته على القضاء فهو بعد ذلك مطابق لأوصاف الأثير.

حتى الصلابة التى تصدم الحس أصبحت درجة من درجات القوة تقاس بالحساب, ويعلم الحاسب أنه حساب قابل للخطأ والاحتلال فهذه الصخرة القوية صلبة جامدة.. يضربها الضارب بيده فترده فيقول: نعم هذه هى الحقيقة التى لا مراء فيها.. فماذا لو كانت يده أقوى ألف مرة أو ألف ألف مرة من يد الإنسان القوى بالعضل والعصب؟ إن حققة الصخرة تفقد تحت يده برهانها فلا يحسه ولا يتحدث عنه كما يتحدث عن الحقائق التى تصدم المفكرين..

وتقدم العلم بالكهرب والذرة مرة آخرى فإذا بالمادة كلها كهارب وذرات وإذا بالذرات تنفلق فتنطلق شعاعا كشعاع النور.. هل هذا الشعاع موجات ؟ هل هو جزئيات؟ قل هذا أو قل ذاك فهذا فى ميدان التجربة سواء.

وعاد العلماء التجريبيون إلى القوانين الطبيعية التى تحكم الحرارة والحركة والضوء وكل ما فى عالم المادة من كهارب وذرات فوجدوا لها قانونا واحدا هو " الخطأ والاحتمال".. ومن القول الجزاف اليوم أن يقال أن محسوسات المادة هى وحدها الوجود الحقيقى وإن المتكلمين عن أصول المادة يأتون بشئ أثبت من الكلام عن الأرواح والمجردات"

ويقول ليكونت دى نوى فى ( مصير البشرية ص16)"... أن بعض التعايير كالحقيقة العلمية يجب أن تؤخذ بحدود ضيقة وليس بالمعنى الحرفى كما يظن العامة.. فليست هناك حقيقة علمية بالمعنى المطلق.

والقول المعروف: السير نحو الحقيقة بواسطة العلم, قول باطل فهناك فقط مجموعات من الإحساسات التى وجدنا بالتجربة أنها تتبع بعضها البعض بترتيب معين,والتى تدعى أنها ستتوالى على نفس النمط فى فترة مستقبلة محدودة تلك هى روح حقيقتنا العلمية."

" وإذا كان العالم فى القرن التاسع عشر لديه الجرأة الكاملة ليقول: إن الحالة أ تتبع الحالة ب والحالة تتبع الحالة ح فإن العالم فى القرن العشرين أكثر تحفظا وأقرب إلى التواضع منه إلى الغرور ولا يجزم بشئ وإنما يستطيع أن يقول أن الحالة أ قد تتبعها الحالة أما ح أو د. وقد يستطيع أن يقول أن د أكثر احتمالا من ب , ج ولكن لا يحدد أيها التى ستقع".

يقول ج برونوفسكى" هذا هو الرأى الانقلابى للعلم الحديث, وقد استبدلت فيه نظرة النتيجة الحتمية بفكرة الاتجاه المحتمل," العلم والبداهة ص 200".

والآن.. نعود على استحياء إلى سؤالهم التقليدى.. أيهما أسبق للفكر أم المادة؟

لقد تبين من العرض السابق إن الحواس هى أبطأ أدوات المعرفة ولذلك يشترك فيها الحيوان وبعض النبات مع الإنسان فى إدراك البيئة المادية من حوله. ثم لم يكن مفر من العقل كأداة أرقى فى المعرفة حتى انتهى به رؤيته للمادة إلى حافة الأثير عندما خرج عن كل صفة معروفة من صفت المادة ولم يبق إلا حسبه رياضية لها دلالة كبرى وهى أن الإنسان ليس من صنع المادة لأن المصنوع لا يحيط بصانعه, والإنسان أحاط بصور المادة وخرج بها إلى دائرة أوسع منها هى دائرة الأثير. بل إلى عمليت رياضية فكرية فى قدرة الإنسان أن يحتويها وهذا لا يتأتى إلا إذا كان فى طبيعة الإنسان شىء يعلو على مكونات المادة.. شئ مفارق لكل خصائصها المعروفة.. وإذ تحولت المادة إلى حسبة رياضية يحتويها الفكر فإن ذلك يجعل المنطق القائل بأن المادة اسبق فى الوجود على الفكر فى مأزق علمى شديد التناقض مع معطيات العلم الجديد. وفى مأزق أشد حرجا مع مسلمات الماركسية التى قامت على أساس صحة هذا الافتراض وما ارتبط به بعد ذلك من مصالح سياسية كبرى وما أشد محنة العالم حين يقف حائرا بين دواعى السياسة وأمانة العلم..

وهذه الحيرة أوضحت ما تكون على مدار كتاب " أسس الماركسية اللينينية" الذى اشترك فى إخراجه 29 عالما سوفياتيا سنة 1963. وفى موضوعنا هذا من علاقة الفكر بالمادة بما ينقض المادة الجدية من أساسها, ولم يكن بد من هذا المصير,, فنجدهم يقولون:" إن النشاط الذهنى أو الفكر خاصة مميزة للمادة ولكنها ليست شكى من أشكال المادة. وفى المسألة الأساسية فى الفلسفة يطرح الفكر كضد للمادة, والروح كضد للطبيعة فالمادة هى أى شئ يوجد خارج العقل ولا يتوقف عليه وبالتالى يكون من الخطأ الجسيم اعتبار الفكر جزءا من المادة, وفى الوقت الحالى يعتبر التوحيد بين الفكر والمادة من مفاهيم المادة المنحطة".

إذن لقد وصف العلماء السوفيات أنفسهم الفكر المادى للقرن التاسع عشر الذى قامت الماركسية على أساسه والذى يسوى بين المادة والفكر ويعتبر الفكر شكلا متطورا من أشكال المادة يعكس الوسط المادى. وصفوا هذا القول بأنه مفاهيم مادية منحطة.. فهل معنى ذلك أنهم يقولون بانفصال الفكر عن المادة؟

نجدهم يتناقضون ويحاذرون من هذه النتيجة أيضا إذ يقول مؤلفو " أسس الماركسية اللينينية": إن الجدلية المادة نرفض أى فصل بين الفكر والمادة إذ هذا الفصل يعنى فى جوهره العودة إلى وجهات النظر الجاهلة البدائية عن تاريخ الإنسان. عندما كانت كل الظواهر الحياة تفسر بأنها راجعة غلى الروح التى كان يفترض أنها تدخل الجسد".

إذن فهما متصلان منفصلان, وتلك مشكلة جاء حلها فى " أسس الماركسية اللينينية" على الوجه التالى:" إن حل المشكلة السيكوفسيولوجيه أى مشكلة العلاقة بين النشاط العقلى وجهازه أى المح( وهو عضو مادى فسيولوجى)يجب أن نظر فيه إلى كل من الاختلاف والاتصال بينهما أنه لمن المهم أن نعى الخلاف بينهما لن الوحدة بين المادة والفكر تؤدى إلى الغموض غير أنه من ناحية أخرى ينبغى فصل الوعى عن المح لأن الوعى وظيفة المخ".

كل هذا العنف و الجهد هو فى مجال البحث عن العلاقة المتبادلة بين الفكر والمادة, وهل الفكر مجرد انعكاس أم يعمل بطريقة فيها تميز. أما مشكلة أيهما وجد أولا, المادة أم الفكر, فقد صرف مؤلفو " أسس الماركسية اللينينية" النظر عن القطع فى هذه القضية, وذلك فى قولهم " ابتدع ماركس وانجلز الجدلية المادية خلال صراعها قد تغير بعد هذا المتيافيريقية للطبيعة التى تنكر التطور. غير أن الوضع قد تغير بعد هذا ففى النصف الثانى من القرن التاسع عشر انتشرت فكرة التطور( بفضل نظرية داروين) وفى الوقت الحالى يقوم الصراع بين الجدلية والميتافيزيقية بصفة رئيسية حول معرفة كيف تفهم التطور وليس حول ما إذا كان هناك تطور".

ونسوا بذلك أن تنازلهم عن الإصرار على أن المادة أوى سيفقدهم المقدرة على أن المادة هى المؤثرة الحاسم فى عملية التطور وأن ذلم مقدمة لمزيد من التراجع.

وأخذوا يتراجعون خطوة وراء خطوة بعد أن تخلوا عن البحث فى أولوية المادة والفكر ثم بعد أن تخلوا عن البحث عن أولوية التأثير المتبادل بينهما.. وانتهوا إلى الوقوف عند النشاط انسانى فنجدهم يقولون" إن النشاط المادى للإنسان تقيض نشاطه الذهنى. غير أن هذين النقيضين يتداخلان كل فى الآخر ويؤلفان وحدة ذات وجهين للحياة الاجتماعية غير قابلين للانفصال ومتفاعلين".

أى أنه يلزم أخذ النشاط الإنسانى " كوحدة من المادة والفكر" فبدون هذا لا يمكن معرفة حركة القوانين التى تحكم هذه الوحدة ولا حركة التطور ذاته الذى تتم معرفته خلالها.. وهنا نعود من حيث بدأنا لنقف أمام منهجين:

(أ‌) أما أن تتبع ما انتهى إليه الفكر واكتشفه أى إلى اتباع أحكام " النظرية".

(ب‌) وأما أن نأخذ ما يؤدى إليه الإدراك الحسى فتلقى بأنفسنا فى متاهة التجربة والخطأ.

ولقد قال لينين من قبل فى الجزء 14 من كتاباته:" الممارسة الفعلية يجب أن تكون الأساس الأول فى نظرية المعرفة".. وهذا معناه أى حتى ولو جاءت الممارسة على غير مقتضى النظرية. وهذا أيضا ما انتهى إليه مؤلفو " أسس الماركسية اللينينية"" مع فارق جوهرى هو إن لينين كان يعتقد فى صحة النظرية وإن كان يرى تقديم الممارسة الفعلية عليها. أما هؤلاء فقد قضت تحليلاتهم على أسس النظرية ذاتها وتلاشت تماما فيما أسموه بالممارسة الفعلية وهو التعبير المهذب" التجربة والخطأ" " كرة أخرى.." وهذا كله معناه لا يوجد شئ اسمه النظرية , وإنما هو دائما منهج التجربة والخطأ فى مرحله المختلفة منذ أن ظهر فى شكل المادية الجدلية إلى أن انتهى إلى شكل الممارسة الفعلية.. اللهم إلا إذا أعطينا وصف النظرية لكل فترة من التجربة والخطأ, على أن يكون مفهوما أن كل فترة لها نظرية جديدة ولا توجد نظرية واحدة على مدار الفترات جميعا تقوم بدور الموجه الكبير فى عملية التفسير و التغيير الذى يأخذ وصف الفلسفة.

نعود من هذه الجولة باعتذار إلى القارئ العادة عما نكون قد تسببنا فيه من تعب نفسى لكل هذه التعقيدات اللفظية. وكان لابد لنا أن نرى كيف يفكرون, وكيف أنهم لم يتخلوا عن الفلسفة المثالية التى نعوا عليها شطحاتها.

وسوف نرى فى الحلقة القادمة أن الأمر أبسط من ذلك بكثير وأن لنا أسلوبنا السهل فى الاستدلال على قضية الألوهية.. تلك القضية التى تتجلى عظمتها فى بساطة التدليل عليها والاطمئنان إليها من خلال كل المستويات الفكرية, وخيرا أراد الله لنا أن أبعد عنا كل هذه الشقشقات اللفظية فى فترة السجن وأثناء الندوات حيث كان الفكر ينطلق صافيا بلا حواجز فلسفية من هذا النوع الذى رأيناه. ومع هذا فقد رأينا كيف تبخر الحجر الأول من المادية الجدلية حول ما هى المادية وما علاقتها بالفكر. بقى علينا أن نقدم فى الحلقة القادمة شواهد وجود الله سبحانه وتعالى من مبسوط خلقه حولنا لكى نرى ما تؤدى إليه هذه الحقيقة من نتائج حاسمة سبق أن رتبها الزميل الصريح بلسانه فى ختام الحلقة السابقة, وعلينا أن نتذكر كل ما قاله جيدا لأن فطرته نطقت بملامح منهج جديد محوره قضية التوحيد


الحلقة التاسعة: البلاغ المبين.. بالحجة والسلوك .. معا

- المداخل إلى النفس البشرية.. متنوعة.. زمانا... ومكانا.. وإستعدادا

- اليقين... من خلال دراسة الظاهرة المرئية

- وفى مقام اليقظة نرى الأشياء رؤية.. أدق وأجمل

خرجت مشغول الخاطر إلى طابور صباح الجمعة أفكر فيما يمكن أن يقال – مع مطلع أسبوع جديد من اعمل – فى قضية إثبات وجود الله تعالى بأسلوب علمى يتقبله ويقتنع به الجميع.. فإذا كنا قد ألفنا تناول هذه القضية وسط المؤمنين بها عادة على سبيل الإضافة إلى هذه الحقيقة المستقرة فى القلوب بما يزيدهم بالعلم وضوحا وبالعمل استقرارا فنحن اليوم أمام من ينكرونها أصلا, ليس ذلك فحسب بل ويترصدون لكل حجة ولكل منطق بل ربما كابروا وجادلوا فى الحجة القوية, فهم لا يعنيهم أن تطمئن أنت إليها قلبيا بطريقتك الخاصة بل يعنيهم أن تقنعهم بها عقليا فى الدرجة الأولى.. لا شك أنها تجربة جديدة وجديرة بأن تشغل البال كما وأنهم على حق أيضا!!

فهل يشفع لنا إشراق هذه الحقيقة فى نفوسنا إشراق الشمس فى سمائها وأنها لا تحتاج فى حياتنا إلى دليل أسوة بمن قال قبلنا عن الله: ومتى غاب حتى يستدل عليه؟ أو بمن قال : أننا نستدل بالله على وجود الأشياء ولا نستدل بالأشياء عليه!!

وهل يشفع لنا كوننا فى تعامل يومى ومباشر مع الله بما نلمسه من فيوضات ربانية لا تنقطع تؤكد معية الله سبحانه وتعالى لرسله فى دعوتهم وفى محنتهم مع أقوامهم, وتقدم لنا صورة فريدة من تفسير القرى الكريم بإعادة الوقائع فكل ما نمر به اليوم نجده متطابقا مع نظيره فى الصدر الأول, فيزيدنا إدراكا لمرامى الآيات الشريفة, ومشاركة لسلفنا الصالح وربما من الله ويقينا فى مستقبل هذا الدين.

وهل شفعت هذه الحقيقة المشرقة من قبل لرسل الله مع أقوامهم وهم يستغربون موقف الإنكار منهم ويقولون لهم : أفى الله شك فاطر السموات والأرض؟!

ترمومتر " السلوك الفطرى"

نعم كل هذا لا يشفع وكل الأدلة المقنعة لا تشفع, إذا كان فى النفوس حائل أة على قلوب أقفلها.. هذا الحائل يزداد سمكا أو رقة من فرد لفرد ومن وقت لوقت فى الفرد الواحد وهو موجود على الدوام فى حياة المكذبين بالرسل.. هذا الحائل هو " السلوك العملى" نعم السلوك العملى .. ولا غرابة فى الأمر.ز فبمقدار اقتراب السلوك العملى أو ابتعاده عن " السلوك الفطرى" أو " الأخلاق الأساسية" بتعبير المودودى يكون هذا الحائل أخف أو أغلظ.

وقياس حرارة السلوك العملى بترمومتر السلوك الفطرى أمر يهم كل داعية ليعرف أنواع الأمراض النفسية فى الشعوب والأفراد, وأيها من الأمراض البسيطة وأيها من المستعصية.. و‘ذا تعمقنا فى السلوك العملى لأبى جهل وأبى لهب بما كان فيه من غدر والتواء وحقد أعمى, وجدناه منذرا منذ البداية بنهايتها الأليمة... وكان بنو إسرائيل النموذج الغريب لشعب تقتله هذه الأمراض الخبيثة.

وإذا تعمقنا السلوك العملى للذين هداهم الله إلى الإسلام فيما بعد لوجدنا فى ماضيهم السابق على الهداية ما ينبىء عن هذه الخاتمة السعيدة فقد سجل التاريخ شهادة أبى سفيان الصادقة عن الرسول لدى هرقل وما كانت لتحدث من مثل أبى جهل أو أبى لهب. كما سجله له أيضا معرفته لأقدار الرجال فعندما شاع خبر مقتل رسول الله فى غزوة أحد وجاوبه عمر بن الخطاب بنفى الخبر.. قال له : أنت أصدق عندى من ابن قميئة.. ولم يكن ليغيب هذا السلوك العملى بين فرد وفرد من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهو يعرف جيدا الفرق بين خالد وأمية بن خلف وهما على شركهما فنراه يقول : ما مثل خالد يجهل الإسلام.. وإن لخالد لعقلا..

وما كان يلتقى بأحد من رؤوس العرب حتى يبدره بقوله: أأنت القائل كذا.. أأنت الذى تفعل كذا.. فيدرك الرجل أن حياته العملية والفكرية لم تكن خافية عن رسول الله.

فبقدر ما تكون عليه حياة الفرد أو الشعب من خصائص المروءة والكرم والشجاعة والصدق والرحمة والتجرد يكون اقترابه من السلوك الفطرى وتكون خصوبة نفسه استنبات بذور الإيمان فيها.. فإن كان أقرب إلى: " هماز مشاء بنميم, مناع للخير معتد أثيم.." كان أرضا مجدبة يصعب غيها استنبات أى عود أخضر.. إذن فثمة مشكلة أخرى ستقابلنا خلاف المشكلة الفكرية... طبيعتها هذه المرة أخلاقية .. بل أنها ستكون مفتاح صعوبة أو سهولة الإقناع بموازين الفكر..

.. أليس أن هناك من أضلهم الله على علم, وأن هناك من جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا"... فهل سيكفينا فى هذا المقام الإقناع العقلى وحده لكى يتحول بعده تحولا فجائيا من اعتقاد إلى اعتقاد... ربما حدث ذلك للبعض إذا كان وراءه خلفية من السلوك الفطرى ولكن بالنسبة للجميع فستظل أمام نفس المشكلة؟! ولكن كل المشكل مجتمعه لا تعفينا من مسؤولية البلاغ:" فإنما عليك البلاع وعلينا الحساب" " انك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء".

ويبقى لنا من خبرة السلوك العملى تبصرة الداعية بنفوس الناس وبنوع الأرض التى يبذر فيها وأن يصيخ لنداء الحق دائما:" اعلموا أن الله يحيى الأرض بعد موتها"," ليس لك من الأمر شىء".

والتجربة العملية معنا قد أكدت أن الذين تميزوا من الشيوعيين منذ البداية بخصائص أخلاقية كانوا فى النهاية من المسارعين إلى الحق.. وأن الذين أعيانا التواؤهم وتذبذبهم ظلوا على ما هم عليه من الظنون والأهواء .. وتبقى حقائق العلم معلقة فوق رؤوسهم كناقوس يدق لا يعفيهم من المسؤولية مهما هربوا من النور, " ومن يدعو مع الله إلها آخر لا برهان له فإنما حسابه عند ربه.."" والذين يحاجون فى الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد"

فى الزنزانة

وقضينا داخل الزنزانة جلسة خاصة بالأخوة يلتقى فيها الخاطر بالخاطر والفهم بالفهم والقلب بالقلب. فى صدق مع هذه القضية الخالدة التى لا تبوح بأسرارها إلا لمن يستعذب البذل فى سبيلها :"والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا.." ويأتينا صوت صادق.

- أننى أشفق يا أخوة من الهبوط بهذه القضية الكبرى إلى مستوى المجادلة أننى أراها فى حسى أعظم من ذلك.

- أخ آخر: وأنا اذكركم أن وسيلة البشر فى اكتساب الإيمان منذ آلاف السنين هى نفس وسيلتهم بعد آلاف السنين, أنها القلب أو الفؤاد, ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء والمعراج:" رأى قلب ربى" وقال تعالى" أفلم يسيروا فى الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها". وقال جل شأنه فى سورة ق بعد سرد للحياة والتاريخ" إن فى ذلك لذكرى لمن كان له قلب". فلماذا تحضرون القضية فى العقل؟

- أخ ثالث: لا مجال للإشفاق فليس فيما تقوله تعارض مع دور العقل ورسالته وكأنى بك تريد أن تقدم شيئا على شىء .. العقل أم القلب ولا شك أن الإيمان أعظم من أن يدخل على النفس من باب واحد. وأولوية الأبواب تختلف من فرد إلى فرد ومن وقت إلى وقت, ومن مكان إلى مكان. فهناك من تلزمه مسؤولية الفكر, وهناك من يكفيه الإتباع.. وقد يسبق الأخير بعمه أن فقد العمل.

- أخ رابع: غير أن الكمال يتحقق حين يجتمع العقل والقلب مع على هذه القضية. فعندئذ يتزاوج العلم والخلق, يولد الإنسان الكامل على الأرض ويكون العالم المؤمن أشق على الشيطان من ألف عابد جاهل.

- أخ خامس: وقد رأينا كيف ضلت قلوب كان أصحابها لا ينقصهم العلم بالله مثل ابليس , ورأينا كيف يتزلزل إيمان لا يعصمه العلم.. وإذا كان للأولوية بينهما جدوى فإنه لأجدى ما يكون أن تكون الأولوية مع هؤلاء الماديين فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم".. ثم ألستم معى أن قوله تعالى "قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان فى قلوبكم". ألستم معى أن هذا القول الحكيم يكفينا الجدال فى هذا المجال.ز فبالعلم يدخلون الإسلام وبالعمل يذوقون الإيمان.

- وحملت الأيام التالية والجلسات المتفرقة والمجتمعة مع الشيوعيين ترجمة عملية لهذه الخواطر والإفهام.ز بعض هذه الجلسات قد لمست أثره فى النفوس بعد الإفراج بسنوات وبعضها أثقل منه مشهدا حيا للقراء وبعضها قد ربط بين كل ذلك فى تسلسل منطقى كان هو كل ما فى استطاعتنا فى ذلك الوقت, ولنا جولات بينها.. أما عن الأثر الممتد إلى ما بعد الإفراج, فقد جرى على لسان الصديق أحمد كمال أبو المجد, حين سألنى عن أحد الشيوعين الذين كانوا فى الإعتقال.

- أتعرف الزميل" فتحى" الذى كان معكم فى فترة " البعثة"؟

- أعرفه جيدا.. وأعرف أنه اليوم يشغل منصبا صحفيا هاما.

- ما رأيك فيه؟

- إنه دمث الأخلاق مستقل الشخصية هادئ الطبع, وقد كانت له مواقف كثيرة فى مواجهة زملائه كلما عمدوا إلى المغالطة والتلبيس, انتهت به إلى الإستقلال فى مواجهة زملائه كلما عمدوا إلى المغالطة والتلبيس, انتهت به إلى الإستقلال عنهم كتنظيم وأعتقد أنه بمؤهلاته النفسية سيستقل عن الماركسية كفكر مختلف يوما ما.

- هذا ما أتوقعه أنا الآخر بالفعل, ولسؤالى عنه سبب يتصل بهذا التقدير. فأثناء عودتنا معا بالسيارة من السويس إلى القاهرة, بعد جولة فى الإتحاد السوفيتى الإشتراكى قص على أبرز ما تركته فترة " البعثة" فى نفسه وبصفة خاصة ذلك السؤال الحائر الذى يطالعه فى نومه ويقظته, ويقفز من بين أوراق مكتبه حتى وهو غارق فى مواد التحرير وعلى وجه الخصوص كلما مر على شجرة حتى تغص عليه حياته. - ما هذا السؤال العجيب الذى شغلتنى به أيضا؟!

- هذا السؤال هو .. أيم المدير؟!

- فضحكت وقلت زدنى إيضاحا... فالشئ الوحيد الذى التقينا عليه من أول يوم هو كراهيتا لمدير السجن؟! قال: بل هو مدير آخر.. والسؤال عنه جاء من أحد الأخوة المهندسين.. كما علمت من الزميل فتحى.. وقد بقى السؤال معلقا فوق رأسه يدق كناقوس يمنعه من الهروب.. قصته مع الأخ المهندس فى جلسة له مع مجموعة من الشيوعيين أحضر معه شجرة صغيرة من نباتات الصحراء , ولبث يشرح عليها مراحل الإنتاج فى هذا المصنع الصغير منذ دخول المواد الخام من الأنابيب التى نسميها الجذور إلى أفران الصهر إلى غرف التغليف والتعليب, ونجح هذا الأخ بقدرته العلمية فى جعلهم ينسون تماما أنهم أمام عود من النبات واستهواهم شرحه وعلمه ولأول مرة يفطنون أنهم بالفعل أمام مصنع دقيق صامت يضج بالحركة وبالسرعة فى الإنتاج وتفاعلت شحنتا العلم والإخلاص فى نفس المحاضر فخرجت عباراته من القلب واخترقت حائل الألف والإعتياد وزرعت الاندهاش فى النفوس وفجأة دوى صوته العميق.. هذا مصنع كامل تدب فيه الحركة والنظام , فأين المدير؟! ومن يومها وهذا السؤال يطارده كالشبح وخاصة كلما رأى شجرة...

فبعث الله دودة:

اترك هذا المشهد لعود مسرعا إلى حيث كنا فى الزمان والمكان اللذين لم يستنفدا دورهما القدرى بعد, لكى أقدم مشهدا آخر فيه شئ جديد يمتد أثره فى نفسى حتى اليوم وإلى ما شاء الله وكنا نحن الشوعيين معا فى هذا المشهد نشترك فى التتلمذ على معلم عجيب..

ففى يوم قائظ الحر – والصيف سريع المجئ فى الصحراء – دوت صفارات العودة من العمل وتوافد الجميع من كل صوب إلى مكان التجمع... لكن شيئا جديدا تجمله بعض الأيدى.. أنه أعواد نبات السكران ذى الورق العريض يستظل بها صاحبها تارة أو يسلو بخضرتها تارة آخري..

ولم يفطن أحد أنها تحمل نفعا آخر وسرا أكبر إلا بعد جلستنا فى أرض الطابور.. طالت جلسة الإنتظار فوق نصف الساعة. وفى هذا اليوم على غير المعتاد اختل نظام الجلوس بسبب تحلق أعداد من الإخوة والشيوعيين حول أعواد السكران هنا وهناك.. لقد اكتشفوا فيها شيئا جديدا مدهشا راحوا فى متابعته.. أنها دودة سمراء فى حجم دودة القز تتدلى بأعداد كثيرة من أوراق النبات بواسطة خيوط حريرية ديقية.. والأنظار تنتقل من دودة إلى أخرى كأنهم يتابعون أروع الإستعراضات الرياضية... الملامح واحدة والعيون محدقة والأنفاس لاهثة, يتصايحون تارة ويصمتون تارة أخرى كأن على رؤوسهم الطير.

لافرق فى هذا المقام بين أبيض وأحمر فالكل فى معمل الصحراء والتلميذة سواء.. وسيدة الموقف هى الدودة التى تغير جلدها بما فيه من رأس وصدر وأرجل فى دقيقة أو اقل, وبعد عدو تقلصات تتخلص من الجلد بعد أن تتكور محتوياتها الداخلية وتأخذ شكل قنديل أخضر اللون فى حجم حبة العنب يظل معلقا بالورقة بنفس خيط الدودة الأم.. وفى نفس لحظة سقوط الجلد وخروج القنديل, تقوم كل مجموعة بشق القنديل على الفور, فإن جاء الشق قبل انفصال الجلد بلحظة نزل على الأيدى سائل أزرق اللون. وإن تأخرت عملية الشق لحظة أخرى يسقط الجلد, نزلت على الأيدى حورية جميلة خلابة المنظر ( أى حشرة صغيرة) تهتز أجنحتها المغطاة بشعر خفيف وتختلج اختلاجة مولود جديد يستقبل الحاية.. ولكنها شئ أغرب من كونها مولودا لأن تكوينها كله تم فى لحظة.. إن يدا سحرية قد صنعتها على التو من هذا السائل العجيب.. يالها من لحظة واحدة بين حالة السيولة والخلق الجديد.

وتبارت المجموعات فى محاولات الإمساك بلحظة التحول هذه وتوالت عمليات الشق.. الكل يريد أن يمسك بيد هذا الشىء العجيب الذى يحاوره بل ويتحدانا.. ولم تنجح مجموعة واحدة فى ذلك... ولم يمار أحد فى أن شيئا عجيبا كان يعمل بسرعة البرق من عملية الشق, ويعمل بقوة ودقة لا تتناهى وبإبداع ليس بعده إبداع.. شئ أقرب مما تتصور.. والكل يردد كلمة واحدة:" شئ عجيب"؟!

وقام الطابور فى اتجاه مبنى السجن, ولم يكن لنا حديث على مدى الطريق إلا هذا الموضوع ولم يكن بأيدينا عير أدوات العمل وإلا أعواد النبات تشرئب إليها الأعناق وترنو الأبصار,مما أربك حركة الطابور.

عشت هذه اللحظات بطريقتى الخاصة أسرع الطرف فى الصحراء والآفاق الممتدة من حولى وأسرح بالخاطر بعيدا إلى صحراء أخرى كانت محضنا لأول بيت وضع للناس ومهبطا لخاتم الرسالات, وإلى صحراء أخرى كلم الله فيها موسى تكليما, وإلى صحراء أخرى كانت مهوى لأفئدة الصدر الأول, يعلمون فى مرابعها أبناءهم الفروسية والفصاحة.. أنها الصحراء دائما, فأى سر فيها؟!

وأدخل فى خاطر آخر أعجب وأوقع فى النفس من سابقه, حين أتذكر أن القرآن الكريم يعلمنا " ألف باء" الإيمان حين يخاطبنا بنفس الكلمة التى نطقت بها شفاهنا جميعا, حين تجردنا من ضغط المصالح والأهواء وقلنا معا شئ عجيب .. ويرضى القرآن منا هذا المدخل البسيط, وأن نفهم أن هناك شيئا عجيبا يقوم بعملية الإنشاء فى كل كائن حى, وعلينا أن نترقى خطوة أخرى بالحث فى خصائص هذا الشىء .. وياله من إعجاز يملأ النفس حين تنطق الآية بنفس الحروف:" أم خلقوا من غير شئ أم هم الخالقون".

ويوم أن يترقى وعينا بهذا الشىء سنعلم أنه ليس كمثله شىء وهو السميع البصير.

الجواب الخير. بنفس الأسلوب العلمى فى المعرفة :

من كل ما سبق تبلور لدينا فى النهاية قدرة جديدة على تناول هذه القضية بثقة عميقة وبأسلوب علمى لا محل فيه للظنون ولا مطعن عليه من أحد. ,ما وجدنا عليه اعتراضا أكثر من الصمت الذى فسرناه بالموافقة لخفية أو الوعد بإعادة البحث مع المختصين الذى فسرناه بالخلوة مع النفس للمراجعة. وفيما يلى مجمل ما قيل فى أكثر من مقام:

فى جميع أوجه نشاطنا الإنسانى ألفنا أن نتعامل مع جانب ظاهر من الحقيقة فى الوقت الذى يغيب عن حواسنا الجانب الآخر منهما. وقد استطعنا علميا معرفة القدر المغيب بدراسة الجانب الظاهر المرتبط بهو الذى يعتبر امتداد له.

فقد وقفنا باستخدام قوانين الكتلة والطاقة على سر تركيب الذرة غير المنظورة وعلى وظائفها ثم أيدت القنبلة الذرية الأولى ما وصل إليه العلماء من نظريات. وعرفنا نظرية التيار الكهربائى بنفس الطريقة,واكتشفنا عنصر الهيلوم فى الشمس قبل أن نعثر عليه فى الأرض بدارسة إشعاعاته. وحدد العلم الفلكى الفرنسى ***(1811 -1877) بالحسابات الفلكية حجم ومدار الكوكب نبتون ثم رصدته المناظير فيما بعد.

لقد صار أمرا مألوفا فى كل فرع من فروع العلم, وأن تتعامل مع الجانب المغيب من الحقيقة من خلال الجانب الظاهر منها لقد أفضى بعضها إلى بعض.

فإذا استخدمنا نفس الأسلوب للكشف عن المستوى العلمى للإنسان من خلال منتجاته وآثاره استطعنا أن نقف من خلال دراسة أى اثر له( ولتكن الطائرة مثلا) على مستوى من أنتجوا طائرة سنة 1940 ومن أنتجوا طائرة سنة 1950, ومن أنتجوا طائرة 1960 وهكذا..

وحرب التجسس القائمة بين المعسكرين تعتمد على الحصول على أى معلومات مكتوبة أو مصورة أو مسموعة, ليقوم الطرف الآخر بتحليلها والوقوف على المستوى العلمى لخصمه الكامن وراءها... كل هذا من غير أن تقع أبصارنا على أشخاص العلماء الذين صنعوا هذا الشىء محل الإهتمام بل ومن خلال تحفظ الدول الشديد عليهم.

فماذا نعنى بعبارة" المستوى العلمى" عند دراستنا لطائرة وقعت فى أيدينا.. كما حدث أن أغوت اسرائيل أحد الطيارين بالفرار بطائرته إليها قبل المعركة.

نعنى بالمستوى العلمى مجموعة الصفات المشتركة فى إخراج المواد الأولية إلى عالم جديد هو عالم الطائرات المصنوعة, فكل عالم اشترك فى انتاج هذه الطائرة قد أسهم بإضافة صفة من صفاته هو إليها, بل إنه قد بث فيها ابرز صفاته وهى مواهبه.. فالعقلية الميكانيكية متضافرة مع الكهربية متضافرة مع الرياضية. متضافرة مع الكيماوية غلى غير ذلك من مختلف التخصصات العلمية. كلها قد اشتركت من خلال تخصصاتها أى من خلال صفاتها لتخرج لنا إلى عالم الوجود طائرة معينة.

ونستطيع أن نتابع الفرق بين تخصصات أو صفات منتجى طائرة سنة 1940 , سنة1950, سنة 1960 وهكذا ... أى تتابع التقدم العلمى. ومستطيع ونحن فى أى عام أن نعطى تقريرا ضافيا عن جميع النظريات العلمية والمستويات التى أنتجت ما سلف من طائرات, حتى لكأننا نرى اليوم بأعيينا ما كان علماء المس,حتى بعد أن واراهم التراب وأصبحوا نرى اليوم عالم الغيب ماداموا قد تركوا وراءهم شيئا فى عالم الشهادة.

إذن فنحن نستخدم نفس الأسلوب العلمى فى اعتمادنا على الجانب الظاهر من الحقيقة – وهو هنا الطائرة – لمعرفة الجانب المغيب منها وهى هنا المستوى العلمى للذين أنتجوها اى لصفاتهم.

ولعل ظاهرة انتشار لمعارض الصناعية فى عصرنا الحاضر تعطينا مفتاح هذه الحقيقة فيكفى رؤية المستوى الفنى فى معرض للصناعة لنقف على ما عليه الدولة من تقدم علمى وعلى مستوى صفات علمائها. وفى معرض للطيران تقف فى آخر العرض طائرة صغيرة( ترانز ستور ) تحتوى على كل ما تحتويه الطائرات وتزيد عليها أشياء لم يصل إلى مستواها الفنى كلا المعسكرين المتنافسين فى الاختراع, وتكشف عن وجود معسكر ثالث أقوى.

أولى مميزات هذه الطائرة هو دقة حجمها ورقة المواد المصنوعة منها, ثم عدم صدور أى ضجيج عن محركاتها , ويسر حركة أجنحتها وقدرتها على الطيران لساعات طويلة بأقل وقود ثم تزودها بمعمل طائر لإنتاج المواد الغذائية ثم اشتمال كل طائرتين من الأسراب الصغيرة على مصنع كامل لإنتاج نفس النوع من الطائرات بمعدل إنتاجى كبير.. إلى آخر قائمة المقارنة بين هذه الطائرة الصغيرة التى لم يصنعها أى من المعسكرين..

هذه الطائرة الصغيرة هى " النحلة"... ولكننا ألفنا تسميتها بالنحلة, فأذهب الألف عنا روعة الإحساس بحقيقة كونها طائرة يلزمنا معرفة جميع التخصصات أو الصفات المتعاونة فى إنتاجها ورعايتها..

مقام اليقظة

ولو تمرسنا على مقام اليقظة وهو رؤية الأشياء بغير العين التى ألفها رؤية الأشياء بها, لكان ذلك كافيا لجعلنا نقف من هذه الموجودات وقفة جديدة أو أمينة باعتبارها مصنوعات تريد أن تقف فى المعرض الصناعى ولا تطالب بأكثر من وضع تقرير أمين عن المستوى العلمى الكامن وراءها وعن صفات مخترعها.. وأن حكمة الله تعالى قائمة فى اختلاف الأشكال والألوان والأحجام, من قارة إلى قارة, ومن بيئة إلى بيئة لإيقاظ النفس الإنسانية التى ألفت رؤية الأشياء فى بيتها.. ولو أنها رأت مصنوعة بشريا لا مخلوق ربانيا مثلما ظن أهل المدينة الفيل من مصنوعات الفرس عندما رأوه لأول مرة, ولكان هذا الإندهاش نفسه هو المدخل القلبى والفكرى إلى الإهتمام بهذا الموضوع اهتماما علميا بعد أن ندخله بأمانة فى معرضنا الصناعى ولأمر ما حثنا الله على السير فى الأرض.. ولأمر ما جعل الله من كل شئ خلقه سبيها له مما صنعه الإنسان, فعالم الطيور والحشرات له شبيه من الطائرات وعالم الحيتان والأسماك له شبيه من الغواصات, وعالم الدواب والزواحف له شبيه من السيارات, وعالم الشجر له شبيه من المصانع.. والمطلوب إقامة المعارض الأمنية لمعرفة أى المستويات العلمية أكثر تقدما وأدق تخصصا وأوفى تعاونا بين مختلف الصفات..

وحيث أن الشئ المصنوع ما هو إلا حصيلة تفاعل عديد من الصفات مع مواد الطبيعة وحيث أنه يلزمنا عمل قائمة بجميع الصفات التى دخلت فى إنتاج النحلة وحيث يتضح مقدار تفوقها كما وكيفا على الصفات الإنسانية التى أنتجت الطائرة... فإننا نخرج لذلك بنتيجة بسيطة لها أهميتها وخطرها وهى أن المستوى العلمى أن هو إلا عديد الصفات المتعاونة أى التى تجمع بينها إدارة مشتركة ... أى أنها لذات واحدة..

مجرد الخروج من عملية المقارنة بهذا الإطمئنان الفكرى الذى يتلخص فى أن النحلة أرقى من الطائرة والحوت من الغواصة, والشجرة أرقى من المصنع, والذى يفيد أن هناك ذاتا واحدة تجمع هذه الصفات الفاعلة فى الوجود هى نقطة البدء الصحيحة فى قضية الإيمان.. لأن الإنسان ليس فى مقدور كل وسائله العملية إلا الوصول إلى أنه توجد ذات علية, لها صفات كمال بطريقة تجريدية, ونحن بالانتقال بالصفة من دائرة المصنوع الواحد إلى كافة المصنوعات ومركز الصلة بينها جميعا نقف على عمومية كل صفة وشمولها وثباتها وهذا هو سبيل البشر عامة إلى معرفة الله عزوجل عن طريق صفاته وأسمائه الحسنى بما لها من كمال ودوام وفعل..

ومجرد الوصول إلى هذه الحقيقة يمنحنا الاطمئنان الفكرى المجرد إلى وجود خالق لهذا الخلق.. وهذه القضية المجردة هى قضية الإنسانية جميعها.. وهى التى تشترك فيها مع أمم الأرض فى كل العصور, والتى قال عنها الفقهاء: بأن الإيمان بالله مقدم على الإيمان بالرسل, والتى ما جاء نبى إلى قومه إلا ووجدهم على علم مسبق بها:" ولئن سألهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله". ولكنهم كابروا وكذبوا الرسل.. والوحى هو الذى يكمل العلم البشرى ويصير هذه القضية الإنسانية قضية إسلامية مبرأة من الشرك ومن التعطيل.

نخرج من ذلك بأن المادة ليست هى الوجود المر الذى بنى عليه الماركسيون عقيدة المادية الجدلية.. وإنما هى بكل عناصرهم خلق من خلق الله تعالى وفى مركز أدنى من غيرها من المخلوقات, وأن الله تعالى هو مصدر كل الوجود.. " ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل".


الحلقة العاشرة: ضرورة التفريق بين المنهج العلمى للإنسان والمنهج العلمى للأشياء

- من العقل .. ألا يتجاوز " العقل" دائرة عمله!

- تنوعت الأسباب ... والإيمان واحد!

- جمهرة من العلماء ... توضح أسباب إيمانها بالله.

- الوحى طريق المعرفة المغيبة عن حواسنا.

بنظرة جديدة من قلب يقظ فى الكائنات المحيطة بنا, نجد أن كل ظاهرة أن هى إلا ملتقى العديد من الصفات الربانية, ويتميز الإنسان عن جميع الكائنات بتكريم الله له فى الخلق وبالتالى فى فعل تسعة وتسعين اسما من أسماء الله الحسنى فى حياته, وهل تكون صفة الغفور والتواب إلا لهذا الإنسان الذى يخطئ ويصيب ويذنب ثم يتوب ويستغفر الله فيغفر الله ..فكل ظاهرة على قدر مركزها فى سلم التفضيل , ما هى إلا تسبيحة كبيرة للخالق جل شأنه تدل عليه على غرار ما شاهدنا فى الحلقة السابقة:" وأن من شئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم".

فكل حركة هى آية ناطقة بجلال الله تعالى, وكل فر من فروع العلم هو نافذة جديدة على هذه الحقيقة الكبرى. ومن ثم فإن أسباب الشك التى انتشرت فى القرن التاسع عشر فى أوربا قد فقدت قوتها أمام تقدم العلم القرن العشرين بل أصبحت اليوم كما يقول الأستاذ العقاد فى " عقائد المفكرين": من أسباب الشك فى الإنكار بعد أن كانت مصوبة كل قوتها الشك فى الإيمان, وأن الروح التى تسود علماء أوروبا فى القرن العشرين تختلف كلية عن الروح التى سادت القرن التاسع عشر الذى فيه ماركس وأن المقيم على الفكر المادى اليوم إنما يعيش فى القرن العشرين بعقلية أوربا فى القرن التاسع عشر, , وما أسهل دعوى التقدمية باللسان.

وفى النصف الثانى من القرن العشرين تقدم الأستاذ جون كلوفر منسما بسؤال واحد إلى طائفة من العلماء المتخصصين فى سائر فروع العلم, من الكيمياء إلى الطبيعة إلى الأحياء إلى الفلك إلى الرياضيات إلى الطب وقد أجاب هؤلاء العلماء مبينين الأسباب العلمية التى تدعوهم إلى الإيمان بالله.. هذا السؤال هو:

هل تعتقد بوجود الله؟ وكيف دراستك وبحوثك عليه؟

وقد أجاب كل منهم من خلال تخصصه إجابة شافية وقد تضمن كتاب " الله يتجلى فى عصر العلم" هذه النماذج القيمة من الأجوبة من رجال على أعلى درجة من التخصص.

وقد رأينا فى الحلقة السابقة كيف أن عظمة هذه القضية تتجلى فى كونها ليست وقفا على المتخصصين بل انها كالبحر الكبير يستطيع كل فرد أن ينهل منه حسب قدراته الفكرية والقلبية حتى ولو كان لا يملك إلا كيفية يعترف بهما.. وقد سبق العامل بعمله العالم بعلمه, وأن الأعرابى الذى سجل التاريخ قولته البسيطة المعبرة:" الأثر على المسير والبعرة تدل على البعير, فكيف بأرض ذات فجاج وسماء ذات أبراج.. ألا يدل ذلك على العليم الخبير" ليعيطينا المثل على عظمة هذه القضية التى تغنى كل المستويات وتروى كل ظامىء وعندما تتقوى فطرتنا بالمجاهدات على الأهواء, وبالعلم على الظنون, فإنها تكون أفقا صالحا لإشراق هذه الحقيقة الخالدة سمائها.

وقد كشفت لنا الحلقة السابقة عن كيفية الإستفادة من المنهج القرآني

بالنظر فى ملكوت السماوات والأرض وعن سهولة التعرف على صفات الله تعالى بتتبع آثارها فى خلقه.. وأن الأمر أظهر من الشمس وأقرب من حبل الوريد..وأن من قال :

ومن غاب حتى يستدل عليه, كان على حق.. ومن قال " أفى شك فاطر السماوات والأرض" كان سليم القلب نفى الفطرة واسع العلم... وأن مشكلة البشر الدائمة هى فى أنفسهم وليست فى الحقيقة ذاتها..." ولكن الناس أنفسهم يظلمون"و" أن الشرك لظلم عظيم".

القضية المنطقية

والآن .. وقد تحقق الغرض وأصبح حقيقة علمية لا غموض فيها.. حقيقة تزداد بالبحث جلاء ولا غموضا.. وبتقدم العلم يقينا لا شكا.. وبالنظر الأمين قربا من أنفسنا وحياتنا لا بعدا و فماذا يكون موقف من كان ينكرها أو يقف منها موقف اللامبالاة على أحسن الفروض؟

لقد قلنا لهم فى حلقة سابقة " فماذا لو فرضنا أن الحياة أوجدها خالق.. خذوها كفرض.. ولا نطالبكم فهى عندنا اعتقاد له حججه وبراهينه.. فماذا يدخل على منهجكم من تغيير لو صح هذا الفرض؟يكون مركز فلسفتكم المادية وما تفرع عليها؟ وقلنا للزميل الذى حاول التهرب من الإجابة:" إننا نعجب كيف لا تأخذ الأمور مأخذا كاملا دون تهيب.. ثم ماذا يكون موقفك لو علمت أن ما نطالبك بفرضه هو حقيقة علمية؟!"..

وعند هذا الحد من الحوار انبرى الزميل( ع.ط) الذى اشتهر بيننا بصراحته وقال:

- اسموحوا لى أن أجيب.. ( وعلت الابتسامات الشفاه.. ولم يخب ظننا حين انطلق قائلا).

- " إذا صح هذا الفرض سنضطر قطعا إلى التوقف... لنراجع أنفسنا كثيرا. إذن وراء الحياة قصد؟ لن تصير المادة هى أصل كل شىء.... سيخلو الطريق للقول بالفكر الأعظم.. ستتغير قطعا النظرة إلى الإنسان ودوره فى الحياة.. سيصبح كونه مكلفا أمرا معقولا بل ضروريا حتى ولو كان أصله قردا فعلا.. ستنقلب المادية وما تفرع عنها رأسا على عقب .. سيكون سهلا على نفسى أن اصدق بالكتب السماوية وبالرسل والرسالات.. وبعقيدة البعث والجزاء.. سأضع فى اعتبارى أمر الجنة والنار وما يتطلبان من الإئتمار بالمعروف والإنهاء عن المنكر.. كل القيم فى الحياة ستتبدل.. سأقول بنفسى للناس: وقد كنت أجهل أمرا جللا والآن اليكم الطريق القويم...

وعن نفسى فإنها لأمنية غالية أن أطمئن إلى أننى سأبعث لأحيا حياة أبدية فى جنات النعيم.. فعندئذ يهون على أن أقضى هذه الحياة يطولها أو قصرها على أى وضع مضحيا فى هذا الطريق الجديد بنفس القوة التى أضحى بها فى طريقى هذا حتى ولو عشت طيلة عمرى أضرب بالنعال".... وانفجرنا ضاحكين وشكرنا له صراحته.. وقلنا فى ختام الجلسة:" لا نطالب بأكثر من النتائج الى رتبها الزميل بلسانه"

ولم أكن أقل اندهاشا من إخوانى لهذا التسلسل المنطقى الذى نطقت به فطرة الزميل فى لحظة من لحظات الصدق مع النفس التى لا يخلو منها إنسان فى حياته, والتى فى الوقت نفسه حجة الله عليه يوم أن يلقاه بل أننى كلما رجعت إلى هذه الكلمات بين الحين والحين, كلما اكتشفت فيها جديدا يدهشنى لاستيعابها متعلقات قضية التوحيد من قضايا أو منهج, وكأن أحد الأخوة معذورا عندما كتب معقبا على هذه الجلسة:" أحب أن تتحققوا من كل كلمة قيلت فى هذه الجلسات فلا يسرح لكم الخيال حتى يأمن الناس جانبنا فى النقل. وأنا لا أتهم بعدم التحقيق ولكن أحب أن أطمئن عليكم مستقبلا أمام من ثقلتم عنهم"

وعقبت على كلمة يومها كتابة:" تكاد تكون الجلسة حرفية وقد سجلت فى أعقابها مباشرة ولا حيلة فى أن تكون الحقيقة ابلغ"... كل هذه العبارات أنقلها اليوم من مذكرات مضى عليها سنوات.

إّن فقضية وجود الله تعالى عى قضية علمية قد رأينا سهولة الإستدلال عليها, وهى قضية إنسانية يستطيع العلماء فى كل عصر تقديم مختلف الإستدلالات العلمية على صحتها, وكان الفقهاء على حق فى قولهم: إن الإيمان بالله مقدم على الإيمان بالرسل.. إ لم تكن الرسل تبعث إلى أقوام يجهلون هذه الحقيقة.. "ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله" ولكنهم كذبوا الرسل.

ولم تعد المشكلة فى محاولة إثبات ذلك.. بل تنبت المشكلة الحقيقية فى كيفية الإمساك بكل النقاط التى نطقت بها فطرة الزميل.. وخاصة عندما يتقدم هذا الزميل خطوة أخرى ويقتنع فكريا بصحة القضية ويبدأ على أعتاب الاطمئنان القلبى وتطالبه فطرته بالمزيد.

والفطرة السليمة لا تكف عن البحث عن وسيلة للصلة بذات الله تعالى الذى تحققت من وجوده فكريا ولم ترتو بعد وجدانيا أنها تريد أن تسمع منه هو سبحانه الإجابة هى كل ذلك. وهذه الفطرة السليمة تستهجن عدم قيام هذه الصلة بالله الذى خلقها ثم دلها عليه, بل أنها لتتعلق به أن يفعل هو ذلك.

والمنطقى أن تتم هذه الصلة بين موجودين وجودا علميا كل منهم يعرف الآخر وإذا لم تتم هذه الصلة فإنها تكون إذن تكون قطيعة غير مفهومة ولا مقبولة.. إننا تستهجن هذه القطيعة ممن نعرفه فكيف نصبر عليها ممن عرفنا ربوبيته لنا؟

فالصلة قضية منطقية مبنية على أصل علمى.

ويلبى الله تعالى أشواق هذه الفطرة إلى منطقية هذه الصلة فى قوله تعالى" وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما انزل الله على بشر من شئ" وفى قوله تعالى:" قل لو كان فى الأرض ملائكة يمشون فى قوله تعالى:"أكان للناس عجبا أو أوحينا إلى رجل منهم".

فعن طريق الوحى – صلة الله تعالى بخلقه – تتم معرفة جميع حلقات المعرفة المغيبة عن حواسنا وتتم القدرة على التعامل معها وبالتالى تتم الحركة الصحيحة للإنسان.

فالتدليل على وجود الله تعالى قضية إنسانية.. وبتكملتها بالوحى تصير قضية اسلامية.

ومن عجيب أمر هذا الوحى أنه يخبر عن كل ما ليس فى طاقة البشر معرفته بوسائلهم العلمية التى اقتضت حكمة الله أن يجعلها موصلة إلى حقيقة الحقائق وهى الذات الإلهية ولا يجعلها موصلة إلى ما عداها من أمر الروح والملائكة والبعث والحساب.

ومن هذا اتج البحث لدى الأقوام قديما اتجاها منطقيا حول التحقيق من صدق الرسول المبعوث, واتجه الرسل بدورهم إلى تأكيد صدقهم كما كانوا دائما قمة أقوامهم فى العلم والخلق وفعل الخيرات, وبعد بعثة الرسول كانت المعجزات أسلوبا مطلوبا لنقل مركز الثقة اليهم ريثما يتم تحريك العقول تحريكا ذاتيا.

نخلص من ذلك إلى أن سبيل الأمان فى قضية التوحيد: هو فى أن للعقل دوره فى الإستدلال على الله تعالى فقط على غرار ما رأينا فى الحلقة التاسعة.... دون أن يتجاوز هذه المنطقة وإلا دخل فى دائرة الظنون والتخمينات وتعود للفلسفات المثالية سيرتها الأولى...

كما أن للوحى دوره فى تكملة المعرفة بصفات الله تعالى وما يجب وما يستحيل فى حقه وما يلزم معرفته من جميع حقائق العقيدى والتزاماتها التشريعية وآدابها الربانية..

ولم يتميز المنهج العلمى للإنسان عن المنهج العلمى لكل الكائنات الأخرى إلا بهذا الوحى الذى يصلح دنياه وآخرته.

(أ‌) وعند إطلاق عبارة المنهج العلمى للإنسان يكون الوحى السماوى هو ركنها الأول, والاكتشافات لكافة فروع العلم هو ركنها الثانى..

(ب‌) وعند إطلاق المنهج العلمى للأشياء يكون كل ما وصل إليه الإنسان من قوانين واكتشافات فى كل فرع من فروع الحياة هو مقصود بهذه العبارة.

والخطورة الكبرى تكمن فى طمس هذه الحقيقة .. فلا تتضح التفرقة بين المنهج العلمى للإنسان والمنهج العلمى للأشياء.

بل وأشد من ذلك خطرا على حياة الإنسان ومستقبله قصر مفهوم المنهج العلمى على ما وصل إليه الإنسان من اكتشافات فى كل فرع فقط وتنحية الوحى من حياته.. وهذه هى المناهج العلمانية التى تلتقى مع المادية فى النظر إلى الإنسان نظرة ظالمة تدمر حياته وآخرته.. وهى أخطر ما تعرضت له أمتنا فى معركة الغزو الفكرى, والإستعمار الثقافى من خلال شعارات الاشتراكية العلمية.. أو العلم والتكنولوجيا.. أو العلمانية أو الدولة العصرية, حيث عملت جميعها على تسوية الإنسان بالأشياء وسلبته ما كرمه الله به وفضله على كثير من خلقه.

ويأتى الآن موقفنا من قوانين الجدل وهى آخر ما تبقى من المادية الجدلية قبل أن ندخل على بقية أجزاء الماركسية فى ضوء المنهج العلمى للأشياء والمنهج لعلمى للإنسان.


الحلقة الحادية عشر: شيوعى يسأل: كيف احتفظتم بروحكم العالية.. وتفاؤلكم؟

- الإيمان يبتسم للصعاب .. ويمرح فى وجه الأهوال!

- الظروف واحدة.. والفروق هائلة بين سكينة المؤمن.. وقلق الشيوعى!

- تجريدة " قوانين الجدل" من الهالة الشيوعية.. وردها إلى مكانها الطبيعى!

- وللفنان مجاله,.. فى التقاط المشاهد: وربط أجزاء الصورة.

كان ليوم الجمعة فى السجن وضعه المتميز فهو يوم الراحة الأسبوعية من العمل وفيه يسمح بإخراج " النظام " أى البطاطين والأبراش لتنظيفها فى الفناء الواقع بين عنبرنا وعنبر الشيوعيين.. وبجوار عملية التنظيف نظفر بطابور شمس نقيضه فى السير أو فى الألعاب الخفيفة حتى تحين صلاة الظهر.. فتدوى صفارة الدخول إلى الزنازين مباشرة لأنه لا يسمح لنا بصلاة الجمعة باعتبارها مظهر جماعيا يلزم تفتيه فى نفوسنا.

وكان هذا الطابور الصباحى الأسبوعى هو فرصتنا لاسترجاع أحداث الأسبوع والتندر بما جرى بيننا وبين رجال الإدارة , وما قد يكون فيه من جديد فى ندوتنا مع الشيوعيين وهو كثير دائما.. فكان يوم الجمعة موعد تنظيف عام وتنسيق لكل شىء ابتداء من البطاطين والأبراش حتى المواضيع والأفكار..

وكان ليوم الجمعة أيضا سحره الخاص فى حياتنا فهو المحطة الأسبوعية المضيئة التى يقف عندها قطار الزمن الذى يسير بنا وسط الأهوال إلى غاية واضحة فى نفوسنا.. إحدى الحسنيين.. النصر أو الشهادة ,كل يوم يمر علينا وسط هذا الجوى الاستفزازى المشجون بالتوتر والإرهاب كنا نحمد الله على مروره بسلام, وكانت أسعد لحظاتنا هى ساعة " التأمين" أى قفل أبواب الزنازين فى المساء حتى إذا كان يوم الجمعة تضاعفت فرحتنا بمحطة النصر الكبيرة على أحداث أسبوع حافل بالطغيان. وبعد لقاءات مع الشيوعيين تضخمت قيمة هذه المحطة المضيئة, غذ صارت محطة نصر فكرى وعقائدى أيضا..

كنا ونحن فى بطن عربات قطار الزمن فى أحسن الأحوال النفسية... حتى أن اليل كما يحمل على أجنحته أصداء ضحكاتنا وسمرنا إلى فيافى الصحراء المحيطة بنا. ولم نكن نتكلف هذه الحال, بل كنا على العكس نوالى التوصيات بالتخفيف من المرح. لما يجلبه علينا فى الصباح مضاعفات لن هدف التكديرات المستمرة هو جعلنا فى جو نفسى كئيب يشيع اليأس فى نفوسنا, والسخط على مبادئنا, والتنصل من أخوتنا مما ييسر مهمة مساومتنا على حريتنا ويضمن عدم انبعاث مثل حركتنا مستقبلا وينفلت الزميل" فوزى" من طابور عنبر الشيوعيين وينبث فى طابور عنبرنا, وفى نفسه سؤال حائر سأله لأكثر من واحد من الإخوة حتى جاء دورى فيه:

-يا أخى كيف استطعتم الإحتفاظ بروحكم العالية طوال هذه السنوات الخمس, حتى أننا لنعجيب للضحكات المنبعثة من عنبركم بالليل وكأنكم فى حفلة ساهرة, فى الوقت الذى يخيم الصمت على عنبرنا, فلا تكاد تغلق أبواب الزنازين حتى يعيش كل منا فى واديه, ولا نجد ما يكون مادة لحديث مشترك طويل.. صدقنى إذا قلت لك أن صبر كثير منا قد نفد على مدار هذين العامين اللذين مرا علينا.. لقد أنشدنا فى بدايتهما كل الأناشيد الحماسية حتى مللناها. ثم عقدنا الندوات السياسية حتى سئمناها.. والآن كرهنا حتى الكلام العادى, والأيام تضغط علينا ككابوس ثقيل.. وأصبحت أخشى على نفسى الجنون, صدقنى.. لولا بقية علاقة معكم لفقدت صوابى, وأرجو أن تجبيبنى على سؤالى:

-أنت تحيرنى يا زميل بسؤالك هذا, لأنى كنت أظن إجابته بديهية عندكم, ولو لم توافقونا عليها. فأنتم معذورون فيما وصل إليه حالكم ونحن طبيعيون فى حياتنا, ومفتاح الإجابة هو فى قضية الربح والخسارة.. من يربح يفرح, ومن يخسر يحزن.. فكل يوم يمر علينا تقتضيه مسئولية الجهاد نعتبره غنما يضاف إلى رصيد حسناتنا أمام الله الذى سيتولى حسابنا فى دار أخرى بعد هذا الدار.. ويعزينا فى هذا المقام إيماننا بالله واليوم الأخر حتى ينتهى هذا العمر القليل حيث نعوض عن كل نصب فيه.

ويعزينا قول رسولنا الكريم:" كل نعيم دون الجنة حقير, وكل بلاء دون النار عافية".

ليس معنى هذا هذا أننا لا نتألم فنحن بشر, ولكن الرجاء فى الله يخفف الألم فلا نصل إلى الصورة التى تمرون بها.

فهل ترانى بهذا قد أجبتك؟.

الزميل: المهم أنكم متصالحون مع أنفسكم.

عبارتك هذه ذكرتنى بمعنى كنت أكتمه فى نفسى.. والآن حانت فرصته.. وهو حول من يتصالح مع نفسه ومن يعيش فى تناقضات, أننى و إخوانى كثيرا ما نرى لكم تصرفات تتناقض مع معتقداتكم, ولعل هذا أحد أسباب الصراع النفسى فأنتم برغم ادعاءاتكم المادية تأتون على غير وعى منكم بتصرفات عقائديه تكشف عن بذرة القيم الفطرية فى النفوس, وأن هذه الأخلاق الفطرية أغلب من مجادلات اللسان ومن محاولات خنق الفطرة فيكم.

الزميل: لا أفهم قصدك.. أوضح.

-أعنى أن المادى المثالى هو من يجعل اشباع رغباته وتحقيق مصالحه فوق كل اعتبار أخلاقى... وأنتم لا تثبتون على حال , فالأخلاق عندكم متغيرة ونسبية فى مواجهة الغير كأفراد وكحزب . أما ما يطالبكم به الحزب من انضباط وتضحية فإن تنفيذه من جانب أى فرد منكم نعتبره عملا غير مادى فى حق من يقوم به, وبهذا يتناقض مع كل قيم الفلسفة المادية...لأنه قبل التضحية المادية فى سبيل شىء مثالى, وهو مصلحة الحزب وهو اعتراف ضمنى بأن هناك ما هوأولى من الرغبات المادية بالعمل من أجله بصرف النظر عن كنة هذا الشئ.. حزبا عندكم أو إلها عندنا.. ولم يعد تعريف السعادة هو اشباع الرغبات المادية بل قد يكون التضحية بها ولا تعريف الحرية هو تحقيق الضروريات بل قد يكون التضحية بها..

وعندما وقفتم طابورا طويلا لعناق وتقبيل الزميلة التى حضرت لزيارة زوجها , حتى لينتزع الواحد منها انتزاعا أثار اشمئزاز الجميع حتى السجانة والنزلاء العاديين كنتم فى هذا الحال ماديين فعلا, ولكن عندما وقفتم عند حدود معينة مراعاة لاعتبارات أخلاقية خاصة بالظروف كنت بهذا فطريين ولستم ماديين. وكذلك عندما يتحرق الواحد منكم شوقا إلى ابنه أو زوجته فإنما يكون بفطرته متناقضا مع كل ما تدعون إليه من مشاعية جنسية مستشهدين بزوال هذه الروابط الأسرية فى فجر التاريخ, وإن كان الهجوم المتواصل عليكم جعلكم تغلقونها فى عبارة جدية لا تلفت النظار هى المعاشرة الاختيارية.. ومقتضى هذه العبارة أو تلك, ألا يكون لك تعلق بواحدة بعينها ولا بابن حتى لا ينحدر حب الملكية الخاصة فى نقسك باعتبارها رجسا اجتماعيا واقتصاديا.

وكذلك عندما تكلم ماركس وانجلز عن المشاعية الجنسية كان منهما ماديا حقا.. ولكن عندما يظل كل منهما أبا وزوجا لآخر يوم فى حياته فإنه يكون فى هذه الحالة خاضعا لمنطق فطرى أقوى من كل مؤلفاته.. ألست ترى معى أن هذا التناقض بين النظرية والتطبيق هو جهة دليل على عدم صحتها , ومن جهة أخرى سبب قوى من أسباب الصراع النفسى الذى تتحدث عنه. ألا يكفى برهانا على صحة الإسلام خلو المؤمنين به من هذا التناقض فى حياتهم, وأنه لذلك دين الفطرة حقا.. يا زميل فوزى.. اننى لا أتعمد الهجوم, لكنى شأن غيرى نراقب ونحلل ولا بنخسكم مع هذا حقكم فى أنكم من العناصر المتميزة عن غيرها من فئات الشعب التى لا تبالى, فلاشك أن شيئا فيكم جعلكم لا ترضون بالواقع الخاطئ, ولكنكم أيضا أخطأتم الطريق..

ويمضى الزميل فوزى الحاصل على لسانس الآداب قسم فلسفة غارقا فى أفكاره وهمومه.. وندرك أكثر من أى وقت مضى قيمة كنوز الإيمان فى قلوبنا بل فى قلب الأمى منا.. ومرة أخرى أقول أن الحكم هنا على انتشار الظاهرة لا على الحالات الفردية هنا أو هناك.

عين الفنان تكشف عن الحوار الكبير:

وألمح من بعيد الفنان ابراهيم أبو العيش, قابعا كالقط بجوار سور السجن العتيد الذى يرتفع شاهقا مزهوا بأبراج الحراسة من فوقه, وقد بنى هذا السور فى أعقاب محاولة هرب من أحد النزلاء العاديين باءت بالفشل وانتهت بجلده فى ساحة السجن ثم بالتضييق علينا.

اتجهت إلى " ابى العيش" برغبة قوية فى أن أفضى إليه بالحديث الذى كان بينى وبين فوزى , وبرغبة أكيده فى مزيد من العتاب لعدم مشاركته حتى اليوم لإخوانه فى هذه الجولات الفكرية. ولكنه بادرنى بقوله..

لقد جئت فى الوقت المناسب, وكنت أترقب أحد أعضاء الندوة بفارع الصبر.. تعال أقدم إليك بعين الفنان شيئا جيدا.. دراسة من الخارج .. لا تقل قيمة عن دراستكم لأفكارهم وأنظمتهم من الداخل..

قلت: أتتهرب من هجومى المنتظر , وهل مثلك يفتقد فى هذه الجلسات إن أسلوبك الفنى جدير بأن يعبر عن قضايا الإسلام لا من موقع الموهبة فقط بل من موقع الداعية أولا, الداعية المتبصر بجميع قضايا العصر ما لها وما عليها..

قال: ما غاب عنى شىء من ذلك ولكنى اخترت الثغرة التى اقف عليها, ومعايشتى مع الرسامين منهم تكفينى, وأعتبر أن نشاطكم فرض كفاية, إذا قام به البعض سقط عن الآخرين, وبعد فراغكم من هذه الجولات سأقرؤها حرفا حرفا لألحق بكم مثلما تلحقون يومها بما تسجله عين الفنان... أننى معكم فى الميدان بطريقتى الخاصة التى أرى لها الأولوية عندى قبل أن تتغير الظروف إلى الأحسن فنحرم هذه الفرصة.

لا تضيع وقتا واجلس معى لتشاركنى ما أرى وستجد أننى أقوم بعملية تقييم للماركسية بطريقة جديدة نابعة من جميع الفروق بين مجتمعين على الطبيعة لم يتكلفا مظهرا دعائيا ولا خدعا سياسية, من خلال طابور الشيوعيين وطابورنا, وضع فى حسابك أيضا أنهما ليسا فى ظروف واحدة فأحدهما مضى عليه سنتان والآخر خمس وهم مجرد معتقلين, وطابورنا محكم عليه بمدد طويلة..

أدركت أن ابا العيش قد نجح فى إشغالي بملاحظاته المبتكرة كشأنه دائما فى عمل الغرائب.. ولم نلبث أن انخراطنا معا فى التسجيل من برج المراقبة الدقيق بجوار السور الذى يتيح لنا رؤية الطابورين بصورة واضحة. وأخذت أستمع إليه وهو يقول:

اليوم موعد النظافة الأسبوعي بالسجن.. طابورنا كله تقريبا قد أخرج النظام وملابس مغسولة منشورة عنا وعناك. أما فى طابورهم فلا تجد أثرا لذلك, وتمر عدة أسابيع قبل أن تضطر إحدى الزنازين إلى القيام بعملية تنظيف واحدة.

قلت: ثم ماذا؟

قال: هنا أناقة المظهر ونظافة الملابس ملفتان للنظر, وهناك لا نخطئ العين ملابسهم وشعورهم الشعثة, أليس أن نظافة الظاهر من نظافة الباطن..

قلت: هذه لها سبب عقائدى عندهم.. وقد لفت نظر بعضهم إليها , فأخبرنى أن الشخص الحركى هو الذى تشغله قضايا الطبقة الكادحة عن الاهتمام بشئون نفسه... وبهذا فهم يتسابقون لا شعوريا على صفة الحركية والجماهيرية ويخشى النظيف منهم أن يتهم بالميول البرجوازية والتطلعات الطبقية( وهنا استغرقنا معا فى ضحك طويل لما جرنا إليه الحديث من تعليقات متناثرة) .. هات ما عندك يا فنان؟ قال : هنا يسير الطابور فى مجموعات تتحدث وتناقش وتضحك.. وخطاهم سريعة.. وهناك يفتقرون إلى هذا النشاط فأغلبهم جلوس بجوار الحوائط إلا القيل فيسير فرادى, ولا تقع عيناك على أكثر من اثنين يمشيان معا مشية جنائزية.

قلت هذه لك:

قال: انظر إلى رؤوسهم المطرقة وإلى وإلى كثرة المدخنين وندرتهم عندنا( وتذكرت عند هذه الملاحظة قصة السجائر وطاقت بذهنى مشاهد كثيرة عن حالتهم البائسة التى كانت تدعوهم إلى التنقيب الجماعى عن الأعقاب المتخلفة من سجائر السجانة.. وكيف فوجئنا مرة بمجموعة منهم خرجت من أرض الطابور.

وانقضت كالطيور الجارحة على فريسة تكوموا فوق بعضهم محدثين غبرة شديدة.. والسبب عقب سيجار ألقى به أحد السجانة وكانوا يترقبون لحظة إلقائه.. وتذكرت كيف يتسابق بعضهم على العمل بوباتجيا أمام باب ضابط العنبر مكن أجل عيون أعقاب السجائر, وكيف كان بعضهم يجد متنفسا لأزمته الدخانية فى نباتات الصحراء البرية وخاصة نبات السكران, وكيف الحاحهم الشديد علينا يجعلنا نتشفق عليهم فنحضرها عل مضض لمن تفصح ملامح وجهه وعيناه المغرورقتان عن المعاناة الشديدة.. وكيف كان الأخ البنان يعقد مسابقة القصة القصيرة الفورية بالعربية الفصحى لمجموعة من الصحفيين منهم يكون نصيب الفائز سيجارة واحدة تكون عنده كنزا ثمينا..: وتحققت لأول مرة فى حياتى ان السجائر تذل النفوس إلى هذا الحد.. واليوم يدخنون باطمئنان بعد أن سمح لهم بالمقصف).

أخرجنى أبو العيش من خواطرى قائلا: لماذا سكت..

قلت : لا شىء..هات ما عندك.

قال : أتذكر أن الإدارة أعطت جائزة النظافة لجاويش عنبرنا فى الوقت الذى تأففت اللجنة المشرفة على النظافة من رائحة عنبرهم ورجعت من منتصف الطريق.. وأنه لذلك كلما أعلنت الإدارة عن جائزة يتسابق السجانة على استلام عنبرنا لضمان الحصول عليها..

قلت: صدقت.. وقد ذكرتنى ملاحظتك الفنية بما هو أهم .

قال: ما هو؟

فلت: هو أن إدارة السجن برغم محاربتها المستمرة لنا, إلا أنها تأمين لوضع مرافق السجن فى أيدينا من مطبخ ومخازن وكانتين ومخبز وورش. وتعترف لنا بالكفاءة والأمانة والقدرة على عدالة التوزيع بين فئات السجن المختلفة.. ولا تأمن لوضع شىء من ذلك فى أيدى الشيوعيين.

قال: إذن فأنا على حق فى جلستى هذه.. ألست ترى لذلك قيمة أخرى خلاف قيمة ومناقشتها.. أليست عين الفنان قادرة على كشف الزبد من الجوهر من أقصر طريق...

