حوار مع البروفيسر مالك بدري

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ١٤:٤٩، ٢٠ نوفمبر ٢٠١١ للمستخدم Attea mostafa (نقاش | مساهمات) (حمى "حوار مع البروفيسر مالك بدري" ([edit=sysop] (غير محدد) [move=sysop] (غير محدد)))
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
حوار مع البروفيسر مالك بدري


الأستاذ/حسن عبد الحميد


البروفيسر مالك بدرى


- (الإخوان المسلمون ـ الإصلاح) تقلّب أوراق العمر مع البروفيسور مالك بدري

-أشعر بكثير من الامتنان للأخ الحبيب الدكتور علي شبيكة لأنه جمعني بالإخوان المسلمين في الجامعة الأمريكية ببيروت

-الجامعـة الأمريكـية ببيروت كانت تبشيرية مسيحية وكانت تفرض علينا حضور محاضرات في كنيسة الجامعة

-الشيخ بابكر بدري كان يصنع لنا الحروف من البسكويت ويقدمها للأطفال.

-أفضل أستـاذ درّسني منذ المدرسة الوسـطى وحتي نيلي درجة الدكتوراه؛ هو الأسـتاذ شيخ الدين جبريل

-لابد من التوازن بين تدليل الطلاب والقسوة في عقابهم

-اختلفت مع الترابي قبل مايو 1969م بسبب إهماله للجوانب التربوية فاستقلت من المكتب التنفيذي ومن الجماعة

-اشتريت دراجة بخارية في بريطانيا وكنت أسافر بها أسبوعيا مسافة مائة وعشرة ميل من (ليستر) إلى (ليدز)

البروفسور مالك بدري علم غني عن التعريف، ينتمي إلى أسرة الشيخ بابكر بدري المجاهد الأنصاري المعروف ورائد تعليم البنات في السودان، تخصص البروفسور مالك بدري في علم النفس وأسس الكثير من أقسام علم النفس في العديد من الجامعات، إضافة إلى كونه من رواد الحركة الإسلامية في السودان انتمى لها مبكرا في خمسينيات القرن الماضي، ووصل فيها إلى أعلى أجهزتها التنظيمية في المكتب التنفيذي ومجلس الشورى في العديد من دوراتها... ومن هنا تكتسب محاورته أهمية ذات أبعاد متعددة.

كنا نود أن نحاوره في العديد من المجالات والكثير من المحاور.. فالرجل موسوعي في معرفته زاخر بتجاربه في العمل العام.. لكن لضيق وقته ـ إذ يقضي فترة إجازته السنوية ـ آثرنا أن نستعرض معه خطوطا عامة في مسيرة حياته دون الخوض في تفاصيل دقيقة لمراحل مسيرته في العمل العام وفي مجال علم النفس.. على أمل أن نلتقيه مرة أخرى في حوار أوسع يرتاد بنا مجالات لم نستطع الخوض فيها في هذه العجالة.

