حكايات عن الإخوان (الجزء الثاني)

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
حكايات عن الإخوان
( الجزء الثانى )


بقلم / عباس السيسى

إهداءإلى شباب الدعوة الإسلامية

إلى الذين شاء الله تعالى أن تساق لهم في هذه الحياة مشاهد وأحداث انهيار وتهاوي الشيوعية في الاتحاد السوفيتي، ويروا بأعينهم أصنام الطغاة لينين وشركاه، هذه الأصنام التي هوت بأيدي الذين عبدوهم من دون الله، حين اكتشفوا خداعهم وضلالهم المبين.

لينين المسجي جسده المحنط في قبره الخاص، المتوهج بالأنوار والمحاط بالتقديس والذي يسعى إليه ملايين البشر في رهبة وخشوع، وتقام له الطقوس التقليدية عند تغيير الحرس.

وهكذا التاريخ يعيد نفسه منذ بعث الله محمداً  برسالة التوحيد فحطم الأصنام وأنقذ المسلمين.

والذي حدث في روسيا هو دليل يقين لا ريب فيه ولا شك معه، أن الله تعالى يمهد لبزوغ شمس الدعوة الإسلامية لتشرق على الدنيا من جديد، لتعيد للعالم رسالة الحق والقوة والحرية، فإن الذي حدث من تطورات سريعة قضت على الشيوعية وأصنامها ليفوق حساب كل متفائل لنصرة الإسلام.

(نحن أمام حدث من أقدار الله تعالى وقضائه.. حدث يلفت الناس برفق إلى أن الله تعالى هو الذي يحكم هذا العالم .. لا أمريكا ولا روسيا ولا الدائرون في فلك الشيوعية ولا السابحون في فلك الرأسمالية ..) (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) "الحشر: 2"

ولسوف ينتصر الإسلام العظيم بإيمان وسوا عد أبنائه وبأهون الوسائل وستعلم الدنيا منا ما لم تكن تعلم (وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) "يوسف: 21"

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ "آل عمران: 200"

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

بين يدي القارئ الكريم الجزء الثاني من كتاب (حكايات عن الإخوان)، ولأبناء دعوة الإخوان في العالم الإسلامي حكايات في مجالات متنوعة بأنماط مختلفة، فالحركة تصنع وجوداً وتبرز معالم حية، فالحركة دليل حياة وقوة.

فالإنسان الذي يعيش على وضع ثابت لا يتغير يصاب بالشلل والجمود 

وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ  فتلاطم الأمواج في الأنهار والبحار حركة حياة. وركود الماء يفسده، والمسلم الداعية حركة ونشاط وبناء أو إسلام متحرك يمشي بين الناس، (فالمسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المسلم الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم). حديث شريف.

ومن هذه الحركة تتشكل صور وأحداث للفرد، فإذا تكاثر الأفراد في جماعة فإن رصيدها يفيض بأنواع متزاحمة من الوقائع والصور والحكايات التي تصنع تاريخاً ضخماً في شتى مجالات الحياة على الساحة الإسلامية الكبرى، كان من الضروري تسجيلها ما استطعنا للاستفادة بها في التربية والتكوين فيما يصادف الإخوة في طريق الدعوة من مواقف متشابهة في الحركة والتصرف (والذكرى تنفع المؤمنين). ولا أنسى حين زارتني أسرتي لأول مرة في سجن ليمان طرة بعد انتقالنا من السجن الحربي عقب حرب 67 وقالت لي زوجتي: لقد سمعنا عن التعذيب الوحشي الذي أصابكم في محنتكم، وأحب أن أقول لك: (بكرة تبقى هذه الأحداث حكايات) وفعلاً ها نحن نرويها حكايات، ولكنها حكايات لا تنسى، تروي للأجيال عسى أن تكون لهم معالم على طريق الدعوة والدعاة.

ولن تتوقف مسيرة الدعاة المجاهدة عن مُثل كثيرة من الحكايات.

فحرب العقائد لا رحم فيها ولا نسب

فالبسوا اللامات وانتظروا

فالحرب سجال إلى الأبد

عباس السيسي

3 ربيع الثاني 1412 هـ 12 أكتوبر 1991 م

رجل كحد السيف

كان الأستاذ حسن الهضيبي قاضياً بمحكمة سوهاج في أواخر العشرينات حين دخل عليه المرحوم الأستاذ محمد صبري أبو علم المحامي في غرفة المداولة فتعانقا – فقد كانا أبناء دفعة واحدة وفرقت بينهما الأيام – ورحب القاضي بزميله المحامي وطلب له قدحاً من القهوة وراحا يتحدثان حديثاً ودياً، وكان قد نشر في الصحف أيامها أن المرحوم صبري أبو علم سيعين وكيلاً برلمانياً لوزارة العدل، وعندما جاء ذكر ذلك اثناء حديثهما هنأه الهضيبي على المنصب الجديد.

فقال له صبري أبو علم باسماً: (إذا كنت ترغب في النقل إلى مصر فقل لي وأنا أنفذ رغبتك فوراً بعد تعييني).

وكان الفراش – في تلك اللحظة – قد أحضر القهوة فأمره الأستاذ الهضيبي بإرجاعها وهو يقول لصديقه غاضباً:

- عن إذنك يا أستاذ سأفتح الجلسة، وانصرف عنه دون تحية. والغريب أن الهضيبي لم يرو تلك الواقعة، ولكن الذي رواها هو أبو علم نفسه.

على أن الأكثر غرابة ان صبري باشا حين عين وزيراً للعدل بعد ذلك وقع اختياره على الهضيبي ليشغل منصب مدير التفتيش القضائي. يومها سأله أحد أصدقائه: ألم تجد إلا الهضيبي .. هل نسيت ما فعله معك؟ فقال الوزير الوفدي: إن الهضيبي هو خير من يتقلد لهذا المنصب!

ومرت الأيام وتغيرت الوزارة فعين حافظ إبراهيم وزيراً للعدل وفي عهده بدأ الإعداد للحركة القضائية فاجتمع الوزير مع الهضيبي مدير التفتيش القضائي وانضم للاجتماع كامل البهنساوي مدير مكتب الوزير .. وأثناء الاجتماع سأل الوزير الهضيبي عن قاض بعينه فرد الأستاذ الهضيبي قائلاً:

- لم يرق هذه المرة أيضاً لقد ترك في هذه الحركة كما ترك من قبل.

فسأله الوزير في تعجب صادق: لماذا؟

- فأجاب الهضيبي في هدوء:

- لأنه حمار !!

- فقال البهنساوي للهضيبي: لاحظ يا حسن بك أن القاضي قريب معالي الوزير.

- فرد الهضيبي في حسم:

- هذا لا يغير من أنه حمار!!

- وجاء العام الحاسم في حياته .. عام 1942 .. في ذلك الحين تعرف إلى الشيخ حسن البنا مرشد جماعة الإخوان المسلمين وسرعان ما توثقت صلته به حتى كان الإمام الشهيد يستشيره في كل صغيرة وكبيرة! وبعد مقتل البنا بشهور طويلة اختير حسن الهضيبي مرشداً لجماعة الإخوان المسلمين وتمت مبايعته في 17 أكتوبر 1950.

وقامت الثورة فأيدها الهضيبي .. لكن الخلاف سرعان ما وقع بينهما فاعتقل للمرة الأولى في 12 يناير 1954 ثم أفرج عنه خلال ازمة مارس من نفس العام .. ثم اعتقل للمرة الثانية عقب تمثيلية المنشية الشهيرة حيث لقى صنوفاً غير مسبوقة من الهوان، ويكفي أن نعلم أن جنود السجن الحربي كانوا يضربونه بالسياط ويركلونه بأحذيتهم .. ترى هل تعود تلك الأيام الكئيبة؟.

شهادة داعية

يقول الشيخ محمد الغزالي:

من أجلِّ نعم الله عندي أني عرفت الإمام حسن البنا، وكنت من تلامذته الأوائل، ومن المبلغين المثابرين في المدرسة التي أسسها، وهي من أعظم المدارس في تاريخ الدعوة الإسلامية. وقد صاحبته ووفيت له وبقيت على عهده بعد ما اغتاله الاستعمار العالمي.

ثم جاء الأستاذ حسن الهضيبي ونشأت في علاقتنا غيوم ما لبثت أن تقشعت، كان رحمه الله خلالها وبعدها أرضى لله وأقرب إلى التقوى، وقد تلاقينا وتصافينا وقاتلت عنه الاستبداد السياسي ومات وأنا أدعو له.

ثم جاء الأستاذ عمر التلمساني، وكان آية في طيب النفس ونقاء السريرة وحب الإخوة، وقد آزرته وأيدته حتى لقى الله راضياً مرضياً.

واليوم نحن مع الأستاذ محمد حامد أبو النصر أطال الله بقاءه، وأمده بروح من لدنه، وهو من المجاهدين الأوائل، له خلقه الذاكي وسبقه المشهود، وسنظل إن شاء الله نعمل جميعاً معه لخدمة الإسلام.

إن ديننا أهم من أشخاصنا، وآمالنا في مستقبله وفي رد العدوان عنه، ونحن نحس الأخطار المحدقة بأمتنا من كل جانب.

ونناشد الذين يكتبون عنا أن يتقوا الله في أمتنا وعقيدتنا .. إن صفنا واحد، وهدفنا واحد، وفي رحلة العودة إلى الله أعاف الاشتغال بالفتن، وأسأل الله لي ولإخواني المغفرة.

لا .. للصائغ

يتحدث الشيخ نجيب المطيعي عن الزواج وحديث "إذا جاءكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير" فيتحدث عن أن الناس أصبحوا ينظرون ويقيمون الناس حسب أعراض من الدنيا الزائلة لا حسب الجوهر الباقي من الدين والخلق والأمانة، ثم يروي بعد ذلك قصة زواج ابنته، فقد تقدم لخطبتها ذات مرة صائغ فقال له:

- يا بني أنت صائغ فلا أزوجها لك.

  • لأني صائغ لا تزوجها لي؟

- نعم.

  • إني أملك شقة 6 حجرات.

- وماله.

  • إني أملك سيارة أذهب بها إلى الجامعة وسأصحبها بها إلى جامعتها في الأزهر.

- وماله حتى لو كان معك بساط سليمان لا أريدك.

  • سأدفع ما تريد لها من مهر ولن آخذها إلا بمفردها.

- ولو.

  • وأبي رجل صالح وأنا أُصلي.

- وماله ولكني لا أرضاك فأنت حليق وتشرب سجائر وصائغ.

أتدري ما معنى صائغ؟ .. أي أنك تريد امرأة تلبسها (الغويشة) فتمسك لها يدها وتضع لها صابوناً لتدخلها .. ثم تأتي لك امرأة لتشتري "حلق" فتمسك اذنها وتلبسه لها وتقول: الله .. أما شياكة .. الحلق ده حينطق عليك .. فأنا لا أعطي لك ابنتي .. عليك أن تبحث عن زوجة من اللواتي تلبسهن "الغوايش والحلقان" تليق بك وتفرح بك وتسعدك. أما ابنتي فلا ترضى بك.

  • إذن اسألها.

- لا يا بني دون أن اسألها .. وأنا وليها المجبر.

وبعد أسبوع يحضر شاب أعمى وهو طالب علم وليس معه نفقة – أي فقير – ويقول له:

  • الحقيقة أنا أريد أن أكون عالماً مثلك.

- يا بني إن المستقبل أمامك باهر وأنت الآن في السنة الثانية بالأزهر وسوف تنهي دراستك ويكون الطريق أمامك مفتوحاً للدراسات العالية وغيرها.

وظل يبث فيه روح الحماسة وهو ما زال تلميذاً ثم قال للشيخ نجيب:

  • ولكن أنا مفتقر إلى من يقرأ لي ولا يمكن أن أنال هذه النعمة إلا إذا تزوجت زوجة صالحة ولا يمكن أن أجد الزوجة الصالحة حتى أبتغيها إلا عند الشيخ (يقصد الشيخ نجيب المطيعي).

- إذن فأنت تخطب ابنتي.

  • نعم.

- فانظر حتى أسألها.

انظر وقارن بين إجابته للصائغ وإجابته للأعمى الفقير ماذا كانت.

ثم ذهب إلى البيت لأمها وسألها وقال لها:

- إن ابنتك جاء لها خاطب أعمى.

فضربت الأم على صدرها وقالت:

  • إنها صغيرة وجميلة وقد أنهت دراستها للثانوية العامة لتوها فكيف هذا؟!

- ولكننا لا نزوجها من أجل كل هذه الاعتبارات .. إن النبي قال: "إذا جاءكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير" فقولي لي رأيك بسرعة .. إنه رجل على دين وشاب صالح وطالب علم وشريف ومُنسب ومن نسل المصطفى عليه الصلاة والسلام. اتركي هذا الكلام وأنه أعمى وغيرها فليس لهذا دخل في الموضوع. احضري لي إخوتها.

وكان هذا الكلام في الثانية عشرة مساءً فقال لهم:

- يا أولاد .. فلان .. هل تعرفونه؟

  • نعم نعرفه.

- ما رأيكم فيه؟

  • هو شاب نبيل وشريف وعاقل وعالم ومثقف وحكيم.

- هل هذه الصفات تليق به لأن يكون زوجاً لأختكم؟

  • ونِعم .. أهلاً وسهلاً .. على العين والرأس.

- وما رأيك أنتِ .. فأنتِ صاحبة الرُّمة فما رأيك؟

  • ما ترونه وما يراه والدي أوافق عليه.

وبعدها يدخل الشيخ نجيب المطيعي السجن بعد أن وافق على زواج الشيخ الشاب دون شبكة وما شابهها فهو لا يملك.

وفي إحدى الزيارات يسأل أبناءه هل يأتي خطيب أختكم لزيارتكم فقالوا: نعم. فقال:

- إن هذا لا يصح .. هل تجلسون معهم؟

  • نعم.

- ولماذا "تذنبون" أنفسكم .. اذهبوا فأتموا عقد الزواج.

ثم حضر لزيارتي بعد عقد زواجه على ابنته وهي تمسكه من يده وهو طويل القامة ويلبس الملابس الأزهرية وعلى عينيه نظارة سوداء وكان بيننا الشَبَكة المخصصة للكرة الطائرة فشبَكت في عمامته فوقعت ووقعت النظارة .. والناس لم تلحظ أنه أعمى إلا حينما انحنت زوجه لتحضر له نظارته .. ويتأثر رجل بهذا المنظر ويدعو على عبد الناصر الذي كان سبباً في تشتيت الناس وسجن ذويهم فقال داعياً عليه: "اللهم نكس أعلامك يا عبد الناصر" وأحس الشيخ نجيب بأن الدعاء يخرج من قلب الرجل وهو يعرفه ويعرف سمته وصورته.

وبعد ايام يخرج الشيخ نجيب من السجن بعد وفاة عبد الناصر وكان أمام منزله مدرسة إسماعيل القباني الثانوية وظل عليهم العلم منكساً 40 يوماً فتذكر دعاء الرجل الذي قال: "اللهم نكس أعلامك يا عبد الناصر" فما زال الدعاء يتردد في أذنه وقال: إن أبواب السماء فتحت لهذا الدعاء.

ثم يكمل الشيخ نجيب القصة فيقول:

- الآن زوج ابنتي معلمّ في السعودية، أستاذ في معهد النور وله ولد وابنة، وابنتي سعيدة بل أسعد ألف مرة مما لو كانت تزوجت الصائغ صاحب الشقق والأملاك والسيارات .. لأنها في كنف رجل صالح يصونها ويحفظها، وهي بهذا تقرأ له دروسه وتحضرها له وينفع الله بها المسلمين فهي نفسها على ثغرة من ثغور الدين.

فالأمر يتعلق بأن ينشرح صدر الإنسان المسلم لأحكام الشريعة ولا يدخل فيها شهوة النفس فإن أدخل فيها شهوة النفس تحولت حياته إلى حياة قاسية لا يرضى بها مهما أوتي "لو أعطى ابن آدم ملء الأرض ذهباً لما رضي ربه ولا يملأ عين ابن آدم إلا التراب".

فكرة .. للأستاذ مصطفى أمين حول الأستاذ حسن الهضيبي

عرفت الأستاذ حسن الهضيبي أول ما عرفته في عام 1939 وكنت رئيساً لتحرير مجلة آخر ساعة وأرسلت المفوضية الألمانية بالقاهرة خطاباً إلى وزير الخارجية تحتج علىَّ لأنني كتبت مقالاً قلت فيه: إن هتلر ديكتاتور، وإن هذه الإهانة للفوهرر.

وقانون العقوبات المصري يمنع مهاجمة رؤساء الدول الأجنبية، وطلب الوزير الألماني تقديمي إلى محكمة الجنايات. واتصل وزير الخارجية بوزير العدل، واتصل وزير العدل بالنائب العام، وقرر النائب العام تكليف رئيس النيابة الأستاذ الهضيبي بمقابلتي. واستقبلني رئيس النيابة مقابلة ودية لم أتعود أن ألقاها من رؤساء النيابة الذين يحققون معي في قضايا الصحف.

وبدأ حديثه وسألني عن أي نوع من القهوة أود أن أشرب، وطلبت قهوة مضبوط، فطلب لي رئيس النيابة القهوة ثم طلب واحد ليمون .. وبعد ذلك قال لي: أنت متهم بأنك أهنت الهر أدولف هتلر رئيس دولة ألمانيا. قالها بهدوء بنفس النبرة التي طلب بها لي واحد قهوة وواحد ليمون. وكأنه يقول أهلاً وسهلاً وحشتنا وآنستنا، قلت له: أنا لم أهن هتلر، أنا قلت عنه الحقيقة.

قال الهضيبي: أنت قلت إنه ديكتاتور وطاغية وأنه قضى على حقوق الإنسان في ألمانيا؟ وسألت رئيس النيابة: وهل هو ديكتاتور أم لا؟ قال ضاحكاً: المفروض أن يقول وزير ألمانيا المفوض أنني نسبت إلى هتلر أنه قضى على حرية الصحافة بينما أن الصحافة حرة في ألمانيا، وأنه ملأ بلاده بالمعتقلات، وأنشأ المحاكم الاستثنائية بينما الحقيقة أنه لا معتقلات هناك ولا محاكم استثنائية.

قال الأستاذ الهضيبي: اطمئن إنني لن أقدمك لمحكمة الجنايات لأنني أعتقد معك أنه ديكتاتور، وذمتي لا تقبل أن أقدم بريئاً إلى المحاكمة، وكل المطلوب منك أن تقول في التحقيق أنك لا تقصد إهانة هتلر.

وأمر الأستاذ حسن الهضيبي بفتح المحضر وسألني هذا السؤال وأملى على كاتب التحقيق الإجابة وأمرني بالانصراف ولم يطلب مني أن أدفع كفالة كما طلب النائب العام.

ولاحظت وأنا أتحدث إلى الهضيبي أنه رجل قليل الكلام، نتوهم أنه صارم بينما هو رجل رقيق، هادئ، فيه طيبة ممتزجة بالذكاء الحاد، قوي الملاحظة، ثم عرفته بعد ذلك في سجن ليمان طرة.

كانت زنزانته بجوار زنزانتي، جذبني صموده وقوة احتماله، يقابل البطش بابتسامة سخرية، ويرد على الظلم بالإيمان، يناقشك بهدوء، لا يغضب ولا يحتد ولا يشكو، حرموه عدة شهور من أن يتلقى أي خطاب من زوجته وبناته، وكان أولاده مسجونين في سجن آخر، وكلفت إحدى تلميذاتي أن تتصل بابنته المدرسة بكلية طب قصر العيني لتقول لها إن والدها بخير، هذه هي الرسالة الوحيدة التي رضى أن أحملها لأسرته، لقد منعوا عنه السجاير()، ومنعوا عنه الزيارات، ومنعوا عنه الأدوية لعدة أسابيع ومع ذلك كان يبتسم ويضحك ويقول: صحتي الآن أحسن مما كانت خارج السجن.

كان يحمد الله على أنه يعيش في زنزانة!

لا نعرف قيمة المعادن إلا عندما ندخلها النار.

ولدي ....

بقلم العالم الجليل الأستاذ أحمد عبد الرحمن البنا

روى الترمذي عن أيوب بن موسى عن أبيه عن جده أن رسول الله  قال: "ما نحل والد ولداً من نحل أفضل من أدب حسن".

ولقد تمنيت منذ بنيت أن يهبني الله تعالى ولداً صالحاً، احسن أدبه وتربيته ليكون نسلاً صالحاً وخيراً جارياً وأثراً باقياً، فاستجاب الله دعوتي وحقق أمنيتي ووهبني غلاماً ذكياً سميته "حسن البنا".

تعهد الله ولدي بعنايته منذ صغره وحفظه بعنايته من كل ما يضره ويؤذيه، فلقد عرضت له حية وهو في مهده فاستعنت الله تعالى فصرف أذاها عنه، وخرت عليه السقف في أول منزل لنا ببلدة المحمودية، وكان معه أخوه عبد الرحمن فأنجاهما الله تعالى بأن علق السقف على السلم وحماهما بسلم البيت الذي لم يبلغ أكبرهما طوله بعد، وظل ولدي تحت السقف، حتى رفعت الأنقاض، وأكرم الله به أخاه فخرجا سالمين.

وأحاطت به ذات يوم كلاب تنبحه حتى روعته فألقى نفسه في ترعة تسمى (الرشيدية) وكانت تصطخب بمياه النيل وقت فيضانه فألقاه اليم بالساحل والتقطته سيدة من سيدات البلدة ونجاه الله من الغرق لفضله ومنته.

لم تكن نشأة ولدي نشأة عادية فمنذ تفتحت طفولته تفتحت معها قريحته، وبدأ يسأل عن الكون وصانعه والقمر ومبدعه، ولمحت فيه نجابة مبكرة فأحفظته القرآن وعلمته السنة وأدبته أدباً حسناً، ولما ألحقته بمدرسة المعلمين الأولية ببلدة دمنهور أظهر تفوقاً عجيباً ونشأ على الصلاح والزهد والعبادة، وكان أول فرقته في كل مراحل تعليمه وتخطى زملاءه في الدراسة، وقدم للالتحاق بالقسم العالي بدار العلوم مختزلاً بذلك أربع سنوات هي مدة الدراسة التجهيزية بدار العلوم.

وقصد القاهرة لا يعرف فيها أخاً ولا صديقاً، ونزل ضيفاً على الله تعالى في بيته وأقام في "الجامع الأزهر" ولما تخرج في دار العلوم كان أول فرقته في امتحان الدبلوم.

ورغبت وزارة المعارف في إيفاده إلى بعثة أوربا، فرفض البعثة لأمر يريده الله تعالى وعين في مدرسة الإسماعيلية وفيها كان ميلاد الدعوة، حيث أسس فكرته وأنشأ "جماعة الإخوان المسلمين".

دوت فكرة ولدي في أرجاء الدنيا، وانتشرت دعوته في أقطار العالم الإسلامي، وشغلت رسالته ذوي الفكر والعقول، وانتظمت مدرسته شباب الجامعات، و[[الازهر[[ الشريف، وجدد الله به دعوة الإسلام في القرن العشرين، وأضاء من نور فكرته قبس في كل بيت ولمع من وهج دعوته سراج في كل محيط، ووثق الله به الروابط بين الأخوة، ومتَّن به العلائق بين العشائر (لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ) (الأنفال: 63).

وامتدت إليه الأيدي الآثمة في الليالي السوداء وتآمرت على اغتياله دولة أفسدها البغي وأبطرها الإثم وأضلها العدوان، جردوا ولدي من سلاحه وعزلوه عن أنصاره، واستخدموا كل القوى التي وجدت لحفظ الأمن وحماية الأرواح، استخدموها في زلزلة أمنه وإزهاق روحه وبذلوا الأموال وأنفقوا الجهود (مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ) (إبراهيم: 46).

وظن فرعون وقد علا في الأرض أنه لا تناله يد الله وظن الآثمون المجرمون أنهم قد أفلتوا من القصاص، فأخذ الله تعالى بنواصيهم وزلزل الأرض من تحت أقدامهم.

أحمد عبد الرحمن البنا

قضية الشيخ الأودن

الشيخ محمد الأودن .. هل سمعت به؟ إنه عالم أزهري جليل كان بيته في الأربعينات وأوائل الخمسينات مقصداً للمئات من المدنيين والعسكريين، ممن عرفوا قدره وآمنوا بفكره، وراحوا ينهلون من علمه، ويتفقهون على يديه في أمور دينهم ودنياهم. ولعل الكثيرين لا يعرفون أن عبد الناصر كان صديقاً حميماً للشيخ هو ومعظم الثوار.

وحين استولى الضباط على السلطة في 23 يوليو تهلل الشيخ ومعه جموع الإخوان المسلمين ولا عجب، فقد اعتقدوا أنه قد آن الأوان لتحقيق حلمهم في إقامة المجتمع الإسلامي .. يومها خرج والد الشهيد حسن البنا من عزلته، وذهب إلى المركز العام للإخوان المسلمين، وكانت تلك هي المرة الأولى التي يدخل فيها إلى مقر الإخوان بعد استشهاد ولده، فصعد إلى المنبر، ثم استدار إلى جموع الإخوان قائلاً:

أيها الإخوان اليوم تحققت رسالتكم. إنه فجر جديد بالنسبة لكم ، ويوم جديد للأمة، فاستبقوا الفجر أيها الإخوان! لكن الحلم تلاشى .. تبدد واستيقظ الجميع على الشمس وهي في كبد السماء، لحظتها، أدرك الكل مذهولين أنهم قد شربوا مقلب العمر، وشيئاً فشيئاً تباعد الضباط عن الشيخ الذي لم يتغير رغم تغير الظروف من حوله.