قلت : لقد نبهتنى إلى شئ جديد.. هو أن الحوار يجرى فى الواقع بين حياتنا كلها وحياتهم كلها, لا بين مجرد مجموعة من الأفراد.. وهو لا شك حوار صامت وعنيف وكبير, وكم أتمنى لو أتيح لكل من تبهرهم الماركسية فى الكتب والمقالات أن يروها واقعا مجسما على الطبيعة فى أشخاص متهالكين فى كل شئ إلا من القدرة على الكلام.... ولا أطالبك بشئ يا أبا العيش طيلة هذا اليوم.. فقد كسبت هذه الجولة... مع" قوانين الجدل" فى الحوار الصغير:

عدنا فى مطلع الأسبوع إلى الحوار الصغير .. حوار الأفكار مع الأفكار بعد أن شد أبو العيش اهتمامي إلى الحوار الكبير.. حوار المجتمع النموذج من المجتمع النموذج أكثر من أى وقت مضى.

وكان تقريرنا بأن للإنسان منهجيا علميا يختلف ن المنهج العلمى للأشياء قد أدى إلى توضيح أكثر لمدلول كلمة العلم بحسب موقعها من الاستعمال , وألا تؤخذ على إطلاقها فى كل حال.

فعندما يمتد مدلولها إلى الوحى السماوى يكون المقصود بها العلم الشرعى أو النقلى الذى بلغته الرسل عن الله, وعندما يقتصر مدلولها على ما اكتشفه الإنسان يكون معناها العلم العقلى الذى حصله الإنسان عن طريق التجربة والعقل فى مجال الطبيعة والكيمياء والحيوان والنبات وخصائص المجتمعات وكل ما يقدم العمران.. بل أنه فى داخل العلم الشرعى نفسه تقسيم آخر يبين أن العلم علمان: علم فى القلب وعلم فى اللسان وهو يخرج عن نطاق بحثنا ويدخل فى مجالات التربية الخلقية...

والعلم بكل مدلولاته يسير فى ظل هداية المدلول الأولى..

بهذه النظرة العملية بأصدق معانى العلن نعالج كل قضايا الوجود ما يكون منها خاصا بالإنسان وما يكون منها خاصا بما سخره الله للإنسان فى السماوات والأرض سار على صراط مستقيم..

وقوانين الجدل لا تتطلب لتقييمها أكثر من العلم بمدلوله الثانى أى من خلال المنهج العلمى للأشياء.. مثلما كان هذا المنهج كافيا لتنفيذ ما سبق من قضايا المادية الجدلية ولا تحتج بالعلم بمدلوله الأول, إلا على الذين يؤمنون بالرسالات السماوية حيث يكون بيننا وبينهم أكثر من سبب يجعلهم أقرب إلينا ويدعونا إلى عملية التصحيح فى مناهجهم التى هى فى الأصل ذات المنهج العلمى للإنسان..

أما هؤلاء الماديون فحسبهم فى مواجهة فكرهم أن ننضى سلاح العلم بالمدلول الثانى وهو نقطة التقاء بيننا وبين البشر عامة... ومن عجيب ان العلم بمدلوله الثانى فقط كاف لدحض ما توهموه علما من جميع قوانين المادة والجدل, وكاف أيضا لتوصيلنا إلى العلم الصحيح بمعناه الشرعى النقلى.

وبنفس المنهج العلمى للأشياء دون احتياج إلى أى منهج فوقع.كان تناولنا لقوانين الجدل التى ضخموها فى نفوسنا فى البداية على غير أساس يستحق هذا التضخيم... وانتهى الحوار حولها إلى سلبها صفة التقديس يخلعونها عليها, فبعضها بديهى وبعضها – بل والذى يعتبر أهملها فى الوقت نفسه – أكثرها خطأ من الناحية العلمية.. وفى أكثر من جلسة مع أكثر من زميل يسير نفس الحوار.

-الزميل : قانون الترابط يعنى ان جميع الظواهر المادية مترابطة الكل فى الجزء والجزء فى الكل... الخ : هذه بديهية غير أنكم تقصرون التصور على المادة فقط تصور أشمل وأوضح تدرجا مستمد من عقيدتنا..

- الزميل : قانون الحركة: يعنى أن كل شئ متحرك...الأخ: قانون الحركة يعنى أن كل شئ متحرك.... وماذا أيضا.الزميل: قانون التغيير : الحركة تكون نتيجة صراع المتناقضات..وإذا ما أضيف شرط خارجى إلى الحركة تبدأ ظاهرة التراكمات الكمية ما يسمى بالتغير الكمى إلى أن يتكون ما يسمى بالكم الثورى وعند لحظة الصفر يحدث التغير المفاجىء فنحصل على حالة من التغيير الكيف تسمى التطور... وهكذا...

الأخ: مدلولات التغير , التطور والتحول وأسبابها العلمية فى جميع الظواهر المادية جديرة بالدراسة.. وهل لم يكن لهذه الألفاظ وجود الماركسية.

الزميل: قانون التناقض: يفيد أن ظاهرة وجود الشئ ونقيضه وحده واحده تسمى وحدة أضداد... وهذان النقيضان يتصارعان..

الأخ: قف.. هذا الكلام غير علمى على الإطلاق.... وإليك أكثر من سبب علمى

كانت الأحاديث تسير على هذا المنوال. هنا وهناك. وكانت البديهات والإكتشافات العلمية البسيطة كافية لدينا لتبديد سراب ما توهموه منهجا جدليا.. حتى وجدنا أنفسنا مرة أخرى أمام القوانين النوعية لكل فرع من فروع العلم على حدة دون تصنع هذه النظرة العقائدية التى عاشوا فى وهمها حتى اليوم نظريا..

ولكن لم يكن الأمر يقتصر على ذلك بل أخذنا فى توضيح مدلولات هذه الألفاظ من خلال المنهج العلمى للإنسان باعتبارها مفاهيم علمية. فألقينا الضوء على مفهوم الترابط والحركة والتغير والتناقض بصورة بسيطة غير معقدة منبنية على أصولنا العقائدية وطبيعة منهجنا... وفيما بعد عندما أتيحت لنا رؤية علمية أوسع وجدنا ما زاد معلوماتنا توضيحا وتأكيدا على نفس ما أقمنا عليه حججنا, من حصيلة ذلك نمر مرورا سريعا على هذه المفاهيم.

الترابط والشمول:

أما عن القول بالترابط بين كل الظواهر المادية فهو قول بديهى أدركه الإنسان من يوم أن أدرك السبب والمسبب والمقدمات والنتيجة والعلة والمعلول.. ولم تخل فلسفة من الفلسفات ولا عقيدة من العقائد من توضيح ما بين الوجود من ترابط..

وفى ضوء المنهج العلمى للإنسان ( العلم الشرعى) الذى كشف عن حقيقة تكوين الإنسان ومركزه فى الوجود, نرى أن القول بالترابط بين جميع الظواهر المادية هو قنطرة إلى إدراك لون أرقى درجة كامن فى علاقة الإنسان بالكون المادى. حيث يكون فى مقام السيد الذى سخرت له كل هذه الأشياء التى يقف منها موقف الفاعل المؤثر فى ترابطها بالتعديل والتغيير والتطوير..

ومن هنا يهتز المعنى الضيق للترابط أمام الإنسان المزود بهذه القدرات. ولم يعط ذلك من خالقه عبثا وإنما ليتم بها أمانة التكليف ومفهوم الاستخلاف. وينفرد الإنسان بعنصر جديد يميزه على سائر المخلوقات الحية هو ما أودعه الله فيه من سر أو ما بث فيه من روح مدركة جعلته أهلا لحمل أمانة التكليف.. وبهذا التركيب الفريد تظهر حاجاته المادية مرتبطة بحاجاته الروحية كل منهما يتأثر ويؤثر فى الآخر وإن ظلت الروح فى مركز القيادة..

ثم تأتى درجة أكبر يكون فيها الإنسان والكون كله فى مقام العبودية لله الذى تفضل بالخلق ويشمل بالعناية والرحمة جميع خلقه,, والذى كرم الإنسان وأعطاه قانونه بيده لمن شاء أن يتقدم أو يتأخر. وتعمل الهداية الربانية على جمع ذلك كله فى دائرة الحب, لا فى دائرة التسلط والجبروت.. وبذلك تشيع العاطفة بين جميع جوانب الوجود.

إنسه وجنه, حيوانه ونباته وجماده, وتوجه كل ذلك لله بالحمد والتسبيح وما الصلاة فى حياة المؤمنين إلا صلة مستمرة بواهب النعم ومعراج لأرواحها إلى موئلها.. ومن كان كذلك قويت العاطفة بينه وبين ما بثه المنعم فى الكون حتى أن رابطته بها لتستضئ هى الأخرى من صلته بمن فطره وفطرها فهى إما أن تكون له خيرا وبركة وأما أن تكون عليه وبالا.. وقد أدرك المؤمنون بقلوبهم من عمق هذه العلاقة ما صار مضرب الأمثال: فهذا أحد الصلحين يقول: ما عصيت الله إلا وجدت أثر ذلك على دابتى.. وهذه امرأة تعذب فى هرة, وهذا رجل يغفر له لسقيه كلبا يلهث وتلك نملة تقول:" يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم.." وهذا هدهد يدرك قصة قوم على غير سبيل المؤمنين.. وعندما مر الرسول عليه الصلاة والسلام بأحد قال: هذا جبل يجبنا ونحبه.. فهذا لا شك أمر عجيب ولكنه طبيعى فى حياة المؤمن الذى آمن بالمصدر وبرب الخلائق جميعا. فتشكلت من ثم نظرته للأشياء وتكيفت علاقته بها بالحب.." وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهن إلا هو.. ويعلم ما فى البر والبحر, وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة فى ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا فى كتاب مبين"... وحول هذا المعنى كتب الشهيد سيد قطب تحت عنوان الشمول فى " خصائص التصور" يقول:" تتمثل خاصية الشمول التى يتسم بها هذا التصور صور شتى: إحدى هذه الصور وأكبرها رد هذا الوجود كله بنشأته ابتداء, وحركته بعد نشأته, وكل انبثاقه فيه, وكل تحور وكل تغير وكل تطور والهيمنة عليه وتدبيره وتصرفه وتنسيقه, إلى إرادة الذات الإلهية السرمدية الأزلية الأبدية المطلقة. هذه الذات المريدة القادرة , المطلقة المشيئة المبدعة.

لهذا الكون, والكل شئ فيه والكل حى ولكل حركة وكل انبثاقة, وكل تحور وكل تغير وكل تطور بقدر خاص وبمجرد توجه الإرادة. وهذه هى حقيقة التوحيد الكبيرة التى هى المقوم الأول للتصور الإسلامى, إلى أن يقول ليه رحمة الله:" إن التصور الإسلامى عن طريق هذه الخاصية فى صورتها هذه يمنح القلب والعقل الإسلامى عن طريق هذه الخاصية فى صورتها هذه يمنح القلب والعقل راحة وطمأنينة, واتصالا بحقيقة المؤثرات الفاعلة فى هذا الوجود كما هى فى علم الحقيقة والواقع – ويعفى الفكر البشرى من الضرب فى التيه بلا دليل. ومن الإحالة على أسباب غير مضبوطة وأحيانا غير موجودة كالإحالة على الطبيعة, أو أفحالة على العقل, أو الإحالة على كائنات أسطورية كالتى تصورتها الوثنيات وتلبست بها الفلسفات على مدار التاريخ.." وما أعظم هذا الشمول فى قوله تعالى :" ألم ترى أن الله يسجد له من فى السماوات ومن فى الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم..؟


الحلقة الثانية عشر: الإمتحان بالرخاء... والإبتلاء بالشدة

- الانضباط الحزبى

أذكر قبل استئناف الحلقات بملاحظتين:

الأولى: أنه ابتداء من الحلقة الحادية عشر دخل عنصر جديد فى حجتنا على الشيوعيين ترتب على إثبات قضية الألوهية وهو:" المنهج العلمى للإنسان" الذى يكون الوحى السماوى ( العلم الشرعى أو النقلى) ركنا أساسيا فيه, ويكون العلم العقلى الذى حصله الإنسان عن طريق التجربة والعقل فى مجال الطبيعة الكيمياء والحيوان والنبات وخصائص المجتمعات وكل ما يقدم العمران ركنا ثانيا فيه.. ويسير العلم بمدلوله الثانى فى هداية العلم بمدلوله الأول... وعلى الداعى الموفق أن يراعى المسافة النفسية بين " يا أيها الناس" و" يا أيها الذين آمنوا" من خلال اطمئنانه أنه أصبح مزودا بقدرتين لا قدرة واحدة.. فهو وإن كان مطالبا بالتفوق وبيان الحجة فى العلم العقلى إلا أنه لا ينفك عن هداية العلم الشرعى فإن احتج " وقال الله"و" قال الرسول" كانت حجته بحقها بالهيمنة على جميع المناهج.. وهذا ما دعانا ابتداء من الحلقة السابقة إلى تقصى كل ما جاء به العلم فى ضوء ما جاء به الوحى.. وأصبح ردنا مزيجا منهما معا وليس على حساب أحدهما..

الثانية: أننا نقدم للحوار الصغير – حوار الفكر مع الفكر -.. بمشهد من الحوار الكبير – حوار المجتمع النموذج مع المجتمع النموذج الذى يجرى صامتا ولكن دلالته كبيرة... وليكون ذلك أشوق للقارئ بمعايشته فى مناخ الحوار فيسهل عليه متابعتنا.

إذا كنا فيما سبق قد رأينا حالهم فى وقت الشدة فإن رؤيتهم اليوم فى حال لرخاء النسبى مما يكشف عن الوجه الآخر من الصورة.. فالرخاء والشدو هما المختبران لكل دعوى كلامية أو أمان نظرية.. وهو أمر يصدق على الأفراد والحكومات والمذاهب وحتى المؤمنين بالله أنفسهم فغن الله لا يرضى منهم هذا الإيمان القولى حتى يختبرهم فيه:" أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا أمنا وهم لا يفتنون. ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين".

ولقد رأيناهم فى حالين من الرخاء أحداهما أكبر من أختها الأولى وهم فى داخل السجن ولها أسباب سنوضحها والثاني بعد الإفراج عنهم جميعا فى أوائل مايو سنة 1964 حيث جرت احتفالات السد العالى فى 15 مايو بحضور خروشوف الذى كان يزور مصر لأول مرة.

وإذا كان من السهل أن نسجل ما أصابهم من تغير فى أعقاب موجة الرخاء النسبى داخل الأسوار فإن من أصعب الأشياء أن نسجل ما اقترفوه فى حق كل المبادئ الإنسانية وفى حق الحرية اثر تبوئهم لأجهزة الإعلام فى مصر حتى صنعوا الهزيمة فى نفوس الأمة قبل أن تصبح واقعا على الأرض مما يحتاج لجهود كبيرة.. وخير ما قرأته من تعقيب على ما نزل باليسار المصرى مؤخرا هو : أن اليسار المصرى يحصد ما زرع".. ولقد زرع الكثير من الأشواك التى أدمت قلوب الأمة وحطمت مقوماتها الأخلاقية والاجتماعية والإقتصادية .. مما يحتاج لزمن طويل لتلاقى آثاره.. ويحتاج لما هو أكثر وأبقى من كل أنواع الإجراءات. إلى الحرية الحقيقية حيث يختنقون فيها كما يختنق الظلام فى النور..

حسبنا اليوم تسجيل حالة الرخاء النسبى داخل الأسوار.. وقد جاءت فى أعقاب عدة حوادث حرنا بادىء الأمر فى تفسيرها. فصل اللواء زكى شكرى مدير السجون, وفصل اللواء همت وكيل المصلحة, وفصل العقيد البشلاوى وغيره من الضباط.. ولم تلبث حيرتنا أن تبددت بعد أن عرفنا السبب الذى أودى بهؤلاء والذى أدى إلى ورود خطاب لإدارة السجن بالواحات بتخفيف المعاملة.. أنه وفاة الشيوعى شهدى عطية بضربة عصا من أحد السجانة بمعتقل " ابو زعبل" وكان" الراحل" يومها فى زيارة ليوغوسلافيا. وتم مجازاة المسئولين قبل عودته إلى أرض الوطن .. وبدأت ظلال هذه المعاملة الجديدة تمتد علينا أيضا.. وها هم أولاء الشيوعيين وقد تقمصتهم روح جديدة وغشاهم الأمل بعد علمهم بتفاصيل هذه القصة.. وهاهو ذا نوع جديد من التطلف فى المعاملة من نفس الضباط الذين كانوا بالمس غلاظا شدادا.. إذ سمح لهم بالتعامل مع الكانتين وبطلب أمانات.. وبتسلم الأشياء المصادرة من علب مأكولات وسجائر وملابس .. وبالجملة فقد بدأت محنة الرخاء وبدأنا نرقب مرة أخرى.

البعض يحمل إلينا الهدايا الرمزية تعبيرا عن الإمتنان.. وكان لقبولنا لها بعد الحاح فرحة حقيقية فى عيونهم أشعرتنا أن حاجات الفطرة إلى بذل الوفاء أحب إليها من كل مال.

والبعض حمل إلينا نوعا جديدا من المشاكل اشتركنا معهم فى حلها .. وسمعنا أيضا عن قصص مفيدة.. الانضباط الحزبى:

ومن قبيل الافتخار بالانضباط الحزبى أخذ كل منهم يبين دوره فى حادث الأمس ونحن نقوم بتنظيم الحديث فيما بينهم.

من فضلكم دعوا الزميل حامد يتكلم أولا, فهو أكثركم حيادا,

- حامد: يعلم الأخ فرح عنى أننى مستقل التفكير, ومنذ أن قابلته أول مرة فى سحن مصر وإلى اليوم وأنا لم ألتق به, ولم أخف عدم اقتناعى بالماركسية, وإن كان ذلك لا يمنعنى من معرفة ما لدى الجميع.. وقد وضعتنى الظروف وسط الزملاء وارتضوا التعامل معى على هذا الوضع ولأول مرة يشعرون بفائدتى بالأمس حيث شكلوا لجنة: فى أعقاب استلام الزملاء للأشياء المصادرة – ولم يجدوا أصلح منى لرئاستها ضمانا لحيادها لحصر الأشياء وإعادة توزيعها, ومن القيام بتفتيش كل زميل علة حدة أخ وما الداعى لقيام هذه اللجنة بالتفتيش ألا يكفى مطالبة الزملاء يرد ما استلموه؟.

هذا ما حدث فى البداية ولكن تبين أن كثيرا من الزملاء تظاهروا بتلسيم ما لديهم فى الوقت الذى احتفظوا فيه لأنفسهم بأشياء أخرى فكان لابد من المسارعة بتشكيل لجنة سرا تقوم بإغلاق جميع أبواب الزنازين على حين غرة حتى لا يتبين الجميع الهدف, ثم تقوم اللجنة بمفاجأة كل زنزانة على حدة وأجرأ تفتيش دقيق لكل كيل على حدة وقد أثمرت هذه الخطة فى الحصول على كل المخبآت.

الأخوة: يا له من انضباط لا يخطر على بالنا أبدا أن نفعله!! لأن بيننا من الثقة والإيثار ما يغنينا عن ذلك.. حتى على مستوى الدولة, فإن الزكاة فى ديننا تقوم على أساس الثقة فى دين من يؤديها وفى صدقه, واشتق لها اسم الصدقات من تبادل الصدق بين من يرديها ويسمى مصديق ومن يحصلها من قبل الحاكم ويسمى مصدق.. فكيف بكم وأنتم بين جدران أربعة تتعاملون على أساس من فقدان الثقة فى أشياء تافهة.. معذرة يا زملاء, فهذه القصة لا تشرفكم.

لكل كوب شاى .. أم لكل حسب حاجته:

ومن أطراف ما عرض علينا من إشكالات ما وقع داخل أحد الأحزاب بسبب الدخان والشاى وتعقدت المشكلة بينهم, ولم تفلح الاجتماعات الحزبية الموسعة فى حلها, وأخيرا ارتضوا تحكيما فيها.. فحكنا بالعدل ولم يعجب الحكم قيادة الحزب...

قامت قيادة الحزب بتوزيع جدول إحصاء على جميع الأعضاء لحصر من يدخن السجائر ومن يشرب الشاى. أدلى الأعضاء بالبيانات كاملة لأن الأمر ليس إلا من قبيل الإحصاء فى ظنهم.

فأجابتهم قيادة الحزب بتوزيع مقررات الشاى والدخان عليهم حسب ما جاء فى جداول الإحصاء باعتباره مبينا لحاجة كل فرد الحقيقية.. فصرف للبعض كوب شاى.. فاحتج الذين لا يدخنون أولا: على خدعة الإحصاء لأنهم لم يفهموا أنه سيعتبر أساسا فى التوزيع.

ثانيا : أن التوزيع قد جرى حسب قاعدة لكل حسب حاجته.. وقد كشف الإحصاء عن حاجتهم الحقيقية واستحكم الخلاف.. وأصر الزملاء, ورفضت القيادة.. وعرضوا علينا هذا الاشكال , فحكمنا فيه بكوب شاى آخر لمن لا يدخنون. ورضى الزملاء بهذا الحكم ورفضته القيادة.. فما كان من الأعضاء إلا أن أصروا على مساواتهم بزملائهم بأى طريقة, فأما أن يقتصر الجميع على الشاي أو يشترك الجميع فى الشاى والدخان معا. وانتهى الأمر بأن اضطر الباقون إلى التدخين أيضا.

وقد أثار هذا الحل تعليقاتنا, ونعينا عليهم فهمهم للجماعية بهذا الأسلوب الضيق, وأن خيرا من هذا التسلط تسليم كل زميل نصيبه الشهرى من المال ليوجه باختياره فيما يرى بلا وصاية من خلال خلق التعاون بين الأفراد والتوجيه والأشراف من السلطة, وبهذا يتم الجمع بين الحسنيين. وكان هذا التغيير الذى بدأ يظهر فى كثير من تصرفاتهم مثار تندرنا بل وسمرنا فى جلساتنا الخاصة.

هناك ما هة أطرف من ذلك لقد أودع بعضهم مبالغ لدى بعض الإخوان لكى يأتونهم فى السر ويشترون ما يطيب لهم بعيدا عن أعين الحزب. وهم ينصرفون بحيث لا تصلهم الأمانات بالطريق الرسمى.

طبعا عندما يعود الزميل من عندنا يكون أكثر حماسا وثورية وتباكيا على حقةق الطبقة المهضومة.

وبدين الاستغلال وجميع التطلعات البرجوازية..

أنسيتم يوم كنا فى سجن جناح وكانت خيامنا محاطة بجميع أصناف الخضروات , ولم يكن حول خيامهم إلا شجر الخروع وعيدان الذرة..

والسبب ان كل محاولاتهم فى الزراعة فشلت لأن السطو الليلى قضى عليها فى مهدها فاكتفوا بالخروع وعيدان الذرة..

هذا فضلا عن فقدانهم للعقلية المبتكرة فكل مشاريعنا فى الزراعة أو فى الورش أو تغيير حياة السجن, كنا نحن الرواد فيها وهم ناقلون عنا بعد مسافة زمنية..

لقد ذكرنى التفتيش الذى قاموا به لكل زميل بكثير من قصص الإيثار عندنا التى نعتبرها شيئا عاديا أنا شخصيا أعلم قطعة شيكولاته تداولت بين سبعة من الإخوة رجعت لصاحبها الأول الذى أثره أخاه بها. على كل حال .. نرجوا ألا تشغلنا هذه الظواهر عن الانتهاء من جلساتنا.. فهى متوقعة ونتيجة طبيعية لعقيدتهم.. أنهم الآن ماديون فعلا..

الحوار الصغير

ونعود إلى المرور على بقية قوانين الجدل من خلال التذكير بأن ما قلناه يومها كان كافيا لتنفيذها ونضيف عليه اليوم ما هو جديد فى بابه.

أما عن قانون الحركة:

تقوم المادية الجدلية على افتراض الحركة من داخل المادة بفعل صراع المتناقضات فيها وتفضى هذه الحركة إلى إحداث التغييرات والتطورات إلى غير غاية أبعد من مجدر حدوث التطور باعتباره قيمة تقدمية مطلقة... وهذا مجمل تعريف لينين فى " الكراسات الفلسفية" إن وحدة الإضداد شرطية زمانية متحولة نسبية, وصراع الأضداد الطارد بعضها بعضا بالتبادل مطلقة".

وسواء أكانت الحركة من داخل المادة أو من خارجها فإن ذلك لا ينفى فعل القدرة الإلهية فى تدبيرها وقصدها.. تلك كانت عقلية أوروبا فى القرن التاسع عشر.. عقلية أوروبا الهاربة من الكنيسة والتى كانت تحت عقدة الهرب هذه تسارع من غير روية فى اتخاذ الاكتشافات العلمية مبررا نفسيا – لا – علميا فى الجحود والإنكار.. تظهر هذه العقلية فى إجابه علامة الفلك" لا بلاس" عندما وجه إليه نابليون فى مطلع القرن التاسع عشر سؤالا عن عمل القدرة الإلهية فى تنظيم الأفلاك السماوية. وكان ذلك السؤال بسب ظهور كتابه عن علم الحركة العلوية أو ( الميكانيكية السماوية) وفيه يشرح حركة الفلك ويعللها بالقوانين الآلية- فقال علامة الفلك مجيبا نابليون على سؤاله" إننى لم أجد فى نظام السماء ضرورية للقول بتدبير اله".

وأهم ما يؤخذ على الفكر المادى أنه جعل صراع المتناقضات هو الحركة فى كل شئ. وسنرى عند تناولنا لقانون التناقض أن هذا الغرض تحكمى ولا أساس له من العلم.. وأن التوازن الحادث فى الأشياء هو علة الحركة.. وفى هذا يقول الشهيد سيد قطب فى الخصائص" إن الحركة هى قانون من قوانين الكون وهى كذلك قانون الحياة البشرية بوصفها قطاعا من الحياة الكونية ولكنها ليست حركة مطلقة من كل قيد وليست حركة بغير انضباط ولا نظام فلكل نجم ولكل كوكب فلكه ومداره وله كذلك محوره الذى يدور عليه فى هذا المدار... وكذلك الحياة البشرية لابد لها من محور ثابت, ولابد لها من فلك تدور فيها وإلا انتهت إلى الفوضى وإلى الدمار كما له انفلت نجم من مداره أو ظل بغير نحوره بلا ضباط ولا نظام.. من ثم كان هذا التصور الربانى ثابتا لتدور الحياة البشرية حوله وتتحرك فى إطاره وهو مصنوع بحيث يسعها دائما ويشدها دائما وهى تنمو وترتقى وهى تتطور وتتحرك إلى الأمام.

والآيات القرآنية تكشف عن عمل القدرة الإلهية فى حركة الكونية وتوازنه قال تعالى:" إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده أنه كان حليما غفورا" وقال جل شأنه " ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه" وقال تعالى" والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون.."

أما غاية الحركة عند الماركسية فهى حدوث التطور وهكذا إلى ما لا نهاية وستعالج ذلك بدراسة مفهومهم للتطور من خلال منهجنا العلمى للإنسان..

قانون التغير:

غاية الحركة فى فهمهم هى حدوث التغير فالتطور.. لأن التغير عبارة عن حركة إلى أعلى فى ظل ظروف معينة جدلية تجعل الظاهرة المادية ذات كيف جديد يعتبر تطورا.. والانتقال من طور إلى طور يحدث فى نظر الماركسيين بطريقة فجائية أى بانقلاب فجائى عند ثورى عند اللحظة الحاسمة.. وليس وراء التطور غاية أبعد باعتباره قيمة تقدمية..

وشيوع فكرة التطور كان من تأثير نظرية دارون التى زاد الإفتتان بها حتى أنها أحدثت تغييرا تاما فى كل نواحى البحث العلمى شمل تفسير كل العلوم من الفلك إلى التاريخ إلى الأحافير إلى علم النفس وعلم الأجنة إلى الدين كما ذكر " وست" فيما كتبه عن كتاب أصل الأنواع.

وفضلا عن ذلك فقد نشأت تطبيقات لهذه النظرية استغلت فيها استغلال سيئا لتبرير التصرفات والأوضاع الخاطئة.ز فقد اتخذت الفاشية نظرية الانتخاب الطبيعى والبقاء للصلح مبررا للقضاء على بعض الأجناس البشرية, وكذلك استغلها تجار الحروب فى تبريرهم الحرب بأنها تقضى على العناصر الضعيفة وتستبقى القوية. كذلك اتخذتها الشركات الكبرى ذريعة للقضاء على الشركات التجارية الصغيرة..

كذلك استغلتها الماركسية فى تبرير صراع الطبقات وانتقال لمجتمع من طور إلى طور آخر.

ونلاحظ على ذلك ما يأتى:_

1- أن نظرية دارون التى اتخذت سندا علميا للفكر الماركسى فى التطور.. تحتاج لدراسة خاصة لتقييمها من الناحية العلمية ... وقد ظهر العيد من الدراسات فى هذا الشأن ولم يعد لها اليوم صورتها الأولى وتجاوزها المستوى العلمى الحالى إلى آراء جديدة لا تحقق للشيوعيين ما كانت تحققه لهم النظرية القديمة.. وهذا وجه تمسكهم بها حتى اليوم كمغالطة علمية وقد تتبع الأستاذ العقاد الفكرى الأوروبى فى القرن العشرين تجاه هذه القضية وضمنه كتابة القيم " الإنسان فى القرآن الكريم" ولبعض العلماء المعاصرين دراسات قيمة فى ذلك ومنذ شهر تقريبا تناول الدكتور زغلول النجار فى عدد من المحاضرات وفى الإذاعة والتليفزيون هذه القضية التى لم تعد تصلح للاستغلال من جانب الماركسيين.. وهذا ميدان خاص من الدراسة المتخصصة.

2- ان كل ما قد يصدق على بعض الظواهر المادة أو صور الحياة من تغير أو تحول أو تطور فإنه يجب أن ننأى به عن ذات الله تعالى لأنه ليس كمثله شئ و الذى أعطى كل شئ خلقه ثم هدى كما تنأى به عن القيم الثابتى التى جعلها اله معراج التعامل بينه وبين أكرم مخلوقاته وهو الإنسان..

هذا الثبات فى عقيدتنا فى الله, وهذا الثبات فى قيم تعاملنا معه يمثل المحور الذى يدور عليه السلوك البشرى وتلتئم معه الأفكار وتتوحد المشاعر من خلال كل الظروف المادية والإجتماعية فى تغييرها أو تطورها .. ومن ثم تتكافأ الأجيال فى أعباء التكليف وفى فرص الاختبار ويصبح للكينونة البشرية كلها فى جميع أزمانها وأطوارها أصلا ثابتا تترقى حياتها فى مداره وتنمو وتتقدم.

وهذا فى الوقت نفسه ما يبذل الشيوعيين كل جهدهم فكريا لهديه. وخاصة فى مجال القيم والعقائد والتشريعات بدعوى أنها قضايا نسبية .ز وكثيرا ما حاولوا من خلال أجهزة الإعلام عمل فجوة بين الأجيال لكى ينفصل الجيل الجديد عن كل ما سبق بدعوى التقدم والتطور.. وكثيرا ما يتناول بعض القضايا العلمية بأسلوب يطبع فى النفس التمرد على كل شئ سبق ومجال تفضيل ذلك فى كل مجال مما يطول شرحه.. وقد ذكر الشهيد سيد قطب بهذا الخطر فى خصائص التطور فى قوله " فكرة التطور المطلق لكل الأوضاع ولكل القيم ولأصل التصور الذى ترجع إليه القيم فكرة تناقض الأصل الواضح فى بناء الكون وفى بناء الفطرة ومن ثم بنشأ عنها الفساد الذى لا عاصم منه.. أنها تمنح حق الوجود مجرد الوجود لكل تصور ولكل قيمة ولكل وضع ولكل نظام ما دام تاليا فى الوجود الزمنى ونحن نعرف أن الفكرة الأوروبي فى هروبه من الكنيسة ورغبته الخفية والظاهرة فى خلع نيرها قد مال إلى نفى فكرة الثبات – على الإطلاق – واستعاض عنها فكرة التطور - على الإطلاق – لم يستثن منها أصل العقيدة والشريعة بل لقد كانت فكرة ثبات مقومات العقيدة والشريعة بالذات هى التى يريد التفلت منها والتملص والخلاص.."

وسلوك الفكر الغربى هذا المسلك مفهوم لنا جيدا من خلال الإستعراض السابق – له ما يفسره وإن لم يكن له ما يبرره على إطلاقه.. إن دارون وهو يقرر مذهب التطور فى خط سير الحياة , لم يكن بحثه يتناول إلا جزئية سطحية من جزئيات هذا الكون تبدأ بعد وجود الحياة ولا تمتد إلى مصدر الحياة ولا إلى الإرادة التى صدرت عنها الحياة".

3- يرى الماركسيون أن غاية الحركة هى حدوث التطور باعتباره قيمة عليا – وهذا إلى ما نهاية يريدون بذلك أن يتفادوا وجود الثبات فى أى شئ فالأمر لا يخرج عن الصراع فالحركة فالتطور.. ويخشون من أى فكر أو قول علمى يهز هذه الصورة المقدسة لديهم ونرى أن الحركة هى الجانب المحيط بجميع صور التغير أو التطور.. حتى صارت الغاية هى الوصول إلى حركة أعلى..

ففى مجال المادة نشاهد ثبات حركة الذرات ولكنها عندما تدخل فى تفاعلات تظهر فى مركبات جديدة.. وزوال هذا الثبات فى صورة تفتيت الذرة له تنحية واحدة هى الانفجار..

وفى مجال الكون نشاهد ثبات حركة الأفلاك. وزوال هذا الثبات له نتيجة واحدة هو الدمار .

أما شرح هذه التفاعلات فقد بينه بوهر حين فرص أن القذيفة النووية إذا أصابت نواه تستقر فيها فتضيف القذيفة إلى النواة وتوزع هذه الطاقة على أفراد النواة فإذا كانت النواة خفيفة وليست مكتظة بالنيوكلونات فإن القذيفة النووية يحتمل أن تنفذ خلال النواة كما ينفذ الضوء خلال الزجاج دون أن يعترض مرورها شئ. أما إذا كانت النواة تحتوى عددا أكبر من النيوكلونات فهناك احتمال التصادم بينها وبين القذيفة وعندئذ توزع الطاقة القذيفة على النيوكلونات بسرعة كبيرة ثم على النواة ويطلق على النواة حينئذ اسم النواة المركبة..

فإن جميع الجسميات النووية داخل النواة تتلقى دفعة من النيوترون القريب الساقط عليها من الخارج, وعندما يسقط النيوترون على النواة وتوزع طاقته على النواة كلها يقال للنواة أنها أصبحت ساخنة ويشبه ذلك إطلاق رصاصة عل كومة من الرمل فتسخن بعد انطلاق الرصاصة عليها.. ولنأخذ ذلك مثلا.. جسما طاقته 8 مليون أليكترون فولت أطلق على نواة ما فبمقارنة ذلك بقوانين الحركة للغازات نجد أن درجة الحرارة لهذه النواة تصبح 10,000 مليون درجة.. وهى درجة عالية ولكنها تؤثر فقط فى الجزء الصغير الذى تسقط عليه.. وبمقارنة النواة بقطرة الماء نجد أن النواة يجب أن تتبخر عند درجات الحرارة العالية كما تتبخر قطرة الماء... ومعنى ذلك أن جسيما أو أكثر من داخل النواة يجب أن ينبعث منها. والنواة المركبة نواة غير مستقرة يجب أن تتخلص من جزء من طاقتى حتى تصبح نواة مستقرة..

ويكون التخلص من الطاقة الزائدة على هيئة أشعة جاما أو بقذف جسيم معين كما هو واضح بالجدول وتحدث منافسة بين الطريق المختلفة للتخلص من الطاقة الزائدة وأيهما أسرع فد تقديم الخدمة للنواة المركبة يحمل العبء الأكبر... حتى تعود مرة أخرى إلى نواة مستقرة.

وفى ميدان الاجتماع تتطور حركة الإنسان من محيطه الفردى إلى محيط الأسرة إلى محيط المجتمع كلها صور حركية تنتهى دائما بوحدة حركية أكبر والخروج من مجال الحركة الصحيحة فى كل ذلك له نتيجة واحدة هى الظلم فى حق النفس أو الجريمة فى حق الأسرة أو فى حق المجتمع... ومن" ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه"..." تلك حدود فلا تعتدوها".

وفى مجال العبودية الصحيحة لله يتم الدوران حول حقائق العقيدة وغايتها الكبرى.. ولعل فى مناسك الحج إشارة إلى بلوغ الهدف بالدوران حول محور ثابت.. وما دام التوجه بالعبودية إلى الله من كافة الخلائق تعنى التوجه معنى ثابتا مستقرا.. فمن الطبيعى إذن أن يصير كل الوجود إلى بارئه فى ترقية أى أنه فى سعى وشوق دائمين لبلوغ الإستقرار والسكينة التى تأتى كلما اقتربنا من ذات الله تعالى علما وحالا وكلما انتظمت المخلوقات على سنتها..

من هنا نستطيع أن نقول أن هدف التطور هو الوصول إلى حركة أرقى متوازنة وليس هدف الحركة هو التطور لأن المعنى الأخير يلقى بالإنسان والأشياء فى متاهة اللانهاية والمفهوم الأول يشرق على الإنسان بأمل الوصول والاستقرار والاطمئنان.. " يأيها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية".


الحلقة الثالثة عشر: ليس هناك.. قاعدة نلتقى عليها.. أنتم ونحن

- صراع أم تزاوج؟

- هل الطبيعة جدلية؟

لقد انتعشت أحلام الشيوعيين بعد علمهم بتفاصيل قصة الخطاب الذى أدى غلى تخفيف المعاملة فى السجن.. وإلى فصل عدد من ضباط المصلحة.. واطمأنوا إلى أن الأوضاع لن تبلغ من السوء حدا يخشونه بعد ذلك وأحست إدارة السجن بدورها بهذه لحقيقة فسارعت إلى ممالأتهم وظهر أثره واضحا فى أسلوب تعاملهم مع الإدارة بصفة خاصة.. بل تعدوا الإدارة إلى من هم أعلى سلطة منها.. فعندما حضر اثنان من كبار ضباط الأمن لمقابلتهم أحدهما برتبة لواء كالوا لهما الشتائم وشيعوهما باللعنات.

وكان من الطبيعى أن تنفتح آمال الشيوعيين فى المستقبل الذى داعبهم , وأن يبلغ بهم الطموح حدا بعيدا يدعوهم إلى مفاتحتنا فى عمل جبهة وطنية... وأخذوا يدورون حول الموضوع ثم أسفروا عن مقصدهم بعد ذلك واضحا.. ودخل الزميل فى الموضوع حين قال:

لقد كشف التطور السياسى لشعبنا فى هذه الفترة المرحلية عن القوى الوطنية القادرة على إحداث التغيير الاجتماعى.. ولكن هذه القوى الوطنية مختلفة مع بعضها أمام العدو المشترك..

قلنا: تكلموا بصراحة أكثر؟.

قالوا: تقصد أن فى البلد الآن قوتين وطنيتين نحن وأنتم كل قوة منها لها نظريتها فى التغيير الاجتماعى.. أمامهما عدو مشترك هو البورجوازية العسكرية التى تخدم مصالح الأمبريالية العالمية.. وتفكك القوى الوطنية أتاح للعدو المشترك أن يوجه إليها ضربة قاضية.. فما الذى يمنع من دفع هذا الخطر المشترك عن طريقنا.. ألا تتفق مصلحتنا فى هذا السجن أحيانا حين نقوم بالضغط على الإدارة لتحسين وسائل الحياة فما الذى يمنع من خطوة مماثلة على الصعيد القومى لدفع خطر مشترك عن الوطن كله..

قلنا: وبعد أن تقضى على الخطر المشترك... كيف تعمل الجبهة الوطنية بعد ذلك؟

قالوا: فى هذا الوقت تبدأ مرحلة جديدة يكون فيها الصراع بين طرفى التحالف.. ويكون البقاء للصلح.

قلنا: البلد مليئة بطوائف كثيرة بعضها أكثر منكم عددا.. فما هو معيار وطنيتكم الذى دعاكم إلى افراد أنفسكم بالوطنية دون هذه الطوائف جميعا؟!

قالوا: هو أننا نحمل نظرية تقدمية.. ولنا تاريخ فى الكفاح السياسى, ( فابتسمنا عند ذكر هذه العبارة)

قلنا: وإذا افترضنا أن الصراع قد انتهى لمصلحتكم محليا.. كيف تسيرون فى سياستكم الخارجية؟

قالوا: تشارك فى كل حركات التحرر الوطنى بمساندة قوى التقدم العالمية حتى يتم القضاء على قوى الإستعمار والامبريالية العالمية وتتحقق الثورة الشاملة.

قلنا: يعنى – بعبارة أبسط - ترتبطون بروسيا وتعطونها الولاء والقيادة.

قالوا: ليس باعتبارها قوة استعمارية بل باعتبارها التجربة الرائدة فى هذا الميدان.. ميدان التقدم.

قلنا: إذن فاسمعوا رأينا القاطع فى هذا الموضوع..

انتم منطقيون مع نظريتكم وصرحاء مع أنفسكم, فى كل خطوة تكتيكية سمعناها اليوم أو علمناها قبل اليوم لأنها صدى لأصولكم العقائدية التى إن تغيرت تغير وراءها كل أسلوب وكل تكتيك( كنا نشير بما علمناه قبل اليوم إلى أقوال وتصرفات سابقة.. من ذلك ما قالوه من أنهم لن يقوموا بإلغاء أى أثر للإسلام فى يوم وليلة, بل سيستخدمون أجهزة الإعلام فى تغيير كل مظاهر الحياة بالتدرج تحت دعاوى التقدم والأفكار الجزئية والمواد الجديدة دون الاصطدام المباشر بمعتقدات الأمة وقيمها إلى أن يصبح الناس فى مناخ جديد يختلف عن الأول تماما بحيث يخجل المصلى من نفسه إذا فكر فى الذهاب إلى المسجد... وقولهم بروح رياضية بأن الدقائق الأولى ستكون مخصصة للقضاء علينا... أو بروح فكاهية لأحد الأخوة... أما أنت يا اسماعيل فستعين وزيرا للشئون الدينية... يعنى لتصفية الشئون الدينية؟!

وكنا نشير بقولنا السابق ايضا إلى ما هو معروف لنا ولهم عن مجلس قيادة الثورة الذى شكلوه من قبل الاعتقال, لتولى مقاليد الأمور ويتكون من ستة أشخاص أغلبهم من اليهود والمسحيين.. أشهروا إسلامهم رسميا وتسمى أحد اليهود باسم أحمد صادق كما أعطوا أبناءهم أسماء تبعد الشبه عنهم مثل هشام وطارق وياسر.. ولكن الاعتقال المفاجئ عطل خطتهم.. أما ما دعانا الابتسام عند ذكر تاريخ كفاحهم السياسى فهو ما نعلمه أكثر من غيرنا عن بطولاتهم فى هذا الميدان.. فهم قد يصدرون فى إحدى المناسبات الوطنية منشورا محدود التوزيع جدا.. ولكن فائدته تكمن فى الإشارة إليه بعد ذلك فى مجال التعرض للتاريخ الوطني فيقال أن الحزب قد أغرق البلاد بمنشورات ثورية تدعو إلى كذا ويستشهدون بعبارات المنشور النارية التى تجعل القارىء يتوهم أنه لم يكن فى الميدان غيرهم بمثل هذه الجرأة والفدائية.. وشئ آخر عجيب هو سرق البطولات .. بمعنى قدرتهم على تبنى" شخص وطنى" مات فى أحد المواقف ونسبته إليهم والتباكى على ثوريته وضربه, نموذجا للجيل الصاعد والمرحوم لا صلة له بهم اطلاقا.. والشئ الذى بلغ الطرافة فى احدى الجلسات الخاصة بأحد الأحزاب أنهم قصوا علينا تاريخهم البطولى فى حرب القناة وما قاموا به من عملية فدائية أمام نفس الأخوة الفدائيين الذين أشرفوا على تنفيذ هذه العمليات بالذات, والأخوة يأخذهم العجب للحماس والانفعال البادى على المتحدثين عن هذه العملية وقدرتهم على الإجابة على الأسئلة التى توجه إليهم توقف..

كان ذلك وراء استعدادنا للرد على كل ما جاء فى حديثهم قولنا القاطع لهم:

- يا زملاء.. إننا بموازيننا العقائدية نعتبركم تحملون مجرد شعارات سياسية لا أصالة لها من الناحية العلمية. وهى شعارات – فى تقديرنا – بالبشرية فى أسوأ ما عرفه تاريخها من تخلف .. وأقصى ما يحدث بيننا فى يوم من الأيام هو عقد الندوات الفكرية للبحث عن الحقيقة أما فكرة العمل السياسي فهى مستبعدة تماما لأننا بمعيار الوطنية وضعتموه لا نعتبر ان نظريتكم لها صفة التقدمية بل لا توجد نظرية الإطلاق, وخير لكم ولكل مذهب آخر على وجه الأرض ان يعيش فى الإسلام حتى يبرأ من علله ويعود أصحابه إلى الطريق الصحيح.. ولن يجدوا غير الإسلام حاضنا لالآم البشر حتى يثوبوا إلى الرشد.. والأقليات كانت تنعم فى ظل الإسلام بما لا يتمتع به فى ظل دول أخرى لها نفس عقيدتها.. واليوم فقط فهمنا أن انتشار الملل وحياتها بجوار الإسلام على مدار القرون هو شهادة على سمو وسماحة هذا الدين الذى وسع غيره من المعتقدات واعتبر بعضهم أهل ذمة حين لم تكن قوة على الأرض تحول دون إبادتهم جميعا بمنطق الغرائز البشرية, وهو ما فعل بالأقليات المسلمة على يد محاكم التفتيش فى أوربا, وهو ما يفعل حتى اليوم بالفرد الضعيف الذى يخالف معتقدات أى حزب من الأحزاب التقدمية حيث تسد أبواب الحياة والمناصب والأمل فى وجهه.. والطامة الكبرى لو كان معه غيره على معتقداته.. ووجودنا خير شاهد على ذلك. فما بالكم لو كنا فى روسيا.. ربما لم نظفر بمثل هذا الاجتماع فى سيبيريا.. نحن يا زملاء لا نرتضى أن تتحرر مصر من نير الاستعمار لتقع فى براثن استعمار جديد أشد وأنكى.. ونحن نعتبر أن أضعف التكوينات السياسية أو الدينية أقرب إلى قضايا الإنسان منكم والتالى أمثر وطنية.. وخير لنا أن نموت جميعا على يد أى حاكم مهما كان خلافنا معه عن الدخول فى جبهة معكم.

- بقى أن تعلموا أن هذا المنطق لم يستلزم التوقف عن الإدلاء به, ريثما يبحث فى القيادة العليا ثم ينزل إلى القاعدة كما نلمس بينكم من خنق القدرات الفردية عن التفكير بل هو نابع من فهم عدد من الشباب لإسلامهم لا أكثر ولا اقل ,لا يمثلون به حزبا أو جماعة لأنه من وحى فهمنا للإسلام لا من تكتيك السياسة.."

- وحرصنا تماما على ألا نخوض فى مثل هذا الحديث بعد ذلك, وأدركوا جدية ذلك لدينا ولم يتورطوا فى طرق هذا الموضوع مرة أخرى وبقيت بيننا مجالات الفكر مفتوحة بلا حرج..

قانون التناقض:

- وجاء دور قانون التناقض. ذلك القانون الأساسى الذى تصدر عنه بقية القوانين العامة الأخرى أتينا عليها وأبقينا رأسها لخاتمة المطاف.. وقال لينين فى الكراسات الفلسفية:" أن المعنى الدقيق للجدلية هو دراسة التناقضات داخل ذات جوهر الأشياء"... ومن عجيب الأقدار أن يكون هذا القانون هو أهم القوانين عندهم ويكون فى الوقت نفسه أكثرها تهافتا.. بل وأبعدها عن منطق العلم... وهم يستخدمون فيه أسلوب المغالطة التى تخفى على الكثير. أة على حد تعبير كاريوهات: " يتعنتون فى اختيار أى ظاهرتين غير متشابهتين تتناسب مع أغراضهم زاعمين أنهما متناقضان أو متعارضان ويسمونهما الفكرة ونقيضها ويحولونها إلى ظاهرة ثالثة يصونها بتآلف النقيضين ويطلقون على العملية كلها – الجدلية

- وقياسا على الظواهر المادية قالوا: بأن المجتمع البشرى باعتباره ظاهرة مادية, به طبقتان بسبب الملكية الفردية لوسائل الإنتاج, ويدور بينهما الصراع الذى سينتهى بانتصار الطبقة الأكثر عددا والأسوأ حالا.

وقبل أن نتناول هذا الكلام في ضوء العلم في القرن العشرين وصمت الشيوعيين أمام الحقائق صمت يلزم الإشارة أولا على نبذة تاريخية عن فكرة لجدل ومبدأ النقيض.

نبذة تاريخية:

كلمة الجدلية معناها البحث أو المناقشة للوصول إلى الحقيقة بالكشف عن المتناقضات التى تنطوى على حجج المتنازعين.

وكلمة النقيض ليست سوى مقولة عقلية مجردة ابتدعها الفلسفة لتفسير الظواهر المختلفة... وقد استخدم سقراط الجدلية في محاورات أفلاطون.. وعندما وضع أفلاطون نظريته المشهورة: بأن الأفكار وحدها هى الحقيقة وأن الظواهر هى مجرد انعكاس لها, أطلق اسم الجدلية على العلم الذى يصل إلى معرفة طبيعة الأفكار.

وقد استخدم الفيلسوف الألمانى المثالى" مبدأ النقيض للتدليل على أصالة العقل الإنسانى واسبقيته في الوجود, وأنه الوجود الحقيقى الذى لا يتوقف وجوده على غيره, وأن له القدرة على الحق , وأن حريته مطلقة لا يحدها شاهد ولا حس ولا وحى, وأن المجتمع الإنسانى والقانون والدولة والخلقية من آثاره , وأن هدقه الأخير أقامة الروابط الأخوية بين الناس في ظل دولة عالمية..

وكان هدف " فيشته" هو التخلص من إله الكنيسة فأقام العقل العا لا سدنة له ولا كهنة ولا كرادلة ولا باباوات... وهو الأمر الذى هدف إليه التيار للفلسفة المثاتلية الذى نادى بسيادة العقل على النص والطبيعة معا على ما سبق ذكره في فصل " أسباب انتشار التفكير المادى في أوروبا".

واستخدم نفس المبدأ الفيلسوف الألمانى المثالى" هيجل" في توضيح قيمة العقل الإنسانى وقيمة فكرة الألوهية, وذلك على اعتبار أن الله عقل.. وإذا كانت الجدلية هى فكرة ونقيضها ثم تآلف النقيضين الذى يحتضن ما هو حقيقى في الفكرة ونقيضها فإن هيجل قد استخدمها في توضيح علاقة الخالق بالطبيعة.. ونلاحظ أن التفكير المثالى دائما في شطط, لأن الوحى السماوى هو العاصم في هذه القضية بالذات على ما سبق توضيحه, وسيظهر ذلك واضحا في فكر هيجل أكبر الفلاسفة المثاليين.. حيث تصور أن هناك فكرة مطلقة أسماها " العقل المطلق" ولهذا العقل المطلق وجود ذاتى أزلى قبل خلق الطبيعة, وقبل خلق العقل المحدد.. هذا العقل المطلق هو الله, ومنه تنبثق الطبيعة وهى تغاير تماما إذ أنها مقيدة محددة ومتفرقة بينما العقل المطلق واحد وحدة مطلقة عن كل قيد.

وبوجود الطبيعة ظهرت أو انتقلت الفكرة التى في العقل المطلق غير المحدد فيما وجوده مقيد محدد, فالطبيعة هى خروج الفكرة من دائرتها الأولى وتعتبر لهذا مقابلا ونقيضا للفكرة في العقل المطلق.. ولكن الفكرة في الطبيعة تسعى من جديد لتكسب الوحدة الأولى التى كانت في العقل المطلق بعد أن أفتقدتها تفرق الكائنات فيها وتسعى لتحصيلها وتحقيقها ثانيا وتحصليها عندئذ هو " العقل المجرد" وإذا ما رمزنا للعقل المطلق بالدعوى فالطبيعة عندئذ تكون مقابل الدعوة, و" العقل المجرد" هو جامع " الدعوى ومقابل الدعوى".

فالفكرة في نظر هيجل انتقلت من ذاتها كعقل مطلق إلى نقيضها وهو الطبيعة كعقل مقيد, ثم انتقلت من النقيض إلى جامع يلتقى فيه الشئ ونقيضه وهو العقل المجرد الذى يكون في صورة اتصال العالم بعضه ببعض سواء ما يأخذ منه طريقه إلى الظهور أما ما يظهر بالفعل .

وهذا العقل المجرد يتمثل في القانون والأخلاق والفن والدين والدولة والجماعة والفلسفة.

وإذن فالعقل المجرد الذى يتحقق في أى واحد من هذه القيم العامة المذكورة جامع لمتقابلين, جامع للفكرة في العقل المطلق وهو الله, وللفكرة في العقل المقيد وهو الطبيعة, إذ ليس له اطلاق العقل المطلق ولا تحديد عقل الطبيعة, بل فيه اطلاق بالنسبة إلى الطبيعة, وفيه تقييد بالنسبة إلى العقل المطلق. ولذل يعتبر جامع الدعوى أو مقابل الدعوى.. ففكرة الألوهية ظهرت وتجلت في الطبيعة المفرقة المحددة واجتكعت من جديد في العقل المجرد, وبقدر ما تبعد الطبيعة عن الله بقدر ما يقترب العقل المجر منه, فالعقل المجرد إذن يمثل الله أثر مما تمثله الطبيعة.

وأراد هيجل باستخدام مبدأ النقيض هذا ألا يجعل الطبيعة غاية أخيرة للإنسان, إذا ستنتقل إلى العقل المجرد الذى يتمثل في القانون والأخلاق والدولة, وكلها تعتبر موجودات إلهية على الأرض.. ولذل يتحدث عن الدولة كصورة من صور العقل المجرد بأنها: الإرادة العاقلة الإلهية وبأنها الإله على الأرض . ويرى لذلك أن لها مطلق الحق قبل الأفراد وأن على الأفراد بطريق الألزام المطلق أن يكونوا أعضاء في الدولة وأن يطيعوها طاعة عمياء.. وبهذا دعم هيجل حكم الامبراطور المطلق, ولذلك كان يسمى بفيلسوف البلاد.

وأراد هيجل باستخدام مبدأ النقيض كذلك بل في الدرجة الأولى أن يؤكد سيادة العقل على الطبيعة لا على الدين, وهذا هو الفرق بينه وبين " فيتشه"..ورغم المآخذ الكبيرة على هذا اللون من التفكير الفلسفى المثالى سواء عند فيتشه أو عند هيجل إلاأن الذى يعنينا في هذا المقام هو مقدار تأثر ماركس بفلسفة هيجل, وكيف أنه استخدمها في مجال المادة, وفى هذا يقول ماركس:" إذا كان الفكر جدليا فذلك لأن الواقع جدلى" ويقول " ليست طريقتى الجدلية مختلفة فحسب عن طريقة هيجل وإنما هى نقيضها المباشر, فهيجل يرى أن عملية التفكير هى " الخالق " للعالم الحقيقى والعالم الحقيقى ليس إلا المظهر الخارجى " للفكرة" أما أنا فأرى من ناحية أخرى ان المثل الأعلى ما هو إلا العالم المادى الذى يعكسه العقل البشرة وتترجسه عبارات التفكير".

من كل ذلك نرى أن اصطلاح الجدلية المطلق على عملية التنازع والتوفيق التى تجرى ضمن الواقع ذاته وداخل الفكر البشرى بشأن الواقع, ويرى فيها أدمون ذلك المثلث السحرى الذى أثر في الماركسية تأثير الخرافات والأساطير الدينية لأنها كما يقول ولسون تركز عقد المجتمع في تأييد ومعارضة ظاهرتين, وهى بتأكيدها النتيجة النهائية للنضال ترمز إلى الثورة المتكررة التى تقوم بها القوى الشابة المطردة النمو ضد القوى الهرمة.."

وهكذا نرى أن جميع الماركسيين ملزمون بتطبيق الجدلية على أية مشكلة قد يعالجونها وإن كانت غالبا ما تكون مضللة, والانتقاد الشائع لأى مشروع يفشل , وهوالقول بأن أصحاب المشروع عجزوا عن القيام مقدما بتحليل جدلى صحيح" لأن قوتها مستمدة من أنها تمكن الحزب من الإهتداء إلى التوجيه الصحيح لأى موقف , فهم العلاقة الداخلية للأحداق الجارية والتكهن بمجراها وإدراك الاتجاه الذى تتجه إليه في الحاضر وكيف ستتجه إليه في المستقبل".

والجدلية أصبحت فلسفة تدرس في جميع مراكز التعليم الشيوعى تحت عنوان " التدريب على فن التفكير". بعد هذه المقدمة التاريخية نبدأ في دراسة التناقض وصراع التناقضات علميا وهل هو موجود في الطبيعة فعلا؟! أم ماذا؟...


الحلقة الرابعة عشر: مقولو قانون التناقض .. خطأ علمى.. يطبع السلوك بالتمزق

العلاقات في الوجود .. قائمة على التوازن.. والتزاوج والإتساق طالب الثانوى اليوم.. يعلم أكثر مما كان يعلمه هيجل وماركس

القول بقانون التناقض وصراع الأضداد خطأ من الناحية العلمية. لأن ظواهر الوجود قائمة على اتوازن الناتج من الحركة حول محور ثابت فالتوازن هو الأصل والصراع يحدث عند الاخلال بهذا التوازن,. ومن ثم كان الصراع معطلا للحركة ومعوقا للتقدم, وليس عاملا في الحركة وباعثا على التقدم.. واشتداد الصراع قد ينجم عنه التدمير الكامل للظاهرة محل الصراع.. هذا المفهوم البسيط الذى تدعمه حقائق العلم كان غائبا عن فلسفة الماركسيين أمام سيطرة الرغبة العارمة والهوى الجامع في سبيل البحث عن فلسفة مادية تكون بديلا للمذاهب المثالية, وإذا كانت الفلسفة المادية هى رد فعل الفلسفة المثالية وتعبير عن أزمتهاو فهى أيضا وفى الوقت نفسه تعبير عن أزمة مؤسسها النفسية لأنه تحت سيطرة هذه الرغبة القوية غابت عنه لحقائق البسيطة.. وغذا التمسنا له عذرا لقسوة الظروف المحيطة به وسوء الأوضاع الاجتماعية والإقتصادية وتخلف المستوى العلمى, فأى عذر نلتمسه لمن يردد نفس الآراء في الربع الأخير من القرن العشرين متناسبا كل ما أتى به العلم من جديد في هذا الموضوع. أم أنها طبيعة البشر في كل زمان ومكان.. وفى كل دين وفى كل مذهب أن يوجد دائما فريق من المتعصبين يستعصون على كل فهم سليم: ويفسدون في الأرض ولا يصلحون.

عندما وضع ماركس" الجدلية المادية" أى طبق قوانين هيجل في الجدل على المادة منذ قرن, لم تكن معروفة وقتها تماما إذ كان العلماء القدامى على عهد هيجل وماركس وانجلز يعتقدون أن الطبيعة مركبة من 92 عنصرا وأن كل عنصر مكون من جزئيات هى " الذات وكانت الذرة معتبرة وحدة الكون كله وغن كانت غير معروفة إلا بخواضها .. فكان لديهم 92 نوعا من الذرات مختلفا" كيفا " أى مختلفا في الخواص.

وسمح هذا التعدد واختلاف تأثير المواد بعضها في بعض بأن يقال أن ثمة تناقضا في الطبيعة أو المادة..

أما الآن فأى طالب ثانوى يعلم ما لم يكن هيجل ولا ماركس ولا انجلز من أن الذرة مركبة من نواة يحيط بها عدد من الالكترونات, وهة كهارب ذات شحنة سالبة تتحرك بسرعة هائلة وأن النواة تتكون من برونونات ونيوترونات.,. والبروتونات كهارب ذات شحنة موجبة والنيوترونات متعادلة, وقوام النيوترون هو بروتون وألكترون ملتصان.

وعرفنا أن الإختلاف في الظواهر التى نراها في المادة وتركيباتها راجع إلى خلاف في عدد وترتيب الالكترونيات في ذرات تلك المواد..

فإذا كانت الذرة تحوى ألكترونا واحدا فالمادة أيدروجين, وإذا كانت تحوى ثمانية فهى أوكسجين, وإن كانت 36 فهى حديد, أو 92 فهى يووانيوم, وتعدد وتختلف الخواص الكيمياوية باختلاف وتعدد هذه التكوينات.

وعرفنا حقيقة أخرى ذات أهمية لم يكن يعرفها ماركس, وهى أن عدد الالكترونات في اية ذرة يساوى تماما لاشحنة الموجبة ولذلك فالذرة من أية مادة في حالتها العادية وحدة متزنة مستقرة خالية من التناقض الباطنى والصراع.

وقد كان مظنونا طبقا لقانون كولومب أن أى جمع بين شيئين لهما شحنتان كهربائيتان إما أن يتنافرا إن كانا من نوع واحد اى موجبتين أو سالبتين, وإما أن يتجاذبا إن كانت مختلفين لذلك كان السالب يعتبر نقيضا لموجب. إلى أن أثبت العلم في القرن العشرين أن هناك مسألة يبطل عندها قانون كولومب هى جزء من ثلاثين مليون جزء من السنتيستر وهو ما يعادل نصف قطر أكبر ذرة./ وبذلك ثبت أن ليس داخل الذرة جذب وتنافر وأنه خلو من هذا التناقض.

ولمدة ثلاثة قرون كانت الحركة تفسر على ضوء قوانين بوتن.. بأن كل جسم يستمر في حالة السكون أو في حالة حركية في خط مستقيم ما لم تؤثر فيه قوة تغير هذه الحالة.

ولما كانت أشياء تلقى في الفضاء فتسقط إلى الأرض . فقد كان لابد من قانون الجاذبية لتفسير هذا السقوط – ولم يشك أحد في قانون الجاذبية , ولا يزال متداولا في الكتابات وعلى الألسن كأن شيئا لم يحدث في العلم ح واعتبر القصور الذاتى, أى مضمون القانون الأول نقيضا للجاذبية مضمون القانون الثانى..

وعندما يقول الماديون الجدليون إن كل شئ قوة جذب وقوة طرد وبذلك يجتمع في باطنه نقيضين يستندون ضمنا إلى قوانين نيوتن التى جعلت من القصور الذاتى نقيضا متصارعا مع الجاذبية.

ولكن قوانين نيوتن قد تعدلت عندما أثبت أنيشتين أن الجاذبية ليست قوة, وأن الفكرة التى تقول أن كل جسمين ماديين يتجاذبان نوع من الخداع غير المطابق للحقيقة في تصوير الحركة.. فالجاذبية لم تعد نقيض لاقصور ,لكن القصور والجاذبية وحدة واحدة, كل الظواهر التى فسرتها قوانين نيوتن فسرتها نظرية النسبية, بل أمكن بها تفسير ما لم يمكن تفسيره بقوانين نيوتن مثل حركة عطارد الفريدة التى ينتقل فيها في مداره..

وكان العلماء يعتقدون أن الطبيعة قائمة على عنصرين هامين هما الطاقة والمادة.. واعتبروا المادة شيئا خاملا ملموسا يمكن تمييزه بشئ اسمه الكتلة واعتبروا الطاقة شيئا نشيطا بدون كتلة... وبذلك أصبح السكون نقيض الحركة والمادة نقيض الطاقة, ثم أثبت العلم في القرن العشرين وحدة الطاقة والمادة. وأن المادة ليست إلا طاقة مركزة, وأن الطاقة ليست إلا مادة تسير بسرعة الضوء, وبذلك زال كنا تنصوره تناقضا.

وكان السائل يعتبر نقيض الجامد والأبيض نقيض الأسود , والحار نقيض البارد, وما يطفىء النار نقيض ما يذكيها. ثم جاء العلم في القرن العشرين وأثبت أن المادة تتحول من السائل إلى الجامد وبالعكس, وأن كل نوع من المادة يتحول إلى نوع ثان ولا يتطلب هذا أكثر من تعديل وترتيب عدد عناصر الذرة من ألكترونيات وبروتونات.. وقد أمكن بالفعل تحويل ذرات بعض العناصر إلى ذرات عناصر أخرى.

وإذا أثبت العلم أن الذرة خالية من التناقض الباطنى وأن الطبيعة في كل أشكالها عبارة عن ذرات نكون قد عرفنا – علميا – أن الطبيعة أو المادة لا تنطوى في باطنها على تناقضات ولا يدور داخلها صراع.

وبذلك لم يعد من الممكن القول بأن حركة المادة الجدلية..

ولم نعد في حاجة إلى الجدلية لتفسير تحول المادة من نو إلى نوع لأن العلم اثبت أن تحول المادة إلى تركيبات مختلفة يتم عن طريق اندماج الذرات.. ويتطلب ذرتين على الأقل تكون درجة تشبعها مختلفة لتدمجا فتصبح الذرتان ذرة واحدة نم نوع ثالث.. ولابد من هذا التأثير الخارجى, أى تأثير ذرة على ذرة لتتم عملية التحول, وهذا لا يتفق مع قانون الجدلى الذى يقوم على أساس التحول ن الباطن أساس بإضافة شرط خارجى.

فإذا انتقلنا من عالم الذرة إلى مركباتها فإننا نكون قد انتقلنا إلى عالم الأنواع حيث تسقم المادة إلى تعميمات حسب خصائص3ها وتأثيرها وتأثرها بغيرها.

فتقسم الطبيعة من حيث اللون إلى سبعة ألوان أساسية, ومن حيث الصلابة إلى جامد وسائل وغاز, ومن حيث الكتلة إلى مادة وطاقةكما تقسم إلى جماد ونبات وحيوان.. ثم نرى الأنواع قد اختلفت وتباعدت في خصائصها وبدت غريبة بعضها عن بعض, فنظن أن ثمة تناقضات بين نوع ونوع وأن في كل شئت نافضا باطنيا.. إلى حد أن أنجلز قال في كتابه" جدل الطبيعة": أن ثمة أشعة ضوء سوداء تكون نقيضا لأشعة الضوء البيضاء".. ثم نعتسف القول بأن في كل شئ صراعا داخليا , وأن كل شئ جدلى, ونذهب إلى بناء فلسفات على هذا الأساسالغير علمى.

وننسى في ذلك كله أن نقطة الانطلاق وهى الذرة التى هى وحدة الطبيعة ليس فيها تناقض ولا صراع وأن كل الأنواع قد تكونت نتيجة اندماج الذرات وتأثرها وتحولها في حركتها الدائمة, وأن ناتج هذا التأثير المتبادل هو التغاير..

صراع أم تزاوج؟

ويصور الدكتور عبد المحسن صالح عملية التكوينيات بأسلوبه الرشيق في كتيبه القيم " دورات الحياة" فيقول:

" فالذى يجمع بين الذرات أو يفرق بينها هو قوانين الذرات نفسها, أو قوانين الالكترونات الخارجية, وهى أروع وأدق من قوانين الزواج والطلاق عند الشعوب, وحتى الذرات إذا تقابلت قد يصعب لقاءها ارتفاع في درجة الحرارة, كما ترتفع نبضات قلب المحب وحرارته. وقد تنخفض درجة الحرارة, وكأن هناك فتورا في اللقيا, ولا يتم اللقاء كما يجب إلا إذا رفعنا لهما درجة الحرارة لنعطيهما فرصة تنشيط في الإليكترونات , وهنا يرتبطان!! وكان لابد للألكترون أن يدور حتى يتحول المجتمع الذى الذرى إلى صورة مهذبة وحتى تفقد بعض العناصر ضراوتها وتدميرها إذا ما اجتمعت في اتحاد! ولأضرب مثلا ومثلا: فملح الطعام الذى نتناوله في طعامك كل يوم أصله ذرتان واحتمعتا, ولولا اجتماعهما في جزئ واحد لأصبح منهما شريرا مدمرا مخربا في أجسام الأحياء.. ولكن تعال لنفرق بينهما بإمرار تياركهربائى مثلا, وهنا سيظهر كل على حقيقته وضراوته وينشق كلوريد الصوديوم أو " ملح الطعام" إلى شقين ويعود كل منهما إلى حالته الذرية, فيصبح الكلوريد غاز كلور إذا استنشقه الإنسان أو أى كائن حى مات ويصبح الصوديوم عنصرا رخوا لو لامس الماء لإرتفعت منه ألسنة الدخان واللهيب وأحرق في هذه الحالة الكائن الحى يحويه ! ولكن إذا التقى هذا السام وهذا الخارق أخذ السام من الحارق أليكترونيا أو اقل أنه قبلة سحرية وترتقع درجة الحرارة عند اللقيا, ويتحولان إلى جزئ من ملح الطعام لا هو حارق ولا هو سام.

والماء – كل ماء – يتكون من ثلاث ذرات متحدة ولو جئت بماء زلال وأردت أن تفصل ذراته يخرج لك منه ماردان أو غازان, أحدهما يحترق بلهب أزرق( الأيدروجين) والثانى يساعد على إشعال النيران أو على الإحتراق داخل أجسام الأحياء( الأوكسيجين) ولكن إذا تقابل المحترق والحارق ( يد, أ) أعنى ذرتين بذرة أعطت كل ذرة من الأيدروجين اليكترونا للأوكسجين, ويتحول الثلاثة إلى جزئ ماء... لا هو حارق ولا هو محترق!!

وإذا كان قانون المسلمين يبيح للرجل أن يرتبط بزوجة ومثنى وثلاث ورباع, فكذلك الحال في قانون ارتباط الذرات , فالكلوريد يرتبط بالصوديوم في جزئ... ذرة بذرة ليعيطنا ملح الطعام, والأوكسجين يرتبط بذرتين من الأيدروجين ليعيطك ماء, والنيتروجين يرتبط بثلاث ذرات من الأيدروجين ليعطيك النشادر" الأمونيا" والكربون " الفحم" يرتبط بأربع ذرات من الأيدروجين ليعطيك غاز الميتان " غاز المستنقعات"

وقد تصادق الذرة ذرة من بنى جنسها لتكون جزئيا فنجد أن النيتروجين يرتبط بذرة من النيتروجين ليعطينا جزئيا منه, والأيروجين بالأيدروجين ليعطينا جزئيا منه والوكسجين بالأوكسجين وهكذا.

وقد ترتبط ذرة بذرة أو بعد ذرات وقد تهجرها إذا لح لها في أفق التفاعلات شق جديد فتترك ما ارتبطت به من قبل لترتبط بهذا ارتباطا أكثر وثوقا من سابقه.. وهناك بعض العناصر تعيش ذراتها فرادى, ولا يمكن أن تجتمع في مثنى أو ثلاث أو رباع أو أكثر, ,منها غاز النيون والراردون.

وزهكذا تجتمع معظم الصور التى تحكم مجتمعاتنا في عالم الذرات والجزئيات من ميل وتنافر حيث وبغض وارتباط وهجران وأفراد لا تجتمع وأفراد أو ذرات لابد أن تجتمع".

وفى الفلك أيضا بجد سنة التزواج:

أن أجمل ما في الكون وأملأها للقلب روعة, على حلاوة, ما يراه الرائى بالمنظار من نقطتين مضيئتين مقتربتين في السماء أشد الاقتراب واحدة زرقاء والأخرى برتقالية أو حمراء, هما نجمان يشد بعضهما بعضا, ويدور بعض على بعض كطفل وطفلة في فناء مدرسة, وقد تشابك ذراعاهما الأيمنان وأخذا يدوران, أن رابطة الجاذبية تربطهما, تربط النجمين فلا يستطعاتن فكاكا, وأنت حيثما وجهتا المنظار إلى السماء وجدت أزواجا أنها ألوف... أنها الثنايات النجمية ومدارتها أهليلجية ذات تقرطح عظيم وقد وجب أن تكون هكذا, فبهذا قضت الوحدة وحدة الخلق وحدة القوانين.