  • البروفسور مالك بدري من أسرة اهتمت بالتعليم ولها فيه تاريخ مشهود...كيف كانت بداياتكم في مجال التعليم وماذا علق من ذكريات تلك المرحلة؟
بدأت تعليمي بروضة الأحفاد، وهي أول روضة غير تبشيرية في السودان، أنشأها بابكر بدري في الأحفاد بأمدرمان، وفي ذلك الوقت كانت هناك رياض تبشيرية مثل رياض الكمبوني وغيرها من المؤسسات التعليمية التنصيرية، وكان من زملائي في الروضة يحيى السيد عبد الرحمن المهدي، وغيره وأغلب تلاميذ الروضة كانوا من أبناء أصدقاء الشيخ بابكر بدري.
كان منهج الروضة يحبب الطفل في التعليم، وكانت بها آلات موسيقية، وفي تعليم الحروف كان الشيخ بابكر بدري يصنع الحروف العربية من البسكويت، وإذا تعرف الطفل على الحرف؛ يعطيه قطعة البسكويت ليأكلها، أيضا كان من ضمن المقرر قصص السيرة، والأناشيد الإسلامية، وأكثر الأناشيد كانت من تأليف الشيخ بابكر بدري، ومعه الأستاذ المرحوم الشيخ سيد أحمد المعروف بغاندي، وهو من توتي، وكان شاعرا وفنانا في الرسم، وعنده معرفة بالحدادة والنجارة، وفي المدرسة الإبتدائية كان يدرسنا ما يعرف بالأعمال اليدوية والفنون.
المدرسة الإبتدائية كانت في نفس المبنى الموجود الآن بجوار المجلس البلدي بأمدرمان (محافظة أمدرمان حاليا)، ومعها المدرسة الوسطى بالإضافة للروضة. وكانت هناك دفع أمامنا منهم مثلا الأستاذ السفير مصطفى مدني أبشر، والمرحوم الأستاذ الطيب ميرغني شكاك، وكثير من الناس الذين تولوا عليا في الدولة كانوا من خريجي مدارس الأحفاد.
كنت من الرياضيين في المدرسة، وكان اهتمامي أكثر بألعاب القوى والجمباز، وفي المدرسة الوسطى كنت الأول في القفز بالزانة، والحقيقة كان القفز يتم بـ (القناية) وهي عملية خطرة، لأن (القناية) كانت أحيانا تنكسر، وأعرف أخ اسمه معاذ السيد حاول أن يقفز بالقناية فانكسرت القناية وكُسرت يده، والشاب الذي كان ينافسني في القفز كان اسمه مصطفى محمد نور حدث له ارتجاج وتوفي وعمره ستة عشر عاما.
أفضل أستاذ درسني منذ المدرسة الوسطى وحتي نيلي درجة الدكتوراه؛ هو الأستاذ شيخ الدين جبريل، وكان استاذا للغة الإنجليزية، وكان أيضا المسئول عن النشاط الرياضي في المدرسة، وكان قدوة في أخلاقه ورياضيا في جسمه، وقدوة في أساليب تدريسه وتحبيبه للطلبة المادة التي كان يدرسها.
أذكر أيضا الأستاذ سيد أحمد غاندي، وكان كما ذكرت شاعرا وفنانا، وأذكر أني كنت صغير السن بالنسبة لبقية الطلاب، فكنت أجد صعوبة في علم الحساب، وكنت مهملا في حفظ القرآن، فألف شعرا يهجوني به أذكره إلى اليوم، يقول فيه:
مالك بدري قط ما بحفظ القرآن
وفي علم الحساب تلقاه يوت وكران
بعرف اللعب من التعب فتران
وطول اليوم يحوم في حلة الغرقان
لكن أراد الله تعالى بعد ذلك أن تتغير فيّ هذه النقائص بالنسبة للرياضيات، فقد تخرجت من الجامعة الأمريكية في بيروت في ميدان العلوم البحتة التي تقوم على الرياضيات الحديثة، وليس على الحساب الممل الذي كان يُدرس لنا في المدارس الأولية.
من زملائي في المدرسة الوسطى والثانوية السيد محمد إدريس الذي كان وزيرا في حكومة نميري، وكنا نتنافس في حلبة الملاكمة، ويؤتى بنا في احتفالات يوم الآباء لنقدم جولة في الملاكمة. والدكتور سيف الدولة يحيى عمران الذي أصبح متخصصا في مجال التخدير، والأستاذ عمر عثمان توفيق، والمرحوم اللواء محمد عبد القادر وشقيقه عبد الوهاب.