لم يفقد صراحته، ولم تفارقه شجاعته، فراح ينتقد تصرفات الثوار في كل مكان، ذات يوم فوجئ الشيخ باللواء عبد الحكيم عامر يزوره بلا سابق موعد ليعرض عليه منصب شيخ الأزهر، في الحال أدرك الشيخ أن ذلك العرض ليس لوجه الله، ولكن لإجباره على السير في الركاب، فرفض بإصرار، فأمر ناصر بتحديد إقامته وبث العيون حوله لترصد مقابلاته وتسجل عليه كلماته .. ثم واتت النظام فرصة التخلص منه، حين قبضت المباحث العامة على أعضاء جماعة الإخوان المسلمين عام 1965، فقبضت عليه هو الآخر، ولم تكتف المباحث بسجنه وحده ولكنها سجنت أيضاً أولاده الأربعة، وكالعادة وجهت إليه السلطة التهمة الشائعة في ذلك الوقت "الاشتراك في تنظيم القصد منه قلب نظام الحكم واغتيال الرئيس وكافة وزرائه" وعندما أنكر الشيخ التهمة قال له شمس بدران في هدوء: قل ما شئت ولكني سأجعلك تكتب ما أريده أنا!

وطلب الشيخ من شمس أن يأمر رجاله بإحضار طقم أسنانه الذي نسيه في بيته فوعده شمس بذلك، وفي اليوم التالي استدعاه ليؤكد على ضرورة الاعتراف بما هو منسوب إليه، فلما رفض الشيخ مرة أخرى، أمر شمس بسحق طقم اسنانه الذي كان قد أحضره بالفعل من بيت الشيخ، وهكذا اضطر الرجل أن "يزغط" الطعام طوال فترة سجنه .. ثم بدأ التعذيب .. ولما كان الشيخ قد تجاوز الثمانين من عمره وليس في قدرته تحمل الفلكة ولا السياط السودانية المغموسة في الزيت. فقد ابتكر شمس بدران طريقة جديدة لتعذيبه لم يستعملها إلا معه ومع المستشار حسن الهضيبي .. فماذا فعل شمس بدران؟ لقد أمر بحبس الرجل العجوز في زنزانة واحدة مع عدد كبير من الكلاب.

كانت الكلاب تقفز حوله، وتتبرز على ملابسه، وكان الشيخ لا يستطيع أن يقرب الطعام إلا بعد أن تشبع الكلاب فيمد يده إلى ما بقى منه لكي "يزغط"، وبمرور الوقت أصبحت رائحة الزنزانة لا تطاق بأي حال من الأحوال، ومما زاد الطين بلة أن الكلاب أصيبت أطرافها بالشلل من شدة رطوبة الزنزانة فأصبحت لا تكف عن النباح ليلاً أو نهاراً!

وفي منتصف ديسمبر 1965 خرج الشيخ من زنزانته لكي يذهب إلي خيمة من تلك الخيام التي نصبت لوكلاء النيابة .. يومها فوجئ الحرس بقذارة ملابسه والرائحة النتنة التي تنبعث منه، فأمره أحدهم بالذهاب إلى الحمام للاستحمام بالماء البارد فرفض الشيخ قائلاً:

هل هذه وسيلة جديدة لقتلي .. هل نسيتم أننا في عز الشتاء؟.

فلما رأي الجنود إصراره على الرفض سكبوا عليه الماء البارد بالقصاري !!

وأخيراً ذهب الشيخ إلي النيابة التي لم تكن تختلف أيامها عن رجال السجن الحربي، فشرح لهم موقفه مقسماً بأغلظ الإيمان بأنه لا علاقة له بما كان يدور، وعندما خرج الشيخ من الخيمة استدعاه حمزة البسيوني وأمر الحلاق بحلق لحيته ونصف شاربه حتى يجعله اضحوكة الجميع ثم أمر ضباطه قائلاً:

انتفوا ما بقى من لحيته شعرة، شعرة، فلما نفذ الضباط الأمر، التفت شمس إلى الشيخ وقال في حسم:

عليك بعدِّها "أي شعيرات ذقنه" فراح المسكين يفعل ما أمر به، حتى إذا ما انتهى من العدّ، فوجئ بحمزة ينهال عليه ضرباً بحجة أنه قد أخطأ في العدد .. وذهب "النتف" بمعظم شعيرات ذقنه ورغم ذلك اصر شمس على انتزاع ما بقى فيها فأمر رجاله بحرق ذقن الشيخ بأعواد الكبريت وبإطفاء السجائر فيها أيضاً حتى تورم صدغه تماماً .. ويقول الأستاذ محمد شمس الدين الشناوي المحامي وكان بدوره ممن استضافهم السجن الحربي في ذلك الوقت:

فوجئت ذات يوم في أواخر ديسمبر 1968 بأحد الحراس يدخل إلى زنزانتي ويصحبني معه لإدارة السجن، وهناك علمت بأنه قد صدر قرار بالإفراج عني، ونظرت فوجدت حولي بعض المعتقلين ممن قيل إنه قد أفرج عنهم ومنهم أولاد الشيخ الأودن الأربعة .. وأثناء عملية إتمام الإجراءات حضر شمس بدران فلمحني وناداني وقال لي:

إذا كنت تريد حريتك، فعليك أن تقول إن الشيخ الأودن أرسلك إلى أحد الإخوان في طنطا لتطلب منه أن يحضر لمقابلة الشيخ للاتفاق على قلب نظام الحكم، وتقول أيضاً إن الشيخ مرتبط بمجموعة من ضباط الجيش، هتف المحامي قائلاً: لم يحدث شئ من هذا فصرخ شمس بدران قائلاً:

أتظنون يا أولاد الكلب أن التعذيب قد انتهى .. تعال يا صفوت. ويقول محمد شمس الدين الشناوي: وأثناء إحضار الفلكة أمسك شمس بسماعة التليفون وطلب الرئيس جمال عبد الناصر وقال له: معلش يا باب، أستأذنك في إلغاء الإفراج عن شمس الدين الشناوي، وأعدك أن أحصل منه على اعتراف يدين الشيخ الأودن.

وراح صفوت ورجاله يمارسون عملهم الكريه في تعذيب شمس الشناوي لكنهم لم يظفروا منه بطائل .. وأخيراً فشل الزبانية في الحصول على أي دليل ضد الشيخ، فقدموه إلى محكمة الدجوى بتهمة غريبة قررها قانون العقوبات في عهد الحرية الذبيحة هي "علم ولم يبلغ" !! كتاب "مذابح الإخوان المسلمين لجابر رزق".

وحكم على الشيخ بالسجن لمدة سنة، ولما كان قد أمضى ما يزيد على العقوبة في السجن الحربي، فقد تم الإفراج عنه، وما هي إلا شهور قليلة حتى استدعته جامعة الملك عبد العزيز ليعمل أستاذاً بها، وظل هناك إلى أن مات ودفن باليقيع بجوار الصحابة رضوان الله عليهم.

ومات الشيخ الأودن الرجل الطيب الذي صدق مزاعم الثوار، فغمره الفرح صبيحة استيلائهم على السلطة، دون أن يدري أنه كان على موعد مع نظام لم يسبق له مثيل في تسلطه وجبروته .. ثم كانت النهاية التي توقعها عقلاء هذه الأمة هزيمة ساحقة لم يسبق لها مثيل، وخراب شامل في كافة الميادين، وإفلاس ليس له نظير، وارفع رأسك يا أخي فقد مضى عهد الاستعباد!

صلاح الأسواني

إلى المطار

كنت في الكويت مسافراً إلى عَمَّان في الأردن. وفي الصباح ارتديت بدلة غير التي كنت أرتديها بالأمس، وعند خروجي وضعتها في السيارة وكلفت أحد الإخوة أن يرسلها للغسيل والمكوى بعد أن فتشتها وتأكدت من أنها خالية من الأوراق.

وتوجهت السيارة إلى المطار .. وعند العرض على الميزان وتجهيز التذكرة .. تبين أنني نسيت التذكرة في المنزل.

وأسرعت بالسيارة وفي منتصف الطريق خطر لنا أن نراجع البحث عن التذكرة في البدلة الموجودة في السيارة ربما نعثر على التذكرة، ورغم أننا قمنا بتفتيشها من قبل، إلا أننا وجدنا التذكرة فيها.

وأسرعنا إلى المطار واستطعنا أن نمر من الجوازات قبل مغادرة الطائرة بدقائق – ولكن عند وصولي إلى صالة الإقلاع قيل لنا: إن الطائرة سوف تتأخر عن الإقلاع حوالي ساعة .. وبعد ساعة أخذنا مقاعدنا في الطائرة وكان يلازمني في هذه الرحلة أستاذ في جامعة الكويت من سوريا .. وبعد أن استقر بنا المقام دقائق – نودي علينا – بمغادرة الطائرة .. حيث يشتبه بأن تكون على الطائرة (قنبلة) ونزلنا حيث أخذ كل راكب حقيبته بنفسه وأودعها في مخزن الطائرة وغادرت الطائرة مطار الكويت .. وعندما وصلنا إلى سماء مطار عَمَّان. ظلت تطير فوق المطار دون أن تهبط .. وقيل لنا إن هناك مانعاً على الممر .. وربما تغادر الطائرة إلى مطار دمشق ..

وحين علم بذلك الأخ الأستاذ السوري .. اكفهر وجهه .. لما يعرف ما سيكون عليه من خطر لو نزل في مطار دمشق .. كما هو معلوم من محنة الإخوان في سوريا .. وقد حدث لي بعض ما حدث له من خوف .. ولكني أسرعت فقلت له: يا أستاذ دعها لله تعالى يدبرها بمعرفته. فقال: (ألست من الإخوان المسلمين مثلي وسيكون مصيري نفس مصيرك؟! قلت له: بلى .. لكن عندما يعلم (الأسد أن السيسي قادم) سوف يحضر إلى المطار كي يستقبلني، لأننا من فصيلة واحدة!!

فقال محتداً .. هو دا وقت هزار ونكت؟ فقلت: نعم إن هذا الظرف بالذات محتاج للفرفشة !!

وشاء الله أن تنزل الطائرة بسلام .. ويذهب كل منا إلى حال سبيله وينام.

قصة في أمريكا

اعتاد شباب الإخوان في إجازتهم الرسمية في أمريكا أن يعقدوا مؤتمراتهم في ولايات مختلفة من ولايات أمريكا رغبة في السياحة ونشر الدعوة في الأوساط المختلفة.

وفي إحدى الولايات، استأجروا فندقاً كبيراً وأشيع أمر المؤتمر المزمع عقده من عدة آلاف من الزوار، وفي مثل هذه الحالة يستعد أصحاب المحلات (السوبر ماركت) بزيادة كبيرة من المعروض للبيع من (الخمر) فهم لا يعرفون هوية القادمين من السياح..

ولكنهم فوجئوا بأن كل القادمين من المسلمين الذين يحرم عليهم الإسلام شرب الخمر، وبهذا تحسروا وكسدت بضاعتهم!!

ورغم هذا فإن الإخوان قد عوضوهم عن ذلك بشراء كميات أخرى من الأطعمة والمعلبات.

الافتخار يؤدي إلى الدمار

في فبراير 1949 قتل المجرمون الشهيد حسن البنا، وكان من هؤلاء اثنان من رجال البوليس السري من إدارة الأمن من محافظة سوهاج، وقد نالوا هدايا من حرم النقراشي باشا ومكافآت من الدولة التي دبرت هذا الحادث.

ولما عاد المجرمون إلى سوهاج مستشعرين أنهم أصبحوا مركز قوة واستعلاء بما قدموه للدولة من خدمات، فرضوا أنفسهم على الناس وحددوا عليهم إتاوات مالية، وقد خشي الناس سطوتهم وأطلقوا عليهم أنهم من رجال الحكومة ورجال الملك.

وبقى هذا الشعور يعيش في قلوب أهالي سوهاج – حتى كانت ثورة 23 يوليو 1952 – وقبض رجال ثورة 23 يوليو على كل رجال الحكومة ورجال الملك.

وانتهز المضطهدون من الشعب هذه الفرصة وأبلغوا حكومة الثورة عن رجال الحكومة ورجال الملك، الذين كانوا يعبثون بالناس تحت مظلة رجال الملك.

وتم القبض عليهم من أجل حماية النظام .. وظن هؤلاء الجبناء أن سبب القبض عليهم هو (اغتيال الإمام حسن البنا) فاعترفوا بذنبهم وجريمتهم وكانت مفاجأة لم تكن في حساب الطغاة المجرمين.

وقدموا للمحاكمة وحكم عليهم بالسجن المؤبد.

سيسي كولا

كنت مسافراً مع الأستاذ عمر التلمساني من الإسكندرية إلى القاهرة ونحن في الطريق – قلت للأستاذ عمر – من الواجب على جماعة الإخوان تكوين شركات اقتصادية بسيطة لتعين الإخوان على ظروف الحياة الصعبة، كما سبق أن كوَّنوا مثل هذه الشركات في عصرهم القديم مع الإمام حسن البنا.

فقال: يجب على الإخوة أن يفكروا في مثل ذلك ونحن نساعدهم.

فقلت له: أنا عندي فكرة إنشاء شركة مياه غازية.

فقال رحمه الله: وهل فكرت لها في اسم تجاري؟

قلت: نعم .. فكرت أن يكون اسمها (سيسي كولا).

فقال الرجل: والله اسم (جميل)!!

ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد

صدر قرار بنقلي عام 1948 من مرسى مطروح إلى سلاح الصيانة في منقباد مركز أسيوط، وحصلت على إجازة وسافرت إلى رشيد لزيارة أهلي، وعدت إلى القاهرة في طريقي إلى أسيوط ومعي بعض الأطعمة وبعض الكُتب، ونزلت على الأخ الأستاذ محمد أبو رجيلة المقيم في 6 شارع الطباخ بالوايلي – لحين موعد القطار الذي يقوم في وقت متأخر من مساء نفس اليوم – وخرجت في جولة سريعة في حي السيدة زينب – وفي نفس الوقت سقطت أمطار غزيرة جداً، حالت دون وصولي إلى المنزل في الوايلي لأخذ حاجياتي – فاضطررت للسفر إلى أسيوط بدونها.

وبعد أيام أعطيت خطاباً لأحد الإخوة المسافرين إلى القاهرة للأستاذ محمد أبو رجيلة كي يسلمه الكتب مع الشكر.

الأخ المسافر لا يعرف أحياء القاهرة فهو غريب عنها، ركب الأخ ترام رقم 3 من العتبة الخضراء متوجهاً إلى الوايلي – وكان ركوبه بجوار شخص لا يعرفه – طلب منه أن يتكرم فيدله على محطة حي الوايلي فقال له ذلك الرجل: أنا نازل إن شاء الله في هذه المحطة.

ولما وصل الترام إلى المحطة قال له الرجل: هذه محطة الوايلي، ولما نزل سأله الأخ: هل حضرتك تعرف منزل رقم 6 شارع الطباخ، قال الرجل: أنات ساكن في نفس الرقم، أظنك تكون قادماً من عند الأخ عباس السيسي من أسيوط لمقابلة محمد أبو رجيلة – هو أنا محمد أبو رجيلة !

فأخرج الأخ الخطاب وسلمه له، وذهبا إلى المنزل معا وبعد أن قام الرجل بواجب الضيافة أعطاه الكتب مع رسالة.

تلك قصة حقيقية "يهديهم ربهم بإيمانهم" – القاهرة في هذا الزمان كان عدد سكانها لا يقل عن خمسة ملايين.

وصدق الله العظيم (وَلَوْ تَوَاعَدتَّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ) (الأنفال: 42).

شر البليَّة : قصص عن الزعيم (أبو خالد)

جمال عبد الناصر – في بيروت

حدثني فضيلة الدكتور الشيخ محمد الوكيل، أنه ذهب إلى طرابلس في لبنان، وطلب منه أن يخطب الجمعة في أحد المساجد، والذي طلب منه ذلك هم الإخوة الشيخ فيصل مولوي والأستاذ فتحي يكن والأستاذ إبراهيم المصري وهم من كبار الإخوان في لبنان.

وقام الشيخ محمد الوكيل فخطب الجمعة ولكنه (لم يدع للرئيس جمال عبد الناصر) في آخر الخطبة، حتى إذا أنهى الصلاة سمع ضوضاء شديدة من المصلين وهجموا عليه ليضربوه وهم يقولون: لماذا لم تدع (لأبو خالد) وكان لابد من علاج لهذا الموقف وفكر الإخوة – فيصل ويكن والمصري أن يعالجوا الموضوع بصعوبة – ولكن الله تعالى ألهم الشيخ محمد الوكيل بأن قال بأغلى صوته: يا جماعة دا أنا مصري وأخرج (البسبور) من جيبه وقال: كيف أكون أنا مصريا ولا أدعو للرئيس عبد الناصر وهو رئيسي الأقرب منكم جميعاً، ولكن يا قوم لم يحدث في عهد الرسول ولا الخلفاء أن دعوا لأحد من الناس على المنبر – وأمكن الشيخ الوكيل أن يهدئ من هذا الهياج الشديد!!

ويقول أيضاً الشيخ الوكيل: إنني نزلت في فندق في بيروت في حجرة وحدي، ولكن عندما ازدحم الفندق طلب صاحبه مني برجاء أن يأخذ معه أحد النزلاء ووافق الشيخ بعد إلحاح.

ولاما دخل الضيف وعرف أنه مصري، صاح يرحب به وهو يقول: أهلاً (بأبو خالد) وكان صاحبنا في الأصل فلسطينيا يعيش في لبنان – ولما استقر بهم المقام، حدثه الشيخ الوكيل عن فظائع عبد الناصر وقال له: كيف يرسل عبد الناصر جيشاً ليحارب به المسلمين في اليمن، وكان الأولى أن يرسل هذا الجيش ليحارب به جيش إسرائيل.

وأخذ الشيخ الوكيل يعدد له مآسي عبد الناصر مع الشعب المصري وكيف أنه عذب وقتل المجاهدين في سبيل الله وأظهر الرجل من الاقتناع الشديد ما جعل الشيخ يصاحبه في ذهابه وإيابه، وذات مرة وهما في طريقهما داخل بيروت – لم يجدوا مواصلات سوى الترام فركب مع الشيخ الوكيل – وحين سار الترام، صاح الرجل الفلسطيني بأعلى صوته وهو يقول: (يا ناس هذا الرجل – وهو يشير إليه – يسب (أبو خالد) واخذ يكرر هذا الكلام حتى هاج الناس وكادوا يفتكون بالشيخ لولا أن (الكمساري) نصحه بسرعة مغادرة الترام وهو يقول: (انج بنفسك). يقول الشيخ: وما إن وقف الترام بصفارة من الكمساري حتى أسرعت الخطا ونجوت بنفسي.

هذا هو الزعيم (أبو خالد) الذي كان يلقي بأموال مصر في اليمن وليبيا ولبنان حتى أغناهم وأفقر وأذل شعب مصر صاحب الحق الشرعي في هذه الملايين.

أنا ما ليش دعوة

كلما حاولت أن تقترب من أحدهم ترشده إلى طريق الحق والخير وتدعوه إلى التعاون معك على البر والتقوى وجدت منه تنصلاً.

فإذا طلبت منه مساعدة أحد الإخوة من المعتقلين أو المسجونين، تراه يسارع فيقول لك: "يا عم أنا ما ليش دعوة".

وإذا توجهت لآخر تدعوه للصلاة معك في مسجد يدعو إمامه إلى الحكم بما أنزل الله تراه يقول لك: "يا عم أنا ما ليش دعوة" "أنا عاوز أربي أولادي". فإذا توجهت إلى آخر من الشباب وتحاول أن تقنعه بواجب العمل لنصرة الإسلام، تسمعه يقول لك: "يا عم أنا ما ليش دعوة" .

هكذا في طريق الدعوة إلى الله تعالى ومخالطة أكثر الناس تجدهم على نمط واحد في الرد عليك، قوم سلبيون، هاربون. منهزمون من داخل أنفسهم، لا يريدون أن يتحملوا أية مسئولية ولو كانت مجرد كلام، فقد حدث أن الأخ الأستاذ مختار عبد العليم المحامي – رحمه الله – استأذن ذات مرة من إمام المسجد ليخطب الجمعة فأذن له، وكانت خطبة قوية جريئة فيها نقد للأوضاع المخالفة لشريعة الإسلام، فكان المستمعون يتململون من الخوف ويودون لو أسرعوا بالخروج من المسجد، فعجبت كيف أن الخطيب المسئول عن كلامه لا يخاف بينما المستمعون هم الذين يخافون.

واستأذن الأخ الدكتور علي جريشة من إمام مسجد آخر، فأذن له بالخطبة، وعلم بذلك فضيلة مفتش الوعظ، فوقع جزاء على الإمام بخصم يومين من مرتبه.

وكانت أزمة نفسية أن يخصم يومان من مرتبه. فقابلته كي أخفف عن وطأة ما وقع عليه من جزاء، فقلت له: أنت زعلان من خصم يومين من مرتبك، فكيف بي وقد خصم من مرتبي اثنا عشر عاماً !!

ولا يزال الباب مفتوحاً على مصراعيه (وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) !!

ومن خلال ممارستي الدعوة إلى الله مع الناس، أدركت أن أكثر الناس قد ورثوا التخلي عن الجهاد والعمل فكانت كلمات (أنا ما ليش دعوة) هي ستار الأجيال المسحوقة، وذلك لأن المجتمع لم تكن له "دعوة" يدافع عنها وتدفع به إلى الجهاد والتضحية والاستشهاد، لهذا فإن الفرق بيننا وبينهم أنه ليس لهم دعوة!

ولكننا والحمد لله لنا دعوة.

لهذا إذا كنا نريد أن نحرر الإنسان من التخاذل والضعف والانهزامية، فإن واجبنا أن نبلغه الدعوة حتى يؤمن بها ويعمل لها ويصبح له دعوة تنقذه فيهتدي بها إلى الصراط المستقيم.

حكاية لا تنسى

قال لي أحد الإخوة ونحن في سجن ليمان طرة:

إن أحد إخواننا من المحلة الكبرى جاءته أسرته للزيارة التي كانت تتم كل شهر.

وعاد الأخ بعد انتهاء الزيارة مغموماً مهموماً، ولما كنت من نفس بلدته وأقرب الإخوة إليه سألته، كيف حال الأولاد وأخبار هذه الزيارة؟.

قال: الأولاد (مش لاقيين يأكلوا) ، حتى إن أبني الطفل الصغير قام من النوم، فلم يجد طعاماً، فأرسلته أمه إلي بيت عمه لعله يجد عنده ما يسد رمقه، ولكن زوجة عمه لم تقم بالواجب، فخرج من بيت عمه يبكي، فلمحته إحدى الجارات وسألته لماذا يبكي؟ فحكى لها القصة فدمعت عيناها وأخذته إلى مسكنها وهي تبكي .. فسمع زوجها نحيبها ، وسأل عن الموضوع، فذكرت له الذي حدث.

فقال لها: قدمي للولد الطعام، وخذي عشرة كيلو دقيق وأعطاها مبلغ اثنين من الجنيهات وذهبت إلى أسرة الطفل وقدمت هذه الهدية.

الهضيبي وجمال عبد الناصر

من المواقف المشرفة للعلماء مع الحكام موقف الأستاذ حسن الهضيبي المرشد العام للإخوان المسلمين سابقاً من جمال عبد الناصر عام 1954، حين تأزمت الأمور، وخنقت الحريات، وانتشر الظلم والعدوان، فقد بعث إليه خطاباً يأمره فيه بالمعروف وينهاه عن المنكر والفساد والإفساد وقد قال فيه:

السيد جمال عبد الناصر رئيس مجلس الوزراء .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. أما بعد فإني ما زلت أحييك بتحية الإسلام وأقرئك السلام، وما زلت ترد علىَّ التحية بالشتائم واتهام السرائر واختلاق الوقائع وإخفاء الحقائق، وليس ذلك أدب الإسلام ولا من شيم الكرام، لست أطمع في نصحك بأن تلزم الحق فذاك أمر عسير وأنت حر في أن تلقى الله تعالى على ما تريد أن تلقاه عليه، ولكني أريد أن أبصرك بأن هذه الأمة قد ضاقت بخنق حريتها وكتم أنفاسها وأنها بحاجة إلى بصيص من نور يجعلها تؤمن بأنكم تسلكون بها سبل الخير وأن غيركم يسلكون بها سبل الشر والهدم والتدمير إلى آخر ما تنسبون إليهم. إن الأمة في حاجة الآن إلى القوت الضروري، القوت الذي يزيل عن نفسها الهم والغم والكرب، إنها في حاجة إلى حرية القول، ومهما قلتم إنكم تحكمونها حكماً ديمقراطيا فإنها لن تصدق لأنها محرومة من نعمة الكلام والتعبير عن الرأي، فإذا حققتم ذلك فإننا نعدكم بأن نذكر الحقائق ولا نخاف من نشرها ونصدق القول ولا نشوبه بالكذب والبهتان والاختلاق، ولا نتهم لكم سريرة ولا نبادلكم فيما تضمرون وتدخرون في أنفسكم ولا نجاري بعض وزرائك فيما يكتبون من غثاثة وإسفاف، وإنما نعكم – كما هو شأننا – بأن نناقش المسائل مناقشة موضوعية، أما أن تعطوا أنفسكم الحق في الكلام وتحرموا الناس منه، وأما أن تفرضوا آراءكم بالسلاح على الأمة فذلك شئ لا يعقله الناس ولا ترضاه الأمة.