ومن اشهؤ هذه الأزواج الشعرى اليمانية وصاحبتها, بل وصاحبها أنك تنظر إلى الشعرى اليمانية في أوسط السماء, شتاء , قرب كوكبة الجبار فلا ترى منها إلا نجما واحدا لا معا أشد اللمعان, وهكذا ترى الأزواج من الكواكب رأى العين شيئا واحدا حتى تفضل المناظير القوية بينهما وقد نظر إليها صانع المناظير يجرب منظار قطره 18 بوصة فرأى صاحبها أول مرة .. كان هذا عام 1862 م.

ويدرس العلماء الشعرى وصاحبها فيكشفان عن مدار أهليلجى لهما شديد التفرطح, وهما يقطعانه في خمسين عاما..

والجاذبية قد تجمع بين أكثر من نجمين ومن طريف هذا الجمع النجمة القطبية ذاتها أنها ثلاثة نجوم في واح... زوجان يدوران, بعض حول بعض في نحو أربعة ايام وهما يدوران حول نجم ثالث في أكثر من عشرين عاما, وأنت لا ترى منهما في السماء إلا شيئا واحدا.

ومجموعة أخرى من أربعة نجوم أنه " راس التوأم المؤخر" وقد عرف أنه ثنائى أى يتألف من زوج واحد من النجوم واتضح انه يتألف من زوج وزوج.. ثنائيان, اثنان في كل منهما .. كل ثنائى يدور أحد نجميه حول صاحبه, ودورة الثنائى الأول ثلاثة أيام, ودورة الثنائى الثانى تسعة أيام ولكن الزوج الثنائى يدور كذلك حول اخيه الزوج الثنائى مرة في حدود 300 عاما وصدق الله العظيم في قوله الحق:" ومن كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون" وقوله :" سبحان الذى خلق الأزواج كلها مما تنبتالأرض ومن أنفسكم ومما لا يعلمون".

هل الطبيعة جدلية؟

ما سبق هل يمكن القول بأن ما هو موجود في الظواهر متناقضات أولا وأنها في حالة صراع ثانيا, بهدف أن يقضى كل نقيض على نقيضه هل يستقيم هذا الكلام مع المنطق العلمى اليوم. يقول مؤلف " أسس الاشتراكية العربية": لقد قامت الجدلية المادية على فرضية لفظية هى " أن الطبيعة جدلية" وليس معنى ذلك أنه قد ثبت ذلك علميا ولكنها ضرورة لتفسير حركة المادة غير المعروفة, أو لعل هذا قد وضع لتبرير تطبيق القوانين الهيلجية على المادة... ولست أرى مبررا للتمسك بقانون الجدل – القانون الرابع – وارغام المادة على قبوله بعد أن فسر العلم حركة المادة.

لقد كان ماركس وانجلز معذورين عندما قالا ان المادى جدلية فقد كان الجهل بالحركة الداخلية للذرة يسمح لهما بهذا الافتراض الذى يسهل لهما تبنى القوانين التى وضعها هيجل.. أما أن يقول به واحدا بعد منصف القرن لعشرين فهو امر لايدل إلا على أنه كان نائما وقد آن الأوان ليستيقظ النيام ولو حتى على هدير الصواريخ في عهد الثورة.

ثم يقول:" لقد جاءنا دليل اليقظة من بلد الذرة والصواريخ ولننظر ماذا يقول مؤلفو أسس الماركسية – اللينينية" وتبين من عرض ما قاله مؤلفوا أسس الماركسية – اللينينية ما يأتى:

1- أنهم قالوا: أن المادى في عالم المرئيات وعالم غير المرئيات - الذرى – لا يحركها ولا يحدد مستقبلها التناقض الجدلى في ذاتها أى أن المادة في العالمين غير جدلية.. قالوا ذلك في الطبعة الأولى باللغة الانجليزية من كتاب – أسس الماركسية – اللينينية التى لا تحمل تاريخ نشر ص 81 -82 تحت عنوان: الحتسية والعلم الحديث..

2- أما الطبعة الثانية من الكتاب سنة 1963 وما تلاها من طبعات سنة 1964 فقد جاء الحديث تحت نفس العنوان خلوا من العبارات التى وجدت في الطبعة الأولى أو من بديل لها في صفحة 69 – 70 واليكم نص عبارات الطبعة الأولى عن:

(أ‌) عالم المرئيات ( الماكروكوزم).

(ب‌) عالم غير المرئيات.

(أ‌) كان علم الطبيعة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر – أى على عهد ماركس وأنجلز – المقصور على دراسة عالم المرئيات أى عالم الأجسام

الكبيرة نسبيا وجزئياتها , والمؤسس بشكل ريئسى على ميكا نيكا نيوتن تسوده الحتمية الميكانيكاية. وكان مميزه الذى هو في الوقت اته عيبه أن يجعل من كل سبب سبا ميكانيكايا, ومثال علاقة السببية الميكانيكية حركة كرة البلياردو عند دفعها بالعصا. والقول بألا شئ في الأثر يتجاوز السبب يمثل نموذجا للحتمية الميكانيكية. وترتب على هذا أننا إذا عرفنا حالة جسم أو – مجموعة – من الأجسام في أى وقت أمكننا عن طريق قوانين الميكانيكا التقليدية" ميكانيكا نيوتن" أن تحدد مقدما حالتها في أى وقت في المستقبل. وقد تأيد هذا المبدأ أو تأكد بدراسة الحركة والتأثير الميكانيكى المتبادل في الأجرام السماوية, وكذلك في الأجسام المرئية في الأرض والجزيئات. ففى عالم المرئيات تتميز حالة الجسم المتحرك بموقعه في المكان وسرعته في وقت معين, ويمكن تحديد هذه الخصائص تحديدا دقيقا وبمجرد معرفتها نستطيع أن نحدد بدون أى لبس حالته في أى وقت في المستقبل على أساس قوانين الميكانيكا الكلاسيكية.

(ب‌) أما في العالم غير المرئى ( الميكروكزوم) فنظرا للميزات الخاصى لظواهر نجد أن حركة المادة فيه أكثر تعقيدا, ويبدو هذا, على وجه خاص من أننا نستطيع أن نحدد بأية درجة مطلوبة من الدقة, أما وضع الجسم وإما سرعته ولكن قوانين الميكا نيكا الكلاسكية غير كافية عند تطبيقها في العالم غير المرئى, إذ لا نستطيع بها أن تحدد مقدما ملا من موضع وسرعة جسم غير مرئى.. ومع ذلك فبمعرفة قوانين الميكانيكا الكوانطية ( أى قواعد الميكانيكا الخاصة بحركة غير المرئيات) يمكن تحديد وضعها المحتمل في أى وقت في المستقبل.

(ت‌) بهاتين الفقرتين كان مؤلفوا " أسس الماركسية – اللينينية" وعددهم 39 عالما قد استبعدوا الحركة على أساس قانون التناقض الجدلى من عالم المادة مرئية أو غير مرئية, وانتهوا إلى أن حركة المادة يمكن تحديدها مقدما على على وجه الاحتمال في عالم الذرة طبقا لقواعد الميكانيكا الكوانطية... وبهذا وضعوا النهاية الحاسمة للإدعاء بأن المادة جلدية. ولكن هاتين الفقرتين حذفتا من الطبعة الثانية سنة 1963 وما تلاها من طبعات. وكل ما نرجوه ألا يكون وراء الحذف قصة اضطهاد للعلماء كالتى حدثت لكبار علماء الوراثة سنة 1932 حيث قرر المؤتمر العام للعلماء الروس في تلك السنة:" أن علم الناسلات وتربية البنات يجب أن يطابق المادية الماركسية" وعلى هذا رفضت تجارب مندل في الوراثة لفترة طويلة لأنها تخالف قاعدة التفسير الشامل, ولم يقتصر الأمل على مجرد الرفض, بل وصل الأمر إلى أعدا مدد من كبار العلماء وهروب البعض الآخر.." يقرأ في هذا ما جاء بكتاب الشيوعية والإنسانية للعقاد, وما جاء بملحق جريدة الأهرام في 30/6/1961) وبهذا يعيد إلى أذهاننا باباوات المادية قصة باباوات الكنيسة في عصور الظلام يوم كانت تعشى من نور العلم وتقف من الحقائق الجديدة موقفا متحجزا للحفاظ على مصالحها والسلطة في هذه البلاد التى تدعى التقدمية غير مبراة اليوم من هذه التهمة...

الحساب الختامى:

المادية الجدلية نبتت في ظروف تاريخية, وهى اليوم نظرة غير فاحصة وغير علمية على عالم الأشياء فكيف بمن يريد أن يجعل منها عقيدة لتفسير الوجود بأسره ومنهجا لتغيير حياة الإنسان, وهى باختصار صورة من صور التفكير المثالى في القرن التاسع عشر, ةلكنها مثالية مادية تمييزا لها عن المثاليات التى كانت تنطلق من قاعدة الاعتقاد في الله, وجميعها تشترك في الإغراق في الخيال والبعد عن الصواب وعن المنهج العلمى الأمين. ومن عجب أن تنشر جريدة الأهرام عام 1964 قوانين الجدل الأربعة قة صفحة الرأى في أربعة اسابيع متتالية تحت عنوان :" قوانيننا العلمية".

ومن حقنا بعد هذا ألا تؤخذ بأضخم ما يختاره الفلاسفة من عبارات فإنها تنتهى إلى مقررات بسيطة. بهذه العبارة العميقة, عقب الدكتور عصمت سيف الدولة, مؤلف ط" أسس الاشتراكية العربية" على قضايا المادية وعلى تملك الماركسيين بها حتى اليوم بقوله:" لو قبل الجدليون الماديون هذا لفقدوا التعصب لنظريتهم والتعصب كان لازما لخدمة أغراض ثورية تقتضى انفعال الجماهير بها إلى أقصى حد ممكن. لذلك ركز الجدليون الماديون على النظرية عن طريق المطاعن القاتلة التى وجهوها للمثالية.. وعندما يقال أن ليس ثمة غير نظريتين: المادية والمثالية, ثم تنهار المثالية, فإن المادية تكون قد انتصرت دون ان تتعرض هى ذاتها للإختبار وهى طريقة يفسرها السباب والشتائم المجردة من الموضوعية التى يكيلها بعض الماديين لغيرهم, وأول سبه أن يعهموهم بأنهم مثاليون أى ينسبونهم إلى نظرية لا يمكن الدفاع عنها غير أنه من الواضح أن أسلوبا مثل هذا لا يجدى فلكى نستطيع أن تقتنع بالمادية لا يكفى أن نكفر بالمثالية.. بل على المادية نفسها أن تصل إلى افكارنا عن طريق الإقناع المنطقى والعلمى.

وتنتهى الجدلية بعد هذا المشوار الطويل وراء السراب إلى ما كنا قد افتقدنا رؤيته في غمار المعمعة السابقة, إلى القوانين النوعية لكل فرع من فروع العلم.. للنبات والحيوان والطبيعة والكيمياء وقد أصبح لكل نوع ولكل فرع من نوع, قوانينه وعلمه الخاص به وهذا هو المنهج العلمى للأشياء. ولكن الماركسية تفسد على العلماء هذا المنهج حين تزج بقضاياها الظنية إليه, مثلما يفسده السياسيون والزعماء حين يجعلون منه منهجا علميا للإنسان باسم" الممارسة الفعلية" أو التجربة والخطأ" فتكون نتيجته إفساد المجتمع كذلك..


الحلقة الخامسة عشر: الماركسية تقهر العلم وتسخره لتبرير أحكام مسبقة وجاهزة

- أثر الدولة الكبرى النفسى.

- الستار الحديدى العلمى.

- نظام الأسرة.

والأن وقد فرغنا من قضايا " المادية الجدلية" نكون أمام بعض القضايا العلمية التى تعمل كخلايا بيتية في نسيج الماركسية. والتى يحسن الشيوعيون استغلالها لإسباغ صفة العلمية على كل ما اعتقدوه مسبقا.. وهم لذلك يطوعونها لمنطقهم في مادية الوجود.... ومادية الإنسان.. ومادية اتاريخ.. ولو على حساب الأمانة العلمية...

من هذه القضايا ما يتناول: نشأة الحياة .. نظام الأسرة... نشأة الأديان... سلطات الدولة.... نظرية النشوء والإرتقاء... دور الفرد في التاريخ ... الأخلاق والآداب...

وإذا كانت ظروف أوروبا في الرقن التاسع عشر بكل مساوى الكنيسة والإقطاع تعطى عذرا لهذا الموقف الانتقائى من جانب ماركس لكل النظريات التى تخدم عقيدته المسبقة مهما كان تهافتها من الناحية العلمية .. فأى عذر لمن يعيش في القرن العشرين بعد قرن كامل من هذه الظروف ومن تقدم العلوم.... لكن المحزن أن ألمر لم يقف عند حدود الانتقاء بل تعداه إلى التطويع والقسر لكل الاكتشافات العلمية سندا لقضايا الماركسية.. حتى ولو اضطروا في سبيل ذلك إلى اضطهار العلماء كما رأينا في الحلقة السابقة .

وحمل إلينا مؤلفو" أسس الماركسية اللينينية" نعمة جديدة هى " الممارسة الفعلية" التى بدأت تخلف النظريات التى انفصلت تماما عن ميدان التطبيق وعن التقدم العلمى.. واصبح الالتزام العقائدى بها التزاما لنوع من التفكير المثالى المادى أشد رجعية وجمودا من كل فلسفات سبقت ولكن ذلك الالتزام ما زال مقيدا للأمانى القومية للدول التى تدين بها إذ يعطيها وجها إنسانيا يستر أغراضها الاستعمارية.. ومن هنا فهى حريصة على إطالة عمر النظرية خارج حدودها في الوقت الذى ماتت فيه تماماعلى أ{ضها ودفنت في تابوت الممارسة الفعلية والتجربة والخطأ.. ولكن بقاءها على قيد الحياة في مجال الدعاية ما زال مفيدا.. بل ويلزم له بقاء النظرية على علاتها بكل قضاياها العلمية المختلفة التى تحفظ لها تماسكها ومنطقيتها لدى متوسطى الثقافة وضحايا الصراع الطبقى والمراهقين من الزعماء الثوريين.

اثر الدولة الكبرى النفسى:

ومن أطراف ما لمسناه أن وجود دولة كبرى تدين بالماركسية يقوم بعملية التعويض العلمى في نفوس المؤمنين بالماركسية, وخاصة زعماء الأحزاب حين يعجزون عن مواجهة صوت المعارضة.. فقيادات هذه الأحزاب تظن أن جوانب الماركسية لا يتطرق إليها الشك عمليا لا بسبب من قدرتهم العلمية على التحقيق من ذلك بل سبب من ثقتهم في قيام دولة كبرى على هذه العقيدة..ويشغلهم ما هم فيه من منازلات سياسية عن ادراك ما تعانيه الدولة اكبرى نفسها من مرض الانفصام وهم بذلك يعيدون تمثيل دور الأفراد الذين كانوا عندما يعجزون علميا يرجئون الإجابة علينا ريثما يعودون إلى المختصين.. ولقيادات الحزاب الشيوعية عى الأخرى دورها في العودة إلى المختصين في الأحزاب العليا وهذه بدورها تصعد على المختص الأوحد.

الستار الحديدى العلمى:

ولن يدرك من هم داخل الستار الحديدى العلمى أنهم يجرون وراء شعارات سياسية لا حقائق علمية, وأنهم كانوا يخدمون أمانى غيرهم القومية وليست الأماني الإنسانية, إلا عندما يكبرون علميا, وتكون لهم الشخصية المستقلة ويتخلصون من قبضة الاستغلال العلمى.. أحدث أنواع وجيلاس وياسترناك و حلال كشك و مصطفى محمود وغيرهم...

ولا يتسع المقام هنا لبيان أسلوب الشيوعيين في استغلال هذه القضايا العلمية.. وخاصة عندما سنحت لهم فرصة السيطرة على أجهزة الأعلام في مصر عقب الإفراج عنهم سنة 1964 بمناسبة حضور خروشوف احتفالات السد العالى وزارته مصر لأول مرة... وكيف ظلوا يلعبون بالعقول ويحيطون كل القيم باسم العلم حتى تيقظ الاتحاد الاشتراكي أخير لإخطارهم فعمل على إبعادهم عن هذا الميدان..

وشاهدنا هذه المأساة من وراء القضبان... مأساة تبوئهم لمنابر التوجيه في الأمة بين يوم ليلة, وجرأتهم على ادعاء صفة العلمية لكل ما يفعلون وقدرتهم على تغليف فكرهم الماركسى بعبارات من الميثاق ومن أقوال الرئيس الراحل ومن لبس مسوح الناصرية و غرس القيم الاشتراكية.. حتى وقع كثير من المثقفين دون قصد في براثن مناهجهم في التفكير والمغالطة.

وكان يأخذ العجب وقتلنا الألم والمرارة لرؤيتنا أمتنا وهى تسرق في معتقداتها أمام أعيننا,ونحن عاجزون عن أن نمد لها يد العون وننقذها ممن تفهمهم أكثر من غيرنا.. وأشد من ذلك اضطرارنا في نفس الوقت لدفع الأذى المنصب علينا صباحا ومساء ممن لا يفهمون أننا سفينة انقاذهم قبل هؤلاء الذين تسلقوا شراعها ليمزقوه على أنهم ملاحوها..وطالما خضنا جدلا طويلا حول هذه القضايا داخل السجون.. ولولا خشية تشعب الموضوعات لاستعرضناها واحدا واحدا.. ليرى القراء معنا نصيب ما يقولونه من العلم وحقيقة ما يستهدفونها من ورائها..

نظام الأسرة:

وحسبنا أن نشير اليوم إلى بعض قضايا متفرقة لنبين خطهم العام في تناولها ونشير إلى مصادر الصواب فيها.. ولنأخذ نظام الأسرة مثلا.

يقولون أن الأبحاث التاريخية والجغرافية كشفت عن أن البشرية عاشت في حالة مشاعية جنسية في عصورها الأولى, وأنها لم تعرف نظام الأسرة إلا تحت تأثير الظروف الاقتصادية, إذ أن ظهور فكرة الملكيى الفردية لوسائل الإنتاج سواء في الأرض أو في أدوات الحرفة هو الذى دفع إلى الحياة الأسرية باعتبار الأسرة وحدة اجتماعية تعين على حسن استغلال وسيلة الإنتاج المملوكة.. ومن ثم فقد وقعت المرأة في قبضة الإستغلال من جانب الرجل... ويوم أن تعود فكرة الملكية الجماعية وتتغير كل الأشكال الاجتماعية الطبقية ستتغير أيضا طبيعة هذه العلاقة الأسرية حيث تتحرر المرأة وتعود إليها شخصيتها وتقوم علاقتها بالرجل على أساس من المعاشرة الاختيارية وهو التغيير المهذب لفكرة المشاعية الجنسية , ويسندون هذا القول بما ورد في كتاب أصل العائلة لانجلز الذى استمد بدوره سندا علميا لرايه من كتابات علماء الأتتوجرافيا في عصره مثل مورجان وباخوفيه أى العلماء الذين يبحثون في النظم الاجتماعية للشعوب البدائية..

فقد قال انجلز عن مورجان " هو أول شخص ذو معرفة صحيحة حاول أن يقدم تقسيما دقيقا لمراحل حياة الإنسان فيما قبل التاريخ.. فهم يتحدث عن العلاقات الأسرية في هذا العصر فيقول:

كان أساس الجماعة الأولى التى تم عن طريقها الانتقال من الحيوان إلى الإنسان هو التحرر من الغيرة والتسامح المتبادل بين الذكور , فلشكل القديم جدا للعائلة الإنسانية البدائية وهو الشكل الذى توجد عليه دلائل لا تنكر ويمكن إلى اليوم مشاهدته بين قبائل بدائية عدة في أماكن مختلفة.. هذا الشكل هو الزواج الجماعى الذى فيه جماعات بأسرها من الرجال وجماعات بأسرها من النساء في علاقات جنسية مشتركة وهو ما لا يترك إلا مكانا ضيئلا للغيرة.

ويسمح انجلز لنفسه على ضوء ما قاله مورجان أن يحدثنا هو الآخر في " أصل العائلة" عن مستقبل العلاقات الأسرية بعد زوال الملكية الخاصة وتصفية علاقات الانتاج الرأسمالى فيقول:" وما نستطيع استنتاجه حاليا عن تنظيم العلاقات الجنسية بعد تصفية علاقات الانتاج الرأسمالى يعتبر استنتاجا ذا طابع سلبى يحدد ما سيختفى من الزواج ولكن ما الذى سيزيد على الزواج هذا هو ما سيستقر بعد نمو جيل جديد جيل من الرجال لم تسنح الفرص أن يشترى استسلام امرأة سواء بالمال أو بأية وسيلة أخرى من وسائل السيطرة الاجتماعية وجيل من النساء لم يضطرون أبدا للاستسلام لأى رجل لأي سبب سوى الحب الحقيقى, ولن تخاف المرأة حينئذ أن تمنح نفسها لمن تحب خشية النتائج الاجتماعية, وعندما يظهر هذا الجيل فإنه لن يهتم أبدا بما نعتقد اليوم أنه يجب عليه عمله يظهر هذا الخاص وسيكون له رأيه الخاص بدون اكتراث بما نعتقد"

لا يسمح الماركسيون حتى لفكرهم أن يخترق حاجز هذه النصوص التى تعتبر مقدسة عندهم, والتى ظهر أثرها واضحا في كل ما كتبوه أو ألقوه من محاضرات وندوات عقب الإفراج عنهم.. وسنعالج هذه النصوص بعقلية القرن العشرين.. ولكن تلزم الإشارة إلى أن عقلية القرن التاسع عشر تلك هى التى أظلت سماء الفكر والقيم على يد هؤلاء الذين مزقوا كل الروابط الأسرية والقيم العائلية في الفترة السابقة تحت عناوين براقة من تحرير الم{ة... وشخصية المرأة العاملة.. وبكافة الأساليب الإعلامية الرامية إلى هذا الهدف البعيد من خلال غطاء القيم الاشتراكية وبعض استشهادات لعبارات من الميثاق أو غيره وقد شاهد ونحن وراء القضبان برنامجا تليفزيونيا ألقى فيه أحد زملاء المس محاضرة على ما يقرب من مائة فتاة.. أمهات الغد.. تحت عنوان برئ " نظام الأسرة على مدار التاريخ" ضمنه كل مفاهيمه الماركسية وكل أهدافه البعيدة أيضا دون أن يشير من قريب أو بعيد إلى أنه يعرض مفهوما ماركسيا صرفا.

وقد لا يعلم الجميع أن أول جريدة نبهت إلى ظهور موضة المينى جيب كانت جريدة " الجمهورية" وكانت يومها تحت سيطرة الشيوعيين بصورة كاملة وان تخفوا في أثواب ناصرية. وكنا يومها في المعتقلات وتتابع جميع الصحف, وما يفعله زملاء الأمس, وقد واتتهم الفرصة لتغيير المناخ ولمعرفتنا بأساليبهم فقد علقنا على هذا الخبر بل تنبأنا بالخطوة التالية بعد أسبوع وهى اصطناع تحقيق صحفى مصور ينبه إلى انتشار هذا لزى في مصر , ثم التباكى على ذلك ومتابعة صاحباته بأسئلة تتفاوت الأجوبة عليها.. وقد صح ما توقعناه بعد أسبوع تماما بظهور تحقيق مصور شمل صفحة كاملة خاص بظهور الزى بين طلبات الجامعة وردهن على الأسئلة بأن ذلك من الحرية الشخصية ونحن نعلم بترتيب كل ذلك مقدما.. ثم يعقبه تمثيلية هنا وفيلم هناك ترتدى بطلاته الزى دون كلام أو سلام, ليحدثن الإيحاء اللازم في فتيات الأمة, ومثل هذا الأسلوب يتبع مع الشباب لإشاعة ما يروق لهم فيه.

من حق الأمة أن تعرف:

أقول هذا لأن من حق الأمة العربية والإسلامية أن تعرف ما يجرى على أرضها وتعيد تقييم أسلوب حياتها. وهذا نموذج لما جيرى في غير ذلك من القضايا العلمية التى تستغل لخدمة أهداف غير إنسانية. وإذا ما أردنا مصداق ذلك وعرضنا هذا المفهوم الماركسى الذى سمم الأفكار على العم في القرن العشرين نجد ما عليه أصحابه من مغالطة وتخلف.

ما يقوله القرن العشرون:

يقول الدكتور على عبد الواحد وافى وفى كتاب الأسرة والمجتمع:" نظام الشيوعية المطلقة لم نعثر عليه في أى جتمكع من المجتمعات الإنسانية سواء في ذلك البدائى منها والمتحضر فليس من بين المجتمعات الحاضرة والغابرى التى وقفنا على نظمها على طريق ملاحظتها أو ملاحظة ما خلقته من أثار أو عن طريق ما كتبه المؤرخون أو الرحالةو أو علماء الاتنوجرافيا أو القانون ... ليس من بين هذه المجتمعات أى مجتمع أخذ بنظام الشيوعية المطلقة في علاقة الرجال بالنساء فكان جميع نسائه حقا مشاعا لجميع رجاله.

صحيح أن بعض المنشيئن للمدن الفاضلة قد أراد أن نسير مدنه على النظام السائد في فجر الإنسانية. ولكن هؤلاء وأولئك قد تجنبوا جادة الصواب, ولم تعبر آرائهم عن الواقع في شئ.. أما منشئو المدن الفاضلة الذين رأو أن تسير مدنهم الخيالية على هذا النظام كأفلاطون في جمهورتيه, كلامبانلا في " مدينة الشمس" فيدلنا التاريخ على أن آراءهم بهذا الصدد كان نصيبا الإخفاق المهين, فلم تلق أى نجاح في مجتمعاتهم ولا في غير مجتمعاتهم, ويدلنا التاريخ كذلك على أنهم لم يستمدوه من نظم اجتماعية كانت موجودة في عصورهم أو اتنى إليهم العلم بها عن طريق التاريخ, وإنما استمدوها من خيالهم وآرائهم الشخصية فيما ينبغى أن يكون عليه المجتمع وتكون عليه نظم الاجتماع.. هذا إلى أن معظمهم قد اضطر تحت تأثير النظم الواقعية, التى كانت تسير عليها مجتمعاتهم إلى أن يقيد هذه الشيوعية التى نصح بها, فأفلاطون مثلا لم يرد السير عليها إلا في طبقة خاصة من طبقات المجتمع, وهى الجنود.. فقد أراد أن يجرد هؤلاء من كل عاطفة غير العاطفة الوطنية حتى يخلصوا الخدمة المجتمع ولا تكون لهم صلة إلا به و فلا يشغلهم عن ذلك ارتباطات بأسرة أو بنين. هذا إلى أنه أراد أن تكون هذه الشيوعية منظمة من عدة وجوه.

وكامبانلا نفسه الذى ذهب إلى أبعد مما ذهب إليه أفلاطون إذ أثر أن تكون الشيوعية عامة في جميع الطبقات, فتكون جميع النساء حقا مشاعا لجميع الرجال.. رأى في روايته أن الحاجة ماسة في مدينة كهذه إلى أثناء وزارة للشئون الإجتماعية , وهى " وزارة الوزير مور, يعهد إليها بالإشراف على تنظيم الأمور الجنسية حتى لا تؤدى الشيوعية إلى الفوضى...".

مورجان وباخوفيه:

أما الذين يذهبون إلى أن الشيوعية الجنسية كانت النظام السائد في فجر الإنسانية فعلى رأسهم باخوفيه السويسرى من علماء القانون ومروجان الأمريكى من علماء الاتتوجرافيا, وقد ذهب أولهما إلى ذلك في كتابه " حق الأم" الذى ظهر في أواخر القرن التاسع عشر سنة 1861.. وذهب ثانيهما إلى هذا الرأى في كتابه " الجماعة القديمة" الذى ظهر سنة 1877 أى في نفس العصر الذى ظهر فيه كتاب زميله غير أن أولهما قد استمد هذا الرأى من دراسة النظم القضائية والاجتماعية للأم الأوربية في أقدم عصورها بينما استمده ثانيهما من دراسته للنظم السائدة في العشائر البدائية بأمريكا.. فقد ظهر لباخوفيه من دراسته لتاريخ النظم الاجتماعية الأوروبية أن النظام الأمى وهى الذى تعتمد القرابة على الأم لا على الأب هو أقدم نظام سارت عليه القرابة في المجتمعات كما سبق ذلك.. وظن أن هذا النظام لابد أن يكون الإنسانية الأولى. وذلك أنه لما كانت هذه الشيوعية تحول دون معرفة الآباء اضطرت المجتمعات الإنسانية في هذا العهد إلى أن تلحق الأولاد بأمهاتهم فحسب.. وتجعل الأم وحدها هى محور القرابة..

وما ذهب إليه باخوفيه بصدد أقدمية النظام الأمى وأسبقيته في التاريخ لما عداه من نظم القرابة يتفق مع أراء كثير من الباحثين .. أما ما ذهب إليه نم أن هذا النظام لآبد وأن يكون نتيجة لشيوعية جنسية كانت تسود العلاقات بين الرجال والنساء في فجر الإنسانيةو فاستنتاج فاسد كل الفساد, وذلك ان النظام الأمى ليس له أى علاقة بمعرفة الأب أو الجهل به, بل هو أحد النظم التى ارتضتها بعض المجتمعات في تحديد القرابة كما ارتضى بعضها النظام الأبوى, وهو الذى يلحق نسب الولد بأبيه وحده فتكون الأم وأفراد أسرتها أجانب عنه لا تربطه بهم أية رابطة من روابط القرابة بدون أن يكون سبب ذلك الجهل بالأم إذ لا يعقل أن يكون تعيين الم موضع شك.. وإليك مثلا العشائر الاسترالية التى يسير معظمها على النظام الأمى والتى تمثل أقدم مرحلة في النظم الإنسانية فأننا لم نعثر في هذه العشائر على أثر للشيوعية الجنسية او صعوبة تعيين الآباء كما يزعم باخوفيه.. فقد كان الولد معروف الأب, ومع ذلك ما كان يلتحق نسبه في معظم لعشائر إلا بأمه...

أما الأدلة التى اعتمد عليها مروجان فهى تختلف في نوعها عن أدلة باخوفيه.. ولكنها لا تقل عنها تهافتا وفسادا فقد عثر في بعض الشعوب البدائية على نظم رغم أنها آثار لشيوعية قديمة كانت تسير عليها الإنسانية في أقدم عهودها , مع أن الأمثلة التى ذكرها يرجع معظمها إلى نظام تعدد الأزواج لزوجة واحدة وبعضها إلى نظام تعدد الأزواج والزوجات معا وليس منها ما يرجع على الشيوعية المطلقة او ماا ينم على رواسب أو أكثر لهذا النظام".

مما سبق يتبين لنا أن الفهم الماركسى عن الأسرة ومستقبلها يرجع إلى سببين:

1- سبب عقائدى يصدر عنه الشيوعيين مسبقا في كل تفكيرهم وهو المادية الجدلية .ز وهو ما سبق تفنيده.

2- سبب من الاكتشاف العملية التى ظنوها تخدم اتجاههم العقائدى أول الأمر.ز ثم تطور الظن حتى صار تعصبا على حساب الأمانى العملية آخر الأمر.. وقد وضح لنا أن أراء مورجان وباخوفيه لا تسند منطقهم.

وقد مارسوا تطبيق هذا الموقف العقائدى عمليا بعد قيام الثورة في روسيا حتى عام 1953 حيث تقرر الغاء ما أطلق عليه في تلك الفترة اسم المعاشرة الاختيارية وتسليم الانتاج من الأبناء للدولة.. بعد اتضاح المساوئ الاجتماعية من كثرة الاجهاض وانتشار الأمراض السارية مما هدد سير عجلة الإنتاج واضطرهم إلى إعادة تقييد إجراءات الزواج والطلاق بدعوى أن الإنسان لم تتطور داخلياته بعد إلى الحد الذلا يصلح لممارسة هذه القيم الجديدة وأنه لذلك يلزم ارجاء التطبيق الحرفى لهذا الاعتقاد ضمن ما أرجئ من قضايا على مدار مرحلة الاشتراكية ريثما يحين عصر التطبيق الكامل للشيوعية.. وقد حوى كتاب" مشروعات السنوات الخمس" ترجمة لادكتور راشد الراوى تفاصيل ما جرى في هذه الفترة..

والخلاصة: أن نظام الأسرة نظام فطرى موجود حتى في الطيور والحيوانات الراقية بغير سبب من الملكية, وهو في الإنسان له قدسيته الاصة ويمثل وحدة حركية إنسانية ذات قيم ثابتة وذات دور كبير في تنمية كل قدرات الإنسان. ولم يستطيعوا هم أن يتخلصوا منه في حياتهم برعغم كل انحراف.. وصدق الله العظيم " ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة.ز إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون".

قضايا تلاقى نفس المصير:

ما ذكرناه عن الأسرة نموذج لما يفعله الشيوعيون مع القضايا الأخرى التى سبقت الإشارة إليها وفى كل منها تقابلنا نفس المحنة ونفس الاستغلال بما يتفق وطبيعة الموضوع ونأمل أن يتسع المستقبل إن شاء الله لنناولها على حدة حتى لا تحيد عن الهدف...

وبعد مرورنا على " الإدلة الجدلية" وبعد الإشارة إلى بعض القضايا العلمية التى تستغل حولها ز نكون قد وصلنا إلى الكلام عن " الإنسان".. قانونه.. وقضاياه..


الحلقة السادسة عشر: المنهج العلمى للإنسان

- قضايا الإنسان في منهج الله منبثقة عن قانون ثابت لا يختلف

ذكرنا في بداية حلقات الحوار أن الماركسية تتضمن ثلاث قضايا رئيسية المادية الجدلية والتفسير المادى للتاريخ وفائض القيمة..

وبنهاية الحلقة الخامسة عشرة نكون قد فرغنا من القضية الأولى مصدر غيرها من القضايا.

ويمثل الكلام عن الإنسان بصفة مستقلة منطقة وصل هامة بين قضية العقيدة وفضية التشريع في أى مذهب أو دين, ولذلك لم ينفك الماركسيون وكان لنا بدورنا في كل ذلك تأصيل وتوضيح لمفهومات التكوين والحرية والسعادة مبنى على أساسنا العقيدى وموصل لمنهج الإنسان الربانى في الحياة .. ويشمل ذلك تلقائيا موضوع فائض القيمة باعتباره قضية محورية في الماركسية يدعم الموقف العقيدى من الملكية. قالوا عن الإنسان أنه مجرد ظاهرة مادية علة قمة سلسلة النشوء وا{تقاء .. فكرة عملية مادية حصيلة محزون التجارب المنعكسة من الوسط المادى الذى يحيط به.

وإن حريته هى في تحقيق ضروريات حياته من مأكل ومشرب وملبس من أسر الطبيعة بالعلم, ومن قبضة المستغلين بادراك قوانين التطور الاجتماعى. وأن سعادته في إشباع رغباته المادية.. وأن مشاعره وعواطفه تعبير عن حاجات مادية بتوق الإنسان إلى إشباعها فأنت تحب ابنك اليوم لما ترجوه من تقع مادى عن طريقه في المستقبل فأنت في الواقع تحب وثيقة تأمين على الحياة تدب على قدمين. وإن الأخلاق والقيم متغيرة ونسبية جوهرها الفردى في تحقيق اللذة الحسية وجوهرها الاجتماعى هو التعبير عن المصالح الطبقية.

وأن التناقضات التى تظهر لنا بين أقوالهم وأفعالهم مردها إلى أغلبية رواسب المجتمع البرجوازى الذى نشأوا فيه, وأن إنسان المستقبل سيختلف عنهم كثيرا.. في كل شئ خلقا وخلقا. وقلنا لهم في الإنسان وقضايا الإنسان قولا آخر منبثقا من عقيدة أخرى ومنهج آخر , قلنا : في صلة الله تعالى بخلقه, نشاهد أنه قد فطر كل شئ في عالم الجماد والنبات والحيوان على قانون ثابت لا يتخلف.

الكائن الارادى

فتركيب ذرة كل عنصر وخواصه ثابتة لا يملك العنصر لها بديلا ولا تعطيلا ودور العلم يقف عند حدود الكشف والوصف دون العلل والغايات فهو لا يعلل عدد الالكترونات في ذرة الذهب, ولا سر الصفرة في اللون ولا لماذا ينصهر عند درجة حرارة معينة دون غيرها من الدرجات إلى آخر ما له وما لكل عنصر من خواص يسجلها العلم ويتابع التغييرات التى يحدثها الإنسان فيها على وعى بقوانينها.

كذلك الأمر بالنسبة لشجرة الفاكهة مثلا فإنها هى الأخرى مفطورة على قانون ثابت لا تملك له تبديلا ولا تعطيلا, فهى تمتص من التربة عناصر معينة بنسب محددة تمر في داخلها بمراحل مختلفة لتهطينا في النهاية ثمرة ذات أوصاف مميزة والعلم دوره في الكشف والوصف..

فلو تصورنا أن عنصر الذهب أو شجرة الفاكهة منحت القدرة على التصرف في قانونها بالتحقيق أو بالتعطيل, وخيرت في ذلك على أساس أن تكرم إذا اختارت اتجاه قانونها فلم تعطله, ومن يطلق الذهب خصائصه وتعطى الشجرة ثمرتها ويحقق كل منهما رسالة وجوده.. وعلى أساس أن يستأهل العقاب بالافناء , أو يستأهل الشجرة العقاب بالقطع إذا أساءت الاختيار و لكانت الشجرة هى الإنسان تماما.

ذلك أن الإنسان له قانونه المفطور عليه, ولكنه كائن ارادى بل هو الكائن الارادى الوحيد الذى إن شاء حقق قانونه وآتى ثمرته وحقق رسالة وجوده وإن شاء عطله فيستحق الجزاء.. فما هو قانونه. قانون الإنسان:

من غير دخول في مسلمات إيمانية حول خلق الإنسان وما بث فيه من روح الله, وحول ثنائية تركيبة من روح وجسد وحول خطيئة آدم عليه السلام , التى أهبطته إلى الأرض.. فإن تتبع ىثار الإنسان على الأرض يفتح الطريق إلى الإيمان بذلك كله لمن يحمل بين جنبيه قلبا سليما.

فمن المشاهدخلال تجارب القرون أن نفس الإنسان ترتاح وتطمئن بالحب وتأسى وتضيق بالكراهية, وهكذا الرحمة في مقابل القوة, الشجاعة في مقابل الجهل , أى في نفس كل إنسان مهما كان اعتقاده ومهما كان زمانه ومكانه بذرة خاصة هة النفخة الإلهية, ترتاح وتنمو بكل ما هو خير وحق وتذبل حتى تموت بكل ما هو شر وباطل.. هذه هى فطرة الإنسان ..وهذا هو قانونه الثابت.

والإنسان الذى يصل ن خلال حركته وتحصيله للخير والحق إلى الله تعالى علما وحالا باعتباره سبحانه وتعالى منتهى كل حق وغاية كل خير هو الإنسان المسلم الذى حقق رسالة وجوده, وآتى ثمرته ووجد محوره الثابت الذى يدور حوله, أما ذلك الذى تقطعت أوصاله وانتكست حركه فإن نفسه لا تصل إلى أى اطمئنان أو راحة على كثرة ما يحصل من متاع الدنيا.

والإرادة الإنسانية التى تستهدى بنور الرسالة السماوية مكلفة إن تصل بحركتها إلى الله تعالى لتحقق قانون الإنسان وحياته الحقة ووجوده الربانى الصحيح.. وفى ذلك فليتنافس المتنافسون.. وعلى هذا يكون الجزاء بعد أن هيأ الله للبشر أرضا تفيض بالخيرات لتكون مضرب إرادتهم وأنزل التشريعات مصبوغة بالاختيار ليستطيع الإنسان الذى أسلم لله في اختياراته للخير والحق أن يحسن الوصول بهما وأن يعرج عليهما إلى الله تعالى بعد التحرر من قيود الشر والباطل.

ومن هنا دان الاختيار هو الصبغة الأساسية للشريعة الإسلامية شريعة الأنبياء جميعا لأن الإختيار هو شرط المسئولية والتكليف أما ما قد يتطلبه الأمر من الزام وفرض فإن الله وحده هو الذى يضعه في حياة الناس لمصلحة هدف الإختيار فالتحرر أو اختيار التحرر.

مفهوم الحرية:

الإنسان مكلف – وفقا لما يتزود به من إرادة دون غيره من الكائنات – أن يوجه إرادته إلى فك جميع القيود وازاحة جميع العقبات التى تعطل حركته حول محوره أو تبطئ منها.

فعليه أولا أن يحقق التوزان بين جميع احتياجاته الأساسية من مطالب جسيمة وروحية, والحاجات المادية بطبيعتها دورية ومحددة وتخضع لقانون تناقض المنفعة أما الحاجات الروحية فهى تستمد من الروح طلاقتها وانفساحها. وهى التى بها تتحقق صفة الإنسان.

فصاحب الإرادة السوية مكلف أن يفك قيد الجهل لينطلق في مدار العلم, وأن يفك قيد الشح لينطلق في مدار البذل والكرم, وأن يفك قيود الجبن والقسوة والكذب لينطلق في مدارات الشجاعة والرحمة والصدق وأن يزيح ثقل الكراهية والبغضاء والحقد والحسد لينطلق في مدارات المحبة والإحسان.

وبالجملة يفك كل قيود الباطل لينطلق في مدار الحق , وكل قيود الشر لينطلق في مدار الخير.. فالحق والخير هما مداره الأصليان, وهندما يضع الإنسان المكلف جميع الأغلال ويزيح جميع الأثقال عن نفسه فإنه يتحرر من كل أسر وعبودية لغير الله تعالى لتصير نفسه بحق نفسا حرة لأنها لم تعبد للشر والباطل, بل تحررت منهما لتعبد للحق والخير وحدهما أى لتلتزم مداريهما حتى يتحقق كمالها بعبادة الله وحده دون غيره من أسباب الأرض.. وفى هذا يقول سلفنا الصالح:" في العبودية لله تمام الحرية في الحرية تمام العبودية". ومن هنا كانت رسالة الرسل جميعا تضع عن الناس إصرهم والأغلال التى كانت عليهم..

ولابن تيمية كلام قيم في هذا المعنى في رسالة " العبودية" حيث يفرق بين الحقيقة الكونية والحقيقة الدينية, فمن زاوية الحقيقة الدينية, فمن زاوية الحقيقة الكونية تعتبر جميع الكائنات ومنها الإنسان في مقام العبودية لله. ولذلك من زاوية خضوعها للقوانين التى فطرها الله عليها ويستشهد في ذلك بقوله تعالى " وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها". لأنها عملية لاخيار فيها. أما من زراوية الحقيقة الدينية فيعتبر الإنسان في مقام العبودية بمعنى أنه معبد. أما في حالة الحقيقة الدينية, فالعبودية بمعنى أنه عابد وفى هذا يفارق جميع الكائنات فتكون عبوديته طوعا وعبوديتها كرها, فالحرية تتمثل في تحرر من جميع المعوقات عن الله, وفى صدق الإيمان به تعالى والتزام مدارت شريعته.

فهى من ثم نفس قانون الحركة المتوازنة حول محور ثابت غير أنها حركة إرادية هى قانون الإرادة. وفى هذا الإطار يتحرك الإنسان في جميع ميادين التعامل بين العديد من الحقوق والواجبات ليزاول أثناء مباشرته حقوقه استخلاص صفات الحق.

والخير فيها.. يستهد فهمنا دائما, وإزالة صفات الشر والباطل عنها.. يستبعدهما دائما.. ونفس الأمر بالنسبة لمباشرته أداء واجباته وكأنه في ذلك كله كالزارع يسقى النفخة الإلهية فيه ويمدها بسر حياتها مصداق تشبيه الإيمان في قلب المؤمن بالبقلة تنمو حتى تصبح شجرة طيبة .

خطأ المفهوم الماركسى:

من ذلك يتضح خطأ وقصور مفهوم الحرية عند الماركسيين إذ اعتبرونها مجرد تحرير الضروريات من أسر الطبيعة بالعلم, أو من قبضة المستغلين وهو مفهوم ضيق مبنى على فهمهم المادى للوجود والإنسان. وعندما وقف الرئيس الراحل بحلوان يندد بالطلبة والعمال الذين تظاهروا في فبراير 1968 مطالبين بالحرية وتساءل للطالب إنما كان يصدر عن هذا الفهم المحدود للحرية. ومن قبل جرت مناقشة سطحية عن تعريف الحرية في مباحثات الوحدة التى جرت في القاهرة بحضور ميشيل عفلق يلزم مراجعتها على ضوء المفهوم الصحيح لأن من حق الأمة أن تعرف.

خطأ المفهوم الغربى:

كما يتضح أيضا خطأ وقصور مفهومها عند الرأسماليين أو المعسكر الغربى عامة, حيث يطلقون كلمة حرية على كل انفلات من مدار الحق والخير ما دام يخدم رغباتهم ومصالحهم المادية, ولو كان ذلك على حساب اظلام نفس الإنسان وتدمير الجانب الربانى فيها, طالما أن الفرد لا يسبب ضررا للأخرين؟!. وهو فهم خاطئ مصيره إلى تدمير النفس وتدمير الآخرين كذلك لأن الخلية المريضة لا يقتصر مرضها عليها, فشرب الخمر في مفهومهم حرية والزنا مع المبالغة برضاها حرية, والإستغلال حرية.. إلى آخر سلسلة التفلتات..

وخطأ الفهم هذا قد جر خطأ الاستعمال..

وفى ضوء المفهوم الصحيح يلزم استعمال كلمة – حق العقيدة – بل حرية العقيدة وحق التعبير بدل حرية التعبير, وحق الاجتماع بدل حرية الاجتماع وحق التنقل بدل حرية التنقل.. وهكذا فإذا أحسن الإنسان مباشرة هذه الحقوق واستهدف الحق والخير بموزاين الرسالات السماوية وغايتها, صار حرا, وإلا ظل لغيره من الأشياء والأشخاص والأوضاع.

بالرسالات السماوية وحدها هى التى تحقق الحرية الحقيقية للناس جميعا بتخليصهم من عبادة العباد إلى عبادة الله , ومن جور الحكام إلى عدلى الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة كما قال خالد بن الوليد في رسالته إلى ملوك الفرس..

من الحر؟

ومن ثم فالمسلم هو صاحب الخق الوحيد في وصفه بالحر, ولو كان في سجن حرم فيه بعض الحقوق, وغير المسلم هو اعبد ولو كان خارج الأسوار في متناوله جميع الحقوق والواجبات, لأن الأول يحسن إدارة واستخدام ما تبقى له من حقوق وما مكنته من واجبات في داخل الأسوار والثانى أعجز عن استخلاص الحق والخير الموصلين إلى الله تعالى في حركته المنتكسة لأنه أسير القيود أو الشهوات, فلا تنتهى اضطراباته ولا تتحقق سعادته برغم اتساع الفرص أمامه من حقوق وواجبات.

وتترجم أبيات الشهيد القاضى محمد محمود الزبيرى هذه الحقيقة في قوله:

خذوا كل دنياكم واتركوا

فؤادى حرا وحيدا غريبا

فإنى أعظمــم دولة

وإن خلتمونى طريدا سلبيا

وتكمن عظمة الشهادة في سبيل الله في أنها تتوج سلسلة الاختيار الراشد في حياة المؤمن باختياره للموت كذلك.. وكانت الفطرة السليمة لدى العرب تنفر من الموت على الفراش ويعتبرونه موتا فيه ارغام , وليس فيه اختيار ولذلك يقول شاعرهم ح وما مات منا سيد حتف أنفيه – فكيف وقد جعل الإسلام لهذا الاختيار مستوى جديدا إيمانيا...

مفهوم السعادة

بما سبق يتضح أن السعادة ليست في إشباع الرغبات وإن كان تحقيقها واجبا ومسلما لغيرها من الإحتياجات الإنسانية. تلك الاحتياجات التى تبدأ بحتياجات الجسم وتكتل باحتياجات الروح المتمثلة في الدوران في مداره الحق والخير الموصلين إلى الله تعالى حيث تسكن النفس البشرية وتخلو من القلق والصراع المتخلف من ضياع مركز التوزان حين حين تجد الفطرة فاطرها وتعرف هذه الجزيرة الصغيرة- كما يقول اقبال – أنها موصولة بحياة أوسع... وقد أصاب الإمام الجليل ابن القيم في تصويره هذه الخاتمة الخاتمة النفسية في قوله:" ففى القلب شعث لا يلمه على إلا الإقبال على الله, وفيه وحشة لا يزلها إلا الإنس به في خلوته, وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصد معاملته, وفيه قلق لا يسكنه إلا الإجتماع عليه والفرار منه إليه وفيه نيران حسرات لايطفئها إلا الرضى بأمره ونهيه وقضائه ومعانقه الصبر على ذلك إلى وقت لقائه.... وفيه طلب لا يقف دون أن يكون هو وحده مطلبوبه.. وفيه فاقة لا يسدها إلا محبته والإنابة إليه ودوام ذكره وصدق الإخلاص له, ولو أعطى الدنيا وما فيها لم تسد تلك الخلة أبدا.. فالتفرق يوقه وحشة الحجاب, وألمه أشد من ألم العذاب"

وأن يكون للسعادة مفهوم بعد ذلك الكلام القيم فهى في إزالة الشعث وإزالة الوحشة ونفى الحزن ونفى القلق واطفاء نيران الحسرات وسد الفاقة.. وقد أرجع ابن القيم سبب ذلك كله إلى وقوع التفرق أى البعد عن وفى عبارة بسيطة نقول: إن السعادة هى في تحقيق الإنسان لقانونه حيث يبلغ عندئذ الإستقرار وتصبح بحق نفسا مطمئنة.

بيئة الإختيار:

لقد بان لنا ضرورة أن تكون بيئة الرسالات السماوية هى بيئة الاختيار في جميع ميادين التعامل, حتى يستطيع الإنسان المكلف ان يسأل وهو يزاول حقوقه وواجباته عن اختيار مدارات الحق والخير فيها فيحقق قانونه ويكرم ذاته أو يسأل عن اخيتارات مدارات الشر والباطل فيها فيستوجب العقاب.. وهل استطاع العروج إلى الله تعالى علما وحالا من خلال حركته أم تفرقت به السبل..

وكانت الشريعة الاسلامية هى ثوب هذه البيئة القشيب, وكان من أهم خصائصها أنها شريعة الاختيار فاستوعبت بذلك فطرة الله التى فطر الناس عليها...

ولكن كيف نضمن دوام توافر الاختيار على مدار الشريعة فيما جعل الله الخيرة فيه؟!

أين مركز الضمان الظاهر والمعول عليه – بعد الإيمان – في ثبات صبغة الاختيار في جميع ميادين التعامل؟!

أين الأداة الرئيسية التى تعتبر مسؤوله عن بقاء الاختيار أو زواله؟!

هذا ما نستوضحه في الحلقة القادمة إن شاء الله.


الحلقة السابعة عشر: أداة الاختيار الملكية

لكىيتمكن المسلم الراشد من الإختيار الراشد يلزمه أولا أنم يكون على قيد الحياة, وذلك بأن تتوفر له ضروريات الحياة... ولم يتفق العلماء على تحديد هذه الضروريات وقد تعرض الدكتور عيسى عبده في محاضراته التى ألقاها بمعهد الدراسات الاسلامية لنماذج من محاولات العلماء المتكررة التى لم تسفر عن اجماع.. ولكن هدى الكتاب والسنة قد أعاننا على هذا التحديد بأن حصراها في أربعة: المأكل والملبس, والمشرب والمأوى.. وذلك فو قوله تعالى:" إن لك ألا تجوع فيه ولا تعرى, وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى"... وفى السنة عندما جاء ذكر قوله تعالى:" ثم لتسألن يومئذ عن النعيم" في مجلس لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيه أبو بكر وعمر وأبى عسيب قالوا: يارسول الله أى نعيم نسأل؟ وإنما هما الأسودان الماء والتمر, وسيوفنا على رقابنا والعدو حاضر.. وفى رواية أننا لمسؤلون عن هذا يوم القيامة, قال :" نعم إلا من ثلاثة: خرقة من الحر بها الرجل عورته, أو كسرة سد بها جوعته, أو جحر يدخل فيه من الحر والقر".

فما السبيل بعد هذا التحديد إلى الحصول على هذه الضروريات قبل أى نعيم؟؟

السبيل إلى ذلك هو الحصول على نصيب من الثروة القومية..

ولنفرض لسهولة التحليل أن الفرد حصل على نصيبه في صورة عينية أى حصل على قدر من الحبوب واللحوم والأقطان والثمار.. فكيف يتصرف فيها؟!

وما هى التصرفات التى تسبق غيرها أو تتقدمها في سبيل اشباع حاجاته الضرورية جميعها, ثم في الإنتقال من دائرة الضروريات إلى دوائر النعيم حيث مجال المسؤوليات أوسع وحيث مجال التفاضل أكبر..

لا يخرج نشاط الفرد على هذا النصيب من الثروة عن ثلاثة أمور متتالية سميت لذلك ثلاثة حقوق..

الحق الأول: حق الإستعمال:

وهو حق مالى ترتبط به علاقات اجتماعية كثيرة .. فإن كان الفرد مختارا في الإستعمال كان قادرا على الإختيار في كل ما يتعلق بهذا الاستعمال من مدارات إنسانية.. وإن كان ثمة قيد على الإستعمال فيجب أن يكون من الله وحده الذى يحل ويحرم, ولا يترك تقدير هذه الأمور للبشر ,إلا غلبتهم أهواءهم وجهالاتهم فيحرمون زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق, أو يقولون هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا, أو يقولون ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء , أو يأتونه بأى شكل حديث من أشكال القيود والتحريمات من نتاج العصر في أى شكل من الأشكال الاستعمال لأى نوع من أنواع الثروة يؤدى بدوره إلى القيود والفوارق الاجتماعية وقد ذكر ابن تيمية.. في كتاب:" عقيدة أهل السنة" أن أنواع المحرمات في بنى اسرائيل قد تجاوزت المائة..

وبهذا نبهت صيغة الاختيار في هذا النوع من الحقوق , وتتعثر إرادة الإنسان وتصطدم أو تستسلم فتفسح الطريق أمام الاغلال والأثقال التى تقطع حياة الناس من بارئهم..

ثانيا: حق التصرف:

وهو نتيجة طبيعية للحق الأول لأن كل فرد لا يحسن بالفعل جميع الاستعمالات فزيد من الناس مثلا لا يستطيع بمفرده أن يقوم بغزل القطن وصنع الثوب وصبغة, ولا يمكنه طحن الغلال وخبرها ولا القيام بأعمال الجزارة.. والمرأة بفطرتها أقدر على أنواع معينة من الأعمال.. لذلك فقد اقتضت حكمة الله توزيع المواهب والاستعدادات لكى تحدث الصلة بين الناس ابتداء من الأسرة وانتهاء بمؤسسات الدولة, لأنه لو تساوت مواهب الناس جميعا وتكافأت استعداداتهم واتسع الوقت والجهد أمام كل فرد لاشباع حاجاته بنفسه – على فرض خلو النفوس من الأهواء – لا ستغنى كل إنسان عن أخيه, ولتقطعت الروابط, ولبطلت مع هذه الحال حكمة الاختيار ولتغير نطاق التكليف..

فأنا أعطى نصيبى من القطن لمن يتخصص في صناعة الغزل والنسيج , واقوم أنا بعمل ما أحسنه من أعمال الزراعة أو النجارة مثلا, ويبدأ تداول المنافع بالبيع والشراء الذى هدفه النهائى تسهيل دور الإستعمال..

وعمليات تبادل المنافع هذه تسمى بحق التصرف, أى التصرف في جزء من نصيبى نم الثروة بالبيع أو الشراء أو الهبة أو الوصية.

ومن هنا فقد عرفت البشرية ظاهرة تقسيم الأعمال منذ بدء الخليقة.

ويلزم في مزاولة هذا الحق, وفى حل وتحريم التصرفات التنبيه إلى أن الله تعالى هو وحده الذى يرشدنا إلى الحلال والحرام فيها بواسطة رسله وإلا غلبت أهواؤنا وجهالاتنا على كافة مستويات المسئولية, من مسئول عن أسرة إلى مسئول عن أمة فتملأ حياتنا بالأغلال والقيود.. وما صور جميع البيوع الربوية ولا صور جميع التشريعات الطبقية ولا صور الإستغلال الرأسمالية منا ببعيد.

ويلزم كذلك أن تظل صبغة الاختيار ملازمة لهذا الحق , لأنها تدفع إلى القدرة على الإهتيار فيما يتعلق به من علاقات اجتماعية, ثم إلى القدرة على الإختيار في حق الاستعمال وتوابعه الاجتماعية أيضا. ثالثا : حث الاستثمار أو التنمية:

وهو حصيلة الحق الثانى وتتاج طبيعى له, إذ هو الثمرة الجديدة لحالة النمو التى حصلت بالفعل من خلال حركة التصرف.

ولكننا هنا أمام حالة جديدة وحق من نوع خاص, فالإنسان بتقرير حقه في الثمار يصير صاحب سلطة جديدة يملك مفتاحها.. فكلما زادت ثمرات النمو كلما اتسعت مدارات حركته وتقدمت في مجالات التصرف والإستعمال, وبالتالى فيما يحيط بهما من نشاطات إنسانية..

وحيث أن بيئة الرسالات السماوية هى بيئة التنافس في الخيران والمسابقة والمسارعة في الخير:" وفى ذلك فليتنافس المتنافسون".

" وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين"..." والسابقون السابقون, أولئك المقربون".

وحيث أن بيئة الرسالات السماوية هى بيئة تكريم الفرد بتحقيق عبوديته لله وتحريره من كل قيود الشر والباطل.... " فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون" لذلك وجب تمكين الفرد بل كل فرد من حق الاستثمار, يعنى تمكينه من سلطة تسهل له خوض ميدان التنافس وتوسع له من ارتياداته بحيث يصير كل فرد خلية حية أو وحدة متحركة على طريق مفتوح ليس فيه إلا اشارات المرور, وله وحدة قيادة حركته أو مسؤولية قيادته التى يملك مفتاح سرعتها..

والمهم هو ضبط هذه الحركة أى ضبط حركة كل الوحدات المتنافسة المتسابقة حتى لا تتصادم وحتى لا يطغى بعضها على بعض.. والتسابق في هذا اللون الفريد من البيئات هو تسابق أخلاقى في الدرجة الأولى من خلال الأطر المادية, مما قد يعطى التضحية المادية في بعض المواقف قيمة أخلاقية متفوقة. فحاجة الوحدات المتحركة فقط هى إلى منظم للحركة لا متسلط عليها.

حاجتها إلى شرطى مرور متحكم, حاجتها إلى قاسم لا يعطى ولا يمنع وإنما يضع حيث أمر الله كما أعلمنا رسول الهدى.

مفهوم الملكية ودورها:

إذن لابد من تمتع كل فرد بهذه الحقوق الثلاثة على نصيبه من الثروة القومية لتتم صبغة الاختيار في جميع ميادين التعامل.. هذه الحقوق الثلاثة.. حق الإستعمال, وحق التصرف, حق الإستثمار هى عناصر الملكية الخاصة.. فالملكية بهذا المفهوم أساسية في توفير الاختيار على مدار النشاط المالى, وبالتالى على مدار الحياة الاجتماعية.. فهى من ثم أداة الاختيار ولو شئنا لقلنا أنها بهذا المفهوم تمثل الارادة المادية في مواجهة الظروف الخارجية, وهى أولا وأخيرا في قبضة الإرادة النفسية التى ينبتها ويحركها الإيمان السليم... ولا ثمر في فروع الشجر المنتشرة في الهواء إذا بترت عن جذورها.. أليس أن الصلاة مقرونة بالزكاة دائما بل ومتقدمة عليها..

وعلى هذا الضوء إذا كان في جيبك جنيه واحد ولكن لك عليه الحقوق الثلاثة فأنت تمل أداة الاختيار.. وإذا كان معك مائة جنيه ليس لك عليها حق من هذه الحقوق الثلاثة فأنت مجرد حامل لمبلغ من المال لا يوفر لك القدرة على الاخيتار مثلك مثل محفظة الصراف تماما أو مثل الخزانة الحديدية على أحسن الفروض..

وإذا كان لك على هذا المال بعض الحقوق كالاستعمال أو التصرف فأنت محدود في اختياراتك بسلطة من له حث الاستثمار أو التنمية لأنه يملك مفتاح الزيادة والنقصان بل والمنع إن شاء كهذين الحقين..

وإذا كان لك حق الإستثمار أو التنمية كان لك تلقائيا الحقان الآخران ولذلك يسمى حق الاستثمار بحق الرقبة لأنه مفتاح التضييق والتوسعة بل والخنق للحقين الآخرين..لذلك كله وجب تمكين كل فرد من هذه الحقوق الثلاثة على أى نصيب له من الثروة في صورة من صور الدخل إن أردنا أن نحتفظ للأفراد بمسؤوليتهم كاملة ونجعلهم على مستوى التكليف , اللهم إلا من لا يكون لهم سوى بعض الحقوق بحكم ظروفهم الواقعية أو القانونية كالأطفال والمجانين الذين لايملكون إلا حق الإستعمال.. والوكيل والوصى والقيم الذين لا يملكون إلا حق التصرف..

أما الذين يملك حث الاستثمار فهو يملك تلقائيا الحقين الآخرين وهو مستوى كمال السلطة.

الإقطاع الحديث:

أما إذا أخذت الحكومة على عاتقها أمر هذه التنمية أو الإستثمار خروجا على دورها الوظيفى المنضبط الذى سنبينه بعد, مدعية أنها في ذلك تنوب عن المجتمع في الإنتاج وفى توزيع الأنصبة من الثروة على الأفراد في صورة عينية أونقدية, كلما نفدت عادوا إليها لتعطيهم من جديد, محرمة عليههم مجالات الحركة إلا في مجال الاستهلاك كما هى واقع البلاد الإشتراكية الماركسية , إذا فعلت الحكومة ذلك فإنها تقضى بذلك واقع البلاد الاشتراكية الماركسية, إذا فعلت الحكومة ذلك فإنها تقضى بذلك على صبغة الاختيار في المجتمع بكل نتائجه الإنسانية, لأن الحكومة أصبحت هى المختار الوحيد الذى ينشر الجبر والإضطرار في حياة لناس لمصلحة اختيارها هى فقط أى لمصلحة قلة من الأفراد مهما صدقت نواياهم.. ومن ثم فإن ما يتسلمه الفرد من الثروة لا يعيطه صفة المالك مهما كبرت قيمته, وهى صور شبيهة بما كان يحدث في عصور الإقطاع بأوروبا حيث كان الرقيق والعبيد يمنحون من أسيادهم قدرا من الثروة بقيم حياتهم نم خلال أنواع كثيرة من القيود الاجتماعية, وهل كانت علة هذه النظم العبودية إلا أنها أعطت فريقا من الأسياد سلطة التحكم في أرزاق وحريات الآخرين.. ولن يغير من هذه العبودية أن يرتفع نصيب الفرد من الثروة التى لا يملك سوى استخدامها في الإستهلاك...

خداع الألفاظ:

ومن التعبيرات الخاطئة والخادعة القول بأن الإشتراكية أى المشاركة في الثروة هى الحرية الإجتماعية.. وواضح مما ذكرنا آنفا أن الإشتراك في الثروة هو مفهوم العدالة على أحسن الفروض.. ولكن العدالة المادية لا تغنى بمعنى القدرة على الإختيار الراشد وإنما سبيل ذلك هو التشريع لذى يحيط بهذا النصيب من الثروة بحيث يكون لكل فرد على نصيبه الحقوق الثلاثة: حق افستعمال , وحق التصرف, وحق الإستثمار, من خلال ضوابط الحل والتحريم والإختيار حتى لا يعبد الإنسان لأى سلطة إلا الله وحده, ومن ثم فإن ما يسمى في تلك البلاد القهرية " بالملكية" كمزرعة الفلاح الخاصة الملحقة بالمزارع الجماعية, أو كمبغ العامل المدخر بالبنوك لا يعتبر في جوهره ملكية بالمعنى الصحيح لأنها عاجزة عن منح مجالاته الحيوية من الإختيار والتى تجعله على نفس مستوى التكليف مع كل فرد في الأمة, ومن ثم فهو لم يتخلص من رقة العبودية للسلطة الحاكمة وتسمية هذه الحيازات بالملكية مجرد خداع لفظى.

أنواع السلطة:

يعيب الشيوعيون على الملكية أنها نفوذ اجتماعى تسبب الاستغلال فمن يملك يستغل, ومن هنا كانت مطالبتهم بإلغاء كل صور الملكية الخاصة ووضع هذا النفوذ الاجتماعى في يد المجتمع وسحبه من الأفراد.

وهم معذرورن من وجه ومخطئون من وجه آخر ذلك أن كل صور الملكية الإقطاعية والرأسمالية التى عرفوها تقوم على أبشع صور الاستغلال فعلا, ولكن الخطأ أن يخرجوا من ذلك بحكم عاطفى غير مبنى على عقيدة سليمة ولا فهم سليم للإنسان , ولا شمول في استقراء التاريخ فكان هذا الموقف الانتقائى كما سبق أن أشرنا.

والسوء لا يكمن في الملكية من حيث هى سلطة مادية, بل في طريقة استخدامها في غيبة التشريعات الحكمية التى تحقق مركز التوازن في الحركة..

ومن الأفضل استعمال كلمة السلطة بدل النفوذ وقد وردت هذه الكلمة ومشتقاتها في 38 آية من القرآن الكريم لدلالة على أنواع القدرة المالية والعلمية والإدارية والبيانية.. الخ فتطالعنا الآيات الكريمة باستعمالات شتى في قوله تعالى:" ولو شاء الله لسلطهم عليكم.." وقوله" إن عندكم من سلطان بهذا" وقوله:" إن عبادى ليس لك عليهم سلطان" وقوله"" سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون اليكما", " ومن قتل مظلوما فقد جعل لوليه سلطانا".. هكذا..

فليست الملكية أو بمعنى أقرب, فليس المال هو مجال السلطة الوحيد, بل إن مجالات السلطة كثيرة, وكلها تمكن صاحبها من استغلال الآخرين إذا انحرف بها عن مدارها السليم.

فالمال سلطة والعلم أخطر أنواع السلطة والمركز الاجتماعى سلطة والموهبة سلطة, والعائلة سلطة, والجمال سلطة. ( قصة يوسف عليه السلام) والبلاغة سلطة, والدين سلطة, وما أكثر ما شهدت الأرض من صراعات بسبب سوء استخدام أنواع هذه السلطات, والمهم كيف توضع الضوابط الأخلاقية والتشريعية لحركة هذه السلطات حتى لا يعيش المجتمع في عذاب كل صور الإستغلال وما المال إلا واحدة منها.. وما أكثر ما عانت شعوب من استغلال وقهر على يد أناس لا يملكون إلا سلطة مراكزهم.

أين يكمن الخطر:

واذا كان الخطر ليس في مبدأ تملك أى نوع من أنواع السلطة , وإنما هو في سوء استخدامه, فكذلك لا يكمن الخطر في مآل الملكية الخاصة إلى الملكية العامة, أى ملكية الدولة نيابة عن المجتمع في الحالات الاستثنائية إذا ما كانت هذه السلطة الضخمة في إطار الرسالة السماوية تربية وتشريعا, مثلما حدث في تاريخ الأرض الخراجية الذى سنوضحه فيما بعد.

فالإنسان في ظل الهدى السماوى قادر دائما على حسن مباشرة هذه السلطات سواء أكانت المباشرة من جانب الأفراد أو من جانب الحكومة من خلال ما هو أصل وما هى استثناء بشروطه أم عندما يحرم الإنسان من هذه الهداية فإن الواقع المادى هو الذى يشكل تصرفاته التى لا تسلم من الضعف والإنحراف.

كذلك كان سحرة فرعون قبل الإيمان بموسى أذلة يرجون أجرا وقربا من فرعون فلما آمنوا انقلبوا إلى شئ غريب أعظم من كل ما على وجه الأرض من إغراء أو تهديد.

ومن تم فالملكية بكل عناصرها الثلاثة من استعمال وتصرف واستثمار هى أداة الاختيار في ظل مجتمع توفر فيه عنصر التربية الربانية والهدى الربانى في التشريع, وإذا حدث انفصام بين هذين الأمرين العقيدة والتشريع ضعف الإنسان أو طغى بالسلطات التى توفرها له التشريع وفى الحالين تزول تصرفاته صبغة الاختيار الرشيد.

تبريرات ضعيفة:

فالملكية إذن بمفهومها السليم وبضمان حركتها هى أداة الإختيار وهى العمود الفقرى لأغلب التشريعات الاجتماعية والسياسية.

أما تبرير أهمية الملكية بأنها حافز على الإنتاج, أو أنها انصياع لغزيرة جب التملك, فهى تبريرات على ما فيها من صواب ضعيفة, ولا تعتبر سببا مقنعا ولكن كيف نوفر أداة الاختيار للشيخ والمريض والمرأة وطالب اعلم ليظلوا على نفس مستوى التكليف؟!.


الحلقة الثامنة عشر: أنواع الثروة صور الدخول

لقد بان لنا الدور الذى تؤديه الملكية بمفهومها الصحيح في توفير صبغة الاختيار على مدار المجتمع, وأنها هى أداة كل فرد في مباشرته لهذا الاختيار.

وبأن لنا أن أبرز صور الدخول هى:

(1) عائد العمل

(2) عائد رأس المال ( البرح) فالإنسان ينمى ثروته بعمله المباشر فيها أوعن طريق المشاركة بها من عمل الغير, وفى هذه الحالة يكون له الحق في عائد رأسماله في المشاركة..

فهل هناك ضرورة اجتماعية لإباحة هذا اللون الأخير من الدخل الذى لا ينتج من العمل مباشرة؟

وهل هو عائد مشروع أم سرقة واغتصاب كما يراه الماركسيون من خلال تحليلات ماركس للقيمة؟

ضرورة إباحة الريح:

نعم: هناك ضرورة اجتماعية لإباحة الربح.ز ضرورة يوجبها مفهوم التكليف ومداه في بيئة الرسالات السماوية..

آية ذلك أن هناك حالات ينقلب فيها الناس جميعا, ولا يخلو منها كل بيت.. أن لم يكن كل فرد.. فطالب العلم, والشيخ, المريض, والمرأة والطفل حتى يكبر والمتفرغ لهدف أو رسالة إنسانية ومن على هذا الشكل ممن لا يكون العمل في مقدورهم بصفة مؤقتة اختيارا أو اضطرارا ...أو لا يكون في مقدورهم بصفة دائمة اضطرارا..

كيف نجعل هؤلاء ر يقعون في قبضة إنسان آخر أو في اسر سلطانه حتى يغيروا ظروفهم؟!

كيف يظلون في حماية الشريعة وحدها قادرين على الإختيار دائما على نفس مستوى التكليف الذى عليه القادر أو الراغب في العمل المنتج؟!

ومن ثم كيف يلزم مواجهة هذه الضرورات الاجتماعية مواجهة تتسم بالحكمة بدوام إبقائهم على نفس مستوى التكليف وعلى نفس مستوى القدرة على خوض ميدان المنافسة والاختيار؟!

