حقيقة الاستقلال في فكر الإمام حسن البنا

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
حقيقة الاستقلال في فكر الإمام حسن البنا


الإمام حسن البنا

نشأت دعوة الإخوان المسلمين في ظل مستعمر جاسم على صدر الأمة العربية والإسلامية، يعمد إلى طمس هويتها وتغيب وعيها، واستنزاف مواردها، وتدمير عقول أبنائها بصورة ممنهجة، مما دفع الشعوب إلى المطالبة بالاستقلال التام أو الموت الزؤام، وحينما اقتربت الحرب العالمية الثانية على الانتهاء أدرك المستعمر أن نهايته الاستعمارية قد أوشكت على الانتهاء ومن ثم غير في منهجه الاستعماري إلى دعم السيطرة على العقول وعلى الاقتصاد وبتثبيت بعض عملاءه في الحكم الذين لم يدخروا جهدا في القيام على خدمته من أجل بقائهم في الحكم.

ولذا تصدى الإخوان لمؤامرات المستعمر سواء فكريا بالتصدي لحركات التبشير، أو سياسيا بمطالبة الجميع بالوحدة وتوحيد الصف والكلمة، أو اقتصاديا بإنشاء المصانع والمنشآت التي تخدم الشعب بأيدي مصرية، أو عسكريا حينما كون الإخوان كتائبهم للتصدي للصهاينة في فلسطين وللإنجليز في القنال، والتي – رغم شهادات من عاصروها من الضباط أو السياسيين – إلا أن بعض أذناب المستعمر يحاولون أن يشككوا الرأي العام في هذا الدور خدمة لعملاء المستعمر القابع على الحكم لا لشيء إلا لمصلحتهم ومنفعتهم الشخصية دون النظر إلى الشعب والوطن.

وفي هذا المقال سنتناول بعض ما كتبه مؤسس الإخوان الأستاذ حسن البنا والتي حاول أن يوضح فيها حقيقة الاستقلال عن المستعمر الغربي، فعلى الرغم أنه تناول في المقال الذي بين أيدينا الاستقلال الفكري والاقتصادي والثقافي لخطورتهم في وجدان الشعوب وكمقدمة للاستقلال السياسي إلا أنه لم يهمل أو يتجاهل المطالبة بالاستقلال السياسي لمصر ولشعوب الأمة الإسلامية كلها

فكتب مطالبا المستعمر بالرحيل فقال:

"هدف الإخوان المسلمون منذ نشأتهم أن يجددوا لهذه الأمة شبابها، ويبعثوا إليها مجدها، ويخلقوا روحا جديدا فى الجيل الجديد على أسس الإسلام، والإسلام كما عرفوه وآمنوا به نظام شامل لمختلف نواحى المجتمع، وبرنامج كامل يبنى الأمة على أقوم الدعائم، وأرقى المبادئ، وأروع المثل، كما يكفل لجميع العناصر والأديان حياة هانئة تحت ظلال العدالة، والإخاء، والمساواة، فهو كافل الحريات، وحامى الأقليات، ومحقق الإنصاف بين مختلف الطبقات.
ولقد كان من البديهي أن يطبع الإسلام تابعيه على الحرية التامة، والعزة المطلقة فلا يرتضون ذلا في الأرض ولا هوانا: ﴿وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ "المنافقون: 8". لهذا كان لزاما عليهم - لكى يحققوا للأمة ما يرتجون لها من عزة وكرامة- أن يعملوا جاهدين على تحريرها من نير الأجنبي، واستخلاصها من براثن الاستعمار الغاشم مستوحين في ذلك روح الحق، ونزاهة القصد ونهج السبيل.
فلما أن وضعت الحرب أوزارها، هب الإخوان يفقهون الأمة فى حقوقها، وينبهون الشعب إلى مطالبه المشروعة، ويستنهضون العزائم للعمل على نيل هذه الحقوق .. إن الإخوان المسلمين فى أنحاء الوادي ليعلنون فى قوة ووضوح أنهم لن يرتضوا بعد اليوم ذلا ولا هوانا، ولا يقبلون ترددا فى نيل حقوقهم ومطالبهم ويدعون الشعب كله، أفرادا وجماعات، أحزابا وهيئات أن يقفوا معهم صفا واحدا فى المطالبة بهذه الحقوق والعمل على تحقيقها أو الفناء فى سبيلها" (1)

وكتب في مقال أخر تحت عنوان (بيان من الإخوان المسلمين إلى شعب وادى النيل)