بركة الإخلاص

جاء إلى دولة الإمارات العربية وفد من دولة الصومال، يحمل مشروع إقامة معاهد إسلامية باسم الشهيد حسن البنا، ولما توجه الوفد لمقابلة سعادة وكيل وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف ليعرض عليه المشروع، وحاول هذا الوكيل ألا يذكر اسم/ حسن البنا حتى يتيسر تمويل المشروع.

وأصر الوفد الصومالي على عدم تغيير الاسم إلا إذا عادوا لإخوانهم في الصومال، وأخذوا موافقتهم على هذا التغيير.

وأمام هذا الإصرار رتب لهم السيد وكيل الوزارة مقابلة مع سعادة وزير الشئون الإسلامية والعدل والأوقاف، فرحب الوزير بالضيوف واستمع إلى رغباتهم ... وقبل أن يصل الحديث إلى ذكر اسم الإمام البنا، دخل ضيف كبير قام الوزير لاستقباله، وأمر سكرتيره بصرف مبلغ كبير للمساعدة في هذا المشروع.

وهكذا كانت بركة إخلاص الوفد وإصراره على البقاء على النية التي جاء بها ومن أجلها والتمسك باسم (مشروع المعاهد العلمية للشهيد حسن البنا) مفتاح خير ويمن وهكذا يكون للإخلاص أثره الفعال في تحقيق الآمال.

الحسنة بألف

توجه وفد من شباب المركز الإسلامي في مدينة "ميونيخ" بألمانيا الغربية وهو أكبر مركز إسلامي في أوروبا إلى دولة الإمارات العربية بغرض جمع تبرعات مالية لتنمية النشاط الاجتماعي والثقافي والرياضي، فضلاً عن تدعيم المدرسة الإسلامية التابعة للمركز ومعاونة الطلاب الغرباء الذين يفدون إلى الجامعات من العالم الإسلامي والعربي.

وفي مثل هذه الأحوال تقوم وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بتوصية أئمة المساجد بالتعاون مع الوفود، في تقديم أحدهم ليشرح للمصلين – عقب صلاة الجمعة – الهدف الذي يشجعهم على التبرع، في نفس الوقت الذي يقوم فيه بعض أعضاء الوفد بتلقي التبرعات داخل وخارج المسجد.

وقد توجه الوفد إلى بلدة (خورفكان) في شمال الإمارات وهي بلدة جميلة ونظيفة تقع على ساحل البحر – وفيها اتجه إلى محل لشراء مشروب بارد. وكان أحد الأطفال في العاشرة من عمره يراقبهم حيث كانوا يرتدون الملابس الإفرنكية فقدم له أحد أعضاء الوفد زجاجة مشروب، فاعتذر الطفل ثم أخذها بعد إصرار شاكراً ..

وذهب الطفل خلف الوفد إلى المسجد، وفوجئ بأن هذا الأخ الذي يتحدث بعد الصلاة هو نفسه الذي قدم له زجاجة المشروب فأسرع إلى بيته وحدث أسرته بما كان وما سمع – وعاد إلى المسجد ومعه (1000) درهم تبرعاً للمركز الإسلامي في ميونيخ.

وهكذا كان الدرهم وهو ثمن زجاجة المشروب التي أهديت له. مباركاً حتى صار 1000 درهم – وكانت النية الصادقة والتوجه الحسن يؤتي الخير العميم (إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ) (آل عمران: 37) وبغير توقع ولا حسبان !!

مع الدكتور الحبر نور الدايم

الأستاذ بجامعة أم درمان بالسودان

كان ذلك في ألمانيا حين ذهبت مع الإخوة لاستقباله في المطار وفي صحبته الأخ الأستاذ محمد ... وهبطت الطائرة وخرج جميع من كان عليها .. وانتظرنا طويلاً دون جدوى، فأرسلنا أحد الإخوة إلى صالة الحقائب، فتأكد من وجود حقائب عليها اسمه وصاحبها متخلف عن استلامها، وهذا دليل على أنه كان على متن الطائرة وأخيراً قبل أن نقرر العودة، إذا به ومن معه قادمون من بعيد .. وحين اقترب منا – ومد يده يسلم علينا – قلت له: (أهلاً وسهلاً ختامها حبر) فنظر للأخ الذي معه، وقال له: من هذا؟ فقال له: هذا الأخ عباس السيسي، فرأيته متهجماً، وسار إلى جواري ثم سألني: هل (إحنا شفنا بعض قبل كده) فقلت له: أنت مش فاكر. قال: لا، قلت: يا سيدي شفنا بعض في حديقة الحيوان، فانفجر ضاحكاً.. وتبادلنا التعارف والنكت وكان لقاء لا ينسى وصحبة بالغة التأثير في نفوسنا .. حتى أنني قد تشرفت إذ قام بتقديم كتابي (الطريق إلى القلوب) الجزء الأول .. جزاه الله خيراً.

تحديد النسل

في محاكمات الإخوان المسلمون) عام 1965، كان معنا شاب حكم عليه بالسجن المؤبد، وكان وحيد والديه وفي هذا الوقت اشتدت في مصر حملة (تحديد النسل) أو (تنظيم الأسرة) وذهبت مندوبة لجنة تنظيم الأسرة لزيارة والدة الأخ لتأخذ منها حديثاً تنشره لتشجيع الأمهات على تحديد نسلهن اقتداءً بها ...

ولما سألت المندوبة والدة هذا الأخ: لماذا اختارت طريق تحديد نسلها وكيف اقتنعت بذلك؟ قالت الأم وهي في حزن ومرارة: والله يا سيدتي إني شديدة الندم على اختياري طريق تحديد النسل !!

وفوجئت المندوبة بهذه الإجابة التي لم تكن تتوقعها.

فقالت لها: ولماذا؟

قالت الأم: لأن ابني الوحيد قد حكم عليه بالسجن المؤبد. ولم أعُد أراه، فأصبحت أعيش وحدي مع زوجي في غم ونكد، ولو كان عندنا من الأولاد أكثر من واحد ربما كان في ذلك بعض العزاء.

ولا ندري هل نعيش حتى نراه أم نقضي حياتنا دون أن نستمتع بالحياة معه.

هذا هو السبب يا سيدتي فالواجب على كل إنسان أن ينظر إلى تفاعيل الزمن وما تأتي به الأقدار. وانصرفت المندوبة تجر أذيال الخيبة !!

تقربوا من الصامتين

بعد صدور قرار حل جماعة الإخوان المسلمين في ديسمبر سنة 1948، صدر قرار بالقبض عليَّ بعد ما نقلت إليها من الإسكندرية ثم رُحلت إلى سجن مصر (أرميدان) الذي هدم بعد ذلك.

ودعاني بعض الإخوة لزيارتهم في زنزانتهم لأحدثهم عن (السيرة النبوية)، ووجدت من بينهم شاباً كنت أراه من قبل هادئاً وديعاً قليل الاختلاط قليل الكلام، وتحدثت إلى الإخوة حديثاً لا يزيد على نصف ساعة ثم بدأت أطلب منهم أن يحدثوني عن خواطرهم، فلما جاء الدور على ذلك الشاب وبدأ يتكلم وجدت نفسي أنصت إليه بانتباه شديد، فقد شدني وجذبني إليه بقوة، وشعرت بأني أتضاءل رويداً رويداً. فقد سمعت إلى إنسان له علم وله فقه وحجة في أدب وتواضع أخجلني كثيراً .. وأفقت على درس بليغ استفدت ولا زلت أستفيد منه كثيراً .. وكم من أمثال هذا من الشباب الذين يخجلون أن يتقدموا ويريدون أن يؤدوا دورهم بصدق وإخلاص ولكن يمنعهم الخجل والحياء والخوف من الرياء.

ومثل هؤلاء يجب أن نرفع عنهم الحرج حين نقدمهم ونفسح لهم المجال في مستهل حياتهم، خوفاً مِنْ أن يطول بهم الزمان فلا تنطلق ألسنتهم ولا تنفرج أزمتهم فيتعقدون ويضمرون.

ومن فقه الأخ الداعية أن يستثمر في كل إنسان منابع ومفاتيح طاقاته فيوظفها في المجالات المنتجة. فهذا خطيب وهذا شاعر، وهذا جوال وهذا رسام، وهذا يجيد التمثل وهذا يجيد الأغاني الإسلامية وهذا يحب الرحلات والسياحة، وهذا كاتب مبتدئ – (وكل ميسر لما خلق له).

موقف مع أم معاذ

في أيام المحنة وخاصة في أولها .. كانت الأهالي تعيش في فزع مستمر ليلاً ونهاراً. فهذا يأتي إلى المنزل يسأل عن الأسرة ومن يأتي إليه؟ .. من يدفع لها؟ .. من يزورها؟. فكانت الأسرة تعيش في رعب مستمر.

وذات مرة قدم إلى ألأسرة اثنان من غير أهل المدينة حضرا لأداء واجب الزيارة والاطمئنان على الأسرة.

وكانت الزوجة تعرف من قبل هذه الأسماء – ولكنها لم يسبق لها أن رأتهما رأي العين – وحين استراح في حجرة الجلوس .. دخلت عليهما وبعد لحظات .. قالت لهما: لا تؤاخذاني – فأنا أعرف الأسماء من قبل ولكني أريد أن أطمئن بنفسي – وأرجو أن تقدما لي البطاقات الشخصية، وكانت مفاجأة غير متوقعة، وقاما بتقديم البطاقات، ولما أطمأنت تحدثا معها بكل ما في نفسيهما.

وقد أعجبا بشجاعتها وأثنيا على تصرفها .. ولكن بعضاً من الآخرين لم يعجبهم هذا التصرف، فهم لا يعيشوا تلك الظروف التي تعيش فيها الأسرة وصدق الله العظيم (وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ) (النساء: 102).

عبد البديع صقر

ترجع صلة عبد البديع صقر – رحمه الله – بالإخوان المسلمين إلى سنة 1936 ، حيث التقى بالإمام الشهيد حسن البنا – عليه رحمة الله – في القاهرة، ومنذ ذلك التاريخ وهو ابن هذه الدعوة المباركة البار، جعل حياته كلها في خدمة الدعوة، يعيش بها في كل مكان يذهب إليه، ويدعو لها في كل تجمع يجده، لا يغيره النعيم الذي أصابه، ولم تبدله المحن التي لحقت به، عبر هذه السنين الطويلة، حتى لقى الله عز وجل.

يحدث عبد البديع – رحمه الله – عن بداية صلته بالإخوان فيقول: لقد نشأت في قرية بني عياض مركز أبو كبير بالشرقية، وفي سنة 1935 م حصلت على شهادة (البكالوريا) ولم أجد وظيفة، فاشتغلت عاملاً في أحد المحال التجارية.

كنا نشتري البن المطحون من محل الشيخ/ سيد أحمد عبد الكريم، ونشأت بيني وبينه مودة خاصة – إذ كان كل منا يفرح بلقاء الآخر دون سبب ظاهر.

ذات يوم أعطاني رسالة "نحو النور" وقال: إقرأها وإرجع إلى غداً، فلما رجعت إليه أمسك بيدي وقال: "هل تؤاخيني في الله؟ " قلتك "نعم" قال: "إن كان أعجبك هذا فاتصل بجامعة الإخوان، ومقرهم بالقاهرة عمارة الأوقاف، بميدان العتبة الخضراء" ، وعاد ينشغل "بالزبائن".

تركت العمل بفاقوس ( ) وذهبت بعد شهور أبحث عن عمل في القاهرة، وكان ذلك في سنة 1936 م وانتهيت إلى ميدان العتبة، ووقعت عيني على اللافتة، فدخلت الدار، ووجدتها غاصة بالناس، وهناك "أفندي" ربعة يلبس معطفاً طويلاً، وطربوشاً "نازلاً" وله لحية سوداء يخطب في الحاضرين.

وما زلت أذكر من تلك الخطبة قوله – رحمه الله - : " لقد نجح المستعمرون في تثنيت الفصل بين الدين والدنيا، وهو أمر إذا صح في دينه فلا يصح في ديننا، فلماذا يكون رجل الدين بعيداً عن السياسة، ورجل السياسة بعيداً عن الدين؟!" ثم ما هي السياسة ؟! أليست هي التعليم والتربية وتوزيع الأرزاق وتوفير الأمن والعدل للأمة في الداخل والخارج؟ ، إذا كانت الوزارات تمثل السياسة فقد تجد اختصاص ست وزارات داخلاً في قوله تعالى: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ) (النحل: 90).

فإن كانت السياسة هي ما تقدم، فهي جزء من دين الإسلام وإن كانت السياسة هي الحزبية وما تجره على الأمة من صراع وتفرقة، فهي ليست من الإسلام، لقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) (الأنعام: 159) ولأول مرة وجدت جماعة لا يعبرون عن إعجابهم بالتصفيق، وإنما بقولهم جميعاً "الله أكبر ولله الحمد " ، إنه شئ يهز جوانب القلب المؤمن .. وانتهى الاجتماع، وانصرف بعض الحاضرين، وأقيمت الصلاة، وصليت معهم، فأحسست أن هذا الشيخ يقرأ القرآن بطريقة عجيبة، إن الوقفات التي يقف عليها تعتبر تفسيراً للقرآن الكريم أثناء التلاوة، كقوله تعالى: (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ - نَّبْتَلِيهِ - ) فتشعر أن كلمة (نَّبْتَلِيهِ) فيها سر الوجود.

وبعد ذلك عقدت جلسة خاصة للتعارف، أدخلت نفسي فيها، فقد نسيت نفسي وعنوان منزل صديقي، وأصبحت في القاهرة (ضائعاً) تقريباً. إنني قصير القامة وكنت خفيف الجسم، قلما تقع عليّ العين .. لكن الشيخ أدار عينه في الجالسين، ثم قال: " يا صالح خَلِّ الأخ الجديد الذي بجوارك يحضر و يجلس عندي " وفجأة وجدت نفسي في صدر المجلس، وكلفني بالتحدث إلى الإخوان، وقصصت عليهم القصة، وشعرت أنه بلغ بهم التأثر، وقال المرشد معقباً: " انظروا كيف يعيش الأخ بدعوته في تجارته ونومه ويقظته؟ " ثم ضرب مثلاً بسيدنا يوسف الذي رافقته دعوته في السجن، ثم أصبحت خلاصاً لمصر كلها من الضلال والجوع، ثم قال: " من يضيف هذا الأخ؟ " فارتفعت أيد كثيرة، فقال: اذهب مع حسن صادق وإخوانه.

ذهبت مع ثلاثة من الطلبة الجامعيين، ودخلنا بيتاً نظيفاً في المنيرة ( ) ، قدموا طعاماً فأكلنا، ونمت نوماً متقطعاً، بعد ساعة لاحظت أحدهم قام في الليل فتوضأ وشرع يصلي ثم عاد لفراشه، وقام غيره يصلي وسمعته يبكي في الصلاة وعندما حانت صلاة الصبح قم أحدهم فأذن بصوت هادئ وصلينا، ثم جلسنا نقرأ ورداً واستغفارات إلى أن أشرقت الشمس فأعادني أحدهم لدار الإخوان قائلاً: " نحن ذاهبون لأعمالنا الآن .. وقد تآخينا معك في الله فلا تقطعنا " وأعطاني العنوان. جلست أفكر في هذا النوع الجديد من شباب مصر، لأول مرة أري أساتذة وطلبة جامعيين يبكون من تلاوة القرآن، ويتطوعون بمؤاخاة مثلي وأنا في أشد الحاجة للمواساة. أخذت مجموعة من رسائل الإخوان المسلمين ورجعت إلى الريف إذ لم أجد عملاً في القاهرة " ( ).

تلك كانت بداية صلة عبد البديع صقر – رحمه الله – بالإخوان، وقدّر الله أن يصاحب الغمام الشهيد حسن البنا اثني عشر عاماً، تعلم فيها من الإمام البنا الكثير والكثير، الذي أثر في حياته وتفكيره وسلوكه.

كَتَبَ – رحمه الله – أنه عمل بمدينة الصالحية، وأنه نشأ هناك مع بعض إخوانه شعبة، ودعا المرشد – رحمه الله – لافتتاحها، فلبى المرشد هذه الدعوة رغم كثرة مشاغله، وفي الموعد المضروب لهم، خرج أهل الصالحية إلى محطة السكة الحديد لاستقباله، وهم وقوف في انتظار القطار فوجئ عبد البديع بمن يحمل له برقية باسمه، فلما فضها، إذ فيها: " سيتأخر القطار ربع ساعة بالزقازيق فصبراً.. أخوك: حسن البنا " فعجب عبد البديع ومن معه لهذا الخلق الرفيع: رجل يعتذر نيابة عن القطار.

وعمل عبد البديع – رحمه الله – بعد ذلك في وظيفة " معاون الدار " في المركز العام للإخوان المسلمين بالقاهرة، وكان يقوم على خدمة المرشد بنفسه أحياناً، وذات مساء كان المرشد – رحمه الله – متوجهاً لمقابلة أمين عام جامعة الدول العربية: عبد الرحمن عزام (باشا)، فقال له عبد البديع: " إن في عباءتك البيضاء بقعة " فقال المرشد على الفور: " بقعة خير من رقعة ، لقد كانت في ثياب مشايخنا ومن هم أكبر منا أكثر من رقعة ". وقال له عبد البديع يوماً: " ألا أكوي لك البنطلون؟ " فقال المرشد مبتسماً: " إما الحرص على خط المكواة وإما الحرص على الطمأنينة في السجود ".

وذات يوم كان يسير مع المرشد – رحمهما الله – في " سكة راتب باشا " فمال الإمام حسن البنا على تاجر البطيخ، وطلب واحد وقال: كم تريد؟ فقال: خمسة عشر قرشاً، فدفعها على الفور، فقال له: يا فضيلة الأستاذ .. هذا الرجل غشاش .. إنها بعشرة قروش فقط " فنظر إليه مبتسماً وقال: " والدعوة .... أليس لها ثمن؟ ".

ورتب فريق الكشافة بشعبة القلعة رحلة مبيت بجبل المقطم ودعوا إليها المرشد – وكان موعد التحرك بعد درس الثلاثاء، الذي كان الجميع يحرصون عليه – وصعدوا جميعاً الجبل، وكان فيهم عبد البديع صقر – رحمه الله – فلما وصلوا إلى المعسكر كانوا في غاية الجوع، لأنهم قطعوا المسافة مشياً على الأقدام، وبدأ الطبيخ في منتصف الليل، فلقد كان من المفروض أن يكون العشاء " عدساً " والمشروب " حلبة " ، لكن المكلفين بإعداد الطعام أخطأوا، فلم يميزوا بين القراطيس التي فيها المواد في الظلام، ووضعوا الحلبة مع العدس في القدور، وعند تقديم الطعام وجدوه مراً لا يطاق، وارتفعت صيحات الاحتجاج على " هذه الفوضى " ولكن المرشد – رحمه الله – حسم النزاع بأن طالب الجميع باختيار اسم لهذه الطبخة ، وأخيراص نحتوا لها اسماً من الحلبة والعدس، فسموها " حلابسه " وتحول الاحتجاج والتذمر إلى مرح وسرور .. وأكلوها !!

وكان مرة مع المرشد العام في زيارة لعمدة كفر (أبو كبير)، وكان رجلاً ثرياً درس في إنجلترا، وقدم القهوة في فناجين زجاجية لها قواعد (تلبيسات) من الذهب .. ونظر الجميع إلى المرشد ليروا ما يفعل .. وبكل بساطة الداعية الخبير بنفوس المدعوين، رأوه اقتلع الفنجان الزجاجي من تلبيسته الذهب، وشرب، دون أن يقطع حديثه عن مضيفه، ودون أن يُشعر بذلك أحداً من الجلوس.

وكان عبد البديع كثيراً ما يجتمع مع أضرابه وإخوانه في بيت الإمام حسن البنا – عليه رحمة الله – لتدارس بعض الكتب في التفسير والسلوك، ككتاب إحياء علوم الدين مثلاً، وكانوا حدود الأربعين من الأشخاص، فيدركهم الجوع، فيطعمهم جميعاً طعاماً بسيطاً " على ما قسم الله " وأحياناً ينسى الإمام أن يجهز لهم شيئاً فيقول: " اذهبوا إلى المطبخ فكلوا ما وجدتم أو اصبروا " فكانوا في نشوة الفرح باللقاء، والمشغلة بالعلم النافع لا يقيمون وزناً لهذه الاعتبارات، ويتقاسمون الرغيف اليابس وهم في غاية السعادة.

سمعت من بعض من أثق بهم، أن عبد البديع – رحمه الله – كأي شاب متحمس للإسلام، كان يغير المنكر بيده ، عملاً بحديث رسول الله  : " من رأي منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان " (رواه مسلم والترمذي وابن ماجه والنسائي)

والمصريون شعب محب للزينة، ويكثرون من تزيين بيوتهم ومنازلهم بالتماثيل النحاسية والفضية والبرونزية، ومن الخشب المنحوت، أو الجبص المصبوب. وأغلب هذه التماثيل لفراعنة: تمثال لرمسيس، رأس نفرتيتي، رأس لكليوباترا ... إلخ.

فكان عبد البديع – رحمه الله – إذا دخل بيتاً ووجد فيه تمثال من هذه التماثيل، كسره أو رماه أو شوه وجهه دون موافقة صاحب البيت، وقد يكون صاحب البيت حديث عهد بالإخوان أو بالدعوة، فيصيبهم نفور من عبد البديع، وكثرت الشكوى من تصرفه هذا، وبلغت الإمام الشهيد حسن البنا – رحمه الله – فقال لعبد البديع: لا نريد منك أن تحطن أصنام الناس، ولكننا نريدك أن تجعلهم يحطمونها بأيديهم !! وهكذا رسم له طريق الدعوة الصحيح، وبيَّن له المهمة الأساسية للداعية.

وحدثني – رحمه الله – أنه عندما كان يعمل معاوناً في الدار، كانوا يدعون الناس لحفلة شاي، فيجتمع ما لا يقل عن مائة من الناس، ويقدمون لهم الشاي، ويقوم الإخوان على خدمتهم، ثم يخطب فيهم الإمام شارحاً لهم دعوة الإخوان، مبيناً أهمية الترابط والـتآخي، فيخرج الجمع وقد تأثر بالدعوة عدد لا بأس به، والحفلة لم تكلف أكثر من جنيه واحد، بفضل جهود وتعاون الإخوان.

حدث أن أحد الضباط الذين يعملون في المباحث مَنَّ الله عليه بالهداية، وأصبح من الإخوان، فحدثهم عن واقعة حدثت معه قبل أن يهتدي. قال: كنا نرسل بعض المخبرين للتجسس على الإخوان، إلا أننا لا نلبث أن نفقد الثقة فيهم لإحساسنا بتحولهم وتبدلهم لاحتكاكهم بالإخوان، حتى أعيانا الأمر، فاخترنا رجلاً شريراً وقلنا هذا يستعصى على الكسر.

ومضت الأيام، وبعد أسبوع واحد فقط جاء هذا المخبر يطلب نقله من عند الإخوان قائلاً: " ودوني عند الشيوعيين، عند اليهود، عند الكفرة .. أما ولاد (....) دُول .... لأ " فعجبت مرة وسألته لماذا؟ قال: " كل ليلة يقومون ويصلون، وشيخهم يقرأ القرآن لهم .. الركعة تيجي ساعة .. مَعنْتِشْ قادر أصلب طولي ... "

شهادة سعادة اللواء أحمد فؤاد باشا قائد عام حملة فلسطين

س: نريد أن نعرف رأي سعادتكم بصفتكم قائداً عاماً لحملة فلسطين عن موقف الإخوان المتطوعين في الحرب وفي ميدانها؟

ج: كانوا جنوداً أبطالاً أدوا واجبهم على أحسن ما يكون.

س: هل يسمح الباشا أن يذكر لنا وقائع معينة تدل على البطولة؟

ج: نعم، سمعت بعد وصولي لرئاسة القوات في قلم المخابرات العسكرية أن اليهود يبحثون دائماً عن مواقع الإخوان ليتجنبوها في هجومهم، فبحثت عن حالتهم من الناحية الفنية، وأمرت بتمرينهم أسوة بالجنود ودخلوا مدارس التدريب، ,اصبح يمكن الاعتماد عليهم في كثير من الأحوال التي تستدعي بطولة خاصة، مثلاً: أرسلتهم من دير البلح إلى ما يقرب من 100 كيلو إلى الجنوب لملاقاة الهجوم الإسرائيلي على العريش فاستبسلوا وأدوا واجبهم تماماً، واشتركوا أيضاً في حملة للدفاع عن موقع 86 في دير البلح وأعطيتهم واجباً من الواجبات الخطيرة فكانوا في كل مرة يقومون بأعمالهم ببطولة استحقوا من أجلها أن أكتب لرياسة مصر أطلب لهم مكافأة بنياشين، وذكرت بعضهم للشجاعة في الميدان، وبعضهم ذكر اسمه في الأوامر العسكرية، واتصلت بالحكومة في ذلك الوقت وطلبت منها مساعدة هؤلاء بأن يعطوهم أعمالاً عندما يعودون ويعاونوا أسرهم والحكومة ردت ووافقت وأرسلت تأخذ معلومات عنهم وكان هذا تكريم الحكومة لهم.