إن الإسلام لم يرفع التكليف عن طالب العلم حتى يتعلم إذا لم يترك له تحصيل العلم وقتا للعمل, و الإسلام لم يرفع التكليف عن المرأة لأنه حبب إليها العمل في البيت إذا أشغلتها رعاية الأسرة فلم تترك لها وقتا للعمل بالخارج.. ولم يرفع الإسلام التكليف عن الفرد إذا هرم وضعف عن العمل بيده ولا عن المريض حتى يشفى من مرضه, ولا عن القائل برسالة من تعليم وقضاء وجهاد إذا صرفتهم هذه الأعمال عن العمل بأيديهم.. وهكذا.. فوجب إذن تسليح هؤلاء وهؤلاء بنفس السلطة التى تكون في يد القادر على العمل المباشر حتى يتساووا معهم في المسئولية عن التكليف..

لذلك فقد أباح الشارع الحكيم الدخول عن طريق عائد رأس المال ( الربح) ليستطيع صاحب رأس المال أن يشارك في الإنتاج وأن ينميه بطريق المشاركة ليستخدم عائده في توسيع مجالات التصرف الإستعمال من خلال صبغة الاختيار فيظل له نفس القدرة على الاختيار ويظل سيد ظروفه وآماله.

الدخول تتفاضل:

لا شك في أن الدخل عن طريق الربح حالة أدنى من صورة الدخل عن طريق العمل الذى حبب فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وزكاه..

ولكنها الضرورات الاجتماعية التى يجب مواجهتها بمنطق الاختيار... ثم أن هذه الظروف تمر علينا في مراحل حياتنا المختلفة.. المر الذى لا يخلو منه كل بيت إن لم يكن كل فرد...

ولو دققنا لوجدنا أن هناك كثيرا من التجاوز في النظر إلى أصحاب هذه الظروف نظرو ارتياب إلى إنتاجية عملهم, فعملهم في ميدان الخدمات أو في ميدان العلم هو في حقيقته عمل منتج على نفس مستوى اعمل المباشر.. وقد عدلت روسيا أخيرا عن التفرقة الجائرة بين النوعين من العمل وسارت في النظر بين جميع عمال المشروع الإنتاجى من عمال وموظفين..

ويبقى جانب تربوى هام – برغم كل ما يقال عن الضرورات الاجتماعية ومواجهتها – يستمده الإنسان من عمل يده برغم حقه في عائد رأسماله... ولذلك كان سيدنا سلمان الفارسى عليه رضوان الله وهو أمير " المدائن" ينفق كل عطائه ويفضل عليه ما يأتيه من عمل يده في صناعة الخوص.. وقد فطنت بعض الأحزاب الشيوعية إلى مغزى العمل النفسى, فألزمت أعضاؤه بترك العمل السياسى والانخراط في سلك العمل الزراعى أو الصناعى ومعايشة الواقع مدة لا تقل ن سنتين حتى لا ينفصلا شعوريا عن واقع مجتمعهم.

وبهذا تنضبط نظريتنا إلى الربح كصورة من صور الدخول وظيفة اجتماعية في الدرجة الأولى قبل أى اعتبارات اقتصادية.

الكسب الحلال:

ومن هنا كانت حكمة الإسلام في إباحة صورة أخرى من الدخول أدنى من صورتى عائد العمل وعائد رأس المال, ولم يشترك الرفد في جلبها بعمل ذاته ( عضليا أو ذهنيا) أو بعمل رأسماله: مثل الميراث والوصية ,والوقف والهبة والزكاة والصدقات الكنوز, وأعطى له وللدخول السابقة عنوانا عاما هو الكسب الحلال.

والمشكلة – بعد اتضاح الضرورة الاجتماعية في إباحة الربح – تكمن في كيفية – ضبط عائد رأس المال حتى يكون تقديره عادلا ومشروعا وليس سرقة ولا اغتصابا كما هو واقع الاستغلال الرأسمالى..

وهذا يجعل لنا تحليلنا الخاص للقيمة بعيدا عن المواقف المسبقة التى كانت وراء تحليل ماركس المتعسف تبريرا لوقفه العقيدى من الملكية.

قيمة التحليل:

أما ما سبق أن أوضحناه في الحلقة السابقة من مفهوم الملكية ودورها الصحيح في بيئة الرسالات السماوية... بيئة التكليف وشرطه الاختيار فيلزم تدعيمه بتحليل موضوع القيمة تحليلا أمينا لنرى مشروعية الربح من عدمه.. كما يلزم ضبط حركة المال بعد التحليل بجميع موازين الحركة في الشريعة الإسلامية حتى يظل عائد العمل حلال وعائد رأس المال حلالا, فلا تختلط صورة الملكية الإسلامية بصورة الملكية الرأسمالية أو الإقطاعية من قريب أوبعيد على ما سنبين..

مع الإشارة السريعة إلى أن الملكية الخاصة الإسلامية كأصل لا تمنع من قيام الملكية العامة كاستثناء وكحل من حلول الضرورة المنضبطة بالموازين الإسلامية التى تبعدها عن أى تشابه مع الماركسية في النتائج كما سنبين ذلك أيضا

نظرية الربح:

قبل عرضنا للتحليلات التى تؤكد مشروعية الربح بالضمانات اللازمة يلزم التعرض لما قاله ماركس أولا لتقييمه علميا لنرى هل تحققت حتمياته؟ وما دلالة عدم تحققها؟ وثانيا لنبرهن على عدم صحة المقدمات التى بنى عليها.

ماركس يرى أن للسلعة قيمتين: قيمة تبادلية وقيمة استعمالية, وأن التبادل هو الذى يجعل العملية مربحة من حيث الكيف, وإن كانت متساوية من حيث الكم.. والكم هو مقدار وقت العمل الذى بذل في إنتاج السلعة والعمل المنتج الذى يعتبره ماركس أساس القيمة ليس هو العمل الحقيقى أى ليس هو عدد ساعات العمل المبذولة لأنه بذلك يواجه أشكالا , إذ تكون السلعة التى أتيحت بالوسائل الفنيى في وقت أقل, ولذلك يرى ماركس أن القيمة لا تعتمد على المجهود الذى يقاس بالوقت بل يقيمها في حدود ما يسميه" بالعمل اللازم اجتماعيا" أى اللازم في الظروف التكنيكية العادية للإنتاج في فترة معينة طبقا لمتوسط مهارة وجهد المنتج فإذا قدر للإختراعات أن تخفض من هذا المعدل الزمنى فإنه لابد أن تهبط لقيمة بالتالى.

والفرق بين الجهد الفنى وغير الفنى , والعلقى منه واليدوى, فرق كمى لا كيفى مرجعه ما سبق أن أتفق من قوة العمل في سبيل إحالة الجهد إلى فن. ولذلك فمن الممكن القول بأن العمل غير الفنى يمثل وحدة واحدة والعمل الفنى يمثل أكثر ن وحدة, وبهذا يمكن قياس ما في الجهد الإنسانى من قوة عاملة.

ويعتبر ماركس أن عمل العامل هو وحدة العمل المنتج, وهو وحدة أساس القيمة, ويطلق عليه اصطلاح رأس المال المتغير, أما رأس المال الثابت المتمثل في الآلات والمبانى والمواد الخام فلا يدخل في تكوين القيمة, فهو ذلك يعتبر دور الرأسمالى والتاجر والمقرض كلها أدوار طفيلية لا تقوم بأى عمل منتج, وبالتالى فهم سحصلون على دخول استغلالية كالربح والفائدة والريع. أم الدخل الوحيد المشروع عنده فهو دخل العامل الذى جاء مقابل عمله المنتج والمتمثل فيما يحصل عليه مقابل بيع السلع بمقدار ما بذل فيها من عمل.. ولكنه يرى أن الرأسمالى لا يعطى العامل قيمه عمله كاملا وإنما يعطيه جزءا منه في صورة أجر ويحتجز لنفسه بقية القيمة, وهى التى يسميها" فائض القيمة" ويعتبرها اغتصابا.

وهذا العملية الإنتاجية الرأسمالية ستؤدى في نظره إلى ثلاثة قوانين حتمية في تفويض النظام الرأسمالى هى:

1- قانون تجميع رأس المال : يرى أن زيادة رأس المال الثابت ونقص رأس المال لمتغير يؤدى إلى نقص نسبة الربح لأن العمل أى " رأس المال المتغير" هو مصدر القيمة الوحيدة عنده. والمنافسة القائمة تؤدى إلى زيادة تشغيل الآلات التى توفر العمل ليضمن فائض قيمة نسبيا, وبالتالى مزيدا من الربح.

ويدلل ماركس رياضيا على أن رأس المال المتغير هو وحده أساس القيمة, حتى أنه إذا ما حدثت ابتكارات أدت إلى توفير العمل فإن ذلك سيكون له نتيجة واحدة هى انخفاض فائض القيمة التى يحصل عليها الرأسمالى.. وكل ما هناك أن المنتج الذى استخدم الابتكارات لأول مرة تكون لزيادة التركيب العضوى لرأس المال بالنسبة له نتائج تختلف عن آثارها فيما يتعلق بطبقة المنتجين عموما.. فهو ينتج كمية أكبر من السلع بنفقات أقل من متوسط النفقات السائد في السوق, ويبيعها بالثمن الذى يتبنى على نفقات المنتجين الآخرين, ولهذا يحصل المنتج على دخل احتكارى يضاف إلى فائض القيمة المستغل أولا.

ولكن سرعان ما تعمل المنافسة على تعميم وسيلة الإنتاج الجديدة ومعنى ذلك أن تنخفض النفقات عموما لدى جميع المنتجين ويصبح كل منتج في نفس حالة المنتج الأول فتنخفض الأسعار إلى الحد الذى تباع فيها السلع بقيمة ما بذل فيها من عمل أى من رأس مال متغير.ز رأس المال المتغير قد نقص على مدار المجتمع لأن الاختراعات الجديدة وفرت القوة العاملة, ومعنى ذلك لديه أن فائض القيمة الذى سيحصل عليه المنتجون سيقل.. ولذلك يقرر ماركس وجود قانون تميل نسبة الأرباح عليه المنتجون سيقل.. ولذلك يقرر ماركس وجود قانون تميل نسبة الأرباح تبعا له إلى الانخفاض نتيجة لزيادة التركيب العضوى لرأس المال وتنافس المشروعات والتقدم الفنى..

2- قانون تركيز رأس المال: يرى ماركس أن المنافسة ستقضى على المنتج الصغير إلى أن تتركز رؤوس الأموال في ايدى قليل من المنتجين ويتحول هؤلاء المنتجون الصغار الذين قضت عليهم المنافسة إلى إجراء, وهذا مما يعمق الصراع بين طبقتى العمال والرأسماليين ولذلك يقول ماركس:" أن رأسماليا واحدا يقتل كثيرين".

3- قانون زيادة البؤس: والنتيجة أن البؤس يأخذ في الازدياد المستمر, فكلما زاد رأس المال الثابت, أى كلما زاد التركيب العضوى لرأس المال كلما كان ذلك على حساب طرد عدد جديد من العمال يضافون إلى " جيش الاحتياط الصناعى" وهذا يمكن صاحب العمل من زيادة تخفيض الأجور ليحصل على فائض قيمة أكبر, كما يلجأ إلى مختلف وسائل الاستغلال من نحو تشغيل العمال ساعات أكثر أو استخدام الصبيان والنساء, أو البحث عن ابتكار جديد لتعود نفس الكرة, فكلما عبطت أرباحه نتيجة زيادة التركيب العضوى كلما لجأ إلى مختلف الوسائل الاستغلالية والاحتكارية لتعويض هذا الهبوط, والنتيجة مزيد من الثراء لطبقة الرأسماليين, ومزيد من البؤس لطبقة العمال.

أما احتمال تجمع العمال في نقابات تدافع عن حقوقهم وتوفر لهم شروطا أفضل في اعمل. فلم ير ماركس أن ذلك سيكون له نتائج جدية, وإنما هى محاولات يائسة ستتغلب عليها رغبة الرأسماليين النهمة في الربح... كما أن سلطات الدولة لن تكون إلا في جانب هؤلاء الرأسماليين ضد طبقة العمال ومحاولاتها. ولهذا يقول ماركس:" إن التناقض المستمر في عدد الرأسماليين الذين يستغلون ويحتكرون جميع مميزات عملية التحويل هذه يقوم إلى جانبه نمو في البؤس الجماعى والاضطهاد والاستعباد والتحقير والاستغلال ولكن تنمو معه أيضا ثورة الطبقة العاملة وهى طبقة تتكاثر في العدد على الدوام وينظمها ويوحدها النظام الآلي لعملية الإنتاج الرأسمالى نفسه.

ويتكلم عن لعامل, فيقول أنهم يعملون على تشويه العامل حتى يصير شبحا لإنسان ويهبطون بمكانته إلى مستوى تابع حقير للآلات ويقضون على ما تبقى له من لذة يشعر بها في عمله ويحليون حياته إلى كد متواصل كريه إلى نفسه. ويتكلم عن الآلة باعتبارها عدوا للعامل فيقول:" أن الآلة أعظم سلاح لقمع إضراب العمال, والإضراب أحد مظاهر الاحتجاج الذى يعلنه العمال بين آن وآخر ضد سيطرة الرأسماليين وأنها من بدء استعمالها خصم عنيد العمال استطاع بها الرأسماليون أن يطأوا بأقدامهم كل مطلب من مطالب العمال التى تهدد بإيجاد أزمة.

ويتكلم عن الملكية الراسمالية في الجزء الثانى من كتاب رأس المال, ص 223- ص225:" إن الملكية الخاصة الرأسمالية المتولدة عن طريق الإنتاج الرأسمالية هى السلب الأول للملكية الخاصة القائمة على أساس العمل الفردى, ولكن الإنتاج الرأسمالى يلد بقوة القانون الطبيعى الذى لا يتغير القوة التى تسلبه أى تنفيه, وهذا سلب السلب ( نفى النفى) هذا السلب الثانى لا يؤدى إلى عودة الملكية الخاصة, ولكن يعيدها على العمل نفسه, وأن تحول الملكية الخاصة المبعثرة لقائمة على العمل الفردى إلى ملكية رأسمالية عملية أطول أمدا وأشد عنفا وأكثر صعوبة من تحويل الملكية الخاصة الرأسمالية عملية أطول أندا وأشد عنفا وأكثر صعوبة من تحويل الملكية الخاصة الرأسمالية إلى ملكية اجتماعية... كان الأمر في الحالة الأولى متعلقا باستيلاء البعض على ملكية جمهور الناس. أما في الحالة الأخيرة فالذى يعنينا هو الإستيلاء على تملك نفر قليل بواسطة جمهور الناس..".

نبذة تاريخية:

هذه هى نظرية القيمة بكل متعلقاتها ونتائجها لدى مارس.. وقبل التعرض لجوانبها نقدم للموضوع بنبذة تاريخية لهذه النظرية ليكون القارىء بظروف نشأتها..

لقد شاعت نظرية " العمل أساس القيمة" في مطلع القرن التاسع عشر في كتابات رواد علم الإقتصاد الأوائل حيث قال بها آدم سنيث في كتابه ثروة الأمم, وكان لوك أول من وضع الخطوط العريضة لهذه النظرية ومن بعدهما جاء ريكاردو الذى تأثر به ماركس, وكانت هذه النظرية تجد مبررها من طبيعة اقتصاديات هذه الفترة حيث كانت تسود حالة المنتج المستقبل سواء في الزراعة أم في الصناعة وهو يعمل بنفسه ثم يبيع إنتاجه في السوق مباشرة ومن هنا نجد أن الإقتصاديين التقليديين وفى مقدمتهم آدم سميث وريكاردو قد بنوا تحليلاتهم على أساس الافتراض بأن التنافس بين المنتجين شئ صحيح , وأن الاحتكار غير قائم حيث تسود المساواة التامة بين المتعاملين بحيث أن ما يحصل عليه كل طبقة هو ما تستحقه من أجر فعلا لأن السلع تميل إلى أن تباع بقيمة ما بذل فيها من عمل.

ولقد نشر ريكاردو كتابه المبادئ سنة 1817 وبين أن تبادل السلع يتم على أساس كمية العمل المبذول في إنتاج السلع, أى على أساس ساعات العمل التى استغرقها أعداد السلع, ولما كان العمل نفسه سلعة فإن ثمنه يقدر على أساس عدد ساعات العمل اللازمة لا عالة العامل والإبقاء على نسله دون زيادة أو نقص, وهو ما يسمى بحد الكفاف, أما تحديد نوع الغذاء الكافى لإعالة العامل خلال لساعات التى تكفى توفيرها له فيرى ريكاردو أن العرف والعادة يساعدان على تحديد ما هو ضرورى في ذلك, ولكن العرف والعادة يساعدان على تحديد ما هو ضرورى في ذلك. ولكن العرف والعادة متغيران وليسا ثابتين, فما يكفى العامل قد لا يكفيه في ظروف أخرى , ومن هنا قصرت النظرية عن إعطاء الإجابة على مدار المدة الطويلة لأن تغير العرف والعادة يعدل المستوى اللازم للإعالة أى أن حد الكفاف نسبى ومتطور, وإلا أن ريكاردو لم يكن يهتم بهذا التغيير لأنه كان ينظر إلى أن قانون السكان أى الميل المستمر إلى التكاثر يؤدى دائما إلى الضغط إلى مستوى العيشة إلى أن يصل إلى أدنى مستوى للحياة حتى لو سجل مستوى الأجور صعودا في فترة ما فإنه لن يلبث أن يتراجع والعمل المنتج من وجهة نظر ريكاردو هو العمل المباشر كعمل العامل, وغير المباشر كالتاجر والرأسمالى والمقرض, أما مالك الأرض فلا يراه يقوم بأى عمل منتج بل يعتبر ملاك الأرض عناصر سالبة لأنها تستهلك دخلها في الإنفاق على الترف والملذات وقلما تتجه به إلى الإنتاج ولذلك نراه يحمل على ريع الأرض ويعتبره دخلا غير مشروع يحصل عليه مالك الأرض دون مقابل بينما نراه يعتبر اجر العامل وربح الرأسمالي وفائدة المقرض دخولا مشروعة مقابل عمل منتج. فريكارد وقد نظر إلى المشكلة من زاوية الإنتاج بينما نظر إليها ماركس من زاوية التوزيع فنجده يرفض الربح والريع والفائدة ويعتبرها جميعا دخولا استغلالية تكونت نتيجة عدم العدالة في توزيع القيمة التى أنتجها العامل والتى هى من حقه وحده, ولكن هذه العناصر المستغلة تقاسمها معه..

بعد هذه النبذة التاريخية نأتى على دراسة الواقع لنرى هل صدقت تنبؤات ماركس وهل تحققت حتمياته مما يفتح لنا الطريق أمام دراسة أساس القيمة من زاوية جدية تعطينا أساسا مشروعا لنظرية الربح مغايرا لأسلوب الاستغلال الرأسمالى ولرد فهلا الماركسى الذى أنكر الربح كلية مما نأى بالطرفين عن الصواب..


الحلقة التاسعة عشر: حتميات ماركس تنهار أمام الواقع والتجربة

- متى يصبح الربح حقا لا سرقة واغتصبا؟

1- أما عن قانون تجميع رأس المال الذى دلل به ماركس على أن رأس المال المتغير ( العمل) هو وحدة أساس القيمة وأن نقصه نتيجة الابتكارات الجديدة يؤدى إلى نقص نسبة الربح على مدار المجتمع فنظهر مختلف الطرق الاستغلالية لتعويض نقص الأرباح, فيشتد الصراع ويسرع المجتمع إلى نهايته المحتومة.. هذا الاستنتاج منبثق من تصور سلبية الإرادة الإنسانية وسيادة الظروف المادية امتدادا لعقيدة المادية الجدلية التى جهلت قدرات الإنسان.. وقد كان الإنسان بواقعه الحالى قادرا على تفادى النهايات الحتمية التى تنبأ بها ماركس فعندما خيم شبحها على بعض المجتمعات نشطت الإرادة الإنسانية لوضع شروط أفضل لعمل ولسن مختلف التشريعات الاقتصادية والاجتماعية, وأصبحنا نرى أمثلة لدول بلغت شأوا بعيدا في تجميع رأس المال مثل ألمانيا ودول اسكندناوه ومع ذلك لم يتحقق ظهور الأشباح التى أكد ماركس ملازمتها لهذا التجميع من نحو انخفاض الأرباح وطرد العمال, بل إن حاجة هذه البلاد إلى الأيادى العاملة ما زال قائما, والإقتصاد الألمانى بحاجة إلى 2 مليون عامل وهى ظاهرة لها دلالتها وليست ضائعة الأثر مهما تذرعنا بظروف هذه البلاد الخاصة, إلا أنها مؤشر لإمكانية ظهور واقع جديد خارج عن نطاق الحتمية التى يراها ماركس, ويبقى على الإرادة الإنسانية أن تضع أفضل الظروف الاجتماعية والسياسية لهذا النموذج الاقتصادى وهى لن تبلغ هدايتها إلا في ظل الرسالة السماوية..

والأمر لا يتعلق بإجابية الإرادة وحدها بل يرجع من زاوية أخرى إلى خطأ في تقدير ماركس للقيمة واعتبارها متعلقة بعمل العامل وحده متجاهلا ( عقائديا) كل أثر لرأس المال, فكان أن أبطل الواقع العملى حججه وعطل حتمياته.. آية ذلك أن العائد يرتبط بكمية السلعة وأوصافها, والعامل لا يقوم بذلك وحده بل إن الآلات كانت ذات اثر فعال في وصول السلع إلى هذا فكل ما يستعين به الإنسان في عمله توفيرا للوقت والجهد ابتداء من العصا إلى الفأس إلى الآلة إلى الذرة ذات أثر كبير في عملية الإنتاج أى في كمية وأوصاف السلع المنتجة.

وقد أدرك ماركس هذه الحقيقة عندما لم يستطع أن يسند إلى العمل وحده القيام بالعملية الإنتاجية وبالتالى فلا يكون هو وحده أساس القيمة لكنه لم يفصح عن ذلك صراحة وإلا هدم أسس نظريته غير أن تفسيره " للعمل أساس القيمة" بأن العمل المقصود ليس هو عدد ساعات العمل وإنما هو " العمل اللازم اجتماعيا" قد أفاد تقديره لدور المستوى الفنى في العملية الذى هو بدوره صفة لما يكون عليه رأس المال المستخدم حتى أنه لو فضل هذا المستوى الفنى لعاد بالتعريف إلى نفس الظروف التى عاصرت ريكاردو عندما نظر إلى القيمة بمقياس ساعات العمل.. وهو مقياس لا يكون إلا في ظل ظروف اجتماعية ( فنية) متخلفة يكون معها للجهد الإنسان الدور الأول والأخير في العملية الإنتاجية وهو ما تقوم به الآلة اليوم توفيرا لوقت والجهد.

2- أما عن قانون تركيز رأس المال: فقد ظهرت بالفعل مشكلة الاحتكارية الكبرى بكل آثارها السيئة, وما زالت تخيم بأشباحها على الصناعة وعلى سوق المال حتى اليوم, إلا أنها برغم ما آلت إليه من تسلط كانت قادرة على تفادى حتميات ماركس. ومرة أخرى تظهر الإرادة الإنسانية ... حتى ولو كانت شريرة متفوقة على الظروف المادية, وهو أمر له دلالته وهو أن الإنسان عندما يريد فإنه لا ينهزم أمام المادة ولا يقف أمام ظروفه ككتلة صماء تسيرها الضرورة القاسية على حد تعبير ماركس.. وأن كان ذلك لا يعنى أن الإنسان قد اهتدى سواء السبيل وذهبت حيرته . فقد أصدر التشريعات التى تحارب الاحتكار وإن لم يقض عليه, إلا أنه أدرك أمكانية ذلك .. وابتكر الشركات المساهمة وهى أكبر ضربة وجهت إلى فكرة تركيز رأس المال في ايدى ملاك قليلين والتى كان يعتبرها ماركس قانونا حتميا ولم يكن بوسعه في زمانه أن يتنبأ بحدوث ذلك..

وبظهور الشركات المساهمة وظهور العديد من الملاك انفصلت الملكية عن الإدارة وصارت الإدارة وصارت الإدارة للأكفاء ولو لم يكونوا ملاكا.. وتمكنت الحكومات لذلك لذلك من مباشرة توجيههات للإنتاج وظهرت في الطريق أمثلة أكثر تطورا في معنى المساهمة فشركة فولكس فاجن قد وزعت أسهمها على ما يزيد عن المليون ونصف من الملاك.. وفى أمريكا قلعة الاحتكارات بدأت ضغوط الواقع تعطينا مؤشرات جديدة لها دلالتها وأن لم تصل إلى مستوى تغيير ملامح الحياة الاقتصادية الرأسمالية لكنها في الوقت نفسه كشفت عن إمكان تفادى حتميات ماركس وأن ما قاله ليس قانونا..

فنجد أن شركة التليفونات والتلغراف الأميركية يقدر حملة اسهمها بنحو 1,9 مليون شخص وهم في تزياد مستمر.. وسبق أن أشار الإهرام الآقتصادى إلى أن حكومة واشنطن تنفيذا لقانون منع الاحتكارات ستقوم بتجزئة شركة جنرال الكتريك وهى من أكبر الشركات الأميركية..

وفى إحصاء عن عدد المساهمين في الولايات المتحدة نشرته الأهرام الاقتصادى جاء فيه" أن عدد المساهمين في الولايات المتحدة يرتفع باطراد حيث دلت الاحصاءات الأخيرة أن عدد المساهمين في السنوات العشر الماضية قد تجاوز الثلثين – 1952 -1962 -.. إذ كان عددهم في عام 1952: 6,9 مليون مساهم ارتفع تدريجيا على 8,7 مليون مساهم سنة 1953 فإلى 12,5 مليون مساهم سنة 1959ووصل الرقم إلى 17 مليون عام 1962 بمتوسط زيادة سنوية تربو على 1,5 مليون مساهم, ومعنى ذلك ان أميركيا من كل سنة أميركيين بالغيين يمتلك اسمهما مقابل 16:1 عام 1952, 12:1 عام 1956, 8:1 عام 1958 ..( ولا نعلم كم وصلت إليه النسب اليوم في سنة 1973".

وإذا كان هذا هو دور الإنسان في تعطيل حتميات ماركس فإن الظروف الطبيعية تسهم هى الأخرى بنصيب فتوالى إلى المخترعات أدى إلى ظهور كثير من المشاريع المتوسطة والصغيرة التى لا يصلح لها إلا المنتجون الصغار مثل ورش إصلاح السيارات والبطاريات والراديو والتلفزيون والأدوات الكهربائية والأحذية والملابس وإصلاح المنازل وهذا مالم يكن في مصلحة قانون التركيز.

3- أما عن قانون زيادة البؤس فقد اتخذت الحوادث على العموم طريقا مغايرا لنبوءة ماركس إذ كان يظن أن الازدياد الهائل للآلات الموفرة للعمل قمين بأن يترك كل الصالحين للعمل متعطلين, ومن ثم يقتصر الأمر على تشغيل القلة الضئيلة من العمال المهرة, وفيما عدا هؤلاء فإن الآلة ستنزع المعارة من العامل بحكم أنها تقوم بالأعمال الدقيقة بطريقة أتوماتيكية وبسرعة كبيرة وأما بتقسيمها عمل الصانع الماهر إلى أجزاء عديدة مبسطة.. فكانت هذه الآثار التى ترتبت على التقدم الفنى هى التى أقلقت ماركس فظن أن النتيجة الحتمية هى استبدال العمال المهرة بآخرين أدنى في الكفاءة ومن ثم استبدال هؤلاء بدورهم بالنساء والأطفال اليافعين, وقد حدث ذلك فعلا في وقت اختراع الآلة التى حلت محل الصناعات اليدوية وحولتها إلى صناعات آلية, وكان دور الانتقال هذا بمشاكله العديدة هو الذى حمل ماركس على أن يتنبأ بنشوء ما أسماه جيش احتياطى صناعى.. جيش يزداد عدده على الدوام مما يزيد الأجور انخفاضا والعمال تعاسة, ولم يجد ماركس مجالا لهؤلاء إلا الخدمة في منازل الأغنياء... ولكل هل ترك الأمر لقانون الضرورة القاسية التى لا مفر منها كما يقول ماركسو أم أن الإرادة الإنسانية بدأت تزاول سيادتها على الظروف المادية في صورة تشريعاتا اقتصادية واجتماعية وحركات عمالية.. ولا يعنى ذلك أن المشكلة حلت, وأن البؤس قد زال ولكن تصويره على أنه قانون حتمى لا فكاك منه إلا بقيام الثورة أمر مجاف للحقائق وداخل في دائرة الأمانى..

البؤس ظاهرة مرضية ولا شك وقد تصل في بعض المجتمعات إلى حد الانفجار ولكن مجرد احتمال..وتطالعنا الظروف الطبيعية مرة أخرى بأسهامها في تعطيل ما تنبأ به ماركس, حيث جد من المهن ما يحتاج إلى مهارة من نوع جديد وأحيانا أكثر من سابقتها.. وكثير منها ليس داخل المصنع بل في المكتب أو العمل الفنى اللازم لتركيب وإدارة وملاحظة الآلات المعقدة أو المهندسين اللازمين لهذه الآلات وتركيبها, وهناك ما تستخدمه المصانع في معامل البحث من مهندسين وكيماويين وعلماء طبيعية,, وغيرهم من الأخصائيين وعلماء النفس وموظفو العلاقات العامة, والرسامون وكلهم لم يكن أحد يتصور وجودهم قبل سنة 1850..

ومجمل القول أنه لا يختفى مجال العمل حتى يظهر بعده مجالات أكثر وإن اختلفت الطبيعة الأمر الذى لم يكن في صالح نبوءة ماركس..

دلالة الواقع:

فهل لهذا الواقع الذى لم تتحقق فيه تنبؤات ماركس دلالة؟

نعم .. له دلالة واحدة هى عدم صحة المقدمات.. وأن الذى قاله ماركس مجرد تنبؤات وليست قوانين..

شاهد من روسيا:

برغم أن سيطرة الشيوعيين على روسيا لم تكن بفعل القوانين الحتمية التى قال بها ماركس, بل كانت بفعل إرادة إنسانية اختارت بيئة اقل تطورا من الناحية الإقتصادية, ولكنها أصلح سياسيا.. بيئة ابعد عن تحقيق الشروط الموضوعية لقيام الثورة. إلا أنه كان المظنون أن يستطيع الماركسيون تأكيد فاعلية نظرية القيمة عند تقدير الأثمان, ولكن كشف التطبيق عن عجزها حتى عن القيام بدور المؤشر في ذلك.. وظهر أمثال ليبرمان وغيره من المفكرين الذين تنادوا بآراء جديدة لدفع عجلة الإقتصاد القومى دون التقيد بحرفية النظرية بل على حسابها.

وقد ضمن الدكتور أحمد جامع كتابه القيم " الإقتصاد الاشتراكى" أهم ما يعانيه الإقتصاد السوفيتى من انفصام بين النظرية والتطبيق. مستشهدا بالعديد من القرارات المتضاربة والمتراجعة وبأقوال الإقتصاديين المتحدثين وكان معاصرا عن قر كل هذا التغيير حيث قضى عشر سنوات بالاتحاد السوفييتى حصل خلالها على الدرجة العلمية.. فكان ما جاء في كتابه كبير الفائدة في هذا الموضوع.

أهمية المحاولة , والقيمة لمشروعة:

... ومع هذا فلم تكن محاولات ماركس عديمة الجدوى لأنها كانت تتصل بالاعتقاد الذى ساد في أيامه واستمر بعده عهدا طويلا بأن النظرية الإقتصادية تنطوى على نظرية منفصلة للقيمة يجب أن نسبق نظرية الأسعار, وما زال الشعور مستمرا بالحاجة إلى نظرية من قبيل نظرية " القيمة الحقيقية" أى القيمة المنفصلة عن الأسعار..

وأما الإستحالة العملية لتفييم العمل الإنسانى من جهة ثم للنظر إليه منفصلا عن رأس المال من جهة أخرىو فقد انصب الاهتمام على التقييم الواضح للعناصر المشتركة في الإنتاج, ثم على توزيع العائد توزيعا عادلا بنسبة اشتراك كل عنصر في العملية مع ملاحظة أن يتكون هذا العائد في ظل ظروف طبيعية خالية من صور الاستغلال والإحتكار بحيث يتكون الطلب الحقيقى.

وهنا سنجد أنفسنا أمام ما يسمى بالقيمة المشروعة التى تباع بها السلع في ظل ظروف مشروعة يتم تقدير عناصر الإنتاج المشتركة على ضوء ثمن تكلفتها وفى ظل سوق حر يتكون الطلب عليها حقيقيا.

وتكمن قيمة عناصر الإنتاج في أنها أسباب اشتركت في تهيئة السلع في صورة بعينها وكونت جانب العرض, وهذه الأسباب عى صاحبة الحق في العائد من بيع هذه السلع بنسبة اشتراكها في العملية, سواء كان هذا العائد يفوق ثمن التكلفة محققا ربحا أو كان هذا العائد أقل من ثمن التكلفة محققا خسارة.

بهذا الاتجاه العلمى نحق العمل بمقياس ظاهر منضبط, ونتفادى البحاث المتكلفة في الفلسفة حتى اضطر الباحثون الإقتصاديون آخر الأمر إلى نقض أيديهم من محاولة البحث عن القيمة الحقيقية بعد أن أعياهم البحث مكتفين بالبحث في ألثمان, أو في القيمة المشروعة..

متى يصبح الربح حقا, لا سرقة واغتصابا؟

فهل حقيقة الربح – بعد هذا – هو أنه سرقة واغتصاب؟. ومن ثم لا يتكون رأس المال إلا من حصيلة السرقات؟! ثم لا يؤدى بدوره إلا دورا استغلاليا؟!

(أ‌) من الممكن أن يتكون رأس المال ابتداء عن طريق الادخار وبذلك يعتبر عملا مخزونا لا مسروقا, فإذا كان لدينا عامل مستقل ينفق في صناعة مسى من الخشب 5 ساعات يبيعه في ظروف طبيعية بمبلغ100 قرش هى قيمة عمله .. يكفيه 80 قرشا لتوفير وسائل المعيشة وتجديد قدرته على العمل لأن العمل الإنسانى له خصيصة أنه ينشئ قيمة أكبر من قيمة سلعة قوة العمل كما لاحظ ذلك ماركس.فإذا ادخر العامل 20 قرشا يوميا حتى يصل مجموع ادخاره إلى 50 جنيهاو كان هذا المبلغ عبارة عن عمل مخزون قدره 250 ساعة عمل وقيمته 50 جنيها.

(ب‌) إذا اتفق صاحب هذا العمل المخزون أى صاحب رأس المال أى المالك الجديد هذا المبلغ في غصلاح أرض موات حتى أصبحت مهيأة للزراعة فإن قيمة هذه الأرض تكون 50 جنيها وإذا استزرع المالك هذه الأرض بواسطة شخص آخر يقدم خمس ساعات عمل يوميا لمدة 50 يوما فمعنى هذا أنه اشترك بعمل حى قدره 250 ساعة وقيمته 50 جنيها كذلك..

فالعمل المخزون في هذا المثل يكافئ العمل الحى تماما.. ومع هذا فنحن نجد أن المحصول الناتج تكون قيمته المشروعة أى ثمنه الذى يباع به من خلال أحسن الظروف الطبيعية الخالية من كل استغلال هو 150 جنيها.

إذن هناك عنصر ثالث دخل في العملية الانتاجية بين أطراف العلاقة الإنتاجية المباشرين ( العمل + راس المال).. هذا العنصر هو مصدر الزيادة على ثمن تكلفة عنصرى الإنتاج.

والواقع أن هذا العنصر الجديد ذو شقين:

1- يرجع شق منه إلى جانب العرض و إذ أن الخصائص التى أودعها الله في التربة وما أحاطها من مناخ تسببت في مضاعفة مكيال القمح المبذور فصيرته أضعافا كثيرة,و ينبهنا الله تعالى إلى حقيقة الدور البشرى ومحدوديته وانحصاره في مجرد الأخذ بالأسباب وأن الدور القدرى هو الفاعل على الحقيقة في قوله تعالى:" أفرأيتم ما تحرثون, أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون" فقد وكل سبحانه الحرث الينا وأسند الزرع والإبناب إليه..: ما كان لكم أن تنبتوا شجرها"." ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم". وقوله تعالى:" أفرأيتم الماء الذى تشربون, أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون... أفرأيتم النار التى تورون, أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون"... ومن هذا الهدى استقر في أعماق المؤمنين من قديم:" أنهم يبذرون الحب ويرجون الرب".

ويقابلنا هذا المعنى في كتب الأولين: ففى رسالة بولس:" إذا ليس الغارس شيئا ولا الساقى بل الله الذى ينمى , والغارس والساقى هما واحد ولكن لكل واحد سيأخذ أجرته بحسب تعبه".

2- ويرجع الشق الآخر إلى ظروف الطلب المستمر على الإنتاج وما يؤثر في الطلب من عوامل متحركة متجددة نامية.

فالطلب يلتقى مع العرض لتتحدد القيمة المشروعة في أحسن الظروف الصحيحة حتى يطابق السعر عادة دون أن يتذبذب ارتفاعا أو انخفاضا بعيدا عنها.

وعلى ذلك فإذا عدنا إلى المثال المتقدم تذكرنا أن نفقة الإنتاج الكلية 100 جنيه.

50 شارك بها العمل الحى المبول.

50 شارك بها العمل الحى المخزون

ولكننا أمام قيمته 150 جـ. بزيادة قدرها 50 جـ. عن نفقة الإنتاج الكلية ولا يستطيع أن يدعى أى من الطرفين ( العمل ورأس المال) أنه صاحب هذه الزيادة الوحيد وإن كان له الحق في الإدعاء بأنه أحد أسباب توالدها ومن حقه أن يتقاسم هذا الفئ مع الطرف الشريك بنسبة اشتراكا في العملية الانتاجية..

وفى المثال المقتدم يكون عائد العمل 75جـ ويكون عائد راس المال 75جـ.

ويكون مبلغ ال25جـ, هى ناتج العمل الصافى.

وال25جـ. هى ناتج رأس المال الصافى أى " الربح" فأين السارق والمسروق؟!

وعلى مستوى الصناعة:

ومن الممكن أخذ المثال السابق على مستوى الصناعة فنراعى تقييم الآلة على أنها عمل خزون, نراعى ما بثه الله فيها من خصائص نبتت بتركيبها على شكل معين وتشغيلها بأسلوب فنى معين أصبحت تعلو به على مجرد كونها عملا مخزونا.. وعندما هدى الله الإنسان إلى ذلك أطلقت خصائصها التى لا دخل لأحد في فعلها ذى الثر الكبير في كمية السلع المنتجة وأوصافها.. وهذا العنصر القدرى الذى يقوم بدوره في جانب العرض إذا اضفنا إليه العنصر القدرى الذى يؤدى دوره في جانب الطلب فيزيده باستمرار, كان القياس كالا على الزراعة.

أين المشكلة؟

هى في الأسلوب الإقطاعى أو الرأسمالى في الإنتاج الذى يقوم على استغلال طرف لطرف مما جعل ماركس على حق في تشريحه والهجوم عليه, لأنه لايعطى رأس المال مقابل مساهمته في الإنتاج باعتباره عملا مخزونا بل يحدد نصيب العمل الحى في صورة أجور محدودة ثم يطلق المالك لنفسه العنان في نهب بقية القيمة تحت عنوان" الربح" مما شوه معنى الربح أى يأخذ في المثال المتقدم 110جـ. منها 50جـ, نفقة عنصر رأس المال - على فرض استهلاكه كله في عملية انتاجية واحدة – والباقاى وقدره 60جـ. تحت اسم الربح ولا يترك للعمل الحى إلا 40جـ هى القدرة الضرورى لتوفير أسباب العميشة ولتجديد قوة العمل على مدار العملية الإنتاجية.

وهذا هو الإستغلال حقا وصدقا.

أما إذا أقمنا العلاقة الإنتاجية على أساس:

(أ‌) تقييم العمل الحى وتقييم رأي المال على أنه عمل مخزون .

(ب‌) وعلى أساس المشاركة بين عناصر الإنتاح في الزراعة والتجارة والصناعة, فسيكون عائد العمل مشروعا وعائد رأس المال ( الربح) مشروعا لاشتراكها دائما في الغنم والعزم.

وهذا ليس له وجود في ظل الإنتاج العبودى أو الإقطاعى أو الرأسمالى الذى يقوم على السرقة والإستغلال لا على الإدخار والمشاركة... وسوف نرى مصداق ذلك فيما يتعلق به النصوص الشرعية عند تناولنا الملكية في ظل الإسلام في موضعه من البحث.

وفى الحساب الختامى هذا الموضوع أذكر بما يأتى:

1- كشف لنا التحليل عن الصورة المشروعة للربح, وهى تغاير ما عليه حال النظام الرأسمالى من استغلال يعطيه أصحابه خداعا وصف الربح, ولم يوجه ماركس حملته أو تحليلاته ضد صور الإستغلال فقط, بل اعتبر الربح كله استغلالا. وهى نظرة متطرفى أملتها عليه عقيدته المسبقى التى راح يلتمس لها التحيلات الاقتصادية.

2- كما كشفت لنا الدراسة عن الدور الاجتماعى الذى يؤديه الربح في تدعيم مبدأ الملكية الخاصة باعتبارها أداة الاختيار في المجتمع, وفى تزويد أصحاب الضرورات الاجتماعية بقدرة على الاختيار على نفس مستوى التكليف مع الأفراد الآخرين, وإلا وقع أصحاب هذه الضرورات جميعا تحت تسلط الدولة وفقدوا مجالات حركتهم مهما سترت الدولة تسلطها بلافتات براقة.

فالدولة في غياب الربح تجعل العمل فرضا على الجميع في الزمان وفى المكان اللذين يروقان لها.

وتجعله فرضا على المرأة بلا خيار لها بين البيت وخارجه, وإلا عجزت عن العثور على مصدر آخر للدخل وتتنتزع الأبناء جميعا لتربيتهم في مدارس الحضانة بقوة القانون, لأن الوالدين في عمل إجبارى, وتجد الدولة نفسها مجبرة منطقيا على المساواة بين الجنسين في الميراث لتساويهما عمليا في الأعباء وتجد الدولة نفسها مجبرة منطقيا على تجريم أفعال جديدة وجعلها جنايات كالإمتناع عن العمل أو الإتجار.. وينتهى اجتماعيا مبرر الترابط الأسرى بين الأجداد والأحفاد لأن مكان المسنين الطبيعى, وبأمر القانون سيكون في ملاجئ العجزة يقضون فيها بقية أعمارهم.. وقد وقف خروشوف في الاجتماع الواحد والعشرين للحزب يبشرهم بقرب تعميم هذه المؤسسات على كل من يحال على المعاش بعد أن فقدوا صلاحيتهم الإنتاجية..

وبكون التناقض عندما يسنثنى زعماء الحزب أنفسهم من هذه الخاتمة التعيسة..ولذلك نلاحظ ظاهرة شيخوخة القيادة في جميع البلاد الماركسية وكانت هذه الظاهرة أوضح ما تكون في زعماء الحزب الشيوعى الصينى في استقبالهم لنيكسون عند زيارته للصين حيث ذكرت الصحف أن نسبة كبيرة منهم كانت حول الثمانين, وأن ثلاثة كانوا يتوكأون على العصى, فأين هذا من نظام يتيح لأفراده الإحساس بكونهم نافعين منتجين مختارين حتى آخر يوم في حياتهم وأنهم والحكام على درجة سواء..

3- في بداية الحوار كنا نفتقر إلى الإحصاءات والبيانات الكافية وكان كل منا يدور حول عناصر الإنتاج من عمل ورأس مال, حتى إذا ما توفر لدينا ما ندعم منطقيا لم نجد لديهم ردا مقنعا. وقد وفرت على لقارئ هذه الرحلة الطويلة وسقت إليه الموضوع مبلورا.

وكنا لا نمل البحث عمن لديه إجابة مقنعة في أن رأس المال ليس له أى دور في العملية الإنتاجية, وأن عائده استغلال, ولم تتوقف حتى داخل جدران المعتقل بين الزملاء الجدد الذين وجدنا فيهم تعقلا واعتدالا , فاق ما كنا نلتمسه في زملاء السجون, ربما تكون التجربة التى عاشتها البلاد قد أقنعت بمراجعة النفس في ظل ظروف أهدأ وعواطف أقل وفكر أكثر.ز فكان أفضل ما سمعناه ممن لهم اعتبار ووزن مثل الزميل(ع.ش).

- أنا لست ماركسيا تقليديا, وكل ما ابحث عنه هو نظام الخال من الإستغلال, سواء على الملكية الخاصة أو الملكية العامة..

4- انتهينا بختام هذه الحلقة من كل ما يتعلق بالإنسان كفرد وسنتابع دور الإنسان كمجتمع من خلال حركة التاريخ في الحلقة القادمة إن شاء الله.


الحلقة العشرون: النظرة الإسلامية للتاريخ

-في كل رسالة سماوية شقان. شق العقيدة وشق الشريعة

- عوامل الحركة في التاريخ

- بين التوحيد والشرك

- مع التفسير المادى التاريخ.

بعد تفنيد كل الأسس التى قامت عليها الماركسية نبتت لدينا الرغبة القوية في معرفة ما عسى أن يكون عليه الشيوعيون من شئ عن صلة الإسلام بالاستغلال أو بالأسلوب الرأسمالى عموما, وسواء أكان ذلك في فهمهم للنصوص أو من استقرائهم لواقع التاريخ, لأننا طالما سمعنا تجنيهم على الإسلام بهذه العبارات في بداية تعرفنا عليهم..

والأن وقد تبينوا خلو كل قضايا الماركسية من الأصالة العلمية أصبحنا نحب أن نراهم من خلال اختبار جديد.. اختبار معرفتهم بالتاريخ ونعنى به تاريخ العامل الإسلامي على وجه الخصوص بل تاريخ تطبيق الشريعة الإسلامية على الأخص.. لنرى سويا سلامة منظار التفسير المادى للتاريخ من عدمه لأنهم وجودا لهذا المنظار مادة خصبة في تاريخ أوروبا المظلم وفى تاريخ المجتمعات البدائية وتحاشوا عمدا أو جهلا هذه المساحة العريضة من العالم الإسلامي في الزمان والمكان حتى يظل اعتقادهم ف حركة التاريخ على حلة لا يهتز أمام أى حقائق جديدة.. وكان لنا سؤال واحد نوجهه للزملاء فرادى أو مجتمعين:

- نود أن يعطينا الزميل نصا اسلاميا من القرآن أو السنة يشتم منه رائحة الإستغلال.

- الزميل: معذرة لأنه لم يكن لى سابق اهتمام بهذه الكتب المقدسة وهناك زملاء مختصون في دراسة الأديان.

- الأخ:إذن فأنت على الأقل قد درست كتب الفقه بما فيها من آراء فقهية واستجابة للقضايا العلمية المتغيرة’ موجود منها آلاف الكتب والمراجع, ويسهل عليك أن تضع أيدينا على رأى فقهى يظهر منه أى محاباة لنظام الإقطاع أو يدعم فكرة الإستغلال خصوصا وأنكم ترون أن كل الشرائع والقوانين ما وضعت إلا لخدمة الإقطاع وتأمين الإستغلال.

- الزميل: للأسف لم تسمح ظروفنا بهذه الدراسة عن الإسلام بالذات..

- الأخ: حسنا إذن فمن السهل أن تقرأ التاريخ فهو أسهل من الفقه وتاريخ الإسلام ملئ بالفترات المضيئة التى حظيت بتطبيق الرسالة السماوية وبفترات الانتكاس والإنحراف كذلك, فهل تستطيع أن تدلنا في تاريخ هذه الرقعة العريضة على صور الإقطاع بالشكل الذى نجحتم في تصوير بشاعته على مدار تاريخ أوروبا, وتعطينا مثلا من فترة الانتكاس.

- الزميل: أنا حقيقة مقصر في دراسة الإسلام كنصوص وكتاريخ وأعدكم بأن أتلافى هذا النقص, وإن كنا نعتبر أن الإقطاع في البلاد الإسلامية لم يأخذ الشكل المعروف في أوروبا إذ ظهر شكل أمراء المماليك والسلاطين.

- الأخوة: نوصيكم يا زملاء بدراسة الإسلام من جديد دراسة فهم أو نقد أو ماشاء لكم الغرض فالمهم أن تحتكوا بع عن قرب, وسيعرف الإسلام كيف يجذبكم إليه ويعيدكم إلى حظيرته.

- أما نحن فلنا في التاريخ نظرة مبنية على عقيدتنا في الوجود وعلى فهمنا لنصوص الإسلام واستقرأئنا لتاريخ العالم أجمع..

فمنظار عقيدة التوحيد يكون تفسيرنا للتاريخ كاملا لا إهمال فيه لعامل من العوامل.ز أى العوامل له الدور لرئيسى في حركته – ومدركين غير غافلين عن فترات الإنتكاس – دون أن نجعل من الإنحرافات أسسا مشروعة تفسر بمنطقها فترات الاعتدال

تاريخ الرسالات السماوية:

تاريخ العالم هو تاريخ الرسالات السماوية, التى أعطتنا المفهوم الصحيح عن الإنسان وقضاياه وعلاقته بحقائق الوجود من حوله وأعانته على السير مهتديا بها.. ولا يقول بغير ذلك إنسان يؤمن بالله واليوم الآخر, وينظر إلى وقائع التاريخ بأمانة. فلم ينقطع جيل الله بينه وبين عبادة منذ درج أول إنسان على وجه الأرض وهو آدم عليه السلام وقد عرفت البشرية طريق الإيمان بالله وتوحيده منذ أن كان للإنسان تاريخ على ظهر الأرض.. والرسالات السماوية من مهدها الأول كانت واضحة المعالم فهى دائما تخص شقا منها بأمور العقيدة والشق الثانى للشريعة.

(أ‌) فشق العقيدة: تتناول ما يدعو إليه كل رسول من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. فحقائق العقيدة ثابتة في كل الرسالات وفى كل الأزمان والأماكن, لها وجودها الواقعى لا تقبل النسخ ولا تتغير ولا يسوغ أن تكون محلا للإجتهاد... ودور الرسالة هو في الكشف عنها والتدليل عليها والإقناع بها وتوضيح الصلة بينها وما هى الغايات من ورائها..

(ب‌) شق الشريعة.. وتشمل العبادات والمعاملات.. والعبادات شعائر ومناسك برسومها وهيئاتها الخاصةو وكذلك يقول أهل الشريعة:

لا يعبد الله إلا بما شرع به"... أما المعاملات فتنظيم التعامل بين البشر بما يحقق العدالة ويوفر صبغة الإختيار في جميع الميادين. والشريعة تخضع لسنة التغير والتطور أى للنسخ ومن قم فقد قيل أن الشرائع – لا العقائد – بنسخ بعضها بعضا, و الإسلام نسخ ما قبله من الشراع.

وما هو إلا حين من الدهر حتى غمرت الأرض بالشعوب والقبائل.. وفى كل البقاع والظروف كانت تلازمها رحمة الله وعنايته:" وإن من قرية إلا خلا فيها نذير"و" كذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدى به من نشاء من عبادنا"....

وكانت حركة التاريخ تتحدد دائما بعاملين:

العامل الأول: الإنسان المكلف:

باسترشاده الرسالة السماوية تتم دوائر الحركة الصحيحة في جميع المجالات فيتقدم الإنسان وتتقدم الحياة أيضا, ويطول شرح كيف أن الرسالات هى التى قدمت الإنسان عمرانيا.. ولا يمكن أن يغيب عن الإنسان المكلف أنه سيد هذه الحياة, وأن الله سخر له ما في السماوات وما في الأرض, وأنه مستخلف عن الله فيها, وأنه هو المقصود الأول.. وهو المخاطب الوحيد.. ومن واجبه أن يظل في مكانه المرتفع فوق كل مادة رغم كر الأيام وتغير الظروف, وأن يظل ممسكا بدقة التاريخ فلا تحيد مركبته عن طريق الهدى إلى الضلال فتنجح إلى الطغيان الفردى أو الجماعى أو المادى أو المعنوى على حساب التوازن السليم بين هذه الحقائق جميعا.. فأى تكريم للإنسان بعد هذا.. ومهما حملت ظروف الزمان والمكان من جديد من عصر العصي إلى عصر الذرة. فالإنسان هو الإنسان جوهره ثابت.. قيمه ثابتة... وبسيادته على مقدرات الأرض فلا يستعبده ظرف أو هوى ولا يهزمه زمان أو مكان.

ويرشدنا القرآن الكريم إلى هذا المنهج الصحيح في فهم التاريخ أى بالنظر إليه على أنه تاريخ الرسالات السماوية لا تاريخ الصراع الطبقى كما تراه الماركسية, ولا تاريخ الأجناس والملوك والرؤساء والبطولات الفردية كما تراه النظرة الغربية.. كما يرشدنا إلى أولوية دور الفرد المسلم في دفع حركته إلى الأمام... واستعراض القصص القرآنى يظهر الإهتمام واضحا بالرسل في المقام الأول باعتبار أن الرسول هو النموذج الإنسانى الكامل الذى حقق السيادة على ظروفه الأرضية وعلى ظروف قومه, واستخدمها سبيل غايات أسمى وأبقى فنقرأ قوله تعالى:" تتلو عليك من نبأ موسى فرعون..." فموسى عليه السلام هو المقصود الأول وهو مناط التغيير في مجتمع فرعون المنتكس, وهو بؤرة الضوء التى ستبدد ظلام النفوس والأوضاع, أما فرعون وماذا يكون اسمه وما عساه أن يكون عليه من قوة أو ما أشاد من عمران فهو في المحل الثانى أو الثالث, على نفس النهج القرآنى قوله تعالى: ألم تر إلى الذى حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك.." فابراهيم عليه السلام أولا, أنا الذى حاجه وما كان عليه من ملك فلا يهم ماذا يكون اسمه ويكفيه" الذى" . " وإلى ثمود أخاهم صالحا" ولا يعنينا من هو حاكم ثمود ولا مجالسهم التنفيذية, فصالح عليه السلام أولا.. وهكذا وعلى هذا الهدى سار المؤرخون الإسلاميون رضى الله عنهم قبل أن تعزونا مناهج الشرق والغرب, وتفرض على أجيالنا في التعليم ففى كتاب " البداية والنهاية" لابن كثير يدخل قصة التاريخ من باب العقيدة فيحدثنا في الفصول الأولى من الكتاب عن الله تعالى وصفاته وأسمائه الحسنى, وعن قصة الخلق وعالم الغيب من ملائكة أو جن, ثم تدرج في الكلام عن آدم عليه السلام فالأنبياء من بعده وتسلسلهم في التاريخ حتى يصل إلى موسى وعسى ومحمد عليه السلام.. وبعد هذه السلسلة الذهبية في التاريخ يظهر لنا حرص المؤرخين المسلمين على تناول الأحداث وخاصة ما بعد السيرة النبوية من خلال تبويب السنين الهجرية فهم يسردون أحداث سنة بعينها ثم السنة التى تليها, فنرى فيما كتبه الطبرى وابن الاثير وابن مسكوية ابن خلدون وابن كثير ذلك بالكلام عن الموت والبرزخ والبعث والحساب وبهذا تتم الدورة الكبرى ويسير التاريخ البشرى على نفس السنن الكونية في الحركة..

العامل الثانى : ظروف الزمان والمكان:

لهذه الظروف وزنها من خلال تفاعل الإنسان معها, ولكن ليست لها الأولوية.. فالمجتمع البشرى يزداد عدده وتتنوع حاجاته وتتشابك علاقاته وتتعدد مشاكله, وكلما تقدم الزمن ازدادت تجاربه ونما أسلوب تفكيره فهذا ابن آدم يحار كيف يدفن أخاه فيبعث الله غرابا يعلمه.. ومن الطبيعى أن تتجدد الحاجة إلى تغير التشريع وإلى تطور الأسلوب المستخدم في تبصير الناس بحقائق العقيدة..

وفى ظل تطبيق سليم للرسالة السماوية وفى ظل تفاعل سليم بين الإنسان المكلف صاحب الأولوية في الفعل والسيادة على الأرض يتحرر كل فرد من جميع القيود الخارجية والداخلية ويتساوى الناس أمام الحقوق والواجبات لمن شاء أن يتقدم أو يتأخر.. كما تتكافأ المجتمعات من الناحية الإنسانية المكرمة مهما تفاوتت ظروفا المادية و اختلفت في العمراني فهى دائما في مستوى حضارى واحد وتوصف جميعها من زاوية صلتها بالله بأنها مجتمعات مسلمة ابتداء من آدم عليه السلام حتى خاتم المرسلين حتى ما شاء الله لدينه أن يظهر في الأرض.. وقد تردد هذا الوصف على مدار القرآن الكريم مثلما تردد وصفها بالأمة الواحدة في قوله تعالى:" وإن هذه أمتكم أمة واحدة" وقوله" ملة ابراهيم هو سماكم المسلمين من قبل" وقوله تعالى" شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذى أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه" وقوله تعالى:

" قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط, وما أوتى موسى وعيسى وما أوتى النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم, ونحن له مسلمون".

أما عندما توصف المجتمعات من زاوية علاقتها بالأرض في حالة انتكاسها قسمها ما شئت اقطاعية أو رأسمالية أو اشتراكية أو شيوعية, فهى في ذلك كله قد ارتدت على أدبارها وعكست وجهة الإنسان.

بين التوحيد والشرك:

حالة الانتكاس:

لعلنا في غير حاجة إلى التذكير بأن التغيير أو الانتكاس إما يصيب النفوس أول ما يصيب ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وبعدها يتغير المجتمع أو ينتكس:" كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون". وهنا تمتد اليدى الآثمة إلى مواد هذا الدستور الخالد فتصيبه بالتبديل وبتحريف الكلم عن مواضعه فيقع المجتمع فريسة لألوان الصراع الإقتصادية والسياسية والدينية والإجتماعية وينتقل إلى داخل النفوس ويصير فيها شركاء متشاكسون.. وما يحدث بسبب الانتكاس يحدث أيضا في حالة غيبة الرسالة لعجز الإنسان عن تحقيق مركز التوازن بين جميع حقائق الوجود بنفسه..

من ذلك يتضح أن الصراع بسبب العوامل الإقتصادية ما هو في حقيقته إلا صراع جزئي داخل الصراع الكبير الذى يعيش فيه المجتمع في كل جوانبه.. وهل كان وراء انتكاسه قوم لوط سبب اقتصادي..

وما أصوب منطق المؤمنين حين يرون التاريخ سجالا بين الحق والباطل بين الهد ى والضلال, بين الإسلام والشرك في دورات لا تتوقف .. حتى تحين الفرصة تغيير المجتمع المنتكس إلى الوضع الصحيح من خلال النفوس التى اهتدت أولا, لأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

الرسالة من جديد:

كان الله يمن على خلقه بالرسالة من جديد ليخرج المجتمع من ترديه في الضلال ومن غرقه في الصراعات , وقد تظلل عدة رسالات في وقت واحد وكانت الرسالة الجديدة تحوى نفس خصائص الرسالة السابقة في شقي العقيدة والشريعة, من خلال الواقع الجديد الذى تستوعبه الشريعة الجديدة والأسلوب الجديد في عرض العقيدة..

المقياس الحاضرى:

برسالة السماء تقاس عظمة الأمم.. الأم التى كرمت الإنسان وذخرت بالرجال لا أمم الأشباح.. ويوم يهزل الإنسان ويتنكب الطريق وتستعبده الظروف ويتضاءل في نفسه فكل شئ بعده تافه هزيل لا يدعو إلى تفاخر بل يستوجب العبرة والرثاء مهما خلف من قصور وسدود وآثار لا تبيد .. بهذا المقياس السليم يخبرنا الله في أكثر من موضع في القرآن الكريم عن الأمم السابقة .ز فقوم موسى لما تولوا عنه مدبرين تولت عنهم نعن الله كلها:" كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين.كذلك وأورثناها قوما آخرين, فما بكت عليم السماء والأرض وما كانوا منظرين"." ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون" لأن هذا الملك العريض لم يعد يساوى شيئا بعد إعراضهم عن الله لأنه ليس شاهد حضارتهم ورقيهم.. كذلك أخبرنا عن قوم عاد حين كفروا دمرت عليهم الريح كل شئ فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم وأخبرنا كيف خسف بقارون الأرض وبادره الأرض, وكيف جعل أرض لوط عليها سافلها..

وفى الصورة المقابلة كيف نجي نوحا عليه السلام وصالحا وهودا وإبراهيم ولوطا هم والقلة الذين آمنوا معهم ليعلمنا أن الإنسان المؤمن لا يعدله عند الله شئ وان السادرين في الغي هم وعالم المادة سواء محياهم ومماتهم.

في التاريخ نظرتان:

إذا نظرنا إلى التاريخ من زاوية حضارية نجد أن تاريخ العالم كان سجالا بين الحقل والباطل بين الهدى والضلال بين الإسلام والشرك في دورات لا تتوقف حتى انتهينا إلى خاتم الرسالات السماوية بكل خصائصها العالمية إلى يوم القيامة ....

وإذا نظرنا إلى التاريخ من زاوية عمرانية نجده قد انتقل من عصر الصيد والرعي إلى عصر التجارة والزراعة إلى عصر الصناعة إلى عصر الفضاء.. وعلى امتداد هذا الخط المادى العمرانى تنتشر المجتمعات المرتقية المتحضرة والمجتمعات المرتكسة, وعندما يرتفع مستوى الإنسان الحضارى بالإسلام ( أى بالرسالات السماوية لأن للرسالات جميعا صفة الإسلام) يتحقق التوازن في جميع ميادين التعامل الاقتصادية والإجتماعية والسياسية بما يحقق الحرية الحقة والعدالة والمساواة بين البشر وعندما ينخفض مستواه بالإنتكاس تعود إلى الظهور كل أشكال الصراع الإقتصادى والإجتماعى والسياسى والنفسى.. ودخلت الأرض عصرها الصناعى وهى مزدوجة بالمجتمعات المنتكسة حضاريا فانتشر المرض برغم التقدم الكبير في المستوى المادى.. وهنا تكمن المصاعب أمام الدعاة ويكمن معها عظم الدور الكبير للساعين إلى الإمساك بزمام حصان الصناعة الجموح لإعادة سيادة الإنسان المكلف مرة أخرى ليعود للبشرية مقامها الكريم...

النمو لا يتوقف:

تهادى التاريخ في موكبه الطويل حتى انتهى إلى خير أمة أخرجت للناس, ولم يكد حملة رسالة محمد صلى الله عليه وسلم يدخلون على الشعوب بهذا الدين العظيم على اختلاف ألسنتها وألوانها وعلى اختلاف درجة تقدمها العمراني حتى تحققت الرسالة الإسلامية على يدهم في زمن وجيز أعظم انتصاراتها الحضارية, فهيأت للجميع أكرم حياة وجعلتهم أسياد الظروف فيم يستعبدهم زمان ولا مكان وظلت هاماتهم الشامخة لا تنحني إلا لله وحده في أخوة إنسانية سامية.

وتنتظم الأمم جميعها في هذا الموكب الفريد تسهم في حركته وتتحمل نصيبها من المسئولية مثلما يتحمله كل فرد فيها إلى ما شاء الله لهذا التيار أن يجره.. فهذا عيسى عليه السلام يقول:" لا تظنوا أنى جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء, ما جئت لأنقض بل لأكمل, فإن الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل"... ويعطينا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا التوجيه الحكيم في تصوير جديد.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" مثلى ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة. فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟.. فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين".

فالتاريخ في نموه وحركته لا يتوقف واضعا الأفراد والأمم أمام ابتلاءات جديدة ويكشف القرآن الكريم عن هذه الحقيقة الخالدة في قوله تعالى"

وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة, ولكن ليبلوكم فيما أتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون".

1- فظاهرة النمو المطرد في قوله تعالى:" ومصدقا لما يديه من الكتاب ومهيمنا عليه".

2- وهذا يقتضى تغير البيئات مما جعل لكل منها شرعة ومنهاجا.

3- والحكمة دائمة واحدة:" ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات"

4- والجزاء هو النتيجة يوم يرجعون إلى الله فينبئهم بما كانوا فيه يختلفون.

وهكذا كلما استمر التاريخ في نموه وتقدمه العمراني كلما كان حظ القادرين على الهيمنة على تياره وتسخيره من الكرامة عند الله كبير ومن الجزاء مضاعفا ولعل ذلك هو ضمن ما يكشفه المعنى العميق من قول حكيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه في نعرض الشوق إلى إخوانه, وأن ثواب الواحد منهم بعشرة.. " لأنكم تجدون على الحق أعوانا, وهم لا يجدون".

مع التفسير المادى للتاريخ:

(أ‌) نظرياً:

كل منا نظر إلى التاريخ من خلال عقيدته في الوجود فلم تلتق تبعا مناهج التفسير .. فمن خلال نظرتنا لم يكن التفسير المادى أكثر من تسجيل لفترات الانتكاس في حياة الشعوب بما يستتبعه الانتكاس من صراعات على كل المستويات. وكان موقف الماركسيين من العامل الإقتصادى بالذات موقفا منحازا لا علميا.

كان بريق التفسير المادى الوحيد هو فيما يقدمه من تحليلات عن الرأسمالية بلغ الإعجاب بها حدا حمل على الاعتقاد بصحة التحليل على ما سبق في التاريخ من عصور وصحة ما سيؤول إليه في المستقبل, ولكن حتى هذه الرأسمالية التى أجاد الماركسيون تشريحها بحيث أصبحت موطن افتتانهم بجدوى الماركسية حتى هذه سنرى فيما بعد حقيقة العوامل التى اشتركت في إخراج المجتمعات الأوروبية من حياتها التقليدية إلى صورتها الخالية ومركز الاقتصاد بينها وقد رأينا قبل ذلك عدم صحة تنبؤات ماركس عن المستقبل..

لقد أنصف انجلز حين كتب إلى صديقه بلوخ سنة 1890 قبل وفاته بخمس سنوات أنه هو وماركس قد بالغا في تقدير أهمية السباب الإقتصادية. وفى رسالة أخرى لصاحبه ستارلنبرج كتب يقول:" ماركس وانجلز مسئولان جزئيا عن حقيقة أنه في بعض الأوقات قد أعطى أتباعنا أهمية للعامل الإقتصادى أكثر ما يستحق, ولقد اضطررنا إلى تأكيد صفته المركزية في معارضتنا لخصومنا الذين كانوا ينكرونه, ولم يكن هناك وقت ولا مكان ولا فرصة لإنصاف العوامل الأخرى في الحركة التاريخية"

يقول الأستاذ العقاد في " حقائق الإسلام وأباطيل خصومه": ويقرر لنا التاريخ أنه لم يكن لعامل من العوامل الإنسانية أثر أقوة وأعظم من عامل الدين, وكل ما عداه من الحركات المؤثرة في حركات الأمم فإنما تتفاوت فيه القوة بمقدار ما بينه وبين العقيدة الدينية من المشابهة في التمكن من أصالة الشعور وبواطن السريرة. هذه القوة لا تضارعها القوة العصبية, ولا قوة الوطنية ,لا قوة العرف, ولا قوة الأخلاق, ولا قوة الشرائع والقوانين , إذا كانت هذه القوة إنما ترتبط بالعلاقة بين المرء ووطنه,أما العلاقة بينه وبين مجتمعه أو العلاقة بينه وبين نوعه على تعدد الأوطان والأقوام أما الدين فمرجعه إلى العلاقة بين المرء وبين الوجود بأسره,وميدانه يتسع لكل ما في الوجود من ظاهر وباطن, ومن علانية وسر, ومن ماض أو مصير , وإلى غير نهاية من أزال لا تحصى في القدم وآباد لا تحصى فيما ينكشف عنه عالم الغيوب.. وهذا على الأقل ميدان العقيدة الدينية في مثلها الأعلى وغايتها القصوى, وإن لم تستوعبها ضمائر المتدينين في جميع العصور".

(ب‌) واقعياً

نجد من وقائع التاريخ ما يعتبر نقدا عمليا لمنطق الماركسية التى تجعل الغلبة دائما للظروف المادية التى تدفع إلى تشكيل العلاقات الإنتاجية والاجتماعية.

فإذا أخذنا مجتمعات تتفق في الأساس المادى مثل الزراعة نجد وقائع التاريخ تبين لنا أن بعض هذه المجتمعات عاش في ظل علاقات إسلامية خالية من الصراع لقرون طويلة, وأكثر من هذا أن قامت هذه العلاقات تارة من خلال الملكية الخاصة وأحيانا كثيرة من خلال الملكية العامة ( الأرض الخراجية) كما عاشت بعض هذه المجتمعات الزراعية في علاقات اقطاعية أو عبودية, وبعضها عاش حياة مشاعية كمشاعية مزدك في فارس قبل الإسلام.. فما الذى أوجد هذا التفاوت الاجتماعى بين المجتمعات أساسها المادى واحد..

ومن العصر الحديث نجد الأدلة التى تؤكد فوقية الإرادة الإنسانية على الظروف المادية ,فالإرادة الإنسانية عطلت حتميات ماركس داخل المجتمعات الرأسمالية حتى اليوم.

وتحققت الشيوعية مرحليا في مجتمع اقطاعى على يد لنين في روسيا بإرادة إنسانية اختارت بيئة أقل تطورا من الناحية المادية وأكثر بعدا عن الشروط الموضوعية لقيام الثورة.

ورغم تساوى روسيا معا أمريكا في المستوى الفني اليوم, إلا أن الاختلاف واضح في الشكلية الاجتماعية ولم توحد الآلة بينهما فكريا أو اجتماعيا.

ورغم الاتفاق المذهبي بين روسيا والصين فإن الاعتبارات القومية باعدت بينهما مع أن المفروض حسب منطقهم المادي أن تزيدهم الأيام قربا لا بعدا.

وقد نشطت الدراسات في الوقت الحاضر لمعرفة نسبة اشتراك العوامل الإنسانية والعوامل الاقتصادية في إحداث التغيير الاجتماعى ودرست أوروبا بالتفصيل باعتبارها حقلا خصبا لهذه الدراسة وقد حوى كتاب" مراحل النمو الاقتصادى" لروستو أول رد علمي غربي على نظرية ماركس في تفسير التاريخ وهو " يعتبر الإنسان وحده أكثر تعقيدا فهو لا يسمى للمصلحة الاقتصادية وحدها بل للسلطة, واللهو والمغامرة..

وبكلمة مختصرة فإن صافى السلوك الإنساني لا يعتبر في نظرنا سعيا وراء شئ أقصى بل موازنة بين أهداف إنسانية بديلة ومتناقضة في كثير من الأحيان إزاء مجالات الاختيار التى يرى البشر أنها مفتوحة أمامه".

بهذا التقدير الذى يعيطه روستو لدور الإنسان ثم بدراسة واقع أوروبا يقسم روستو المجتمعات إلى خمسة من ناحية أبعادها الاقتصادية:

(أ‌) المجتمع التقليدي.

(ب‌) المجتمع الذى تحققت له الشروط المؤهلة للانطلاق.

(ت‌) المجتمع المنطلق.

(ث‌) المجتمع السائر نحو النضوج.

(ج‌) المجتمع الذى دخل عصر الاستهلاك الشعبي العالمي وبتطبيق نظريته على أوروبا يرى أن أول بلد تحقق فيها شروط الانطلاق وانتقلت من المجتمع التقليدي هى بريطانيا.