"إن الحقوق الطبيعية القومية لشعب وادى النيل محدودة معروفة لا تقبل جدلا ولا مساومة، وهى الاستقلال الكامل لهذا الشعب، ولن تكون لهذا الاستقلال حقيقة إلا بجلاء هذه القوات جميعها عن الوادي فى أقرب وقت، ولن تكون لهذه الوحدة حقيقة حتى تشمل كل مظاهر الحياة السياسية والاجتماعية فى جميع أنحاء الوادي شماله وجنوبه، وإن قناة السويس جزء من أرضنا يجب أن نقوم نحن بحمايته وحراسته، وإن مرافق بلادنا الاقتصادية من حقنا وحدنا أن ننصرف فى الانتفاع بها كما نشاء، وإن وضعنا الاجتماعي وحياتنا المدنية نحن الذين نرسمها ولا نقبل فيها تدخل أحد فعلى الشعب أن يحفظ هذه الحقوق، ويتفقه فيها ويتحمس لها ولا يغفل عنها طرفة عين." (2)

غير أن الإمام البنا نظر إلى الاستقلال الفكري والاقتصادي على أنه المقدمة للاستقلال السياسي، وأنه وجب على الأمة التحرر من التبعية الفكرية والاقتصادية للمستعمر وهذا هو الاستقلال الحقيقي لأن الاستقلال السياسي سيأتي يوما، لكن التبعية والاستعمار الفكري والاقتصادي سيدمر الأمة ويجعل تبعيتها للمستعمر حتى بعد خروجه، فكتب تحت عنوان "لابد من أن نستكمل استقلالنا الاجتماعي والاقتصادي والثقافي وإلا فما ثمرة الاستقلال السياسي"

يقول:

لا أَعْرِض فى هذه الكلمة لاستقلالنا السياسي لا تنقصًا من قيمته ولا إهمالاً لشأنه، ولكن لأن قضيته بين يدى قضاة كثيرين يتداولونها ويدرسونها، ولأن الوقت الذى يصدر فيه الإخوان حكمهم فى هذه القضية لم يحن بعد، وسواء أكان هذا الاستقلال السياسي الذى حصلنا عليه كاملاً أم منقوصًا، مستوفيًا شروطه وأركانه أم لم تتم فيه هذه الشروط والأركان، فليس ذلك موضوع بحثنا اليوم.
ونحن نعتقد أن احتلال الأعداء للأموال والأولاد والرؤوس والنفوس أبعد فى الأمة أثرًا، وأشد عليها خطرًا، وأطول أمدًا من احتلال الدواوين والثكنات والقلاع والمعسكرات، وبعبارة أخرى: إن العدو إذا كان حظه من الأمة أضعاف قوتها الحربية يومًا ما، وفرض القيود السياسية عليها حينًا من الدهر، فسيأتي عليها اليوم الذى تقوى ويضعف، وتنتفض مطالبة بحقوقها غاضبة لحريتها فتحرر
ولكن إذا كان حظه منها أن يحتل أرواحها وأفكارها وينسيها مقوماتها ومميزاتها فإنها ستفنى فيه طائعة ويعز عليها بعد ذلك أن تجد نفسها بين الأمم، ومن هنا قال الاجتماعيون بخطورة الاحتلال الروحي، وأنه أقوى على هضم الشعوب وابتلاع الأمم من الاحتلال العسكري السياسي.
ونحن الشرقيين نقف من الغرب موقفًا متناقضًا غريبًا فبينما نبذل كل شيء ونجاهد ليلاً ونهارًا فى سبيل الحصول على استقلالنا السياسي، إذا بنا نستعجل فى شغف ولهفة احتلال الغرب الاجتماعي والروحي والفكري، ونلقى بأنفسنا فى أحضانه مسرورين.
هل نحن مستقلون فى مظاهر حياتنا الاجتماعية؟ الجواب: لا، إننا مقلدون بكل معنى الكلمة، مقيدون فى ذلك من هذا التقليد الغربي بأثقل القيود، مسرفون فى الإعجاب بهذه القيود المزخرفة إلى حد تضيع فيه كرامتنا، وتتحلل مميزاتنا وقوميتنا، ويفنينا فى غيرنا فناء لا حياة بعده.
أدخل بيوت الرؤساء والكبراء وأعيان هذه الأمة المصرية المسلمة ووجهائها وكبار موظفيها من رئيس مصلحة فصاعدًا بل ونازلا، فهل ترى فى هذه البيوت كلها إلا مظاهر أوروبية، وعادات غربية، ولغة أجنبية، وخدمًا لا يمتون إلى مصر ولا ينتسبون إليها بنسب، وأولادًا من بنين وبنات فى مدارس الأعاجم ومعاهد الأعاجم؟! وفى هذه البيوت الأعجمية الغربية تتربى مصر العظيمة الحاكمة، مصر فى أعلى طبقات بنيها وأفلاذ كبدها، ومن هذه البيوت سيخرج الوزراء والحكام والموظفون العظام.
وكل الشعب يقلد ذواته وأعيانه وأولى الأمر فيه، ومظاهر الاستعمار الاجتماعي والاحتلال الاجتماعي تطغى وتستشرى حتى تعم الصغير والكبير، هل هذا لأننا أمة ليست لها مقومات اجتماعية، وليست لها مميزات سجلها التاريخ وزكتها الحوادث؟ لا، ولكن لأننا نسينا هذه المقومات إعجابًا بزخرف المدنية الغربية ولذاتها وشهواتها هذا من الوجهة الاجتماعية.
أما عن الوجهة الاقتصادية فاسمع لغة الأرقام، وحسبك أن تنعم النظر فى هذه الحقيقة لتعلم إلى أى حد نحن مستقلون اقتصاديًا. للأجانب فى مصر رءوس أموال تقدر بأكثر من أربعمائة مليون جنيه، ومصر تزرع ستة ملايين من الأفدنة، فكل فدان حينئذ مطالب بتسديد ستين جنيهًا وأكثر.
لو شئنا أن نستقل اقتصاديًا فهل يفي ثمن أفدنتنا بهذا المقدار؟ دع الديون الأهلية وفوائدها، ودين الحكومة وملحقاته، وانظر من الذى يتحكم فى الأسعار والأسواق والأعمال والشركات كل هذا فى يد غيرنا ونحن له فيه تبع. هذا الفقر المالي والقيود الاقتصادية التي تكبل مصر وتضغط على تقدمها الاقتصادي عبء ثقيل لا يحتمل، ولابد من النظر في النهضة الاقتصادية حتى نتحرر من هذه القيود.
نحن لا نقول بعدم التعاون مع الأجانب فى رخاء مصر وإسعادها، ولكن الذى نريده ويجب أن نعمل له هو إعادة الأمور إلى نصابها، فيكون أهل الوطن هم الأصل، هم المحور الذى تدور عليه الأعمال، وغيرهم لهم فى ذلك مساعد وتبع، وإلا فلسنا بمستقلين استقلالاً حقيقيًا نفرح به ونحسد عليه. وهذا من الوجهة الاقتصادية كذلك.
وأما الوجهة الثقافية والفكرية فحسبك أن تعلم أننا لا نضع منهاجًا لشيء إلا نظرنا ما فعل الغرب، وحاكينا فى ذلك الغرب، واقتبسناه من الغرب، وحسبك أن ترى أن الطبقة المثقفة منا تؤثر أدب الغرب وأفكار الغرب ولغة الغرب فى التخاطب فيما بينها على كل ما يقابل ذلك من أفكارنا ولغاتنا ومظاهرنا الفكرية. هذا الاختلال الروحي خطر أشد الخطورة على مستقبلنا، وما لم نتحرر اجتماعيًا واقتصاديًا وثقافيًا فإن حريتنا السياسية ستكون حرية مغلولة مقيدة.
ولئن كانت مهمة السياسيين فى هذا البلد وغيره من بلدان الشرق أن يكفلوا هذه الحرية السياسية ويصونوها، فإننا نرجو أن تكون مهمة الإخوان المسلمين تحرير الشعوب الشرقية من ذلك الطغيان الأقوى الأشد طغيان الاستعمار الروحي، بلفت نظر هذه الشعوب إلى الإسلام وتعاليم الإسلام ومبادئ الإسلام. (3)