س: هل نفذت الحكومة هذا الوعد؟

ج: ما اعرفش ولكن عندما طلبت مني اعتقالهم رفضْتُ ووضعْتُهُمْ تحت حراستي الخاصة.

س: في أي تاريخ أرسل الباشا الإخوان ليحموا العريش؟

ج: في المدة من 26 ديسمبر إلى 30 ديسمبر 1948.

س: أمر حل الإخوان صدر 8 ديسمبر وتقرر سعادتكم أنكم أرسلتم هؤلاء المتطوعين في 26 ديسمبر إلى 30 ديسمبر سنة 1948، فماذا كانت الروح المعنوية بعد أمر الحل؟

ج: أنا جاوبت على كده وقلت إنهم قاتلوا ببسالة ولم يؤثر قرار الحل على روحهم المعنوية.

س: ما هو الدور الخطير الذي قام به المتطوعون في دير البلح؟

ج: قلت إنهم قاتلوا قتالاً مجيداً وعندما رأيت الخطر في المعركة اعتمدت عليهم، فقدمت المتطوعين من الإخوان لأنهم أحسن ما لَديَّ من الجنود.

س: حين صدر أمر الحل للجماعة هل أخطرت به من القاهرة؟

ج: كل الناس عرفت ولم يكن هناك سبب لإخطار خاص، وأنا عرفت من الرئاسة بالتليفون ومن الجرائد. س: ما هي الشروط الواجبة في رجل العصابات؟

ج: يكون فدائياً وعلى بطولة كاملة وإلمام ببعض العمليات العسكرية كنسف الطريق ووضع ألغام في طرق العربات – مهاجمة – كمين ... إلخ.

س: هل زرتم معسكر الإخوان المسلمين بفلسطين؟

ج: أنا أعطيتهم أسلحة لمقابلة العدو وذلك تكملة لسلاحهم.

س: وكيف وقع اعتقالهم؟

ج: لسبب من عملهم أنفسهم، وحتى لا يساء فهم ذلك، أقول إنهم طلبوا مني بعد أن أبلغتهم حادث المرشد لإقامة حفلة تأبين للأستاذ حسن البنا، فأنا قلت إنني لم أعمل حفلة تأبين النقراشي وأنا هنا جندي ولا أسمح أن يشتغل بالسياسة، فثاروا لهذا فأنا وضعتهم في شبه معتقل، وعوملوا معاملة كريمة لأنني أعتبرهم زملاء ميدان.

شهادة سعادة اللواء أحمد على المواوي بك قائد عام حملة فلسطين:

س: عند دخول الجيوش النظامية أرض فلسطين بقيادتكم: هل كان يقاتل فيها متطوعون من الإخوان المسلمين؟

ج: نعم لأنهم سبقوا بدخولهم القوات النظامية.

س: من كان من المتطوعين في معسكر البريج؟

ج: كان فيه المتطوعون من الإخوان المسلمين.

س: هل استعان الجيش النظامي بالإخوان المسلمين في بعض العمليات الحربية أثناء الحرب كطلائع ودوريات وما إلى ذلك؟

ج: نعم استعنا بالإخوان المسلمين واستخدمناهم كقوة حقيقة تعمل على جانبنا الأيمن في الناحية الشرقية، وقد اشترك هؤلاء المتطوعون من الإخوان في كثير من المواقع أثناء الحرب في فلسطين، وبالطبع أننا ننتفع بمثل هؤلاء في مثل هذه الظروف.

س: ما مدى الروح المعنوية بين الإخوان المسلمين؟

ج: الواقع أن كل المتطوعين من الإخوان وغيرهم كانت روحهم المعنوية قوية جداً وقوية للغاية.

س: هل قام المتطوعون بعمليات نسف في صحراء النقب لطرق المواصلات وأنابيب المياه لفصل المستعمرات الصهيونية؟

ج: نعم وأذكر بالنسبة لروحهم المعنوية أنهم كانوا يطلبون دائماً ألغاماً للنسف وكانت في هذا الوقت الألغام متعذرة واذكر أن هؤلاء الإخوان كانوا يقومون بدوريات ليلية يصلون فيها إلى النطاق الخارجي للمستعمرات اليهودية، وينزعون من تحت الأسلاك الشائكة الألغام التي يبثها اليهود وسط الأسلاك ويستعملونها في تلغيم الطرق الموصِّلة إلى المستعمرات اليهودية، وقد نتج من جراء هذه الأعمال خسائر لليهود، وتقدم لي من جرائها مراقبو الهدنة يشتكون من هذه الأعمال التي كانت تعمل في وقت الهدنة.

س: وهل لم يكن عندكم ألغام؟

ج: معروف أن الجيش لم يكن عنده معدات كافية.

س: هل كلفتم المتطوعين بعمل عسكري خاص عند مهاجمتكم العسلوج؟

ج: نعم العسلوج هذه بلدة تقع على الطريق الشرقي واستولى عليها اليهود أول يوم هدنة، ولهذا البلد أهمية كبيرة جداً بالنسبة لخطوط المواصلات، وكانت رئاسة الجيش تهتم كل الاهتمام باسترجاع هذا البلد، حتى أن رئيس هيئة أركان الحرب أرسل إلىَّ إشارة هامة يقول فيها: لابد من استرجاع هذا البلد بالهجوم عليها من كلا الطرفين من الجانبين، فكلفت المرحوم [أحمد عبد العزيز بك]] بإرسال قوة من الشرق من المتطوعين وكانت صغيرة بقيادة ملازم وأرسلت قوة كبيرة من الغرب تعاونها جميع الأسلحة ولكنَّ القوة الصغيرة هي التي تمكنت من دخول القرية والاستيلاء عليها.

س: وكيف تغلبت القوة الصغيرة؟

ج: القوة الكبيرة كانت من الرديف وضعفت روحهم المعنوية، وبالرغم من وجود مدير العمليات الحربية فيها، إلا أن المسألة ليست مسألة ضباط، المسألة مسألة روح، إذا كانت الروح طبية يمكن للضابط أن يعمل شيئاً، لابد من وجود روح معنوية.

س: ما هي الشروط الواجب توافرها في رجل العصابات؟

ج: الواقع أن حرب العصابات والتدريب عليها يعتبر من أنواع التدريب الراقي والعالي الذي يجب أن يكون عليه كل جندي، والذين يقومون بهذه الأعمال يجب أن يكونوا أذكياء جداً ويشترط فيهم الجرأة وسرعة الاعتماد على أي قائد صغير أو كبير، والعمليات التي يقوم بها الكوماندوز لا تعمل في وضح النهار، وفي حالة تساوي الطرفين لا توجد وسيلة إلا الاشتغال بالليل وبطريق التسلل وعلى كل فرد أن يعتمد على نفسه والكوماندوز فكرة حديثة استخدمت في الحرب.

س: ما هي الخواص الفنية في الدراسات الواجبة لرجل حرب العصابات؟

ج: غير الشروط التي ذكرتها يجب أن يكون الشخص ماهراً جداً في استخدام السلاح، ويجب أن يكون ماهراً في استخدام الأرض ودراسة طبيعة الأرض، ويجب أن يشتغل مثل الحيوان المفترس، وهي المهارة في الميدان، ويجب أن يلم بقراءة الخرائط ويتعود على أعمال الكشافة، إلى جانب هذا لازم يعرف السابحة وتسلق الأشجار.

س: هل وجد في الجيش كوماندوز؟

ج: نعم يوجد والفكرة موجودة، وقبل خروجي كنت جمعت النواة لهذه العملية والجيش فيه حاجة قريبة من كده وهي الدوريات التي تعمل للاستكشاف.

س: هل تعرف عدد المتطوعين من الإخوان؟

ج: بلغ عدد المتطوعين من الإخوان وغيرهم عشرة آلاف.

س: هل تعلم أن متطوعي مصر معظمهم من الإخوان؟

ج: أنا أعرف أن الإخوان كانوا أكثر من الفئات الأخرى.

س: وإلى أي تاريخ استمر دخول المتطوعين إلى فلسطين؟

ج: أنا لم أظل في الجيش لغاية آخر الحرب، وإنما رجعت في نوفمبر سنة 1948، وأنا أرجعت الليبيين لأنهم لم يكن لهم فائدة بالمرة.

س: هل كان للمتطوعين أسلحة خاصة أم كانوا يستوردون أسلحة من الجيش؟

ج: كانوا يحضرونها بمعرفتهم وأثناء الحرب كنت أعطيهم بعض الأسلحة والذخيرة كانت تنتهي، فكنت أمولهم بالذخيرة وأذكر أنه طلب مني قائد غزة أن أعطيهم مدافع هاون فأمرت بإعطائهم.

س: بعد 15 مايو إلى نوفمبر ألم يدخل متطوعون جدد؟

ج: أذكر لما ابتدأت أتقدم للشمال كان فيه الكتيبة السابعة وأنا سحبت هذه الكتيبة وحل محلها متطوعون في العريش وكان ذلك بعد 15 مايو.

س: هل كان من الجائز أن ترد أسلحة إلى المتطوعين عن غير طريق سلاح الحدود أو العريش؟ ج: لا .. غير ممكن.

س: ألا يذكر حضرة الشاهد أنواع الأسلحة التي يستعملها الفدائيون المتطوعون؟

ج: البدقية والرشاشات الخفيفة تومي أو الهاونات والمورتر.

س: هل كان بين هذه الأنواع القنابل اليدوية؟

ج: أيوه.

وقفة لازمة

الاستدلال على أن قرار حل الإخوان المسلمين والعمل على إبادتهم كان قراراً صهيونياً مائة في المائة من واقع أقوال الشهود العظام سماحة مفتي فلسطين، وسعادة أحمد فؤاد صادق باشا، وسعادة أحمد علي المواوي بك.

لابد للقارئ وهو يقرأ هذه الشهادات الثلاث الصادرة أولها من شخصية سياسية عالمية لها في بلدها فلسطين مركز القيادة العليا، ولها في العالم أرفع الأدوار وأكثرها حساسية، فالكل يعرف أن سماحة مفتي فلسطين بعد أن قاتل الإنجليز قتالاً مريراً ليمنعهم من تنفيذ ما عزموا عليه لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين بالقوة المسلحة، انضم إلى عدوهم الأول هتلر يستعين به عليهم، لأن عدو عدوي صديقي كما يقولون، وهذا السلوك لا يكون إلا من رجل على درجة عالية من الفقه والمكانة في السياسة الدولية، ملم بالكثير من أسرارها، أما الثانية والثالثة فهي شهادات أعلى رؤوس عسكرية في الحملة المصرية على فلسطين منذ بدأت الحرب وحتى نهايتها.

أقول لابد للقارئ أن يقف طويلاً ويتأمل هذه الشهادات الصادرة من علية المسئولين سياسياً وعسكرياً عن قضية فلسطين ليدرك:

أن جماعة الإخوان المسلمين قدموا آلافاً من المتطوعين الذين أعدهم النظام الخاص إلى المعركة على أرض فلسطين بكامل اسلحتهم، بشهادة سعادة اللواء أحمد المواوي بك إذ قال: إنهم يمثلون أكثرية المتطوعين البالغ عددهم عشرة آلاف في الجبهة الجنوبية، وهذا يعني أن متطوعي الإخوان في الجبهة الجنوبية وحدها زاد على خمسة آلاف يقيناً لا ظناً، أما الصاغ محمود لبيب بك فقد قال في شهادته: إن متطوعي الإخوان المسلمين كانوا يمثلون 90% من مجموع المتطوعين أي أنه بلغ في الجبهة الجنوبية وحدها 9000 متطوع، وأن مجموع المتطوعين من باقي الهيئات كان ألف متطوع.

الأستاذ أحمد حسين ينجو من موت محقق في معسكر الإخوان

زارنا الأستاذ أحمد حسين رئيس حزب مصر الفتاة، وجلس معنا في خيمة القادة كان معنا الأخ السيد سابق.

ومن لطف الله بنا جميعاً أثناء هذه الزيارة أن كان فضيلة الشيخ السيد سابق ممسكاً: "مسدس طاحونة" يشرح للاستاذ أحمد حسين رئيس حزب مصر الفتاة، وكانت الماسورة موجهة إلى رأسه، يقيناً من خلو المسدس من الطلقات، وإذا بنا نحس عندما ضغط الشيخ على الزناد ليدير طاحونة المسدس أن بها رصاصة كادت تنطلق إلى رأس الأستاذ أحمد حسين فتقضي عليه وهو بيننا في خيمة القيادة، وحينئذ لم يكن في الإمكان لأي بيان أو منطق أن يبرئنا من قتله عدماً في خيمة القيادة، خاصة أن هجومه العلني على الإخوان قبل ذلك يمكن أن يفسر دافعاً لمثل هذه الجريمة.

ولكن لطف الله الكبير أبى إلا أن تكذب هذه الرصاصة فلا تنطلق، فنجا الأستاذ أحمد حسين من موت محقق، ونجونا جميعاً من تهمة لو وجهت إلينا لحملتنا أوزاراً لا قبل لأحد منَّا بتحملها ولا أمل في النجاة منها بحال من الأحوال، رغم براءتنا التامة من مثل هذا الحدث العفوي.

تجرد الصادقين

بعد أن قامت حركة 23 يوليو 1952 .. وتعايشت مع جماعة الإخوان فترة من الزمن – اكتشف الإمام الهضيبي أسلوب الخداع والمماطلة والتحفز لضرب الجماعة حين يستقر بالثورة المقام وتقبض على زمام الأمور. وقد حرض جمال عبد الناصر بعض العناصر من الشباب وقدامى الإخوان ليتحرشوا بالإمام الهضيبي، فاصطنعوا بعض الأسباب المثيرة ليجعلوها فتنة تقضي على الجماعة.

من ذلك حادث اغتيال "الشهيد سيد فايز" وغيرها مثل اقتحام منزل فضيلة المرشد لإرغامه على الاستقالة ..

والخطاب المرفق هو رسالة من الأستاذ المرشد .. يصور الحالة التي كانت سائدة في محيط الدعوة من القلق والفتن، وما كان يحيط بالأستاذ المرشد من مؤامرات متصلة يصدرها رجال عبد الناصر بهدف إشعال الجماعة وإشعال الفتنة بي صفوفها.

والخطاب نموذج لما كان يتحلى به قائد الجماعة من اسمى الأخلاق وفي أعلاها التجرد والإخلاص والثبات. حضرة الأخ الفاضل عمر بهاء الأميري

السلام عليكم ورحمة الله وبعد .. فرداً على خطابكم أقول إن اختصاص اللجنة التي شكلتها الهيئة التأسيسية يتبقى أن يتجه إلى السعي لمعرفة شكوى الشاكين وتذمر المتذمرين ومم يشكون ومم يتذمرون. فإذا كانت هناك وقائع أو عيب في سير الدعوة فأنا مستعد لأن أعهد إليهم بسد النقص.

وإن كان النقص في شخصي فنبئهم عني بأني مستعد لأن تضعني الجماعة في الصف الذي يليق بي ولو كنت بوابا في دار الإخوان المسلمين ولهم أن يأتوا بالشخص الذي يرتضيه الإخوان وأنا أعلم الناس بحالي ولا أدعي الكمال مطلقاً بل إني أنبأتهم بعجزي وضعفي يوم اختاروني.

والسلام عليكم ورحمة الله ...

حسن الهضيبي

مع الأخ الأستاذ عبد المعطي العوامري

في أحدث محاكمات جماعة الإخوان المسلمين في محنة 1948 قبض على الأخ الأستاذ عبد المعطي العوامري – أمين خزنة وزارة الأوقاف بالمنتزه بالإسكندرية.

قدم للمحاكمة أمام محكمة الجنايات العسكرية وكان رئيسها المستشار مختار عبد الله .. وقام بالدفاع عن الأخ عبد المعطي الأخ الأستاذ مختار عبد الحليم المحامي (رحمه الله تعالى) وفي دفاعه طلب من رئيس المحكمة أن تسمح للأستاذ عبد المعطي بزيارة لسجن ليمان طرة، حيث إنه يقدم بحثاً عن (الحياة في السجون المصرية) لينال به درجة الماجستير.

فرد عليه رئيس المحكمة وهو لا يزال ينظر القضية ولم يفصل فيها بعد فقال: (هو مستعجل ليه ما هو رايح هناك ويعمل اللي هو عايزه)!! فضج الحاضرون بالضحك.

مرضت بالذبحة الصدرية وعزمت على أداء فريضة الحج مع زوجتي .. ووصلنا المدينة المنورة مساء يوم 26 من ذي القعدة 1398 الموافق 27/10/1978.

وقبل سفري ونحن نتحرك بالسيارة من الإسكندرية إلى القاهرة، قابلني ابني معاذ الطالب بكلية التجارة جامعة الإسكندرية يومئذ، وقال لي: إنه ومجموعة من الطلاب قد جاءتهم دعوة للحج والزيارة هذا العام، فقلت له: إن الوقت ضيق جداً وسوف تغلق السعودية المطار وربما يحول ضيق الوقت دون تحقيق هذه الأمنية ولكن الله معكم.

وفي صباح يوم 28 ذي القعدة عندما طلبت مني إحدى النساء أن أحمل عنها حقيبة ثقيلة جداً إلى الدور العلوي، وحين هممت بذلك لم أستطع وعدت إلى حجرتي، وفي الحال شعرت بآلام شديدة وقد أدركت أنها ذبحة صدرية. فأسرع بي الإخوان فضيلة الشيخ محمود عيد وفضيلة الشيخ محمود فايد والأخ صلاح عبد الفتاح إلى مستشفى الملك .. حيث استقبلني الأخ الدكتور عبد الفتاح الجندي.

ودخلت حجرة العناية المركزة .. وعلمت زوجتي بما أصابني بعد أيام. ثم سافرت مع الإخوة إلى مكة المكرمة وليس معها زوجها، ونزلت من الفندق للطواف وفي حالة العودة ضلت الطريق ولم تجد بداً من الجلوس على أحد الأرصفة لعلها تعثر على أحد يعود بها إلى الفندق.

وفيما هي في هذه الدوامة من التفكير شاهدت رجلاً يشبه أحد الإخوة واسمه "الحاج عبد الله حماد" فنادت وقالت: يا عم الحاج عبد الله فتوجه إليها، فسألته: هل تعرف الحاج عباس السيسي قال: نعم وهو الآن مريض في مستشفى المدينة المنورة. فطلبت منه أن يدلها على الفندق فقام بتوصيلها.

وذات يوم وهي تطوف حول الكعبة الشريفة، إذا بها تفاجأ بابنها معاذ يستقبلها ويساعدها على الطواف فكان ذلك فضلاً من الله ونعمة.

وبعد أن عدت للإسكندرية قابلت الحاج عبد الله حماد لأشكره ولكن فاجأني بأنه لم يكن له حظ أداء فريضة الحج هذا العام!! وفي القاهرة وبغير قصد قابلني أحد الإخوة من الإخوان في صعيد مصر واسمه الحاج عبد الله – وحدثني عن قصة (توهان) زوجتي وأنه هو الذي قام بتوصيلها إلى الفندق. هذا كله من فضل الله علينا، حين نرى ونسمع آيات الله علينا، "لنثبت به فؤادك".

أفكار هابطة

في جلسة تسلية في سجن قنا مع الأخ المهندس الزراعي (.....) حدثنا فقال: خرجت لشراء طعام الغداء لأسرتي وفي الطريق قابلني صديق تجاذبت معه أطراف الحديث، وقابلنا صديقا لم نره من مدة – دعانا في إصرار لتناول طعام الغداء في منزله. فلم نجد بداً من الاستجابة له.

وذهبنا إلي بيته – فأدخلنا حجرة منفردة يتخذها محلاً لصناعته إذ كان يعمل (ترزياً أفرنجيا) – وشد ما أدهشنا تلك الصور للرجال والنساء المعلقة على الجدران – كذلك وجدنا ما يسمى (الموديل) وهو تمثال مجسم من لوازم الصنعة.

فأثارتنا هذه المناظر المخالفة للشريعة الإسلامية، وخاصة هذا الصنم المسمى بالموديل – فاتفقت مع زميلي على ضرورة إزالة هذا المنكر وتفتق ذهننا على أن نقوم بعمل ذكر على صورة وشكل ما تقوم به حلقات رجال الطرق الصوفية – حين يقفون وهم يتمايلون ذات اليمين وذات الشمال وهم يرددون (حي حي حي). وقمنا بهذا الدور وكلما تمايلنا ذات اليمين مزقنا الصور وكلما تمايلنا ذات الشمال حطمنا هذا الصنم.

كل ذلك بينما كان الرجل المسكين يعد لنا طعام الغداء – حين سمع هرجاً ومرجاً فاسرع إلى الحجرة ليجد كل شئ قد انتهى إلى دمار .. فاشتبك معهما في معركة باليد وبكل ما يستطيع وانتهت بطردهما من منزله إلى غير رجعة ..

وهكذا تصور بعض العقول القاصر عن التعبير عن أفكارهم بأفكار تؤدي إلى العبث الذي يصد عن سبيل الله ومن إدراك معنى قوله تعالى:

(وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُم ) (النحل: 125).

مع فضيلة الشيخ محمد المطراوي

سافر فضيلة الأستاذ الشيخ محمد المطراوي (عضو مجلس الشعب) رحمه الله تعالى في زيارة إلى دبي بدولة الإمارات العربية المتحدة، وتوجه للقاء إخوانه العلماء في وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، فرحبوا به ودعوه لإلقاء خطبة الجمعة في اليوم التالي بمسجد جمعية الإصلاح فوافق على ذلك.

وقبيل الصلاة توجه إلى المسجد وجلس قريباً من المنبر .. وكان خطيب المسجد الراتب هو فضيلة الأخ الدكتور مالك الشعار.

فقام متوجهاً إلى المنبر كالمعتاد، فوجد بجوار المنبر عالماً من علماء الأزهر الشريف، فوجد من اللياقة أن يدعوه إلى الخطبة فنهض الشيخ محمد المطراوي تواً وصعد إلى المنبر .. والدكتور مالك الشعار في دهشة من الأمر .. ولم يكن يعرف أن الشيخ قد كُلف بالخطبة من الأمس وكان من واجب الإخوة في الوزارة أن يخطروه بذلك.

ولكن هكذا قدر الله أن يكون.

وعلى الدعاة أن يحيطوا كل خطوات العمل بسياج من الوعي والبصيرة بحيث لا تصطدم الأمور بعضها ببعض.

دعوة لزيارة الإخوة بعد أداء فريضة الحج 1943

فيما قبل الخمسينات من هذا القرن، كان الذين يتقدمون إلى أداء فريضة الحج من المسلمين هم الذين لا يقل سنهم عن ستين عاماً، ويندر أن يؤدي هذه الفريضة أحد من الشباب – كما كان هو الحال كذلك فيمن يؤديون الصلاة – وقد كان الطريق إلى أداء هذه الفريضة شاقاً جداً حيث كانت الأغلبية من الحجاج يرتحلون على ظهور الجمال فضلاً عن خطورة الطريق لما يعترضه من عصابات وقطاع طرق.

المهم في مثل هذه الظروف شاء الله تعالى أن وفقني لأداء فريضة الحج عام 1943 وكان سني وقتئذ خمسة وعشرين عاماً ولا أبالغ إذا قلت: إنني كنت من أصغر حجاج بيت الله سناً.

وبعد عودتي دعاني أحد الإخوة إلى وليمة في بيته .. وأخبر أهله بأنه سوف يزورنا اليوم الأخ الحاج عباس السيسي .. وبالفعل لبيت الدعوة وذهبت في الموعد مع بعض الإخوة .. وكان أهل البيت يسترقون النظر كي يشاهدوا الحاج عباس السيسي هذا .. حتى انتهت الزيارة وخرجت من المنزل ولم يبق أحد فيه.

ثم إن أهل البيت لما لم يشاهدوا الحاج عباس حال قدومه – وحال انصرافه – سألوا صاحب الدعوة: هل الحاج عباس اعتذر عن الحضور؟

قال لهم: كلا، بل إنه حضر.

قالوا: وكيف لم نره؟

قال: إنه هو هذا الشاب الأسمر الذي كنت أودعه.

قالوا: شاب – وحاج !!

وكان هذا هو تصور الناس في هذا الوقت. فإذا قلت: الحاج فلان فإن الانطباع عند عامة الناس أنه لابد أن يكون شيخاً متقدماً في السن. لهذا فإنهم لم يتوقعوا أن يكون الحاج عباس شاباً.

وأعجب مفهومات المسلمين، حين يعلمون أن الحاج عباس أدى فريضة الحج، قبل ان يتزوج .. كيف ذلك قبل أن يكمل نصف دينه؟!! ولا يتنبهون إلا حين أوضح لهم أن الزواج سنة ولكن الحج فريضة؟!

أنا السيسي الأصلي

ذهبت إلى الحاج قاسم درويش تاجر الورق خلف مسجد الشيخ بشارع الميدان بالإسكندرية لأشتري منه كمية من ورق الزبدة لاستعمله في تغليف قطع الجبنة البيضاء حين وضعها في عبوات من الصفيح.