(ح‌) وقد قال سدني هوك أحد مشاهير الكتاب الماركسيين:" إذا تطرق الشك إلى نظرية صراع الطبقات فبان فسادها فإن صرح النظريات الماركسية ينهار من أساسه".


الحلقة الحادي والعشرون: نظرة الإسلام

- وسيلتنا للإقناع , الأدلة العقلية الواضحة .. لا العاطفية المشبوبة

كنت ومن معي من أعضاء الندوة ضائقين على مدار هذه الجولات الفكرية بسلوك بعض الأخوة الذين بدأوا تململون من عدم رؤيتهم ثمرة سريعة لهذه الاتصالات فضلا عن تعمق العلاقة حتى أصبحت وفود الشيوعيين تترى على عنبرنا في المناسبات المختلفة, وكان الشهيد عبد الحميد البردينى رحمه الله يوفق بين رغبتنا في استقبالهم وبين مشاعر بعض الأخوة المتململين فكان يعد لذلك حجرة خالية في مدخل العنبر مفروشة بالبطاطين للاستقبال حتى لا يضطر الشيوعيون إلى المرور على الزنازين..

وكنا من جانبنا نبذل جهدا لترطيب قلوب الأخوة المتعجلين, وتطورت محاولاتنا من الكلام إلى العمل,فعندما أغلظ الأخ حسن لنا النصيحة اتفقنا على إجراء تجربة عملية عليه تجعله يدرك بنفسه فائدة هذه الاتصالات.. فقدمنا إليه كتاب " عقائد المفكرين" للعقاد, ورجوناه أن يعيننا بقراءته, فلبث عشرة أيام ثم أعاده إلينا دون أن يتجاوز الست صفحات بدعوى أنه صعب الفهم غير مسلس العبارة, وهذا ما كنا نتوقعه.. وكانت الخطوة الثانية حين دعوناه لإحدى الجلسات على أن يحتمل في شجاعته ما يؤذى سمعه ووعد بذلك.ز وتحت شجيرات الخروع التى تسور مزرعة السجن, وفى حضرة أحد الأخوة الكبار هو السيد محمد حامد أبو النصر, استعد الزميل الصريح الذى اخترناه لهذا الموقف أن يجيب على أسئلتنا بلا مواربة.

فقلنا له: لماذا لا تؤمن بوجود الله تعالى؟!

قال: لذلك قصة قديمة في حياتى دعمها دراسة للمادية الجدلية بعد ذلك... فقد شاهدت تراما يفرم طفلا بريئا, فثارت نفسي على عدالة السماء قم بعد اعتناقي للماركسية فهمت أن نشوء العقائد على مدار التاريخ كان تعويضا عن الفهم العلمى السليم لأسرار الطبيعة

وهنا انتفخت أوداج الأخ حسن وعلاه الغضب وتغيرت ملامحه فأشرنا إليه بالتزام الاتفاق وواصلنا سؤال الزميل.

وما قولك في القرآن الكريم الذى أنزل على رسول الله؟

قال: كان محمد رجلا عبقريا.. يؤلف آية لكل حادثة تقع ولم يتنزل عليه شئ.. ستقولون لى أن أحدا لم يأت بسورة من مثله, وأنا أقول لكم وأن أحدا لا يستطيع اليوم أن يأتى بمثل معلقات الجاهلية, فهل يقوم لك دليلا على نزولها من السماء.. لعل محمد كان سابقا لزمانه.

وهنا حانت لحظة انفجار الأخ حسن بعد أن فشلت تحذيراتنا, وخاطب الزميل محتدا أتدرى ما حكم الإسلام عليك يا زميل؟

الزميل: وقد أخذته المفاجأة.... لا أدرى!!

حسن: الاستتابة أو القتل.

الزميل: مندهشا, إن هذا اعتقادي فلم تحكم بذلك؟

فتدخلنا على الفور قائلين للزميل,دع لنا أخانا نكلمه, وكن مطمئنا فظل ساكتا وهو يتابع حديثنا برضى.

قلنا أليس علينا يا أخ حسن أن نقوم بواجبنا أولا نحو هذا الزميل ومن على شاكلته.. ممن راحوا ضحية غزو فكرى مشنون على الأمة بقوة السلطة التى تفتك أجهزتها الإعلامية بكل القيم, وأجهزتها البوليسية بكل الأبرياء ففتحت الباب على مصراعية للمعتقدات الغربية وإن رثاءنا للضحايا يلقى على عاتقنا مسئولية الرد على جميع الشبه التى تحيك في صدر الزميل وأن نحسن بعد ذلك عرض ما نؤمن به بأدلة واضحة مقنعة.. ولا نعنى بذلك أن تكوون مقتنعة له شخصيا, بل تكون مقتنعة لشهود أو مراقبين عدول لا مصلحة لهم في الإنكار ولا قيد على أفكارهم من جهل أو على قلوبهم من هوى يعصف بإشراق الفطرة في نفوسهم, عندئذ يكون انتشار الاقتناع لدى ذوى العقول الراجحة والفطر المستقيمة كاشفا عن علة في المنكر نفسه تجعله يقف هذا الموقف المعاند ربما علمه بفساد منطقه وسلامة منطق الحق... وفى البشر يوجد هذا الصنف العجيب من الناس الذين وصفهم الله تعالى بقوله:

"وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا" وفى قوله:" فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون" ويحدثنا القرآن الكريم بأنهم لا يكتفون بذلك بل وينكلون بأهل الحق ليعيدوهم في ملتهم. عندئذ لا يكتفون بذلك بل وينكلون بأهل الحق ليعيدوهم في ملتهم.

عندئذ ومع هذا الصنف المراوغ لذي تحكمه العلل والمصالح, من كبر أو حسد أو جهل أو مركز اجتماعى أو مركز مالى أو أى نفع يعود عليه من استمرار ما هو عليه من باطل فإننا بذلك نكون أمام خلية سرطانية في جسم الإنسان تقتضى السلامة هزل سلوكها العدوانى, ويحق على صاحبها قوله تعالى:" والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له, حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد".

أما قبل أن تؤدى دورنا الصحيح الذى يؤدى في العادة إلى كشف الصادقين مع أنفسهم من المتناقضين معها فقد تجنى بقصورنا على أناس لم يتبين لهم الطريق فنظلمهم... وبهذا نخطئ سبيل الدعوة الصحيح.. ثم التفتنا إلى الزميل قائلين: هل لديك ما تقوله يا زميل؟ فابتسم ابتسامة الرضى وهو يقول:

هذا خير ما يقال, وأنا ليس لدى ما أعقب به سوى أنكم مجموعة ممتازة ضد الاستغلال غيرت الصورة المخيفة التى كانت في نفوسنا عنكم قبل أن نلتقى بكم,

وقد فوجئ أخونا بهذا الرد الذى تركه صامتا متحرجا, وبعد عودتنا إلى العنبر قال:

- أين كتاب" عقائد المفكرين" فقدمناه إليه بدون تعليق فالتهمه في يوم واحد دون أن نستوقفه أى صعوبة, وأخذ يبحث عن غيره من الكتب حول الموضوع, ووجدنا في حالة النشاط التى انتابته فرصتنا لتذكيره بأن منازلة العقائد الأخرى يعود علينا بالفائدة الكبرى, فمن الظلام تعرف قيمة النور, ,من الباطل نعرف قيمة الحق.

- ومع أننا أمنا ثورة أخينا بهذه الحيلة, إلا أننا اعتبرنا ذلك منبها لنا وكنا بالفعل قد اشرفنا على النهاية في هذه الجولات بوصولنا إلى النظر إلى حركة التاريخ بمنظار الإسلام لا بمنظار التفسير المادى للتاريخ.ز ثم بوصولنا في سرد التاريخ إلى خاتم الرسالات السماوية.. وكنا نترقب وصولنا إلى هذه الخاتمة بشغف كبير لأن جولاتنا السابقة قد أقنعتنا بسراب الماركسية مثلما أفادتنا في تدعيم حقائق الإيمان وفى معرفة قضايا الإنسان وإدراك دور الرسالات السماوية في هداية البشر أكثر من أى وقت مضى.

- ولكن يبقى وراء تلك النتائج الهامة التى زادتنا الجولات إيمانا بها قصد أخير لم يكتمل, هو الذى يهم الشيوعيين في الدرجة الأولى, وفقدانه يعطيهم مبررا في الالتفاف حول الإسلام بأسلوب حديث. هذا القصد الأخير عندنا هو القصد الأول عندهم, وهو الذى حرك بيننا هذه البدايات العقائدية جميعها حتى أشرفنا عليه باعتباره قضية الساعة وأقدمنا على أرض ثابتة وباطمئنان كبير لم يكن ليتوفر لنا لو لم نخص كل تلك الجولات السابقة.

- هذا القصد قد ترجمته أسئلتنا للشيوعيين في صور حلقة النظر الإسلامية للتاريخ حين كنا نطالبهم بوضع أيدينا على نص شرعى أو رأى فقهى أو واقعة تاريخية في فترات الالتزام تبين أن الإسلام ظهير لأى شكل من أشكال الاستغلال.

- وكأننا في الحقيقة كنا نوجه الأسئلة إلى أنفسنا؟ فلم يعد يكفى كوننا نحمل في قلوبنا إيمانا مطلقا بأنهم لن يعثروا على شئ؟ بل كنا نحن أيضا أشد ظما إلى إشباع أنفسنا بهذه المعرفة. وأشد سعيا للوصول إلى جسم هذا الكنز الذى تعددت شواهده

- وقد كان.. وتفتحت شهيتنا لكل أثر حتى لكأنما نبتت لنا حاسة سادسة تجعلنا نرى في العبارة البسيطة في أى مرجع شيئا هاما لا يلفت نظر الباحث التقليدى حتى اكتملت تحت أيدينا أعظم صورة لخير أمة في التشريعات المالية بالذات. وكأننا كنا نكتشف عالما جديدا ليس عالمنا الذى شوهه الإستعمار في نفوسنا وعزلنا عن مشارق النور فيه.

- وشعر الجسم السليم بمعاناة أحد أعضائه فاندفعت الدماء الحارة من القلب في كل شريان تمد هذه المجموعة البسيطة التى يتكون معظمها من الطلبة بما تحتاج إلى التزويد به من العلم, ولم يبخل علينا أحد بشئ, وابتسامة الحب على شفاء الآباء تقول: إن رغب القطا قد تعلموا الطير.

- وكنا بدورنا لا نحجب عن الشيوعيين معرفة قد تعين من يتعامل بالصدق مع النفس في رؤية عالمنا الجديد.

- وعندما انتهت بنا سلسلة التاريخ الذهبية إلى الرسالة الإسلامية باعتبارها نموذجا لجميع الرسالات التى سبقتها لها نفس خصائصها, ولكن على المستوى العالمى الدائم إلى يوم القيامة. جاءت فرصتنا لمعرفة منهج الإسلام الواضح في التشريعات المالية من خلال النصوص وتصديق التطبيق العملى لها وتقدم لذلك ببعض الملاحظات العامة:

1- اقتضت حكمة الله أن يبلغ كل شق من الرسالة الإسلامية كماله بين أحضان إحدى البلدتين الطيبتين: مكة والمدينة.

- ففى مكة المكرمة نزلت آيات العقيدة التى غرست الإيمان في القلوب وحررت النفوس من أغلال الشرك, الذى ينبته الجهل والهوى.. وبلغ مقدار ما تنزل من القرآن الكريم 19 جزءا في ثلاثة عشر عاما مليئة بالفتن والبلاء أخرجت لنا حوالى الثمانين صحابيا كان الواحد منهم بأمة. ولا عجب أن يحظى هذا الجانب بهذا المقدار الكبير من القرآن الكريم, وأن ينتج هذا العدد القليل من المؤمنين لأن ميدانه النفوس ففيها تتكون اليقظة وتتضح الإرادة , التى تكون يقظة المجتمع كله وإرادته, وبعدها يصير كل بناء في الحياة سهلا.

- أما المدينة المنورة فكانت مهدا للشريعة التى تمت أركان المجتمع الإسلامي بما فيه من أمن واستقرار وفرص واسع لكل فرد فى إبراز أهليته للأمانة التى استخلفه الله عليها..

- وقد وضعت هذه الشريعة الربانية عن الناس إصرهم والأغلال التى كانت عليهم كما بينت جميع مجالات الحركة المشروعة للمسلم مع واقع الحياة من حوله وصبغت له جميع ميادين التعامل بصبغة الاختيار ليسأل عما قدمت يداه, إن خير فخير, وإن شر فشر ليحيا من حى عن بينة ويهلك من هلك عن بينة.

- ومن مقتضيات التدبير الالهى, أن تختص كل من البلدتين الطيبتين بشق من الرسالة, ليظل ثابتا في حس المسلمين أنه لا كمال لحياتهم ولا نجاة في آخرتهم إلا بتلازم هذين الشقين معا, العقيدة والشريعة.. حتى لا تنطمس هذه التفرقة العلمية في قلب المبصر, وهو يعمل في حقل الدعوة الإسلامية مثلما أنه لا تنطمس هذه التفرقة المكانية بين مكة والمدينة في عين البصير.

2-لقد أحس المسلمون الدفاع عن عقديتهم في كل العصور أو بمعنى أصح لقد دافعت هى نفسها فقضاياها الواضحة وحجتها البالغة كانت تذيب أمامها أغلال العقول وتفتح أقفال القلوب. فمضت تغزو الشعوب بغير سيف, حتى في العصور التى كان المسلمون فيها في غاية الضعف فإن مدها لم يتوقف.

ولأن حقائق العقيدة ثابتة, فهى لم تكلف المسلمين عنتا في جلائها وتقدم العلوم يقوى من رصيد الحجة في مواجهة خصومها.

ولكن الأمر الذى التبس على المسلمين في عصور ضعفهم بصفة خاصة هو موضوع الشريعة وهو المكان الذى سددت فيه الطعنة إلى الإسلام باسم الإسلام دون أن يفطن المسلمون إلى ذلك.. فقدمت إليهم النماذج الأرضية من المغرب والشرق على أنها تحقيق لجوهر الإسلام في مقاصده التشريعية...

ويستطيع المطلع على كتاب " الشرق الأدنى مجتمعه وثقافته" من سلسلة الألف كتاب أن يقف على الدراسات الاستعمارية التى وضعت لعزل الإسلام كتشريع عن حياة المجتمعات المسلمة والمحافظة عليه داخل المسجد كعبادات فقط.. ليس يكفى أن ترفض الواقع بل وأن نفهم إسلامنا أولا وقبل أى رفض.

3- لا جدال في أن التشريعات المالية, هى العمود الفقرة لأغلب التشريعات الاجتماعية ولأمر ما فقد قرن الله تعالى الصلاة بالزكاة في 83 آية قرآنية.

4- وبتتبع التشريعات المالية تتضح لنا العقلية المنهجية الإسلامية المستقلة لما لها من مركز السيادة في قضية من أهم قضايا العصر.. ورأس الحرية في هذه التشريعات هو مبدأ الملكية.


الحلقة الثانية والعشرون: الملكية.. من عائد العمل

- الملكية .. من عائد رأس المال

لقد قامت حلقات الحوار السابقة بتنفيذ كل قضايا الماركسية مثلما زادت من يقيننا بأن تقدم العلوم هو دائما في مصلحة قضية الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله, وفى غير صالح سراب النظريات الذى يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا.

وليس سرا انه إزاء كل قضية عملية إنسانية طرحت بيننا وبين الشيوعيين كان لنا أسلوبنا الخاص في تناولها, حيث كنا نلتمس الهداية في كتاب الله وسنة رسوله أولا تمشيا مع المنهج العلمى للإنسان فإذا هدينا فيها إلى فهم عدنا إلى ندوتنا أكثر اطمئنانا إلى أن المنهج العلمى للأشياء الذى يقف عنده الشيوعيون بل ويلبسونه قسرا للإنسان لن يكون – بالأمانة العلمية – إلا متوافقا في هذه الجزئية مع فهمنا فيها..

وليس يعنى ذلك تسلحنا بموقف علمى مسبق وإلا وقعنا في رذيلة التعصب والتقليد وإنما كان فهمنا الإيمانى يعمل كمؤشر إلى الإتجاه السليم أو كضوء ينير لأبصارنا الطريق فلا تتحس في الظلام..

وقد حظى موضوع الملكية بعناية خاصة وبتطبيق لأكثر لهذا المنهج.. لأنه يتعلق بقضية إنسانية يتصل أحد أطرافها بالأسماء ويلتصق الطرف الآخر بالأرض وإلا فكيف كنا سنهتدى إلى دور الملكية في مفهومها الصحيح كأداة اختيار في الكثير من ميادين التعامل وإلى أن الربح المشروع يؤدى دورا اجتماعيا بالغ الأهمية لأصحاب الضرورات الاجتماعية في بيئة التكليف مما أضاء لنا طريق تحليل العلاقة بين اعمل ورأس المال..

... كانت العقيدة بمؤشراتها وأضوائها قبل وبعد اى دراسة تحليلية تخص الإنسان..

رأس الحرية:

وآن لنا أن نرى مصداق ذلك كله فيما نطقت به النصوص الشرعية وما كشف عنه التطبيق في موضوع الملكية باعتباره رأس الحربة في كافة التشريعات المالية.. وباعتباره كاشفا عن منهج الإسلام المتميز في قضية من أهم قضايا العصر..

هدف الحلقات:

وليس سرا أن كل ما تقدم من حلقات الحوار هو تمهيد للوصول إلى هذا الموضوع بالذات الذى سنختتم به هذه الدراسة..

ولا أستطيع لذلك أن أدخلها في موضوعات الحوار ولا أن أفصلها عنه لأنها من ثماره.... فهى الإجابة المعلقة في أعناقنا عن الأسئلة التى سألناها للزملاء حين طالبناهم بوضع أيدينا على نص أو رأى فقهى أو واقعة تاريخية في فترات الالتزام تكشف عن مظاهرة الإسلام لأى شكل من أشكال الاستغلال عن ثراء الإسلام بالحلول الاقتصادية التى تحقق حلم البشرية في العدالة والكرامة والإخاء..

وهذه الدراسة المنهجية التى جاءت متناثرة على طول الحوار تقدمها اليوم بطريقة متبلورة ومستقلة..

مبدأ الملكية:

الملكية التى يرعاها الإسلام هى التى تعين على تحقيق مقاصده وهى لذلك تلك التى تقوم قياما مشروعا وتتحرك حركة مشروعية.

1- القيام المشروع

أى عن طريق عائد العمل وعائد رأس المال بصفة أساسية من خلال الموازين الإسلامية.. مع ملاحظة صور الدخول الأخرى التى أباحها الإسلام كالوصية والميراث والهبة والصدق5ات باعتبارها كسبا حلال وإن كانت في درجة أدنى من المصدرين الأولين,

أما الملكية الرأسمالية فتتكون من عوائد الأعمال المشروعة وغير المشروعة ومن الأرباح غير المشروعة التى لها بحق صفة الاستغلال ومن الربا..

أما الماركسية فلا تعترف إلا بعائد العمل فط..

ومفهوم ما وراء كل صورة من صور الدخل من نتائج اجتماعية متفاوتة..

ومن هنا كانت رعاية الإسلام شاملة لكل طرائق الكسب حتى تكون حلالا طيبا.. فنجده يحرم الربا لأنه دخل استغلالي دون مقابل من عمل مشروع بل من قيم منحرفة لها أسوأ الأثر اقتصاديا واجتماعيا وخلقيا وتنطوى تحت هذا التحريم جميع البيوع الربوية والمشاركات الفاسدة لما فيها من غرر أو غبن يؤدى إلى الضرر والجهالة فقد ورد النهى عن بيع الملامسة وبيع المنابذة, وبيع الحصاة, وبيع المصراه, وبيع العينة, وبيع حبل الحبلة وبيع المضامين والملاقيح, وبيع المدلس, وبيع ضربة القانص, بيعتين في بيعة وبيع الحيوان الضال والشئ المعدوم أو المجهول والنجس والحاقلة والمزابنة.. إلى آخر ما يشتم منه الاستغلال أو الظلم لأن عامة ما هى الكتاب والسنة من المعاملات يعود – كما يقول ابن تيمية إلى تحقيق العدل والنهى عن الظلم دقة وجله".

كما حرم الإسلام أكل أموال الناس بالباطل وهى صور أكثر سفورا من البيوع الربوية كالغصب والسرقة والميسر والرشوة والخمر...

وحرم استغلال الجهل بحال الأسواق والأسعار. فمن عمر رضى الله غنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه"... وعنه قال :" رأيت الناس يضربون علة عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم... إذا اشتروا الطعام جزافا أن يبيعوه حتى يبلغه الرجل إلى رحله"

وعنه قال : ابتعت زيتا في السوق فلما استوجبته لقينى رجل فأعطانى به ربحا حسنا فأردت أن أضرب على يده فأخذ رجل من خلفى بذراعى فالتفت فإذا زيد بن ثابتو فقال :" لا تبعه حيث ابتعته حتى تحرزه إل رجلك فغن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أن تباع السلعة حيث تبتاع حتى يحرزها التجار إلى رحالهم" وقال صلى الله عليه وسلم:" لا يبع بعضكم على بيع بعض ولا تلقوا السلع حتى يهبط بها الأسواق"...

وعن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسم " نهى عن تلقى الجلب فإن تلقاه متلق فاشتراه فصاحب السلعة بالخيار, إذا وردت السوق".. وهو طاووس عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" لا تلقوا الركبان, ولا يبع حاضر لباد"

قلت لابن عباس ما قوله ولا يبع حاضر لباد قال: لا يكون له سمسارا"

كما حرم احتكار ضروريات الناس للتحكم في أسعارها فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الجالب مرزوق والمحتكر ملعون" وقال " لا يحتكر إلا خاطئ"... كل ذلك لتظل السوق حرة والأسعار معبرة عن القيمة المشروعة".

كما حرم الإسلام استغلال نفوذ السلطان للحصول على المال, وأجاز مصادرة الأموال التى تأتى من هذا الطريق لإنفاقها في مصالح الرعية, وقد خطب الرسول صلى الله عليه وسلم في الناس عندما أراد عاملة على الصدقة ابن اللتيية أن يقسم ما معه قسمين قائلا&: هذا لكم وهذه هدية أهديت إلى فقال عليه السلام:" أما بعد فإني استعمل رجالا منكم على أمور مما ولانى الله فيأتى أحدكم ويقول هذا لكم, وهذه هدية أهديت إلى فهلا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه فنظر أيهد إليه أم لا والذى نفسى بيده لا يأخذ أحد منها شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته إن كان بعيرا له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر" فترك ابن اللتيية ما أهدى إليه ولم يمسه..

وطبق هذا المبدأ من بعده أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه فكان يصادر ما يكسبه الولاة من أ‘مال لا يحوز لهم الاشتغال بها كالتجارة وما أليها وما كان يأتيهم من هدايا أو أموال بحكم مناصبهم, وكذلك أنشأ المنصور الخليفة العباسى " بيت مال المظالم" خاص بالأموال من عماله التى جمعت ظلما بسبب نفوذهم فجعلها في مصالح الأمة.

حسبنا من هذه الشواهد دليلا على حرص الإسلام على قيام الملكية قياما مشروعا مبرأ من العلل التى تنتج صور الأنظمة الاستغلالية بكل مساؤها الاجتماعية..

وآن لصاحب هذه الملكية الحلال, التى تكونت من خلال هذه الضمانات التربوية والتشريعية أن يخل بها ميدان النشاط الانتاجى والإجتماعى لتؤدى وظيفتها الاجتماعية ويحقق أهدافا إنسانية في كل حركتها المشروعة داخليا وخارجيا..

2- الحركة المشروعة:

1- الحركة الداخلية:

2- أى العلاقة الإنتاجية بين العمل ورأس المال, وهى في الإسلام علاقة مشاركة وفى الرأسمالية والقطاع علاقة استغلال تدفع إلى تحكم المالك في الأرزاق والحريات وتدفع العمال من جهة أخرى إلى أتون الصراع الطبقى.

3- وقد عمدت الشريعة الغراء إلى حقوق المالك في ملكيته فبينتها بحيث تحقق تكافؤ الفرص بين الناس, وتحول دون السيطرة والاستغلال وتجعل الدخول مشروعة متكافئة مع العمل المنتج سواء في الزراعة أو التجارة أو الصناعة..

ولنأخذ زراعة الأرض مثلا:

فقد رأينا أن الأرض كوسيلة إنتاج بل وسيلة الإنتاج الأولى في القرون الخالية كانت العلاقة الإنتاجية بين مالكها والذين يعملون فيها علاقة منتكسة في المجتمعات التى بعدت عن رسالة السماء فظهرت صور النظم العبودية والإقطاعية والأمر خلاف ذلك في الإسلام.

فملكية الأرض بعد أن يتحقق فيها شرط القيام المشروع تقوم علاقة الإنتاج عليها قياما يحدده الشرع الحكيم ولا يتركه لأهواء المالكين أو العاملين.. وقد بين الهدى النبوي جميع صور الزراعة على أفضل ما يكون عليه حق وعدل .. فمالك الأرض:

1- أما أن يزرعها بنفسه

2- وأما أن يمنحها أخاه ليزرعها دون مقابل.

3-وأما أن يشترك مع أخيه في زرعها على مختلف صور المشاركة التى قد تكون بالعمل فقط, أو باشتراك العامل مع المالك في البذور والآلات والدواب أو تكون بتقديم العامل للبذور والآلات والدواب, ويشترك المالك بالأرض فقط.

وفى كل هذه الصور من المشاركة يتفق الطرفان على جزء مسمى من الحصول الخارج أما النسف أو الثلث أو الربع ويتم تعيينه من خلال مراعاة نسبة الاشتراك وطبيعة المحصول وكافة الظروف المحيطة على أن يتحمل الطرفان الخسارة أن حدثت عملا بقاعدة شرعية هى الغنم بالغرم.

وهذه الزراعة هى مشاركة أو مساهمة, أو حسب التعريف الفقهى " الشركة في العقد" أو " عقد على الزرع ببعض الخارج من الأرض" وقد أجرها الرسول عليه الصلاة والسلام مع يهود خيبر حيث أصبحت أرض خيبر بعد فتحها عنوة ملكا للمسلمين وقسمت عليهم أسهما, ولما هم الرسول بإخراج اليهود منها جاءوه وقالوا له: نحن أعلم بالأرض منكم, دهونا نعمل فيها ونعمرها لكم بشطر ما يخرج منها, فأقرهم النبى صلى الله عليه وسلم " نقركم فيها على ذلك ما شئنا",,, وسار الأمر على هذا الحال إلى أن أجلاهم عمر بن الخطاب رضى الله عنه . وأعلن أن من كان له مال في خيبر فليلحق به, وخير أزواج النبى صلى الله عليه وسلم فمنهن من اختارت الأرض, ومنهن من اختارت تعويضا عنها, وكانت عائشة وحفصة رضى الله عنهما ممن اختارت الأرض.

وقال فيس بن مسلم عن أبى جعفر أى محمد الباقر بن زين العابدين بن حسين بن على بن أبى طالب رضى الله عنها:" ما بالمدينة أهل بيت هجرة إلا يزرعون على الثلث والربع". رواه البخارى بعد نقل هذا الأثر أنه زارع على سعد بن مالك , وعبد الله بن مسعود , وعمر بن عبد العزيز والقاسم وعروة, وآل أبى بكر وآل عمر, وآل على وابن عبد الرحمن بن يزيد, وعامل عمر الناس على أن جاء عمر بالبذر من عنده فله الشطر,إن جاءوا بالبذر فلهم كذا.

وقال أبو جعفر :" كان أبو بكر يعطى الأرض على الشطر" وعن خالد عن مجاهد عن طاووس بن معاذ بن جبل أكرى الأرض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم, وابى بكر وعمر وعثمان على الثلث والربع.

وكان عبد الله بن مسعود وسعد بن مالك يعطيان أرضهما التى أقطعهما عثمان بالثلث والربع"

وقد تكلم الفقه الإسلامي في الزراعة بإفاضة ولكل مذهب صوره التى يجيزها والتى لا يجيزها على اختلاف بينهم في علة المنع الذى مرجعه الخشية من أن يكون هناك شبهة استغلال طرف لطرف وما علمت حالة قفليها نصيب الزارع عن الربع ,هو قدر يكفى لتوفير دخل مجزئ.

فأين هذا من وضعية الرقيق الذين كانوا يفرض عليهم وضع ثابت اقتصادي واجتماعي لا يرتقون عنه أبدا. ولكن العداء والأهواء والجهلاء يحجبون عنا هذه النماذج المشرقة في البيئة الإسلامية ولا يرضون لأعيينا أن تفتح إلا على ظلام الإقطاع في أوروبا ولا يرضون لعقولنا أن تفهم إلا أن العالم كله عاش كذلك في كل بقعة عرفت الزراعة..

أما الإجارة فهى تختلف عن المزارعة بحيث يكون فيها نصيب المالك معينا مضمونا ونصيب العامل معرضا للمخاطر ومن هنا لم يجزها بعض الفقهاء لمنافاتها لروح العدالة في الإسلام ولأنها أدخل في المعاملات الربوية... إلا إذا لم تخرج عن جوهر المشاركة. ويقول ابن حزم في المحلى:" لا تجوز إجارة الأرض أصلا.. لا للحرث فيها ولا للغرس فيها, ولا للبناء فيها ولا لشئ من الأشياء أصلا لا لمدة مسماة مقيدة ولا طويلة, ولا بعد فترة مسماة ولا بدنانير ودراهم ولا شئ أصلا, فمن وقع فسخ أبدأ. ولا يجوز في الأرض إلا المزارعة بجزء مما يخرج منها أو الممارسة كذلك فقط".

وما ورد عن الرسول من نهى إنما كان يتعلق بأشباه هذه الصور وقد قال لأحد الذين يتعاملون بذلك" لقد أربيتما" وأمره برد الأرض إلى مالكها وحث ورغب في نماذج أفضل من التعامل كقوله" من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه" وفهم البعض أن هذا يعنى تحريم المزارعة والواقع خلاف ذلك.. وقد أجاب على بن أبى طالب وعبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر وسعيد بن المسيب , ومحمد بن سيرين, وعمر بن عبد العزيز, وابن أبى يعلى, وأبو يوسف, ومحمد بن الحسن عن الأحاديث القاضية بالنهى عن المزارعة بأنها محمولة على التنزيه وقيل أنها محمولة على إذا ما اشترط صاحب الأرض ناحية منها معينة..

وفى التجارة والصناعة:

نجد أن العلاقة في الأنظمة المنتكسة بين الرأسمالى والعمال شبيه بها بين مالك الأرض والرقيق في ظل الإقطاع لولا دوام ما يحصل عليه العمال من حقوق وضمانات لها تأثيرها على تلطيف هذه الحقيقة المرة وإن لم تصل بعد ولن تصل إلى الإنسانية المثلى من العدالة بين أطراف العلاقة الإنتاجية..

ومن هنا كانت ملكية وسائل الإنتاج في هذه النوع من المجتمعات بحق أداة تحكم في أرزاق الناس وحرياتهم حتى في أحسن صورها التى وصلت إليها اليوم إذ تظل يحوطها عدم الاطمئنان على ثبات الدخل أو دوام العمل وهى عوامل نفسية لا تبعد في جوهرها عن أسلوب التحكم المباشر في الأرزاق والحريات فهل كانت العلاقة في الإسلام في هذه القطاعات كذلك..

الإسلام يقيم العلاقة الإنتاجية في التجارة والصناعة على أساس المضاربة أو المراجعة, وهى مشاركة لا تختلف عن المزارعة غير أنها استمدت التسمية من قوله تعالى" وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله".

فالمضاربة بهذا المعنى تخضع لما تخضع له المزارعة من وجوب اشتراك أطراف العلاقة التعاقد في المغنم والمغرم بنسبة اشتراكهما في العملية ولا يجوز أن يكون نصيب أحد الطرفين معينا والآخر مغررا, ويسوى ابن القيم بين الزارعة والمضاربة في قوله" أنها المزارعة ليست من باب المؤاجرة في شئ وإنما هى من باب المشاركة وهى نظير المضاربة سواء.. من أباح المضاربة وحرم ذلك فقد فرق بين متماثلين".

من كل ذلك نرى أن علاقة الإنتاج المشروعة عبارة عن أنواع من العمل المشروع تتعاون دون غبن أو استغلال.. وتشترك في الغنم والغرم. ولن يمضى وقت طويل حتى يتوفر لمن يتقدم العمل دخل مجزئ.. والأمر الذى يقارب بين الثروات باستمرار وهو ما لم يظفر به الرقيق الأرض أبدا, وما لم يظفر به عامل في علاقته بصاحب العمل أبدا في أى نظام آخر على وجه الأرض.. بل إنه قد عاد بفريق منهم الزمن القهقرى إلى عصر العبيد في ظل الأنظمة الجماعية ووجد من يتحكم في أرزاقهم وحرياتهم مرة أخرى بدعوى أنه حررهم من سلطان المالكين وحسبهم تحررا أنهم انتقلوا إلى قبضة سلطان جديد..

ولذلك كان جيلاس زميل تيتو في الحركة الشيوعية والذى كان يلقب بالبروليتارى لبار, كان هذا الرجل على حق عندما أدرك في لحظة صدق مع النفس أنهم لم يفعلوا في النهاية شيئا سوى استبدال طبقة الرأسماليين التى تتحكم في الأرزاق والحريات بطبقة رجال الحزب التى تتحكم في الأرزاق والحريات أيضا فثار على هذه النهاية الشاذة وألف كتاب" الطبقة الجديدة" يعتذر فيه عن مشاركته في أكبر خدعة في التاريخ وكان ذلك سببا للزج بالبروليتارى البار في السجن عمرا طويلا فاق العشر سنوات لأنه لم يعد في نظرهم بارا بالحزب..

وفى كتاب تاريخ أوروبا الاقتصادى للدكتور جمال سعيد يؤرخ للثورة الزراعية في بريطانيا باليوم الذى سمح فيه الإقطاعيون بنظام إيجار الأرض لبعض الفرحين لأن ذلك على كل ما فيه من غبن قد تسبب في التعجيل بالنظام الإقطاعى فما بالنا بالإسلام الذى نفر فقهاؤه من هذا اللون من الإيجار ولم يروا سوى المشاركة تمشيا مع عدل الإسلام.. أما حركة الملكية الخارجية فموعدنا معها في الحلقة القادمة إن شاءا الله.


الحلقة الثالثة والعشرون: الحركة الخارجية

أى العلاقة بين المالك والمجتمع ولها في الإسلام ضابطان لا مقابل لهمت في الملكية والرأسمالية..

1- التزام حدود السير " الأوامر والنواهى".

2- أداء حقوق السير" الزكاة".

(أ‌) التزام حدود السير:

أى الالتزام بالأوامر والنواهى التشريعية التى تعمل على توزيع الثروة وعدم تركيزها والتى تجعل حق المالك على ملكه ليس مطلقا.

ولا يعنى ذلك احد من نمو الثروات المشروع إلى أكبر قدر ممكن بقدر ما يصيب أربابها من توفيق ما دامت لا تضييع حقا ولا تعطل حركة وأهم الوسائل التى تعين على ذلك ما يلى:

القيام المشروع:

لأن قيام الملكية قياما مشروعا على غرار ما رأينا في الحلقة السابقة له أثره في تنظيم حركة الملكية في المجتمع ,في حفظ التعادل بين الثروات لأن قيام المشروع يحول دون تضخم الثروات تضخما سرطانيا, بأساليب استغلالية غير مشروعة, ويحول أيضا دون تعطيل نمو الثروات نموا طبيعيا الربا مثلا يؤدى إلى إضعاف حجم الإستثمار وحجم التوظيف , ويخل بالتزان بين الهمل ورأس المال, بما يسبب من دخل ثابت مضمون للمقرضين , ومن تعريض العمل وحده للمخاطر, والفائدة المركبة كثيرا ما أدت على إفلاس لتجار وغير التجار,مما حدا ببعض القوانين إلى إلغائها والبعض الآخر إلى إجازتها بشروط. ما تقتضيه المصلحة العامة:

من نزع ملكية منزل أو قطعة أرض مع التعويض العادل, أو من إخراج لبعض أشياء عن دائرة التعامل, أو من تقرير حقوق الارتفاق, أو حتى الشفعة, أو هدم التعسف في استعمال الحق أو هدم أضرار بالغير أو عدم الحجر فوق ثلاث...

وهذه الضوابط التشريعية بعضها غير موجود بالمرة في النظام الرأسمالى وبعضها يتوارى في خضم الصراع الطبقى يلتزمه الضعيف دون القوى..

وقد ترك لنا الهدى النبوى, وهدى الخلفاء الراشدين آثارا في كل ذلك, فالرسول أمر مالك النخلة التى تقع في دار غيره أن يبيعها له أو يقطعها حتى لا يؤذيه بتردده على داره.. وألزم عمر بن الخطاب رضى الله عنه مالك أن يجعل سبيلا للماء إلى أرض جاره, وأوعده أن يجرى الماء على بطنه إن لم يجد سوى ذلك حلا كما عوض الذين دخلت بيوتهم في توسيع المسجد..

وهذه الحالات تعرض كثيرا في الحياة اليومية ولا تكاد تتجاوز أطراف العلاقة الاجتماعية , وهى من ثم تختلف عن حالات الضرورة الاجتماعية التى تصيب المجتمع بأسره من مجاعة أو حرب... ولهذه الحالات مواجهة خاصة ستقابلنا فيما بعد.

نظام الميراث:

لا يستمر نمو الثروة من الناحية العملية إلى أبعد من حياة الفرد لأن الثروة النامية لا تلبث أن تتوزع من جديد بعد وفاة المالك.

وتقوم قواعد الميراث بتوزيع الثروة توزيعا عادلا بين أقرباء المتوفى مما يحول دون تركزها في أيد قليلة. ومن المقررات الشرعية ألا يدخل شئ في ملك الإنسان جبرا عنه غير الميراث. ودائما يكون أبناء المتوفى هم أكثر الورثة حظا من الميراث ويشاركهم بعد ذلك أقرباء المتوفى من أم أو أب وزوجة وأخوة, وفى الجملة, لا يكون ما يستحقه الأبناء أقل من النصف في أكثر الأحوال..

فبفضل هذا النظام لا تلبث الملكيات الكبيرة التى تتفق تجمعها أن تتوزع نم جيل لجيل فتشمل عددا كبيرا من الأنفس وتستحيل إلى ملكياتهن أصغر , وبذلك تتقارب مستويات الناس من آن لآن.

ولحرص الإسلام على هذا الهدف نراه يحظر كل تصرف يؤدى إلى الإخلال بقواعد الميراث وفى هذا يقول الله تعالى:" تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم.. ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين".

ومن ثم فقد ذهب كثير من الفقهاء إلى تحريم الوقف الأهلى لما في ذلك من الإخلال بقواعد الميراث, ومن هؤلاء ابن عباس والقاضى شريح والحنفية وقد اعتمد القانون المصرى رقم 180 لسنة 1952 على هذه المذاهب في إلغاء جميع أنواع الوقف الأهلى وحظره. وقرر أن كل وقف من هذا القبيل يعد باطلا في المستقبل.

كما حظر الإسلام على المالك أن يوصى لأحد ورثته بأكثر من حقه الشرعى بعد وفاته إلا في حدود الثلث بعد إجازة بقية الورثة لقوله صلى الله عليه وسلم" لا وصية لوارث" كما حظر عليه ألا يوضى لغير ورثته إلا في حدود الثلث..

كل ذلك فضلا عما ينطوى عليه من حكم اجتماعية, فإن فيه تقريبا للمستويات وتوزيعا للسلطات المالية بين أفراد المجتمع وتحفيزا للعزائم على مواصلة السعى والتنمية , والقضاء على الطبقية في المجتمع حتى لا يكون بين الناس إلا الدرجات المفتوحة فكما أن حركة الملكية من الدال المتمثلة في العلاقة الإنتاجية تدفع الثروات إلى التقارب من أسفل من خلال المشاركة في النماء فكذلك يعمل الميراث على تحقيق ذات التقارب بالضغط على الثروات التى بلغت غاية النمو من أعلى إلى أسفل جريا على سنة التكاثر في عالم الأحياء فكما أنجب المورث أبناء أو خلف ورثه كذلك أنجبت تركته ثروات بعد البناء أو الورثة.

ثورة اقتصادية:

إذا أدركنا ما تعانيه المجتمعات في قواعد الميراث علمنا مقدار التقدم فيما حظر الإسلام ففى بعض المجتمعات يوصى المورث لمن يشاء بما يشاء حتى ولو أوصى بجميع ثروته لعدد من القطط والكلاب, أو يكون له أن يضع شروطا لتقسيم التركة تقيد التصرف فيها لعدة أجيال, أو تحرم المرأة من الميراث أو يقصر الميراث على أكبر أبناء المتوفى حتى يظل حجم الإقطاعيات ثابتا لا يطرأ عليها أى تفتيت.. وقد تجمعت من ذلك حفيظة الناس ونشبت بينهم العداوة والبغضاء على مستوى الأسرة وعلى مستوى المجتمع وظهرت محاولات التخلص من الوارث المحظوظ ليخلو الطريق للمحرومين من بعده..

وفضلا عن كل هذه المساوىء الأخلاقية فإن أكبر المساوئ الاجتماعية تكمن في خدمة هذا النظام للوضع الطبقي وتعميقه حتى ضجت أقلام الكتاب والمفكرين في أوربا بالشكوى من نظام الميراث الجائر.. فهذا أدم سميث يقول" لا يمكن أن تتصور قانونا يهدد حقوق أفراد الأسر

الكبية مثل قانون الذى يفرض الحرمان والفقر على كل الأفراد ليوفر الثروة لوارث واحد" ويحض على إلغاء قوانين الحبوس وقوانين عدم التقسيم وجميع القيود التى تحرم حرية تداول الثروة وهبتها وبيعها والتنازل عنها بالوصية"

وفى فرنسا كان من أهم أهداف سان سيمون الاشتراكي وأتباعه في أوائل القرن 19 هو القضاء على نظام الميراث الذى يشكل عقبة كئود أمام أحلامهم في إصلاح المجتمع..

ما تقتضيه الضرورة الاجتماعية:

من تدخل الحاكم لتحقيق التوازن بين الثروات أو بما يفرض على الملكيات من التزامات لا تتعارض مع روح الشريعة وأصولها وليست من قبيل الضرائب , كما سنوضح فيما بعد لأن الضرائب نظام مالى ثابت له طبيعته الخاصة..

ذلك أنه في الظروف العادية تكون الشريعة قادرة على تحقيق التوازن بين الثروات وتوفير أفضل شروط النمو فيها من غير حاجة إلى تدخل الحاكم اللهم إلا ما تقتضيه طبيعة مهنته من حراسة ورعاية وتوجيه. لكن عندما تمر بالمجتمع ظروف غير طبيعية أى ظروف مرضية شأن كل كائن حى يصح ويمرض من حرب أو مجاعة أو كارثة طبيعية من فيضان أو آفة تزدا في هذه الحالة دواعى تدخل الحاكم لمواجهة الموقف, وتصحيح الأوضاع في نطاق الأصول الشرعية لهذا التدخل.

وقد جاءت السنة الشريفة بسابقة عملية, لم يكن سببها الحرب أو المجاعة وإنما كان سببها التفاوت بين الدخول الناشئ عن طبيعة المجتمع الوليد في المدينة على أنقاض مجتمع جاهلى لم تنته ضغوطه بعد.. ولكى تتضح الصورة يلزم الإشارة إلى الفترة السابقة على فعل الرسول لنرى فيها حكمة هذا الإجراء ولنظر في احتمال وجوده مرة أخرى من عدمه

(أ‌) ففى مكة المكرمة التى تعرض فيها المسلمون لكثير من العنت في أنفسهم وأموالهم نزلت أول آية تعالج الوضع المالى بين المؤمنين بهذا الدين الجديد, وقد حثت على الإنفاق بصفة عامة بدون تفصيل حسبما تستوجبه الأخوة في الله في قوله تعالى في سورة المزمل:" وأقيموا الصلاة وأتو الزكاة وأقرضوا الله قرضا حسنا, وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا واستغفروا الله إن الله غفور رحيم".

(ب‌) لم يتجاوز التنظيم المالى هذا النطاق الأخوى الإيمانى في العهد الملكى حتى إذا كانت الهجرة وأخرج المؤمنون من ديارهم وأموالهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ونزلوا على إخوانهم الأنصار بالمدينة قامت بغير جديد أعظم صور التآخى إفاضة بالحب والإيثار استوجبت ثناء الله عليهم وفضلا عن هذا الإخاء الذى قام بين كل اثنين من المهاجرين والأنصار فقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم درجة أكبر من التآخي بين القبائل والبطون من المؤمنين باعتبارهم أمة واحدة من دون الناس تتكافأ دماؤهم وأموالهم يفدون عانيهم بالمعروف ولا يتركون بينهم مفرجا إلا أعانوه ويتعاقلون معاقلهم الأولى. كما نظم التعامل بين هذه القبائل وبين اليهود الموجودين بالمدينة ... وقد حوى كتاب " الموادعة" نصوص هذه المعاهدة الفريدية التى لا غنى لداعية عن إدراك مراميها العظيمة.

(ت‌) ثم كانت السنة الثانية من الهجرة وفيها نزلت تشريعات الزكاة فكانت الدستور المالى الدائم, الذى يلبى حاجة الأمة مهما اتسعت رقعتها في الزمان والمكان, وكانت تتويجا لكل ما سبقها.

(ث‌) ومع كل ما سبق .. وبعد نزول تشريع الزكاة ألا أن أوضاع المسلمين المالية لم تكن قد أخذت شكلها المستمر والطبيعى بعد, خاصة أوضاع المهاجرين على ما وسعهم إخوانهم الأنصار في ديارهم وأموالهم.

فكان أحدهم يقول لأخيه : ابق عليك مالك, ليبارك لك الله فيه ودلنى على السوق.. وقد استمرت هذه الحال حتى فتح خيبر سنة 6هـ ففى هذا التاريخ فقط" كان المسلمون قد استوفوا العاملين, فكل مزارع له أرض, وكل عامل له عمل".

(جـ) وهنا يمكننا فهم ما قام به الرسول صلى الله عليه السلام من توزيع الفئ من غزوة بنى النضير سنة 4هـ على المهاجرين فقط واثنين من فقراء الأنصار, ليحقق بذلك تقاربا في الثروات وتوازنا في الملكيات بين هذين الفريقين اللذين يتألف منهما أول مجتمع اسلامى.. ففهم هذا الإجراء يكمن في استمرار لظروف غير الطبيعية التى سببت التفاوت المالى برغم نزول تشريعات الزكاة سنة 2هـو وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصار:" إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم وشاركتموهم هذه الغنيمة, وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولم يقسم لكم شئ من الغنيمة" فقالت الأنصار بلغة الحب والإيمان:" بل نقسم من أموالنا وديارنا ونؤثرهم بالغنيمة ولا نشاركهم فيها" فدعا لهم رسول الله بخير وفى هذا نزل قوله تعالى في سورة الحشر:" ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كى لا يكون دولة بين الأغنياء منكم, وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب, للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله, أولئك هم الصادقون والذين تبوأ الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون"

وفيما عدا هذه الحالة لم نجد أن الرسول عليه الصلاة والسلام قد لجأ إلى مثل هذا الإجراء مرة أخرى حيث أثبتت تشريعات الزكاة فاعليتها بتوفير الطاقة لحركة الجسم السليم, اللهم إلا عندما تعرض هذا الجسم الفتى لامتحان جديد في حروب الفتوحات.. ووجد عمر بن الخطاب رضى الله عنه الهدى في آيات سورة الحشر مرة أخرى لمواجهة الواقع المالى الجديد مما أوجد نظام الخراج على ما سنبينه في موضعه إن شاء الله.

وقد انتقل الرسول إلى الرفيق الأعلى وبين أيدينا شريعة السماء العادلة التى لا يتولد عنها أى خلل في حركة الثروات المشروعة لو التزمنا حدود الله في حركتها ولو خلت الحياة من مواقف الفتن بالحروب والأقدار كالفيضانات والبراكين والآفات التى تخل بالتوازن في بيئة من البيئات.. وعبء جديد أسهمنا في وجوده هو ما خلفه الاستعمار على أرضنا من فقر وحرمان ومن تعطيل يكاد يكون كاملا للشريعة..

ولم تخل حياة المسلمين بعد حياة الرسول من أمثال هذه الأقدار كالمجاعة في عهد عمر بن الخطاب رضى الله عنه وحروب الفتوحات.. وقد كانوا يواجهون الأمر بروح الشريعة وأصولها.. وقد هيأت التربية الإيمانية النفوس لتقبل التبعات في مواجهة هذه الأقدار بما بثته فيها من أن المال مال الله وأنه تعالى هو المالك على الحقيقة , وكان هذا المعنى الإيماني ولا يلغيه كما قد يتوهم البعض.. ومن هنا ينفرد الإسلام بأنه النظام الشامل يحيط بالمعنى القانونى المحدود لمفهوم الملكية ولكنه لا يقلل من قيمته الوحيد الذى يثق في الفرد ولا يطارده بل يحرك فيه دوافعه الذاتية... وقد أتى المسلمون في كل ذلك بالعجب, وهى درجة من رقى الإنسان لا تحلم البشرية بها بعيدا عن هداية السماء أما إثارة الأحقاد والضغائن فلا تخلف إلا الآثار السيئة حتى في نفوس المنتفعين من ورائها.. والنفس البشرية تأتى بالمعجزات له حركها الإيمان والحب يجهل ذلك من يجهل النفس البشرية ولا يثق بها.. ولا غرابة في الأمر ففى عصرنا الحاضر نأخذ هذا الدرس من أحد الهنود . " أنه فبنويا زميل غاندى الذى مر على القرى بالهند واعتمد على قوة الإقناع من دفع الأغنياء إلى التنازل عن جزء من أراضيهم حتى نجح في توفير 12 مليونا من الأفدنة بهذا الأسلوب وكان يسمى دعوته بهودان أى التنازل مختارا عما يزيد عن الحاجة"

فإذا علمنا أن قانون الإصلاح الزراعى في مصر الذى أوقع البلاد في صراعات وملأها بالمعتقلات طبق على نصف مليون فدان أدركنا مقدار جهل الإنسان بمفاتيح الحلول..

ومع هذا فإنى أرى فعله الرسول عمقا آخر حيث لم ينم سوى العوامل الأخوية في الفترة السابقة على غزوة بنى النضير ولم يتعرض فيها لمال أحد وإنما اعتمد على مال القئ الذى لم يرجع عليه أحد بخيل ولا ركاب فخصصه للمهاجرين واثنين من الفقراء من الأنصار.. ولو كان قد قسم أموال ألأنصار بينهم وبين المهاجرين لما وجد منهم إلا الترحيب ولكنه لم يفعل ولم يتوانوا بجورهم عن كل بذل.. والكسب من وراء ذلك كله إنسانى ونفسانى في الدرجة الأولى وإن تأخر الكسب المادى حتى عزوة بنى النضير. هذا كله فيما يتعلق بمصادر التملك أما فيما يتعلق بالأعباء أو التكاليف التى تتحملها الملكيات علاوة على الزكاة المقررة شرعا لمواجهة هذه الضرورات الاجتماعية ريثما تندفع فلها هى الأخرى وجودها وموازينها التى تبعدها عن صورة الضرائب الدائمة وسيأتى الكلام عنها في موضوع الزكاة.


(ب)أداء حقوق الغير "الزكاة"

وأخص ما تتمثل هذه الحقوق في فريضة الزكاة التى تعرف شرعا بأنها " مقدار محدود من مال مخصوص يصرف لطوائف معينة من الناس".

وهى تقوم بدور كبير متعدد الآثار في ميدان النفس والمجتمع والثروة.

أما في ميدان الثروة – وهى أول ما يهمنا في تشريعات المال – فإنها تبث فيها الحركة وتحد من تضخمها وتؤدى إلى عدالة التوزيع مما يسبب دوام التنمية ويبعد شبح الأزمات .

وقد أفصح التعريف اللغوي لها عن هذه الحقيقة: فالزكاة في اللغة هى النماء والبركة وزيادة الخير وهى أيضا التطهير.. وهذا التعريف صورة وصفية للواقع وترجمة لما يؤول إليه حال المجتمع حين يلتزم تشريعها الحكيم...

فالزكاة في عبارة موجزة طهر للنفس والمال مصداق قوله تعالى" خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها".

والزكاة صدقة والصدقة زكاة يفترق السم ويتفق المسمى.. وهو مشتق من تبادل الصدق: فالذى يدفع الزكاة مصدق والذى يحصلها مصدق.

مقدارها: والزكاة تفرض على أربعة أنواع من الثروة:

1-الزروع والثمار

2- الأنعام

3- الذهب والفضة ( النقدين)

4-عروض التجارة

ونصاب الزكاة : في البل 5, وفى البقر 30, وفى الغنم 40, وفى الزرع 5 أوسق أى 300 صاغ أى ما يوازى سدس ربع أردب وفى النقدين والتجارة ما يوازى 530 جـ مقدار بالعملة المصرية.. والحصة المفروضة على النصاب تبدأ من 2,5% على الموال وتصعد إلى 5% على الإنتاج الزراعى الذى يتطلب جهدا في ريه ثم 10% على الإنتاج الزراعى الذى يرون بدون جهد ثم 20% على الركاز الذى ينال من غير جهد فالحصة تتناسب عكسيا مع الجهد المبذول في الإنتاج وكلما زاد الجهد قلت الحصة المفروضة وكلما قل الجهد زادت الحصة المفروضة.

أما الحصة المفروضة على الثروة الحيوانية فهى ذات تصاعد معكوس ويلاحظ أن زكاة الزرع أكبر من مقدارها في الأموال المنقولة لأنها في الأخيرة تؤخذ من رأس المال والنماء أما في الزرع فإنها لا تؤخذ إلا من النماء .. ولا ثنى في الزكاة لقول الرسول عليه الصلاة والسلام " لا ثنى في الصدقة". ولأدائها يلزم توفر شروط:

1- الملك التام.

2- القابلية للنماء.

3- النصاب المعين.

4- مضى الحول.

5- الفضل عن الحاجة الأصلية.

ويكون المال قابلا للنماء بنفسه أو بالعمل فيه وليس الشرط أن ينمو فعلا وحيث أن علة الزكاة هى النماء فتقديرها في " الخارج" يتحقق النماء بالحصاد وفى الأموال بحولان الحول واشتراط الحول سببه أن النمو بتحقيق فيه غالبا فأقيم السبب الظاهر – وهو الحول – مقام المسبب وهو النمو.

والزكاة حق المال تلزم صاحبه حال الحياة ولا تسقط بموته حيث تؤدى من تركه المتوفى كدين الآدمي, ودين الله أحق بالأداء , وعند الجمهور تجب من مال الصبى والمجنون.

والأموال التى تفرض عليها الزكاة تنقسم إلى أموال ظاهرة وأموال باطنه فالظاهر هى ما لا يمكن إخفاؤه كالزر وع والثمار والأنعام.

والباطنة ما أمكن إخفاؤه كالنقدين وعروض التجارة.


الحلقة الرابعة والعشرون: مصارف الزكاة

لا يستطيع إنسان أن يحيط بأسرار هذه الفريضة الربانية في تزكية النفس والمجتمع وتطهيرها فضلا عن تزكيتها للمال وتطهيره.

وكلما اكتشفنا بعده إنسانيا لاح لنا بعد إنسانى آخر سواء في داخل النسب المفروضة على الأموال أو في أنواع الأموال المزكاه أو في أسلوب التحصيل أو التوزيع, أو فيما لا يندرج تحت عنوان بعينه, ففى كل ذلك يقابلنا لون جديد متميز من الحياة فريد في علاقاته بين الناس, بعضهم ببعض وبينهم وبين الحاكم, بل حتى بينهم وبين أشياء الأرض من حولهم وكثيرا ما ارتفع همس نفوسنا إلى تساؤلات مدهشة أكان ذلك كذلك؟! أم هذه النصوص الحكيمة وهذا الفقه العظيم كانا مجرد مثال لما يرق إليه الواقع بعد؟؟ ويزداد بنا العجب عندما تتحقق من أن ذلك كان واقعا على هذه الأرض تشهد له هذه المجلدات الضخمة من الأحكام الفقهية التى تعالج دقائق الحياة العملية في تاريخنا الاقتصادى.

وأسفنا على حياة ضاعت أفهمنا فيها الزكاة على أنها مجرد إحسان من ذوى المروءات والفضل يمكن أن تستر عورة الضرائب بعملها في محيط التأمينات الاجتماعية, ولم تفهمها على أنها نظام مالى أصيل متميز قائم بذاته بديل عن كل أنظمة الأرض المالية يحقق في الثروة والنفس والمجتمع أغلى ما يحلم به مصلح, بل لم يصل حلم إنسان في الحقيقة التى مثل هذا النظام أبدا على كثرة ما قدمت قرائح الفلاسفة والحكماء من نماذج المدن الفاضلة..

وحسبنا اليوم أن نطلق الفجر من عقال السواد, وأن نرسل شمس الزكاة حرة في سماها لتبعث في نفوسنا دفء اليقين بعظمة هذا الدين وخلوده ولتبدد عن أفكارنا ضباب التشويه والضعف الذى أصاب كل شئ في حياتنا حتى مدلولات الألفاظ ذاتها قبل أن تهب الحركات الاسلامية بهذا التصحيح ولندخل إلى الموضوع من مصارف الزكاة ثم نثنى بالتوزيع ثم هل في المال حق سوى الزكاة, ثم فيم تختلف الزكاة عن الضريبة وأخيرا معالم البيئة الجديدة...

مصارف الزكاة:

قال تعالى:" إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفى الرقاب والغارمين وفى سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم". وروى أبو داود عن زياد بن الحارث الصدائى قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعته. وذكر حديثا طويلا, فأتاه رجل فقال: أعطنى من الصدقة , فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إن الله لم يرض بحكم نبى ولا غيره في الصدقة حتى حكم هو فيها فجزأها ثمانية أجزاء فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك".

(1،2) الفقراء والمساكين

صنفان من الناس يجمعهما معنى الحاجة إلى الكفاية على خلاف بين الفقهاء في مدلول الفقير والمسكين.. ومن الطبيعى إذا طبقت الزكاة لأول مرة في أحد المجتمعات أن تهدف في الدرجة الأولى إلى ابرز آفاته وأشد علله, وليس سوى الفقر والمسكنة أغلب آفة واصل علة في جميع المجتمعات الجاهلية المنتكسة ولكن بعد جولة وجولة من مصارف الزكاة تأخذ آفاتها في الاختفاء وعللها في البرء وينفسح الطريق أمام الزكاة لتنشيط الأغراض الاجتماعية الأخرى, فتأتى عليها واحدا بعد الآخر تمشيا مع مقاصد الشرع الحنيف في تحقيق الضروريات فالحاجيات فالتحسينات في المجتمع.

وما كان ليغيب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوصى عماله على الزكاة بأن يأخذوا من الأغنياء ويردوا إلى الفقراء أنهم سيقومون أيضا ببقية المصاريف الأخرى ولمنها الأولية في الإهتمام, والإعجاز في غصابة الهدف, وقد قال لمعاذ بن جبل حين وجهه إلى اليمن:" أعلمهم أن الله افترض عليهم في أموالهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم, واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها بين الله حجاب".

ولم يزل معاذ بن جبل بالجند حتى مات النبى صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ثم قدم على عمر فرده على ما كان عليه ولما بعث إليه معاذ بثلث زكاة الناس أنكر ذلك عمر وقال : لم أبعثك جابيا ولا آخذ جزية ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس فترد على فقرائهم, فقال معاذ: ما بعثت إليك بشئ وأنا أجد أحدا يأخذه منى فلما كان العام الثانى, بعث إليه بشطر الزكاة فتراجعا بمثل ذلك, فلما كان العام الثالث, بعث إليه بها كلها فراجعه عمر بمثل ما راجعه قبل ذلك, فقال ما وجدت أحدا يأخذ منى شيئا.

ومن وحى هذا النور تطالعنا نفس الصورة في شكلها الجديد بعد الفتوحات وفى عصر خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز الذى كان يستند حكمه من الصين إلى الأندلس حين كتب إلى واليه على العراق عبد الحميد بم عبد الرحمن" أن أخرج للناس أعطياتهم, فكتب إليه عبد الحميد: أنى قد أخرجت للناس أعطياتهم ,قد بقى في بيت مال المسلمين مال, فكتب إليه: أنظر كل من أدان في غير سفه ولا سرف فاقض عنه, فكتب إليه , أنى قضيت عنهم وبقى في بيت مال المسلمين مال, فكتب إليه أن أنظر كل بكر ليس له مال فشاء أن تزوجه فتزوجه وأصدق عنه, فكتب إليه: أنى قد زوجت كل من وجدت وقد بقى في بيت مال المسلمين مال فكتب إليه بعد مخرج هذا أن أنظر كل من كانت عليه جزية ( من غير المسلمين) فضعف عن أرضه فأسلفه ما يقوى به على عمل أرضه فإنا لا نريد لعام ولا لعامين". ونفس المراجعة حدثت مع عامله على أفريقيا يحيى بن سعد الذى يقول :" بعثنى عمر بن عبد العزيز على صدقات أفريقيا فاقتضيتها وطلبت فقراء نعطيها لهم فلم نجد فقيرا ولم نجد من يأخذها منا".

نعود بعد هذا التذكر إلى مدلولى لفظى: الفقراء والمساكين فالفقير عند الحنفية هو من يملك شيئا دون النصاب الشرعى في الزكاة, أو يملك ما قيمته نصاب أو أكثر من الأثاث والأمتعة والثياب والكتب ونحوها مما هو محتاج إليه لاستعماله والإنتفاع به في حاجته الأصلية. وعند الأئمة الثلاثة لا يدور الفقر والمسكنة على عدم ملك النصاب بل على عدم ملك الكفاية والمراد بالكفاية كفاية السنة عند المالكية والحنابلة.. أما عند الشافعية فالمراد كفاية العمر الغالب لأمثاله في بلده فإن كان العمر المعتاد لمثله سنتين وهو ابن ثلاثين وكان عنده مال يكفيه لعشرين سنة كان من المستحقين للزكاة لحاجته إلى كفاية عشر سنين.

وقد اتفق الفقهاء على معنى الغنى المانع من قبولها على أقوال.. فمنهم من اعتبره لمن يملك خمسين درهما.

ومنهم من يراه في ملك نصاب زكوى من أى مال كان أو من يملك من الأموال التى تجب فيها الزكاة ما يفضل عن حاجته ويبلغ قيمة الفاضل مائتى درهم.

ومنهم من قال :" لا بأس أن يعطى من الزكاة من له مسكن وما يتأسس به في منزله وخادم وفرض وسلاح وثياب البدن وكتب العلم أن كان من أهله فإن كان له فضل عن ذلك ما يبلغ قيمته مائتى درهم حرم عليه أخذ الصدقة. لما روى عن الحسن البصرى أنه قال :" كانوا يعطون الزكاة لمن يملك عشرة الآلاف درهم من الفرس والسلاح والخدم والدار".

وقوله كانوا:" كناية عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن هذه الأشياء من الحوائج اللازمة التى لابد للإنسان منها, فكان وجودها وعدمها سواء.. وقال الشافعى: قد يكون الرجل بالدرهم غنيا مع كسب ولا يعنيه الألف مع ضعفه وكثرة عياله".

ويندرج المتفرع للعلم تحت هذين السهمين إذا تعذر عليه الجمع بين الكسب وطلب العلم لأنه يقوم بفرض كفاية ولأن فائدة علمه ليست مقصورة عليه بل هى لمجموع الأمة فمن حقه أن يعان من مال الزكاة لأنها لأحد رجلين إما لمن يحتاج من المسلمين أو لمن يحتاج إليه المسلمون وطالب العلم قد جمع بين الأمرين. ولا يقر فقهاء الإسلام إعطاءها للمتفرغ للعبادة لأن مصلحة عبادته قاصرة عليه ولأنه مأمور بالعمل والسعى في الأرض ولا رهبانية فى الإسلام.

أما عن المسكين فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم:" ليس المسكين الذى ترده لا تمرة والتمرتان ولا اللقمة واللقمتان, ولكن المسكين الذى لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن له فيصدق عليه ولا يقوم فيسأل الناس".

كم يعطى الفقير والمسكين من الزكاة:

اختلف المذاهب إلى اتجاهين:

الأول : يقول بإعطائهما ما يكفيهما دون تحديد بمقدار من المال وفيه مذهبان :

1- مذهب يقول بإعطاء كفاية العمر.

2- ومذهب يقول بإعطاء كفاية السنة.

الثانى : يقول بإعطائهما مقدار محددا من المال يقل عند البعض ويكثر عند الآخرين..

فمن قالوا بكفاية العمر يقولون : من يبيع البقل يعطى خمسة دراهم أو عشرة . أة عشرة,و من حرفته بيع الجوهر يعطى عشرة آلاف درهم إذا لم يتأت له الكفاية بأقل منها, ومن كان ذا حرفة أعطى ما يشترى به آلات حرفته قلت قيمة ذلك أو كثرت, ومن كان من أهل الضياع ( المزراع) يعطى ما يشترى به ضيعه أو حصة في ضيعة تكفيه غلتها على الدوام.

فإن لم يكن محترفا ولم يحسن صنعة, ولا تجارة ولا شيئا من أنواع الكسب أعطى كفاية العمر الغالب لأمثله في بلاده.

وكان عمر رضى اله عنه يقول:" إذا أعطيتم فأغنوا, وكان يوصى السعاة بقوله" كرروا عليهم الصدقة وإن راح على أحدهم مائة من الإبل" وقال معلنا سياسته:" لأكررن عليهم الصدقة وإن راح على أحدهم مائة من الإبل"

أما مذهب من يرى الإقتصار على كفاية السنة فيرونها في العادة أوسط ما يطلبه الفرد من ضمان العيش له ولأهله. وفى هدى الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك أسوة حسنة فقد صح أنه أدخر لأهله قوت سنة ولأن أموال الزكاة في غالبها حولية, فلا داعى لإعطاء كفاية العمر, وفى كل عام تأتى حصيلة جديدة من موارد الزكاة ينفق منها على المستحقين.

وأخص ما يخرج به الإنسان من شعور أمام هذه المعاملة الفريدة هو وجود روح الإخاء في المجتمع وليس مجرد عدالة الأرقام بين القلوب المتنافرة وفى هذين المصرفين كلام فقهى كثير يرن صدى نغمته الأسرية والإيمانية في نفسك على الدوام..

حتى عندما تنتهى جميع أسباب الحاجة المادية فإن الحاجة النفسية إلى الحب المتبادل والإيثار المعطاة لا تتوقف وتحل التطوعات محل القروض المالية والإحسانات محل الواجبات استجابة للنداء الخالد من رسول الهدى والرحمة" من كان معه فضل فليعد به على من لا ظهر له, ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له" قال ك فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل.

(3)- والعاملين عليها صنفان:

1- القائمون على أخذها ويسمون بالسعاة أو المصدقين.

2- القائمون على تقسيمها وتفريقها من أمين ومباشر وتابع ومتبوع

حيث كان يبعث الإمام ا, نائبه عمال الزكاة للزورع والثمار وقت وجوبها وهو إدراك الجذاذ والحصاد لأنها لا تتعلق بالحول. أما الأنعام وغيرها من الأموال التى يعتبر فيها الحول فكان يعين شهر يأتونهم فيه كانوا يستجمعون أن يكون ذلك هو شهر المحرم صيفا كان أم شتاء لأنه أول السنة الشرعية وكان من شروط العامل:

1- أن يكون مسلما.

2- أن يكون مكلفا.

3- أن يكون عالما بأحكام الزكاة.

4- أن يكون أمينا.

5- أن يكون كفأ للعمل.

وقد أتت السنة العملية بالتنظيم الدقيق لهذا العمل.

ففى الصحيحين عن أبى هريرة أن الرسول عليه السلام بعث عمر على الصدقة كما استعمل الرسول رجلا من الأزد يقال له ابن اللتيية

كما بعث أبا سعود ساعيا , وبعث أبا جهم متصدقا, وبعث عقبة بن عامر ساعيا.

وفى الطبقات لابن سعد: أن النيى صلى الله عليه وسلم بعث المصدقين إلى العرب في هلال المحرم سنة تسع وذكر ابن سعد أسماء المصدقين وأسماء القبائل التى بعثوا إليها.

وذكر ابن إسحاق جماعة آخرين بعثهم النبى إلى قبائل وأقاليم أخرى من جزيرة العرب.

وقال ابن حزم في كتابه " جوامع السير" كان كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصداقات الزبير بن العوام, فإن غاب أو اعتذر كتب جهم ابن الصلب وحذيفة بن اليمان.

فبماذا كان هؤلاء السعاة أو المصدقون؟؟

لم يكونوا يذهبون كمأموري الضرائب معزرين بالشرطة والمباحث السرية وبجيش من المحاسبين وبكل عوامل ضياع الثقة من أطنان الدفاتر ولم يكونوا يعودون الغنائم والأموال ولا حتى لخزان الدولة فأى نوع من الرجال كانوا إذن؟. وفى أى نوع من أنواع المدن الفاضلة كانوا يعملون.. لقد كانوا يذهبون ويعودون بصفاتهم كسعاة ومصدقين لا جباة جبارين وأنعم بها من صفة تكون عصب الحركة المالية في خير أمة أخرجت للناس؟

فيقول ابن سعيد: كنا نخرج لنأخذ الصدقة فما نرجع إلا بسياطنا .

وعن سعيد بن المسيب, أن عمر بعث معاذا ساعيا على بنى كلاب, أو على بنى سعد بن دبيان فقسم فيهم حتى لم يدع شيئا حتى جاء بحلسه الذى خرج به على رقبته, فقالت امرأته, أين ما جئت به مما يأتى به العمال من عراضه أهليهم ( أى من الهدايا), فقال: كان معى ضاغط ( أى رقيب) فقالت: قد كنت أمينا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعند أبى بكر أفبعث عمر معط ضاغطا؟ فقامت بذلك في نسائها, فاشتكت عمر, فبلغ ذلك عمر, فدعا معاذا فقال: أنا بعثت معك ضاغطا؟ فقال له لم أجد شيئا اعتذر به إليها إلا ذلك فضحك عمر وأعطاه شيئا وقال أرضها به..

الإدارة المحلية واللامركزية

لقد كان سهم العاملين عليها إذن هو المفتاح الأول في توفير مبدأ الإدارة المحلية التى يحلم بها علماء التنظيم الادارى كما كان مبدأ توزيع الزكاة في محل جبايتها هو المفتاح الثانى, وكان وراء إعطاء العاملين عليها يهمهم مباشرة من مال لزكاة حكمة بالغة في تدعيم اللامركزية ومنع البيروقراطية, لأن المحلية في الزكاة وهى عصب الحياة تدافع إلى محلية كل شئ بعدها. ويقول المارودى"جعل الله أجورهم في مال الزكاة لئلا يؤخذ أرباب الأموال سواها فيدفع إليهم من سهمهم قدر أجور أمثالهم, فإن كان سهمهم منها أكثر رد الفضل على باقى السهام وإن كان اقل تممت أجورهم من مال الزكاة في أحد الوجهين ومن المصالح في الوجه الآخر".