ومن أساتذتنا المشهورين العم عبد الكريم بدري الذي كان يشتهر بعقابه الأليم للمهملين، وأذكر أنه ضربني (كفا) على أذني حتى حدث لي ثقب في طبلة الأذن لا زلت أشكو منه إلى اليوم، وقد قام في مرة من المرات بضرب طالب بالكف على خده حتى تخلخل ضرسه وهذا الطالب اسمه أنور زاهر السادات، فسميت هذه الضربة بـ (الكف الساداتي).
  • بمناسبة القسوة التي يتعامل بها بعض الأساتذة مع بعض الطلاب.. ما رأي البروفسور مالك بدري على ضوء تجاربكم الخاصة وتخصصكم العلمي في نظامنا التعليمي الذي يبيح ضرب الطلاب في المدارس؟ وما أثر ذلك على العملية التربوية؟
قد يشتكي البعض من قسوة الأساتذة ولكنا كنا نحبهم ونجلهم، رغم ما نلقاه منهم من عقاب أليم، هذه القسوة تعتبر تطرفا في استخدام العقاب البدني،ولكن علاج هذا الأمر لا يتم بمنع العقاب البدني، فالمبالغة في تدليل الطلاب، وتجنب العقاب البدني والمعنوي يأتي بنتائج أسوأ من من ثقب طبلة الأذن أو ما شابهها من العقوبات. ونجد الأن بعض الدول التي أسرفت في منع العقاب البدني؛ ارتفعت فيها الأصوات بإعادة العصا والسوط إلى المدارس، ومن الأمثلة على ذلك ما يحدث الآن في بريطانيا من دعوة إلى إعادة العقاب البدني، وما حدث بالفعل في ماليزيا حيث قننت وزارة التربية والتعليم أساليب العقاب البدني وإدخاله من جديد في تأديب الطلاب بعد أن كان ضرب الطلاب ممنوعا بالقانون، وفي هذا التقنين لا يقوم الأستاذ بجلد الطالب إلا بعد استشارة مدير المدرسة.
  • ماهي قصة ذهابكم للدراسة بالجامعة الأمريكية ببيروت بعد أن تم قبولكم بجامعة الخرطوم؟
تخرجت من الثانوي في العام 1949م، وتغير في تلك السنة تقويم بداية العام الدراسي من شهر يناير إلى شهر يوليو وكانت لدينا ستة شهور إضافية في الإجازة.
ودخلت جامعة الخرطوم، وقررت أن أدرس هندسة الطيران، وقبلت في هذا المجال، لكن الوالد الشيخ بابكر بدري اعترض على ذلك، فاضطررت للاستمرار في جامعة الخرطوم فيما كان يُسمى بقسم الجغرافيا والرياضيات والفيزياء، وكنت فيه مع ثلاثة طلاب آخرين، فكان القسم به أربعة طلاب فقط، وزملائي في القسم هم: محمد علي حسني، وحنا يسا، وطالب رابع لا أذكره الآن، فانسحب الطالب الرابع من القسم، ورسب محمد علي حسني وحنا يسا، وبقيت الوحيد في القسم.. تستخرج لي جامعة الخرطوم جدولا للدراسة والامتحانات وأنا الوحيد فيه. إلى أن جاءتني منحة من الجامعة الأمريكية ببيروت، فتركت هذا القسم في السنة الثانية.
  • كيف وجدتم الأجواء العامة في بيروت؟ ومن الذي سبقكم من الطلبة السودانيين؟ وماهي طبيعة الجامعة من ناحية المواد المقررة والأساتذة والأحداث التي مرت بكم فيها؟
ذهبت إلى بيروت في العام 1953م لدراسة العلوم والآداب، وأذكر عندما حضرت من المطار إلى الجامعة لم يكن بها من السودانيين أحد غير الدكتور علي شبيكة نقيب الصيادلة والشاعر المعروف، وأذكر عندما جئت إلى باب الجامعة سألت البواب عن شاب سوداني اسمه علي شبيكة، فقال لي لا أعرفه، ولكن ابن البواب ذو العشر سنوات قال لي بلهجة لبنانية (نعم أنا أعرفه.. عبد مثلك لكنه قصير) فقلت له نعم فأرشدني إلى الداخلية التي يسكن بها علي شبيكة.
وأشعر بكثير من الامتنان للأخ الحبيب الدكتور علي شبيكة لأنه جمعني بالإخوان المسلمين في الجامعة الأمريكية، وكانوا من دول مختلفة لا يجمع بينهم إلا الأخوة في الله،والوقوف ضد أساليب الأمركة والإباحية التي كانت تتبعها الجامعة قصد لإفساد الطلاب المسلمين وتشكيكهم في دينهم.