وبعد أن اشتريت الكمية ودفعت الثمن طلبت من صاحب المحل أن يعطيني فاتورة بالقيمة، وحين أمسك بالقلم سألني عن اسمي، فقلت له: اسمي عباس حسن السيسي صاحب محل صناعة الجبنة في رشيد. فتوقف الرجل عن الكتابة ورفع رأسه وهو ينظر إليَّ في غرابة، ثم قال: ومن هو الحاج عباس السيسي؟ فقلت: هو أنا!

فقال: أأنت عباس السيسي صاحب معمل الجبنة في رشيد وصديق الشيخ إبراهيم الجمال؟ قلت: نعم أنا هو.

فقال لي: لا – دا الحاج عباس السيسي راجل شهم، وضئ عليه أنوار ولونه أبيض زي اللبن الحليب ..

فقلت له: يا سيدي .. أنا كما تراني أسمر على خفيف وعندي في المعمل لبن حليب – وشكراً لك على مشاعرك النبيلة ولكن الحقيقة (أنا السيسي الأصلي).

قصة مع إبراهيم فرج وزير الخارجية

حديث مع الأستاذ إبراهيم فرج وزير خارجية حزب الوفد:

س: ألم تكن هناك مواقف أخرى هامة لأحد الإخوان المسلمين؟

قال: معي ذكرى لا تنسى .. فعندما كنا معهم في سجن القناطر وكانوا يحتلون عنبراً في الدور الثالث .. فوجئت بأحدهم وكنا في عز الشتاء ينادي عليَّ بفرج. فلما خرجت إليه فوجئت به يلقي إليَّ بـ "بلوفر صوف" وكان موقفاً لا أنساه.

س: هل تذكر لنا مثالاً لمقال فيه تجريح بشخصك؟

قال: مقال للعقاد كتبه عام 1950.

وكان سراج الدين و محمد صلاح الدين وأنا أعضاء في لجنة المفاوضات مع الإنجليز.

فقال متهكماً علينا: " سراج الدين وصلاح الدين وفرج الدين " .. ولما عاتبته عن طريق صديق رد قائلاً: " احمد ربنا إني ما قلتش زفت الطين ".

حكمة تحريم الذهب

حين خرجت من السجن في محنة 1954، وعدت إلى بلدي رشيد، اشتغلت في تجارة الألبان وصناعة الجبنة بأنواعها، وبالطبع خرجت إلى الأسواق التجارية كي أعرض بضاعتي على كبار التجار لا.. ولما كنت في أول عهدي بالمهنة وليس لي خبرة ولا اسم في السوق، كنت كلما دخلت عند أحد التجار لأعرض عليه أنزاع الجبن، أجد صداً وعدم ترحيب من أكثرهم.

وفي حالة وجودي، أجد بعض الذين يعرضون بضاعتهم مثلي، يستقبلون ويرحب بهم دوني، وأخيراً لاحظت أنهم يلبسون في أصابعهم خواتم ذهبية وساعات ذهبية، ويتقمصون زي الأغنياء.

فأدركت أن التجار يبهرون بهذه المظاهر، وقد ثبت أن بعض هؤلاء التجار يستعملون هذا الأسلوب في الترويج لبضاعتهم وقد حدث من بعضهم حوادث نصب ..

وفي تفكيري في هذا الأمر .. استنبطت معنى الحكمة في أن الله تعالى قد حرم استعمال الذهب على الرجال .. إذ بهذا المظهر الخادع ينخدع الذين لا يأخذون الأمور بالمضمون وينساقون وراء المظاهر، فلو أن الناس يتعاملون – فقط – بالأمانة ويتعاملون مع صلاحية وحسن وجودة الصنف وحده دون هذه المظاهر لأصبح الاحترام والتقدير للحق والصدق مجرداً من عوامل المظاهر والخداع. وفهمت بعمق حكمة الله تعالى في تحريم الذهب على الرجال.

رعب مستمر

بعد أن عادت زوجتي من السجن الحربي كما سبق أن ذكرت ذلك. كان فوق منزلي وصلة تليفون لمنزل مجاور لمنزلي.

وفجأة صعد إلى منزلي بعض عمال مصلحة التليفونات وكانوا يرتدون ملابس مشابهة لملابس رجال الشرطة وصعدوا المنزل بعد ما طرقوا على باب الشقة الخاصة بي ودخلوا حيث مكان الوصلة قريبة من (البلكونة) الموجودة عندي ..

وحين راتهم زوجتي وأولادي، أغمى عليهم جميعاً. فارتبك عمال المصلحة لهذا المنظر الذي تكرر مرارا – حتى حضر رجال العائلة وأفهموا العمال حقيقة الموقف فانصرفوا غير مأسوف عليهم – وأفاقت الأسرة من هذا الموقف المثير الحزين. وهكذا أورثهم دخول زوجتي السجن الخوف والفزع إلى اليوم وحسبنا الله ونعم الوكيل.

حمار من مكة إلى عرفة

عام 1943 سافرت لأول مرة إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج، وكان سفري بالباخرة إلى ميناء جدة – ثم كانت الانتقالات إلى مكة والمدينة المنورة بواسطة الجمال حيث كانت السيارات قليلة.

وحين جاء موعد الذهاب إلى (عرفة) رأيت مع زملائي أن نذهب إليها سيراً على الأقدام لقربها من مكة المكرمة.

وفي الطريق .. إلى عرفة (اتْلَوَحِتْ) رجلي اليمين و(تورمت) فاستأجروا لي حماراً هزيلاً جداً حتى أواصل به الرحلة. فلما ركبت الحمار كانت قدماي تكاد تمشي على الأرض.

فنادى عليّ أحد الأخوة قائلاً:

إيه الحكاية؟

فقلت له: الحكاية (إن الحمار أصبح بست أرجل)!!

للذكرى والعبرة

في حديث الثلاثاء في مسجد الخلفاء الراشدين الشيخ الدكتور سليمان ربيع – رحمه الله – عميد كلية اللغة العربية بالقاهرة، فقال: إنه جاءه ذات يوم ضابط كبير ومعه زوجته وقد وقع بينهما خلاف؛ فالضابط يطلب من زوجته أن تقوم بعمل عملية جراحية حتى يتوقف النسل بينهما حيث أن لهما خمسة أولاد ويريد هو الاكتفاء بذلك.

فطلبت منه زوجته أيضاً أن يقوم هو بعمل عملية أيضاً مثلها حتى لا يفكر في الزواج بعدها.

وعبثاً حول الشيخ سليمان ربيع أن يقنعهما بخطأ هذا التفكير وهذا التصرف ولكن دون جدوى وانصرافاً ..

وبعد سنة أو يزيد قبل الشيخ سليمان ربيع هذا الضابط في صورة جديدة حيث وجده ملتحياً وفي صورة المتصوفين. فلما رآهم الضابط أقبل عليه وبعد السؤال والسلام، قص على الشيخ ربيع قصته فقال: إنه قام هو وزوجته بعمل عمليات للامتناع عن الإنجاب نهائياً، وبعد ذلك بمدة مرض أحد أولاده ثم مات واتبعه شقيقه ثم مات حتى مات الخمسة جميعاً !!

حزب التحرير الإسلامي

حدثني الأخ الكبير عبد الرحمن خليفة المراقب العام للإخوان المسلمين بالأردن عن قصة تكوين حزب التحرير الإسلامي برئاسة الشيخ النبهاني فقال:

كان الشيخ تقي الدين النبهاني، أحد جماعة الإخوان بالأردن وبقى مع الإخوان يلازمهم فترة من الزمن .. وبعد ذلك بدأ الإخوان يسمعون من بعض الشباب أفكاراً جديدة تخالف فهم وفكر جماعة الإخوان.

وعلموا أن مصدر هذه الأفكار هو الشيخ تقي الدين النبهاني الذي يعيش مع الإخوان كواحد منهم، وقد تبين للإخوان أن الشيخ يختلي ببعض الشباب بعيداً عن أعين قيادة الإخوان ويلقنهم هذه المفاهيم. وبعد ان تأكدوا من ذلك كون الإخوان وفداً على رأسه رئيس الإخوان في الأردن يومئذ المرحوم الحاج عبد اللطيف أبو قورة ومعه الأستاذ الدكتور سعيد رمضان وسافرا إلى الشيخ تقي الدين حيث كان في القدس الشريف، وصارحوه بما سمعوا عنه من الشباب الذين قالوا إنهم سمعوا من الشيخ أنه يريد تأليف حزب إسلامي جديد، فقالوا له: ولماذا لا يكون الإخوان هم هذا الحزب الذي تريد؟ فقال الشيخ لهم: إن الإخوان مثل تفاحة رائحتها جميلة ولكنها قد (تعطبت) ولما كشف الإخوان للشيخ هذه الحقائق التي يقولها للشباب من خلف الجماعة .. فوجئ الشيخ بذلك.

وقال: والله في الحقيقة أنا أسعى لتكوين حزب إسلامي. فقالوا له: هكذا كان يجب أن تصارحنا وجهاً لوجه ولا داعي للعمل من الخلف، ومن داخل جماعة الإخوان، إنه أمر لا يليق بك وتركوه وانصرفوا. وتلك هي حقيقة تكوين حزب التحرير.

رب ضارة نافعة

كان ذلك عام 1963 حين مرضت ابنتي باحتباس في البول وذهبت بها إلى طبيب أخصائي بإسكندرية وبعد كشف أعطاني روشتة دواء، وفي حالة عودتي إلى رشيد بالتاكسي وعند نقطة المرور قبل دخول المدينة، اعترض طريق السيارة شاويش المرور وكان أسود شديد السواد !! وطلب من السائق أن يأخذه معه إلى رشيد، وحال دخوله السيارة نظرت إليه ابنتي فأصابها الخوف والرعب. وفي هذه اللحظة الذي انتابها هذا الشعور، أحسست بالبول المتدفق يغمرني وخشيت أن أنهرها فتركتها تأخذ راحتها حتى النهاية. ولكن المهم أن الله تعالى جعل من هذا الإنسان فرجاً ومخرجاً !! (البقرة: 216 ).

الاستعانة بأمن النازي

بعد أحداث فبراير 1954، والصدام العلني بين الديمقراطية والديكتاتورية، وبين اللواء محمد نجيب قائد الثورة ومن وقف معه، والبكباشي جمال عبد الناصر ومؤيديه من زملائه، والمظاهرات المفتعلة التي أطلقوها في العاصمة تطالب ببقاء حكم الثورة وسقوط خالد محيي الدين الذي لم تكن الجماهير تعرفه لأنه عضو مجلس قيادة الثورة الذي طالب بحكومة مدنية تحكم مصر، ونجاح هذه المناورة، والتكتيك المزيف الذي قاده عبد الناصر، وبعض زملائه من بينهم الصاغ صلاح نصر – قرر المجلس الحاكم تطوير جهاز المخابرات المصري بواسطة بعثة من ضباط أجهزة الأمن لدى النازي وهتلر ألمانيا، ممن تشردوا في أنحاء أوربا، وقام أكثر من ضابط بالبحث عنهم وإحضارهم سراً، وتولى صلاح نصر بصفته أحد مديري مكتب القائد العام الإشراف على مهامهم لتدريب الكوادر المصرية على تأمين الثورة وتطبيق مبدأ الولاء قبل الخبرة، وكيفية قهر القيادات والقواعد الشعبية المعارضة – في تكتم شديد – وهذه العملية من أخطر المهام التي طبقها عبد الناصر، فقد آمن من خلال ضباط النازى بضرورة ضرب الشعب حتى يتسنى له الحكم والسيطرة، وهم الذين رسموا له خطة تصفية الإخوان المسلمين من خلال حادث إطلاق الرصاص عليه في ميدان المنشية بالإسكندرية قبل نهاية 1954، أو المسرحية المرسومة دون إتقان للقبض على عشرات الآلاف من أبناء الإخوان المسلمين، وأنا أكتب هذا الكلام دون أن يكون لي أدنى ارتباط بهم. ولكن ما حدث بعد إطلاق الرصاص أثار الشعب بأكمله، فالمفروض أن يتم القبض على مديري الحادث والمحرضين عليه .. خمسة، عشرة، خمسين رجلاً، وليس الإخوان المسلمين بأكملهم..

ومن هنا قال الشعب المصري والمراقبون اليقظون: "ليس هذا بتصرف غاضب بل تخطيط للتصفية!" تماماً كما فعل "هتلر" حين أمر أعوانه بحرق البرلمان الألماني.

الصفح الجميل

حين زار الملك عبد العزيز آل سعود ملك المملكة العربية السعودية مصر عام "1945" استقبلته جوالة الإخوان المسلمون في مطار القاهرة بالمشاعل والهتافات الإسلامية مرحبين بمقدمه وحين تحدد موعد زيارته للإسكندرية .. تجمعت فرق جوالة الإخوان بالإسكندرية في ملعب "الأوليمبي" لتنظيم برنامج الاستقبال في الساعة الثامنة من صباح ذلك اليوم وفي هذا الوقت المبكر قدم من القاهرة الأخ الأستاذ سعد الدين الوليلي المراقب العام للإشراف على تنظيم الاستقبال فاستقبلته وأدت له التحية .. ثم أمرنني أن أجمع الإخوان الجوالة في طابور . فقلت له: إن الإخوان الآن يتناولون طعام الإفطار فأصر على تنفيذ الأمر !! فاستدرت خلفي فوجدت الأخ (.........) أمامي "فلطمته" قائلاً: (اجمع في الطابور) وحين شاهدني باقي الإخوة غاضباً – أسرعوا في الانتظام في الطابور .. وبعد أن أخذت التمام عدت إليه .. قائلاً: تمام يا أفندم العدد 850 من الأخوة

قال: نظمهم فصائل .. ثم قام مع الأخ حسن سالم مراقب جوالة الإسكندرية بتوزيع الإخوة على أماكن الاستقبال من محطة السكة الحديد إلى قصر الملك فاروق في رأس التين .. وبعد الانتهاء من الاستقبال الذي فاق كل تصور وكان يوماً مشهوداً لإخوان المسلمين طلب الأستاذ سعد من الأخ حسن سالم أن يأتيه بالأخ عباس ومعه الأخ (.........) الذي لطمته بغير وعي مني، في جلسة محاكمة، في نفس اليوم ووقفنا أمام الأخ سعد، الذي قال للأخ (.....) إنني رأيت عباس وهو يتعدى عليك بالضرب مما يتنافى مع أخلاقنا .. والآن أترك لك أن تقتص منه! فقال الأخ (.....) إنني قد صفحت عنه فإنه أخي الكبير فضلاً عن أنني أحبه !!

ففاضت الدموع من عيوننا وكان مشهداً مثيراً للعواطف الصادقة التي تخلصت من حظ النفس وحظ الانتقام، وتجلي هذا الموقف الرائع الكريم عن أسمى معاني الأخوة والحب في الله، الذي ترتفع فيه النفوس في فهمها العميق إلى مستوى التضحية بالنفس والمال في سبيل الدعوة الإسلامية، التي من أجلها تذوب النفوس والقلوب في ساحة الفداء.

مرحباً يا طور سيناء

حين اعتقلت مجموعات في محنة الإخوان عام 1948 وحين ضاقت المعتقلات والسجون، جهزت الحكومة معتقلاً جديداً في (جبل الطور) في سيناء شرق قناة السويس، سيق إليه مئات من شباب ورجال جماعة الإخوان.

ذات يوم قامت قوة من الشرطة في مدينة القنطرة شرق، بمهاجمة شعبة الإخوان بالمدينة للقبض على شباب الإخوان، وحين دخلت القوة على رأسها أحد السادة الضباط، تحمس الشباب وأخذوا يهتفون ويرددون نشيد المحنة الذي كانوا يحفظونه ومنه هذه الأبيات:

إن سجنا أو نفينا

لا يدب الوهن فينا

نحن بالتقوى قوينا

مرحباً يا ور سينا

وصور رجال المباحث للسيد الضابط أنه هو المقصود بـ (مرحباً يا طور سينا) وتأزم الموقف وازدادت شراسة الجنود في معاملة الشباب الذين تم القبض عليهم بشراسة – ورحلوا إلى معتقل جبل الطور وهناك أدرك الضابط أنه ليس هو المقصود.

ضرب بالنيابة

حدثني الأخ الدكتور إبراهيم الزعفراني أنه في محنة 1981 في عهد رئاسة الرئيس محمد أنور السادات، اعتقل من الإسماعيلية الأخ فضيلة الشيخ علي المزين ورُحَّل إلى سجن ليمان طرة ومعه بعض الإخوة .. وباتوا ليلتهم في زنزانة واحدة.

وقد سمعوا صراخ التعذيب الذي يقع على المعتقلين بشدة وضراوة. وقد تواصوا فيما بينهم على أنه إذا نودى عليهم بالخروج للتعذيب فسيكون أول من يخرج هو الشيخ علي المزين حيث إنه يرتدي الملابس الإسلامية لرجال الأزهر الشريف.

وهذا الزى من شأنه أن يعطي صاحبه شيئاً من الاحترام والوقار كما هو معروف في المجتمع المصري. وأخذ الشيخ يهيئ ملابسه ويضبط عمامته حتى يكون أكثر وقاراً.

وحين نودى عليهم أسرع الشيخ بالخروج من الزنزانة في كبرياء وأنفة وسرعان ما تلقفه الزبانية ضرباً بالعصى والسياط دون أدنى شفقة أو رحمة حتى أغمى عليه، وحملوه إلى (مستشفى قصر العيني).

وفي قصر العيني تعرف عليه الإخوة الأطباء بالمستشفى د. عبد المنعم أبو الفتوح ودكتور ... وقاموا بالواجب نحوه حتى استرد وعيه.

ثم نصحوه أنه سوف ينادى عليه من ضباط مباحث أمن الدولة حتى يمارسوا معه التحقيق والتعذيب، وعليه حين يسمع من ينادي عليه (علي المزين) ألا يرد السائل مهما كانت الظروف.

وفي جوف الليل سمع من ينادي عليه فاصطنع أنه نائم ولم يرد إطلاقاً، فينصرف السائل ظناً أن اسم علي المزين غير موجود، وتكرر هذا الأمر مدة عشرة أيام .. ثم نودي على بعض الأسماء من المعتقلين مع الشيخ للإفراج عنهم .. فقال له الإخوة الأطباء: الآن يمكن أن ترد .. فرد عليهم .. ثم خرج من عنبر المستشفى وانضم إلى المطلوب الإفراج عنهم .. وحين جاء الدور ليتسلم أماناته التي أودعها عند دخوله المستشفى اكتشفوا أن هناك اثنين من الإخوة باسم (علي المزين)، وحين اكتشفوا ذلك انهالوا على الشيخ المزين (الذي اختفى) ضرباً انتقاماً منه: وقد قال الأخ علي المزين الذي لم يختف للشيخ علي المزين الآخر: لقد ضربت نيابة عنك لمدة عشرة أيام؟!

يا ريت

قال لي الأخ الكبير المرحوم الحاج مبروك الهنيدي: إنه حين كان معتقلاً في السجن الحربي على إثر حادث المنشية عام 1954 دخل عليهم في الزنزانة أحد المعتقلين من أهالي الإسماعيلية فسألوه عن سبب اعتقاله فقال: كنت أجلس وسط مجموعة من الأصدقاء فدخل علينا واحد من عامة الناس وقال: هل سمعتم ما حدث؟ لقد أطلق شاب النار من مسدسه على الرئيس جمال عبد الناصر وهو يخطب في ميدان المنشية بالإسكندرية ولكنه لم يصب بسوء!

فقلت: يا ريت كان مات.

فقبض عليّ وجئ بي إلى السجن الحربي في الحال.

وقد حوكم هذا الذي كان من أهالي الإسماعيلية واسمه (فهمي) وحكم عليه بعشر سنوات مع وقف التنفيذ. وسمي هذا بتنظيم (التمني)!

الأذان

ومن طريف ما يذكر أنه بعد أن طال بنا الأمد في سجن مصر، أصبح لنا نشاط ثقافي وروحي في السجن، استفاد منه الكثيرون من ضباط السجن ونزلائه.

فقد كانت الصلاة يؤذن لها في مواعيدها بصوت رخيم، وكان من بين النزلاء ستة مسجونين إيطاليين، كما كانت صلاة الجماعة تقام في دور 6 في أوقات الظهر والعصر بانتظام بعد أن انتهت التحقيقات، وانتهت بذلك الحكمة من الحبس الانفرادي، وفتحت أبواب الزنازين للمسجونين معظم ساعات النهار.

ومن آثار هذا النشاط على المسجونين أن اعتنق الدين الإسلامي هؤلاء الطليان الستة، وقد ناقشناهم عن الدافع لهم على اعتناق هذا الدين، فقالوا: انتظام الأذان وصلاة الجماعة، فقد بلغ من شغفنا بالاستماع إلى الآذان وبخاصة وقت الفجر أننا كنا نصيخ السمع عند شراعة باب الزنزانة من قبل بدء الأذان حتى لا يفوتنا سماع كلمة أو نبرة من كلماته أو نبراته، كما كان لا يفوتنا النظر بإعجاب إلى نظام صلاة الجماعة الدقيق، فقررنا دراسة هذا الدين وساعدنا بعض الإخوان على فهم مبادئه وشرائعه، وصرنا مسلمين والحمد لله رب العالمين.

الإخوان المسلمون وحرب فلسطين 1948

حينما وضحت نيات الحكومة البريطانية في تهويد فلسطين أخذ الإخوان المسلمون يبينون للشعوب والحكومات العربية حقيقة الخطر اليهودي الذي يهدد الأمة العربية كلها.

ولقد أدرك اليهود ما ينطوي عليه نشاط الإخوان المسلمين من خطر شديد على أهدافهم فقاموا بنشر المقالات في صحف أوروبا وأمريكا ويفعمونها بالتهم الخطيرة عن الإخوان المسلمين وحقيقة خطرهم على مصالح الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، وكانوا يحاولون استعداء الحكومة الأمريكية لتقوم بعمل حاسم يستأصل هذا الخطر الإسلامي، الذي يهدد أطماع الولايات المتحدة في التهام العالم الإسلامي بعد جلاء الإنجليز والفرنسيين، والذي بات متوقعاً نتيجة لتغير موازين القوى العالمية إثر الحرب العالمية الثانية.

وليس أدل على ذلك من مقال نشرته جريدة (الصنداي ميرور) في مطلع عام 1948 ونقلته جريدة المصري القاهرية.

قالت الجريدة في مقالها: إن الإخوان المسلمين يحاولون إقناع العرب بأنهم أسمى الشعوب على وجه البسيطة، وأن الإسلام هو خير الأديان جميعاً وأفضل قانون تحيا عليه شعوب الأرض كلها.

والآن وقد أصبح الإخوان المسلمون ينادون بالاستعداد للمعركة الفاصلة التي توجه ضد التدخل المادي للولايات المتحدة الأمريكية في شئون الشرق الأوسط عن طريق إقامة دولة يهودية في فلسطين، فقد حان الوقت للشعب الأمريكي أن يعرف أي حركة هذه وأي رجال يتسترون وراء هذا الاسم الرومانتيكي الجذاب الإخوان المسلمون).

وقالت الجريدة: وهذا هو بيت القصيد .. إن اليهود في فلسطين الآن هم أعنف خصوم الإخوان المسلمين ولذلك كان اليهود الهدف الأساسي لعدوان الإخوان. وإذا كان اليهود المدافعون عن فلسطين يطالبون مجلس الأمن بإرسال قوة دولية لتنفيذ مشروع التقسيم الذي أقرته هيئة الأمم بتاريخ 29/11/1947 فإنهم لا يطالبون بذلك لأن الدولة اليهودية في حاجة إلى الدفاع عن نفسها، ولكنهم يريدون إرسال هذه القوة الدولية لتواجه رجال الإخوان المسلمين وجهاً لوجه وبذلك يدرك العالم كله الخطر الحقيقي الذي تمثله هذه الحركة.

وإذا لم يدرك العالم هذه الحقيقة في وقت قريب فإن أوروبا وأمريكا والعالم سيفاجأون في نهاية القرن العشرين بإمبراطورية إسلامية تمتد من الباكستان شرقاً حتى بلاد المغرب على المحيط الأطلسي غرباً. ولم يكن هذا المقال هو الأول من نعه إذ دأبت الصحف الأوروبية والأمريكية التي يسيطر عليها اليهود على نشر مقالات طويلة من هذا النوع.

ولم يضيع الإخوان المسلمون جهدهم في مناقشة هذه الأقوال، إذ اخذ خطباء الإخوان ودعاتهم يجوبون المدن والقرى داعين الناس إلى الجهاد في سبيل الله لإنقاذ أراضي فلسطين المقدسة من ألد أعداء الإسلام. فقامت في مصر حركة إسلامية عنيفة وعمت المظاهرات المدن الكبرى في جميع أنحاء البلاد، مطالبة الحكومة المصرية بالتدخل العسكري للقضاء على الدولة اليهودية في مهدها.

واندفعت حشود هائلة من شباب مصر والتي جاءت من الأقاليم والمراكز والقرى، حتى اكتظ بهم المركز العام لجماعة الإخوان وضاقت بهم شعب القاهرة، وبدأت اتصالات كثيرة بالحكومة المصرية وبعبد الرحمن عزام أمين الجامعة العربية، انتهت بموافقة الحكومة المصرية على تكوين فرق من المتطوعين بقيادة ضباط مصريي متطوعين وتتولى الجامعة العربية الإنفاق على هذه الفرق.