ويعطى العامل لو كان غنيا لأنه إنما يأخذ أجرا عن عمل أداه لا معونة لحاجة أصابته لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:" لا تحل الصدقة لغنى غلا لخمسة: لغاز في سبيل الله أو لعامل عليها أو لغارم أو لرجل اشترها بماله أو لرجل كان له جار مسكين فتصدق إلى المسكين فأهداها المسكين للغنى"

بين النصيحة والحساب:

وفوق اختيار العاملين من خلال أدق الشروط, فقد كانوا يزودون بنصائح الرسول عليه الصلاة والسلام, فعن عدى بن عميرة قال ك سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخيطا( إبرة خيط) فما فوقه كان غلولا يأتى به يوم القيامة فقام إليه رجل أسود من الأنصار كأنى أنظر إليه, فقال;: يا رسول الله أقبل عنى عملك قال: ومالك ؟ قال سمعتك تقول كذا وكذا, قال;: وأنا أقوله الآن من استعملناه منكم على عمل فليجئ بقليله وكثيرة فما أوتى منه أخذ وما نهى عنه انتهى" عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه على الصدقة فقال:" يا أبا الوليد: اتق الله لا تأت يوم القيامة ببعير تحمله له رغاء أو بقرة لها خوار, أو شاة لها ثغاء قال يا رسول الله: إن ذلك لكذلك؟ قال أى والذى نفسى بيده قال,والذى بعثك بالحق لا أعمل لك على شئ أبدأ".

وكان لا يكتفي الرسول بنصحهم حتى يحاسبهم كذلك, وسبق أن ذكرنا قصة ابن اللتبية الذى قال;: هذا لكم وهذه هدية أهديت إلى , ولما سمع خطبة الرسول وما فيها من إنكار لهذا التصرف رد ما كان قد أخذه..

وعن النعمان بن الزبير قال: استعمل محمد بن يوسف طاووسا على مخلاف فكان يأخذ الصدقة من الأغنياء فيضعها في الفقراء فلما فرغ قال له: ارفع حسابك قال: ما لى حساب كنت آخذ من الغنى فأعطيه المسكين.

وبعد: فهل تحلم أمة أن يكون هذا هو حدود اختصاص القائمين على النظام المالى فيها, وأن يكون هذا طبيعة عملهم وأن تكون هذه هى أخلاقهم؟ بل وأسماؤهم؟

(4)-المؤلفة قلوبهم:

هم الذين يراد تأليف قلوبهم بالاستمالة إلى الإسلام أو التثبيت عليه أو بكف شرهم عن المسلمين أو رجاء نفعهم في الدفاع أو في النصر على عدو وهو أمر لا يوكل إلى الأفراد في العادة..

وقد قال القرطبى( المشركون ثلاثة أصناف : صنف يرجع عن كفره بإقامة البرهان وصنف بالقهر والسنان وصنف بالعطاء والإحسان والإمام الناظر للمسلمين يستعمل مع كل صنف ما يراه سببا لنجاته وتخليصه من الكفر).

روى أنه لما" قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء المؤلفة قلوبهم أبا بكر وسألوه أن يكتب لهم خطا بسهامهم فأعطاهم ما سألوه ثم جاءوا إلى عمر وأخبروه بذلك فأخذ الخط من أيديهم ومزقه وقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعطيكم ليؤلفكم على الإسلام فأما اليوم فقد أعز الله دينه فإن ثبتم على الإسلام وإلا فليس بيننا وبينكم إلا السيف فانصرفوا إلى أبى بكر فأخبروا بما صنع عمر رضى الله عنهما وقالوا: أنت الخليفة أم عمر: هو إن شاء ولم ينكر أبو بكر قوله وفعله... وبلغ ذلك عامة الصحابة فلم ينكروا..

وما فعله عمر بن الخطاب رضى الله عنه ليس نسخا للقرآن ولا تعطيلا للنص لأن النسخ إبطال حكم شرعة الله وإنما يملك الأبطال من يملك التشريع وليس ذلك إلا لله عزوجل..

وإنما جواز التأليف وتقدير الحاجة إليه مرجعه إلى ولى الأمر من المسلمين كما نقل القرطبى عن القاضى عبد الوهاب من المالكية قال : أن احتيج إليهم في بعض الأوقات أعطوا.. وقال القاضى ابن العربى: الذى عندى أنه قوى الاسلام زالوا وإن احتيج إليهم أعطوا سهمهم كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيهم.

ودواعى صرف هذا السهم اليوم مستمرة للترغيب والدعوة إلى الإسلام وما كل إنسان يحركه الاقتناع بالحق بل هناك من تحركهم الرغبة ويقودهم الهوى ونحن نجذبه منهما على ساحة الإسلام ريثما تتضح مقاييسه وتتطهر رغباته ويبرأ من علله..

وما أخس ما تلجأ إليه النظم الأرضية من أساليب لا أخلاقية وغير إنسانية لاجتذاب الأنصار والمؤيدين أقربها ما تغص به سجون الأنظمة التقدمية ممن يرفضون تأييدها بكل صنوف القهر والأغراء سنين عددا وما أنظف وسيلة الإسلام وما أنصعها وأكثرها رحمة وواقعية في تأليف القلوب ولكننا نجهل ما بين أيدينا من كنوز....


الحلقة الخامسة والعشرون: وجوه أخري في مصارف الزكاة

- بعد فراغنا في حلقة الأمس من مصارف " الفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم".

تأتى في حلقة اليوم على مصارف " وفى الرقاب والغارمين وفى سبيل الله وابن السبيل".

وقد غايرت الآيات التى حصرت الزكاة في الأصناف الثمانية بين المصارف الأربعة الأولى والمصارف الأربعة الأخيرة, فالأولون جعلت الصدقات لهم والأخيرة جعلت الصدقات فيهم فما سر هذه المغايرة؟... ولماذا عبر عن استحقاق الأولين باللام التى هى في الأصل للتمليك . وعبر عن استحقاق الآخرين بحرف الفاء التى هى للظرفية..

يقول الزمخشرى: بأن العدول عن اللام إلى " في" في الأربعة الأخيرة للإيذان بأنهم أرسخ في استحقاق الزكاة من الأربعة الأولى لأن" في" للوعاء فنبه على أنهم أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات ويجعلوا فطنة لهم ومصبا.

وعقب ابن المغير على الزمحشرى قال: وثم سر آخر هو أظهر وأقرب وذلك ان الأصناف الأربعة الأوائل ملاك لما عساه يدفع إليهم وإنما يأخذونه ملكا فكان دخول اللام لائقا بهم وأما الأربعة الأواخر فإنهم لا يملكون ما يصرف نحوهم بل ولا يصرف إليهم ولكن في مصالح تتعلق بهم..

كل هذا العمق والإلهام!! ومع ذلك فما زال للسر بقية لم تتوهج جذوته بعد؟!

لعله يوجد في الفرق بين ما يكون عليه جسم في حالة المرض أو النمو وبين ما يصير إليه نفس الجسم من حال الصحة والاستواء.. فهو يعبر حالة الأولى ليستقر في حالة الثانية حيث يفيض بالشر والعطاء.. وقد رأينا برهان ذلك في المجتمعات التى عرفت طريق الإسلام لأول مرة وكيف تخلصت بعد فترة وجيزة من حالات الفقر والمسكنة حتى لم يعد يعثر عامل اليمن ولا غيره في عهد عمر بن الخطاب ولا عمال الأقاليم في عهد عثمان ولا في عهد عمر بن عبد العزيز ولا في عهود أخرى على مستحق لزكاة ورأينا كيف لحق سهم المؤلفة قلوبهم بأويه.. أما سهم العاملين عليها فقد تعرض هو الآخر في عهد عثمان بن عفان رضى الله عنه لمعاملة خاصة كان وراءها سر خاص – كذلك فقد ذكر الكاسانى رضى الله عنه في البدائع" أن عثمان رضى الله عنه عندما كثرت الأموال في زمانه رأى المصلحة في أن يفوض الأداء إلى أربابها بإجماع الصحابة فصار أرباب الأموال كالوكلاء عن الإمام.. ألا ترى أنه قال :" من كان عليه دين فليؤده وليزك ما بقى من ماله" فهذا توكيل لأرباب الأموال إخراج الزكاة ولا يبطل حق الإمام .. لهذا قال أصحابنا أن الإمام إذا علم من أهل بلد أنهم يتركون أداء الزكاة فإنه يطالبهم بها".

وأنها لدرجة من الثقة في دين الرعية بالغة السوء أثارت الكثير من الآراء الفقهية حول مجال الأخذ بها في الأموال الظاهرة كالزورع والأنعام أو الأموال الباطنة كالنقود وعروض التجارة..

ووجه العجب هو في أن هذا المدى البعيد من أصغر صور اللامركزية وأوسع صور الاشتراك في المسؤولية, قد حدث فعلا على وجه الأرض وفى ماذا؟... ليس في النقاش الأجوف الذى ينعت بالعمل السياسى وإنما في المال... كيف يجمع؟ وأين ينفق؟. وهل تطمح أمة على وجه الأرض أو يفكر حاكم مهما بلغ تساميه في أن يجعل الفرائض المالية موكولة على ضمائر الناس يعرفون تلقائيا الأموال الخاضعة لها والنسب المفروضة عليها وأوجه إنفاقها ويكتفى هو بالرقابة من بعيد " فإن علم من أهل بلد أنهم يتركون أداء الزكاة يطالبهم بها".

على كثرة ما قرانا عن أحلام المدن الفاضلة فهل قابلنا حالم بمثل هذا اللون من العلاقات بين الحاكم والرعية أو حالم بمثل هذا المجتمع الذى يفيض رخاء ودينا وحرية.. أليس تاريخنا ما زال مجهولا لنا ولم يقدم إلينا كما ينبغى, أليست هذه مسئولية المثقفين قبل أى تسول على موائد العاجزين..

من الطبيعى أن نفهم أن هذه الدرجة الأخلاقية لم تخرج الزكاة عن كونها نظاما ماليا من مسؤوليات الإمام الأولى حتى ولو حارب عليها كما حارب أبو بكر رضى الله عنه.. ولكنها مسئولية لم تسلبه حقه في أن ينيب عنه متى شاء ما وجد من هم أهل لهذه الإنابة الراشدة ولعمرى فهل يكون ذلك إلا في أمة من الأئمة.. وأن دوننا وعودة هذا اليوم في حياتنا مرة أخرى أشواط كثيرة.

أما مصارف :" في الرقاب والغارمين وفى سبيل الله وابن السبيل"

فهى باقية ما بقى في الحياة حركة وأسعار وجهاد وتسارع في الخيرات وتعاون على البر والتقوى إلى آخر خصائص الجسم السليم المكتمل النمو بملامحه الإسلامية المشرقة على الدوام وإذا ما كان لكل مجتمع أمل فهو في أن تزول أو تخف الحاجة إلى أربعة مصارف الأولى لتقوى دواعى الأربعة الباقية..

فالزكاة بمصارفها الثمانية تدخل أول ما تدخل على المجتمعات النامية أو المريضة فتهيها القوة والصحة حتى تصل إلى كل خلية من خلاياها.. ثم هى تعمل بعد ذلك في المجتمع النفوس مجالات الترقى تتطهر بها وتعلو على المتاع القليل, وهو أمر مطلوب من النفوس أن تزاوله دائما تحت أى ظرف ومطلوب من المجتمع المسلم أن يدرب أفراده عليه حتى من خلال أحسن الظروف المادية بل إن ما تحققته الزكاة من أهداف مادية إنما عليه الإنسان من بذل للمال في سبيل ما هو أسمى من المال وعلى أن يظل مدركا أن في الحياة ما هو أجدر بالطلب من كل ما على ظهر الأرض.. وهذه من أهم درجات الصعود إلى التوحيد الخالص.. ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون".

أما الذين ينقلبون عبيدا للمادة فإنهم يبدلون خلق الله ويحرفون الفطرة في نفوسهم ويبوءون بوعيد الرسول صلى الله عليه وسلم " تعس عبد الدرهم وتعس عبد القطيفة". فالبذل والإنفاق في كل أشكاله وفى كل الظروف حاجة إيمانية لا ينفك عنه مسلم وما أعظم تربية الرسول لنا في قوله" على كل مسلم صدقة فقالوا: يا نبى الله فإن لم يجد؟ قال يعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق قالوا: فإن لم يجد؟ قال يعين ذا الحاجة الملهوف قالوا: فإن لم يجد ؟ قال فليعمل بالمعروف وليمسك عن الشر فإنها له صدقة".

بهذا التوضيح بين المجموعتين من المصارف ندخل إلى المجموعة الثانية..

5-وفى الرقاب:

لا زلت أذكر ذلك السؤال الماكر الذى أشفعه أحد الزملاء بابتسامة ذات مغزى عن موقف الإسلام من الرق. وقد قلنا له يومها : دعنا نسألك أولا وقبل أن تجيب عن معاملة أسرى الحرب في عصرنا الحاضر هل تمارى في أنها خاضعة برغم بريق النصوص لقانون واحد هو قانون الغالب والمغلوب؟ لا فرق في ذلك بين دولة ودولة ونظام ونظام.. فالسحرة والإذلال وغسيل المخ والبقاء في معسكرات الاعتقال سنين طويلة هى أهون ما يلقاه هؤلاء التعساء برغم احتجاجات دولهم ومساوماتها فكيف بهؤلاء الأسرى حين لا يكون وراءهم دولة تحميهم..

دهنا نسألك مرة أخرى ألا يحدث مثل ذلك مع أبناء الوطن الواحد تحت مبررات ثورية وتقدميه ثمنا لأى خلاف في وجهة النظر مع السلطة ووجودها هنا خير برهان على ذلك.

دعنا أيضا قبل أن نجيب على سؤالك نعرض عليك معاملة الإسلام للأسرى لأن ذلك له صلة قوية بسؤالك.. اعلم أن الأمة الإسلامية كانت صاحبة السلطان الأوحد في العالم لحقبة طويلة من الزمان وكانت هى المنتصرة على الدوام في حروبها مع الأمم الأخرى.

ومع هذا لم يلبث معاملتها للأسرى من موقع الغالب مع المغلوب بل من موقع فريد ليس من صنع بشر فيه كل الأخوة الإنسانية وكل الرفق والرحمة والواقعية أيضا..

كان في شريعتها العادلة المن بلا مقابل..

وكان فيها أيضا قبول الفداء ...

وكان فيها لمن يستبقون في الأسر معاملة من نوع فريد.. ليست فيها سخرة ولا سجون ولا معسكرات اعتقال ولا غسيل مخ..

بل كانت لا تفرق بين الرجل وزوجته من الأسرى ولا بين المرأة وابنها ومن انعدمت أزواجهن وصرن سبايا كانت حركتهن بقانون..

أما الرجال الأسرى فظلوا طليقين في الحياة لكن تحت إشراف وحراسة يباشرون من خلالها آدميتهم كاملة من بيع وشراء ومعاملات وزواج والواحد منهم في كل ذلك في محضر أسرة إسلامية يخدمها لأنه أسير ويتشرب أخلاقها وقيمها عن قرب بلا إلزام ولا إكراه في الدين وله أثناء ذلك وحتى يتحرر من هذا الأسر معاملة خاصة توجبها التربية الإسلامية تارة ويفرضها التشريع تارة أخرى.

فبالتربية يتعلم المنتصرون أن هؤلاء الأسرى هم إخوانهم" فمن كان أخوه تخت يده فليطعمه وليلبسه مما يلبس, ولا يكلفه مالا يطيق فإن كلفه فليعنه ولا يقل عبدى وأمتى بل فتاتى وفتاى".

ويرى إن أ‘ظم القربات في دينه هى إكرام السرى" ويطعمون الطعام على حبه مسكنيا ويتيما وأسيرا, إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا"...

ولا يقف الأمر عند خدود المعاملة الطيبة بل تستهدف الشريعة في النهاية تحرير هؤلاء مرة أخرى.. فتبالغ في ثواب الإعتاق وتجعله من أفضل الكفارات لكثير من الذنوب.. وتتلمس له الأسباب فمن لطمه مولاه كانت اللطمة ثمن تحريره ومن يدخر مبلغا من المال ويريد أن يفدى نفسه به تلزم الشريعة مولاه بذلك عن طريق المكاتبة أمام القضاء" وكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذى آتاكم".

وقبل كل هذا وبعد كل هذا يأتى النظام المالى للأمة ليخصص الزكاة لفك الرقاب كل عام..

هذا هو الرق في الإسلام مصدره الوحيد المشروع أسرى الحرب فهل تراه بالمعنى الذى تقصده من سؤالك؟..

ومن عجب ألا يكون هناك خلاف بين الفقهاء حول مصرف الزكاة المخصص لإعتاق هذا النوع من الأسرى ويكون بينهم الخلاف حول تخصيصه لفك الأسرى من المسلمين من ايدى الأعداء, فالمروى في مذهب الإمام أحمد أن ذلك جائز لأن فيه فك رقبة من الأسر وقال القاضى ابن العربى الماكلى اختلف العلماء في ذلك فقال أصبغ لا يجوز وقال ابن حبيب يجوز...

ويحدثنا التاريخ أن أسرى الفتوحات الإسلامية قد أخذوا يدخلون في دين الله أفواجا بعد معاشرتهم في فترة الأسر أو الرق لهذه البيئة الجديدة الفاضلة وأنهم بعد إسلامهم وتحررهم موالاة الأسر التى كانوا يعملون فيها فكان بعد ذلك بداية نشأة الموالى في التاريخ الإسلامي وتبوأ أبناء الموالى هؤلاء أعلى المراكز بعد ذلك وكانوا أئمة الفقه والحديث واللغة وسائر العلوم في الدولة الإسلامية.. وعندما أصاب الضعف حياة المسلمين أصاب نعها مدلولات الألفاظ كذلك وبعد أهذه الأخوة الإنسانية والرحمة العميمة من صنع بشر؟.

6-الغارمين:

هذا المصرف يعطى لصنفين من الناس..

(أ‌) رجل أصابته جائحة: أى كل من نزلت به نازلة مالية من حرق أو هدم أو آفة على الزرع أو هلاك.. الخ...

(ب‌) رجل تحمل حمالة: أى غرم غرما ماليا في شكل الديون.. وقد فرق الفقهاء بين من استدان في مصالح نفسه كمن يستدين في نفقة أو كسوة أو زواج أو علاج مرض أو بناء مسكن أو شراء أثاث و يتزوج ولد أو أتلف شيئا لغيره خطأ.. فهذا المستدين في غير سرف ينبغى أن يدفع له مع الفقر دون الغنى.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن توفى وعليه دين فعلى قضاؤه" أما المستدين في مصالح المسلمين فيدفع إليه مع الفقر والغنى قدر دينه فقط..

(ت‌) بهذا العلاج الذاتى الإسلامي لا تنبت الحاجة إلى الكثير من ترقيعات النظام الرأسمالى في صور شركات التأمين ومؤسسات الضمان الاجتماعى والملاجئ وغير ذلك من ضحايا الصراع الطبقى وضياع الأمن وفقدان الأخوة بين الناس.

أكثر من هذا أن تخصيص جزءا من هذا المصرف لكل من استدان من مصالح المسلمين يعتبر شيئا فريدا في عالم المجتمعات وخصيصه من خصائص هذه الأمة الإسلامية. ويصرح الفقهاء بحق هذا الغارم ولو قام بالإصلاح بين جماعتين من أهل الذمة.

ومن ثم فقد شاع في حياة المسلمين أن يجدوا من الزكاة عونا لهم في المهور والنفقات والديات.. كما أن المعنى العميق وراء تسديد دين من تحمل غرما ماليا في تفريج كربة أو تغرير صلح إنما هو إنماء هذه المسئولية الاجتماعية في نفوس الأفراد وازدهار الحياة بجو التراحم والنجدة لا حياة اللامبالاة والأنانية والضياع..

7-فى سبيل الله:

اختلف الفقهاء في تعيين المقصود من هذا المصرف.

مذهب الحنفية: عند أبى يوسف المراد الغزاة وعند محمد المراد الحجاج وقيل المراد طلبة العلم وقيل بل جميع القربات والطاعات..

ومذهب المالكية: قال القاضى ابن العربى المراد الغزو و الجهاد..

ومذهب الشافعية: المراد الغزاة المتطوعون للجهاد..

فهناك اتفاق على أن الجهاد داخل في سبيل الله واختلاف حول توسيع معنى في سبيل الله بحيث يشمل كل ما يتعلق بسائر المصالح والقربات وأعمال الخير والبر من إصلاح طرق وبناء مساجد ومدارس وإنشاء قناطر وسدود ومصارف أخرى.

ويعمل هذا السهم على ربط الأقاليم جميعا ببعضها لأنه السهم الوحيد المسموح بنقله من إقليم لآخر لمصلحة أمن الأقاليم جميعا ويقول الماوردى: " ولا ينقل سهم من عدم منهم في جيران المال إلا سهم سبيل الله في الغزاة فإنه ينقل إليهم".

8-ابن السبيل هو المسافر:

وقد سبق أن رأينا كيف كشف مصرف" في الرقاب" عن روح الأخوة الإنسانية..

أما مصرف ابن السبيل فإنه يؤكد الأخوة الإسلامية في ربوع العالم الإسلامي بصفة خاصة بحيث يشعر المسافر على الدوام أنه بين أهله وماله, وأن صفة دار الإسلام صفة حقيقية بكل ما تشمل عليه من مضمون السكن والأمان.

فمن هذا المصرف يعطى المسافر حسب كفايته إذا لم يكن سفر معصية سواء أكان المسافر مبتدئا بالسفر أم مجتازا.

وقال أبو حنيفة ادفعه إلى المجتاز دون المبتدئ. وفى كتب الفقه تفصيل كبير حول طريقة العطاء ومداه.. وهل يقتصر على بلوغه هدفه أم يكفيه ذهابا وإيابا.

وفى كتب التاريخ روائع عملية عن ظاهرة انتشار بيوت ابن السبيل في مداخل المدن والقرى مجهزة بالمؤن والمال والعلف للدواب تستقبل المسافرين الذين انقطع بهم الطريق لتبلغهم مقاصدهم ل لكى تجرى معهم التحريات وتتحقق من تأشيرات الدخول والخروج, وغير ذلك مما ملأ حياتنا من أغلال..

يروى ابن سعد أن عمر بن الخطاب اتخذ في عهده دارا خاصة أطلق عليه " دار الدقيق" والسويق والتمر والزبيب وكل ما يحتاج إليه يعين به المنقطع به والضيف ينزل بعمر, ووضع عمر في طريق السبل ما بين مكة والمدينة ما يصلح به المنقطع ويحمل من ماء إلى ماء.

وفى عهد عمر بن عبد العزيز, ويحدثنا الإمام أبو عبيدة أنه أمر الإمام ابن شهاب الزهرى أن يكتب له السنة في مواضع الصدقة فكتب كتابا مطولا قسمها فيه سهما سهما, ومما جاء في الكتاب عن ابن السبيل قوله: " وسهم ابن السبيل يقسم لكل طريق على قدر من يسلكها ويمر بها من الناس لكل رجل من ابن السبيل ليس له مأوى ولا أهل يأوى إليهم فيطعم حتى يجد منزلا أو يقضى حاجته ويجعل في منازل معلومة على أيدى أمناء لا يمر بهم ابن السبيل له حاجة إلا أووه وأطعموه وعلفوا دابته حتى ينفذ ما بأيديهم إن شاء الله".

وقد كانت هذه الروح وراء ما تميزت به الأمة الإسلامية من ظاهرة الترحال والتحول في طلب العلم والرزق بطريقة لم تسبق في أى أمة, ويكفى مراجعة تاريخ أى عالم من سلفنا الصالح لنقف على ما كان يجوبه من البلاد والأمصار طولا وعرضا على زهدهم وقلة مالهم لا يستطيعه اليوم أصحاب الثراء. ولكن معرفتنا اليوم بما كانت توفره لهم شريعة السماء في كل شبر على الأرض قد أذهب عنا العدب, فقد كانوا حيثما حلوا أو ارتحلوا في دراهم وبين أهلهم.

وهل تحلم أمة بأن يصير في برنامجها المالى والإنساني مثل هذه الفنادق المجانية على مشارف المدن لكل قادم, مثلما حدث ذلك فعلا في تاريخنا المجهول لنا..

وكأنى بالمصرفين الأخيرين" في سبيل الله وابن السبيل" وراء نوع خاص من الحركة والانطلاق في الثروة والمجتمع هيأه لهما مصرفا" في الرقاب والغارمين" بما أزالا عن الناس والحياة من قيود وأغلال؟.

التوزيع وغاياته:

يقول الإمام أبو عبيدة:" ليس لولاة الأموال أن يقسموها بحسب أهوائهم كما يقسم المالك ملكه فإنما هم أمناء ونواب ووكلاء وليسوا ملاكا قال النبى صلى الله عليه وسلم:" إنى والله أعطى أحد ولا أمنع أحدا وإنما أنا قاسم أضع حيث أمرت".

وعن زياد بن حارث الصداقى قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعته فأتى رجل فقال : أعطنى من الصدقة, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إن الله لم يرض بحكم نبى ولا غيره في الصدقات حتى يحكم فيها هو فجزأها ثمانية أجزاء فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك".

ويرى الشافعى التسويه بين الأصناف الموجودة فإن وجد الثمانية أخذ كل صنف الثمن وإن لم يوجد منهم في البلد سوى 4 أخذ كل منهم الربع مما جمع.. وهذه التسوية غير مطلوبة بين أفراد الصنف الواحد حسب حاجة كل فرد.. وعن مجاهد عن ابن عباس رضى الله عنهما قال:" لا بأس أن تعطى الصدقة في صنف واحد" وهذا طبعا في حالة انعدام الأصناف الأخرى..

قال أبو عبيدة: والعلماء مجمعون على أن أهل بلد من البلدان أو ماء من المياه أحق بصدقتهم ما دام فيهم من ذوى الحاجة واحد فما فوق لك, وأن أتى ذلك على جميع صدقاتها حتى يرجع الساعى ولا شئ معه منها..

عن فرقد السبخى قال: حملت زكاة مالى لأقسمها بمكة فلقيت سعيد بن جبير فقال: أرددها فأقسمها في بلدك.

وعنس سفيان الثورى: أن زكاة حملت من الرى إلى الكوفة فردها عمر ابن عبدا العزيز إلى الرى

ويقول الإمام أبو يوسف :" يقسم سهم الفقراء والمساكين من صدقة ما حول كل مدينة في أهلها ولا يخرج منها فيتصدق به على أهل مدينة أخرى وأما غيره فيصنع به الإمام ما أحب من هذه الوجوه التى سمى الله تعالى في كتابه وإن صيرها في صنف واحد مما سمى الله تعالى ذكره أجزأه".ويقول الإمام أبو عبيدة:" فإن جهل المصدق فحمل الصدقة من بلد إلى آخر سواه وبأهلها فقر إليها ردها الإمام إليهم كما فعل عمر بن عبد العزيز وكما أفتى به جبير ثم ذكر صورا كانت تحمل فيها الزكاة إلى غير بلدها وعقب قائلا:" وليس لهذه الأشياء محمل إلا أن تكون فضلا عن حاجتهم وبعد استغنائهم عنها".

ومن المتفق عليه أن أهل البلد إذا استغنوا عن الزكاة كلها أو بعضها لانعدام الأصناف المستحقة او لقلة عددها وكثيرة مال الزكاة جاز نقلها إلى غيرهم أما إلى الإمام يتصرف فيها حسب الحاجة وأما إلى أقرب البلاد إليه"

حسبنا هذه الإشارات التى ألقت الضوء كافيا على ما تقوم به الزكاة من تطهير النفس والمال وتزكيتها باعتبارها حقا من حقوق السير على كل مالك أن يؤديها في ماله لتتم حركة الثروة في المجتمع على أساس ربانى صحيح..

ومن الطبيعى أن تفى الزكاة في الظروف الطبيعية بجميع مقاصد الشرع, ولكن يثور السؤال عندما تمر بالمجتمع ظروف غير طبيعية تتطلب مزيدا من المال كحرب أو كارثة أو مجاعة, هل يكون في المال سوى حق سوى الزكاة؟...

وهل يعنى ذلك نوع من التشابه مع الضريبة؟.


الحلقة السادسة والعشرون: هل في المال حق سوى الزكاة؟

- الواقع العلمى يقول: إن الزكاة حققت تزكية النفس والثروة, والمجتمع..

- هل في المال حق سوى الزكاة؟ وهل تكفى وحدها؟

(أ‌) روى الشيخان غيرهما عن طلحة رضى الله عنه قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل نجد ثائر الرأس يسمع دوى صوته ولا يفقه ما يقول حتى دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم, فإذا هو يسأل عن الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" خمس صلوات في اليوم والليلة , فقال : هل على غيرهن؟ قال لا إلا أن تطوع.. وذكر الزكاة فقال: هل على غيرها, قال لا إلا أن تطوع" فأدبر وهو يقول: لا أزيد على هذا ولا أنقص منه, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفلح إن صدق أو دخل الجنة إن صدق.

فمن هذا الحديث الشريف, ومن حديث رواه البخارى عن أبى هريرة رضى الله عنه: عن واقعة مماثلة مع أعرابى , ومما رواه الترمذى عن أبى هريرة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك". ومما رواه الحاكم عن أم سلمه أنها كانت تلبس أوضاما من ذهب, فسألت عن ذلك النبى صلى الله عليه وسلم قالت أكنز هو؟ قال ك إذا أديت زكاته فليس كنز.. ومن سنة الرسول العملية أنه لم يأخذ من المسلمين سوى الزكاة على يستند أصحاب الرأى القائل بأنه ليس في المال حق سوى الزكاة.

(ب‌) واحتج القائلون بأن في المال حقا سوى الزكاة بما جاء في الآية الكريمة" ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر .." من دعوة إلى الإنفاق فضلا عن إيتاء الزكاة... واحتجوا أيضا بنصوص أخرى تدعو إلى مراعاة حق الضيف وحق الزرع يوم حصاده وحق الماعون وهو ما اعتاد الناس أن يتبادلوه فيما بينهم, وحق التكافل العام بين المسلمين. وإذا أمعنا النظر لم نجد هناك أى تعارض بين الفريقين.

فالواقع العلمى قد ككشف عن كفاية الزكاة في تحقيق الأغراض التى أنيطت بها في تزكية النفس والثروة والمجتمع, بل وكشف في مجال الثروة عن تحقيق فائض حاول عمال الزكاة إنقاذه إلى موقع الإمام فروجعوا في ذلك حتى تتم كفاية أقاليمهم أولا حسبما مر بنا في الحلقة السابقة من ضوابط تنقل مصارف الزكاة من بلد إلى بلد.

هذا الأصل العام في كفاية الزكاة وحدها لا ينفى وجود حقوق أخرى مرهونة بشروطها يلتزمها المسلم بمقتضى الشريعة تارة من نحو الإنفاق على القارب أو زكاة الفطر, أو بوحى من إيمانه تارة أخرى في كل وجوه الخير, ولا يوجد قلب ذاق حلاوة الإيمان وبرد اليقين يرضى أن يقف انفاقه عند حد.. ولكن هذه الصور المختلفة من الإنفاق تغاير صورة الزكاة كفريضة مالية تشمل المجتمع بأسره وتخضع لقواعد منضبطة في التحصيل والتوزيع, وهو الأمر المقصود بقول من قال:" هل في المال حق سوى الزكاة؟ أى حق من قبيل الزكاة في قواعده وعمومه وتنظيمه الإداري. وإذا دققنا وجدنا أن الحقوق المشار إليها تتعلق بأعيان الأشخاص المطالبين بها حال حياتهم تنقضى بوفاتهم أما الزكاة فهى حق يتعلق بالمال يؤدى حال حياة الفرد ويؤدى من ماله بعد وفاته ويؤدى من مال الصبى والمجنون ومن ثم فلا تعارض بين الحقين..

حدود ما تقتضيه الضرورة:

وحتى عندما توجد حقوق من نوع الزكاة في تعلقها بالأموال وشمولها المجتمع بأسره وخضوعها القواعد عامة في التحصيل والتوزيع فغنها مع ذلك لا تخل بقاعدة " أنه ليس في المال حق سوى الزكاة" طالما أن هذه الحقوق ليست دائمة دوام الزكاة وإنما في حدود الضرورة التى اقتضتها ريثما تندفع وتزول أسباب فرضها وإلا خرجت عن حدود الضرورة إلى صورة الفرض الدائم وهو مفهوم الضرائب الذى لا مبرر له من طبيعة الإسلام المالية.

على أن يكون مفهوما أنه الأصل في حياة الإنسان هو الصحة والسلامة والاستثناء أن يصيبه المرض, فكذلك المجتمع الذى اكتملت له السلامة على الدوام ولا يحتاج إلى غيرها من الفروض المالية لا ريثما يدفع مرضا أو يحقق أمرا فوق المعتاد من حركة النمو الطبيعى أو خلاف المعتاد من حركة الجسم السليم وهو لا يتكرر مع الحياة الطبيعية كثيرا.

آية ذلك ما نطقت به أقوال الفقهاء : من أنه:" إذا جاع المسلمون فلا مال لأحد".

وما قاله ابن حزم:" فرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم ويجبرهم السلطان على ذلك إن لم تقم الزكوات ولا في المسلمين بهم فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذى لابد منه ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك وبمسكن يكنهم من المطر والصيف والشمس وعيون المارة ولا يحل لمسلم اضطر أن يأكل ميته أو لحم خنزير وهو يجد طعاما فيه فضل عن صاحبه لمسلم أو ذمى لأن فرضا على صاحب الطعام أن يطعم الجائع وله أن يقاتل على ذلك".

السوابق التاريخية:

وحتى مع وجود الضرورات الاجتماعية التى تقتضى تدخل الإمام ببعض الفروض حتى مع ذلك نرى تحرج الفقهاء من السماح للإمام بهذا الحق إلا بضمانا كثيرة حتى لا يسئ استخدامه وبمراجعة السوابق التاريخية مع بيت المال العام الذى أصبح بعد الفتوحات الاسلامية يضم إلى جزار بيت مال الزكاة بيت مال الخراج, نستطيع أن نقف على دواعى التدخل من جانب السلطان ومداه.

وإذا علمنا أن السلطان الحاكم على مال الخراج أوسع منه على مال الزكاة, ومع هذا لم تطلق يده في أموال الرعية, أدركنا كيف تكون مدى حركته مع الزكاة من باب أولى.ز وفى هذا يقول القرطبى:" واتفق العلماء أنه نزلت بالمسلمين حاجة بعد أداء الزكاة فإنه يجب صرف المال إليها"..

قال مالك رحمه الله : يجب على الناس فداء أسراهم وإن استغرق ذلك أموالهم, وهذا إجماع أيضا..

وقال الغزالى في المستصفى:" إذا خلت الأيدى من الأموال ولم يكن من مال المصالح ما يفى احتياجات العسكر وخيف من ذلك دخول العدو بلاد الإسلام ـأو ثوران الفتنة من قبل أهل الشر جاز للإمام أن يوظف على الأغنياء مقدار كفاية الجند لأنا نعلم أنه إذا تعارض شران أو ضرران قصد لاشرع دفع أشد الضررين وأعظم الشررين, وما يؤديه كل واحد منهم قليل بإضافة إلى ما يخاطر به من نفسه وماله لو خلت خطة الإسلام من ذوى شوكة يحفظ نظام المرور ويقطع مادة الشرور, ومما يشهده لهذا إن لولى الطفل عمارة القنوات وإخراج أجرة الطبيب وثمن الأدوية وكل ذلك تنجيز خسران لتوقيع ما هو أكثر منه".

وقال الشاطيى:" أنا إذا قررنا إماما مفتقرا إلى تكثير الجنود لسد حاجة الثغور وحماية الملك المتسع للأقطار, وخلا بيت المال وارتفعت حاجة الجند إلى ما لا يكفيهم, فللإمام إذا كان عادلا أن يوظف على الأغنياء ما يراه كافيا لهم في الحال إلى أن يظهر مال بيت المال, ثم إليه النظر في توظيف ذلك على الغلات والثمار وغير ذلك.. وإنما لم ينقل مثل هذا عن ألأولين لاتساع المال في زمانهم بخلاف زماننا, فإن القضية فيه أحرى بوجه المصلحة هنا ظاهر فإنه لو لم يفعل الإمام ذلك لبطلت شوكة الإمام فصارت ديارنا عرضة لاستيلاء الكفار".

ولما تأهب الظاهر بيبرس لقتال التتار وكان محتاجا إلى الأموال لتجهيز الجيوش, ولم يكن ببيت المال ما يقوم بذلك استفتى علماء الشام في جواز أخذ شئ من أموال الرعية فأفتوه جميعا بذلك وكان الإمام النووى غائبا فأرسلت إليه الفتوى لتوقيعها فوافق على فتوى العلماء بشرط أن يرد السلطان بيبرس كل ما عند جواريه وأعوانه من حلى وأموال إلى بيت المال.

وكان رد شيخ الإسلام المعز بن عبد السلام على السلطان قطز" أنه إذا طرق العدو بلاد الإسلام وجب على عالم قتالهم, وجاز لكم أن تأخذوا من الرعية ما تستعينون به على جهادكم بشرط ألا يبقى في بيت المال شئ وتبيعوا ما لكم من الحوائص المذهبة والآلات النفيسة ويقتصر كل جند على مركوبه وسلاحه ويتساووا هم والعامة".

وفى أيام يوسف بن تاشفين ( في الأندلس) احتاج إلى مال لتجهيز الجيوش فجمع العلماء والقضاة منهم القاضى أبو الوليد الباجى,وسألهم في ذلك فأفتوه بالإجماع بأن له أن يأخذ من المسلمين ما يفى بتلك الحاجات فأرسل إلى المدن بهذه الفتوى ليطلب من المسلمين أموالا لا عانته على ما هو فيها من جهاد.. ووصل الكتب إلى أهل" المرية" وكان قاضيا يومئذ أبا عبد الله بن القراء, وهو من الدين والورع على ما ينبغى فكتب إلى أمير المسلمين ابن تاشفين يقول:": ما ذكر أمير المسلمين في كتابه من أن أبا الوليد الباجى وجميع القضاة والفقهاء بالعدوة والأندلس أفتوه بأن عمر بن الخطاب رضى الله عنه اقتضاها وكان صاحب رسول صلى الله عليه وسلم وضجيعه في قبره, ولا يشك في عدله فليس أمير المؤمنين ( أى يوسف بن تاشفين) صاحب رسول الله عليه وسلم, ولا بضجيعه في قبره ولا من لا يشك في عدله, فإن كان الفقهاء والقضاة أنزلوك بمنزله في العدل فالله سائلهم عن تقلدهم فيك, وما اقتضاها عمر حتى دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وحلف أن ليس عنده درهم واحد في بيت المال للمسلمين ينفقه عليهم, فلتدخل المسجد الجامع هناك بحضرة أهل العلم وتحلف أن ليس عندك درهم واحد ولا في بيت مال المسلمين وحينئذ تستوجب ذلك.

وجاء في الأحكام السلطانية للماوردى: وأما المستحق على بيت المال ضربان:

أحدهما: ما كان بيت المال فيه حرزا فاستحقاقه معتبر بالوجود فإن كان المال موجودا فيه كان صرفه في جهاته مستحقا وعدمه مسقط لاستحقاقه.

الضرب الثانى: أن يكون المال له مستحقا فهو على ضربين:

أحدهما: أن يكون مصرفه مستحقا على وجه البدل كأرزاق الجند وأثمان الكراع والسلاح فاستحقاقه غير معتبر بالوجود وهو من الحقوق اللازمة مع الوجود والعدم فإن كان موجودا عجل دفعة كالديون مع اليسار وإن كان معدوما وجب فيه إلى الأنظار كالديون مع الأعسار.

الثانى: أن يكون مصرفه مستحقا على وجه المصلحة والإرفاق دون البدل فاستحقاقه معتبر بالوجود دون العدم فإن كل موجودا في بيت المال وجب فيه وسقط فرضه على المسلمين وإن كان معدوما سقط وجوبه عن بيت المال وكان أن عم ضرره من فروض الكفاية على كافة المسلمين حين يقوم به منهم من فيه كفاية كالجهاد وإن كان مما لا يعم ضرره كوجود طريق قريب يجد الناس طريقا غيره بعيدا أو انقطاع شرب يجد الناس غيره شربا فإذا سقط وجوبه عن بيت المال بالعدم سقط وجوبه عن الكافة لوجود البدل, فلو اجتمع على بيت المال حقا ضاق عنهما واتسع لأحدهما صرف فيما يصرف منهما دينا فيه فلو ضاق عن كل واحد منهما جاز لولى الأمر إذا خاف الفساد أن يفترض على بيت المال ما يصرفه في الديون دون الارتفاق وكان من حدث بعده من الولاة مأخوذا بقضائه إذا اتسع له بيت المال.

وإذا فضلت حقوق بيت المال عن مصرفها فقد اختلف الفقهاء في فاضلة فذهب أبو حنيفة أنه يدخر في بيت المال لما ينوب المسلمين من حادث.ز وذهب الشافعى إلى أنه يقبض على أموال من يعم به صلاح المسلمين ولا يدخر لأن النوائب تعين فرضها عليهم إذا حدثت".

ونلحظ على هذه النصوص ما يأتى:

1- إن فترة حياة الرسول كانت هى النموذج الأمثل في علاقة الحاكم بأموال الرعية في الظروف الطبيعية أو الاستثنائية ولم تقابلنا فيها سوى حادث توزيع أموال بنى النضير سنة 4هـ وما سنه لنا عليه السلام من إمكان تحصيل الزكاة لمدة سنة أو سنتين عند الحاجة عما يستقبل من الزمان على سبيل الدين.

وهذا الهدى النبوى يرسم لنا الطريق الأمثل في كل وضع إسثنائى يمر به المجتمع . ولا نعتقد

أن مجتمعنا ما قد اصطبغت جوانبه بالإسلام عقيدة وشريعة ثم يجد نفسه تحت أى ظرف استثنائى مضطرا إلى ابعد من هذه لصورة العملية التى تركها لنا الرسول مضافا إليها ما تعمر به القلوب من إيمان يجعل استجابتها للمسارعة في الخيرات عن طواعية أمرا طبيعيا.ز وتبين لنا كلمات الرسول الخوالد حدود سلطان الحاكم على أموال الرعية في مجتمع الزكاة في قوله:" أنى والله لا أعطى أحدا ولا أمنع أحدا وإنما قاسم أضع حيث أمرت".

وأين في حياة البشر ذلك الحاكم الذى لا يتحكم في الأرزاق والحريات ويقوم بدور القاسم فلا يعطى أحدا ولا يمنع أحدا ولا يكون له سوى الدور الوظيفى الذى يستحق عليه راتبا يقوم بأمره شأن أى فرد في الأمة يقوم بخدمة عامة كما كان حال الأئمة المهديين بالفعل..

2- أن ما ورد من حقوق أخرى على المال تقتضيها اعتبارات خاصة

أو اعتبارات إيمانية أو ضرورات اجتماعية فإنها في الواقع لا تتعارض مع " ليس في المال حق سوى الزكاة" لأنها ما بين حالات جزئية مرهونة بشروطها أو ضرورات اجتماعية مقدرها بلا ثبات أو دوام أو شمول يعطيها صفة فريضة الزكاة.. بل كانت تسمى" بالوظائف" أو " النوائب". أو " الكلف السلطانية".

3- إن النصوص الواردة جمعت بين فترة التطبيق داخل الجزيرة العربية بعد انتشار الاسلامفي ربوعها حيث سيادة الزكاة على نظامها المالى وكفايتها وحدها بالفرض بصفة أساسية وبين فترة الفتوحات وما أدت إليه الأرض المفتوحة عنوة من سيادة الخراج على النظام المالى كما سنفصل ذلك فيما بعد.

وكان واضحا من الاستشهادات أنه سواء أكانت الحاجة إلى المال في بيئة سيادة الزكاة أو في بيئة سيادة الخراج ففى الحالين كان حرص الفقهاء واضحا على التزام حدود الضرورة فمن مجند للاقتراض ومن مذكر بالتزام الاقتصار على دفع الحاجة وقد اتضح بجلاء مقدار نفورهم التام من احتمال نشوء نظام مالى ثابت له شمول الزكاة وثباتها وهو مفهوم " نظام الضريبة" الذى سنبين الفرق بينه وبين الزكاة. ولا يعتبر نظام الخراج من تاب الضريبة بل من باب الإيجار كما سنبينه فيما بعد..


الحلقة السابعة والعشرون: الضريبة والزكاة.. ليستا سواء

- خصائص تفردت بها الزكاة: مصدرا, وباعثا, وتوجيها..

إن الإنسان الحضارة الغربية الذى يضع مصلحته المادية فوق أى اعتبار ويعيش دائما في سجن غرائزه وأهوائه.. هذا الإنسان بهذا السلوك هو مفتاح معرفة النظام المالى بكل دوائره المرذولة في البلاد الرأسمالية وتكثير وتتعدد الحلول والاقتراحات لحل مشاكل المجتمع الاقتصادية والاجتماعية ولا أحد يفطن إلى السبب البعيد الكامن في نفس الإنسان لعربى أو بمعنى آخر لا يستطيع أحد من مفكرى الغرب حتى لو فطن أو أراد أن يعالج موطن الداء لأن الطبيب في العادة هو المريض بنفس الداء.

الدائرة المرذولة:

(أ‌) برغم إدراك بعض المفكرين لأهمية أن تشمل الضريبة الدخل ورأس المال معا بحيث تتناول الأفراد كلها, وتدفع الثروات دفعا إلى الحرية في ميدان الإنتاج وغير ذلك من المزايا ألا أن السلطات عجزت عمليا عن فرضها على رأس المال واكتفت بفرضها على الإيرادات والدخول ولم تستطع أن تصل على رأس المال إلا في حالة وفاة الفرد حيث يمكن حصر التركات ..

سبب العجز هو ان الفرد الذى يدخر من دخله أو إيراده حتى يتكون لديه رأس مال لا يرضى أن تكون مكافأة السلطة له على ذلك هو أن تمتد أيديها إلى هذه المدخرات بالضرائب في الوقت الذى كان بوسعه أن يتفق دخله كله ابتداء, وهو أجل هذا ولثقته المفقودة في أجهزة الدولة يجد لنفسه ألف طريق للهروب برأس ماله من الخضوع للضريبة.. تستطيع السلطة أن تراقب إيراداته ودخوله لأنها في المنطقة المنظورة, ولكن عندما تدخل إلى جيبه يستطيع بدوره أن يزوغ بها شتى الطريق ويدعى عند حلول موعد الضريبة أنه لا يملك أى رأس مال وليس لديه سوى هذا الدخل المراقب سنويا من السلطة.

وحتى هذا الدخل تكثر حوله المناورات والحيل التى لا تنقطع.

(ب‌) أدركت السلطات وأدرك الاقتصاديون أنه طالما لا يحرك الأفراد الإقناع الذاتى بأخبارهم طائعين على كل عناصر ثروتهم من رأس مال ودخول فإنه يستحيل عمليا القيام بذلك من جانب السلطات, ومن ثم لا يكون هناك بد من أن يكون وعاء الضريبة هو الإيرادات والدخول حيث يمكن ضبطها بكل أشكال الرقابة والحساب.

(ت‌) وإذا أمن الناس شر السلطة وتحققوا من عجزها عن ملاحقة رؤوس أموالهم وانحصرت مناوراتهم معها في تلك الدائرة المنظورة دائرة الدخول والإيرادات.. إذا بظاهرة الاكتناز تصيب رؤوس أموالهم لعدم وجود وسيلة لتحريك هذه الثروة المكتنزة في المجتمع.

(ث‌) وهنا ينشط وسطا الشر مستغلين ما عليه الكثيرون من فقر وفاقة وما لدى أرباب الأموال من مال مكتنز فيهيئون لأصحاب رؤوس الأموال دخولا مضمونة لا تعرض رأس المال لأى مخاطرة عن طريق الربا ويتطور هذا الوسيط البسيط بين الغنى والفقير في هذا اللون من المجتمعات المنتكسة ليصبح في المستقبل مؤسسة مالية كبيرة تقوم بنفس العملية الربوية كوسيط بين أرباب الأموال وأصحاب المشروعات. وهذا هو جوهر عمل البنوك في هذا اللون الشاذ من المجتمعات. ولا تجد البنوك مفرا من فكرة سعر الفائدة وهز تعبير مهذب للربا ليكون أداة تحريك الثروة للقضاء على الإكتناز.

(ج‌) والمعاملات الربوية تؤدى بدورها إلى حدوث الأزمات الاقتصادية إلى كل ما يعنيه الاقتصاد الرأسمالى من أزمات وضياع ومشاكل ومضاربات حتى لتظهر المعاملات الطبيعية كفقاقيع صغيرة فوق أمواج متلاطمة من المعاملات الأخرى كما يقوم كينز..

وتصوير القرآن الكريم للذين يأكلون الربا بأنهم لا يقومون إلا كما يقوم الذى يتخبطه الشيطان من المس هو خير تعبير لحالة الفرد النفسية وحالة المجتمع الاقتصادية.

إذن لقد أفضت العقائد الفاسدة إلى السلوك الأنانى والمادى لدى الأفراد وهذا بدوره إلى استحالة فرض ضريبة على رأس المال فحدثت ظاهرة الاكتناز فنشط الوسطاء لتحريك الثروة عن طريق الربا. فكانت البنوك الربوية.. فكانت الأزمات الاقتصادية فالصراع الطبقى, فالأحزاب السياسية التى تعكس هذا الصراع, إلى آخر ملامح الحياة الرأسمالية, ونشط المفكرون الاقتصاديون في تقديم الحلول للقضاء على الربا باعتباره السبب القريب في أمراض المجتمع..

1- نظرية هايك الذى يرى تثبيت كمية النقود.

2- نظرية ارفنج فيشر, الذى ينادى بجعل الاحتياطى 100%.

3- نظرية دوجلاس, الذى يرى تأميم جميع البنوك.

وهيب هذه النظريات جميعا أنها لا تمنع ظاهرة الإكتناز, أى أحجام أرباب الأموال عن استثمار أموالهم. 4- وجاءت اللمحة الذكية ممن فكروا بفرض الضريبة على رأس المال ولكن هيهات أن تنجح الفكرة مع الإنسان الغربى. فنجد آرثر لويس يقول: " وفرض ضريبة على رؤوس الأموال ليس عملا يسيرا كما أنه ينطوى على صعوبات فنية ضخمة, فإذا أرادت الدولة فرض هذه الضرائب بطريقة نزيهة فإنها لا تستطيع أن تفرضها فجأة أنها ستحتاج إلى مزيد من الوقت و الجهاد لتقدير رؤوس الأموال التى يمتلكها الأفراد".

ويقدم الأستاذ سلفيو جسل اقتراحا عمليا" بوضع طابع على النفوذ يلزم أصحابها وضعه على ورق البنكنوت على فترات مما يؤدى إلى وجود تكاليف اكتناز النقود. كذلك بفرض ضريبة على الودائع بقدر حجمها مما يؤدى إلى زيادة الاستثمار ونموه" وكان يرى جسل أن تكاليف الاكتناز هذه ستدفع أرباب الأموال إلى سرعة التخلص منها إلا أن هذا الاقتراح قد صادف صعوبات عملية عندما حاولوا تطبيقه بمدخراتهم إلى أشكال أخرى من الثروة كالذهب كما أن عبء الضريبة سيقع على الفرد الأخير.. وأخيرا تحققوا من اعجز عن فرض هذا النوع من الضرائب, وبالتالى من القضاء على ظاهرة الاكتناز بأسلوب الربا بكل مساوئه.. فالربا من ثم يعتبر ضرورة من ضرورات النظام الرأسمالى وليس ضرورة عصر كما فهم بعض المصلحين خطأ.

وعندنا تقوم الزكاة باعتبارها فريضة تتناول رأس المال أيضا – بمهمة القضاء على الاكتناز في المجتمع المسلم الذى يتبادل الصدق ويسعى في أرجائه السعاة والمصدقون ,ليس مأمورو الضرائب في التشريعات الوضعية هو الإيراد وحده.

أما الزكاة فلها طابع خاص فهى:

1- بالنسبة إلى رأس المال الثابت تعتبر فريضة على الإيراد لقول الرسول صلى الله عليه وسلم:" لا زكاة في المال الضمار".

2- وهى بالنسبة إلى رأس المال المنقول تعتبر فريضة على رأس المال والإيراد معا, فإذا تعطل رأس المال عن الكسب فإن الزكاة لا تلبث أن تقضى عليه بعد 41 سنة في الأموال التى تقدر زكاتها بربع العشر, فالزكاة بذلك تتلاشى كل العيوب وتجمع كل المزايا..

ويمكن بعد أن نجعل أوجه الخلاف بين الزكاة والضريبة فيما يلى:

1- في التسمية, فالزكاة عبادة ونماء وبركة أما كلمة الضريبة فتحمل طابع عهود الظلم بما فيها من ضرب وإجبار كما تسمى الزكاة أيضا بالصدقات من تبادل الصدق فالذى يدفعها مصدق والذى يجمعها مصدق أو ساع.

2- في الباعث على الأداء فهو في الزكاة ذاتي لكونها ركنا من أركان الدين يستشعر مؤديها معنى العبادة وصلة الأخوة ولذلك يسن لدافع الزكاة أن يقول:" اللهم اجعلها مغنميا ولا تجعلها مغرما, ويحمد الله على التوفيق لأدائها: فعن أبى هريرة رضى الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إذا أعطيتم الزكاة فلا تنسوا ثوابها أن تقولوا اللهم اجعلها مغنما ولا تجعلها مغرما" وعنه صلى الله عليه وسلم " لا تقوم الساعة حتى تعود الزكاة مغرما"..كما يسن لعامل الزكاة أن يدعو بالخير والبركة لدافعيها.. عكس هذه الروح تماما تقابلنا بين الممولين ومأموري الضرائب لفقدان الباعث الذاتى على الأداء رغم كل محاولات زيادة الوعى الضريبى.

3- الزكاة فريضة من الله وليست ضريبة من بشر لذا فهى مقدار محدود من مال مخصوص يصرف في مصارف معينة أما الضريبة فهى محرومة من هذا التحديد وهذه الدقة في مقدار والأموال والمصارف فكانت فرص الأهواء فيها كثيرة وكانت مدخلا لكافة التقديرات الشخصية التى لا يسهل معها توفر ثقة الأفراد في الحكام لا في مقدارها ولا في اتفاقها.

4- وعاء الضريبة هو الإيراد أما وعاء الزكاة فهو رؤوس الأموال المنقولة وإيرادها وإيراد الأموال الثابتة.. لذلك كان الربا هو وسيلة القضاء على الاكتناز وتحريك الثروة باعتباره ضرورة نظام رأس مالى.. وكانت الزكاة في المجتمع المسلم هى وسيلة القضاء على الإكتناز وتحريك الثروة .. ولا لقاء بين الوسيلتين في ظل اختلاف الأصول والغايات.. ومن هنا كان فشل جميع الحلول الجزئية التى تكشف عن هزيمة نفسية أو عجز عن النظرة الشاملة على أحسن الفروض...

5- قصور الضريبة عن التدرج مع الجهد الإنسانى المبذول مثلما نفعل الزكاة وهو في نفس الوقت قصور عن العدل.

6- من الناحية الإدارية فاللامركزية في التحصيل والإنفاق من أصول الزكاة وفى هذا أبعاد لسلطة الحاكم عن التحكم في الأرزاق والحريات فهو لا يعطى أحدا ولا يمنع أحدا فيكون الله هو الرزاق بضمانات شريعته العظيمة, ولذلك كان على بن أبى طالب يقول من وحى هذه التربية لمن يجاهرونه بالعداء من الخوارد" لكم علينا ثلاث: لا نمنعكم حقكم في المساجد ولا حقكم في الجهاد ولا حقكم في الصدقات" هذا فضلا عن أن المحلية وبأسلوب الزكاة كل قرية أو مصنع فينمو الحب والتعاون نموا طبيعيا متسقا مع سنة النمو في الإحياء من القاعدة إلى القمة وليس فسرا بقرارات ثورية.. وهذه المحلية تؤدى إلى محلية غيرها من ألأوضاع وتحصر ما تدعو إليه الحاجة مكن دواعيها فلا يستطيع الحاكم أن يميل بمصارف الزكاة من أغراضها ولا أن يستنزف الثروات بفرائض فوق الطاقة...

أما الضرائب فهى تبدأ دائما من السلطة المركزية فتزداد بها تسلطا وقهرا وعقما إداريا وعجزا عن التكافل الاجتماعى فتلجأ على مضض لترقيعات لا مركزية تحت وطأة المشاكل ولكن بلا جدوى..

7- الزكاة حلقة في سلسلة يقوى بعضها تشكل في مجموعها الملكية الإسلامية تبدأ الحلقة الأولى بالقيام المشروع ثم الحركة المشروعة داخليا تبدأ المشاركة وخارجيا بالتزام حدود السير من أوامر ونواه شرعية وبأداء حقوق السير في صورة الزكاة..

والضريبة حلقة في سلسلة من الحلقات يضعف بعضها بعضا يشكل مجموعها الملكية الرأسمالية تبدأ الأولى منها بقيام الملكية قياما قلما يكون مشروعا ثم تقوم الحركة الداخلية على الاستغلال ثم زوال الكثير من ضمانات السير على ما سبق ذكره..فكل من الزكاة والضريبة علامة على شكل مختلف عن الآخر من أشكال الملكية الخاصة...

البيئة الجديدة:

هى جديدة على علمنا بها رغم قيامها قبل ذلك وستكون جديدة على هذه المجتمعات المريضة يوم أن تقوم على أصولها, وفيما لا تجد آفة الربا جوا فاسدا تتنفس فيه وتتخلى عن مكانها في هدوء للقرض الحسن. تلك الأداة الجديدة لسد الحاجة إلى المال بين أرباب الأموال والمشروعات وستقوم دواوين الزكاة بدور المؤسسات المالية التى ستدفع حركة المشاركة في المجتمع الإسلامي.. ,تبرز لنا الآيات الكريمة ملامح هذا المجتمع الجديد فى قوله تعالى:" إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم أجر كريم" وفى قوله تعالى" وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون به وجه الله فأولئك هم المضعفون".

فالزكاة والقرض الحسن معالم هذه البيئة الجديدة يحققان لها ما ترجوه من أهداف اقتصادية وإنسانية كذلك.. ولن يعد بنا أية حاجة إلى دراسة الربا في البنوك الحالية وكيفية التخلص منها لأنها دراسة جزئية وعقيمة وتغفل أساس للبناء الاقتصادى كله ذلك الأساس الذى عندما يتغير من الملكية الرأسمالية إلى الملكية الاسلامية ستتغير داخله كل الأجهزة المالية وتتغير طبيعة عملها..

فالزكاة والقرض الحسن رايتان ترفرفان على ما تحتها من بيئة إسلامية والضريبة والربا رايتان منكستان تعلنان الحداد على ما تحتها من موات وإقامة البناء يسبق في الزمن إقامة الراية عليه ولعل هذا يفسر لنا لماذا كانت آيات تحريم لربا من آخر الآيات نزولا فقد خطب الرسول في حجة الوادع سنة 10 هـ قال: " ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربانا" ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله وعن ابن عباس في عمدة التفاسير قال:" آخر ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض قبل أن يفسرها لنا فدعوا الربا والريبة"...

والآن علينا أن نرى مصداق هذا الإطار التشريعى في مجال التطبيق داخل الجزيرة العربية حيث الأرض العشرية وفى خارج الجزيرة بعد الفتوحات حيث الأرض الخراجية ( أو الملكية العامة)..


الحلقة الثامنة والعشرون: ميدان التطبيق من أحيا أرضا ميتة فهى له

ليس ميدانا واحدا بل ميدانان متمايزان:

(أ)داخل الجزيرة العربية بعد الفتح حيث " الأرض العشرية" كنموذج عملى لملكية خاصة إسلامية بكل شرائطها في القيام والحركة كما سبق أن أوضحته النصوص.

(ب) خارج الجزيرة العربية بعد الفتوحات حيث " الأرض الخراجية" كنموذج عملى لملكية إسلامية بكل صور المعاملة الجديدة عليها كما سنوضحه بعد.

وإذا شئنا نقول هو ميدان واحد كبير ذو مرحلتين متصلتين رغم تمايزهما أحداهما هى الأصل والأمثل والأخرى الاستثناء الذى أتتا به الضرورة مهما كبرت.

وكان لذلك ديوان الزكاة كأصل يختلف عن ديوان الخراج كفرع مهما عظم شأنه في وقت من الأوقات فسلطان الأمام على الأول يختلف عن سلطانه على الديوان الثانى.

فهو في ديوان الزكاة لا يعطى ولا يمنع ومحكوم بالنصوص التى تحدد الأموال والنسب والإدارة والمصارف, وهو في الثانى ذو سلطان واسع حيث ينفق المال حسبما تكون المصلحة واختصاص عمال الخراج.

فكان لا يجوز لعامل الخراج أن يقسم ما جباه إلا بإذن أما عامل الزكاة فيقسم ما جباه من غير إذن ما لم ينه عنه.

وإذا فضل من مال الخراج فاضل لزم عامل الخراج حمله إلى الأمام ليضعه في بيت المال العام المعد للمصالح, أما إذا فضل من مال الصدقات فاضل لم يلزم عامل الزكاة حمله إلى الإمام وصرفه في اقرب إقليم ما لم ينبه .

بهذا يضيف التطبيق إلى علمنا بالنصوص ثروة تاريخية من الوقائع لا مثيل لها في تاريخ أمة من الأمم في مجال الملكية الخاصة والملكية العامة الإسلاميتين على السواء بما يبعدهما عن أى شبه بالرأسمالية أو الماركسية في التنظيم أو في الآثار الاجتماعية... ولنبدأ بذكر قصة التطبيق في كل ميدان.

أولا: في داخل الجزيرة العربية " الأرض العشرية"

إن حركة المؤشر المالى من الفئ إلى الزكاة يعطينا القدرة على تتبع حركة الثروة من أوضاعها الاستثنائية إلى الأوضاع المستقرة الطبيعية التى تثمر أكمل علاقات إنسانية, وقد تمر من الظروف ما تفرض الأولوية لهذا الوضع أو ذاك لكن هذه لظروف لا تطمس التفرقة بين الأصل والإستشثناء مهما امتدت في الزمان والمكان.

فالزكاة هى الأصل دائما,وعندما تؤخذ على الخارج من الأرض تسمى أرضا عشرية ويكون حكمها هو الأصل دائما في مجال التشريعات المالية.. يطول الزمن, وتتنوع الحلول الاستثنائية ولا تغيب هذه الحقيقة عن فهمنا أبدا وإلا أصبنا بهزيمة نفسية تجعلنا دائما في ركاب الأعذار والتبريرات.

وكان من الطبيعى إذن مع انتشار الإسلام في الجزيرة العربية وغلبته عليها أن تفيض مصادر الفئ الذى أخذت الزكاة تحل محله شيئا فشيئا ولقد بلغ الفئ أكبر قدر له مع بلوغ تيار الهجرة أقصى امتداد له قبل فتح مكة التى أعلن الرسول عندها أنه لا هجرة بعد الفتح..

وتصور وصية الرسول عليه الصلاة والسلام لأمرائه على الجيوش أو السرايا هذا الوضع المالى الذى يتغير بالهجرة أو باللقاء وذلك في قوله عليه السلام فى وصيته للأمير" وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم على إحدى ثلاث خصال فأيتهن ما جابوك إليها فأقبل منهم وكف عنهم: ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم أنهم أن فعلوا فإن لهم ما للمهاجرين فإن أبوا أن يتحولوا فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجرى عليهم حكم الله الذى يجرى على المسلمين ولا يكون لهم في الغنيمة والفئ شئ إلا أن يجاهدوا مع المسلمين.

هذا النص يوقفنا على ما كان عليه الحال في العهد الأول إذ جرت عادة المسلمين على تشجيع الهجرة اليهم ليكون المهاجرين الجدد عونا لهم وليستدفئوا لدينهم كذلك, وظلت هذه السنة ملازمة للحروب في الجزيرة العربية ومن هنا ظل مصدر الفئ والغنائم مستمرا حتى تم النصر المبين بفتح مكة..

ومن الفقهاء من كان يرى أن الفئ يعم جميع المسلمين, فالمهاجرون والمقيمون لهم حق فيه.. ويعقب الإمام أبو عبيدة بقوله : أنه لا تعارض بين الرأيين فلكل وجه غير وجه صاحبه حيث يرى أنه في بدء الإسلام كان الرسول يشترط الهجرة لمن ينال من الفئ لأن الله تعالى يقول:" ما لكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا" حتى أنه حدث ابن عباس بأن المهاجر كان لا يرث الأعرابى وهو مؤمن ولا يرث الأعرابى المهاجر كذلك فنسختها الآية الكريمة" وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله "

وعندما توطد الإسلام وانتشر في الجزيرة انتهت دواعى هذه الحال, وجاءت السنة المطهرة لتعلن أنه" لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونيه, وإذا استنفرتم فنفروا"..

وعندما قال فديك لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله إن الناس يزعمون أن من لم يهاجر هلك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" يا فديك أقم الصلاة وآت الزكاة واهجر السوء واسكن أرض قومك حيث شئت".

وعن الأوزاعى عن عطاء قال: زرت عائشة رضى الله عنها مع عبيد بن عمير فسألتها عن الهجرة فقالت: لا هجرة بعد اليوم.. كان المؤمن يفر يدينه إلى الله ورسوله مخافة أن تفتن عنه, فأما اليوم فقد أظهر الله الإسلام فالمؤمن من اليوم يعبد الله حيث شاء ولكن جهاد ونية".

وأورد الإمام أبو عبيد في " الأموال " آثارا تبين أن الرسول عليه السلام كان لا يفرق في أواخر أيامه في العطاء بين الأعراب والمهاجرين.

وكان المؤشر المالى يتحرك بدوره, من الفئ الذى أخذ يتناقض إلى الزكاة التى أخذت تنفرد بالمجتمع.. وتترجم ملكية الأرض هذه الحقيقة حيث كانت تؤول كل صور المعاملات عليها في النهاية إلى صورة واحدة هى الأرض العشرية على الأغلب..

إلا أن الفتوحات الاسلامية قد جددت موضوع الفئ في صورة كبيرة استلزمت الدواوين والعمال واستمرت زمنا طويلا وهى صورة الأرض الخراجية التى دخل سببها تغييرا جوهريا في النظام المالى في حياة المسلمين حيث أصبح بعد الفتوحات قرينا لنظام الزكاة وصار لكل عمال ودواوين ومصادر ومصارف .. وسنرى في مرآة التطبيق أحكام الأرض داخل الجزيرة العربية وخارجها وهى لم تخرج عن هذه الحالات السبع في الجزيرة العربية:

1- عادى الأرض:

أى الأرض التى لا مالك لها, وتسمى أيضا بالأرض الموات.. وقد أحيا النبى صلى الله عليه وسلم في أمرها ذلك المبدأ القديم الذى بدأت به الملكية في الأرض حيث قال:" من أعمر أرضا ليست لأحد فهو أحق بها". وعن يحيى عن أبيه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال:" من سبق إلى ما يسبق إليه مسلم فهو له" وقال :" عادى الأرض لله وللرسول ثم لكم من بعد فمن أحيا أرضا ميتة فهى له وليس لمحتجز حق بعد ثلاث سنين".. وليس بين الفقهاء خلاف في ذلك وإنما الخلاف في هل يصبح المرء مالكا للأرض بمجرد عمارتها أم يلزم لتحقيق الملكية وثبوتها من إذن الإمام وإقراره.

والصوافى تأخذ نفس المعاملة وهى الأرض التى أصفتها الدولة بعد إخراج أهلها عنها كأراضي بنى النضير حول المدينة أو الأراضى إلى كان يملكها كسرى أو التى هرب أهلها أو ماتوا أثناء الفتوحات وقد بلغت في عهد عمر بن الخطاب رضى الله عنه 4 مليون جريب, وكان عمر يقطع منها لمن أقطع.

والحكم فيمن يمتلك أرضا من الموات أو الصوافى أن أرضه تكون مملوكة له ملكية خاصة ليس عليه فيها سوى العشر.. فهى أرض عشرية.

2- أرض أسلم عليها أهلها:

وقد جرى عمل النبى فيها" أن القوم إذا أسلموا أحرزوا دماءهم وأموالهم" وأنه " من أسلم على شئ فهو له" وهو مبدأ ينطبق على الأموال المنقولة والعقارية. والذى تشهد له الأحاديث والآثار النبوية . إن النبى صلى الله عليه وسلم لم يتعرض قط في بقعة من بقاع العرب لشئ مما كان في أيدى المهتدين إلى الإسلام أدنى تعرض بل بقى كل منهم مالكا لما كان يملكه قبل إسلامه..

وقد شرح القاضى أبو يوسف هذا المبدأ كتبه على هارون الرشيد "وسألت يا أمير المؤمنين عن قوم من أهل الحرب أسلموا على أنفسهم وأرضيهم ما الحكم في ذلك؟... فكل أرض أسلم عليها وهى من أرض العرب أو أرض العجم فهى لهم وهى أرض عشر بمنزلة المدينة حين اسلم عليها أهلها وبمنزلة اليمن, وكذلك كل من لا تقبل منه الجزية ولا يقبل منه إلا الإسلام أو القتل من عبدة الأوثان من العرب فأرضهم أرض عشر وإن ظهر عليها الإمام..

وفى هذا الشأن يقول الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام " وجدما الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده قد جاءت في افتتاح الأرضيين بثلاث أحكام.. أرض أسلم عليها أهلها فهى لهم ملك إيمانهم وهى أرض عشر. لا شئ عليهم فيها غيره"

وقال أيضا" كل أرض أسلم عليها أهلها فهم مالكون لرقابها كالمدينة والطائف و اليمن و البحرين وكذلك مكة إلا أنها كانت افتتحت بعد القتال ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم من عليهم فلم يعرض لهم في أنفسهم ولم يغنم أموالهم.. فلما خلصت لهم ثم أسلموا بعد ذلك كان أسلامهم على ما في أيديهم فلحقت أرضوهم بالعشر".

وقال ابن القيم في زاد المعاد" وكان هديه صلى الله عليه وسلم أن من أسلم على شئ في يده فهو له ولم ينظر إلى سببه قبل الإسلام بل يقره في يده كما كان قبل الإسلام".

3- أرض الصلح:

وهى التى قام بين أهلها وبين المسلمين صلح ليبقوا على دينهم.. " فهم ما صولحوا عليه" لقوله عليه الصلاة والسلام " أنكم لعلكم تقاتلون قوما فيتقونكم بأموالهم دون نفوسهم وأبنائهم ويصالحونكم على صلح فلا تأخذوا منهم فوق ذلك فإنه لا يحل لكم"

وعلى هذا المبدأ فقد ترك النبى صلى الله عليه وسلم كل من صالحه من أرض نجران ودومة الجندل وأهل مقنا وأهل جرباء وأهل تبوك وأهل تيماء وأيلة وأذرعات وهجر وما إليها من القبائل الأخرى مقيمين في أراضيهم وضياعهم وصناعتهم وتجاراتهم شأنهم من قبل واكتفى بأن يأخذ منهم من الجزية والخراج على ما كان قد صالحهم عليه..