ومن أهم الأسباب التي دفعتني إلى الإتجاه الإسلامي الاستفزاز الذي وجدته من أساتذتي فيما كانت الجامعة تسميه بالفلسفة الإسلامية المقررة على جميع طلاب الجامعة بمختلف تخصصاتهم، والمنهج المتبع كان يقوم على بعض الأفكار الفلسفية لفلاسفة قدامى مثل الكندي وابن سيناء وغيرهم من الذين كفّرهم الإمام الغزالي لإنكارهم لما عرف من الدين بالضرورة كالبعث الشامل لجميع الأحياء، ومقارنتهم بين الفلاسفة والأنبياء.
وأما في التاريخ الإسلامي فلا يركزون إلا على أولئك الأمراء الذين عرفوا بالمجون وشرب الخمر، كما يركزون على الأحداث التي اختلف فيها المسلمون كواقعة الجمل.
فكنت أذهب إلى المكتبة وأقرأ عن الإسلام و المسيحية، وأناقش الأستاذ بحدة عن هذه المزاعم، وانتهى بي الأمر إلى أنني لم استطع أن أقنع الأستاذ لكنني أقنعت نفسي، وأذكر أنني في تلك السنة قرأت القرآن كله لأول مرة في حياتي، وفي المجموعة الإسلامية الصغيرة المكونة من بعض الإرتريين والإثيوبيين والأردنيين والسوريين والدكتور على شبيكة وشخصي الضعيف وجدت الإخاء والمحبة والعلم بالدين وبالعلوم الدنيوية، وما زالت تربطني علاقات قوية ومخلصة مع بعض هذه المجموعة، ومنهم الدكتور إسحق فرحان الداعية الإسلامي المعروف الذي تولى رئاسة الجامعة الأردنية، وكان وزيرا للتربية، والأوقاف في الأردن.
ومنهم الطبيب المشهور الدكتور ياسر عبيد، ومنهم الجراح الذي اخترع أساليب في الجراحة سميت باسمه وهو الدكتور اللبناني محمود قباني، ومنهم المرحوم الدكتور ياسين أتره الإرتري الذي تولى منصبا هاما في بلدية أسمرا أيام هيلاسلاسي.
وأذكر أن الجامعة التي كانت في ذلك الوقت تبشيرية مسيحية كانت تفرض علينا حضور محاضرات في كنيسة الجامعة يقدمها بعض الأساتذة المسيحيين، وتنتهي بأناشيد دينية يصاحبها نغمات الأورغن، وكان الحضور في تلك المحاضرات إجباريا على الطلاب،و في السنة الثانية بعد أن تعتري الشكوك الطلاب المسلمين بسبب دراستهم الفلسفة الإسلامية، يُقدم لهم مقرر إجباري يسمي بالحضارة الإنسانية، وفي هذا المقرر يدرس الطلاب جميع الحضارات منذ الإنسان الأول إلى الحضارة الغربية الحديثة، بما يؤكد للدارسين أن كل خير وتقدم علمي وأدبي وفني وصل قمته في حضارة الغرب، وفي هذا المقرر يتجاهل الأساتذة ما قدمه العلماء المسلمون القدامي في الأندلس وغيرها من إسهامات في العلوم الطبية والعلوم الاجتماعية والعلوم البحتة والفلك.
كانت دراستي في الجامعة في العلوم البحتة في بادئ الأمر، وقررت في بادئ الأمر أن أتخصص في الفيزياء، ولكن في السنة الثانية درست علم الأحياء فوجدته أكثر إمتاعا، وفي نفس السنة بدأت دراسة علم النفس وبعض المساقات التربوية، فوجدت ضالتي في علم الأحياء وفي علم النفس.
  • كيف سارت بكم الأمور بعد ذلك في الحياة العملية بعد التخرج، كيف تواصلت دراساتكم العليا؟
تخرجت في العام 1956م بدرجة إمتياز، ثم جئت إلى الأحفاد الثانوية لأدرس العلوم، ولكن بعد مرور سنة واحدة وجدت أن مؤسسة روكفلر قد منحتني بعثة لدراسة الماجستير في الجامعة الأمريكية ببيروت وذلك لامتيازي في الحصول على الدرجة الجامعية، وكانت هذه البعثة لسنة واحدة، فأجهدت نفسي لأكمال المقررات المطلوبة وكتابة بحث في ميدان الأساليب التقنية في التدريس، وأكملت الماجستير في سنة واحدة كان ذلك في العام 1958م، ورجعت إلى الأحفاد لأدرس العلوم أيضا لسنة واحدة عاصرت فيها أفضل الأساتذة من أمثال الأستاذ عبد الله البشير الشاعر المعروف، وأستاذنا الفاضل الشيخ صادق عبد الله عبد الماجد، وبعض الأساتذة من الأردن ومن لبنان.
وفي مساء أحد الأيام جاءني الأخ الكريم الأستاذ محمد محمد مدني (سبال) ليطلب مني أن أطلب من شقيقي يوسف بدري لأزكيه لبعثة لبريطانيا ليدرس المحاسبة، وأتاني باستمارة التقديم، فوعدته بذلك، ثم قال لي لماذا لا تقدم أنت أيضا لهذه البعثة، فقلت له لقد حضرت من لبنان منذ فترة وجيزة ويبدو لي من الإستمارة أن آخر يوم لتسليمها هو الغد فليس هناك وقت لآتي باستمارة جديدة وأملأها.
فقال لي: أنا أحضرة استمارة إضافية خوفا من أن أقوم ببعض الأخطاء في الاستمارة الأولى، ولكني لم أستفد منها.. وهاهي فأملأها. فملأتها وتقدمت للمجلس البريطاني في ذلك الوقت، فكان نصيبي أن مُنحت البعثة لدراسة الدكتوراه، ولم يُقبل الأخ محمد محمد مدني (سبال) للدراسة العليا.
سافرت إلى مدينة لستر في بريطانيا في العام 1959م، وحصلت على درجة الدكتوراه في أقل مدة تسمح بها الجامعة، وهي عامان، وتخرجت بدرجة الدكتوراه في العام 1961م، وكانت الأطروحة في علم النفس، وفيها تطبيق لنظريات أتى بها نفساني مشهور في ذلك الوقت وهو البروفسور ميريديث الذي كان رئيس قسم علم النفس في جامعة ليدز البريطانية، فكنت أسافر كل أسبوع من ليستر إلى ليدز لمقابلة الأستاذ، وكان المبلغ الذي رصده لي المجلس البريطاني ثلاثين جنيها في الشهر، فلم أستطع السفر بالقطار لارتفاع تكلفة ثمن التذكرة، فاشتريت دراجة بخارية بعشرين جنيها، وكنت أسافر بها من ليستر إلى ليدز وهي مسافة مائة وعشرة ميل، وكنت في بعض الحالات اضطر للوقوف تحت الأشجار حتى يتوقف هطول الأمطار، وأحمل معي السندوتشات وثيرموس الشاي الحار، والحمد لله الذي حباني بنعمته وفضله حتى أكملت هذا العمل الشاق.
  • بعد الانتهاء من رسالة الدكتوراه، هل عدت إلى السودان مرة أخرى أم عدت إلى الجامعة الأمريكية ببيروت؟
وفي أثناء دراستي للدكتوراه اتصل بي رئيس القسم في الجامعة الأمريكية في بيروت وعرض عليّ العمل في الجامعة بعد أن أكمل الدكتوراه، فلم أرد عليه حتى عدت للسودان، و تقدمت بطلب للعمل في معهد المعلمين العالي الذي كان يرأسه في ذلك الوقت محمد توم التيجاني، فلم يردوا على طلبي، مع أن الدكتوراه التي حصلت عليها هي الأولى في مجال التربية وعلم النفس في السودان، فقابلت الأستاذ المرحوم عبد الحليم على طه وكيل وزارة التربية الذي تجمعني به صلة الرحم، فما كان منه إلا أن قال لي نحن لا نعينك في معهد المعلمين العالي بل في وزارة التربية وقد نبعث بك إلى حنتوب أو وادي سيدنا أو معهد المعلمين، وظهر لي عدم رغبته في انضمامي إلى هذا المعهد الجامعي الذي يناسب تخصصي،وأظن في ذلك الوقت كان هناك بغض دفين للإخوان المسلمين ولكل من سلك طريقهم، كنت أرغب في العمل بمعهد المعلمين العالي وفي جيبي خطاب الجامعة الأمريكية في بيروت والتي كانت تقدم لي أضعاف المرتب الذي كنت أن أتلقاه من وزارة التربية، وكتبت لرئيس القسم في الجامعة الأمريكية في بيروت وقبلت عرضه،و سافرت عام 1962 لأكون أستاذا مساعدا في الجامعة الأمريكية في بيروت.
وبعد مرور سنة على عملي في الجامعة كتبت إلى مدير معهد المعلمين العالي في السودان أجدد طلبي، وفي ذلك الوقت كانت جميع الطلبات تكتب باللغة الإنجليزية، فكتبت الطلب في ورق مروس بعنوان الجامعة الأمريكية ببيروت وشعارها المعروف شجرة الأرز، فظن المدير أن الذي تقدم بالطلب أمريكي يعمل بالجامعة، فلم تمض أيام قليلة إلا وأتاني رده بأنه قد فتش على طلبي في الأوراق القديمة فلم يجده، وأنه مسرور جدا بقبولي وعلي أن أملأ استمارة أرسلها لي، وعرض علي مبدئيا أضعاف ما كنت أتوقعه لأنني أجنبي كما يعتقد، وتأكدت من سوء فهمه لأن الاستمارة فيها أسئلة من قبيل: هل عشت أبدا في إفريقيا؟ أو تعرضت لمرض الملاريا؟ وغيرها مما يؤكد أنه كان يظن أنني أمريكي، فكتبت له خطابا آخر أقول له فيه يا أستاذي العظيم أنا مالك بدري الذي تقدمت لكم من قبل وأرجو أن ترد على خطابي بعرض مناسب.. فلم يصلني منه رد حتى هذه اللحظة.
ثم تلقيت من الأخ العزيز الدكتور أسحق فرحان ومن المراقب العام للإخوان في الأردن المرحوم الأستاذ محمد عبد الرحمن خليفة خطابا يرجواني فيه أن أستقيل من الجامعة الأمريكية في بيروت، وآتي إلى الجامعة الأردنية لتأسيس قسم علم النفس فيها.
ففعلت وبقيت في الجامعة الأردنية سنة كاملة 1963/1964م، سافرت بعدها إلى بريطانيا للتخصص في علم النفس الإكلينيكي، وبشكل خاص في العلاج السلوكي الذي كان حديثا في ذلك الوقت في قسم الطب النفسي في مستشفى ميدل سيكس التابع لكلية الطب في جامعة لندن.
  • ماهي قصتكم مع مايو خاصة مع عودتكم للسودان قبيل قيام الثورة بشهور؟
أكملت الدراسة المطلوبة والتدريب المكثف في العلاج السلوكي على يد أشهر الأساتذة في ذلك الوقت وهو البروفسور ماير، وعدت بعدها إلى الجامعة الأمريكية في بيروت لأعمل بها فترة قصيرة.
زارني بعدها المرحوم الدكتور كامل الباقر وطلب مني ترك الجامعة الأمريكية والعمل معه في جامعة أمدرمان الإسلامية، وقد فعلت كان ذلك في العام 1968م، ولكن ما أن أكملت سنة في الجامعة الإسلامية حتى جاء جعفر نميري بانقلابه المشهور، وفُصلت من الجامعة،وفُصل الدكتور كامل الباقر وزُج بي في سجون النظام باعتباري أخا مسلما، وقد ألقى على القبض في أغسطس 1969م وأفرج على بعد أسبوعين، ولكن ألقي عليّ القبض مرة أخرى في العام 1970م، وبقيت في المعتقل ثلاثة أشهر، ولكن من حسن حظي أن شقيقي المرحوم محمد بدري كان على علاقة بالشيوعيين سابقا، وله صلة طيبة بالأستاذ محمد أحمد سليمان الذي كان مساعدا لوزير الداخلية وهو الذي كان يأمر بالقبض على المعتقلين وإطلاق سراحهم، وكان طالبا في مدرسة الأحفاد، وقد أسدى له شقيقي محمد بدري كثيرا من الخدمات مما أدى إلى إطلاق سراحي.
  • على صعيد العمل الإخواني الداخلي.. كانت خلافاتكم قد بدأت مع الدكتور الترابي في تلكم الأيام كما تذكر الكتابات التي تناولت تلك الفترة، فكيف جرت الأمور في هذا الجانب؟
كانت تلك الأيام مشحونة بالأحداث الجسام، فقبل مايو 1969م بفترة قصيرة كان هناك المؤتمر العام :للإخوان المسلمين،وقد اختلفنا فيه مع الدكتور حسن الترابي وجماعته،و استقلت من المكتب التنفيذي و من الجماعة ، وأنشأنا حركة صغيرة مع الأستاذ محمد محمد مدني (سبال) والأستاذ عبد الرحمن رحمة ، والأستاذ محمد مصطفى بلال، والأستاذ علي جاويش، والمرحوم محمد خليل... وبعض الذين رفضوا أسلوب الترابي في التقليل من شأن التربية والاهتمام بجمع الناس، وسمينا هذه الجماعة بـ (الغرباء) فلم تمض سنوات حتى اقتنع كثير من إخواننا بالمزالق التي يمكن أن تحدث لو اتبعوا أسلوب الترابي وجماعته وانضموا للغرباء، من أمثال الدكتور الحبر يوسف نور الدائم، والأستاذ صادق عبد الله عبد الماجد.. كان ذلك في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن الماضي.
وأذكر أننا في منزل الأخ عيسى مكي بأمدرمان استفسرنا عمن سيكون أميرا لهذه الجماعة التي كنت أميرها فيما مضى، فاقترحت لهم أن يكون أميرنا الدكتور الحبر يوسف نور الدائم لعلمه ولإخلاصه وقدراته الشخصية.

في ختام هذا اللقاء الممتع لا يسعنا إلا أن نقدم جزيل الشكر لسعادة البروفيسور،وللحديث بقية ...

المصدر