ورحب الإخوان بالفكرة وبدأت حركة التطوع عن طريق المركز العام للإخوان المسلمين وكان يشرف على تنظيم حركة التطوع المجاهد الكبير المرحوم الصاغ محمود لبيب، ونجح بمعاونة بعض الشخصيات المجاهدة وعلى رأسهم عبد الرحمن عزام امين الجامعة العربية واللواء عبد الواحد سبل مدير عمليات الجيش المصري في إقامة معسكرات للتدريب، تتولى الجامعة العربية الإنفاق عليها ويشرف على التدريب ضباط مصريون من جيش مصر العامل.

وبدأت الكتيبة الأولى تدريبها وسافرت إلى ميدان القتال يوم 25/4/1948 بقيادة البطل الشهيد المرحوم البكباشي أحمد عبد العزيز ومعه عدد من الضباط المتطوعين هم زكريا الورداني وعبد المنعم عبد الرءوف ومعروف الحضري و كمال الدين حسن و حسن فهمي عبد المجيد و مصطفى صدقي و خالد فوزي و أنور الصيحي.

وقد لمع البطل أحمد عبد العزيز في هذه الحرب، ودأبت الصحف العربية والعالمية على تتبع أنبائه وتحركاته وعملياته الحربية، وأولته من العناية والاهتمام ما لم تول أحداً من قادة الجيوش العربية النظامية ممن يفوقونه في الرتبة والمنصب.

وكان البطل أحمد عبد العزيز شخصية عسكرية نادرة تتميز بجرأة خارقة، وولع شديد بالمغامرة واعتزاز بنفسه. اندفعت الكتيبة الأولى من متطوعي الإخوان المسلمين تحت قيادة البطل أحمد عبد العزيز (وفي صحبته الشيخ محمد فرغلي) يوم 5/5/1948 فوق فلنكات السكة الحديد حتى خان يونس ثم انطلقت بسرعة مخترقة صحراء النقب مستخدمة تكتيك الضرب والحركة، وأخذت تكتسح المستعمرات اليهودية وتعترض القوافل المعادية وتفتك بها القدس الشريف.

وقاد الكتيبة الثانية من متطوعي الإخوان المسلمين البكباشي عبد الجود طباله، وكانت هذه الكتيبة ترافق الجيش المصري وتشترك معه في الدفاع عن منطقة غزة، وتتولى حصار بعض المستعمرات اليهودية وتقوم بحراسة النقط الهامة على خطوط مواصلات الجيش المصري ثم استقرت بعد ذلك مع زميلتها الكتيبة الأولى في بيت لحم عقب استشهاد أحمد عبد العزيز.

وتمت المحافظة على هذه المنطقة الهامة حتى تم تسليمها للجيش العربي الأردني بعد وقف القتال وإعلان الهدنة.

وكم كان جميلاً أن يقوم الإخوان المسلمون بالدفاع عن مقدسات المسيحيين في فلسطين، إذ كان نصيبهم الدفاع عن مدينة بيت لحم التي تقع على بعد ستة أميال جنوب القدس، وهي إحدى المدن المسيحية المقدسة، إذ تقع فيها كثير من آثار المسيحيين وكنائسهم، وبخاصة كنيسة المهد التي يحج إليها مسيحيون من جميع أنحاء العالم وغالبية سكانها من المسيحيين العرب.

وقد احتفى المسيحيون بالإخوان المسلمين عند دخولهم للدفاع عن مدينتهم، وكان الإخوان يبادلونهم هذا الشعور الكريم لما رأوه من إخلاصهم ولما شاهدوه من غيرة صادقة على كرامة العرب. وقد استشهد حول أسوار بيت لحم عدد هائل من شباب الإخوان المسلمين دفاعاً عن مقدسات المسيحيين، وظل الإخوان يدافعون عن مدينة بيت لحم عاماً كاملاً دون أن تقع حادثة واحدة من تلك الحوادث التي تقع عادة بين الجنود والمدنيين من أهل البلاد.

وقد تحدثت صحف العالم العربي والصحافة العالمية عن بسالة متطوعي الإخوان في حرب فلسطين 1948 وأنهم كانوا يتسابقون على نيل الشهادة في سبيل الله.

شاهد عيان على بسالة الإخوان المسلمين في حرب فلسطين

نقض اليهود الهدنة في 23/12/1948 وهاجموا مرتفعاً حاكماً يقع شرق الطريق الساحلي المرصوف (طريق رفح/ تل أبيب) وهذا المرتفع يعرف بالتبة 86 في قطاع دير البلح، وكان هذا التل يقع ضمن القطاع الذي تحتله الكتيبة العاشرة التي أخدم بها.

هاجم اليهود التبة 86 ليلاً فاقتحموا مواقع المشاة بالسلاح الأبيض وقتلوا الحراس وفر بعض الجنود مذعورين من هول المباغتة.

وكان نجاح اليهود في احتلال التبة 86 معناه عزل حامية غزة وتمثيل مأساة الفالوجا مرة أخرى.

ولقد تولى الأميرالاي محمود بك رافت قائد قطاع دير البلح إدارة معركة استرداد التبة 86 . وطلب من القائد العام فؤاد صادق إرسال قوة من الإخوان المسلمين لاسترداد التبة 68 .

ورغم أن قرار حل الإخوان كان قد صدر في 8/12/1948 فقد ظل الإخوان المسلمين يؤدون واجبهم المقدس في مواجهة أعداء الله. رغم ما كانت تصلهم من أنباء مثيرة عن الإرهاب ضد إخوانهم في مصر.

وكلفت قيادة حملة فلسطين سرية من كتيبة الإخوان الثالثة والتي كات موجودة كاحتياط للقيادة العامة في معسكر رفح باسترداد التبة 86.

وبدأت معركة استرداد التبة 86 الساعة 2 بعد ظهر بعد ظهر يوم 24/12/1948 بإطلاق المدفعية المصرية غلالة من النيران فوق التل بستارة من الدخان ثم تقدمت قاذفات اللهب المركبة على حمالات مدرعة يتبعها شباب الإخوان المسلمين.

ولما اقتربت قوة الإخوان من التبة 86 سكتت المدافع وانطلقت قاذفات اللهب تصب حممها على التبة، ورُوِّع اليهود حين رأوا الإخوان يلقون بأنفسهم عليهم فوق الخنادق وسط اللهب ويعاركونهم بالسلاح الأبيض ورغم كثرة الضحايا من الإخوان فقد تمنكوا من استرداد التبة 86 وفتكوا بمن كان فيها من اليهود فلم ينج منهم أحد.

وطلب اللواء فؤاد صادق الإنعام بأوسمة عسكرية على الإخوان الذين استردوا التبة 86، فما طلت حكومة السعديين غير أن الرجل الشجاع أصر على رأيه مما اضطر الحكومة إلى إجابته إلى مطلبه.

وصدرت النشرة العسكرية تحمل أسماء خمسة عشر من الإخوان المسلمين ثم تتابعت النشرات العسكرية تحمل الإنعام املكي على أبطال الإخوان المسلمين في حرب فلسطين.

ومن المضحك والمبكي في وقت واحد أن تصدر النشرات العسكرية وفيها اعتراف رسمي ببطولة الإخوان المسلمين وهو اعتراف من قيادة الجيش المصري بشجاعتهم وصدق جهادهم، ثم هو اعتراف بفضل قائد الدعوة الإمام حسن البنا.

في هذا الوقت بالذات كان الإخوان يقاسون مرارة الاعتقال والتعذيب ويعيشون كالمجرمين وراء الأسوار.

وهكذا أباحت العقلية المتناقضة لنفسها أن تعامل طائفة من الناس على أنهم أبطال ومجرمون في آن واحد.

حمزة البسيوني

في 6/6/1945 أصدرت الأوامر للكتيبة الثالثة المشاة التي كنت أخدم بها في ذلك التاريخ بالتحرك لأسوان فسافرت معها بالسكة الحديد.

وفي مدينة قنا وصلت تعليمات عاجلة بإنزال 40 صف وعسكري من الكتيبة لتوزيعهم كإمدادات لمقاومة الجراد على سواحل البحر الأحمر بواقع 20 عسكرياً لمدينة الغردقة، 20 عسكرياً لمدينة القصير.

فنولت من القطار في محطة سكة حديد مدينة قنا بناء على تعليمات قائد الكتيبة ومعي 40 صف وعسكري يوم 7/6/1945.

وفي يوم 8/6/1945 تحركت السيارات من قنا إلى سفاجة ثم الغردقة ثم القصير ثم إلى مناجم الذهب بالسكرى.

ثم سافرت من مناجم الذهب بالسكري إلى إدفو بالسيارات مع قول عربات من وزارة الزراعة مع الملازم أول حمزة البسيوني وفي الطريق من السكري إلى أدفو كنت أنا وحمزة البسيوني، في السيارة الأمامية وكان حمزة البسيوني يقود السيارة بنفسه، ووراءنا قول عربات وزارة الزراعة وبه مهندسون زراعيون من الوزارة المذكورة لا أذكر أسماءهم الآن.

وأثناء السير في الصحراء شاهد حمزة البسيوني غزالة تجري في الصحراء فترك الطريق المرصوف وجرى بالسيارة وراء الغزالة أملاً في اصطيادها.

وظل يطاردها حوالي ساعة ولم يستطع اللحاق بها لأنها كانت أسرع من السيارة وهربت منه في الجبال. فعدنا إلى الطريق المرصوف لنبحث عن سيارات وزارة الزراعة فوجدنا قول سيارات وزارة الزراعة متوقفاً على الطريق في النقطة التي تركناه فيها والمهندسون الزراعيون ترجلوا من سيارتهم وفي انتظارنا.

ولما وصلنا عندهم تكلم أحدهم وكان رجلاً يكبرنا في السن بكثير فقال: "إيه شغل العيال ده تسيبونا في الصحراء وتطلعوا تجروا وراء الغزال وتقعدوا ساعة مش تلاحظوا إن معكم ناس". فما كان من حمزة البسيوني إلا أن جرى وأحضر بندقية من السيارة وحاول تعميرها بالرصاص وقتل هذا المهندس الزراعي.

فجريت نحو حمزة البسيوني وخطفت منه البندقية وقلت له: "أنت مجنون" هم لهم حق واحنا اللي غلطانين. وطيبت خاطر السادة مهندسي الزراعة، واعتذرت لهم عن هذه الواقعة وكانوا جميعاً أكبر منا في السن فقبلوا الاعتذار.

من هذه الواقعة أيقنت أن حمزة البسيوني إنسان غير طبيعي وأن خلق التوحش والقسوة والإجرام سجية فيه، ولم أدر في ذلك الوقت ما تخبئه الأقدار لشعب مصر على يد ذلك السفاح المجرم حمزة البسيوني.

اعتذار

كنت محجوزاً في مستشفى سجن قنا حيث الضغط مرتفع وأشاع جندي من الحراس أن زميلكم الحاج عباس السيسي يسرق اللحم ويأكله خلسة حين يدخل لغسل يديه في صالة دورة المياه، حيث كان يراني بعد أن أغسل يدي ألتهم شيئاً كاللحم لونه أحمر – وظل الحارس يردد هذا للإخوة .. حتى كان ذات مرة قريباً حين كنت أغسل يدي فوجدني أغسل طاقم أسناني ثم أدخله في فمي فجاء إلىّ معتذراً عما بدر منه.

موقف مع الدكتور محمد بديع وطبيب سجن طرة

بعد حرب يونيو 1967 رُحلنا من السجن الحربي إلى عنبر الاستقبال بسجن ليمان طرة. وكانت إدارة السجن قد انتدبت لحراستنا ضباطاً وجنوداً (مسيحيين)، كما كان الطبيب الذي يشرف على علاجنا أيضاً مسيحياً، ذلك حتى لا يحدث بيننا أي تجاوب وتنقطع صلتنا بالخارج تماماً، كأننا نعيش في المريخ.

وكان الطبيب يأتي إلينا في العنبر ليقوم بالكشف على المرضى من الإخوان. وكان الإخوان رغم ما اصابهم من أمراض يرفضون الذهاب إليه، باعتباره من عملاء الطاغوت – كما أن هذا الطبيب كان يتعامل معنا بأسلوب "المتعالي – رغم أن فينا مجموعة من الأساتذة والأطباء والمهندسين وغيرهم – ولكننا كنا نرتدي ملابس مزرية وكنا في صورة شاذة، وهو أمر مقصود حين يشكو أحدنا من البواسير فإنه يكشف عليه بدون ستارة ولم يكن عنده شئ من الحياء.

وكان الطبيب يستعين بأحد الإخوة (كممرض) واختار لذلك الأخ الدكتور البيطري (محمد بديع سامي) الذي كان معيداً بالكلية. ورأيت أن أعرض نفسي على هذا الطبيب.

فذهبت وقدمت أورنيك العيادة للإخ محمد بديع ولم أقدمه للطبيب فنظر إليَّ غاضباً وقال: (جاي لي ولا جاي له) فقلت له: أنا جاي للطبيب البيطري لأنني تبع تخصصه.

فقال الطبيب محمد بديع: حضرتك طبيب بشري. ولما كان المريض من فصيلة "السيسي" فأصبح هو من اختصاصي.

فضحك الطبيب البشري، ثم قلت له:

سيادتك طبيب من خريجي كلية الطب ومن الصفوة، لكنك تعاملنا بصورة غير كريمة، وتكشف علينا دون مراعاة لشعورنا، وقد فعلت ذلك حين كشفت على أحد الإخوة المرضى بالبواسير دون ساتر، مع أنك تعلم أن في هذه المجموعة أفراداً كثيرين لا يقلون عن مستواك – فأحرج جداً – ونادى على العسكري الحارس واسمه (ديهوم) وقال له: اذهب إلى المستشفى واحضر من هناك (برفان).

وجاء العسكري ديهوم بالبرفان ليكون ساتراً عند اللزوم وبهذه النكتة استطعنا أن نحقق شيئاً من الأدب والحياء ..

الحاج صادق لمزين والتفاح

كان عيد الفطر أول عيد جاء علينا ونحن في السجن الحربي، وأعطت إدارة السجن أجازات للجنود (الحراس) وانتدبت بعض الجنود الذين لا خبرة لهم بالتعذيب. وفي صباح أول يوم العيد فتح علينا الزنزانة عسكري من هؤلاء ومعه صندوق من الخشب به ثاث تفاحات وحوالي نصف كيلو من الجوز واللوز والبندق، وأغلق علينا الباب ونظرنا إلى هذه المفاجأة ولسان حالنا يقول: (اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا) وقمنا فوزعنا كل واحد منا تفاحة وجزءاً من المكسرات، واتفقنا على أننا نسبقي جزءاً من المكسرات في جيوبنا حتى إذا خرجنا إلى دورة المياه أعطينا لإخواننا ظناً منا ألا يكون قد وصلهم شئ من ذلك.

وكلما ذهبنا إلى الدورة في المواعيد المقررة لم نستطع أبداً أن نعطي إخواننا أي شئ حيث الحراسة شديدة متحفزة فنعود على أمل أن نستطع في المرة القادمة حتى كان صباح آخر أيام العيد، فتح علينا الزنزانة العسكري الشرس (على الأسود) وهو مشهور بإجرامه. فوقفنا له تحية تعظيم سلام وهو تقليد معروف في السجن الحربي وقال لي: (ولد يا سيسي فين صندوق الخشب اللي كان فيه التفاح) فقلت له: (يا فندم ما عرفش أي شئ عن هذا الصندوق)

قال: يا أولاد .. لازم تجيبوا هذا الصندوق.

وأخيراً قال أحدنا: إحنا رمينا هذا الصندوق في الزبالة تحت السلم، فذهب يبحث عنه، فقلت لإخواني: هيا كل واحد يسع ويبتلع ما معه من جوز ولوز قبل أن يأتي العسكري (على الأسود)، فكل واحد منا وضع كل ما معه في فيه وأخذ يشغل أسنانه وإذا بالعسكري يأتي غاضباً حيث لم يجد الصندوق.

وقال: يا ولد يا سيسي يا ابن .. فين الصندوق؟ كان فمي مملوءاً فلم أستطع أن أنطق وأقول له أي شئ .. فيلطمني لطمة شديدة على وجهي، فتنطلق المكسرات في وجهه كالقنبلة واكتشف الأمر وحكم على واحد بـ (عشرين كرباجاً).

وقد علمنا بعد ذلك أن الذي أرسل إلينا هذه الهدية هو الرجل الصالح صادق لمزين من الإخوان المسلمين بمدينة غزة شعبة الرمال بفلسطين وقد حكم عليه بالسجن عشرة أعوام قضاها معنا في سجن مزرعة طرة.

حكاية طقم الأسنان الصناعي

أو ما يسمى عند الإخوة في البلاد العربية بدلة أسنان

لم يكن يخطر ببالي أن طقم الأسنان الصناعي – لذي استعمله منذ عام 1956 – سيكون له شأن كبير في إنقاذي من مواقف تستدعي الضرب والتعذيب في السجن الحربي في محنة 1965.

إلى أنْ دخل العسكري (زغلول) الشرس في زنزانتي وهجم على كالوحش الكاسر وضغط بكلتا يديه على وجهي فبرز بصورة عفوية (طاقم) اسناني في وجهه فجأة، فقفز إلى الخلف مرتبكاً مذعوراً .. ثم عاد ليقول لي: (إيه دا يا ولد)، فقد ثبت أنه لأول مرة في حياته يرى هذا الطقم، فقلت له: يا امباشي زغلول – هذه أسنان صناعية، فأخذ يسأل وهو في دهشة لما يرى. ثم ذهب وأحضر بعض زملائه الحراس وأخذ يكرر ما حدث ما حدث حتى يبرز الطاقم ويضحك الحراس على ذلك الموقف. فرأيت أن أستغل هذا المشهد فيما يحدث لي من مواقف بعد ذلك.

وذات يوم كنت أسير في الطابور وبجواري الأخ المهندس (فاروق الصاوي) وأراد أن يتحدث معي. ومعلوم أننا إذا ضبطنا ونن نتحدث فإنها تكون كارثة حيث يعزل كل منا عن الآخر، ويصير تحقيق فيما كنا نتحدث عنه وماذا كنا نقول؟ ويسأل كل منا على حدة فإن تطابقت أقوالنا في حديث غير سياسي، يكون الجزاء عشرة أو عشرين (كرباجاً). أما إذا لم تتطابق أقوالنا، فمعنى ذلك أننا كنا نتحدث في شأن الحكومة. ويا ويلنا بعد ذلك.

فقلت للأخ المهندس فاروق. قبل أن نتحدث لابد أن نتفق على نوع الحديث حتى إذا ضبطنا وجدنا مندوحة لحديثنا، واتفقنا على أن يسألني عن موضوع طاقم الأسنان: ما السبب الذي أجبرك عليه؟ وبكم من المال تكلف وما إلى ذلك؟.

- وبدأنا نتحدث وفجأة امتدت من الخلف يد تمسك بي ويد أخرى تمسك به. وكل واحد منا وقف أمام الحائط منفرداً.

وجاء الجاويش يسأل كل منا: ماذا كنت تقول له؟ فقال الأخ فاروق للجاويش: أنا كنت أسأله على شئ أراه كثيراً يخبئه في فمه ويشبه الأسنان فجاءني الجاويش يسألني فقلت: إن زميلي كان يسألني عن طقم الأسنان هذا وأخرجته من فمي فانزعج الجاويش ووقف مشدوهاً.

وأخذ يتحدث عن هذا الشئ الذي يراه وكيف يمكنني أن آكل به وهكذا. وبعد الحديث انصرف دون أن يمسنا بسوء.

وعلى هذا استطعت أن أستغل هذا الطاقم في مواقف حرجة كثيرة إذ أستطيع أن أعطس فيندفع الطاقم وألتقطه بسرعة. مما يلفت نظر الحراس ويتلهون وينشغلون في قضية الطاقم وينسون المشكلة التي كانت تسبب لي كثيراً من المتاعب.

والعجيب أن العسكري زغلول – وهو من أقذر وأشرس الحراس – بدأ يتعاطف معي بعد ذلك، حتى إنه ذات مرة ذهب لينام في مخزن البطاطين وطلب مني أن أوقظه إذا رأيت الصول صفوت قادماً؟!

مع الأخ أمين ....

الأخ أمين من الشباب المسلم، السهل في تعامله الرقيق في أخلاقه المحب لإخوانه، كان يسكن معنا في الزنزانة في سجن قنا.

وكان يجاورني على البرش القريب مني .. وهذا الجوار الكريم سبب لي إزعاجاً متواصلاً إذ كان شخيره كصفارة الإنذار، وأخيراً طلبت منه أن يغير من مكانه – فيجعل رأسه عند قدمي، ورجليه عند رأسي، حتى يقلل من صوته بعض الشئ فقبل الأخ ذلك بكل الرضا.

واستمر على ذلك عدة ايام ثم بعث لي أحد الإخوة يرجوني أن أوافق على عودة الأخ أمين إلى نومه على الوضع السابق. فعجبت وقلت له: إن هذا الوضع يريحني ويريحه ولا داعي أن يتعبني.

فقال: أقول لك الحقيقة: الأخ أمين يقول (إنه يخاف أن ينام وحده)!!

نكتة مع أخ من السويس

في سجن مزرعة طرة، وفي الشهر الأخير قبل الإفراج عن الإخوان، جاء طعام العشاء فتحلقنا ستة من الإخوان حول المشمع الذي نضع عليه الطعام.

وكان موعدنا هذا المساء مع وجبة من اللحوم، وقام الأخ أمير الطعام بتوزيع الأنصبة بالتساوي.

وكان نصيب أحد الأخوة قريباً من قطة تجلس إلى جواره.

وفجأة خطفت القطة نصيبه من اللحم.

وعاجلها الأخ بضربة شديدة (بالقروانة) على رأسها.

فابتعدت القطة وهي تقول (نوو نوو) فالتفت إلىًّ الأخ وهو يقول: بتقول إليه القطة دي يا حاج عباس؟، فنظرت إليه وقلت له: أنت مش عارف بتقول إيه القطة: (ينعل ...)

ففوجئ الأخ والإخوة بما لم يكونوا يتوقعونه إطلاقاً، وفي الحال قام مسرعاً إلى الأخ الكبير أميرنا، وقص عليه القصة واستدعاني .. وقال لي: صحيح الكلام اللي ذكره الأخ؟ قلت: نعم الكلام الذي حدثك به قد حدث مني بالفعل. قال: وكيف ذلك؟ قلت له: لقد كنا على مائدة الطعام ستة من الإخوة فلماذا اختارني بالذات ليسألني هذا السؤال؟.

ذلك لأنه يعرف أنني سيسي!! والسيسي يعرف لغة القطط!!

فأصدر أمره بحرماني من تعيين الشاي لمدة أسبوع.

والمعلوم أنني لا أشرب إلا قليلاً من الشاي وأعطى وجبة الصباح إلى أخ وأعطى وجبة العشاء إلى أخ ثان.

والأدهى من ذلك أن هذه النكتة بلغت كل الإخوان وكانت مجال مسامرتهم وكلما مر عليهم الأخ (....) ينظرون إليه وهو يقولون (نوو نوو) !! ويا ليت الأخ لما سمع النكتة بلعها أو غطى على الخبر ماجور !!

الموت أهون من التعذيب

وطاحونة الطوابير تدور في ساقية لا تتوقف على مدى ساعة أو ساعتين، وأنت تسمع للإخوة الذين يجرون بالخطوة السريعة أصواتاً مكتومة ومكبوتة تحيط بهم كلاب مدربة، وتلسع أجسادهم سياط جنود قدت قلوبهم من حجارة، يتناوبون علينا إذا بلغ بهم الجهد. ولا يرحمونا إذا سقط منا شيخ كبير.

والحال على هذا المنوال النكد البئيس، كان يجري بجواري الأخ أحمد شعبان بسلاح المهندسين، وقد أنهكه الجري وأضناه التعب، وسمعت صوتاً من الخلف وكان صوت الملازم أول طيار الحاج محمد الشناوي وهو يقول: شد حيلك يا أخ أحمد ربنا موجود.

ولكن الأخ أحمد لم يبادله الكلام. فقال الضابط محمد الشناوي المتهم بتجهيز طائرة ملغمة لاغتيال الرئيس جمال عبد الناصر: يا أخ أحمد لا تنسى أننا بايعنا الله تعالى على الموت في سبيله.

فنطق الأخ أحمد يقول: نعم يا سيدي أنا بايعتك على الموت ولم أبايعك على التعذيب !!!

نعم إن الموت أسهل من التعذيب وأرحم من التعذيب، فالموت يكون مرة واحدة، ويستشهد الإنسان، أما التعذيب الذي يأكل جسم الإنسان رويدا وعلى مراحل بلا أدنى شفقة ولا رحمة فإنه أمر لا يقدر عليه إلا أولو القوة والعزم وقليل ما هم.

وكم من مواقف في ضمير التاريخ سجلها الله تعالى في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة لا تكشف إلا يوم يقوم الناس لرب العالمين. ويومئذ (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) (المدثر: 38). فإما من أصحاب اليمين وإما من أصحاب الشمال.