وعلى هذا سار الخلفاء الراشدون من بعده, فكل مدينة او قرية في العراق أو الشام والجزيرة و مصر وأرمينية أذعن أهلها بطريق المصالحة بقى في أيديهم كل ما كانوا يملكونه ولم يؤخذ منهم شئ غير ما صولحوا عليه من المال. ولما نقل أهل نجران من داخل الجزيرة إلى العراق والشام عوضوا عما كانوا يملكونه من أرض زراعية ومساكن بأرض مثلها وزيادة عملا بوصية عمر رضى الله عنه" اما بعد فمن وقعوا به من أمراء الشام أو العراق فليوسعهم من خريب الأرض وما اعتملوا به من شئ فهو لهم لوجه الله تعالى. ومن ثم فقد أقرت السنة مبدأ الملكية لأهل الصلح على أرضهم وأوضح الفقه ذلك : فعن أشعث بن سيرين قال:" من السواد ما أخذ عنوة ومنه ما كان صلحا فما كان صلحا فهو مالهم وما كان عنوة فهو فئ للمسلمين"

وقال أبو عبيدة: فقوله ( فهو ما لهم) يعلمك أنه لا باس من شرائه. وقال مالك:" كل أرض افتتحت صلحا فهى لأهلها لأنهم منعوا بلادهم حتى صولحوا عليها".

تبدو قيمة هذا الحكم فيما لو أسلم أهل أرض الصلح فيما بعد حيث يسلمون على أرض هى ملكهم فتصير بعد إسلامهم أرضا عشرية ليس عليهم فيها سوى الزكاة( العشر أو ربع العشر) ويجرى التعامل عليها بنظام المشاركة السابق ذكره. والمر الذى تحقق فيما بعد.

4- أرض فتحت عنوة:

هى غنيمة للمسلمين التى افتتحوها يصيبهم 4/5 تقسم عليهم للراجل سهم وللفارس سهمان أو ثلاثة أما 1/5فيكون لبيت المال يوزع على مستحقيه.. هذا ما نفذه الرسول في أرض خيبر التى فتحت عنوة(7هـ) وكانت ثمانية حصون: ناعم, والقموص, شق, النطاة, الكتيبة, الوطيح, والسلالم, حصن الصعب بن معاذ( وكان أعظم حصون خيبر وأكثرها مالا وطعاما وحيوانا) فتحت جميعها عنوة ما عدا الوطيح والسلالم ففتحا صلحا بعد أن حوصرا.. وقد قسم الرسول الستة الباقية أى خمسها كما تقضى الآية الكريمة, فكانت " الكتيبة" لله والرسول بحق الخمس في مصارفه الخاصة والباقى للمسلمين وكان عددهم 1400 منهم 200 فارس , 1200 راجل فأعطى الفرسان 600 سهم 3 لكل منهم وأعطى الراجلين 1200 سهم لكل راجل سهم فكان مجموعه السهام 1800 جعلت 18 قسما كل قسم يشمل 100.. وهكذا.

معنى هذا ان كل واحد أصبح مالكا لأسهمه من الأرض ملكية خاصة ليس عليه فيها سوى العشر وتعتبر أرضا عشرية...

غير انه لما هم الرسول بإخراج اليهود من هذه الأرض ليسلمها للمالكين الجد جاءوه وقالوا له نحن أعلم بالأرض منكم, دعونا نعمل فيها ونعمرها لكم بشطر ما يخرج منها فأقرهم النبى صلى الله عليه وسلم وقال:" نقركم فيها على ذلك ما شئنا".وعليه فقد أوقف التقسيم.

وسار الأمر على هذا الحال عهد عمر بن الخطاب رضى الله عنه عندما إجلاهم من الجزيرة عملا بوصيه الرسول بألا يجتمع في جزيرة العرب دينان, وبعد أن أجلاهم أعلن رضى الله عنه أن من كان له مال في خيبر فليلحق به وخير أزواج النبى صلى الله عليه وسلم فمنهن من اختارت الأرض ومنهن من اختارت تعويضا عنها وحفصة رضى الله عنها اختارت الأرض.. ومعنى هذا صيرورة الأراضى عشرية في ايدى أصحابها الذين تسلموها..

وهناك معاملة ثانية للأرض التى فتحت عنوة وهى التى فعلها الرسول في فتح مكة حيث قال لأهلها لا تثريب عليكم ولم يتعرض لهم في نفوسهم ولا في أموالهم فظلوا كما كانوا أو صارت أرضوهم بعد إسلامهم عشرية.. ومن الفقهاء من يرى أن هذه المعاملة لأهل مكة التى فتحت عنوة تعتبر خصوصية لهم دون غيرهم وليست حكما ثانيا للأرض المفتوحة عنوة.

5- أرض الصدقات:

وهى ملك لبيت المال: وكانت هذه الأرض تحت تصرف الرسول ينفق منها على شئون المسلمين وعلى شؤونه الخاصة وهى محصورة لأنه قبض غنها فتعينت وكانت تشمل 6 قطع من الأراضى لكل منها سبب خاص في تملك بيت المال لها وهى:

1-أرض مخيرق الحبر اليهودى من أموال بنى النضير وقدرها سبعة حوائط آمن مخيرق بالرسول وأوصى بها ان قتل لرسول الله صلى الله عليه وسلم... وقد استشهد في أحد..

2-أرض بنى النضير: وهى أول أرض أفاءها الله على المسلمين إلا ما كان ليامين بين عمير وأبى سعيد بن وهب فإنهما أسلما قبل الظفر فأحرز لهما اسلامهما جميع أموالهم.. ولقد قسم الرسول ما سوى الأرض من على المصلحة العامة فكانتمن صدقاته يضعها حيث يشاء, وكان ينفق منها أموال على المهاجرين واثنين من الأن صار كما سبق أن رأينا وحبس الأرض على أهله نفقة وما بقى جعله في الكراع وسلاح عدة في سبيل الله.

3- ثلاث حصون من خيبر آلت إلى بيت المال : حصن الكتيبة بحق الخمس بعد الفتح عنوة لأن الأربعة أخماس وقدرها 5 حصون وزعت على المقاتلين.. اما حصنا السلالم والوطيح فقد فتحا صلحا فصارت هذه الحصون الثلاثة بلفئ والخمس خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت من صدقاته..

4- النصف من فدك: لما فتح الرسول خيبر جاءه أهل فدك فصالحوه بسفارة محيصة بن مسعود على أن له نصف أرضهم ونخلهم يعاملهم عليه ولهم النصف فصار النصف منها من صدقاته معاملة مع أهلها بالنصف من ثمرها والنصف الآخر لهم إلى أن أجلاهم عمر بن الخطاب رضى الله عنه فيمن أجلاه من أهل الذمة من الحجاز.. فقوم فدك ودفع إليهم نصف

القيمة فبلغ 60,000 درهم وكانالذى قومها مالك بن التيهان وسهل بن أبى ضمة وزيد بن ثابت فصار نصفها من صدقات الرسول ونصفها الآخر لكافة المسلمين ومصرف النصفين سواء.

5- الثلث من وادى القرى لأن ثلثها كان لبنى عذره وثلثيها لليهود فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على نصفه فصارت أثلاثا1/3 لرسول الله وهو من صدقاته 1/3 لليهود 1/3 لبنى عذرة. فلما أجلاهم عمر بن الخطاب قوم حقهم فبلغ 90,000 دينار فدفعها إليهم ثم عرض عرض على بنى عذره نصفها فدفعوا45,000 دينار فصار نصف الوادى لبنى عذرة والنصف الآخر الثلث منه في صدقات الرسول والسدس لكافة المسلمين ومصفر جميع النصف سواء.

موضع سوق بالمدينة يقال له مهروز استقطعا مروان بن عثمان رضى الله عنه فنقم الناس عليه فاحتمل أن يكون اقطاع تضمين لا تمليك ليكون له في الجواز وجه.

أما ما سوى هذه الصدقات فهى من الأموال الخاصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال المواردى: ذكر الواقدى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورث من ابيه عبد الله أم أيمن الحبشية واسمها بركة, وخمسة أجمال وقطعة من غنم وقيل ومولاه شقران وابنه صالحا وقد حضرا بدرا.

وورث من أمه آمنة بنت وهب الزهرية دارها التى ولد فيعا شعب بنى على وورث من زرجته خديجة رضى الله عنها دارا بمكة بين الصفا والمروة خلف سوق العطارين وأموالا.

وهذه الصناف من أراضى الصدقات كانت مملوكة لبيت المال يباشر عليها الإمام من التصرفات ما يراه من المصلحة نيابة عن المسلمين فهى من ثم ليست أرضا عشرية لأن إنتاجها كله كان في مصالح المسلمين ويقوم الإمام باستثمارها وقد رأينا أن المعاملة عليها كانت على النصف.. ومع أن للإمام أن يباشر عليها من تصرفات المالك نيابة عن الأمة حسبما تكون المصلحة إلا أن المسلمين كانوا يتحرجون من تغيير وضعها أو إجراء أى تصرف عليها يخرجها من ملك بيت المال لها وكانت وكالة الإمام وكالة مقيدة وليست عامة.. ولذلك نقم الناس على عثمان رضى الله عنه أنه قطع مروان موضوع سوق بالمدينة يقال له مهروز ويعقب الإمام الماوردى قائلا:" فاحتمل أن يكون اقطاع تضمين لا تليك ليكون له في الجواز وجه".

كذلك عندما وضع معاوية يده على فدك مغيرا بذلك سنة أبى بكر وعمر اللذين جعلاها مالا عاما ثم أقطعها لمروان بن الحكم عاملة على المدينة دورتها أبناؤه من بعده لم يسترح المسلمون لذلك حتى إذا جاء عمر بن عبد العزيز وكانت قد خلصت إليه ردها إلى ما كانت عليه.

وتختلف أراضى الصدقات هذه عن أرض الحمى كما يعرفه المارودى هو المنبع من إحياء الموات إملاكا ليكون مستبقى الإباحة لنبت الكلأ ورعى المواشى وقد حمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة وصعد جبلا بالبقيع( قال أبو عبيد هو النقيع بالنون) وقال هذا حماى وأشار بيده إلى القاع.. وغذ كان الحمى يشكل حكما سادسا للأرض داخل الجزيرة فسنفرده بتوضيح.

6- أرض الحمى:

حمى الموات هو المنع من أحيائه تمليكا ليكون مستقبى الإباحة لنبت الكلأ ووعى الماشية وقد قدرت الأرض التى حماها الرسول ( أرض البقيع)

بأنها قدر ميل في ستة أميال حماه لخيل المسلمين من المهاجرين والأنصار.وقد حمى أبو بكر رضى الله عنه أرضا بالسرف واستعمل عليها مولاه أبا سلامة . وحمى عمر رضى الله عنه من الزبدة مثل حماه أبو بكر وولى عليه مولاه هنى ..

ولما جاء أهلها يقولون: يا أمير المؤمنين: أنها بلادنا قاتلنا عليها في الجاهلية, وأسلمنا عليها في الإسلام علام تحميها؟ فأطرق عمر ثم قال: المال مال الله والعباد عباد الله والله لولا ما أحمل عليه في سبيل الله ما حييت من الأرض شبرا في شبر.

ولما استعمل هنى على حمى لا ربذة أوصاه بقوله:" يا هنى : أضم جناحك عن الناس , اتق دعوة المظلوم, فإنها مجابة, وادخل رب الضريبة والغنيمة, ودعنى نم نعم ابن عفان, ونعم ابن عوف فإنهما أن هلكت ماشيتها رجعا إلى نخل وزرع, وإن هذا المسكين إن هلكت ماشيته جاءنى يصرخ : يا أمير المؤمنين: أفتاركهم أنا أبا لك؟ فالكلأ أيسر على من الذهب والورق وأنها لأرضهم قاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليه في الإسلام, وأنهم ليرون أنى ظلمتهم, ولولا النعم التى يحمى عليها في سبيل الله ما حميت من الناس شيئا من بلادهم"

وتوضح كتب الفقه حدود الحمى بعد السول:

أما عن حمى الأئمة من بعد الرسول فإن حموا جميع الموات أو أكثره لم يجز وإن حموا أقله لخاص من الناس أو لأغنيائهم لم يجز وإن حموه لكافة المسلمين أو للفقراء والمساكين, ففى جوازه قولان: أحدهما لا يجوز ويكون الحمى خاصا لرسول الله صلى الله عليه وسلم لراوية الصعب بن جثامة رسول لله صلى الله عليه وسلم حين حمى البقيع قال " لا حمى إلا الله ولرسوله".

والقول الثانى, أن حمى الأئمة بعده جائز كجوازه له لأنه يفعل ذلك لصلاح المسلمين لا لنفسه فكذلك من قام مقامه في مصالحهم وقد حمى أبو بكر رضى الله عنه من الربذة لأهل الصدقة, وحمى عمر رضى الله عنه من السرف مثل ما حماه أبو بكر وولى عليه هنى وأوصاه وصيته المشهورة, فأما قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:" لا حمى إلا الله ولرسوله" فمعناه لا حمى إلا على مثل ما حماه الله ورسوله للفقراء والمساكين ولصالح كافة المسلمين لا على مثل ما كانوا عليه في الجاهلية من تفرد العزيز منهم بالحمى لنفسه.

7- الثروة الطبيعية:

قال صلى الله عليه وسلم :" الناس شركاء في ثلاثة: الماء والكلأ والنار" وفى رواية: والملح.. كما تفيد الآثار, أنه صلى الله عليه وسلم قد استرجع أرض العقيق ممن قطعها له – وهى أرض ملح – بعد أن قال له أحد الصحابة إنما أقطعته لماء الفرات كناية عن عموم نفعها وكبير أهميتها مثل ماء النهر سواء بسواء.

فمرمى قول الرسول وفعله, أن ترتفع كل الأيدى عن هذه الموارد الطبيعية فلا تجرى عليها من التصرفات ما يجريه المالك في ملكه .. سواء في ذلك أيدى الأفراد والحكام ولكن يبقى للدولة دورها الوظيفى التنظيمى حسبما تمليه نيابتها عن الأمة للمصلحة المشتركة لا حسبما يمليه التحكم في الأرزاق والحريات والتسلط باسم التأميم.. وقد أخطأ من استند إلى هذا الحديث في إعطائها هذا السلطان المطلق .. وإذا كانت هذه الثروة في الجزيرة العربية وقتئذ لا تتعدى الماء والكلأ والملح والنار فإنها في بلاد أخرى تتمثل في الأنهار – والمناجم والمصايد والغابات والشلالات وما إلى ذلك.

هذه هى حالة الأرض في الجزيرة العربية في ظل الإسلام كلها تفصح عن سيادة الملكية الخاصة المرتبطة بالزكاة ( أرض عشرية) بجوار حكمى أرض الصدقات وأرض الحمى لوضعهما الخاص.. وحان موعدنا مع الأرض خارج الجزيرة العربية بعد الفتوحات..


الحلقة التاسعة والعشرون: التطبيق .. خارج الجزيرة العربية

- المنطق النفسى... يعزز المنطق القانونى

- نظرات جديدة.. في قضية " الخراج"

نظرة على خريطة العالم في الشرق والغرب قبل الفتوحات الاسلامية كفيلة بأن تجعل الإنسان يقتنع بما قاله بينز عن حالة الإمبراطورية البيزنطية وهو قول يصدق أيضا على الإمبراطورية الفارسية بأنه – لم يكن هناك شئ متقين منه إلا أمران: الموت والضرائب.

ويكاد يكون هذان الأمران المتقين منهما أيضا في أنظمة اليوم وهما المتيقن منهما على الدوام في كل المجتمعات التى حرمت هدى الإسلام..

كانت هناك ضرائب على الأرض ولتطهير القنوات وضرائب على الرأس, وعلى الأراضى المشغولة بالبناء من المدن وعلى المنازل وعلى كل فصيلة من الماشية وعلى أنواع المهن وعلى المبيعات وعلى النقل من خارج القطر وفى داخله وعلى التركات وهدايا تقدم إلى الملك وقرابين تقدم للكنائس وغير ذلك من صور التفنن في مص دماء الشعوب.

وعلى هذه الغابة المالية المظلمة خرجت جحافل النور من الجزيرة العربية لتبدد الظلام وترفع عن الناس أصرهم والأغلال التى كانت عليهم وأصاخ هذا العالم السادر إلى صوت الحق المدوى يوقظ الحكام المتألهين من غفلتهم" أما بعد: فإن الله قد ابتعثنا ليخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة".

وهكذا تعرضت الرسالة الإسلامية في فتح بلاد الفرس والروم لاختيار جديد حين واجهت مشكلة الأراضى الزراعية الشاسعة وما يترتب على معاملتها من نتائج اجتماعية بعيدة المدى.

ولو كانت هذه البلاد لم تعتد لما سلك المسلمون معها سوى طريق الدعوة امتدادا لما فعله الرسول الكريم مع كسرى وهرقل فلما اعتدت سير إليها الجيوش تعرض إحدى ثلاث: الدخول في الإسلام أو الجزية أو القتل..

ولو كانت هذه البلاد قد قبلت الإسلام لعصموا بذلك دماءهم وأموالهم ولأصبح لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم أى لصارت أرضهم ملكا خالصا لهم ليس عليهم فيها إلا الزكاة أى أرضا عشرية محددة النسب والمصارف ليس لحاكم فيها مغنم ولانحطت عنهم شبكة الضرائب الخالقة.

ولو كانت هذه البلاد قد قبلت دفع الجزية لظلوا أيضا ملاكا لأرضهم في نطاق شرائعهم, ولم يكن عليهم في أموالهم سوى الجزية.

ولكنها اختارت الطريق الأصعب – طريق القتال – أو بمعنى أدق اختاره لها حكامها من الطغاة والكهان والمترفون وأصحاب المصالح في استمرار هذه الأنظمة المنتكسة الجائزة... اختاروه وأكرهوا شعوبهم المستعبدة فأصلوها نار الحرب.

فكان عاقبة ذلك أن فتحت هذه البلاد عنوة ,وأصبحت هذه الأراضى الشاسعة معرضة لتطبيق حكم الأرض التى تفتح عنوة عليها..

ووقفت المشكلة أمام عمر بن الخطاب رضى الله عنه يحاول لها حلا يحقق النص والحكمة منه من خلال الضرورات العملية.

وجها لوجه:

وبدأ عمر بن الخطاب رضى الله عنه يشاور أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قسمة الأرض التى أفاء الله على المسلمين من أرض


الحلقة التاسعة والعشرون: التطبيق ... خارج الجزيرة العربية

- المنطق النفسى.. يعزز المنطق القانونى

- نظرات جديدة.. في قضية" الخراج"

نظرة على خريطة العالم في الشرق والغرب قبل الفتوحات الإسلامية كفيلة بأن تجعل الإنسان يقتنع بما قاله بينز عن حالة الامبراطورية البيزنطية وهو قول يصدق أيضا على الامبراطورية الفارسية بأنه – لم يكن هناك شئ متيقن منه إلا أمران: الموت والضرائب.

ويكاد يكون هذان الأمران المتقين منهما أيضا في أنظمة اليوم وهما المتقين منهما على الدوام في كل المجتمعات التى حرمت هدى الإسلام.

كانت هناك ضرائب على الأرض , ولتطهير القنوات وضرائب على الرأس وعلى الأراضى المشغولة بالبناء من المدن وعلى المنازل وعلى كل فصيلة من الماشية وعلى أنواع المهن وعلى المبيعات وعلى النقل من خارج القطر وفى داخله وعلى التركات وهدايا تقدم إلى الملك وقرابين تقدم للكنائس وعير ذلك من صور الفتن في مص دماء الشعوب.

وعلى هذه الغابة المالية خرجت جحافل النور من الجزيرة العربية لتبدد الظلام وترفع عن الناس أصرهم والأغلال التى كانت عليهم وأصاخ هذا العالم السادر إلى صوت الحق المدوى يوقظ الحكام المتألهين من غفلتهم" أما بعد: فإن الله قد ابتعثنا ليخرج من شاء من عبادة العباد الواحد أو المرأة الواحدة ثم يأتى من بعدهم قوم يسدون من الإسلام مسدا وهم لا يجدون شيئا فانظر أمر يسع أولهم وآخرهم". فأرسل عمر رضى الله عنه إلى عشرة من الأنصار خمسة من الأوس وخمسة من الخزرج من كبرائهم وإشرافهم فلما اجتمعوا حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال:

أنى لم أزعجكم إلا لأن تشركوا في أمانتى فيما حملت من أموركم فإنى واحد كأحدكم وأنتم اليوم تقرون بالحق, خالفنى من خالفنى ووافقنى من وافقنى, ولست أريد أن تتبعوا هذا الذى هو هواى؟

معكم من الله كتاب ينطق بالحق فوالله لئن كنت نطقت بأمر أريده ما أريد به إلا الحق..

قالوا: نسمع يا أمير المؤمنين.

قال : قد سمعتم كلام هؤلاء القوم الذين زعموا أنى أظلمهم حقوقهم وأنى أعوذ بالله أن أركب ظلما لئن كنت ظلمتهم شيئا هو لهم وأعطيته غيرهم لقد شقيت ولكن رأيت أنه لم يبق شئ يفتح بعد أرض كسرى وقد غنمنا الله أموالهم وأرضهم وعلوجهم فقسمت ما غنموا من أموال بين أهله وأخرجت الخمس فوجهته على وجهه وأنا في توجيهه وقد رأيت أن أحبس الأرضين بعلوجها وأضع عليهم فيها الخراج وفى رقابهم الجزية يؤدنها فتكون فينا للمسلمين : المقاتلة والذرية ولمن يأتى من بعدهم..

أرأيتم هذه الثغور لابد لها من رجال يلزمونها.

أرأيتم هذه المدن العظام كالشام والجزيرة والكوفة والبصرة و مصر لابد لها من أن تشحن بالجيوش ودرار الطعام عليهم – فمن أين يعطى هؤلاء إذا قسمت الأرضون والعلوج؟!

فقالوا جميعا : الرأى رأيك فنعم ما قلت وما رأيت إن لم تشحن هذه الثغور وهذه المدن بالرجال وتجرى عليهم ما يتقون به رجع أهل الكفر لى مدنهم. فقال : قد بان لى الأمر. فمن رجل له جزالة وعقل يضع الأرض مواضعها ويضع على العلوج ما يحتملون؟ فاجتمعوا له على عثمان بن حنيف وقالوا تبعثه إلى أهم من ذلك, فإن له بصرا وعقلا وتجربة.. فأسرع إليه عمر فولاه مساحة السواد التى بلغت في عهده 36 مليون جريب – الفدان المصرى يساوى 3 أجرية وكسر قليل7/100 وضع على جريب الزرع درهما وقفيز وعلى الكرم 10 دراهم , وعلى لرطبة 5 دراهم.. أما الجزية فكانت بين 12 -24-48 درهما حسب القدرة.. وألغيت جميع شبكة الضرائب الباهظة التى كانت تئن منها الشعوب هذه البلاد والتى كانت تلاحق كل شئ في حياتهم .. وقد بلغ مقدار جباية سواد الكوفة وحدها قبل أن يموت عمر رضى الله عنه مائة ألف ألف درهم – 100 مليون.

وقد أرسل عمر ابن الخطاب كتبه إلى الأمراء بما استقر عليه الأمر وقد بعث إلى سعد بن ابى وقاص يقول :" أما بعد فقد بلغنى كتابك تذكر فيه أن الناس سألوك أن تقسم الأرض بينهم مغانم وما أفاء الله عليهم.فإذا أتاك كتابى هذا فانظر ما أجلب الناس عليك به من العسكر من كراع ومال فاقسمه بين من حضر واترك الأرضيين والأنهار لعمالها ليكون ذلك من أعطيات المسلمين فإنك أن قسمتها بين من حضر لم يكن لمن بعدهم شئ.

النص والاجتهاد:

واضح أن اجتهاد عمر رضى الله عنه لم يلغ النص الذى يجعل الأرض المفتوحة عنوة غنيمة للمسلمين تقسم عليهم كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم بأرض خيبر وإنما اجتهاد في تطبيق النص بما يؤدى الغرض لمجموع المسلمين وبما يتمشى مع الواقع الجديد الذى كان يفرض عليهم دوام الاستعداد للقتال وعدم الانشغال بالزراعة ودوام ضمان المدد من خلفهم, وبما يضع في الاعتبار حياة اهالى البلاد الذميين أيضا وأمنهم واستقرارهم..

ومع التسليم بحق المسلمين في ملكيتها بعد تقسيمها إلا أن الأمر هنا يختلف عنه داخل الجزيرة العربية, التى كان نصيب المقاتلين منها 4/5 لم تكن تتعدى في الأغلب أدوات القتال والأغنام والأبل وقليلا ما كانت الأرض الزراعية ضمن الغنائم حتى إن توزيعها وتعميم النص عليها لم يكن يثير أية مشكلة.. مثلما حدث في أرض خيبر وأرض وادى القرى..

ولكن الأمر خارج حياة الجزيرة جد مختلف فالأراضي المفتوحة عنوة شاسعة المساحة يتعلق بها حياة الملايين من أهالى البلاد المفتوحة فضلا عن ما يتطلبه الفتح من تفرغ الجيوش لمهمة القتال..

وقد كان مصير أهل البلاد المفتوحة هو الآخر أحد أوجه الاعتبار القرية التى أسهمت في تقرير وضع الخراج فقد ذكر حارثة بن مضرب عن عمر أنه هم بالفعل أن يقسم السواد بين المسلمين وأمر بإحصاء الحالة فوجد الرجل من المسلمين يصيب ثلاثة من الفلاحين فشاور في ذلك فقال له على بن أبى طالب دعهم يكونوا مادة للمسلمين فتركهم وبعث عليهم عثمان ابن حنيف فوضع عليهم الجزية على ما سبق ذكره.

وما يوضح أن هذا الاجتهاد الذى اقتضته الضرورة لم يعطل النص أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: " لولا آخر الناس ما فتحت قرية إلا قسمتها كما قسم الرسول صلى الله عليه وسلم خيبر" وبهذا كان يأخذه مالك بن أنس وبهذا أشار الزبير ابن العوام على عمرو بن العاص لما فتح مصر فاستمهله حتى يستشير عمر. وقال ابو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " أيما قرية أتيتموها وأقمتم فيها فسهمكم فيها وأيما قرية عصت الله ورسوله فإن خمسها لله ولرسوله ثم هى لكم" أى أن أسلمت ابتداء فلهم من مصارف الزكاة سهم في سبيل الله.

وقال بعض الناس أن عمر فعل ما فعل برضى من الذين افتتحوا الأرض واستطابة أنفسهم وكان سيدنا عمر قد أعطى بالفعل قبيلة بجيلة نصيبها من السواد يوم القادسية وكان يبلغ الربع لأن القبيلة كانت ربع الناس, ولما أراد استرجاعها لتخضع لما استقر عليه الاجتهاد قال لجرير شيخ القبيلة: يا جرير لولا أنى قاسم مسئول لكنتم على ما جعل لكم وأرى الناس قد كثروا فأوى أن تردوه عليهم ففعل جرير.. فأجازه عمر بثمانين دينار. ويفسر الإمام أبو عبيد هذا الاسترضاء بأن سيدنا عمر قد نقل القبيلة هذه الأرض قبل خروجها للحرب فكأنهم ملكوه بالفعل ومن هنا يرى أنه لا وجه لمن يزعم بأنه لابد للإمام من استرضاء المسلمين وإنما الإمام بالخيار في هذا الأمر...

النتيجة: أنمه قامت أضخم صورة للملكية لعامة على وجه الأرض ذات صبغة اسلامية في دوافعها وآثارها الاجتماعية وأعطانا الإسلام وجها من أوجه الحلول الاقتصادية مثلما أعطانا في داخل الجزيرة العربية نموذجا للملكية الخاصة الاسلامية التى لا تشابه من قريب أو بعيد مع الملكية الرأسمالية وهو اليوم يكرر عظمته في هذه الملكية العامة التى لا تتشابه من قريب أو بعيد مع الماركسية فهو غنى دائما بحلوله الذاتية المنبثقة من عقيدة التوحيد وغايات الإنسان الربانية. بل وسيادته على الظروف المادية يشكلها ويسخرها لأهدافه السامية ولكن أصحاب التاريخ المجهول لا يقرؤون ويستمرئون التسول..

وعليه فقد استقر العمل على ترك الأرض في ايدى أهلها الذميين عليها الخراج وعليهم الجزية لا باعتبارهم ملاكا وإنما باعتبارهم منتفعين لهم حق انتفاع أما الملكية فهى لمجموع المسلمين.

وكان الخراج يقدر على أساس أن تقدر غلة الأرض ثم يترك للفلاحين ما يحتاجون إليه من نفقة لهم ولعيالهم ولمن تلزمهم ثقفاتهم للسنة كلها مع زيادة يدخرونها للنوائب ثم يأخذ بيت مال الخراج – ديوان الخراج – ما بقى لينفقه الإمام في مصالح لمسلمين..

ونظمت قوائم وقواعد العطاء لجميع القبائل الفاتحة ن دواوين الخراج وكانت النسبة المقررة من الخارج تزداد وتنقص حسب جودة الأرض ونوع المحصول.

واكتفى المسلمون بالبقاء في معسكرات خاصة بهم كان لهم في بنائها أسلوب خاص يبدأ بتحديد موقع المسجد الكبير ثم تتجه كل الشوراع الرئيسية إليه مثل الأشعة حول قرص الشمس ثم يخصص لكل قبيلة منطقة سكنية خاصة بها..

وهذه المعسكرات هى التى تحولت بالاستقرار إلى شكل لمدن المبنية بعد ذلك مثل البصرة والكوفة والفسطاط والرباط والقيروان وغير ذلك من المدن التى نشأت على أيدى الفاتحين والتى كانت نواتها المعسكرات.

وبدأت شمس هذا المجتمع النموذج تشع على ما يحاورها من ظلام الأنظمة الجاهلية شيئا فشيئا من غير إكراه في الدين وكل ما كان بين الظلام والنور من علاقة إنما كانت في جباية الخراج على قواعده العادلة ليذهب ما يتبقى بعد كفاية العاملين إلى ديوان الخراج ليوضع في أعطيات المسلمين..

وكان للسكن والشراء بين هذين النموذجين قواعد وضوابط في بداية العهد بالفتوحات فلم يكن يسمح للذميين أن يبيعوا شيئا من الأرض الخراجية لأحد من المسلمين لأنهم لا يملكون رقبتها وإنما هم إجراء عليها.. وسكت المسلمون على ما كان يجرى بين الذميين أنفسهم من تصرفات البيع والشراء والميراث ما دامت الأرض تحت أى يد منهم ستظل محملة بقيمة الخراج فالأهالي الذميين في واقع الأمر يتبايعون ويتوارثون حقوق الانتفاع فقط..

وفوق الخراج كانوا يدفعون الجزية على رؤوسهم مقابل قيام المسلمين عنهم بمهمة القتال والدفاع ومن يقاتل مع المسلمين كانت توضع عنه الجزية كما سجل التاريخ آنذاك.

وتوضح واقعة ابن فرقد حدود التعامل على هذه الأرض.. فقد قال عمر رضى الله عنه لعتبة بن فرقد حين اشترى أرضا على شاطئ الفرات ممن اشتريتها؟!

قال: من أربابها. فلما اجتمع المهاجرون والأنصار عند عمر قال : هؤلاء أهلها فهل اشتريت منهم شيئا؟ قال: لا...

قال: فارددها على من اشتريتها منه وخذ مالك.

ويقول الإمام أبو عبيدة" مذهب الخراج مذهب الكراء فكأنه أكرى كل جريب بدرهم وقفين في السنة وهذا حجة لمن قال : إن السواد فئ للمسلمين وإنما أهلها فيها عمال لهم بكراء معلوم يؤدونه ويكون باقى ما تخرج الأرض لهم" ويقول:" أن معنى الخارج في كلام العرب هو الكراء والغلة ألا تراهم يسمون غلة الأرض والدار والملوك خراجا..".

وعن ابى عياض عن عمر قال :" لا تشتروا رقيق أهل الذمة فإنهم أهل خراج وأرضوهم فلا تبتاعوها ولا يقرن أحدكم بالصغار بع إذ نجاه منه".

وعن أبى عقيل بشير بن عقبة - عن الحسن قال:" لا تشتروا رقيق أهل الذمة ولا أراضيهم , قال : فقلت للحسن لم قال لأنهم فئ للمسلمين". ويقول أبو عبيد موضحا:" أراه يعنى بالشراء هنا – الاكتراء – لأنه لا يكون مشتريا والجزية على البائع وقد خرجت الأرض من ملكه" وعن الليث بن سعيد بن أبى جعفر القرظى قال : ليس بشراء أرض الجزية بأس : يريد كراءها.

الموقف النفسى:

وفوق المنطق القانونى في المنع كان هناك الموقف النفسى لدى المسلمين أنفسهم تجاه أرض الخارج, فقد كانوا يستهجنون اكتراء أرض أهل الذمة لما يترتب عليها في عنق المسلم من خراج كانوا يرونه ذلا وصغارا فعن قبيصة بن ذؤيب قال: من أخذ أرضا بجزيتها فقد باء بما باء به أهل الكتبين من الذل والصغار..

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص , قال : ألا أخبركم بالراجع على غيبة: رجل أسلم فحسن إسلامه وهاجر فحسنت هجرته وجاهد فحسن جهاده , فما قفل حمل أرضا بجزيتها, فذلك الراجع على عقبيه . وعن ميمون بن مهران قال : ما يسرنى أن لى ما بين الرهان إلى حران بخراج خمسة دراهم, ويعقب الإمام أبو عبيد على هذه الأقوال قائلا: إنما كرها الكارهون من جهتين:

أحداهما : أنها فئ للمسلمين. والأخرى: إن الخارج صغار.

ويستدرك قائلا: ومع ذلك فقد سهل في الدخول في أرض الخراج أئمة يقتدى بهم ولم يشترطوا عنوة ولا صلحا منهم من الصحابة عبد الله ابن مسعود ومن التابعين محمد بن سيرين وعمر بن عبد العزيز وكذلك رأى سفيان الثورى كانوا يرون أن الصغار في الجزية على الرؤوس وليست التى على الأرض.

ويعقب الإمام العظيم أبو عبيد قائلا:" فأرى العلماء قد اختلفوا في أرض الخارج قديما وحديثا وكلهم أمام, إلا أن أهل الكراهة أكثر والحجة في مذهبهم أبين والله أعلم" والرأى عندى أن هذه الأشكال نبت مع انتشار الاسلام بين الذميين ومع اتجاه المسلمين إلى التوطن والإستقرار بهذه البلاد وإذ بدأت المعسكرات تتحول إلى طبيعة المدن وتشابكت علاقاتها بالأقاليم المجاورة لها ازداد الأشكال تضخما على ما ينبينه في الحلقة القادمة إن شاء الله.

أما أرض الصلح خارج الجزيرة العربية, فقد ظلت بعيدة عن هذه الإشكالات لأنها ظلت ملكا لأهلها لهم عليها كل تصرفات المالك قبل اسلامهم وبعد اسلامهم.. ولعل هذا ما رفع الحرج عن نفوس المسلمين في التعامل عليها. فعن أشعث بن سيرين قال: من السواد ما أخذ عنوة, ومنه ا كان صلحا فهو مالهم وما كان عنوة فهو فئ للمسلمين. وقال أبو عبيدة: فقوله( فهو مالهم) يعلمك أنه لا بأس بشرائه. وعن حجاج عن الحكم عن عبد الله ابن مغفل قال : لا تشترين من السواد إلا من أهل الحيرة وبانقيا وأليس, قال أبو عبيد أن أهل الحيرة فإن خالد بن الوليد كان صالحهم في دهر أبى بكر رحمه الله.. وأما أهل باتقيا وأليس فإنهم دلوا أبا عبيد وجرير ابن عبد الله على مخاضة حتى عبروا إلى فارس فبذلك كان صلحهم ..

ويروى عن الحسن بن صالح لرخصة في شراء أرض أرض الصلح والكراهة لأرض العنوة , وهو رأى مالك بن أنس.

أرض الدعوة:

بقى أن نعلم أن الإسلام انتشر بعد موجات الفتوحات في بلاد جديدة على أيدى الدعاة من التجار والرحالة مثل أندونيسيا والصين وبلاد الترك وأفريقيا وهذا ما يترتب عليه أن تظل أرضهم ملكا لهم, فهى عشرية ليس عليهم فيها إلا الزكاة.

ولكن كيف أصبحت حياة الذميين أهل هذه البلاد في ظل الخراج بعد أن تخلصوا من كابوس الطغاة من الاقطاعيين والأباطرة والكهنة وكيف كان استقالبهم لهذا اللون الجديد من الحكام والتشريعات وكيف مع الزمن من سلطان الشرك والقوانين الجائرة فدخلوا في دين اله أفواجا بغير سيف ولا إكراه ولا إرهاب حزبى, ولا غسيل مخ ولا أجهزة بوليسية أو اعلامية, بل بالمجتمع النموذج المجاور لهم في صمت.. كان السيف والقتال للرؤوس التى تحجب النور وتوصد أبواب الشعوب في وجه الحق. ولم يكن من السهل على هذه الطبقات المستبدة المتسلطة من الفرس والروم أن تستجيب لدعوة خالد بن الوليد حين طاولهم بأن يخلوا بينه وبين الفريسين – الفلاحين – ليدعوهم إلى الحق... وقد تكفل السيف بهذه الرؤوس الباغية وتكفل المجتمع النموذج والقدوة الحسنة بالشعوب التى تحررت من كابوس الحكام والكهان وأصبح في مقدورها أن تختار..

وأن هذا الفصل بين معاملة الرؤوس المستبدة وبين معاملة الشوب المستعبدة تغيب عن الكثير وقراءة التاريخ تزيل الغشاوة عن أذهان الباحثين..

أنبأنا التاريخ عن كرامة الحياة التى وفرها الإسلام لكل الذين أسعدهم الحظ بتفيئ ظلاله سواء في ذلك من كانوا على أرض العشر أم على أرض الخراج وكان ديوان الخراج هو همزة الوصل المالية بين المجتمعين على ما سبق ذكره ويعنينا اليوم في الدرجة الأولى توضيح صورة حياة الذميين في أرض الخارج أى في ظل الملكية العامة...

بادئ ذى بدء تقرر أن الوضع الجديد ل{ض قد أخرجها من براثن الاقطاع الذى كان سائدا في هذه البلاد قبل دخول الاسلام عليها..

أما اليوم وفى ظل الإسلام, فقد أتاح نظام الخراج للأهالي من الرخاء والكرامة ما لم يكونوا يتمتعون بهما من قبل لأن العلاقة الإنتاجية على الأرض الخراجية ظلت تتراوح بين الإيجار والمزارعة, وهى التى عرفت في عهد المنصور الخليفة العباسى باسم خراج المقاسمة وقد طبقه الخليفة عندما لم تف الغلات بخراجها فكان هذا الإجراء للتخفيف عن الأهالى, وهو نوع من المشاركة ألمر الذى لا يمكن أن يسمح به طبيعة المجتمعات العبودية أة الإقطاعية وإلا فقدت طبيعتها المستغلة..


الحلقة الثلاثون: صور الحياة في ظل الخراج

إذا كانت الأرض الخراجية – الملكية العامة – هى أصلح وضع واجه به عمر رضى الله عنه ظروف الفتح الإسلامي, فإن الأرض العشرية – الملكية الخاصة- هى الوضع المعبر عن طبيعة السلام والاستقرار.. وبهذا نفهم طبيعة الخارج المرحلية بين سلام شامل عم الجزيرة العربية قبل انتقال الرسول إلى الرفيق الأعلى في – ظل أرض عشرية – وبين استقرار كامل ظلل حياة الشعوب بعد موجات الفتح أنبت الدعوة إلى عودة الأرض العشرية كما سنفصل بعد, وهذا لا ينفى أنه منذ البداية كانت الأراضى التى استصلحها المسلمون حول معسكراتهم أيضا عشرية أعمالا لحكم إحياء الأرض الموات, وكذلك آلت أرض الصلح بعد إسلام أهلها إلى أرض عشرية لأن الصلح أبقى على ملكيتهم لها منذ بداية..

بهذا ظل الوعى عمقا لدى المسلمين جميعا بين مجتمع العشر ومجتمع الخراج.. الأول للمسلمين بداية ونهاية, والثانى للأهالي الذميين بعد أن فتحت بلادهم عنوة.. الأول هو الأصل والثانى هو الإستثناء الذى أتت به ضرورة الفتوحات . الأول هو القائد والموجه والثانى يعيش في وصايته.. لم تكن هناك أى مشكلة في البداية لكن الحرج بدأ يتزايد مع انتشار الاسلام في الذميين.

وإذا كانت المعارك العسكرية في بدء الفتوحات قد تكلفت بتحرير البلاد من سلطان المستبدين من حكام الفرس والرومان فإن التفاعل الهادئ بين مجتمع المسلمين ومجتمع الذميين أهل الخراج قد تكفل بتحرير الذميين مع الزمن من سلطان الشرك والقوانين الجائرة فدخلوا في دين اله أفواجا بغير سيف ولا إكراه ولا إرهاب حزبى ونستطيع أن نلمس آثار هذه العلاقة الجديدة في حياة الناس مما كتبه مسيحيو الشام إلى جيش المسلمين عندما خرج لملاقاة الروم مما اضطره إلى التخلى عن بعض البلاد التى افتتحها, كتبوا إليه يقولون: أنتم أحب إلينا من الروم – وإن كانوا على ديننا – أنتم أوفى لنا وأرحم بنا وأكف عن ظلمنا وأحسن ولاية علينا, ولكنهم غلبونا على أمرنا وعلى منازلنا.

كما أغلق أهل حمص أبواب مدينتهم دون جيش هرقل وأبلغوا المسلمين أن ولايتهم وعدلهم أحب إليهم من ظلم الرومان وتعسفهم, وقال مطران نطورى: هؤلاء العرب لا يحاربون دين المسيح, بل هم يدافعون عن ديننا ويجلون قساوسنا وقديسنا ويهبون لهبات لكنائسنا وأديرتنا.

ظلت هذه الشهادة تردد في كل بقعة وصلها نور الإسلام مهما بعدت في الزمان والمكان, فقد كتب المستشرق دوزى في كتابه – تاريخ الأندلس – يقول : لقد أنقذ الاسلام الطبقات الدنيا من المسحيين العبيد وأقنان الأرض من العبودية والظلم وحررهم من سلطة الإقطاعيين الأقوياء الذين كانوا يعتبرون الفلاحين لا عبيدا لهم فحسب بل عبيد للأرض أيضا..

لقد كان الفتح العربى حسنة بالنسبة لأسبانيا , فقد حقق ثروة اجتماعية ذات أهمية بالغة وأزال قسما كبيرا من الآلام التى كانت ترزح تحتها البلاد منذ قرون , فإن سلطة الطبقات ذات الامتيازات وسلطة الكنيسة والنبلاء زالت عن الطبقات الدنيا من المسيحيين وهم العبيد وأقنان الأرض, ووزعت الأراضى المصادرة بين عدد كبير من أفارد هذه الطبقات المستغلة المظلومة.. وكان تحقيق الملكية الصغيرة مصدرا للسعادة وسببا لازدها الزراعة في أسبانيا الغربية, كما يقول : لقد حكم المسلمون وفق الطريقة التالية: خفضت لضرائب تخفيضا عظيما بالنسبة لما كانت عليه أيام الحكام السابقين وصودرت الأراضى من أصحابها الأغنياء حيث كانت تشغل إقطاعيات عظيمة جدا تزرع من قبل العبيد والأقنان, ووزعت بين هؤلاء الذين كانوا يعملون عليها وكان المالكون الجدد – العبيد – يعملون بحماس ويجنون أفضل المحصول.

ويقول ليفى بروفانسال: أن الازدهار الزراعى الذى أصاب أسبانيا بعد الفتح العربى يعود أيضا إلى التقسيم الكبير لملكية الأرض.

أئمة وليسوا جبابرة:

هذه الشهادات المتضافرة من كل مكان على ما حققه الاسلام في هذه لبلاد مرده إلى ما هدى الله عمر بن الخطاب إليه في سن نظام الخراج بما توفر عليه من رجال أمناء وما توفر من نظام دقيق, فقد كانت دواوين الخراج تختص بتوزيع العطاءات على المسلمين وتتكفل في الوقت نفسه بجميع مشاريع أهل الذمة وبتحقيق التكافل الاجتماعى بينهم جميعا ويستطيع من شاء أن يراجع في كتب التاريخ كيف كان ديوان الخراج يضطلع بهذه المهمة التى تقابل مهمة ديوان الزكاة في نطاق المسلمين..وتأتينا البدايات المضيئة لهذه الهداية من أقوال الخلفاء الراشدين وسيرتهم العملية على هدى من كتاب الله وسنة رسوله.

فهذا عمر بن الخطاب رضى الله عنه يسأل عثمان بن حنيف وحذيفة ابن اليمان وهما من عمال الخراج كيف وضعتما على الأرض؟ لعلكما كلفتما أهل عملكما ما لا يطيقون"

فيقول حذيفة: لقد تركت فضلا.

ويقول عثمان: لقد تركت الضعف ولو شئت لأخذته.

فيقول عمر: أما والله لئن بقيت لأرامل أهل العراق لأدعنهم لا يفتقرون إلى أمير بعدى..

وكان رضوان الله عليه إذا بعث عماله قال : إنى لم أبعثكم جبابرة ولكن بعثتكم أئمة, فلا تضربوا المسلمين فتذلوهم ولا تحمدوهم فتفتنوهم ولا تمنعوهم فتظلموهم..

وخطب الناس فقال: أيها الناس أنه لم يبلغ ذو حق حقه أن يطاع في معصية الله وأنى لا أجد هذا المال يصلحه إلا خلال ثلاث : أن يؤخذ بالحق, ويعطى في حق, يمنع من الباطل. وأنما أنا مالكم كولى اليتيم أن استغنيت استعففت وأن افتقرت أكلت بالمعروف , ولست أدع أحدا يظلم أحد ولا يتعدى عليه حتى أضع خده على الأرض واضع قدمى على الخد الآخر حتى يذعن بالحق.. ولكم على أيها الناس خصال أذكرها لكم خذونى بها: لكم على ألا أجتنى شيئا من خراجكم ولا مما أفاء الله عليكم إلا من وجهه ولكم على إذا وقع في يدى من ألا يخرج منى, إلا في حقه.

وكان رضوان الله عليه إذا استعمل رجلا أشهد عليه رهطا من الأنصار وغيرهم واشترط عليه أربعا (2) ألا يركب برذونا(3) ولا يلبس ثوبا رقيقا(4) ولا يأكل نقيا(5) ولا يغلق بابا دون حوائج الناس, ولا يتخذ حاجبا.

وكان إذا بلغه أن عامله لا يعود المريض, ولا يدخل عليه الضعيف نزعه. ولما حان موعد رحيل رباح بن عبيدة قال لعمر بن الخطاب رضى الله عنه: يا أمير المؤمنين حاجتك أوصنى بها: قال حاجتى أن تسأل أهل العراق وكيف سيرة الولاة فيهم ورضاهم عنهم؟ قال فلما قدمت العراق سألت الرعية عنهم فأخبرت بكل خير عنهم فلما قدمت عليه سلمت عليه وأخبرته بحسن سيرتهم في العراق وثناء الناس عليهم فقال: الحمد لله على ذلك لو أخبرتنى عنهم بغير هذا عزلتهم ولم أستعن بهم أبدأ.

ومن بعده كتب على مرم الله وجهه إلى كعب بن مالك وهو عامله " أما بعد فاستخلف على عملك وأخرج في طائفى من أصحابك حتى تمر بأرض السواد كورة فتسألهم عن همالهم وتنظر في سيرتهم حتى تمر بمن كان منهم فيما بين دجلة والفرات"...

هذا الشعاع الهادى من العدل والرحمة ظل ينتقل عبر البلاد والسنين حتى لتلقطت أسماعنا صوت الإمام العظيم أبو يوسف وهو يقول لهارون الرشيد: ومن وليت منهم فليكن فقيها عالما مشاورا لأهل الرأى عفيفا لا يطلع الناس منه على عورة, ولا يخاف في الله لومة لائم, وما حفظ من حق وأدى من أمانة احتسب به الجنة, وما عمل به غير ذلك خاف منه جور عقوبة الله فيما بعد الموت, تجوز شهادته أن شهد ولا يخاف منه جور في حكم أن حكم.. وقد يجب الاحتياط فيمن يولى شيئا من أمر الخراج والبحث عن مذاهبهم والسؤال عن طرائفهم كما يجب ذلك فيمن أريد للحكم والقضاء.

الاجتهاد باق:

بعد استعراض ظروف نشأة نظام الخراج يثور في الذهن سؤال : هل هذا الاجتهاد من جانب عمر رضى الله عنه في مواجهة ظروف الفتح يلغى حق الأئمة بعده في أعمال النص فيما يستجد في عهدهم من بلاد تفتح عنوة؟

يجيب القاضى أبو يوسف على هارون الرشيد:" وأيما أرض افتتحها الإمام عنوة فقسمها بين الذين افتتحوها فإن رأى ذلك أفضل فهو في سعة من ذلك وهى أرض عشر, وإن لم ير قسمها ورأى الصلاح في إقرارها, كما فعل عمر بن الخطاب رضى الله عنه في السواد فله ذلك وهى أرض خراج".انتشار الاسلام في الذميين أهل الخراج ونتائجه:

ظل المسلمون في هذه البلاد التى فتحت عنوة سنين طويلة – بلغت في مصر أمثر من قرنين - وهم يقيمون في أماكن خاصة بهم في حالة استعداد دائم للجهاد, فلم يكونوا لذلك يختلطون بسكان البلاد الأصليين اختلاط توطن ومساكنه, ولم يكن يؤذن للمسلم بشراء أراضى أهل الذمة لأنها ملكا عاما لجميع المسلمين.

وبانتشار الإسلام وضعت الجزية عمن أسلم, وقبح عمر بن عبد العزيز رأى واليه الذى خشى من تناقص الموارد المالية لكثرة الداخلين في الإسلام من الذميين, وقال قولته الخالدة, إنما بعث محمد هاديا ولم يبعث جابيا....

غير أنه بانتشار الإسلام في الذميين بدأت تظهر مشكلة جديدة أخذت تتضخم في خط بيانى صاعد مع انتشار الإسلام, حتى تكونت في النهاية مشكلة حقيقية.. هذه المشكلة تتعلق بملكية الأرض الخراجية بعد أن أصبح عمالها مسلمين لا ذميين يقضى الشره بأن لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم, ومعنى ذلك أن يصبحوا ملاكا حقيقين لا مجرد أجراء, وتصير أرضهم عشرية لا خراجية, فهل صار الأمر إلى ذلك فعلا؟ وماذا كان في الإمكان عمله للوصول إلى هذه المساواة الفعلية مع إخوانهم الفاتحين؟!.

يستنكر الإمام أبو عبيد استمرار الحال على ما هو عليه بعد استلام الأهالى فيقول: أما قولهم في أرضه أنه إذا أسلم أو اشتراها مسلم أنها تكون على حالها( أى خراجية) فإن عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إلى الناس حين دعاهم إلى الإسلام غير هذا ألا ترى أن كتبه إنما كانت تجرى إلى الناس أن من دخل في الإسلام كان له ما للمسلمين وعليه ما عليهم, فالمسلمون في هذا شرع سواء.. ثم استشهد بحادثة جبلة التى يظهر فيها الفرق بين ما على المسلم وغير المسلم من التزامات خاصة بالأرض, إذ أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال لجبلة بن الأيهم الغسانى:

يا جبلة اختر عنى إحدى ثلاث إما أنتسلم وإما أن تلحق بالروم, فلحق بالروم..

والإمام أبو عبيد رضوان الله عليه في هذا الرأى يصدر عن فهم بمقاصد الشرع وروح التشريع دون أن تقيده نصوص القانون, وإلا فإن منطقا قانونيا له وجاهته عند من يقف عند حدود النصوص يدفع صاحبه إلى أن يقول بغير ذلك لأن الذين أسلموا من الذميين أسلموا بعد أن أخذت أرضهم حكما لا واقعا,, وبعد أن لم يعد لهم أرض لأنها غنمت منهم يوم الفتح, ثم أوقفت لمصلحة مجموع المسلمين الذين هم أربابها وكانوا قبل اسلامهم يعملون عليها كأجراء وما كان يجريه الإجراء على الأرض الخراجية من تصرفات البيع والشراء والتوارث إنما كان يحدث في نطاقهم فقد دون أن يتعداهم إلى أحد المسلمين الفاتحين.. وكان السكوت على هذه التصرفات من جانب الإمام مرده أن الخراج مرتبط بمساحة الأرض تحت أى يد تكون حتى عندما شاع التساهل في تنقل الأرض خارج نطاقها الأول إنما كان مفهوما أن الذى يشتريها إنما يشترى حق انتفاع وأنه حل محل صاحبها في دفع الإيجار أى الخراج.. وقد أوضح الإمام أبو عبيد نفسه عندما قال: لا يكون مشتريا والجزية على البائه وقد خرجن الأرض من ملكه.

فهذا البائع لذمى الذى خرجت الأرض من ملكه لأنها فتحت عنوة إذا ما أسلم بعد ذلك فإنه يسلم على أرض لم يكن يملكها أصلا..

هذا المنطق الشكلى السليم لا ينهض دليلا مقنعا لدى النفوس الحريصة على تحقيق جوهر الدين في المساواة بين المسلمين بصرف النظر عن البدايات القانونية في الموضوع.. وهذا ما دعى الإمام أبو عبيد إلى استنكار التفرقة فيما بعد.

ويقف الإمام الزهرى عند حدود المنطق القانونى في قوله :" فمن أسلم منهم قبل اسلامه وأحرز له اسلامه نفسه وماله إلا الأرض فإنها فئ للمسلمين من أجل أنه لم يسلم أول مرة وهو في منعة".

والإمام الزهرى نظر إلى المشكلة من بدايتها حين تفتح إحدى البلاد عنوة وتغنم أرضها و قوله في هذا النطاق فقط صحيح. والإمام أبو عبيد نظر إلى المشكلة من نهايتها بعد أن تغير الزمان وقدم العهد بالذين فتحت بلادهم عنوة ثم كثر عدد الداخلين منهم في الإسلام ثم تناسلوا ذرية مسلمة توارثت دفع الخارج على سنة آبائهم, وظهر الحرج واضحا في عصر الإمام سنة 253هـ. فقد كان الإمام أبو عبيد أكثر لمسا لطبيعة المشكلة الاجتماعية المعاصرة له والغيرة من العلماء الذين وجدوا في الدعوة إلى أنها نظام الخراج واستبداله بالعشر حسبما ستقابلنا تفصيلاتها في الحلقة القادمة إن شاء الله.

وقبل ظهور هذا الواقع الاجتماعى فإن الأمر في بدايته كان طبيعيا ولم يكن يثير إشكالات, وقد كان مفهوما بوضوح أنه إذا أسلم شخص من أهل الذمة فإنه يخير بين أمرين:

1- إما أن يبيع أرضه – أى حق الانتفاع طبعا – لأهل ملته ويلحق بمعسكر المسلمين فيدخل معهم في دواوين العطاء, وكان الداخلون في الإسلام يفضلون هذا الانتقال بين إخوانهم.

2- وإما أن يظل رغم اسلامه مقيما في بلده, وفى هذه الحالة لا يتغير وضعه كمنتفع بالأرض ولا تتغير علاقته بالأرض عن علاقة الكراء السابقة ويظل ملتزما بدفع الخراج وتسقط عنه الجزية فقط.. يظهر ذلك من قول على كرم الله وجهه لدهقان أسلم على عهده:

" إن أقمت في أرضك رفعنا عنك جزية راسك وأخذناها من أرضك وإن تحولت عنها فنحن أحق بها"

كما اسلم دهقان على عهد عمر رضى الله عنه يدعى ابن الرفيل ففرض له عمر عطاء قدره 700 درهم في السنة وسجل اسمه في ديوان خثعم, وفى الوقت ذاته خيره أن يؤدى الخراج عن أرضه إذا شاء أن يقيم فيها.

تعقد المشكلة:

بعد مدة من الزمان غلب الإسلام على أهالى البلاد المفتوحة, وفى مصر حدث ذلك ما بين 250هـ - 300هـ.... وحول هذا التاريخ أذن للمسلمين الفاتحين بمصر بمساكنة الأهالى والتوطن معهم. واستتبع ذلك تداخل المعاملات فاشترى المسلم ممن يشاء وتنقلت الأرض من يد إلى يد إذ لم يعد هناك فرق بين المسلم الفاتح وأخيه من أصحاب البلد المفتوحة وزادهم الاستقرار تداخلا في المعاملات.. وبدأت كراهية شراء أرض الخراج لتختفى ليحل محلها الترحص, وكان هذا تطور طبيعيا فالكراهة والتشديد كانا يصاحبان الفترة الأولى من الفتح الاسلامى والترخص جاء حليفا للاستقرار وانتشار الاسلام بين أهالى البلاد المفتوحة وكان على الفقه أن يلبى حاجة هذا الواقع الجديد.

أخذ الناس يتصرفون في ظل هذا الواقع الجديد. في أرض.. تصرف الملاك من بيع وشراء وتوارث مع استمرارهم في دفع الخراج. والخراج منبه دائم بأن الأرض في حقيقة أمرها ملك لمجموع المسلمين وإن كل دافع خراج في حقيقته مستأجر وأنه ما باع أو اشترى أو ورث سوى حق الانتفاع.

والزمن الطويل كاد ينسى الناس هذه الحقيقة حتى أن من الفقهاء من كان يرى الأرض الخراجية هى ملك لأهالى البلاد وعليهم الخراج. أو لعل هؤلاء الفقهاء قد آثروا أن ينظروا إلى القضية من حيث انتهى بها التطور العملى فهذا الإمام أبو يوسف يقول لهارون الرشيد عن أرض العنوة"... وإن لم ير قسمتها ورأى الصلاح في إقرارها في أيدى أهلها كما فعل عمر بن الخطاب رضى الله عنه في السواد فله لك وهى أرض خراج وليس له أن يأخذها بع ذلك منهم وهى ملك لهم يتوارثونها ويتبايعونها ويضع عليهم الخراج ولا يكلفوا من ذلك مالا يطيقون".وقال أبو العباس بن سريج في نفر من أصحاب الشافعى : إن عمر رضى الله عنه حين استنزل الغانمين عن السواد باعه على الأكره الدهاقين بالمال الذى وضعه عليها خراجا يؤدونه في كل عام فكان الخراج ثمنا وجاز مثله في عموم المصالح كما قيل بجواز مثله في الإجازة وإن بيع ارض السواد يجوز ويكون البيع موجبا للتمليك.


الحلقة الحادية والثلاثون: مشاكل الاستقرار

وفى زمن الظاهر بيبرس عندما دفعته حاجته إلى المال على التفكير في انتزاع الأرض في مصر والشام من ايدى الناس بدعوى أن هذه الأراضى ملك لبيت المال لأنها في ملكه من يوم الفتح تبعا لما فعل عمر رضى الله عنه في سواد العراق وقف في وجه الإمام النووى وما زال به حتى حمله على العدول عن ذلك وانتهى الأمر ببقاء الوضع في ملكية الأراضى المصرية والشامية على ما كانت عليها ولقد قال النووى في ذلك :" إن ذلك غاية العناد وأنه عمل لا يحله أحد من علماء المسلمين , ومن في يده شئ فهو ملكه لا يحل لأحد الاعتراض عليه, ولا يكلف أثباته".

الصور الختامية للمشكلة:

خلاصة الأمر أننا الآن أمام كثرة كاثرة من المسلمين لهم على الأرض حتى انتفاع ويدفعون الخراج إلى بيت المال ومن ثم توصف الأرض التى تحت أيديهم بالأرض الخراجية , وإن أصبحوا في واقع الأمر يجرون على هذه الأرض تصرف الملاك يساندهم في ذلك رغبة فقهية واضحة في دعم موقفهم في مواجهة السلطان لولا أن استمرار دفعهم للخراج يقف حائلا دون خلوصها لهم كأرض عشرية للاعتبارات التاريخية السالفة..

يجاور هذا الفريق فريق آخر من المسلمين تتسم ملكيتهم للأرض منذ البداية بصفة الأرض العشرية ليس عليهم فيها إلا الزكاة اكتسبوا هذا الوضع المتميز من جهات شتى, أما لأنها كانت مواتا فأحيوها, وأما لأنها أقطعت لهم من أرض الصوافى, أما لأنها كانت أرض صلح ثم أسلم أهلها مثل أهل الحيرة الذين أرسل عمر بن عبد العزيز إلى وليه عبد الحميد بن عبد الرحمن حين سأله عن أمرهم" من اسلم من أهل تلك الملل فعليه في ماله الصدقة" وإما لأن الأرض رغم فتحها عنوة إلا أن الإمام من على أهلها بتركها لهم فبعد اسلامهم تصبح أرضا عشرية.

هاتان صورتان متجاورتان من معاملة الأرض كثيرا ما تنقلت الأيدى عليهما وكثيرا ما تداخلنا في المعاملات وكثيرا ما استلزمتنا في وقاع الحياة تنظيمات إدارية مختلفة وكثيرا ما نشك الفقه لمواجهة نتائجها ولم تكن الأيام تزيد الأمر إلا تعقيدا... ومن نماذج ما أدت غليه من خلافات فقهية: أن من رأى الجمهور أن العشر والخراج يجتمعان في الأرض الواحدة ولا يمنع أحدهما وجوب الآخر وبه قال الشافعى ومالك وأحمد والأوزاعى والنووى والحسن بن صالح والليث واسحق وأبو عبيد ودواد وغيرهم واستدلوا على ذلك بما يأتى:

1- وجوب ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم:" فيما سقت السماء العشر" وهو حديث صحيح ولم يخصص شيئا فتناول ما في الأرض سواء أكانت عشرية أم خراجية.

2- إن العشر وجب بنص القرآن:" وآتوا حقه يوم حصاده" " يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض" أما الخراج فواجب بالاجتهاد ولا يمنع بالاجتهاد ما وجب بنص القرآن.

3- إن العشر والخارج حقان وجبا بسببين مختلفين لجهتين واستدل بما يأتى:

1- بحديث يروى عن بان عباس :" لا يجتمع عشر وخراج في أرض مسلم"... وقد ورد على هذا بأنه حديث مجمع على ضعفه.

2- قال أبو حنيفة: إن الخراج يجب بالمعنى الذى يجب به العشر وهو مشفعة الأرض ولهذا لو كانت الأرض سبخة لا منفعة لها لم يجب فيها خراج ولا عشر , وقد ورد على ذلك بأن الخراج لم يجب بالمعنى الذى يجب به العشر لأن العشر يجب في نفس الزرع فإذا لم تزرع فلا زكاة أما الخراج فيجب على ألأرض سواء زرعت أم أهملت.

3- قال أبو حنيفة: أن الخراج يجب بسبب الشرك والعشر يجب يسبب الإسلام فلم يجتمعا وقد رد على هذا بأن الخراج لم يجب بسبب الشرك بل هو أجرة الأرض سواء أكانت في يد مسلم أو كافر.

4- استدل أبو حنيفة بما روى أن الدهقان لما أسلم قال عمر بن الخطاب: سلموا إليه الأرض وخذوا منه الخراج ولم يأمر بأخذ العشر ولو كان واجبا لأمر به... ورد على ذلك بأن الخراج أجرة لا يسقط باسلامه ولا يلزم من ذلك سقوط العشر وإنما ذكر الخراج لأنه ربما توهموا سقوطه كالجزية.

وقد ثارت اشكالات أيضا بخصوص الرى:

يقول الماوردى:" إذا سقى بماء العشر أرض الخراج كان المأخوذ منها خراجا اعتبارا بالأرض دون الماء" وقال أبو حنيفة : يعتبر حكم الماء, فيؤخذ لماء الخراج من أرض العشر الخراج.

هذه النماذج العملية لما وصل إليه العنت من تداخل الخارج مع العشر في ظل هذا الواقع الجديد الذى جعل من المسلمين من ينوء بقيمة الخراج والزكاة معا أو يتوقف عن إحدهما على آراء , أو يكون الحظ قد أنصفه بادئ ذى بدء فوقع على أرض عشرية لا يجب فيها إلا الزكاة.

فهل كان أى حريص على نصاعة الصورة الإسلامية يرضيه أن تستمر الحال على هذه الصورة دون أى تدخل حاسم باعادة تقدير الموقف على ضوء ما آلت إليه الأمور حتى تستكمل البيئة الاسلامية ملاحها التى كانت عليها داخل الجزيرة العربية باعتبارها النموذج الأمثل في العلاقات النموذج الذى يشد أفئدتنا إليه والذى انتقل الرسول إلى الرفيق الأعلى وقد تركنا على المحجة البيضاء .

بالقطع كان هناك الحريصون من العلماء والحكام الذين فطنوا إلى ضرورة التغيير أو التصحيح , وكان هناك أيضا أصحاب لمصلحة في استمرار التقديم.

لذلك كله قصة ممتعة في تاريخنا الاقتصادى.. قصة غنية بالثروة العلمية والتجارب العملية والمواقف القوية في الصراع بين الأرض العشرية والأرض الخراجية, ولكن أصحاب التاريخ المجهول لا يقرأون.

في غزوة بن المصطلق أعد الرسول عليه السلام إليهم الغنائم التى غنمها منهم لما أعلنوا اسلامهم, وكذلك فعل مع قبيلة هوازن حين استرجع السبى من أيدى المسلمين تأليفا لقلوبهم بعدما أعلنوا إسلامهم وكان من الممكن أن يثور منطق قانونى شكلى مؤداه أن هؤلاء وهؤلاء قد أسلموا بعد أن زالت ملكيتهم عن أموالهم وغنمها المسلمون.. وهو منطق صحيح لكنه دون منطق الداعية الذى تشغله الغاية عن الوسيلة, والجوهر عن الشكل. ومن منطلق هذه الغيرة الحميدة كان ينادى الإمام أبو عبيدة بأنها مبرر الأرض الخراجية بعد دخول الناس في دين الله أفواجا, وكان يرى التسوية بين المسلمين جميعا لافرق بين من كان من أصل ذمى أو من رجال الفتح ويقول " المسلمون في هذا الشرع سواء".

والحق أنه ما كان ينبغى أن تستمر هذه الصورة من الصراع بين الأرض الخراجية والأرض العشرية أى بين الملكية العامة والملكية الخاصة الأمر الذى ازداد مع الأيام تعقيدا حتى بعد الناس بالتدريج عن الأصول الاسلامية الصافية في هذا الركن الهام من أصولنا التشريعية حيث كان من الواجب أن تكون دعوة الإمام أبو عبيد محل اعتبار بمجرد الإذن للمسلمين بالتوطن وبعد دخولهم في معاملات مع الأهالى الذين انتشر فيهم الإسلام..

فأمام هذا التغيير الجوهرى في طبيعة المجتمع – وهو تغير إلى أعلى – من غلبة الشرك إلى غلبة الإسلام على الذميين, ومن الحياة داخل معسكرات إلى الحياة المدينة ومساكنة الأهالى من جانب المسلمين الفاتحين.. ومن العزلة المفروضة على الفاتحين في التعامل على الأرض الخراجية إلى السماح بشتى ألوان المعاملات, ومن سنة20هـ إلى سنة 200هـ أو يزيد.. أمام كل هذه التغييرات كان يتحتم أن نستلهم الأصول التشريعية والمقاصد الشرعية قبل أن تغرقنا التفصيلات لجزئية بمعنى أن تعود إلى عهد الرسول داخل الجزيرة العربية – مرآة لتطبيق الصافية – كلما فم علينا أمر التطبيق في ميدان آخر من الأرض لنستلهم من صفائها رؤية صحيحة لأصول الشريعة العادلة.

لم تكن أرض المسلمين في الجزيرة كما رأينا, إلا أرضا عشرية و أى أن ملكيتهم عليها خالصة, ليس عليهم سوى الزكاة المحدودة الأموال والنسب والمصارف حتى أن الحاكم لا يجد في ظلها منفذا لسلطان على أرزاق الناس وحرياتهم... ألم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أنا لا أعطى ولا أمنع وإنما أنا قاسم أضع حيث أمرت..

فإذا كانت ظروف الفتوحات قد وضعت سلطانا ماليا في يد الإمام للإنفاق على جيوش الفتح وعلى كل ما فيه مصلحة المسلمين وأهل الخراج على السواء فإنما هى السلطة كان أئمة الفتح لها أهلا وكانت ضرورة مقدرة بقدرها.. ومر الزمن, وانتشر الاسلام في الذميين ,وتغيرت الظروف, وبقيت السلطة في يد نوع جديد من الحكام مختلفين عن أسلافهم العظام.. وأصبحت هذه السلطة هذه المرة تصيب المسلمين جميعا بشررها.. وسهلت نقض الإسلام عروة عروة بعد ذلك.. لأنه وجد في حياة المسلمين الحاكم الذى يعطى ويمنع على غير ضرورة وفى إعطائه هذا السلطان اللهم إلا شهوة لمنع والعطاء.. صحيح ان بقية جوانب الشريعة كفيلة بالحد من سلطان هؤلاء .. ولكن الثلمة وجدت على أية حال وبدأت بعدها عوامل الإضعاف تتوالى..

وجدت الأرض الثلمة حين أصبحت أرض الخراجية كالمعلقة .. حل من مشكلها النصف وبقى النصف الآخر.

(أ‌) أما النصف الذى شمله الحل فهو خلوص الملكية للأفراد في واقع الأمر لا في حكم القانون على غرار ما رأينا في الحلقة السابقة.

(ب‌) أما النصف الذى ظل معلقا فهو خضوع هذه الأراضى للخراج الذى كان من أول دلالاته أنه يتنافى مع الملكية الخاصة, وكان حقا على المسلمين أن ينظروا إليه على أنه صغار؟!

فالخراج ظل ساريا لكن الذى سكت عنه الحكام بل عجزوا عن إيقافه هو صيرورتها ملكية خاصة يجرى عليها مالكها جميع تصرفات مالك الرقبة وانتهى داعى تحريم التعامل في الأراضى الخراجية بين الذمى والمسلم وهذا ما يفسر لنا تضارب النصوص لولا وهلة ولكن فهم النصوص مع مصلحة الواقع يلقى ضوءا على المشكلة ويزيل التعارض الظاهرى.

لم تخل البيئة الاسلامية والحمد لله من علماء أمناء ومن حكام راشدين ومن رعية ساهرة على أصول الشرع يدركون الحاجة على إحداث هذا التغيير الذى كانت له إحدى صورتين:

1- إما أن تعلن السلطة انتهاء مبرر الخراج وأن من يضع يده على أرض من المسلمين يعتبر مالكا لرقبتها ليس عليه فيها سوى العشر, وفى هذه الحالة سيغرم بين المال مورده من الخراج, ولا يبقى أمام الحاكم إلا من طريق واحد كلما احتاج إلى مال, وهو الطريق الذى يبق تفصيله تحت عنوان:" هل في المال حق سوى الزكاة" وفى هذه الحالة سيفقد السلطان كثيرا من نفوذه المالى الذى كان يوفره له الخراج ولكن الغنم الدينى في جانب سلامة تطبيق الشريعة أولى وأغنم.

2- وإما – على الأقل – أن يبيح بيت المال للناس شراء الأراضى التى تحت أيديهم – والتى هى في الأصل ملك لبيت المال منذ الفتح – على أن يدفعوا قيمتها لبيت المال, وفى هذه الحالة سيكسب بيت المال قيمة الأرض ومن حق الإمام هذا الإجراء باعتباره نائبا عن مجموع المسلمين..

الفقه والرأى العام في مواجهة:

أن أمة معها من الله نور وكتاب مبين تكون قادرة دائما على توجيه حكامها وتصحيح مسارهم لأنهم ليسوا هم مصدر التشريع بل هم ورعيتهم سواء في الميزان.. بهذا تنطق أقوال الفقهاء وتصرفات الرعية في هذه القضية الشائكة مما كان يجبر الحكام آخر الأمر على الرضوخ, مما كان وراء ظهور الحكام الراشدين الذين يصيخون لصوت الحق مذعنين..