لم يكن حسن البنا أو الإخوان المسلمين أصحاب كلمات رنانة فحسب، بل كانوا رجالا عملين يطبقون ما يقولوه، حتى ظلت بعض كلماتهم خالدة لتوافقها مع أفعالهم.

"ونحب كذلك أن يعلم قومنا أنهم أحب إلينا من أنفسنا، وأنه حبيب إلى هذه النفوس أن تذهب فداء لعزتهم إن كان فيها الفداء، وأن تزهق ثمنًا لمجدهم وكرامتهم ودينهم وآمالهم إن كان فيها الغناء، وما أوقفنا هذا الموقف منهم إلا هذه العاطفة التي استبدت بقلوبنا، وملكت علينا مشاعرنا، فأقضت مضاجعنا، وأسالت مدامعنا، وإنه لعزيز علينا جد عزيز أن نرى ما يحيط بقومنا ثم نستسلم للذلة، أو نرضى بالهوان، أو نستكين لليأس، فنحن حين نعمل للناس في سبيل الله أكثر مما نعمل لأنفسنا، فنحن لكم لا لغيركم -أيها الأحباب، ولن نكون عليكم يومًا من الأيام" (4)..

المراجع

  1. مجلة الإخوان المسلمون: العدد 89، السنة الرابعة، 7 ربيع أول 1365 - 9 فبراير 1946، صـ3- 5.
  2. المرجع السابق: العدد 93، السنة الرابعة، 8 ربيع ثان 1365 - 12 مارس 1946، صـ3- 4.
  3. المرجع السابق: العدد 7، السنة الخامسة، 23 ربيع الثاني 1356ه - 2 يوليو 1937م، صـ1، 7.
  4. رسالة دعوتنا: مجموعة رسائل الإمام حسن البنا، دار التوزيع والنشر الإسلامية.