اضرب أستاذك

وفي محنة 1965 وفي السجن الحربي وأمام المكتب بعد انتهاء التحقيق .. كان يقف على هيئة طابور جميع إخوان الإسكندرية المتهمين في القضية، ولم أكن أعرف منهم إلا قلة قليلة.

ونادى النقيب إحسان المكباتي على اسمي، فخرجت من الطابور وأوقفني أمامهم، وأشار إلىَّ وقال: هذا هو (المسئول) عن تنظيم الإسكندرية وأشار إلى أحد الإخوة، فخرج وأوقفه في مواجهتي وقال له: اضرب استاذك عشر صفعات على وجهه.

فقال له: هذا الأخ الذي كنت أعرفه شبلاً صغيراً في شعبة الإخوان في (محرم بك) لا يتجاوز عمره تسع سنوات عام 1951 – وهو اليوم مهندس متهم في قضية الشهيد سيد قطب !!

قال الأخ المهندس (...) : أنا لا يمكنني أن أضربه بأية حال.

فكرر عليه النقيب الأمر بإصرار وإنذار. فاضطر أن يفعل.

فضربني برفق. فغضب النقيب وأمره أن يضربني بضراوة وعنف فأشرت إليه أن يفعل رفقاً به لما ينتظره من ويل وثبور .. وبعد أن اضطر ونفذ المطلوب، رأيته يبكي وهو يلوي وجهه عني حياءً وخجلاً. وفي لقاء سريع بعيد عن أعين الرقباء. طلب مني رجاء وبكاء، أنه إن كان ولابد من أن أحكي هذه الواقعة المؤلمة المؤسفة، فإنه يرجو ألا أذكر اسمه!

هكذا هي الواقعة .. نعم إننا في السجن الحربي تقع علينا المصائب والأهوال من هذه الشراذم التي تجردت من كل معاني الإنسانية ولكننا نعتبرها صادرة من "أعداء" فلا تصيب منا إلا الأسى والحسرة عليهم.

والأخ الحبيب الكريم صورة من الجانب الآخر الذي يمثل أسمى ما بلغته الأخوة والإنسانية، وشتان ما بين مؤمن ومجرم وجبان !!

ثلاثة في موكب الطغيان

من هؤلاء إسماعيل الفيومي .. وهو واحد من آحاد الناس، من بين ملايين شعبنا الطيب، عرف بالتقوى وشدة تدينه التحق بعد أدائه للخدمة العسكرية بوزارة الداخلية حيث عمل في قسم الخليفة لمدة ثمانية أشهر، بعدها قدره للعمل في رئاسة الجمهورية ضمن الحرس الخاص للرئيس عبد الناصر، هناك أمضى الفيومي سبع سنوات كاملة في خدمة الرئيس وفي عام 65 ألقت المباحث العامة القبض على كافة أعضاء الإخوان المسلمين ومن بينهم إسماعيل الفيومي الذي سيق مع غيره إلى السجن الحربي .. حيث عذب تعذيباً بشعاً أقله الضرب بالسياط الذي لم يكن إلا مجرد بداية لإجبار الضحية على الاعتراف، فإذا لم يأت بالنتيجة المرجوة استعملوا أساليب أخرى منها الصدمات الكهربائية، وذلك بأن يؤمر المعتقل بأخراج لسانه من فمه لكي يوضع عليه سلك الكهرباء التي تحدث في الجسم هزة مزلزلة، كما كان هناك أيضاً "الخازوق" وهو عبارة عن دانة مدفع طولها 60 سنتيمتراً لها رأس مدبب، كان الضحية يؤمر بالجلوس عليها فإذا رفض ضربوه بالسياط فلا يجد مفراً في النهاية من تنفيذ الأمر مما كان يحدث له تمزقاً وشروخاً تسبب آلاماً رهيبة لا تنتهي عادة إلا بإجراء عملية جراحية!!

وطلبوا من الفيومي أن يعترف بأنه كان ينوي قتل الرئيس الراحل، ونسى هؤلاء أنه كان لا يفارقه طوال سبع سنوات ولو أنه أراد إزهاق روحه لتم له الأمر في سهولة ويسر .. ورفض الفيومي الاستجابة لما يريدون، فكان التعذيب بالطرق التي أوضحناها آنفاً ويبدو أن المسكين لم يتحمل هذا العذاب فلفظ أنفاسه الأخيرة ذات ليلة من ليالي أغسطس 1965 ويروي أحد نزلاء السجن تفاصيل ما جرى للفيومي فيقول:

- في تلك الليلة صعد الأمباشي المراكبي مع عساكر آخرين إلى الزنزانة التي كان يرقد فيها إسماعيل بلا حراك فوضعوه في جانب منها وراحوا يغسلون الدماء من أرضيتها ثم لفوه في لفافة بيضاء ونزلوا به إلى المخزن وهو حجرة واسعة كانت بجوار السجن الكبير ... وفجأة أطفئت الأنوار وسمعت صوت عربة دخلت إلى حوش السجن، فخرج الزبانية من المخزن حاملين ضحيتهم فوضعوه في العربة على حين حمل بعضهم كوريكاً وفأساً، وفي الصباح وجدت الزنزانة خالية من إسماعيل فأدركت أنه قد نال شرف الشهادة.

وفي اليوم التالي نشرت الصحف المصرية في صدر صفحاتها أن الفيومي قد تمكن من الهرب إلى خارج البلاد وأن البعض قد شاهدوه بالفعل وهو يسير في شوارع سويسرا !!!!

والمحزن أن هذا الرجل المسكين الذي خدم الدولة والرئيس الراحل نفسه ما يقرب من ثماني سنوات لم تحصل زوجته ولا أطفاله الأبرياء على أي معاش، ذلك أنه لا يزال حياً من وجهة النظر الرسمية ولكن .. هل كان إسماعيل الفيومي وحده هو الذي مات أثناء التعذيب؟! لقد شاركه مصيره التعس فيما نعلم اثنان هما محمد عواد ومحمد نجيب، وكان الأول قد رفض أن يعترف بما طلب منه فصدرت أوامر صفوت الروبي بإغراقه في الفسقية التي كانت موجودة في صحن السجن الحربي .. وأنزل عواد إلى الفسقية ونزل وراءه جندي يقال له: "خرشوف" فركب على أكتافه وأمسك برأسه وراح يغطسه في الماء حتى إذا ما رأي أنه قد أشرف على الهلاك أخرج رأسه وانهال عليه باللكمات والصفعات وهكذا دواليك! فلما أعيتهم الحيل معه نزل صفوت الروبي بنفسه إلى الفسقية وأمسك برأس عواد وراح يضرب به جدار الفسقية حتى هشمه تماماً، وعندئذ أمر "الجلاد بإخراجه" من الفسقية فاكتشف الجميع أنه قد مات، والغريب أن الشرطة العسكرية ذهبت بعد ذلك إلى منزل عواد فقبضت على والده بحجة أن ابنه قد هرب وأنه سيظل رهن الاعتقال حتى يسلم الابن نفسه وبقى الأب شهوراً طويلة في السجن وأخيراً .. أفرجوا عنه بعد أن أوهمه شمس بدران بأن التحريات قد أثبتت أن ابنه قد هرب إلى المملكة العربية السعودية .. وعاشت أسرة عواد سنوات معتقدة أن ابنها قد هرب إلى المملكة العربية السعودية حتى عرفت الحقيقة بعد وفاة عبد الناصر.

من كتاب (مذابح الإخوان المسلمين في سجون ناصر) لجابر رزق.

أما الشهيد الثالث فكان محمد منيب، كان يعمل أميناً لمكتبة كلية العلوم بجامعة أسيوط وكان يحرص على أداء الكثير من الخدمات لطلبة الكلية، خاصة الطلبة النازحين من أماكن بعيدة عن أسيوط فكان يبعث إليهم بنتائجهم ويحاول بقدر الإمكان تلبية رغباتهم وقضاء مصالحهم .. وحين ذهبوا للقبض عليه وجدوا بين أوراقه خطاباً أرسله إليه أحد طلبة كلية العلوم من أهالي طنطا، به هذه العبارة "خلي بالك من الكتاكيت" فظنوا أن هذه العبارة وراءها ما وراءها، خاصة أن صاحب الخطاب قد وقع اسمه بخط غير واضح

فريق كرة قدم للأطفال

ونحن نعيش في سجن قنا العمومي محنة 1965، وصلني خطاب من أولاد شقيقي وقام أحد الضباط بمراجعة الخطاب كالعادة قبل أن يصلني. وفوجئت باستدعائي لمقابلة السيد الضابط الذي أطلعني على مضمون الخطاب.

والخطاب يحكي أن أولاد أختي قد كونوا فيما بينهم فريقاً لكرة القدم. فكان أكبرهم هو كابتن الفريق وأحدهم حارس المرمى والآخر قلب الوسط وهكذا.

وقال لي الضابط: إنه يشك في أن هذا الفريق هو عبارة عن تنظيم إخواني جديد في شكل فريق لكرة القدم! وإنه يفكر في تصعيد الأمر إلى مباحث أمن الدولة !!

وكانت المفاجأة مذهلة .. فقد تؤخذ هذه الحكاية مأخذ الجد كما أخذت مثلها من قبل في قضية الأخ الشهيد محمد منيب الذي كان يعمل أميناً لمكتبة كلية العلوم بجامعة أسيوط .. حين ذهبت مباحث أمن الدولة للقبض عليه، فوجدوا بين أوراقه خطاباً أرسله إليه أحد طلبة كلية العلوم من أهالي طنطا به هذه العبارة:

" خلي بالك من الكتاكيت " فظنوا أن هذه العبارة تشير إلى أنه له صلة بتنظيم جديد من شباب الإخوان، فقاموا بتعذيبه حتى فارق الحياة.

وبكل إمكانياتي من وسائل الدفاع أخذت أشرح للضباط أن مرسلي هذا الخطاب أطفال أكبرهم سناً لا يتجاوز عشر سنوات.

وأنهم يكتبون هذا الخطاب بقدراتهم المحدودة يقصدون به التسرية عن خالهم في محنته وهم لا يفهمون شيئاً عما يدور حولهم من أحداث، فهي أمور أكبر من إدراكهم وأعمارهم.

وأخيراً بتوفيق من الله على أن أقرأ الخطاب ثم أمزقه أمامه، وقد فعلت ولله الأمر من قبل ومن بعد. (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (الحج: 46).

يا منتقم

في جحيم العذاب والامتهان بالسجن الحربي، استهان الطغاة بكل القيم الإنسانية التي كرم الله بها الإنسان، فلم يعد الإنسان سوى هيكل حطمته أساليب القهر والإذلال.

وجئ بالأخ فؤاد البقلي من إخوان القاهرة مساقاً إلى ساحة السجن ومن حوله زبانية جهنم، ثم ربطوه على جذع شجرة وأوثقوه بشدة وعنف، خوفاً من أن يفلت من أيديهم .. وإلى أين؟!

وانهالوا على جسده .. كل جسده – جسده الذي لا يستره سوى قطعة من قماش تستر عورته – انهالوا عليه بالسياط المشبَّعة بالزيت والملح إمعاناً في لهيب العذاب. وهو يصرخ: (يا منتقم؟ يا منتقم؟).

فقال له العتل الزنيم باستعلاء واستكبار: ينتقم من من يا ولد؟

قال الأخ فؤاد بشجاعة المؤمن الذي انصهر في بوتقة المحنة: ينتقم منك يا كلب!!

فأسقط في جوف المجرم خوفاً ورعباً .. لأن الغاية من التعذيب هو الإذلال والمسكنة. وتم فعل ذلك بالإخوان كما فعل من قبل مع أصحاب الأخدود.

(وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (البروج: 8).

شهادة جديدة

تقرير هيئة مفوضي الدولة يقول:أعضاء الإخوان المسلمين هم الأولى بشغل الوظائف العامة

أثبتت المحكمة الإدارية بطنطا أن أعضاء جماعة الإخوان المسلمين هم الأولى بشغل الوظائف العامة بالدولة.

ففي حكمها الذي صدر مؤخراً في الدعوى رقم 241 المقامة من المدعي عمر مكرم علي ضد رئيس جامعة المنوفية بصفته والذي استندت فيه على تقرير هيئة مفوضي الدولة.

قالت المحكمة: " إذا لم تكن الدولة تأتمن هؤلاء القوم الذين سلكوا طريق الحق والرشاد على هذه الوظائف التي تمس أمن وأمان المواطنين في دولة دينها الرسمي الإسلام، وأزهرها يشع نوراً على الدنيا بأسرها، فأي رجال تأمنهم على شغل هذه الوظائف بعد هؤلاء الشباب المسلم الذي لجأ إلى دينه واحتمي بحماه؟ إن الإجابة لمخزية! وكان المدعي عمر مكرم علي – أحد شباب الإخوان المسلمين – قد تخرج في كلية العلوم جامعة المنوفية، دفعة 1987 بتقدير جيد جداً مع مرتبة الشرف وقرر مجلس الكلية تعيينه معيداً بقسم الكيمياء بتاريخ 6/9/1987 .

وعندما رفع القرار إلى رئاسة الجامعة لاعتماده تم رفضه نظراً لاعتراض جهاز الأمن بحجة أن المدعي من الجماعات الإسلامية التي تنتهج منهج الإخوان المسلمين، وذات النشاط البارز في الجماعة.

فقام المدعي في عام 1988 بتوكيل للأستاذ مختار نوح المحامي برفع الدعوة أمام المحكمة الإدارية بطنطا حيث أحالتها إلى هيئة المفوضين بمجلس الدولة.

قامت هيئة مفوضي الدولة بإعداد تقرير في الدعوى استندت عليه المحكمة في حكمها الذي صدر في 24/4/1991 ، والذي قضى بأحقية المدعي في التعيين، وإلغاء القرار السلبي الصادر من رئيس الجامعة بعدم تعيين المدعي بوظيفة معيد بكلية العلوم.

وهنا نورد فقرات من التقرير الذي يعد شهادة جديدة تضم إلى سجل جماعة الإخوان المسلمين الناصع.. يقول تقرير هيئة مفوضي الدولة:

" .. ومن حيث أنه وبأعمال حكم هذا المبدأ المستقر عليه قضاء على السبب والذي قام عليه القرار الطعين، فإننا نرى إن مجرد إنتماء المدعي إلى جماعة الإخوان المسلمين لا ينهض دليلاً يسوغ للجهة الإدارية حرمانه من التعيين معيداً، لأن هذا الانتماء لا يؤدي إلى فقد المدعي شرط حسن السمعة، أو يجعله سئ السلوك تجاه نفسه، أو تجاه وطنه، أو تجاه أمته الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، حيث أن جماعة الإخوان المسلمين ظهرت منذ عهدها الأول كدعوة إسلامية لاسترداد الأرض المفقودة أو الأرض المغزوة بالمعنى العقائدي الحضاري السياسي .

ولذلك ظهرت كدعوة لمطلق الإسلام، وتسمت باسم الإسلام " جماعة الإخوان المسلمين " ، قال الله تعالى: " إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ" ، لذلك قامت لمحاربة الوافد الأوروبي الذي عمل على إقصاء الإسلام من العقول والأرواح والنظم " .

وأضاف تقرير هيئة مفوضي الدولة: " ... إن دعوة جماعة الإخوان المسلمين هي العودة بالناس إلى أصول معتقداتهم وحضارتهم الإسلامية، بدءاً من الانصياع إلى أوامر الدين ونواهيه، والحرص على العودة إلى رموز الحضارة الإسلامية، وهي في الوقت نفسه دعوة للإعداد النفسي للشباب الجاد القوي الرافض لأسباب التحلل والتخنث .. وهي أيضاً نوع من الرباط يؤكد مسلك الانتماء للمعتقد والحضارة الموروثة. لذلك رأت هذه الدعوة الجدوى في وضع البناء العقائدي والحضاري الإسلامي في مواجهة مثيله الوافد الغربي ".

واختتم تقرير هيئة مفوضي الدولة بقوله عن الإخوان المسلمين:

" فإذا كانت جماعة كهذه قائمة على هدي من الله ورسوله محمد - - مستهدفة إنقاذ الأمة الإسلامية من الضياع الذي بها نتيجة للغزو الإلحادي، والذي وفد إليها بكل صوره الحربية والفكرية والاقتصادية، حتى جعلها أمة ذليلة بمد يد المساعدة إليها من أجل إعطائها لقمة العيش التي تسد بها رمقها، وهي ما تردت فيه الآن.

أليس تابعو هذه الجماعة وحالهم هكذا، يكونون الأحرى والأولى بشغل هذه الوظائف العامة ".

" إن الجهات الأمنية لم تبد أي سبب مناسب يبرهن على أن انتماء المدعي إلى هذه [[الجماعة]ي المسلمة كان مصدر قلق لأمن وأمان المواطنين، أو أنه اقترف فعلاً من شأنه ذلك، واكتفت بالإشارة إلى أنه من الجماعات الإسلامية ذات الإتجاه الإخواني، وهذا الانتماء – وكما سبق ذكره – أحرى للجهة الإدارية في أن تسارع إلى تقلد هذا الشباب – الذي عرف طريق ربه الصحيح.

الوظائف العامة وليس العكس كما حدث بالنسبة للمدعي ... "

وانتهى التقرير الذي يعتبر إدانة للعهد الذي نعيش فيه والذي أصبح جهاز الأمن فيه هو الآمر الناهي، يترك المجال للملحدين والعلمانيين والمتحللين، ولا هم له إلا ملاحقة المخلصين الأطهار .. والسؤال: هل تجد شهادة القضاء لجماعة الإخوان المسلمين صداها عند المسئولين؟!!

ومن يتوكل على الله فهو حسبه

ذكر لي أحد الإخوة ما يلي:

قال لي الأخ الكريم حين طلبت مساعدته في اجتيازي الكشف الطبي حتى أحقق أمنيتي في دخولي كلية دار العلوم، وحتى أعيش في رحاب مكان نعم في يوم من الأيام بالإمام الشهيد حسن البنا.

وأوضحت لأخي أن ضعف بصري ربما يحول بيني وبين ذلك، فقال لي في نبرة مؤمنة صادقة: امض لشأنك، وتوكل على الله، وحده.

ونزلت الكلمات من نفسي منزلاً كريماً، ومضيت لشأني ومعي شقيقي، دون أن أحس بذرة شك في عاقبة المتوكلين.

وخرجت من حجرة الكشف دون أن أنظر إلى الاستمارة، وخطفها مني شقيقي ليطمئن عليَّ، وإذا به يعانقني في غبطة وفرح ويقول مبروك .. 6/6 ، 6/6 ، سبحان الله أنا لم أر العلامات! قال لي: وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى. وجاء دوره فكانت النتيجة وهو صاحب النظر القوي: يعاد الكشف بعد عمل نظارة. فقال لي: اطمئن أنا أغير النظارة .. أما أنت فلا يمكن أن تغير عينيك. وكان الله معك لأنك اعتمدت عليه وحده.

حارس رئاسة الجمهورية

خلال فترة القبض على أعضاء تنظيم الإخوان المسلمين عام 1965 بقيادة المرحوم الأستاذ/ سيد قطب، قبض على شرطي من قوة شرطة حرس رئاسة الجمهورية، والذين تم اختيارهم بعد إجراءات أمنية دقيقة، ويوضعون تحت نظام رقابي صارم وتكتب عن كل منهم تقارير دورية للاطمئنان إلى وجوده في مثل هذا المكان الحساس.

وبالرغم من كل هذه الإجراءات فقد اكتشفوا فجأة إلى أن الشرطي إسماعيل الفيومي أحد الحرس الخصوصيين للرئيس عبد الناصر ضمن تنظيم الإخوان المسلمين، ومن أعوان المرحوم سيد قطب، وأنه كان مكلفاً باغتيال عبد الناصر بالإضافة إلى أنه كان "نشنجياً ماهراً" ، وكان دائماً الأول في مسابقات ضرب النار. علماً بأنه كان يعمل بهذه الوظيفة منذ بضع سنوات قبل القبض عليه ولو أنه أراد اغتيال عبد الناصر لكان ذلك يسيراً جداً بالنسبة له حتى باستعمال أي سلاح يدوي. ولكن تبريرات السلطة دائماً على حق.

المهم في هذا الشأن أنني في هذه الفترة كنت أعمل بالمباحث الجنائية بمديرية أمن الإسكندرية، وكانت قد وردت لشعبة البحث الجنائي نشرة من إدارة الأمن العام تفيد هروب الشرطي إسماعيل الفيومي، من السجن الحربي ومبين بهذه النشرة وصف له، وبعض بيانات عنه مع صورته الفوتوغرافية، أسوة بما كان يتبع بالنسبة لغيره أيضاً من الهاربين من السجن الحربي، الأمر الذي كنا نعلم جميعاً كضباط بالشعبة بأن هؤلاء في عداد الموتى وأنهم قد هربوا من الدنيا بأسرها وفاضت روحهم إلى بارئها، ولكننا كنا نتصرف حسبما تريد السلطة وهي توزيع مثل هذه النشرة على الشرطة السريين الذين يقومون بدورهم بالبحث عنهم ونشر صورهم، حتى يعلم الكافة بأنهم هربوا فعلاً من السجن الحربي وينتشر خبر هروبهم شعبياً وهو المطلوب.

أما المضحك فعلاً في هذا الأمر أن إدارة الأمن العام كانت لا تتابع ما تم في هذا الخصوص، بالرغم من خطورته، على عكس استعجالاتها المتكررة لنتيجة البحث في حوادث أقل اهمية بكثير من هروب معتقل في السجن الحربي، لهذا فعندما حاورت اللواء حمزة البسيوني بمعتقل القلعة كنت تواقاً إلى معرفة معلومات عن مثل هؤلاء الهاربين.

وكتمهيد للسؤال عن واقعة الهروب سألته في يوم من الأيام عما إذا كان من الممكن لأي مسجون بالسجن الحربي أن يهرب منه، فرد بمنتهى العنف والفورية: " بتقول إيه. مش ممكن طبعاً .. السجن الحربي أقوى من سجن الباستيل ولا يمكن لأحد النزلاء به أن يهرب ".

فلم أسأله عن واقعة هروب الشرطي إسماعيل الفيومي في نفس الوقت ولكن آثرت أن انتظر يومين أو ثلاثة حتى يكون قد نسى أنه قال لي هذه الوقعة.

وفعلاً بعد مرور حوالي ثلاثة ايام على هذه المناقشة واثناء ما كان يدخن الشيشة بزنزانته دخلت عليه وجلست معه.

وفي هذه المرة من الحوار بادرته بالسؤال عن العسكري إسماعيل الفيومي ذاكراً له بأنني خلال عملي بالمباحث الجنائية بالإسكندرية وردت لنا نشرة من مصلحة الأمن العام تفيد هروب المذكور من السجن الحربي، وكنا نعلم أنها مجرد طريقة تلجأ إليها السلطة في ذلك الوقت لينتشر الخبر شعبياً، ويؤيد تضليلهم لجماهير الشعب فضحك قائلاً: " هي الجرائد بتاعتكم مش قالت إنه هرب وحتى ظهر في سويسرا ".

فقلت له: " كلنا عارفين إن الجرائد بتخضع لإشراف الاتحاد الاشتراكي والسلطة الحاكمة وبالتالي تنشر ما يملى عليها، إنما الحقيقة غير كده وأنا مسجون مثلك ولست ضابطاًُ يقوم باستجوابك يابا اللواء ".

فرد بهدوء وبدون تفكير: " والله الولد ده أنا برئ من دمه فأنا كنت أقضى وقتاً سعيداً بالإسكندرية ولما رجعت وجدته انتهى فقلت لهم يتصرفوا كالعادة ".

فاستفسرت منه عن كيفية التصرف فقال: " بسيطة في فترة الإظلام بعد المغرب تطفأ أنوار السجن لحظات وتطلع الجثة في سيارة السجن وتلقي بالجبل المجاور، حيث توارى التراب في أمكنة بعيدة عن الأعين، وترجع ثم أشكل مجلس تحقيق لرجال القوة التي كان منوطاً بها حراسة زنزانته وأوقع على التحقيق بخصم 15 يوماً من مرتب المستجوب .. على الورق بس، واركن المحضر ثم أعطيه مكافأة مالية مقابل توقيعه عليه ".

وهكذا كانت تكتب نهاية إنسان شريف لم يرتكب ذنباً سوى أنه شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله .. مواطن كريم كرمه الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

حادث في منزلنا

عادت زوجي بعد أن قضت في جحيم السجن الحربي حوالي أسبوعين، عادت إلى منزلها في رشيد التي عاشت معها بكل مشاعرها وأحزانها.

وما كادت تدخل بيتها حتى هرع إليها السيدات من الأهل والجيران وعامة أهل المدينة يواسينها ويهنئنها بالإفراج عنها..

وفيما كان هذا الجمع يعيش في حالة من الذكريات المشحونة بالحزن والمغفلة بشئ من الفرح للإفراج عنها .. إذا بأحد أبنائها ينظر من الشباك، فيرى سيارة الشرطة تقف تحت المنزل بغير قصد ..

فأسرع في رعب إلى أمه يخبرها بأن الشرطة قادمة وإذا بالنسوة الموجودات في المنزل يسرع بعضهن إلى دورة المياه، وبعضهن يختفي في بعض الدواليب، وبعضهن يسرعن بالخروج من الشقة والجميع في حالة من الرعب والفزع، وسرعان ما تبين لهم أن سيارة الشرطة قد غادرت المكان !!

الفراخ والبط

في عهد الرئيس جمال عبد الناصر وفي ظروف تأميمه للشركات الكبرى والمصانع والاستيلاء على المشروعات والمؤسسات، شاعت في مصر موجة من الخوف والإرهاب والتجسس.

فاستغل بعض المغرضين والاستغلاليين الموقف، واشاع أحدهم في مدينة رشيد أن الحكومة سوف تستولي على كل أنواع الطيور مثل الدجاج والأرانب والأوز والبط. وحين شاع هذا الخبر بين الأهالي، أسرع الناس إلى ذبح وبيع هذه الطيور المنزلية في الحال، وبدأ صاحب الإشاعة في المرور على المنازل مستعداً لشراء كل ما يعرضه الأهالي من كل هذه الطيور.

وبذلك حصل على كميات كبيرة أخذ يصدرها إلى الإسكندرية والمحافظات، وربح ربحاً كثيراً من هذه الحيلة الفاجرة ..

وعض الناس بعد ذلك على أناملهم غيظاً؟!

ملحمة إسلامية

حين كنت أعيش بكل كياني ووجداني تتلبسني أحداث المحنة في بطن السجن الحربي الرهيب، الذي ابتلعنا في جوفه المحموم بالقتل والتعذيب البشع، الذي تجاوز كل اساليب الانتقام بغير ما سبب جنيناه إلا قولنا (ربنا الله).

فكان هذا النظم نتيجة تفاعل وانفعال وحركة وجدان ألفته واختزنته الذاكرة حين منع القرطاس والقلم، وليس هذا النظم خاضعاً لقواعد الشعر من ناحية الوزن والقافية، ولكنه نظم من نبضات وجدان، وهو تسجيل لقيمة تاريخية عن هذه الفترة المظلمة من تاريخ مصر والعالم الإسلامي.

قصة الامتحان في السجن الحربي

بعد أن صدرت الأحكام على الإخوان وتم تنفيذ حكم الإعدام على الإخوة الشهداء: سيد قطبمحمد هواشعبد الفتاح إسماعيل، رأت الدولة أن تنتدب بعض العلماء.

وكان على رأسهم الشيخ فتح الله بدران، لإلقاء محاضرات (غسيل مخ) على الإخوة في السجن الحربي.

وبعد عدة شهور تحدد يوم 5 يونيو 1967 لإجراء امتحان لمعرفة مدى تأثير هذه المحاضرات على تفكيرهم، وأعد لذلك أحد العنابر، وكان الإخوان يجلسون على الأرض، وحضر اللواء حمزة البسيوني والشيخ فتح الله بدران، والصول صفوت الروبي.

وفي اثناء الامتحان دخل أحد الضباط وقدم إلى اللواء ورقة على أثرها رفعها بيده وهو يصرخ يا أولاد (.....) أنتم لا تريدون أن تؤيدوا جمال عبد الناصر، وهذا هو جلالة الملك حسين ملك الأردن أرسل هذه البرقية في الطريق إلى مصر لمساندة عبد الناصر في حربه ضد اليهود !!

يوم الامتحان في السجن الحربي 5 يونيو 1967

اتذكر حمزة البسيوني يوم جاء يُرغي ويزيد

أوقف التسجيل غاضباً وأغلق الأبواب والنوافذ.

قال أنا أعرف ما تقولون وما تهمسون أنا أسمع وأرصد.

من يرفع رأسه منكمو أقطعها ولا أتردد.

فأنا المحقق وأنا القاضي الشرعي والمنفذ.

لولا القلب الكبير لكنتمو قتلى وما لكم من منقذ.

رأيي فيكمو الإبادة من قديم وأنا المهند.

سأبقى هنا عشر سنين أنا مع الجهاز الجديد على موعد

ونحن نستمع له في صمت كأنه خشب مسند

لا نخافه إنه عبد "ذليل" يعبد من دون الإله عبداً يتمرد

يعذبنا ويقتلنا من أجله وله يركع ويسجد

وبدران أس الفناق جاءنا يتودد

بمحاضرات مسمومة لها هدف مدروس محدد

يقول لنا لو صلح حالكم لكنتم لفلسطين الجند المسددا

صلى ركعتين على حدودها يدعو للعرب أن يتوحدوا

القط يدخلها والفأر أما العربي فدونه الموت الأسود

محاضرات نساق لها عنوة فإذا سألت فأنت المهدد

الطوابير تشتعل والكرابيج تلدغ ونارهم تتوقد

بدران مهلا ماذا تريد من شباب لله متحرر؟

باع لله نفسه وماله وترك الولد والوالدا

آمن بالله ورسوله وكتابه الخالدا

وكفر بالطاغوت وميثاقه واشتراكية الملحد

"أشاس بن قيس" صحوت تريدها فتنة وتفسد

تريد الإخوان فريقين هذا معارض وهذا مؤيد

وحددت يوماً للامتحان لتجني ثمار سُمِّك وتحصد

وظننت أنك رابح قبل حرب سيناء بيوم واحد

جلست وعن شمالك حمزة وعن يمينك صفوت يرصد

وجهاز التسجيل يسجل ما نقول إرهاباً متعمد

وسألت الإخوان تبغى الضلال وتفسد

أليس عمل الحكومة فخراً ولحرب فلسطين نؤيد

أبو خالد أمر نفسه وحسين الملك جاءنا يتودد

فساد الجماعة صمت رهيب والجو مشحون ملبد

وتلفف الإخوان في أكفانهم للرمس لن يترددوا

فالأخدود أمامهم والنار مشتعلة لا تبعد

وألقى الإخوان عصاهم فإذا هي تلقف سحره وتبدد

عمل الحكومة كفر والظلم صارخ شاهد

والكفر بواح والحكومة حرب على الإسلام مجند

ما دون راية الإسلام نموت ونفنى نجاهد

قوله الحق عند حاكم جائر لها في النفوس سحر نافذ

وألقى السحرة ساجدين وبقيت أنا القاعد

من هول ما سمعته وما رأيت خسئت شيخاً جاحداً

ولم تمض أيم حتى هدمنا بيت حمزة ( ) ورأيناه طريداً مشرداً

وجدران الوزير كان مصيره إلى السجن محبوساً ومقيداً

وعامر المشير صنم هوى في قرار جهنم خالد

الله أكبر ما دونه عبيد غدا جيف في القبور تمدد

يوم الامتحان في الحربي يوم أغر خالد

يضع المعالم في الطريق لكل جيل، يولد

أخي في الحرب

أخي في الحرب .. أخي في المكاتب

ونحن حفاة والرؤوس حاسرة

والبرد شديد قارس والثياب مهلهلة

والقلوب واجفة، والوجوه شاحبة

والزبانية كأنهم رؤوس الشياطين في ليلة مظلمة

أخي ....

ونحن نجلس (القرفصاء) على الأرض

من العشاء إلى الفجر .. والجدار أمامنا

لا حركة، لا صوت .. سوى آهات التعذيب وأنات الموت

نُصفع بالأيدي نُركل بالقدم نلهب بالسوط

أخي من خلفنا يصرخ، والكلاب حوله تنبح

تنهش جسمه فيترنح ..

والذين أجرموا – من المؤمنين – يضحكون ويمرحون

وحفيف الأشجار يسبح شاهد على حكومة الغدر

أخي .. حملته من السجن الكبير، بجرحه الدامي الخطير

فأسنَدتْه ركبتي، ووسدَتْه راحتي

فتبسم لي ابتسامة متعبة عليلة

ورجاني بأدمع سخينة ونظرة طويلة

أنا أبقى معه

فرآنا (العسكري) فأشبعني ضرباً وأشبعه

ومن يومها لم أره ولم أسمعه

وأدخلت (زنزانة) حسبتها قبراً

ليس فيها من شئ، غير ظلمة باردة

لسجين تهلهلت ملابسه

وتضعضعت من الهوان والعذاب قوته

وجلست وحدي أراجع نفسي وأفكر ملياً

فرأيت ذنوبي تتحداني منذ سواني الله بشراً سوياً

وانكشفت أسراري، وأغوار نفسي اتضحت جلياً

وبان تقصيري في دعوتي وأهلي وذويا

شبحاً هائلاً يتراءي لي في مقلتيا

تمتمت في سريرتي:

ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسيا

الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا ... قولاً نبوياً

والطعام يأتيني من تحت الباب شيئاً زرياً

والماء كوبة في الظهيرة وكوباً في العشيا

وغذا طلبت أخرى ضربت ضراباً وحشياً

والحلاقة عذاب وامتهان والموسي يأكل لحماً طرياً

والقمل غزاني والبق يسقط كالرميا

البق تأكله العصافير والقمل تقتله يديّ

شهران ما استحممت ولا غسلت وجهي ولا يدي

والدم والصديد يغلي في قدميَّ

والغيار الطبي بيطري لا رحمة ولا شفقة علىَّ

وليس الغيار من شفق على الإخوان ولكن لأكون على العذاب قوياً

وعند الغيار أرى إخواني أكلمهم بقلبي وعينيا

ودورة المياه محنة ليس لها في التاريخ سميا

تقضي حاجتك في لمحة بلا ماء والباب مفتوح علىَّ

فزع وجزع وابتلاء جهنم أرحم إن كنت شقيا

بالبواسير والصمم أُصبنا وبعض العقول صارت هويا

لدورة المياه قصص لا تكفيها آلاف من ليالي

وسمعت على البعد إذاعة أرهفت لها أذنيَّ

ضبط جهاز مسلح للإخوان على مستوى الجمهورية

فألقيت لله ساجداً أن عاد للإخوان صوتاً دوياً

وألقيت أخرى أن حمل اللواء شباباً قوياً

ونمن بعدها على الأسفلت مطمئنا راضياً مرضياً

ودخل الزنزانة فتيان أحدهما مدرس والثاني كان فلاحاً ثرياً

المدرس أنكر أنه من الإخوان والفلاح قال إنه شاهد في القضية

ولما علموا أنني من الإخوان جلسوا في مكان قصياً

إذا سألتهم عن الأخبار سكتوا وتجهموا ملياً

وعن أحلامهم يسألونني شيخاً تقياً

واستلمت الادعاء ( ) في يوم أمطرت السماء مطراً ندياً

وأعطاني أخي شرزة أدب الأخوة يا بني

وعرفت لأول مرة إخوتي منشرح الصدر مسروراً رضياً

وقرأت الادعاء كأنما أقرأه في محرابي مصليا

خمسة وعشرون مهندساً في أول قضية

ورأيت الأودن الشيخ ومعه الكلاب في الزنزانة بعيني

تآلفت الكلاب مع الشيخ تألفاً قوياً

الكلب ضاق بالسجن مع الإنس

فكيف بالإنس مع الكلاب شهراً سوياً

وإذا أحاطوا بالكلب ليسجنوه

ألقى بنفسه من عل على الأرض رميا

وخرجنا من الزنازين للطوابير كيوم النشور أبعث حيا

لهوفاً لإخواني وأخبارهم والنور وشئ من الحرية

جيل جديد لم أره. إني أرى شباباً باسم الثغر وقلباً فتيا

وأحسنا بالظن بالطوابير لعلها رياضة بدنية

فكانت محنة لنا مقصودة تلبس الرياضة زيا

مؤامرة لقتلنا بطيئاً وفي روسيا طبقت حرفيا

لا غداء ولا دواء ولا طوابير من الفجر لغروب الشمس يومياً

سريعاً سريعاً والسلاح حولنا والكرابيج تصلى صليا

من تساقط منا تلتهمه لا تبالي أشيخاً كان أم فتيا

ويأمر له بثلاثين أو خمسين ويعود للطابور ظلماً وغيا

وحمزة منتفخة أو داجه وهو أشد على الرحمن عتيا

والشباب على أطراف الطوابير والشيوخ في الوسط يختفون خفيا

يحملونه عند الجري وعند الضرب لهموا تقية

وبلال يتراءي لنا في حرقة الرمضاء يعذبه أمية

وصهيب وعمار بن ياسر وياسر وسمية

كان في الجاهلية من يجيرك واليوم شر البرية

سيعود الإسلام غريباً كما بدأ حقيقة مرئية

وسيف الظلم مردود على صاحبه كان وعداً مقضيا

وكم قتل السم صاحبه أخذه يوماً نسيا

صور تجعل الولدان شيبا وتضع الأنثى حملها وقتيا

وفي الشمس نقف انتباها كالصخر قويا

الشمس حارقة والرأس حاسر والعرق إلى أخمص قدميا

بيني وبين أخي ذراع فلا أنا استند إليه ولا هو مستند عليَّ

المرض يقتلني والبول يحبسني والمغص مشتد عليَّ

وطرف العيون حرام والكلام جريمة قالوا هكذا في الأوراق العسكرية

فإذا بسحابة تظللنا رحمة من الله ولطفاً علياً

ضج الجهول مزمجراً بأمر الشمس أن تظل صلياً

وإذا سقط أخي إلى جواري جسداً متصلباً خشبياً

فلا أملك له إلا الدعاء وأرنو إليه من الطرف خفيا

والصلاة أقمناها وقوفاً بتيمم وإيماءة سرية

أكان ذلك جبناً أم نصيراً أم سكينة نزلت عليَّ

أرادوها محنة وعذاباً فكان الخير فيها مقضياً

تعارفنا على إخواننا وأنباء التحقيق وصلت جلية

والقرآن حفظناه آية آية وفي صمت رائحاً وغدياً

وتآلفت قلوبنا وتوحدت، آيات لها في العالمين دوياً

ويوزع التعيين علينا بالسوية ويعطيني نصيبه لحماً طرياً

والشاي يقدمه قليلاً هو كل تعيينه معتذراً هدية

وإذا شربت تراه سعيداً يقول مبتسماً هنياً

ويجمع لي البيض والجبن والحلاوة السكرية

ويعلم ما بي فيصنع لي فتا باليمك مسقيا

ويحمل السوداء عني في الصعود والنزول خوف الأذية

وإذا الطلبة نادوا يسرع هفهافاً قوياً

يكنس الأرض بيديه ويغمرها ماء وريا

وإذا استر أمامك قد أُمرْنا أراه من خلفي درعاً قوياً

وإذا بالكرباج يهوي عليَّ يلتقطه مبتسماً رضيا

يا دموعي لا تسيلي إنه الإسلام جعل منه ملاكاً أو وليا

فداك أبي وأمي وكل أقاربي وذويا

غرباء نحن بهذا الوجود كما اغترب الصحابة من قديم

والنبي ....

لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذتك

ولكن أخوة الإسلام نور تجعل الصف سوياً

وأكلنا البطيخ بقشره ولبه .. قصة البخيل تحققت حرفيا

والجراية سرقناها بكل وسيلة وأحلت لنا بفتوى شرعية

وبئر الماء نطوف حوله ومحرم أن تمسه شفتيا

وما شبعنا وما روينا فتات الخبز نلتقطه خفيا

ملابسنا مرقعة وأحذيتنا ذابت وتحت السلالم مرمية

أظفار الموز لنا ,اصابع الموز (لسمير مراد وعلي قصرية)

وتحت السراير خير كثير جبنة وبيض وحلاوة سكرية

(ومأمون وسمير) يأخذونه بمهارة ويلتقمه الإخوان وقتياً

وفي الطابور (على عبد الله) يقول صفا يا أولياء ، انتباه يا انبيا

وأركان حرب يسأل عن التعيين كثير (ولا شوية)

بيسأل عن تعيين الكلاب وليس نصيب الإخوان شيئاً قصياً

تعيين الكلاب أرز ولحمة وشربة وتعيين الإخوان عظم 80% ...

ويوم السمك عيد عند العساكر .. لنا العظم ولهم اللحم طريا

واسأل (سمير مراد ورشاد وعدلي شيخ الحرامية

وأدون اليهودي يأكل ويشبع والبلد بلدنا وخيرنا محرم عليَّ

اللي ينسى الذل يبقى جبان لا كرامة له ولا دية...

قصة تعذيب شاب من شباب الإخوان في السجن الحربي

أنا لا أتحدث عن التعذيب وأهواله

ولا عن القتل وأحواله

إنما أتحدث عن شاب وسيم رأيته

لا شئ يستر جسمه

ربطوه بالحبال

علقوه "للنضال"

الزبانية عن يمينه وعن يساره

السوط يمزق جيمه بقوة الطاغوت وسلطانه

يا فتى تكلم

أين السلاح؟ وأين القنابل؟

وأين السيوف؟ وأين الخناجر؟

ماذا قلت له؟ وماذا قال لك؟

الفتى يصرخ بأعلى صوته مستنجداً ربه .. ربه وحده لا شريك له

الفتى الأعزل يناجي ربه:

ربي، أخشى أن تكون ذنوبي سر عذابي

" إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي "

السوط يمزق جسمه بقوة الطاغوت وسلطانه

يا فتى تكلم

أين السلاح وأين القنابل؟

وأين السيوف وأين الخناجر؟

وماذا قلت له، وماذا قال لك؟

الفتى لا يتكلم:

يطفأ "السيجار" في جسمه

وفي مكان أخجل من ذكره

الفتى يصرخ مستنجداً ربه، ربه وحده لا شريك له

أسياخ الحديد تحمى له، أسمعها (تطش) في لحمه

والفتى يصرخ مستنجداً ربه

الله حليم سبحانه

السوط يمزق جسده بقوة الطاغوت وسلطانه

يا فتى تكلم:

أين السلاح وأين القنابل؟

الفتى لا يتكلم

هاتوا الكلب له، الكلب عقور مدِّرب ، ومعه مدِّرب الكلب ينهش جسمه، وفي مكان مُحدد له

تسيل منه الدماء والطغاة يقهقهون ويمرحون

والله لا أكذب، والله لا أكذب

الفتى يغمي عليه .. هاتوا الماء وصبوه عليه حتى يفيق ويتكلم

يدخل طاغوت كبير

الجميع يقفون له ويعظمونه

الطاغوت: فكوا وثاقه، فالفتى قد يتكلم

الفتى يتكلم:

" في حجرة معزوله في بيتنا، ولا أحد غيرنا "

قلت له: خالق الكون يملكه، ومن يملك الكون يحكمه

يحكمه – وحده – لا شريك له

" والإنسان صنعته "

فهو الذي خلقه وهو الذي يرزقه

هو الذي يميته، وهو الذي ينشره

وأنزل القرآن موافقاً لفطرته، موافقاً لحاجته

والحكم بالقرآن وضع للأمر في موضعه

" ومن لم يحكم بما أنزل الله " عبد تمرد على سيده

قال لي: وكيف الحكم بالقرآن والحكم للطغيان

شنقوا منا سبعة في لحظة وكثيراً ماتوا بالليمان

فتعاهدنا على جمع السلاح والتدريب لنقاوم الطغيان

قال الطاغوت للفتى: وأين السلاح؟

لست أعرف له مكاناً

وهو لا يعرف مكاني

فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا .. وأصروا على قتله

السياط تمزق جسمه بقوة الطاغوت وسلطانه

الفتى يناجي ربه:

ربي، أخشى أن تكون ذنوبي سر عذابي

إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي

الطغاة يسبون الله في وجهه

يغمغم الفتى: رب، إنه كفر بواح لا أطيقه

يغمغم الفتى: أحد، أحد، فرد صمد، لا والد ولا ولد

يفقد الفتى وعيه، وتصعد إلى السماء روحه

الملائكة: يا شهيد الحق هيا بنا

فالصديقون والأنبياء في انتظارنا

مرحباً بأخ لنا .. كيف إخواننا

قال: لقد أقسموا أن ينصروا الإسلام أو يأتوا هنا

يا ربنا، يا ربنا، بارك لنا إخواننا

وخرجت صحف مصر الفاجرة

بصورة للشهيد مكبرة

وتحتها: هارب من العدالة .. هارب من العدالة !!

أيها الطغاة: (قتل الإنسان ما اكفره)

لو بقيت مصر لمن قبلكم ما وصلت لكم

فتنة التكفير

حين انتهت حرب يونيو 1967 – ودارت الدائرة على عبد الناصر – صدر قرار بنقل الإخوان المسلمين المسجونين بالسجن الحربي بالعباسية، إلى سجن ليمان طرة، حتى يفسحوا المكان للمعتقلين الجدد من قيادات الحرب الفاشلة.

وذهب الإخوان إلى ليمان طرة واستقر بهم المقام في عنبر الاستقبال، وهو عنبر أرضي لا تدخله الشمس، وحشر الإخوان كل ثمانية في زنزانة طولها متران ونصف وعرضها 180 سم.

وبعد أن استراح الإخوان من الطوابير الشاقة والإرهاق الشديد الذي كان نوعاً من التعذيب المقصود، ولم يعد لهم سوى النوم المتواصل. هنا بدأت تستيقظ الأفكار المخزونة التي لم تكن تجد سبيلاً للانطلاق أمام هذه المشغلة المستمرة من الخوف والرعب في السجن الحربي.

بدأت أفكار التكفير – تطل علينا – وبدأ النقاش المدعوم بالآيات والأحاديث يشغل وقت الفراغ الطويل، واشتدت المعركة الفكرية بين الجيل الجديد الذي يميل بعضه إلى فكر التكفير، والجيل القديم الذي يرفض هذا الفكر من اساسه.

وامتدت هذه القضية الفكرية إلى جميع السجون والمعتقلات فأحدثت نوعاً من الشقاق حتى أصدر فيها الأستاذ المرشد العام حسن الهضيبي كتابه (دعاة لا قضاة).

في هذا الوقت انطلقت في إعداد منظومة أعبر فيها عن فكر جماعة الإخوان المسلمين الذي ملخصه أن دعوة الإخوان تهدف إلى تحويل المسلم غير الملتزم إلى مسلم ملتزم بتعاليم الإسلام. وهذه هي:

أخا الجهالة أنا أسمع

فنحن الدعاة في طبعنا جذب الجهول إلى صفنا

فجذب الجهول إلى صفنا ربح لنا .. أخ جديد في جمعنا

نود الجهول وندعو له، كفعل الرسول لمن قبلنا

أضلوا الجهول بحب الحياة

بخمر ومال وأيضاً فتاة

بمكر وصبر وخبث الدهاة

فضل الجهول وعبد الطغاة

إنقاذ الجاهلين فرض علينا – كما فرضت على المؤمنين الصلاة

يقول الجهول لنا: بالأمس كنتم مثلنا

فهل أبنتم لنا دين الإله؟!!

وهل عدتم لنا بفيض من هذه؟!!

وهل مسحتم عن قلوبنا ران الطغاة ؟!!

وهل أديتم ما عليكم يا دعاة؟!!

إن الجهول أبي أنا

إن الجهول أخي أنا

إن الجهول جار لنا

أخشى الجهول في صفنا .. يا ويلنا .. يا ويلنا

ليس الجهول عدواً لنا. ولا أنا

إن الجهول صديق لنا حتى نبلغه البيان عن بينة.

عودة أم معاذ من السجن الحربي

ألا عادت من الحربي بعد التحقيق والزيف. وبأقذع الألفاظ

من السب والشتم. زبانية غلاظ لا دين لهم ولا خلق

استقبلها الأطفال بدموع الفرح

يا اماه كنا أيتاماً من الأم والأب

يوماً نبيت عند العم ويوماً نبيت عند الجد

يا أماه، أين الأب؟ ومتى يأتينا؟

سفر طويل – يا اماه – إن صح ما تقولين.

ألا من خطاب منه يأتينا نكفكف الدمع في مآقينا

ألا من قروش منه تأتينا، نأكل الخبز بالملح والماء يروينا

العيد غداً يا أماه، من يفتح الباب علينا، من يهنِّينا

نشكو له ما بنا وما فعلت أعادينا

من يأخذنا إلى ساحة العيد نركب الطاف ونعود بالحلوى بأيدينا

من يأخذنا إلى المدرسة يقبلنا والقرش يعطينا

وإذا مرضنا يا أماه يسعفنا وبالطبيب يأتينا

أماه – الله – عن أبتاه خبرينا. إن كان في مشفى،

أو يا للهول قد مات فعن قبره دلينا

نسكب الدمع حواليه ونزرع الرياحين

الأم .. الدمع في عينيها يترقرق. ماذا تقول وبماذا تنطق

غير أن قول الحق أولى وأوفق؟

قالت: عيالي لا تراعوا ولا تفزعوا

أبوكم حي يرزق – في سجن رهيب بعيد مغلق

لا خطابات ولا زيارات ولا أخبار عنه تطلق

صاح العيال: وكيف أبونا سجين وما علمنا عليه من سوء

فلا هو قاتل ولا سارق!

قالت: عيالي .. أبوكم من الإخوان المسلمين، ودعوه الإخوان بالحق تنطق.

وأخذت تحدثهم عن دعوة الإخوان منذ حسن البنا المرشد الشهيد الموفق.

والأطفال يستمعون كأن على رؤوسهم (الطيور) تحلق

حتى إذا سردت غزو اليهود لفلسطين وجنود الإخوان تتدفق

وحاربوا الإنجليز في القنال كذاك وأحرقوا.

حتى الأطفال مذعورين لهول ما سمعوا وما صدقوا .. نستكين

صاحوا أماه هذا حرام – هذا حرام كيف تستكين؟

قالت: أبنائي – هذا سبيل المؤمنين – غداً تكبرون. والسجن الكبير تحطمون – والله أكبر تهتفون وأبُوكم يُعتق !!

انتهى بحمد الله