فلا عجب إذن أن يحدثنا التاريخ عن انتهاز الرأى العام الاسلامى كل فرصة ليتجه بالأرض إلى وضعها الصولى أى إلى الأرض العشرية..

" ففى عام الجماجم سنة 82هـ لما أحرق ديوان القطائع في فتنة ابن الأشعث أخذ كل قوم ما يليهم من القطائع بعد أن كانت ملكا للدولة منذ أيام الفتح وقد كانت غلتها في عهد عثمان رضى الله عنه 50 ألف ألف ( مليون) درهم, فصارت هذه الأراضى إذن عشر وملكا للأفراد والأسر"

وذكر البلاذرى" أن أهل الشعبية من الفرات جعلوها لعلى ابن أمير المؤمنين الرشيد في خلافة لرشيد على أن يكونوا مزارعين له فيها ويخفف مقاسمتهم, فتكلم فيها فجعلت عشرية من الصدقة وقاسم أهلها على ما رضوا به".

ويبدو أن ضغط هذا الواقع العملى الذى تعددت شواهده في العصر الأموى ثم في العصر العباسى من بعد من جانب رعية مدركة للفرق الجوهرى بين نظام العشر ونظام الخراج بل وتتحين الفرص بالخراج يبدو إن هذا كان وراء استجابة بعض الحكام لهذا الاتجاه لأن تصرفاتهم لم تنبت في فراغ . فيحدثنا التاريخ أن الأمر استمر إلى عهد عبد الملك بن مروان لا يجرى في أرض الخراج بيع ولا شراء ثم أذن لهم عبد الملك والوليد وسليمان في الشراء على أن يدفعوا ثمنها لبيت المال"

ولكن لم يكن هذا هو موقف كل الحكام من هذه القضية من حيث أن المنصور في العهد العباسى منع تحويل الأرض الخراجية إلى أرض عشرية

أما إذا رجعنا قليلا إلى زمن الحجاج فنجده قد سن سنة سيئة للمحافظة على موارد بيت المال حيث كان أول من أدخل الجزية من المسلمين فوق قيمة الخراج كما أجبر الذين تحولوا من السواد إلى المدن إلى العودة إلى زراعة الأرض كما كانوا ولم يسقط عنهم لا الخراج ولا الجزية بعد دخولهم الإسلام.

ويذكر الإمام أبو عبيد :" أنه لما سكن المدن موال كثيرون أتوا من السواد بعد اسلامهم أجبرهم الحجاج أن يعودوا إلى قراهم ووضع الجزية عليهم" كما يذكر أنه يروى عن بعض الحكام بنى أمية أنهم كانوا يأخذون الجزية من الذميين بعد اسلامهم ويبررون ذلك بأن الجزية بمنزلة الضرائب على العبيد ويقولون فلا يسقط اسلام العبد عن ضريبته, ولهذا استجاز من استجاز من القراء الخروج عليهم, وقال في حقهم يزيد بن حبيب: " أعظم ما أتت هذه الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم ثلاث خصال : قتلهم عثمان, وإحراقهم الكعبة, وأخذ الجزية من المسلمين.

خامس الخلفاء الراشدين

هو عمر بن عبد العزيز الذى ختم بحكمه الوضيئ القرن الأول الهجرى وصحح الموازين التى اضطربت في أمر الأرض الخراجية والعشرية في مدة خلافته الرشيدة التى لم تتجاوز عامين.. وكان أول ما فعله بينى أمية أن صعد المنبر ثم قال:" أما بعد فإن هؤلاء القوم قد كانوا أعطونا عطايا ما كان ينبغى لنا أن نأخذها, وما كان ينبغى لهم أن يعطوناها, وأن ذلك قد صار إلى , ليس على فيه دون الله محاسب ألا وأنى قد رددتها وبدأت بنفسى وأهل بيتى, اقرأ يا مزاحم,وقد جئ قبل ذلك بقسط فيه تلك الكتب فجعل مزاحم يقرأ كتابا كتابا, فيأخذه عمر وبيده مقص ويقص به حتى لم يبق منه شئ إلا شقة"

وكتب إلى عامله على الكوفة عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب:

" أما بعد, فإن أهل الكوفة قد أصابهم بلاء شديد وجور في أحكام الله وسنة حبيثة سنها عليهم السوء, وأن قوام الدين العدل والإحسان لا تحمل خربا على عامر , ولا غامر على خراب, انظر الخراب فخذ منه ما أطاق وأصلحه حتى يعمر, ولا يؤخذ من العامر إلا وظيفة الخراج في رفق وتسكين لأهل الأرض, ولا تأخذون في الخراج لا وزن سبعة ولا أجور الضرابين, ولا هدية النيروز والمهرجان, ولا ثمن الصحف ولا أجور البيوت ولا دراهم النكاح.. ولا خراج على من اسلم من أهل الأرض, فاتبع ذى ذلك أمرى قد وليتك من أمرى ما ولانى الله".

وكتب إليه يقول :" كتبت تسألنى عن أناس من أهل الحيرة يسلمون من اليهود والنصارى والمجوس وعليهم جزية عظيمة وتستأذنى في أخذ الجزية منهم وأن الله جل ثناؤه بعث محمدا صلى الله عليه وسلم داعيا إلى الإسلام ولم يبعثه جابيا فمن أسلم من أهل تلك البلاد فعليه في ماله الصدقة ولا جزية عليه. أرض اليمن:

وفى موقفه من أرض اليمن برهان جديد: معلوم كيف دخل الإسلامأرض اليمن فبعد ما وفدت وفود حمير مسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إليهم كتابا بإقرارهم على ما أسلموا عليه من أموالهم وأرضهم ووجه إليهم رسله وعماله لتعريفهم سنن الإسلام وبين لهم حدود الصدقات الواجبة عليهم ثم تتابع إسلام أهل اليمن..

ومن ثم كانت أرضهم عشرية لأنها لم تفتح عنوة , فليس على أهلها سوى الزكاة نسبها ومصارفها المحدودة شرعا.. وسبق أن رأينا كيف تراجع معاذ ابن جبل رضى الله عنه مع عمر بن الخطاب حول الفائض من أموال الزكاة لمدة ثلاث سنوات متتالية.. وهذا الوضع جعلها تفلت من سلطان حاكم بنى أمية لأنها ليست أرضا خراجية يذهب خراجها إلى بيت المال.. ولكن محمد بن يوسف أخو الحجاج حول أرض اليمن إلى خراجية .

فجاء عمر بن عبد العزيز رضة الله عنه وأبطل وظيفة الخراج عن أهل اليمن وقرر ألا يؤخذ منهم سوى العشر أو نصف العشر حسب الشرع قائلا: لأن تأتينى من اليمن غير حفنة كتم أحب إلى من إقرار هذه الوظيفة. ولما انتقل الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز إلى ربه وجاء بعده يزيد الثانى أمر بإعادة الخراج على أهل اليمن قائلا لعامله: خذها منهم ولو صاروا حرضا.

هكذا كان يدور الصراع بين الأرض الخراجية والأرض العشرية معبرا عن صراع خلفه بين سلطة الحكام وسلطة الشرع, ولم يعدم ضعاف النفوس من الحكام أسلوبا يحققون به أهواءهم, ولكنهم والحمد لله لم يجدوا في الفقه سندا لتصرفاتهم, فقد ظل فقهاؤنا العظام في مكانهم السامق يدقون ناقوس الخطر ويصدعون بكلمة الحقل يخشون في الله لومة لائم. ومن الحكام من حاول الاستجابة للظروف المتغيرة بنوع وسط من الحلول ومنهم نم تصدى لسنة التغير في إصرار أضر بالبيئة الاسلامية.

ففى زمن المهدى الخليفة:

العباسى حدث تغير جوهرى ف نظام الخراج من خراج المساحة إلى خراج المقاسمة, وكانت نسب المقاسمة التى وضعها الوزير أبو عبيد الله هى: النصف على الأراضى التى تسقى سيجا, والثلث على الأراضى التى تسقى بالدوالى والربع على تلك التى تسقى بالدواليب.

وكان في هذا الإجراء تخفيف على الناس ومصلحة لبيت المال.و وقد بين الإمام أبو يوسف سبب العدول عن نظام المساحة على نظام المقاسمة بأن مدار التشريع هو مراعاة المصلحة وألا يوضع على الأرض إلا ما تطيق كما أوضح أن هذا مقياس على ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم مع أهل خيبر إذ قاسمهم على النصف, وكانت نسب أبو يوسف أخف من ابى عبيد الله حيث كانت 5/2 للسيح من الأرض, أما الوالي فعلى خمس ونصف والنخل والكرم والبساتين 3/1 وغلال الصيف على الربع.

ولا يغيب عن البال أن أى شكل من اشكال الخراج يعتبر ثورة زراعية كبرى لم تخطر ببال أمة أخرى من الأمم التى عاشت في ظل الإقطاع أو العبودية. ومع هذا, فإن هذا النظام الذى خضع لهذه التغييرات لصالح الرعية لم يكن محل رضى لدى كثير من العلماء الذين طالبوا بتصفيته والعودة إلى نظام العشر باعتباره الوضع الأكمل في تنظيم حياة المسلمين.. أليس أنها خير أمة أخرجت للناس, صراعاتها من أجل الوصول إلى الكمال وغيرها لا يحلم بالخروج من دائرة القهر والاستغلال..

انحرافات:

أما أولئك الحكام الذين ركبوا مركب الشطط في التصدى لنداء الحق الصاعد من أقوال الفقهاء ومن تصرفات الرعية فإنهم لم يقفوا عند حدود التصدى, بل أوغلوا في الشريعة مسافة أخرى حين زادوا على نظام الخراج بعض أنواع الضرائب فضلا عن جبايتهم للخراج على أساس جديد خلاف خراج المساحة أو خراج المقاسمة وهو نظام القبالة أو التضمين. أى التزام عامل الخراج أمام الحاكم بدفع مبلغ ثابت سنويا يتولى هو جمعه من الناس.

فقد عرض أبو جفعر المنصور سنة 141هـ على محمد بن الأشعث ضمان خراج مصر ولكن بن الأشعث لم يقبل. وفى القرن الثالث انتشر نظام القبالة هذا وهو أمر لم يقره الفقهاء وحرموه ولهم فيه كلام كثير سنذكره في حينه, فيروى ابن خردادويه عن الفصل بن مروان أنه قبل الأهواز بتسعة وأربعين ألف ألف درهم. وقد قبل آل طاهر أرض خراسان وأعمالها بضمان قدره 44 ألف ألف درهم..

وكان أبو عبد الله محمد بن أبى جعفر المنصور سنة167هـ هو أول من وضع الخراج( الضرائب) على الحوانيت في الإسلام ولى ذلك سعيد الحرش, وسار المهدى على نفس المنوال فولى موسى بن مصعب من أهل الموصل على صلاة وخراج مصر فشدد موسى في استخراج الخراج وزارد على كل فدان ضعف ما يقبل به وارتشى في الأحكام وجعل خرجا( ضرائبا) على أهل الأسواق والدواب فكرهه الجند ونابذوه وثارت قيس واليمانية وكاتبوا أهل الفسطاط فاتفقوا عليه..

النور لا يحجب:

هذه الانحرافات التى تردى فيها بعض الحكام لم تحجب عن العلماء ولا عن الرعية أصول الاسلام الواضحة في أن ملكية المسلم لأرضه هى ملكية رقبة وليس عليه فيها سوى الزكاة.... وأن هذا هو المحور الذى يجب أن تدور عليه الأحداث والظروف فإن بعدنا عنه بمقدار إذعانا لمنطق الضرورة وأن عدنا إليه إدراكا لمنطق الحق والصواب, وكان الإحساس بهذه الحقيقة واضحا في حس الأمة المسلمة دائما ممثلا في فقهائها الذين لم يشايعوا هوى سلطان فكانوا لذلك أئمة الهدى يترجم ذلك إدراكهم للمعنى العميق في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذى تنبأ بهذه الحال فقد جاء في الحديث الشريف:" منعت العراق درهمها وفقيرها, ومنعت الشام مديها ودينارها ومنعن مصر أردبها ودينارها, وعدتم من حيث بدأتم" يفسره المقريزى نقلا عن أبى عبيد :" بأن رسول الله أخبر بما لم يكن وهو في علم الله كائن.... وفى تفسير المنع وجهان: أحدهما أنه سيسلمون ويسقط عنهم ما وظف عليهم فصاروا ما نعين بإسلامهم ما وظف عليهم يدل عليه قوله: وعدتم مكن حيث بدأتم وقيل معناه أنهم يرجعون عن الطاعة والأول أحسن".


الحلقة الثانية والثلاثون: مراحل الضعف والتوقف

قصة الأرض في مصر

تنفرد الشريعة الإسلامية بميزات عديدة حتى فيما يصيب بعض جوانبها من تعطيل على أيدى ضعاف النفوس والإفهام من الحكام أو الأفراد.. فلا تتداعى حلقاتها نتيجة لتعطيل هنا أو خروج هناك بل سرعان ما يسرى التنبيه في شرايين الجسم الفتى لمحاصرة موضع الخطر وعزله عن بقية الأجزاء... حتى لو أصاب هذا العطب عمودا فقريا كالتشريعات الاقتصادية فإن بقية التشريعات الاجتماعية لا نفقد صوابها بل يظل لها استقلالها وعلى كل مسلم التزامها, ولا تتعرض ولا يتعرض معها دين المسلم للموت بسهولة رغم كثرة الضغوط وتنوع القيود التى تكبل خطاه حتى ولو قبض في سبيل ذلك على الجسر.. فهو مع هذا العنت في عافية طالما أن الضربة لم تصب القلب ... أى لم توجه للعقيدة ولم تخلخل الإيمان... حتى في أحلك الأوقات التى تتعطل فيها كل وحدات الشريعة في المعاملات وتبهت في العبادات فإن العقيدة الصافية تقف بمفردها كخط دفاع أخير وقوى يدفع إلى كل الأصول التشريعية من جديد كما هى ظاهرة التجديد لأمر هذا الدين على يد من يبعثه الله كل حين من أئمة لهدى..

الأمر الذى تفتقر إليه جميع الأنظمة الأرضية فهى أن تغير فيها الأساسى الاقتصادى للمجتمع تغيرت وراءه كل التشريعات الاجتماعية والسياسية حتى الأخلاق والقيم تلهث هى الأخرى من كثرة التبديل.. وقد أدرك جيب في كتابه هذه الظاهرة الفريدة وأشار إليها في قوله:" وأعجب من ذلك أنه بينما حدثت عدة تطورات في المثل الاقتصادية للشعوب الأخرى( الإسلامية) خلال المائة سنة المنصرمة. بقى النظام الاجتماعى بلا تغيير, وهذا يبين في الحرية والكرامة إلا انه كانت تفضل بعض الصور على بعض.. وقد رأينا في الحلقات السابقة من يفضلون العودة إلى ألأرض العشرية بعد انتشار الإسلام في الذميين وزوال مبررات الخراج.. ورأينا كيف كان الفقه والأئمة الراشدون والرأى العام المستنير في جانب الأرض العشرية, وكيف كان بعض الحكام يتشبثون بالأرض الخراجية لما يتيحه لهم نظامها المالى من سلطان.. ومن ثم كانن استمرار نظام الخراج بعد زوال مبرراته هو أول ثلمة في سلامه التطبيق للتشريعات المالية.. وأفضت هذه الثلمة بدورها إلى اعتداء جديد من جانب السلطان متمثلا في فرض أنواع جديدة من الضرائب علاوة على الخراج لم يكن للبيئة الإسلامية سابق عهد بها.. ثم كان نظام القبالة أو التضمين في دفع الخراج عدوانا أكبر على أرزاق الناس وحرياتهم.. وبدأت البيئة الاسلامية تفقد الكثير من ملامحها تحت مطارق الاعتداءات المتتالية, وتحققت في المسلمين نبؤة نبيهم في هذا المجال التشريعى الهام مثلما تحققت في مجالات إيمانية وتشريعية أخى :" لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا شبرا وذراعا ذراعا, حتى لو دخلوا حجرا تبعتوهم. قلنا يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال : فمن؟.

ويلزمنا لذلك أن تتبع فترات الضعف في التشريع المالى التى انتهت بالتعطيل التام موجات الاستعمار الحديث... وهى قصة لا عنى عنها لمن يريد معالجة أمراضنا الاقتصادية والاجتماعية من جهة نظر إسلامية..

فترات الضعف والتوقف:

وقبل كل شئ ننبه إلى خطأ شائه يتردى فيه كثير من الناس حين يحصرون العصر الذهبى للإسلام في عهود الخلفاء الراشدين , ويظنون أن المسلمين عاشوا بعدهم في فتن وحروب ذهبت بسلطان الإسلام في الحياة ولا يقول بذلك إلا من نظر إلى الأمور نظرة مسطحة..

ذلك أن العصر الذهبى يقوم على كرامة الإنسان وكرامة الإنسان تقوم على الأصول العقائدية والأصول التشريعية حين لا تمتد إليها يد الإنسان بالتشويه أو التعطيل.. الأمر الذى وجد على أفضل صورة في عصر الخلفاء الراشدين والذى ظلت مقوماته لفترة طويلة بعدهم في حياة المسلمين برغم خلافات السطح بين أمراء.. وقد بقيت حياة المسلمين لقرون طويلة لا تتأثر كبيرة بما يكون بين الحكام من شقاق أو حال بعضهم من فساد, إذ كان ذلك محصورا في النطاق الشخصى تارة والإدارية دون أن يملك أحدهم القدرة على أدنى تغيير في الأصول العقائدية أو التشريعية التى تمثل الحصانة الحقيقية في الحياة اليومية للمسلمين.. والحالات التى كان يحدث فهيا جور سافر على أى أصل شرعى كان يهتز لها الضمير الاسلامى بقوة مثلما تهتز بقية الأصول الشرعية حين تستعصى على هوى الحكام ويجدون أنفسهم أمام الحياة في جسم الأمة بنفس القوة التى كانت في الصدر الأول بمجرد موت أو تغيير الحاكم المعتدى وقيام من هو أصلح منه..

فعندما خلف عمر بن عبد العزيز بنى أمية المعتدين دبت القوة في شرايين المجتمع الكبير من الصين حتى الأندلس, وزالت كل أعراض الأمراض السابقة على عهده.. ولم يتميز عهده القصير بهذه الظاهرة وحده بل نشاهد تكرارها على فترات متقطعة في الزمان والمكان.

هذه القوة لا يمكن أن تأتى بفعل أمير صالح أو تزول بفعل حاكم طالح إن الأمر أكبر من ذلك, إن هذه القوة تكمن أول ما تكمن في عظمة الأصول التشريعية التى تلتف حول المسلمين في كل صغيرة وكبيرة كأنها أذرع قوية حنون تحميها في رفق من أى عدوان خارجى يأتى من حاكم جنح أو ضل سواء السبيل.. لأنه في النهاية لن يضع لهم تشريعا من عنده في شؤونهم الاجتماعية أو الاقتصادية وإن استطاع أن يسئ في دائرة اختصاصه المالية والسياسية.

هذه الحقيقة ألا تغيب عنا حين نتكلم عن فترات الضعف التى طرأت على سلامة التطبيق في تاريخنا التشريعى.

فلم تكن عظمة عمر بن عبد العزيز في كونه عادلا يقضى بالحق هنا وهناك

وسط مستنقع من المشاكل والخلافات لا تنتهى لأنه كان سيستحيل عليه التأثير في هذا البحر الطامى بمقدار كبير, ولكن كانت عظمته في أنه كان الإمام الفقيه الورع الذى رد كل شئ إلى أصوله الشرعية عقيدة , وشريعة, فدبت الحياة بسرعة في كل عود جاف وعاد إلى الإخضرار.. أنه روى الحقول الجدباء بمياه الإسلام الحنيف.. فحين نظر إلى مشكلة اليمن ووجد حكام السوء قد فرضوا على أرضها الخراج تكثيرا للمال في خزائنهم أعاد أمر هذه البلاد إلى سلطان الشرع فصيرها أرضا عشرية.. قرار واحد في كلمات قليلة نشرت السكينة والعدل والإستقرار في ربوع عشرات البلاد.. وحين دخل الذميون في دين الله أفواجا أسقط عنهم الجزية والخراج, قرار واحد أعلى سلطان الشرع وأنزل سلطان الهوى.. كذلك فعل في كل ميدان تشريعى.. وقدم نفسه وبيته نموذجا عمليا للصدق, فتطابق سلوكه الشخصى مع قراراته الشرعية فاكتمل النموذج المطلوب في الإمام فاكتمل النموذج الصحيح في الحياة. من هنا كانت فترة حكمه القصيرة التى بلغت عامان رفرف فيهما الإسلام فهى مل مكان, كانت شهادة على عظمة الإسلام نفسه قبل أى إنسان أو سلطان.. وبرهان على إمكانية التغيير السريع للحياة من الأسوأ إلى الأحسن عندما تتجه في صدق نحو شرع الله. ولكنها لا تتجه بهذا الصدق إلا عندما يكون على رأسها رجل مثل عمر بن عبد العزيز..

أما المجتمعات الأخرى فكل شئ فيها من صنع البشر.. فليس بين الحاكم والرعية ميزان فوق الجميع, وما أسهل أن يلبس مل شئ على الناس باسم القانون, وباسم الشعب, وباسم العلن, وباسم الأحكام العرفية, وبأسماء كثيرة لا تنفد, والمجتمعات المسكينة هى التى تدفع الثمن وهى ضحية التجارب, وكأن أحد قياصرة روسيا إذا ذكر بالقانون دق على صدره وقال هنا القانون... وهو في هذا القول يعبر عن طوية كل حاكم على شاكلته ولكنه لم يملك شجاعته فتبرقع بالديمقراطية الشعبية..

هذه المقدمة كانت ضرورية لتوضيح أن فترات الضعف التى كانت تصيب أحد جوانب الشريعة في القضايا الاقتصادية والاجتماعية تسير في خط بياتى بطئ جدا بالنسبة لفترات الضعف السياسى في سلوك الحكام, فالأولى يتطابق خطها البيانى نع الخط النفسى للأمة, والثانية يتطابق خطها البيانى مع الخط النفسى الحاكم.. ومن هنا كان طول عمر الشريعة الاسلامية في ميادين التعامل الاجتماعية والإقتصادية برغم انحرافات الحكام: وهذا يفسره الحديث الشريف:" لينتفض الاسلام عروة عروة فكلما انتقضت عروة تشيث الناس بالتى تليها وأولهن نقضا الحكم وآخرهن الصلاة".

ليس معنى ذلك اليأس من إمكان عودة الروح في كل جوانب الشريعة مرة أخرى بل أن إيمان المسلم بحدوث ذلك يعطيه زادا للعمل لا ينضب ففى الحديث الشريف عن عبد الله بن عمرو ما يبشر بذلك , قال صلى الله عليه وسلم:" تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون, ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها, ثم تكون ملكا عاضا فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها, ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم سكت" وعن أبى سعيد جابر بن عبد الله قال صلى الله عليه وسلم:" يكون في آخر الزمان خليفة يقسم المال ولا يعده".

وقصة الأرض في مصر وما طرأ عليها من تقلبات تعتبر نموذجا تقريبا لغيرها من الأراضى التى فتحت عنوة في مختلف الأقطار الإسلامية والتى تختلف بداياتها القوية عن نهاياتها الضعيفة التى ختمها الاستعمار بتشريعاته الرأسمالية..

قصة الأرض في مصر:

1- فتحت مصر عنوة فكانت أرضها خراجية إلا أن مصر العليا ( الصعيد) وبعض مدن الدلتا فتحت صلحا ونظمت المعاملة معها بعدد من العهود والعقود, وهذه المدن كما ذكرها البلاذرى هى&: عين شمس: تنيس , دمياط, تونة, دميره, دقهلة, بنا. بصير. الإشمونيين, الفيوم أخميم, الشرور, مدن الصعيد.. وكانت العقود متماثلة تنص على جزية قدرها ديناران على الفرد, ودينار واحد على الفدان, كما نصت على ضيافة من ينزل بهذه المدن من المسلمين... كما كانت هناك أرض الصوافى التى استصفاها الفاتحون بعد أن لم يكن لها مالك...

2- في عام 26م,35 هجرية بنى عبد الله بن ابى السرح" أول ديوان للخراج بمصر.."

3- فى216هـ انتشر الإسلام في القرى, في 300هـ كان معظم أهالى البلاد قد أسلموا بتأثير المجتمع الاسلامى لنموذج الذى كانت نواته المعسكرات ثم أخذ في النهاية شكل المدن مثل الفسطاط.. ويصور ابن عبد الحكم كيفية زراعة الأرض في ذلك الوقت فيقول:" كان يجتمع ناظر القرية أو عريفها أو رئيسها بأهل القرية يوزع الأراضى فيما بينهم كل واحد ومقدرته والعاجز يقوم مقامه المستطيع, والقرية كلها تخرج ما عليها من خراج وتسد حاجة كل من يكونون في حال احتياج من أهلها. وذلك لأن الأرض كانت خراجية ولم تعتبر ملكا لمن هى في أيديهم عليها يد إجارة. وكان عرفاء القرى يجتمعون ويتشاورون فيما يجب أن يفرض من خراج على الأرض".

4- حول هذا التاريخ إذا للمسلمين بمساكنة الأهالى فتداخلت المعاملات وتنقلت الأرض بين الفاتحين وأهالى البلاد ودخلت في البيوع والمواريث.. وصار الناس يتصرفون تصرف الملاك, لكن بقى الخراج على الأرض مذكر دائما بأنها أرض خراجية وليست عشرية..

5- رغم انتشار الإسلام ورغم حياة الاستقرار اللذين يبرران منطق من دعى إلى العودة إلى الأرض العشرية كما فعل الإمام أبى عبيد إلا أن شيئا من ذلك لم يحدث وظل الخراج ساريا بعد زوال مبرراته.. وهذا يشكل الانحراف الأول من الناحية الإقتصادية.

6- كان الإنحراف الثانى حين ظهرت فكرة القبالة أو التضمين في جمع الخراج.. لأن ضمان عامل الخراج بتوريد مبلغ ثابت سنويا وقبوله العمل على هذا الشرط كان يجعل له سلطانا كبيرا على الناس لم يكن له من قبل حين كان يؤدى ما يجيبه فقط قل أم كثر في حدود استطاعة أهل البلاد فالتضمين أو التقبيل أو القبالة أو الإلتزام أو التعهد كلها بمعنى واحد وقد حرمها الفقهاء بلا استثناء:" لأن عامل الخراج مؤتمن يستوفى ما وجب ويؤدى ما حصل, فهو كالوكيل لذى أدى الأمانة لم يضمن نقصانا ولم يملك زيادة"... وكان الصحابة رضوان الله عليهم على ذكر بما يؤدى إليه هذا الأمر فكانوا يشددون في منع هذا التضمين, حكى عن ابن عباس رضى الله عنه أن عاملا أتى عمر يتقبل منه أقليم الأبله بمائة ألف درهم فضربه مائة سوط وصلبه تعزيرا وأدبا ليكون عبرة لمن يفكر بعقلية جباة الضرائب من الفرس والروم... وقال ابن عمر رضى الله عنه " القبالات ربا" وقد وقف الفقه الاسلامى بحزم في وجه هذا الانحراف فهذا هو الإمام أبو يوسف يحذر هارون الرشيد بقوله:" ورأيت ألا تقبل شيئا من السواد ولا غير السواد من البلاد, فإن المتقبل إذا كان في قبالته فضل عن الخراج عسف أهل الخراج وحمل عليهم مالا يجب عليهم وظلمهم وأخذهم بما يجحف بهم ليسلم مما دخل فيه. وفى ذلك وأمثاله خراب البلاد وهلاك الرعية.. والمتقبل لا يبالى بهلاكهم بصلاح أمره في قبالته, ولعله أن يستفضل بعد ما يتقبل به فضلا كثيرا , وليس يمكنه ذلك إلا بشدة منه على الرعية وضرب لهم شديد, وإقامته لهم في الشمس وتعليق الحجارة في الأعناق, وعذاب عظيم ينال أهل الخراج مما ليس يجب عليهم من الفساد الذى نهى الله عنه.. إنما أمر الله عزوجل أن يؤخذ منهم العفو وليس يحل أن يكلفوا فوق طاقاتهم.. ويختتم هذا التحذري الكبير بقوله: وليس يبقى مع الفساد شئ ولن يقل مع الصلاح شئ.

هذا الذى حذر منه الصحابة الكرام والفقهاء العظام قد حدث على ايدى عمال السوء في فترات الضعف, ويسجل المقريزى طريقة جباية الخراج في مصر بعد ظهور قبل مجئ أحمد بن طولون يقول:" وكان من خبر أراضى مصر بعد نزول العرب بأريافها, واستيطانهم وأهاليهم فيها واتخاذهم الزرع معاشا وكسبا وانقياد جمهور القبط إلى إظهار الإسلام, واختلاط أنسابهم بأنساب المسلمين أن متولى خراج مصر كان يجلس في جامع عمرو بن العاص من الفسطاط في الوقت الذى تهيأ فيه قبالة الأراضى, وقد اجتمع الناس من القرى والمدن فيقوم رجل ينادى على البلاد صفقات صفقات, وكتاب الخراج بيد يدى متولى الخراج يكتبون ما ينتهى إليه مبالغ الكور والصفقات على من يتقبلها ن الناس, وكانت البلاد يتقبلها متقبلوها بالأربع سنين لجل الظمأ والاستبحار وغير ذلك, فإذا انقضى هذا الأمر خرج كل من تقبل أرضا وضمنها إلى ناحيته فيتولى زراعتها وإصلاح جسورها وسائر وجوه أعمالها ويحمل ما عليه من الخارج في إبانه على أقساط , ويحسب له مبلغ من قبالته وضمانه لتلك الأراضى ما ينفقه على عمارة جسورها وسد ترعها وحفر خلجانها بضريبة مقدرة في ديونا الخراج... ولميول ذلك يعمل به في جامع عمرو بن العاص إلى أن عمر أحد بن طولون جامعه".

7- حتى عام 250 هـ كان الخراج هو الشئ الوحيد الذى يجبى, وقد رأينا في الحلقة السابقة كيف باءت بالفشل محاولة موسى بن صعب في فرض ضرائب علاوة على الخراج في مصر وقامت ثورة ضده... هذا الذى فشل موسى ابن صعب في فرضه قد نفذه أحمد بن المدير وإلى الخراج لأحمد بن طولون حيث زاد فوق الخراج ضرائب على الصيد المراعى, فأوجد بذلك الإنحراف الثالث في تاريخ التطبيق بمصر.

8- بعد دخول الأتراك مصر أنشأوا نظام الالتزام وهو نفس نظام التضمين والقبالة إذ يلتزم شخص يسمى الملتزم بأداء ضريبة ناحية أو أكثر ويعجل بخراج سنة.. وكان الالتزام يقدر بمزايدة بأداء ضريبة ناحية أو أكثر ويعجل بخراج سنة.. وكان الإلتزام يقدر بمزايدة وأما باتفاق على الثمن وبين الرزنامة نيابة عن الحكومة, حتى إذا تم الإتفاق أعطى الرزنامة للملتزم تقسيطا أى عقد تلزيم وكانت الحكومة تجعل للملتزم نظير ذلك أراضى غير التى التزمها معفاة من الدفع يحرثها له فلاحو الناحية فسرا لصالحه تسمى ( بالأواس جمع أوسيه).. وهذا قد جعل للملتزم سلطانا كبيرا على حياة الفلاحين.. وبهذا بدأ شبح الأسلوب الاقطاعى يتراقص على وجه البلاد.

9- في عهد محمد على وجد نظام المتعهدين وهو شكل جديد للالتزام بدأه محمد على بأن طلب عقود الالتزام من الملتزمين ثم احرقها, وحتى لا يثيروا الفلاحين عليه أرشاهم باستبقاء أراضى الأواسى تحت أيديهم, وفيما بين 1813 -1818 قسم محمد على أراضى مصر مساحات ثابتى, وعين الحدود بين الرى, وقسم أراضى كل قرية إلى أحواض واستعان بكبراء دولته وقواد عساكره بأن يأخذون على مسئولياتهم نواحى بتمامها بشرط قيامهم بوفاء ما عليها من متأخرات..

ولما احتاج محمد على إلى عمل سلفة إجبارية كان يعتبر ما يدفعه له المتعهد نيابة عن الفلاحين.. والمتعهد بدوره يعتبر الفلاحين مدينين له. ولنا أن نتصور السلسلة الشريرة بعد ذلك في جباية هذه الأموال.

كان لابد للإنتاج أن يتدهور في ظل هذه الأسلوب القهرى, وكان لابد لكى يستقيم الأمر للحاكم الظالم أن يواصل خروجه على الشرع مرة أخرى وأن يتخبط في وسائله.. وكان طبيعيا أما الفشل الذى حققه نظام المتعهدين أن يقوم محمد على بضربة أخيرة سنة 1229 هـ عندما أصدر مرسوما بأن تؤول إليه ملكية جميع الأراضى,ولما بدأ قياس الأراضى خاف كثير من الأهالى وبدأوا يهربون ويتركون الوطن والزرع, ولما حان وقت الحصاد لم يجد أعوان محمد على من يعينهم على جمع المحصول إذ هرب الكثيرون إلى سوريا فطلب محمد على من والى صيدا عبد الله باشا أن يسلمهم له فرفض.. ولما رأى بعينى رأسه تدهور المحصول بدأ يفكر في العدول عن هذا الأسلوب, وعاد إلى تقسيم الأراضى وتوزيعها على الأعوان, حجته في ذلك أن المحصول يقل عاما بعد عام.. فهذه أرض بور يوزعها على من يصلحها تسمى" بالأبعديات" كانت مساحتها تقدر بـ200 فدان, وكانت من نصيب الأعيان ورجال الإدارة, وأخرى جيدة لمن يدفع عنها الضرائب (شفلك) وكان نصيب أسرته منها كبيرا, وثالثة معفاة كلية من الضرائب..

في عهد عباس الأول بدأ العدول عن هذا الأسلوب الاحتكارى . وفى سنة 1849 أصدر لائحة أباحت كثيرا من حرية التصرف, وفى سنة 1850 أبطل نظام امتيازات المتعهدين.

وفى سنة 1858 في عهد سعيد أعيد حق الملكية للفلاحين بعد وضع الضرائب على الأرض, وبهذا اقترب نظام التملك من النماذج الغربية, ولولا قواعد الميراث وبقايا الروح الاسلامية في التشريعات لتكون الاقطاع في صورته الشديدة.

10- ختمت سلسلة الانحرافات بالاستعمار: ويصور الإمام محمد عبده فترة القابلية للإستعمار التى أثمرها حكم محمد على وخلفائه بقوله: ما الذى صنع محمد على – لم يستطع أن يحيى ولكنه استطاع أن يميت, وجه عنايته إلى رؤساء البيوت الرفيعة, فلم يدع فيها رأسا يستتر فيه ضمير ( أنا) واتخذ من المحافظة على الأمن سبيلا لجمع السلاح من الأهلين وتكرر ذلك كثيرا حتى أفسد بأس الأهالى, وزالت ملكة الشجاعة منهم.. لم يبق في البلاد رأسا يعرف نفسه حتى خلعه من بدنه, أو نفاه مع بقية بلده إلى السودان. أخذ يرفع الأسافل ويعليهم في البلاد والقرى كأنه كان يحن لشبه فيه ورثة عن أصله الكريم,حتى انحط الكرام وساد اللئام.. ولم يبق في البلاد ألا آلات يستعملها في جباية الأموال وجمع العساكر بأية طريقة على أى وجه, فمحى بذلك جميع عناصر الحياة الطيبة من رأى وعزيمة واستقلال نفس ليصير البلاد المصرية جميعها اقطاعا واحدا له ولأولاده..

إلى أن يقول: ظهر الأثر العظيم عندما جاء الانجليز لإخماد ثورة عرابى... دخل الإنجليز مصر بأسهل ما يدخل به ضامر على قوم, ثم استقروا ولم توجد في البلاد نخوة في رأس تثبا لهم أن في البلاد من يحامى عن استقلالها وهو ضد ما رأيناه عند دخول الفرنساويين إلى مصر... وبهذا رأينا الفرق بين الحياة الأولى والموت الأخير وجهلة الأحداث يسألون أنفسهم عنه ولا يهتدون..

في عهد الاستعمار:

وعندما احتل الانجليز مصر سنة 1882 م في عهد الخديوى توفيق, راحت الحكومة تبيع أملاكها وتخفف من قيود الملكية الزراعية... وعندما ضفيت الدائرة السنية وبيعت أملاكها راعى الانجليز أن يخصوا بعض الأسر بأجزاء طيبة من هذه الأرض, وفى نفس الوقت اقبل على الشراء أعيان آخرون من الذين يوجه لهم أى اتهام بعد تسوية الحساب مع الثورة العرابية... ومنذ ذلك الوقت ظهرت أسماء جديدة في قائمة الملاك في الوقت الذى زالت فيه أسماء من المواطنين, وما أسرع ما تعطلت الشريعة الاسلامية في بقية الميادين الاجتماعية الأخرى واستبدلت بها القوانين الغربية ثم بدأت صبغة الحياة تأخذ اللون الغربى شيئا فشيئا في العادات والتقاليد والقيم.. وانكمشت الشريعة في محيط الأحوال الشخصية, وفقد هذا الفرع شجرته التى كان يتمايل ويورق ويثمر عليها فأصبح يتهدده الجفاف, وقد كان العالم يستشرف عصر الثورة الصناعية عندما بدأ مرض الاستعمار بغزو البلاد وقد تسلل إلى النفوس والعقول قبل أن يتسلل إلى الأراضى والسلطان... وجاء الاستعمار العسكرى متمما لاستعمار نفسى سبقه هيأ له بطش محمد على وكثرة الامتسيازات الاجنبية في عهد خلفائه.

ولا يفوتنا أن نشير إلى المؤامرات التى دبرت لإنهاء أمر الأزهر الشريف حصن الشريعة الاسلامية واللغة العربية, فعملوا على تطبيق سياسة دانلوب في التعليم بإنشاء تعليم موازى للأزهر له الطابع الغربى تشرف عليه وزارة المعارف بحيث يبعد الطلاب والجيل الجديد عموما ثقافيا ونفسيا عن البيئة الإسلامية إلى أن يصير مفهوم الحضارة والتقدم عندهم هو تقليد الغرب وترسم خطاه في أسلوب الحياة أولا وقبل كل علم فنى... ولعب أستاذ الجيل, لطفى السيد دوره الكبير في هذه المؤامرة الثقافية, كما لعبها أساتذة كثيرون كنا ننظر إليهم باحترام في طفولتنا.

لم تكن السلطة هى الأخرى بعيدة عن هذا الصراع الحضارى , بل كانت نافذة في ضرب بقايا الروح الاسلامية والتمكين للنظام الاستعمارى, وكان لإسماعيل باشا دور رئيسى في فرض القانون الفرنسى وإنشاء المحاكم ومحاربة وتشويه كل من يتصدى له العلماء , فكان يقول لا يمكن أن نعمل في هذا القرن بما وضع للعرب من نحو ثلاثة عشر قرنا وأراد أن يستخدم رفاعة بك في اقناع شيخ الأزهر وغير من العلماء في إجابة طلبه قائلا له : انك منهم ونشأت معهم وأقدر على إقناعهم... وكشفت جريدة المنار في عددها الصادر بتاريخ ربيع الأول سنة 1323هـ, 21 مايو سنة 1905 سر حملة اسماعيل حين قالت – هذه مجلة الأحكام العدلية التى ألفتها لجنة من العلماء هى أحسن من القانون المدنى الفرنسى, وقد أمر السلطان العثمانى بالعمل بها عندما أسس نظام العدلية وأبطل به الامتيازات الأجنبية فلماذا لم تتبعه الحكومة الخديوية بل اختارت على أحكام الشريعة الاسلامية فانون الحكومة الفرنسية؟! كلنا يعرف السبب في ذلك وهو طمع اسماعيل باشا بالاستقلال والانفصال عن الدولة العليا بمساعدة أوروبا التى ينزلق إليها بإتباع خطوات مدنيتها فانظر ماذا حل به وباستقلاله..

آفة المسلمين... الجهل والطبقة العازلة:

تغيرت الظروف المادية في ظل الاستعمار تغيرا سريعا, فالمواصلات خلطت البعيد بالقريب والمصانع بدأت تطل بمداخنها والأسلوب الإقطاعى والرأسمالى بدأ يرسى قواعده في معاملاتنا.. وأصحبت قصة الأرض العشرية والأرض الخراجية في ذمة التاريخ.. ونسى الناس والزكاة كنظام مالى أصيل وكذلك الخراج كنظام فريد في مواجهة ضرورات الفتح, وذات هذه التشريعات المالية في شبكة الناس, وأعادت بذلك ذكرى الضرائب التى طوقت حياة شبكات ضرائب الرومان الفرس قبل الفتوحات الإسلامية وقامت البنوك بدور الوريث لكل تركة دواوين الزكاة ودواوين الخراج وعملت بطريقتها الخاصة التى تتلاءم مع الأسلوب الغربى في الإنتاج.

واختلط الأمر على المخلصين الذين ظنوا أن هذه الحال التى انتهينا إليها تشريعا, وخاصة الأوضاع الاقتصادية وعمل البنوك إنما هى من ضرورة العصر, وأن علينا أن نسابق الزمن أمامها بإيجاد الحلول الجزئية للمشاكل اليومية ,وعجزوا عن تصور كل شامل يعالج المشكلة من جذورها في صورة دعوة إلى إقامة الأصول الإسلامية في حياتنا من جديد في ميان التربية وفى الميدان الاقتصادى والإجتماعى على حد سواء الأمر الذى سبقت إلى إدراكه الحركات الإسلامية المعاصرة وغاب عن العلماء التقليديين.

ومع ما وصلت إليه أحوال مصر من تدهور على مدار هذا الخط الطويل من الإنحرافات والغزو الاستعمارى المتشعب الظلال إلا أن أمر السوء لم يصل إلى ما وصل إليه الحال في البلاد الأوروبية والحد لله, بفضل بقايا الروح والفهم الإسلاميين في النفوس وبفضل ما بقى من قواعد تشريعية ضعيفة كقانون الميراث. فنجد أن النظام الإقطاعى في روسيا كان يستولى على تسع أعشار الأراضى الزراعية قبل قيام الثورة الشيوعية في حين أن قانون الإصلاح الزراعى في مصر طبق على عشر الأراضى فقط

وجاءت الطبقى العازلة من الحكام والجهلة والمثقفين القائمين لتعالج التشويهات بتشويهات أكبر حين تصورت علاج الاستعمار في حياتنا برد فعل أوروبي متمثلا في العقلية الماركسية... وزكى الاستعمار بذكاء وعمالة هذا الاتجاه للإمعان في الإضلال من جهة ولمزيد من حجب شمس الإسلام الساطعة من جهة أخرى,... والفهم والوعى يشق كطريقه في صبر أناءة واطمئنان إلى أن الزبد سيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض..


الحلقة الثالثة والثلاثون: ضمانات التطبيق أو النظام السياسى

كانت المدن الاسلامية كعبة العلم والنور تفنن في وصفها الواصفون حتى عجز الخيال في كثير من الأحيان عن التصور خاصة في مدن الأندلس , وقد قالوا في وصف البصرة. عمرت البصرة واتسعت عمارتها حتى بلغ مساحتها في أمارة خالد بن القسرى فرسخين في فرسخين أى 36 ميلا مربعا في أرض منبسطة لا جبال فيها, وذلك ما يقرب من مدينة القاهرة.. وكثرت ثروة البصرة في أيام العباسيين لاجتماع التجار بها وكانت تجارتهم تمتد شرقا إلى الهند والصين, وغربا إلى أقصى بلاد الغرب وجنوب الحبشة.. قال بن حوقل:" وهى موصوفة بالمجالس الحسنة والمناظر الأنيقة والميادين العجيبة والفواكه البديعة والبرك الفسيحة لا تخلو من المتنزهين ولا تعرى من المنطرفين منحدرين ومصعدين.." وكانت مياه البصرة مرسى لمئات السفن التجارية حتى أنه يروى أن ما كانت تجبيه الحكومة من تاجر واحد من تجارها نحو 100,000 دينار في العام. وقد وصفها الاصطخرى وعدد أنهارها على أيام بلال بن ابى بردة (118هـ) بما لا يصدقه يصدقه إنسان, وذكر أن رجلا دخلها في أوائل القرن الثالث للهجرة في زمن خماروية بن أحمد بن طولون قال:" طلبت صانعا يخدمنى فلم أحد فيها صانعا متفرغا لخدمتى"

هذه هى صورة الحياة على الأرض العشرية تضاف إلى ما سبق بيانه من صور الحياة على الأرض الخراجية.. ومع ما كانت تفيض به كل الصور من جلاء أن لهذا النظام قوة فطرية تجعله لا يتأثر بجميع التقلبات التى تصيب ثروات الشعوب التى تدين به".

من أجل ذلك كان عمر الشريعة الاسلامية في حياة المسلمين طويلا وتأثيرها عميقا بالرغم من نقض عروة التشريعات المالية ( الاقتصاد) بمثل السرعة التى تقابلنا في الأنظمة الأخرى, إذ كان دون عمرا طويلا استلزم قرونا أخرى وقوى خارجية ممثلة في الإستعمار, ومع هذا بقيت عرى التشريعات الاجتماعية لم تلق السلاح ولم تستسلم رغم محاصرتها الشديدة بالقوانين الرأسمالية تارة أو الاتجاهات الماركسية تارة أخرى في السياسية والإقتصاد.. وبقيت العقيدة وراء ذلك كله تمد الجنود في الميدان بطاقة متجددو تدفع إلى تلخيص الشريعة الغراء من هجمة الظلام وتعيد إلى الحياة والعلاقات صفاءهم لقديم..

وحين أدرك الإستعمار القديم والجديد هذه الحقيقة جعل من أهم أهدافه توجيه الضربة إلى الإسلام في القلب عن طريق محاصرة العقيدة ذاتها بأساليب الغزو الثقافى والإستعمارى النفسى الذى تقوم فيه فرق التبشير وأجهزة الإعلام ودور النشر ومناهج التعليم بالدور الأكبر باعتبارها طلائع تمهد الطريق للإستعمار الاقتصادى والسياسى بعد ذلك ليعيش آمنا في ظل أنظمة علمانية تنتسب إلى الإسلام بالاسم والتاريخ البعيد..

برغم خصائص العقيدة الربانية وخصائص الشريعة الذاتية التى جعلت أمر الانحراف من جانب الحكام محدود المخاطر ف حياة المسلمين والتى جعلت تقديرات الاستعمار تخيب ألا أن الضمانا في حياة المسلمين على مدار التاريخ لم تقف عند حدود هذه السمات الخالدة بل تعدتها إلى كثير من المؤسسات التى قامت بدور كبير في ضمان التطبيق فأطالت عمر التشريعات فيما بين الناس برغم ما كان عليه امر الحكام من فساد.. ويتكون من مجموع ضمانات التطبيق ما يعتبر إطارا سياسيا خاصا بالبيئة الاسلامية وله ما يميزه عن غيره من الأنظمة السياسية الأخرى... لأن كل نظام اجتماعى يكون له إطاره السياسى الخاص به... فالشكل الحزبى هو إطار المجتمع الرأسمالى وأدوات طبقاته المتصارعة.. والحزب الواحد نتاج طبيعى للماركسية عقيدة ومنهجا وأخذت مسميات النيابية والديمقراطية في كل منهما مدلولات مختلفة والأجهزة البوليسية في التضامن الرأسمالى والشيوعى بمختلف درجاته نتاج طبيعى لهما وتقوم بتكملة البناء السياسى في كل منهما... وخاطئ من يفصل في تصوره دور هذه الأجهزة عن بنيانها السياسى .. بل إن الأندية والبارات وتجارات الرقيق الأبيض تقوم بدورها السياسى في هذه الأنظمة المريضة لأن هذا الحشد الظاهر والمستتر من المؤسسات يعمل في النهاية على التمكين لهذا النظام أو ذاك بشتى الوسائل.. فهل كان الإطار السياسى في الإسلام كذلك؟! بديهى أن القول : لا.. فاختلاف الأصول والغايات وتميز الشريعة الإسلامية بخصائصها الذاتية.. قد جعل لضمانات التطبيق صورها الخاصة المتميزة كذلك والتى تكون في مجموعها الإطار السياسى لهذا النوع الفريد من المجتمعات.. ومن هذه الضمانات التى تنبثق جميعها من الضمانة الأولى, ضمانة الإيمان بالله واليوم الآخر و الجهاد في سبيله ما يأتى:

1- الإمامة العادلة بالشروط التى وضعها الفقه الإسلامي في شخص الإمام وطريقة توليه السلطة وحدود اختصاصاته وطبيعة مباشرته لمسؤوليته بما يضع أكثر الناس كفاءة وعلما ودينا على رأس هذه الولاية العامة.. ويستطيع من يراجع ما كتبه السلف أن يقف على العجب من لذلك, الأمر الذى تفتقر الأنظمة الأرضية إلى تأصيله نظريا على الأقل مما دعا إلى أن يقذف إلى مركز السلطة بالأقدر على أساليب المناورة والخداع أو بالأسبق في تحريك أسلحة الجيش, ثم يأتى القانون متأخرا لا ليقود أو يوجه بل ليبرر ويسبغ صفى الشرعية على الواقع الخاطئ ويفتح باب الإضلال على مصراعية فيتردى سدنة الأنظمة في وصف الجاهل بالمعلم الأول والمجهول بالأوحد والمفلس بمصدر الخصب والنماء.

لو تردى الفقه الاسلامى الذى بين أيدينا في رذيلة التبرير هذه ما استحق أن يعيش أئمته العظام في ضمير الأمة الإسلامية هذه القرون الطويلة.. لقد بقى في مكانه شامخا معبرا عن الموازين الشرعية وحدها فيما يخص الحاكم أو الرعية على السواء ومنذرا من يفتقر إلى شروط الإمامة بكونه على خطر عظيم لأنه ينعت بالإمام المتغلب , وحسب الحاكم هذه الصفة في نفوس الأمة ليظل مستشعرا الخطر من الانتفاض عليه في كل حين والتاريخ الإسلامي حافل بهذه الانتفاضات وليس فيه مكان لوصف أحد هؤلاء المتغلبين بالمعلم الأول أو الخالد.

2- والقضاء الإسلامي له دوره المشهود في ضمان تطبيق الشريعة الإسلامية حسب القاضى الاسلامى ما يلزم توفره فيها من شروط تقترب في قيمتها من شرط الإمامة, وحسبه سلطانا فوق الإمام والرعية على السواء أن ميزان الحق والعدل من عند الله مما أعلى سلطان الشريعة زمنا طويلا وجعل السيادة بالفعل للقانون, الأمر الذى إذا ظفرت بمثله امة من الأمم كانت حريتها وكرامتها في حصن حصين وأعناها عن ضمان الأحزاب السياسية والمنابر الصحفية التى تبث باليقين أنها في غيبة القضاء الحر عاجزة كل العجز عم حماية نفسها بل أنها لتستخدم في التضليل باسم الحرية والقانون. واتاريخ الاسلامى ملئ بالصور المشرفة لمواقف القضاء قبل أن يصيبه ما أصاب الأمة كلها من وهن..

3- نظام الحسبة: في مواجهة ظروف الزمان والمكان وما يتطلبانه من جديد كان للبيئة الاسلامية حلولها الذاتية لدوام تحقيق مقاصد الشرع الحنيف من خلال سلامة التطبيق... من ذلك ما عرف بنظام الحسبة وهى أمر بالمعروف ونهى عن المنكر,وتعتبر واسطة بين أحكام القضاء وأحكام ديوان المظالم, أقرب شبها بمهمة النيابة العامة مع ما بين الاثنين من فارق كبير ناشئ من طبيعة المجتمع, فيمر بالأسواق ويتفقد مظاهر النشاط الاجتماعى ويوالى التذكير بالآداب الاسلامية وبموازين الشرع وكان يشترط فيه أن يكون عالما من أهل الاجتهاد في أرجح الأقوال, ويستعين على أداء عمله بالمعاونين. وهذا العمل وإن كان واجبا على كل مسلم ألا أن الفرق بين المتطوع والمحتسب من تسعة أوجه:

1- فرض عين على المحتسب بحكم الولاية وعلى فيره فرض كفاية.

2- قيام المحتسب به من حقوق نصرته الذى لا يجوز أن يتشاغل عنه ولكنه من نوافل عمل المتوع.

3- أنه منصب للاستعداء إليه فيما يجب إنكاره وليس المتطوع كذلك.

4- على المحتسب استجابة من استعداده وليس على المتطوع.

5- عليه أن يبحث عن المنكرات الظاهرة لإزالتها ويأمر بإقامة المعروف الظاهر أن ترك.

6- له أن يتخذ الأعوان.

7- له أن يعزر في المنكرات الظاهرة ولا يتجاوز على الحود.

8- يتقاضى على عمله أجرا من بيت المال.

9- أن له اجتهاد رأيه فيما يتعلق بلعرف دون الشرع كالمقاعد في الأسواق وإخراج الأجنحة.

وتقصر الحسبة على القضاء من وجهين:

(أ‌) قصورها عن سماع عموم الدعاوى الخارجة عن ظواهر المنكرات ( عقود.. معاملات) إلا أن يكون هناك نص صريح فيكون جامعا بين الحمية والقضاء.

(ب‌) دور المحتسب مقصور على الحقوق المعترف بها دون المتنازع عليها.

وتزيد عن القضاء من وجهتين:

(أ‌) يجوز للمحتسب أن يتعرض لتصفيح ما يأمر به من العرف وينهى عنه من المنكر وإن لم يحضره خصم مستعد, وليس للقاضى إلا بحضور خصم يجوز له سماع الدعوى منه.

(ب‌) لناظر الحسبة من سلاطة السلطة واستطالة الحماة ما ليس للقضاء.

أوجه الشبه بين الحسبة وبين ولاية المظالم:

(أ‌) موضوعها مستقر على الرهبة والصرامة.

(ب‌) جواز لتعرض فيهما لأسباب المصالح والتطلع إلى إنكار العدوان الظاهر.

ويفترقان في أمرين:

إن المظالم موضوع للما عجز عنه القضاء والحسبة لما رفه عنه القضاء,

4- ديوان المظالم: وهو من توابع القضاء , وأقرب شبها بمجلس الدولة والغرض منه استماع شكاوى الناس من القضاة أو الحكام وبين الإمام المارودى أن الناس عندما لم تكفهم زواجر العظة عن التمانع والتجاذب احتاجوا في ردع المتغلبين وأنصاف المغلوبين إلى نظر المظالم الذى يمتزج به قوة السلطة بنصفة القضاء.

ولم يجلس للمظالم بصفة دورية أحد من الخلفاء الأربعة لأن الناس في الصدر الأول كانوا بين من يقوده التناصف إلى الحق أو يزجره الوعظ عن الظلم, وإنما كانت المنازعات تجرى بينهم في أمور مشتبهة يوضحها حكم القضاء فإن تجور من جفاة أعرابهم متجور ثناه الوعظ أن يدبر وقادة العنف أن يحس فاقتصر خلفاء السلف على فصل التشاجر بينهم بالحكم والقضاء تعيينا للحق في جهته لانقيادهم إلى التزامه...

وكان أول من أفرد للظلامات يوما هو عبد الملك بن مروان ثم عمر بن عبد العزيز الذى رد مظالم بنى أمية على أهلها حتى قبل له وقد شدد عليهم فيها وأغلظ: إنا نخاف عليك من ردها العواقب, فقال : كل يوم أتقيه وأخافه دون يوم القيامة لا وقيته.

ثم كان أول من جلس لها من خلفاء بنى العباس المهدى ثم الهادى ثم الرشيد, ثم المأمون وآخر من جلس لها المهتدى..

أما في مصر فكان أول من جلس للمظالم أحمد بن طولون . وكان يجلس يومين في الأسبوع ثم صار خلفاؤه يولون من يقوم بها وفى عصر الفاطميين جلس لها القائد الصقلى ثم صار الخلفاء بعد ذلك يعهدون بها إلى قاضى القضاة أو إلى العلماء وكانوا يجعلون بباب الديوان مناديا ينادى " يا أرباب الظلامات". وفى عصر سلاطين مصر الأيوبيين بنوا دارا للنظر في المظالم.

ويذكر مؤلف " تاريخ التمدن الاسلامى" أنه" كان لسلاطين المسلمين وأمرائهم عناية كبرى في النظر في مظالم الرعية, وكانوا يبذلون الجهد في رفعها ولو كان الظلم منهم أو من أولادهم, وأمثلة هذه الحوادث كثيرة في تاريخ الاسلام فتعود الناس أن يرفعوا شكواهم إلى خلفائهم وسلاطنيهم في أيام معينة وصاروا يحسبون ذلك فرضا واجبا, فإذا أمسك الخليفة عن النظر في المظالم يوما أو بضعة أيام ضجوا وملوا... وكان بعض الخلفاء يقسم المظالم إلى فروع, فرع للجند, وفرع للنظر في مظالم العمال وغيرها.."

مجلس النظر في المظالم: كان لا ينتظم إلا بحضور خمسة أصناف:

1- الحماة والأعوان لاستحضار القوى وتقويم الجرئ.

2- القضاة والحكام لبيان الحقوق.

3- الفقهاء ليرجع إليهم فيما أشكل أو اشتبه.

4- الكتاب ليثبتوا ما يجرى.

5- الشهود ليشهدهم على ما أوجب من حق.

اختصاصات ديوان المظالم فهى كما ذكرها الماوردى:

1- النظر في تعدى الولاة على الرعية.

2- جور العمال فيما يجبون من الأموال فيرجع فيه إلى القوانين العادلة في دواوين الأئمة فيحمل الناس عليها ويأخذ العمال بهاوينظر فيما استزادوه ليرده إلى أربابه.

3- وفى أعمال كتاب الدواوين لأنهم أمناء المسلمين على ثبوت أموالهم فيما يستوفونه له ويوفونه منه فبتصفح أحوال ما وكل إليهم فإن عدلوا بحق من دخل أو خرج إلى زيادة أو نقصان بالمراجعة على القوانين ومقابلتها..

4- تظلم المسترزقة من نقص أرزاقهم( أى الجيش العامل).

5- رد الأموال المغتصبة وهى أما غصوب سلطانية تغلب عليها ولاة الجور وأما ما تغلب عليها ذوو الأيدى القوية وتصرفوا فيه تصرف المالك .

6- مشارفة الأوقاف.

7- تنفيذ ما وقف القضاء من أحكام لضعفهم عن إنقاذها وعجزهم عن المحكوم عليه لتعزره وقوة يده أو لعلو قدره وعظم خطره.

8- النظر فيما عجز عنه الناظرون من الحسبة في المصالح العامة.

9- مراعاة العبادات الظاهرة كالجمع والأعياد والحج و الجهاد من تقصير فيها أو إخلال بشروطها. 10- النظر بين المتشاجرين والحكم بين المتنازعين بالحق... الخ.

5-دعوى الحسبة : وهى غير نظام الحسبة لأنها خاصة بحق كل فرد على حدة في أن يرفع دعوى أمام القضاء عن كل ما يخل بالصبغة الاسلامية للمجتمع شعورا منه بالمسئولية الفردية عن حياة المسلمين جميعا وهى درجة من التكريم والوعى المقابل لها في أى نظام اجتماعى عرفته البشرية حتى تمنح هذا الحق للمؤسسات دون الأفراد.

بديهى أن نفهم من هذا العرض تميز البيئة الاسلامية بمؤسساتها السياسية في القديم يوم أن كان العالم بأسره يخبط في ظلام الإقطاع والطغيان وهو خير رد على الذين أساءوا إلى تاريخ البشرية وبديهى أيضا أن نعلم أن لذلك دلالة فيما يكشف عنه من إمكان اكتشاف أنواع المؤسسات في المستقبل في ظل حياة تقوم على أصول إسلامية.. مؤسسات تحقق جوهر المقاصد الشرعية وتعين على سلامة التطبيق مهما كانت أشكالها أو مسمياتها طالما أنها كانت من نتائج البيئة الإسلامية والعقلية الإسلامية وليست تقليدا انهزاميا لمسميات استعمارية ولا نستطيع أن نسبق الزمن فنتكهن بطبيعتها حتى يتحقق المجتمع المنشود


ملاحظات ختامية

أولا: ركزنا الاهتمام على التشريعات المالية في الإسلام باعتبارها العمود الفقرى لأغلب التشريعات الاجتماعية ولأنها تمثل الساق في شجرة التشريعات الاسلامية, وباعتبارها أيضا من أبرز قضايا العصر التى يلزم تناولها بالمنظار الاسلامى تحصينا للرأى العام من تلبيس الأمر عليه باسم الإسلام وتأكيدا لحلول الإسلام الذاتية وأصالتها ليستيقن الذين آمنوا.

ثانيا: من نفل القول أن نشير إلى عقم الدراسات الجزئية بعيدا عن نظرة الشاملة من جهة أو منفصلة عن قضايا البيئة الإسلامية العملية من جهة أخرى مثل تناول قضية الربا في البنوك الراهنة أو التأمين ضد الحوادث أو التأميم لوسائل الإنتاج إذ أن جميع هذه القضايا وغيرها ستأخذ وضعا جديدا في المجتمع الاسلامى المنشود القائم على أصوله في التربية والتشريع وأن المشاركة في هذه القضايا الجزئية اليوم إنما هو من قبيل الإسعافات الأولية والمشاركات الإنسانية مقل حلف الفضول قبل أن تكون حلا إسلاميا حاسما حتى يأتى اليوم الذى يفهم فيه مفكرو الأمة وزعمائها قيمة النظرة الشاملة وأخطار الترقيع.

ثالثا: كان يلزم الإشارة في بحث مستقل إلى آثار تطبيق الماركسية في الحياة الاجتماعية والسياسية حتى يكتمل تقييمها من جميع الجوانب, لأن دراسة الآثار هى إحدى وسائل قياس صلاحية الأصول بطريقتها الخاصة البسيطة والقوية في التعبير والدلالة عن طريق الإحساس والشعور فالمشاعر مقاييس صادقة حساسة عندما تسجل الجماهير رضاها أو تقورها من لون معين من الحياة , ولو لم ندرك عمليا ما عليه الأصول من صواب. فالناس في ألمانيا الشرقية لم يكن في طاقتهم محاجة العلماء أو مجادلتهم لأن التفوق سيكون من نصيب العلماء ولا شك , ولكن كان في وسع فطرة الناس أن تشعر وأن تحس وهو أمر لا تفلح حجج الدنيا مجتمعة في نفيه عنهم, وقد أصدرت فطرتهم حكما صامتا على لون الحياة الذى يحيونه بالهرب المتواصل الذى زاده سور برلين أمعانا في التعبير.

ولم يكن الشيوعيون فيما قبل استيلائهم على السلطة في روسيا يتزودون أكثر من الجانب النظرى مضافا إليه رصيد الكراهية للواقع الرأسمالي ورصيد آخر من أحلام اليقظة, وكان المنطق النظرى يشكل إغراء بما يلمع على سطحه من ألوان ومساحيق لم تتعفر بعد بتراب التطبيق.. حتى إذا ارتطمت الأصول النظرية بالتطبيق انكشف الجديد الذى كان غائبا في تفرة الحماس والأحلام عندما ثارت أمامهم ألاف المشاكل العملية في تفاصيل الحياة اليومية فصاغوا التشريعات وحللوا وحرموا من روح فلسفتهم المادية ومن ضرورات واقعهم الاقتصادى. وكانت النتيجة ألوانا جديدة من الشقاء بددت الأحلام الوردية وكان أول من شقى به هم زعماء الحركة الشيوعية أنفسهم إذ قام فيهم القتل والنفى والتعذيب, ,وحلت ملامح بريا محل ملامح الأمل العريض, وقم العزاء للشعب المنكوب في صورة تبريرات جديدة عن فترة الانتقال وعن مسئولية الأشخاص لا مسئولية طبيعة النظام وكان لابد للمذعورين أن يقبلوا هذا التبرير ليعيشوا على أمل جديد.. وكان لابد لعشاق السلطة من زعماء الشعوب الأخرى أن يجدوا في هذا اللون من النظام فرصتهم للسيطرة الكاملة على كل نفس في شعوبهم هذا إذا كانوا على أحسن الفروض يعلمون من وحى أنفسهم ولمصلحة أوطانهم..

رابعا: أعيد التذكير بأن قيمة هذا الجهد البسيط الذى يسره الله لنا في ظروف صعبة إنما هو في أنه يفتح الطريق لمن يكون أقدر على السير فيه فرب مبلغ أوعى من سامع وما يعلم جنود ربك إلا هو..

وبعد: ففى مثل هذه الأيام, وهلى وجه التحديد يوم الخميس 4 ربيع أول سنة 1383هـ الموافق 25 يولية 1963 بسجن القناطر الخيرية عنبر (أ) دور 3 زنزانة رقم 16, تمت مراجعة هذا البحث الذى بدئ بالواحات بحضور بعض الأخوة الكرام, وختم بأداء صلاة الشكر لله الذى أحبط كيد التفتيشات الهمجية, فلم تصل إليه والذى شغل نفوسنا بالبناء عن هول الهدم الإنسانى المنصب علينا في كل ساعة من أدعياء التقدم وأعداء الإنسان.

ولقد كتبت في مقدمة البحث يوم ذاك ما أراه صالحا لختامه اليوم وما أراه صالحا بعد اليوم... لى ولغيرى لهذا الموضوع ولغيره من الموضوعات:

لقد ترددت كثيرا قبل البدء في هذا الموضوع , وترددت بقدر الرغبة المتحركة في صدرى وبقدر العوائق الجاثمة أمامى, وبين الرغبة والعقبة سرت بين الإقدام والإحجام, وإن يكن ذلك حساب الزمن, وعلى حساب الشعور بالرضا المنبعث من الاظمئنان النفسى, إذ كيف يحس طعم الرضا من تؤججه الرغبة وتقعده الرهبة, إلا أن هذه المعركة المستورة لم تكن على حساب النية والحمد لله إذ كانت هى بوتقتها التى انصهرت فيها فخلصت خالصة بإذن الله أو هكذا أرجو..

حتى النية التى تهفو النفس إلى مذاقها الطيب لا تلبث إذا ما دخلت ميدان العمل أن يشعر المرء أنها وحدها لا تكفى.. ويوم بعد يوم يتولد في النفس إحساس جديد لا أتبينه أول الأمر ثم لا ألبث أن أتبينه دون أن أدرك له كنها ولا حقيقة .. يا للعجب!!.

ألا تكفى النية الخالصة ليندفع المرء بعدها بالنتيجة؟!

والتجربة التى مررت بها أجابتنى في حزم: نعم وحدها لا تكفى؟ لعل الكثيرين أدركوا معى ذلك العنصر المفقود. أجل . أنه الأخذ بالأسباب..

ولكن التجربة يرن صوتها في نفسى مرة أخرى.. وحتى هذه مع النية لا تكفى إذ قد تتوفر الإمكانات كاملة من مراجع وأدوات وظروف مواتية وحظ من ذكاء, ومنع هذا تحس أن هذا العمل الذى توافرت له النية والأسباب ما زال ينقصه شئ؟! ما زال هناك شعور غامض فيه من الراحة مثلما ليس فيه منها.

ولم يطل بى التساؤل, فالتجربة وحدها – مرة أخرى – هى التى كشفت لى عن هذا الشئ فلم يد غامضا.. أنه التوفيق!! تلك الهداية التى يسوقها الله إلى الإنسان أو يسوقه هو إليها.. المهم أن يلتقيا ليخرج الإنتاج الجديد وفيه من ظاهر الموافقة للشرع مثلما فيه من باطن المراقبة للشارع, فيه من علو البناء مثلما فيه من عمق الروح.. فيه من الجدة مثلما فيه من الأصالة.. فيه من تقريب الآمال مثلما فيه من تخفيف الآلام... فيه من الماضى ومن الحاضر.. فيه للمستقبل.

مرت على تجربة لا أنساها على بساطتها.. وكلما تذكرتها هزت نفسى.. فمنها أدركت ألا غنى للنية والأسباب عن هداية التوفيق.. وفرق كبير بين حال وحال ونتيجة ونتيجة, وكنت أنا محل التجربة فيهما, فقد شهدتنى في – سجن جناح – أشد ما أكون رغبة في تسجيل بحث عن الشيوعية,وسرعان ما توجت هذه الرغبة بتوافر الامكانات وتوافق الظروف, فحصلنا على المراجع الأساسية من الشيوعيين الموجودين معنا بالسجن, وتكونت مجموعة نشيطة قامت بالاتصال والتجميع والتلخيص, وقد كان للنية كذلك حظها الطيب, ومع هذا تقاعست نفسى عن إتمام الصفحات القليلة التى أوكلت إلى.. وهنا, وكلكم يعلم, كل الظروف والأحوال على العكس, فالمراجع والإمكانا شحيحة والظروف كلها غير مواتية, فلا وقت ولا مكان ولا هدوء يدوم, ولا قدرة على التحكم في شئ من ذلك, والنية هى النية, وجاء ذلك الشئ الذى لا تتم النية والأسباب إلا به... التوفيق.ولم نكد نستأذن السيد ضابط العنبر في كتبه عدة مقالات لمجلة السجون حتى أقبلت النفس على إنجاز هذا العمل وتواردت الأفكار وتماسكت أطراف الموضوع وساهمت بدر كبير ما تحت أيدينا من كتب ومجلات ضئيلة وتم تجميع الموضوع وتبيضه في بعض وعشرين يوما..

وهنا لا تسلم النفس من إشكال جديد..

هل يظفر ذوو النوايا الخالصة – الذين أخذوا بالأسباب – التوفيق دائما : التوفيق الذى يتكافأ مع النية والعمل؟! أن يكن الأمر كذلك فقد كان حظى منهما في سجن – جناح – أكثر فلم لم تكن النتيجة أفضل؟! أم أن الله ينزل بقدر ما يشاء؟!

ويلح على الخاطر في صورة أخرى فأتسأءل: ما حظ النحلة من النية والأسباب عندما هداها الله لأن تخرج من بطونها شرابا مختلفا ألوانه , فيه شفاء للناس؟ ألا أنها تبدت بعجزها تولى الله أمرها..

وأجدنى في آخر الأمر أردد – وقد أعيانى الجواب – لا علينا من أمر النتيجة فإننا محاسبون على النية والأسباب المقدورة وحدهما والتوفيق غيرهما أو فوقهما لا نملكه – وإن كنا في كل لحظات النية والأسباب محتاجين إلى هداية خاصة – ألا أنه بعد تمامهما يكاد يستقل التوفيق مرة أخرى فيبرز كعنصر أصيل مرتبط بالنتيجة.. وأنى آمل أن يكون لى ثواب النيى والأسباب في الحالين ويبقى في حالة التوفيق من أجر الشكر مثلما يكون لى في الأخرى من أجر الصبر... فأنا بين فضل لا أملك له جلبا, وإن كنت أملك الشكر, وبين ابتلاء لا أملك له دفعا,وإن كنت أملك الصبر, ولا معدى لى في حالى الشكر والصبر عن هداية إليهما.

النتيجة : أن الفضل لله وحده, وليس لى من الأمر شئ, هذه حقيقة أدركتها ولها صداها العميق في نفسى. والله أسأل أن ينفعنا جميعا, وأن ينفع بنا وألا يجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا, وأن يخرج البشرية كلها من ظلام الشيوعية ومن ضباب الرأسمالية, إلى نور الإسلام الحنيف..

وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين.