حقائق وأسرار

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
حقائق وأسرار
غلاف كتاب محمد العدوي.jpg


بقلم / الأستاذ محمد العدوي

تقديم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله وصفوته من خلقه سيدنا محمد أرسله الله شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا. صلى الله عليه وعلى آله وصحابته ومن دعا بدعوته واتبع هديه إلى يوم الدين آمين.

وبعد: فقد قرأت كتاب ( الإخوان المسلمين أحداث صنعت التاريخ – الجزء الأول – رؤية من الداخل) فحركت قراءته فى نفسى ذكريات وخواطر ومن قبل تحدث إلى كثير من الإخوان فى تسجيل ذكرياتى الدعوة وأحداثها وتقديمها نقية صادقة لهؤلاء الذين اعتنقوها فكرة ومذهبا ليزهق ما سمعوه من زيف وتحريف, فكنت أقتنع بقولهم وأرى ذلك واجبا ولكنى كنت أشفق على نفسى أن أتعرض لهذا الأمر وكنت أحس أن اثنين من الإخوان هما أقدر من يتكلم فى هذا أحدهما الأخ محمود عبد الحليم.

ولقد كانت سعادتى غامرة حين أحضر لى أحد الإخوان نسخة من هذا الكتاب فقراته بشغف وأنا فرح ووجدت أن بعض الأحداث – وقد رواها المؤلف بعد هذه الفترة الزمنية الطويلة من ذكراته – تحتاج إلى ذكر ما عندى لعلها تكون أكثر وضوحا وبخاصة أن بعضها قد تناول التغيير تاريخه وأبطاله.

وأستعين بالله راجيا التوفيق لتسجيل ما فى ذاكرتى مع اعتقادي أنى لا أكتب تاريخ الإخوان ولا أؤرخ لمسيرتها الطويلة الحافلة بالأحداث لأنه طويل عريض عميق يحتاج إلى حلقة مدارسة وتسجيل يضطلع من حضر أحداثها يقول كل ما عنده ويصححون ويناقشون فإن تاريخ الدعوة ملك لها وللأجيال.

وادعو الله أن يذكرني ما نسيت وأن يصحح لى ما أقع فيه من خطأ وان يغفر لى فالمر خطير، ونحن شهود أمام محكمة التاريخ – يقسم كل أن يقول ما يعلم- وهل كل ما يعلم يقال- وبعد فهي عزمة متوكل مستغفرا الله قبل أن يبدأ ويستعينه ويستهديه وهو الموفق والمعين.

وهو يقول الحق ويهدي السبيل.

محمد العدوي

جهاد الأحزاب ووطنيتها

أدرت عجلة الزمن إلى الوراء ووجدت نفسى طالبا صغيرا أهتف مع الطلبة الذين يكبروننى سنا بحياة سعد وسقوط عدلى ثم إذا بى أسير فى جنازة تهتف بحياة ذكرى سعد وحياة خليفى سعد كل هذا وأنا لا أعرف شيئا ولكننى أردد ما يقوله الكبار مدفوعا بعاطفة لم أتبينها حينئذ.

ثم حكمت مصر بما سموه وقتئذ باليد الحديدية ثم سمعت بإلغاء دستور 1923 ثم بإعلان دستور 1930 ثم إعلان تحريم اشتغال الطلبة بالسياسة وهدد كل طالب يخالف ذلك بالفصل وكذلك إذا رؤى يحمل صحيفة أو مجلة بالمدرسة.

وفى يوم فيه الفرح وعطلت المدارس لأن جميع الطلاب خرجوا يهتفون من الأعماق بحياة نسيم الحرية, فقد سقطت وزارة عبد الفتاح يحيى باشا وجاءت وزارة محمد توفيق نسيم باشا وألغيت القيود المفروضة على الطلاب وأعلن زعيم الأمة حينئذ تأييده الكامل للوزارة الجديدة, وهكذا سقط دستور 1930 , وانتظرنا الخير وكان فى تقديرنا عودة الدستور 1923 وجلاء الجيش الاحتلال أى استقلال البلاد ولكن الأيام تمر والوعود لا تحقق, وأحرج المؤيدون للوزارة حتى جاء يوم 13 نوفمبر 1935 وهو ما كان يسمى وقتئذ ( عيد الجهاد الوطنى) وعقد الوفد مؤتمره الوطنى فى سرادق كبير وخطب فيه من خطب ثم أعلن الوفد سحب تأييده للوزارة لمذا؟ لأنها لم تعلن الدستور 1923 وأعلن الوفد الجهاد وخرجت المظاهرة وتصدت لها قوات البوليس ودائما هى هى, وكانت هتفات وانطلقت الرصاصات وسقط أحد العمال قتيلا. وسارت مظاهرات 13 نوفمبر تهتف مطالبة بدستور 1923 , وفى اليوم التالى 14 نوفمبر قامت مظاهرات الجامعة المصرية تهتف مطالبة بالاستقلال وجلاء جيش الاحتلال.

وأمام ثكنات الجيش البريطانى فى قصر النيل( ميدان التحرير الآن) اطلق الانجليز النار وهكذا بين رصاص البوليس بقياد ضابط انجلترا ورصاص الجيش الانجليزى سقط القتلى فى القاهرة ومنهم عبد المجيد موسى وعبد الحكم الجراحى واشتعلت ثورة 1935 فى جميع المدن وتعطلت الدراسة وسقط القتلى أيضا فى كثير من المدن.

الوفد ون يهتفون للدستور لأنه طريقهم إلى الحكم والباقون يهتفون للاستقلال هؤلاء يصرون الدستور أولا وأولئك يردون الاستقلال أولا وتاه الشباب, ولكن دورهم كان حاسما حيث أخذوا يمرون على دور الأحزاب ويقابلون رجالها ورؤساءها ويضغطون عليهم وتوجهوا بخطاب إلى الملك فؤاد ليتدخل فى الأمر ويحسم الخلاف ويجمع الكلمة.

وتدخل الملك وهو فى فراش مرضه الأخير حيث وجه الدعوة إلى الزعماء وناشدهم الاتحاد وخرجوا من عنده باتفاق وتشكلت وزارة علي ماهر لإعلان الدستور وإجراء الإنتخابات وتكونت الجبهة الوطنية من جميع الزعماء ثم توجهوا إلى المندوب السامى البريطانى لإجراء مفاوضات مع بريطانيا. وبدأـ المفاوضات وانتهت بمعاهدة 1936 التى سماها الوفد معاهدة الشرف والاستقلال وكان الذى رأس وفدها النحاس باشا بعد أن أجريت الانتخابات وفاز بها الوفد بأغلبية مكنته من تشكيل وزارة وفدية.

وفى اثناء وزارة علي ماهر باشا مات الملك فؤاد ونودى بعده بإبنه فاروق ملكا بعد والده وكان آنذاك فى انجلترا يتعلم بأمر من انجلترا. وعاد فاروق وتغير اسم المندوب السامى إلى السفير البريطانى, الاسم تغير والرجل واحد والسياسة واحدة, وفى وسط هذا الخضم الهائل من الأحداث المتراكمة المتلاطمة, وفى هذا العام العامر بالأحداث كشفت الرجال والهداف والنوايا والوسائل – غمرتنى رحمه الله وتعرفت على جماعة الإخوان المسلمين.

الوجه الآخر

فى هذا المناخ المضطرب المتناقض تحت ستار الوطنية كان هناك الوجه الآخر للإستعمار الذى كان أمرا طبيعيا أن يظهر وينمو فى الأرض المصرية وهو انتشار المبشرين فى جميع أنحاء البلاد فى تبجح وعلانية مما أدى إلى رد فعل طبيعى فى الأوساط المثقفة المصرية. فبدأ صدور المجلات الإسلامية لترد على افتراءات المبشرين وضلالاتهم وأخذ الناس فى قراءتها وزاد عدد قرائها كما زاد عددها وكذلك بدأ تكوين الجمعيات الخيرية الإسلامية وأذكر أنه تخرج فى هذه الأيام أول دفعة من تخصص الوعظ والإرشاد, وبدأ الأزهر يقوم بدوره المنحصر فى النشاط المضاد لحملة التبشير, فكانت المساجد فى هذه الأيام تكاد تخلو من الشباب.

شعاع من النور :

فى غمرة من النشاط السياسى وبعد ظهور نتيجة الانتخاب المنصور ة جاءت على غير ما نرجو مرت علينا ذكرى مولد الرسول صلى الله عليه وسلم وذهبنا نحن الشباب إلى سرداق الذكرى نهتف لرجلنا الذى سقط فى الانتخابات ونتحدى مرشح الوفد الذى نجح. وبعد قليل قام الرجل وقمنا معه وهو يقول فلنذهب إلى حفل الإخوان وذهبنا, وبدأت أرى النور. هل يرى فى النور ظلام؟ لا. هل يرى مع النور ظلام. نعم فقد كان المتكلم يشع النور وكنت ومن معى ورجلنا ظلام كثيف وكان الحفل المتواضع أقوى من ظلامنا, فتبدد ظلام نفسى ورفعت غشاوة عينى وسمعت صرير مفتاح يفتح قلبى. تحسست الأرض بقدمى وأجلت بصرى وحركت يدى وتأكدت أنى فى يقظة وأيقنت أنى أفقت وتخلصت من كابوس ثقيل.

سمعت رجلا يتكلم عن الإسلام شارحا موضحا وعن المسلمين وحالهم وما عليهم من فرائض وواجبات وفى معرض الكلام ذكر قصة. قال :" بينما هو فى بيت الله الحرام إذ رأى رجلا يبكى أمام الكعبة فأقبل سائلا: ما يبكيك يا أخى؟ رد الرجل: يبكينى حالى وحال المسلمين: قال السائل ومن أى البلاد أنت ومن تكون قال الرجل: من مسلمى جاوه, وبدأ الجاوى المسلم يسأل بدوره: ومن أنت ومن أى البلاد جئت؟ قال أنا حسن البنا ومن مسلمى مصر وهنا انتفض الجاوى وهو يقول: ويحكم يا أهل مصر , فقال له ولماذا يا أخا الإسلام ويقول الجاوى: مصر زعيمة العالم الإسلامى ينظر المسلمون إليها مقلدين فى كل أمر ولكن مصر غارقة فى الشر سادرة فى الإثم ولا تقدم لنا إلا كل شر والمسلمون فى كل البلاد يقلدونها ويقتدون بها ان الله سائلكم عن شروركم وشرورنا.

يا سبحان الله ما كاد الأستاذ البنا ينتهى من قصته حتى أحسست بأقفال قلبى وقد تفتحت وكانت ليلة مباركة خرجت فيها من الظلمات إلى النور وصدق الله" كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم" اللهم أدم علينا نورك ومتعنا بنور كتابك ونور نبيك الكريم وأخرج الناس كل الناس من الظلمات إلى النور انك رحمن رحيم.

وكان ذلك آخر العهد بالأحزاب والحزبية ولله الحمد المنة.

من ذكريات الإمام

وكان من ذكرياته رضى الله عنه فى هذا الموسم أن أقيم حفل لكبار الحجاج تكريما لهم بعد انتهاء المناسك وكان من تقاليد ذلك الحفل أن يحضره الملك عبد العزيز آل سعود. ويخطب فيه عدد من الحاضرين.

وكان منهم الدكتور محمد حسين هيكل, وبعد انتهائهم من القاء كلماتهم استأذن الأستاذ رحمه الله ووقف يتكلم فبدأ باسم الله الرحمن الرحيم وحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله صلى الله عليه وسلم , وعنا وقف أحد الحاضرين وقال يا حاج أنت أول من تكلم فقد بدأت باسم الله وحمدته وصليت على رسوله فيتقبل الله منك أما من سبقوك فقولهم رد عليهم.

وقد أخذ كلام الأستاذ بقلوب الحاضرين حيث حقوق الغاية ( ليشهدوا منافع لهم) وكما حرك كلامه القلوب وأثارها مقد صرف الحاضرين عن كبار المتحدثين سواه ومنهم الدكتور محمد حسين هيكل وكان من جراء ذلك ما كان.

فاروق :

حضر فاروق من لندن وهو الشاب الذى ولد وقد ملأت أذنه هتافات الشعب بحياة مصر فى ثورة 1919, وكان هناك أمل فى احتضانه وتوجيهه لتحويل البلاد إلى المسار الإسلامى.

وكان الشيخ محمد مصطفى المراغي شيخا للأزهر مقربا من القصر وأراد – حسب تخطيط مرسوم يعلمه رئيس الديوان – أن يجعل حفل تنصيبه ملكا فى الأزهر مبايعة من الأمة, وكانت أزمة بين القصر والوزارة, فالوفد بزعامة النحاس وسكرتارية وليم مكرم عبيد رفضوا هذا التخطيط تماما وأصروا على أنه يكون تنصيبا رسميا فى مجلس النواب, وطبيعى جدا أن يكون المندوب السامى فى صف الوزارة إن لم يكن وراء الموضوع كله.

هنا فكر الشيخ المراغى فى تخطيط آخر وحدثت اتصالات وذلك فى موكب تحضره شعبية فى ميدان عابدين بمناسبة زواج الملك الشاب , وذلك فى موكب تحضره الجماعات الإسلامية والطرق الصوفية ورجال الأزهر وسار الموكب يتقدمه الإخوان بعلمهم الأخضر فى وسطه هلال يحتضن كتاب الله إلى أن وصل إلى عابدين.

ووقف الملك فى شرفة القصر يستمع إلى هتافات الآلاف ( الله أكبر ولله الحمد) الله أكبر والقرآن دستورنا. الله أكبر ولا حكم إلا بالقرآن.

هذا ما كان, ولكن يدا تبنى وأيد كثيرة تهدم" وما نيل المطالب بالتمنى".

الهام :

وفى هذه الفترة, بعد سقوط القتلى فى عام 1935 بدأ الوفد ينظم شبابه فى فرق عسكرية تلبس قمصانا زرقاء لينازل بهم فرق القمصان الخضراء التابعة لجمعية مصر الفتاة .

وكان فى الميدان فرق الرحلات الخاصة بالإخوان كما تكونت بعد فرق للحزب الوطنى وأخرى لعباس حليم تحت اسم حزب العمال.

وأخذت الفرق تتدرب, ولما جاء الوفد إلى الحكم واشتدت حملات المعارضة عليه تحولت الفرق الزرقاء إلى ميليشيا حزبية شبه عسكرية مسلحة بالعصى والخناجر وأخذت تهاجم دور الأحزاب الأخرى, وبدأت الاشتباكات بين الزرقاء والخضراء وسقط قتلى مما جعل المعارضة تطالب بحل القمصان الملونة.

لم ينتظر الإمام القائد وقد وجد الباب مفتوحا أمام تحول فرق الرحلات إلى فرق الجوالة وسجلها فى جمعية الكشافة الأهلية. ومعلوم أن الجوالة والكشافة خاضعة لنظام عالمى وفى مصر تحت رعاية الملكية حيث كان فاروق ( كشاف مصر الأعظم).

وما أن انتهت سنة 1937 حتى أقبلت حكومة الوفد وألف الوزارة محمد محمود باشا وقبل أن يتخذ اول قرار لمجلس الوزراء, وهو حل القمصان الملونة كانت القمصان كلها فى خبر كان ونجى الله فرق الإخوان من الحل بالهام الله قائدها ومرشدها إلى ما اتخذ من قرار.

المعركة متصلة والعاقبة للمتقين

وفى عام 1936 كان فى مصر المندوب السامى البريطانى, وفى فلسطين الحاكم العام البريطانى, فلسطين التى قال فيها القائد الانجليزى بعد انتصاره على الأتراك فى الحرب العالمية الأولى سنة 1918 لما دخل القدس محتلا مزهوا" الآن انتهت الحروب الصليبية" أحقا هذا هل انتهت المعركة؟؟ لا يا بريطانيا لا يا أمريكا لا يا روسيا لا يا صهاينة لم تنته المعركة ولكنها جولة تتبعها جولات وسيعلمون لمن تكون الجولة الأخيرة( ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله).

كانت فلسطين ثورة مسلحة حمل المجاهدون فيها السلاح وأووا إلى الجبال واتخذوا من كهوفها منطلقا لجولاتهم وهجماتهم. باعوا أرواحهم لله يقودهم إيمانهم ويوجههم قائدهم مفتى فلسطين الأكبر الحاج أمين الحسيني, واشتد لهيب المعركة وامتد أوارها إلى كل فلسطين وكان الإخوان – فى هدوء وصمت – يساندون المجاهدين ويجمعون لهم ما يستطعون من سلاح ومال. ويحركون الضمير الإسلامى لمعاونة المجاهدين وكان اتصالهم دائما مع فضيلة المفتى الأكبر.

المؤامـرة

بريطانيا والملوك وفلسطين الشهيدة

عجزت الجيوش الإنجليزية عن حماية نفسها وعن حماية اليهود أمام هجمات المجاهدين بقيادة فوزى القاومجى وآل الحسينى فبدأت المؤامرة واتصل الانجليز بالملوك والرؤساء العرب حتى أصدر هؤلاء بيانا يناشدون فيه المجاهدين وقف القتال ويتعهدون بحفظ الحقوق ويتبنون محادثة الإنجليز لحل المشكلة, وقال الملك عبد العزيز قولته المشهورة ( لن أدع قضية فلسطين ولو ضحيت بأولادى جميعا).

ووقف القتال ودعى إلى المائدة المستديرة فى لندن وليت المقاتل ما أطاع, وليت المجاهد ما وضع السلاح. ولكن هكذا تم" ولله الأمر من قبل ومن بعد." ثم شرعت بريطانيا فى تنفيذ مخططها لتصفية الثورة الفلسطينية, فحاصرت الجبال وسدت المنافذ إليها وأحكمت الحصار تخت سمع الملوك والرؤساء وبصرهم, ثم بدؤا يجهزون اليهود ويسلحونهم ويمنون العرب بالأمانى العذاب, ويحذرونهم حتى ينفذ المخطط, وقامت الحرب العالمية الثانية وأعلن اليهود تكوين فرقة منهم للحرب بجانب الحلفاء ودربت وسلحت لتكوين نواة للجيش الإسرائيلى, هكذا كان اليهود يخططون وينفذون ولا يتكلمون, أما العرب فهم يتكلون كثيرا وعلى استحياء حتى أن أحد رؤساء وزارة مصر وهو ذاهب إلى لندن ليتحدث فى موضوع فلسطين يسألأه أحد الصحفيين هل ستتحدث فى موضوع فلسطين, فيجيب أنا رئيس وزراء مصر ولست رئيس وزراء فلسطين, ذلك هو محمد محمود باشا.

أما الإخوان فظلوا يقومون لمساندة الثوار وجمع التبرعات وإعداد ما تتطلبه المعركة, ثم قاموا بطبع كتاب( النار والدمار فى فلسطين الشهيدة) مزودا بالصور والأسانيد التى تفضح تآمر الانجليز وفظائعهم فى تعذيب العرب وتشريد النساء والأطفال وتدمير القرى والبيوت ومحاصرتها وتفتيشها بهمجية ووحشية, وانتشر دعاة الإخوان فى كل مساجد مصر يخطبون ويحركون الضمير الإسلامى فى قلوب الناس.

ولكن الإنجليز فى فلسطين هم الإنجليز فى مصر فسلطوا حكومة مصر وحركت البوليس والنيابة لتهاجم دار المركز العام للبحث عن المنشورات والكتب ومصادرتها, وهذه هى فلسطين التى يتأدرون بقضيتها الآن, وهذه هى حكومة العرب وجهادها.

مؤتمر فى المنصورة

وفى سنة 1936 عقد مؤتمر فى دار الإخوان بالمنصورة ودعانى أحدهم للحضور لأنى أصبحت من الإخوان ووقف المرشد العام يتكلم عن الدعوة وعن نشاط الإخوان وإدارياتهم, وأذكر فيما أذكر ان تعرض فضيلته للحكومة والإمامة فى الإسلام.

وإذا بى فى حماس أقف هاتفا عاش الملك الصالح عاش أمير المؤمنين" ولفت نظرى أنه لم يردد هتافى واحد من الحاضرين وشعرت كأنى ألقى على ماء بارد.

أن تفكيرى ما زال حينئذ متأثرا بالسياسة الحزبية وأسلوب الأحزاب وظل اثر هذه الحادثة فى نفس مائلا حتى التقيت باستاذى وأخى طاهر عبد المحسن فى معسكر الدخيلة بالأسكندرية سنة 1937 وتكلمت معه فى هذا الموضوع ( الملك الصالح وأمير المؤمنين) وفى جلسة هادئة على الرمال شرح لى شروط الإمامة وإمارة المؤمنين وأوصاف الأمير وكيفية اختياره ومبايعته, وظل يتحدث حتى أجتث من داخلى جذور الماضى الحزبى وأشرق فى قلبى نور الإسلام.

معسكر الدخيلة سنة 1937

أخبرونا فى شعبة المنصورة بنبأ معسكر الدخيلة للإخوان, والذى سيقام لمدة شهر مقسما إلى دفعات كل دفعة عشرة أيام. وأعد إخوان المنصورة مجموعة من الجوالة للسفر إلى المعسكر وكانت فترة لازلت أعيش ذكرياتها.

المرشد العام مقيم بالمعسكر يلبس ملابس الجوالة كأى واحد من الإخوان ( القميص والبنطلون الكاكى والمنديل) وقد كان واضحا أنه حريص على أن يكون البنطلون ساترا لركبته, ولا أحب أن أستطرد كثيرا فى الحديث عن هذا الأمر فوصفه شىء وتذوقه شىء آخر, ولكن قصة صغيرة حدثت لى عرفتنى من حسن البنا فقد أصدر قائد المعسكر – وأظنه كان الأخ محمود أبو السعد – قرارا بمعاقبتى لسبب من الأسباب بصرف نصف رغيف فقط فى وجبة الغداء... فصدعت بالأمر رغم ما أحس به من جوع لخروجى من البحر.

وكانت جلستى بجوار فضيلة المرشد العام, وكان ما كان, فقد لاحظته وهو يجمع الخبز من أمامه محاولا أن يعطيه لى ثم يضعه ثانية... مازالت الصورة ماثلة أمامى ... الوالد فى حنانه وعطفه, والجندى الذى تمنعه جنديته من تحطيم الأمر كل ذلك رغم مكانته بيننا. لم يذق الرجل الطعام وظللت أرقبه وأحس بعاطفته. لم يتكلم ولكن قلبى سمع ما يقول قلبه... وكان درسا أفدت منه الكثير وأرجو ألا أنساه طول عمرى.

قائد متجرد لدعوته

هذا هو حسن البنا فى زيه الكشفى يعيش بيننا كواحد منا وينام وحده فى خيمته الصغيرة. وهذا أحمد السكري وكيل الإخوان يزورنا فى المعسكر مرتديا زيه الكشفى بذلة صوفية من الجبردين الكاكى والشارات بادية تزينه وكان معه آخر عرفت فيما بعد أنه الصاغ محمود لبيب.

وانتهت مدة اقامتى بالمعسكر وقد عرض فضيلة المرشد الأب الحنون أن أبقى مدة ثانية, ولكنى اعتذرت لعذر عندى. وقد علمت ان الإخوان الجوالة سيصلون الجمعة فى مسجد سيدى جابر مع الملك فاروق, وذلك بعد اعتراض محافظ الأسكندرية واتصال ببعض المسئولين.

وقد التقيت ببعض الإخوان ممن حضروا هذه الصلاة وسألته وروى الأخ كيف اصطف الجوالة ووقف حسن البنا المرشد العام وسط الصف كواحد منهم حتى وصل فاروق عند باب المسجد للخروج, وسأل عن رئيس الجوالة ليصافحه, ولم يتقدم المرشد العام, واضطر أحمد السكري للتقدم والسلام على فاروق.

فى هذا الموقف كان بعض الإخوان يوزعون نشرات تشرح دعوة الإخوان وهدفهم ومنهجهم.

ولقد كان معسكر الداخلية بمثابة مدرسة نموذجية لتدريب الإخوان عمليا على نظام الكتائب الذى هو أساس حميد لتربية الإخوان .

ومما يذكر أن أحد المخبرين يقف على ربوة قريبة من المعسكر يرصد أعمالنا فكان المرشد العام كلما رآه يضحك ويقول ما لهذا المسكين يقف هكذا, أنه لو حضر إلينا لأجلسناه بيننا من قرب. ولكنه البوليس السياسى.

على الطريق :

وقد حضر هذا المعسكر نخبة من شباب الإخوان منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر مواصلا طريقه, ومنهم من قعد ولا نملك إلا أن نقول ما قاله حبيبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ( اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبى على دينك).

ولقد كان نظام المعسكر يشمل قيام الليل والرياضة البدنية والتدريب والروس والتوجيهات من فضيلة المرشد أثناء الدرس قائلا, يا فضيلة المرشد العام مسجيبا معلما شارحا وكأننا لم نصل من قبل, وكان توضيحه وشرحه عمليا فجزاه الله عنا خير الجزاء.

أخلاق الدعاة :

ومما أذكره أيضا أن جريدة المصري كانت قد نشرت مقالا تهاجم فيها الإخوان تحت عنوان ( جمعية إسلامية تتسبب فى جنون الشباب) وقد رد الأخ صالح عشماوي بمقال عنيف فى المجلة فأرسل اليه فضيلة المرشد خطابا يعتب عليه مذكرا له أن ما فعله ليس أسلوب الجماعة ونشر الأخ صالح الرسالة مع تعقيب استهله بقول الله تعالى ( لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم).

لا تعجلوا :

وكان ممن حضر المعسكر أيضا الأخ ( المغلاوي) وقد أعجبت به فعلا فى صلاته وقراءته وقد تحدث مع فضيلة المرشد حديثا قال فيه أن الدعوة لابد لانتشارها أن ننتقل إلى ساحة القضاء, فلتكن قضية, وليكن اتهام وليكن حكم وليكن إعدام, وأنا على استعداد لأن أكون المتهم فى هذه القضية فشكره القائد وهدأ ثائرته قائلا لكل شىء أوانه, وكل شىء عنده بمقدار , وفى خطابه رضى الله عنه فى المؤتمر الخامس رد( لهؤلاء) المتعجلين من الإخوان .

المؤتمر الخامس

وفى اليوم الثالث عشر من شهر ذى الحجة سنة 1357 انعقد المؤتمر الخامس للإخوان فى سراى آل لطف الله بالجزيرة.

ومما هو جدير بالذكر أن حزب الوفد كان قد عقد مؤتمره الوطنى ( الوفد ى) فى ذات هذا المكان ولكن شتان بين مؤتمر مظهرا ومخبرا شكلا وموضوعا.

وقد اشترك الجوالة فى تنظيم المؤتمر وألقى المرشد العام خطابه( رسالة المؤتمر الخامس) وفيه حدد مواضع الإقدام والسبيل إلى الهدف المنشود, وقد نشر الخطاب الواضح المحدد الملزم للجماعة فى مجلة النذير الأسبوعية.

وكان عدد شعب الإخوان فى هذا الوقت ثلثمائة شعبة, وقد طالب القائد نواب الشعب بتكوين كتيبة من أربعين أخ فى كل شعبة فى تربية كاملة روحيا وعقيل وبدنيا, وقد قدم نموذجا منها فى معسكر الداخلية وكان نظام الكتيبة كالآتى:

منهج التربية :

يجتمع الإخوان فى معسكران أمكن أو فى الشعبة, والأفضل أن يبدأ من مغرب يوم صاموا فيه, ويجتمعون على الإفطار وصلاة المغرب بعد طابور رياضى خفيف, ثم قراءة الوظيفة من رسالة المأثورات وبعد صلاة العشاء درس دينى ثم توزع نوبات الحراسة ويستيقظ الجميع قبل الفجر وبعد صلاة الفجر نقرأ الوظيفة ويعقبها درس ثم طابور رياضة ثم يتناول الجميع طعام الإفطار سويا, وينصرف كل إلى عمله ومدة الكتيبة يجب ألا تقل عن أرعين ليلة فى العام الهجرى بحيث لو نقصت عن ذلك لزم إعادة السنة, وبهذا يتكون الأخ قوى الروح ذكر العقل متين الساعد محققا شعار المؤمنين ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة).

تمحيص :

وفى هذه الأيام انفصل عن الركب مجموعة ( شباب محمد) ثم عاد منهم اثنان إلى الصف بعد تجديد البيعة أحدهما أرجو أن يكون قد لقى ربه شهيدا كما جاراهم فى نفس الوقت ولغير الأسباب الأستاذ عيسى عبده وأحمد حسن الباقوري وفهمي أبو غدير, ولابد من سؤال يطرحه الإنسان على نفسه , ماذا قدم هؤلاء المتحمسون للإسلام وعلى رأسهم محمود أبو زيد المحامى... لا شىء خرجوا من الصف يشتعلون حماسا, ثم انقلب حماسهم إلى حرب على الجماعة, ثم انفرط عقدهم ولم يبق منهم فيما أظن تحت أسم شباب محمد إلا أخوان اثنان.

درس :

ودرس من ذلك أعيه جيدا وفى نفس الوقت أذكره لهم بالخير أنه عقب مقتل الإمام الشهيد خرجت مجلة النذير, وفى صفحتها الأولى كلمة تحت عنوان ( استشهاد حسن البنا) وصدرت النذير وشرد من بقى من شباب محمد, أما الدرس فهو أنى قد لقيت أحدهم فى سوهاج وكنت وقتئذ أعمل بها وعلمت أنه نقل اليها مبعدا, ووجدت فرضا على – وأنا مقيم فى سوهاج – أن أقوم بتيسير إقامة أخى فعرضت عليه نفسى واستعدادى وإمكاناتى.

فما كان منه غفر الله له إلا أن اعتذر حتى عن مجرد اللقاء. وهكذا كان شخصا أخر انطفأت جذوة الحماس فى قلبه.

وهذا ما حذرنا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهو من حيل الشيطان يزين القعود للخاملين أو يلهب حماس المتحمسين وفى الحالتين يخرج الواحد منهم من الصف فيلتهمه الشيطان, ومن هنا تعلمت أنه لابد من الاستمساك بالنصيحة والطاعة فى المعروف, اللهم ثبت أقدامنا يوم تزل الأقدام. آمين.

عام 1938:

عقد المؤتمر الخامس للإخوان فى سراى آل لطف الله, ومن الناحية السياسية وفى 1937 حدث انشقاق فى صفوف الوفد وخرج منه أحمد ماهر والنقراشي وممدوح رياض ومحمود غالب ومجموعة معهم, وكان هذا ثانى انشقاق يحدث فى صفوف الوفد وقد سبقه بزمن غير يسير خروج الباسل والغرابلى ومجموعة بلغت الثمانية ومنهم على الشمس باشا وبسبب قصره أطلق عليهم اسم السبعة والنصف, كما حدث خروج فردى من الوفد فى عام 1935 وهو خروج محمود عباس العقاد ومعه روزاليوسف وجريدتها اليومية.

سار الإخوان قدما فى نشاطهم وبخاصة الجوالة وفتحت كثير من الشعب, ومما يجدر تسجيله بعض المعالم والمعانى لهذا العهد.

فقد نشرت الصحف صورة لوزير الأوقاف الشيخ مصطفى عبد الرازق فى لقطة أمام هدى شعراوي فى إحدى الحفلات فى وضع يخيل للناظر لأول وهلة أن الشيخ بعمامته يراقص هدى شعراوي وقد أمسكت بيدها سيجارة وتعمدت مجلة المصور نشر الصورة فى حيز ملأ الصفحة مما جعل صالح عشماوي يكتب مقالا بالمجلة تحت عنوان ( هذه العمامة نبرأ منها وتستعدى عليها الملك) وطبع المقال فى منشور ووزع فى شوارع القاهرة.

وما أن وصل المقال إلى محمد محمود باشا وزير الداخلية ورئيس الوزراء وهو فى فراش المرض حتى هاج وماج وأمر بمصادرة المجلة ومحاكمة رئيس تحريرها. ولكن الشيخ عندما علم بهذا القرار سارع إلى بيت الباشا وهدد بالاستقالة أن تم شىء مما أمر به رئيس الوزراء وقال يا باشا أنا المخطىء. مما كان لى أن أحضر هذا الاحتفال.

وقف القتال فى فلسطين ونشرت بريطانيا كتابها الأبيض وانفضت المائدة المستديرة وعاد الملوك والرؤساء العرب إلى بلادهم وطورد مفتى فلسطين وقائد ثورتها وفر إلى بيروت ثم إلى العراق حيث ساهم فى ثورة رشيد على الكيلانى فى بغداد فى أثناء الحرب العالمية الثانية لطرد الإنجليز من العراق ولكن الثورة فشلت وهرب المفتى إلى تركيا ومنها إلى ألمانيا, ومن قبل ولما أعلنت الحرب الثانية غيرت الوزارة وجاء علي ماهر باشا مرة ثانية للحكم فى أغسطس سنة 1939 ووقف وقفته المشهودة بعدم إعلان الحرب على المحور, وأعلن حياد مصر وألقى الشيخ المراغى فى أحد دروسه عبارته المشهورة ( هذه الحرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل ) ومع ذلك فقد استجاب رئيس الوزارة علي ماهر لطلب الإنجليز وأعلن الأحكام العرفية بحجة تأمين الجيوش الإمبراطورية .

ولما جاءت وزارة علي ماهر استقبلته افتتاحية مجلة النذير لسان حال الإخوان المسلمين فى العدد 27 بتاريخ 7 رجب سنة 1358 بقلم الأستاذ صالح عشماوي رئيس تحريرها بعنوان ( وزارة جديدة وموقف قديم), وهذا يعطينا فكرة عن موقف الإخوان من أى حكومة, ومما جاء فى المقال " واليوم تقبض على أزمة الأمور وزارة جديدة على رأسها رفعة علي ماهر باشا يعاونه فيها وزراء سعديون ومستقلون, واعتذر الدستوريون عن الاشتراك فى الوزارة مع وعدهم بتأييدهم والتعاون معها. وقد يتبادر إلى الذهن هذا السؤال, وما موقف الإخوان المسلمين من الوزارة الجديدة؟ وقبل أن تجيب على هذا السؤال نود أن نمهد بالحقيقة الثابتة وهى ان الإخوان المسلمين ليسوا حزبا من الأحزاب يؤيد او يعارض لمصلحة حزبية أو جريا وراء منفعة شخصية ولكن الإخوان المسلمين دعوة إسلامية عليه قدوتها, ومن القرآن دستورها ولها برنامج واضح الحدود ظاهر المعالم يرمى إلى تجديد الإسلام فى القرن الرابع عشر وصبغ الحياة المصرية بالصبغة الإسلامية وهمينة القرآن على جميع مظاهر الحياة من تشريع واجتماع وسياسة واقتصاد كما يرمى إلى تحرير كل متر من الأرض فيه نفس يردد( لا إله إلا الله ومحمد رسول الله)

وأخيرا نشر الإسلام ورفع راية القرآن فى كل مكان حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.

هذا برنامج ضخم لايدانية برنامج من برامج الأحزاب أن كان لها برنامج ومناهج وهو فى نظر الكثيرين لون من ألوان الخيال وضرب من ضروب المحال ولكنا نؤمن به ونثق فى أنفسنا معتمدين على تأييد الله, فموقفنا أذن من وزارة علي ماهر باشا هو موقفنا من أى وزارة موقف قديم لا يتغير بتغيير الوزارات ولا يتبدل بتبدل الوزراء, فمن أيد الفكرة الإسلامية وعمل لها واستقام فى نفسه وبيته وتمسك بتعاليم القرآن فى حياته الخاصة والعامة كنا له مؤيدين ومشجعين ومن عارض الدعوة الإسلامية ولم يعمل لها بل ووقف فى طريقنا او حاول التنكيل بها كنا له أعداء وخصوما, ونحن فى كلتا الحالتين انما نؤيد ونعارض ونحب ونكره (لله وفى الله)

ويحيط بعلي ماهر باشا هالة كبيرة من الدعاية الطيبة وتسبقه آمال حلوة وأمان عذاب فى الإصلاح والإنقاذ. والمفروض فى المسلم أن يحسن النية بأخية ولم يكن هنا كما يمنعنا من حسن النية بعلي ماهر ووزارته, ولكن علمتنا التجارب ألا نثق بوعود ولا نسرف فى آمال. وليكن علي ماهر كما يقولون وفوق ما يقولون, فلن نحدد موقفنا ولن نصدر حكمنا إلا على أعمال ولا أقوال, وأغلب ظنى أن رجل كعلى ماهر باشا عرف بالسرعة فى العمل والجرأة فى الإصلاح سيجبرنا قريبا على الكلام له أو عليه. فلنؤمل ولننتظر فلن يطول الانتظار.

ولذلك لم يطل الوقت حتى جاء حسين سري باشا رئيسا للوزارة وقد كان معروفا عنه أنه من التابعين للإنجليز ولا أقول من الموالين.

وبدأت ضربات الألمان تتوالى على رئيس الحلفاء واجتاحت جيوشهم معظم دول أوربا فى سرعة لم سبق لها مثيل فى تاريخ الحروب وبدأ الانجليز يستعدون للحرب, فقد دخلوها ولم يكن عندهم سلاح وكما يقولون ( حارب الإنجليز بجنود المستعمرات وسلاح الأمريكان وسياسة البريطان).

وفى مصر بدأ تنظيم خطوطهم. أما الساسة فهم مروضون جاهزون وأما الشعب فهو عدوهم اللدود.

ألاعيب الإنجليز

بدأ الإنجليز يتصلون بالكتاب يجندون كل من يستطيعون الوصول إلى جيبه لمعاونتهم فى الدعاية لهم ضد المحور, وكانت عواطف الجماهير مع أعداء الإنجليز, وكما كان المحتل يستبدل فرسا بفرس فى جر العربة كان البعض ينتظر الخلاص من الراكب ولو براكب آخر, وقد كانت هذه هى وطنية البعض من المتعاطفين مع الألمان.

الإنجليز والإخوان  :

اتصل الإنجليز ببعض الهيئات التى لم تذق طعم الحكم بعد وكان من الطبيعى أن تتطلع أنظارهم إلى الإخوان , وفعلا بدأ أحدهم يتصل بالمرشد العام فى المركز العام الذى انتقل إلى 13 شارع أحمد عمرو بميدان الحلمية الجديدة.

وهذا مسلم انجليزى يغار على الإسلام وذلك مستشرق يدرس وغير ذلك كثير. بدأ الغيورون (كذا) يتحدثون عن الأستاذ وكفاءته وامتيازه والظلم الواقع عليه. كيف يكون هكذا وقد كان أول دفعته كيف يعمل مدرسا ابتدائيا ومن هو أقل منه أستاذ بالجامعة. يا سيدى أن مكانك مدرجات الجامعة وليست فصول المدارس الابتدائية. وأفهمهم الأستاذ أنه هو الذى اعتذر عن البعثة لصالح الدعوة. وقالوا الأمر مازال فى أيدينا ولابد من رفع الظلم الواقع عليك واعتذر الأستاذ وقطع عليهم الطريق.

وجاء آخر معجب بنشاط الإخوان , وأن الإمبراطورية من خططها معاونة الجمعيات الدينية والاجتماعية وهى تقدر كثرة النفقات والأعباء الكثيرة التى تضطلع بها الجماعة , وهى لهذا تعرض خدمتها بدون مقابل ولا بأس فى ذلك, فقد قدمنا معونات لعلان وفلان والجمعية الفلانية والعلانية,.... وهذا شيك بعشرة آلاف جنيه معاونة من الإمبراطورية. ورد الأستاذ بابتسامة ( أنكم فى حالة حرب وأنتم أكثر احتياجا إلى هذه الآلاف).

ظن البعض أن سعر السوق فى هذه الدار أغلى من هذا فرفع المقدار, وكلما امتنع الأستاذ زاد فى المبلغ ولما لم يجد فائدة قال يا فضيلة الأستاذ أنى أريد أن أقدم خدمة لكم لا أكثر من ذلك ويدفعنى إلى هذا حبى وتقديرى, وهذا شيك( على بياض) فاكتب الرقم الذى تريد.

وسمع الرجل نفس الجواب. ويجد ربى أن أنبه إلى أن البعض كان يخالف القائد فى نظرته ومنهم على ما أذكر الأستاذ أحمد السكري وكانت حجتهم فى ذلك لم لا نأخذ المال ونستعين به عليهم.

وكان جواب القائد المسلم... أن اليد التى تمتد لا تستطيع أن ترتد وأن اليد التى تأخذ العطاء لا تستطيع أن تضرب... أننا مجاهدون بأموالنا وليس بأموال غيرنا وبأنفسنا لا بأرواح غيرنا.

ثبات المؤمنين :

وجاء آخر يناقش فى مبادىء الإخوان الخمسة ولم لا يكتفون بالثلاثة الأولى, وليس عليها خلاف حتى تكون الدعوة عالمية وليست محلية, فلن يناقشكم أحد فى مبدأ الله غايتنا, فهذه حقيقة واضحة ومبدأ نبيل يجتمع عليه إتباع كل الأديان. والرسول زعيمنا نقركم عليه ولا خلاف فيه, فمحمد زعيم المسلمين وعيسى زعيم النصارى وموسى زعيم اليهود. والقرآن دستورنا هذا حقكم بلا منازع أيضا فالقرآن دستوركم والإنجيل للنصارى والتوراة لليهود.

ولكن الخلاف فى المبدأين الرابع والخامس. فماذا تقصدون ب( الجهاد سبيلنا) وضد من يكون الجهاد , لابد أنه ضد الإنجليز والموت فى سبيل الله أسمى أمانينا فى أى ميدان سيكون الموت معناه لابد من إعلان الحرب على الانجليز.

وطبيعى أن يرد أشد الدهشة فلم تصادف الإمبراطورية مثل هذا أبدا لا الجاه أغرى. ولا المال جذب.. لابد من طريق آخر وفكروا وقد روا كيف العمل مع هذه الجماعة التى لا تستطيع ترويضا والتى استعصت على الإغراء لابد من العصا.

وجاء ميعاد المؤتمر السادس فى ذى الحجة سنة 1359 وكانت البلاد تحت حكم عسكرى, وقد طلب الإخوان من الحاكم العسكرى التصريح بعقد المؤتمر فى سراى آل لطف الله بالجزيرة التى عقد بها المؤتمر الخامس فلم يوافق, فطلبوا عقده فى الأزهر الشريف الشريف فلم يوافق, وطلبوا عقده فى دار الشبان المسلمين فلم يوافق , وكانت الاتصالات جارية وكان الإخوان يقطعون الأمل فى عقده وفى آخر لحظة أى فى نفس اليوم المقرر واد بالحاكم العسكرى يوافق على عقده على أن يكون داخل الدار فقط, وبدأ المرشد العام يعد للمؤتمر على صورة غير صورة المؤتمر الخامس فقد تكلم صالح حرب عن الشبان المسلمين وتكلم فضيلة الشيخ صقر عن الوعظ والإرشاد وألقى عبد الحكيم عابدين قصيدة, وألقى أخ آخر رجلا طيبا ثم ألقى فضيلة المرشد العام كلمته , وكان انعقاد المؤتمر فى يوم الخميس الثانى عشر من ذى الحجة سنة 1359 وصلى الإخوان الجمعة فى اليوم الثالث عشر بالأزهر الشريف , وبعد الصلاة ألقيت بعض الكلمات, واعتبر هذا امتدادا للمؤتمر ثم خرج طابور الجوالة فى استعراض كشفى حتى دار الشبان المسلمين حيث كان فى استقبالهم صالح حرب وألقى كلمة ترحيب حبا فيها الإخوان ودعوة الإخوان وقائد الإخوان ورد عليه الأستاذ أحمد السكري بكلمة شكره وشكر جماعة الشبان المسلمين, وهى شقيقة الإخوان واعتبر هذا امتدادا المؤتمر, ثم واصل الطابور سيره حتى وصل إلى ميدان الحلمية الجديدة حيث المركز االعام . أمر عسكرى بالنقل إلى قنا

وحاول الإنجليز أن يستعلموا العصا, وكان فى هذا الوقت دولة الحاكم العسكرى العام هو حسين سري باشا.

وتم الاتصال بين السفارة البريطانية والباشا الحاكم العسكرى وهو معروف بولائه لهم خارج الحكم فما بالك به داخل الحكم!! طلب الإنجليز منه حل جماعة الإخوان المسلمين وإغلاق شعبهم.

أيها الأحباب.

هذه شهادة أعلنها للتاريخ, فهذا الرجل المعروف بولائه للإنجليز فى عام 1941 يطلب منه الإنجليز حل جماعة الإخوان المسلمون, فيقول اطلبوا أى شىء اطلبوا اعتقال قادة الإخوان بل اطلبوا اعتقال الإخوان , ولكن طلب حل جماعة إسلامية فلن أقدم عليه, ثم تساءل وما الدافع إلى هذا طلب قالوا إن رئيسهم عدو لنا ولن نأمن وجوده ونحن فى حالة الحرب هذه ثم تساءل أيضا ومن هذا الرئيس, فأخبروه أنه حسن البنا وهو مدرس بوزارة المعارف, فرد عليهم إذن أنفيه إلى آخر الدنيا. ثم أصدر أمر إلى هيكل باشا عندك مدرس بمدرسة عباس الابتدائية بالسبتية اسمه حسن البنا مطلوب نقله إلى قنا حالا.

وأسرع هيكل إلى الاستجابة والتنفيذ( فما زال يذكر الرجل منذ موقف موسم الحج سنة 1936 ) واتخذت الإجراءات وصدرت نشرة فورية بنقل حسن البنا من القاهرة إلى مدرسة قنا الابتدائية.

مؤتمر نواب الشعب

كان المركز العام يشرف على جميع الشعب إشرافا مركزيا ويرسل اليها المطبوعات على نفقته ولا يحصل أى الاشتراك من الشعب وتخت الحاح الشعب بدأ تقسيم مصر إلى مناطق حيث لم يكن موجودا إلا منطقة البحر الصغير, فأصبح فى كل عاصمة إقليمية منطقة, وفى كل منطقة شعبها الواقعة فى محيط دائرتها, وتم تنظيم اشتراكات الشعب للمناطق واشتراكات المناطق فى المركز العام .

ومع انتشار الشعب فى البلاد وتعود العواصم على الإشراف أصبح فى كل عاصمة مكتب إدارى, وفى كل مركز منطقة وقسمت المنطق إلى مراكز جهاد وامتد التنظيم إلى المركز العام, فأصبح لكل نشاط قسم خاص به, فهذا للجوالة وذاك للطلبة, وآخر للعمال وقسم للخريجين وغيره للبعوث الإسلامية وهكذا وكلما زاد النشاط امتد التنظيم حتى أصبح المركز العام خلية نحل ولا تجد فيها مكانا خاليا او ساكنا.

جمع فضيلة المرشد العام نواب الشعب بالمركز العام فى اجتماع عاجل وعرض عليهم أمر النقل فأجمع الحاضرون على رفض النقل مع تقديم الأستاذ استقالته للتفرغ للدعوة.

وقد كان, وكتب الأستاذ الاستقالة ويرفض الانتقال إلى قنا فما يفعل الحاكم العسكرى, وماذا يقول الإنجليز.

أمـر عسكرى :

عجز الوزير عن نقل أحد المدرسين من القاهرة إلى قنا فى الوقت الذى يحرص فيها كل الناس على وظيفة الحكومة ( إن فاتك الميرى) فماذا يفعل , هل يعجز؟ لا أصدر أمرا عسكريا بتنفيذ النقل بالقوة وضحك المرشد العام لما سمع الخبر وقال ( ناس لا يستطيعون الحصول على وظيفة, وناس لا يستطيعون ترك الوظيفة).

وقفة رجل – فاعتبروا يا أولى الألباب :

لما علم الأستاذ بالأمر العسكرى أعد حقيبته استعدادا للاعتقال واستعد الإخوان كذلك بإعداد حقائبهم. وبينما كان الأستاذ يجلس بالمركز العام ومنه حقيبته ينتظر القوات القادمة لاعتقاله إذا به يرى وزير المواصلات يقف بعربته أمام باب المركز العام وينزل منها ثم يصعد للقاء المرشد العام على غير ميعاد أو كان القادم إبراهيم دسوقى أباظة سكرتير حزب الأحرار الدستوريين.

ماذا حدث :

هذا ما يقصه الزائر القادم بعد أن سلم وجلس بدأ الحديث مباشرة: لعل فضيلة المرشد العام يعجب من قدومى على غير ميعاد أو سابق معرفة وتوفيرا للوقت أقول: لقد علم عبد العزيز باشا فهمى رئيس الحزب بالأمر العسكرى الصادر بنقلك بالقوة إلى قنا فكلفنى بدعوة عاجلة لمجلس إدارة الحزب فورا واجتمع المجلس وعرض عبد العزيز باشا الأمر شارحا أن الحزب لا يمكن أن يشارك فى اضطهاد جماعة إسلامية ولا يتحمل هذه المسئولية والسابقة الخيرة, وقرر انسحاب الحزب من الوزارة واستقالة وزرائه أو إلغاء الأمر العسكرى والرجوع عن اضطهاد أى جماعة إسلامية . وفعلا أخذت استقالات الوزراء مع قرار الحزب لمقابلة رئيس الوزراء وسلمته الاستقالات.

ودهش رئيس الوزراء وقال: ما هذا يا إبراهيم باشا معنى هذا سقوط الوزارة وأنتم تعلمون معنى هذا جيدا!!؟ وكان ردى حاسما هذا قرار من الحزب بعد دراسته ولا رجوع فيه.

وكيف يلغى الحاكم العسكرى أمرا ولم يمض عليه 24, أين كرامة الحكومة ورد إبراهيم باشا هذا قرار نهائى.

وما العمل وكيف الخروج من المأذق. هناك حل واحد أن نقنع حسن البنا بتنفيذ أمر النقل وكأنه لا يعلم بالأمر العسكرى. وأعد بشرفى أن ينقل ثانية إلى القاهرة بعد شهر.وقال إبراهيم باشا الأمر الآن بين يديك يا فضيلة المرشد أما أن تتمسك برأيك, وهذا حقك,

الموقف بالرجوع عن استقالتك والسفر إلى قنا. وأعد بشرفى أنه إذا لم يوف رئيس الوزراء بوعده فسنستقيل.

وفى هذه الحالة لن نسحب الاستقالات. وأما أن تنفذ الأمر وتنفذ ويدرس القائد الأمر بسرعة خاطفة ويرد: هذا موقف كريم للأحرار الدستوريين اتخذوه بدون طلب من أحد بل من واقع إحساسهم ولم يكن هناك سابق اتصال بالحزب بل وفيه الدكتور محمد حسين هيكل الذى حضر موسم الحج سنة 1936 .

الموقف الكريم يقابله موقف كريم يا باشا, هذه حقيبتى أعددتها للاعتقال سأسافر بها إلى قنا وأبلغ تحياتى إلى عبد العزيز باشا وجميع أعضاء مجلس إدارة الحزب. وركب المرشد العام القطار إلى قنا.

مجلس الوزراء والوزير الكذاب

قدم النائب الأخ محمد عبد الرحمن نصير وقد كان يومها من نواب الأحرار الدستوريين سؤالا وشاركه الشيخ رضوان السيد وهو من الأحرار كذلك والسؤال موجه إلى وزير المعارف عن السبب فى نقل الأستاذ حسن البنا المدرس من القاهرة إلى قنا.

وقف الوزير ( الذى قدم استقالته مع وزراء حزبه تنفيذا لقرار الحزب) يقول أن السبب فى هذا النقل هو عدم تأدية المدرس واجبه وانشغاله عنه بأعمال جماعته.

وهنا وقف السائل يرد على الوزير ويطلب ضم ملف خدمة المدرس المذكور إلى مضبطه المجلس.. فرفض الوزير الكذاب وهنا طلب النائب تحويل السؤال إلى استجواب مع استعداده لمناقشته فى الحال, وانضم إليه النائب الأستاذ محمد فكري أباظة وطلب الوزير التأجيل أربعة أسابيع , ونحن الآن ما زلنا فى القاهرة ولازال ركب القطار يسير بالأستاذ بينما فى قنا اجتماع فى مكتب شيخ المعهد الدينى يحضره جميع أصحاب الفضيلة علماء قنا يتدراسون أمرا خطيرا.

ماذا حدث ؟

يدخل الحاجب على فضيلة شيخ المعهد فى قنا ومعه أصحاب الفضيلة مستأذنا لدخول الستاذ حسن البنا ويقف القوم يرحبون بالقادم, ولا يكاد القادم يستقر فى مجلس حتى يخبروه( لقد جئت فى الوقت المناسب)

فقد كنا نتكلم قبل حضورك فى أمر قد أهمنا فقد رفعت لافتة الإخوان المسلمين اليوم من مقر الشعبة).. هى الأقدار إذن.

قال المرشد: ليسمح فضيلة شيخ المعهد للشيخ محمود ( أحد العلماء المدرسين) بالذهاب لكتابة عقد الإيجار لأى مسكن مناسب بإسمى وبأى قيمة. وقام الشيخ محمود واستأجر المكان وتدارس المرشد مع أصحاب الفضيلة الأمر وسرى الخبر. خبر وصول المرشد إلى قنا حيث نزل من القطار إلى المعهد الدينى ومعه حقيبته فى يده.

جرت الدماء فى العروق وتوافد الناس على الدار.... ودب النشاط وازدحمت الدار وحضر الإخوان من جميع أنحاء الصعيد وهكذا.

محاضرات وزيارات. ولقاءات. وتنظيمات. لقاء فى قنا ومؤتمر فى سوهاج وآخر فى أسيوط. وكأن كان مع القدر على ميعاد.

وجاءت ذكرى ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم, فلتكن أثنتا عشرة محاضرة تختم بالموكب الكبير – ولعلها المصادفة: دخل بعض الإخوان على الأستاذ والغضب باد عليهم... وماذا أهمكم؟ يقدمون له إعلانات وزع بعضها تعلن عن اثنتى عشرة محاضرة فى الكنيسة.....واحدة بواحدة!!. وماذا فى الأمر ستقومون أنتم بتوزيع الإعلانات وأرفق كل إعلان من إعلانات الإخوان بإعلان من الإعلانات الأخرى وتنفيذا لأمر المرشد قام الإخوان بتوزيعها فى أنحاء قنا .

استدعاء :

وجاءت برقية تلهث فى سرعة الأستاذ البنا مطلوب لمقابلة رئيس الوزراء حالا... وفورا يسافر الأستاذ إلى القاهرة, ثم إلى ديوان رئاسة الوزراء. ويسأله الرئيس: ما هذا الذى فعلته!! خيرا إن شاء الله... أنت ذاهب إلى قنا لتحريض المسلمين على قتل النصارى؟؟

- أنا لم أذهب ولكنهم نقلونى إلى هناك.

- أنت نقلت إلى مدرسة قنا الإبتدائية للتدريس.

- وقد ذهبت فعلا إليها وقمت بأداء واجبى فيها.

- اتفضل وناوله برقيات كثيرة بأسماء بعض النصارى يطلبون نقل حسن البنا لأن وجوده خطر على حياتهم.

- الأمر بسيط يا دولة الباشا.وهم واقفا.

- إلى أين تذهب؟

- إلى قنا ياباشا واطمئن وسيصلك الرد واطمئن تماما فنحن دعاة حب وأصحاب رسالة. وخرج الأستاذ بعد أن طمأن الباشا وعاد إلى قنا.

وانهي احتفالات المولد باستعراض بديل فى هيئة جديدة بدلا من الموكب المشهور. جوالة الإخوان وأعيان قنا يسيرون وفى مقدمتهم القائد يرددون نشيدا وضعه الأستاذ.

وختم الاحتفال بحفل دعا إليه مطران قنا وأعيان النصارى فيها وقساوستها وأجلسهم بين الإخوان , وكان حفل شاى وشرح المرشد الإسلام كدين ونظام وعلاقة المسلمين بغيرهم وأحكام وقوانينه وأفاض مما أفاض الله عليه.

ثم ماذا ؟

قال النصارى يا فضيلة المرشد لم نسمع مثل هذا من قبل وقد فهمنا وعلمنا مالم نكن نعلم, وقبل أن تقوم من مكاننا لنا رجاء أكتب طلبا إلى رئيس الحكومة لتنفيذ ما تطلبون ونحن نوقع عليه وقد كان. وأرسل الخطاب إلى رئيس الحكومة.

وبعد شهر ونصف نقل الأستاذ من قنا إلى مدرسة الجمعية الخيرية بالقاهرة وودعه إخوان قنا بالتهليل والتكبير فى حزن عميق لرحيل مرشدهم من بينهم, والذى جعلهم يصبرون على ألم الفراق هو حبهم لدعوتهم ومعرفتهم أن المصلحة العامة تقتضى وجوده بالقاهرة.

تدبروا وفكروا :

انظروا أيها الأحباب ماذا فعل حسين سري وانظروا ماذا فعل عبد العزيز فهمي ثم انظروا ما جاءت به الأيام من أحداث على يد من يدعون الوطنية. بالله.

أيام وأيام وفى صحائف التاريخ الكثير الغريب من الأحداث يذهب الضال ويأتى بعده المضل ويحاولون تزييف التاريخ.

وكان من مأثورات عبد العزيز فهمي أنه كان يثور كلما ذكر التاريخ أمامه ويقول أنا كافر بالتاريخ, وقد شاهد بعينه وسمع بإذنه أفعال تسبب إلى غير فاعلها والسفينة يتسلمها غير ربانها والشعوب تهتف وتهتف ولكن لمن؟؟.

لقد نسى الناس أنه لابد أن يأتى اليوم الذى تظهر فيه الحقائق ناصعة وأن الحق لن يضيع وأنه لابد أن يظهر مهما طالت عليه الأيام ( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد)

عودة إلى مؤامرات الإنجليز

واستمر الإنجليز يدبرون بليل ويكيدون كيدا, وكم من محاولة أحكموها, ومرة جاء عملاؤهم يعرضون على الإخوان سلاحا انجليزيا بثمن رخيص, وعلم الإخوان أنه كمين ومكيدة للإيقاع بهم ونجاهم الله( إن الله يدافع عن الذين آمنوا).

وفى هذه الأثناء كان فضيلة المرشد يوجهنا ويحدثنا ويحذرنا:

إننا فى مرحلة حرجة من حياة الدعوة وحياة الأمة. الأحزاب لاهية أو نائمة أو ممزقة وعلينا أن ننتهز هذه الفرصة ونجد من أجل اسلامنا. الإنجليز فى حرج وضيق. رومل وصل إلى العلمين وأخذ منهم كثيرا من الأسرى والسلاح, وهم ينتظرون الهجوم الألمانى فى أية لحظة.

وقد أعدوا عدتهم لتخريب البلاد ونسف قناطرهم وسدودها وإغراقها أثناء الفيضان حماية لانسحابهم وتعويقا لتقدم الألمان, وبدأ من تعاون معهم فى الرحيل إلى السودان وبدءوا يستعدون لأخذ فاروق معهم فى حال انسحابهم, وأعدوا العدة لضرب الداخل فى عنف والواجب علينا اليقظة والاستعداد لحماية البلاد وحماية أنفسنا وأن نضرب فى الوقت المناسب لا نتقدم ولا نتأخر فحساب الزمن له وزنه.

الإنجليز أعداء مقيمون والألمان أعداء قادمون. وإذا جاءوا فلابد أن يجدوا رجالا. أما غير الإخوان فقد شرعوا يتصلون بالألمان كرها منهم فى الإنجليز وإحساسا بضرورة التغير ولو أدى الأمر إلى استبدال مستعمر بمستعمر ومنهم من حاول الاتصال بالألمان القادمين لمحاولة أخذ عهد أو وعد باستقلال مصر فى حالة انتصارهم على أن يعمل المصريون فى هذه الحالة على ضرب الإنجليز والإجهار عليهم وشتان بين موقف ومواقف.

واصطنع الإنجليز أزمة فى الخبز وهاج وسارت المظاهرات تهتف ( اقبل يا رومل) وهنا ضرب الإنجليز ضربتهم وأسقطت الوزارة لتجىء بعدها وزارة النحاس فى 4 فبراير 1942 المشهور.

برلمان يحل وبرلمان يجىء

هذه هى الدولة, حل مجلس النواب ودعى الناس إلى انتخابات جديدة وفتح باب الترشيح وإذا بمجلة الاثنين ورئيس تحريرها مصطفى أمين تنشر خبرا معناه أن أهالى الإسماعيلية قاموا بدفع التأمين للأستاذ حسن البنا ليرشح نفسه نائبا عنهم, وفى العدد التالى نشرت نفس المجلة تحت عنوان كبير – من زعيم المعارضة فى البرلمان الجديد؟ وتجيب المجلة: أنه حسن البنا لأنه سينجح ولن يقف أمامه مرشح آخر. وبدأـ الدعاية الانتخابية وساهم فى المعركة وفود من جميع أنحاء البلاد . وفرحت الإسماعيلية واستعدت لدخول مجلس النواب يمثلها حسن البنا.

استدعاء :

فى هذه الأثناء اتصلت القاهرة بالإسماعيلية مصطفى النحاس رئيس الوزراء يطلب الأستاذ للمقابلة وسافر المرشد وقابل النحاس.

الحاكم العسكرى مرة أخرى :

ذهب المرشد إلى حيث يوجد الرئيس الجليل زعيم الأمة رئيس الحكومة. الحاكم العسكرى العام فوجده متفشا يحاول أن يعلوا بقامته ويصدر أوامره وبعد أن رد سلام الأستاذ بدأ الحديث.

- لابد أن تتنازل عن الترشيح فى دائرة الإسماعيلية ولك عندى عوض كبير.

- ياباشا إنى لا أبحث عن دنيا ولكنى أطرق باب مجلس النواب داعيا

- أنى أختصر الكلام, لقد جاءنى تبليغ بريطانى بهذا الخصوص ولست على استعداد للدخول فى أزمة بسببك.

- ياباشا هذا حقى وقد كفله الدستور.

- الانجليز عاوزين كده ومصممين عليه وقد قيل أنك رجل تتفاهم وتقدر الموقف.

ياباشا أن من استطاع اقناعهم بحفظ قضية عزيز المصري باشا لا يستعصى عليه اقناعهم بهذا المر وما الخطورة على جيوش الإنجليز لو دخل حسن البنا مجلس النواب.

- يا أستاذ حسن أنا قلت كدة لمصلحتك, فقد طلب منى حل الشعب واعتقال زعمائها وتسليمك أنت وزملائك للإنجليز لنفيك خارج البلاد. أرأيت أنى أعمل لمصلحتك. وإن لمخ تتنازل سأنفذ طلبهم ولست على استعداد للتضحية من أجلك. فما رأيك؟

- رأيى ياباشا أنى لن أتنازل عن الترشيح وتستطيع أن تفعل ما تشاء وأعتدل الباشا فى جلسته وطاطا من كبريائه وبدأ متفاهما متواضعا.

- يا أستاذ حسن: أنا رجل مسلم أحسن من شيخكم وأحب المسلمين.

- ياباشا أنا شيخ الإخوان .

- لو تنازلت فلك عندى وعد أن أساعدكم وأساعد جميعكم ولن أنسى لك هذا الجميل فأرجو قبول رجائى وليكن هذا عربون صداقة بيننا وبينكم.

- يا باشا: أنى آسف جدا وأستطيع أن أقول لك أخيرا لا لن أتنازل.

- أرجوك راجع نفسك وسأعطيك فرصة لتستشير إخوانك وأكرر الرجاء ألا تتسرع.

- وخرج الأستاذ من عنده إلى المركز العام ليوجه الدعوة إلى مؤتمر نواب الشعب.

- مؤتمر نواب الشعب

- اجتمع مؤتمر نواب الشعب اجتماعا غير عادى وعرض المرشد العام الأمر عرضا مفصلا من لحظة استدعائه من الإسماعيلية ومتطلبات الوقت والظروف ومقتضياتها ونتائجها ثم صدر قرارهم بالإجماع. " لا تنازل يا فضيلة المرشد وليكن ما يكون وأيدينا فى يدك نجدد البيعة ونوثق العهد وسنسافر من عندك لنجهز أنفسنا, ونعد حقائبنا ومرحبا بالنفى والاعتقال فى سبيل الله.

وسافر الإخوان إلى شعبهم.

مفاجأة واستدعاء :

برقية – دولة وزير الداخلية – أخبرك أنى تنازلت عن ترشيح نفسى عن دائرة الإسماعيلية. ويستدعى الباشا الأستاذ البنا ويسأله.

- ما هذه البرقية التى أرسلتها.

- اعلان منى بتنازلى عن الترشيح. أليس هذا طلبك؟

- لا. أن معنى هذا أنك تنازلت من نفسك. لابد أن يعلم النجليز أن بذلت جهدا كبيرا لتتنازل عن الترشيح.

- يا باشا لقد ظننت أن هذه الصيغة ترضيك وأن الرقيب لن يسمح بنشر غيرها.

- لا أبدا أكتب غيرها وستنشر حالا.

وأخذ الأستاذ البنا القلم والورقة من مكتب الباشا الزعيم وكتب يقول " دولة وزير الداخلية لظروف خارجة عن إرادتى أعلن تنازلى عن الترشيح فى دائرة الإسماعيلية".

وناولها لدول الباشا الزعيم الجليل فقرأها وفرح بها كثيرا ونشرت فى الصحف.

ونزل الخبر على رؤساؤنا نزول الصاعقة, وبكى من بكى ومرض من مرض. فقد أنهدم بناء من الآمال كنا نريد حرية الدعوة وابلاغها من فوق منصة مجلس النواب وارغام الصحف على نشر ما يقول الأستاذ فى مجلس النواب, فقد كانت المضابط حيئذ تنشر كاملة, كنا نريد حصانة برلمانية للأستاذ تحميه من الاعتقال أو التعرض له فى رحلاته.

كيف حدث هذا وقد صدر قرار المؤتمر بالإجماع بعدم التنازل لم يطل الوقت ولم يترك المرشد المجال للتساؤل فقد وجد من الضرورى أن يوضح للإخوان حقيقة الموقف ويشرح الظروف التى اضطرته لتغيير القرار, فقام برحلة زار فيها المناطق جميعا وشرح ووضح وبين حتى استراح الإخوان .

وكان مما قاله: أنه بعد أن سافر الإخوان خلوت إلى نفسى مع ربى وأعدت التفكير فوجدت أن الإخوان هم القوة الدينية الموجودة فى مصر والوفد هو القوة السياسية فلو تصادما فماذا تكون النتيجة! أما أن تهلك أحداهما أو كلاهما أو يضعف الفريقان والرابح الوحيد من ذلك هم الإنجليز.

إذا ضرب النحاس الإسلام وعدل الدستور وتصادم مع الإخوان فشرح الله صدرى أن أفوت الفرصة على الفريقين

أخلاقيات :

انتهت الانتخابات ونجح الوفد طبعا, فهل وفى النحاس بوعده لقد كانت النتيجة أن اعتقل الأستاذ البنا وقام الإخوان بحملتهم وخرج مرشدهم من المعتقل وصدر قرار بإغلاق الشعب مع بقاء المركز العام مفتوحا.

تصرفات :

استقبل الإخوان قرار الحاكم العسكرى بصبر وأناة وحولوا اجتماعاتهم إلى المساجد يحدثون الناس بما فعلته الحكومة وكانت اجتماعات يومية, والكلمات والأحاديث متتالية بعد صلاة المغرب وعقب صلاة الجمعة من كل أسبوع.

وانطلقت إشاعات بأن الإنجليز يطلبون من الحكومة تسليمهم الشيخ المراغى و الأستاذ حسن البنا وعلي ماهر باشا لنفيهم خارج البلاد.

وظل الجو يتوتر يوما بعد يوم حتى مر شهر ونصف وعلمت الحكومة عن طريق أجهزتها أن الإخوان سيقتحمون دورهم ويفتحونها عنوة وصدر الأمر بإلغاء أمر الإغلاق وعاد الإخوان إلى دورهم.

تصدع وتغيير :

بعد الانتخابات تحقق ما كان متوقعا فاستعلن الخلاف بين وليم مكرم وبين زعيمه الذى كان مقدسا, وقيل أن السبب هو ظهور قوة جديدة فى الوسط السياسى الوفدى ( زوجة الزعيم) التى ( كما قيل) جاءت بوزير شاب جديا للزراعة هو فؤاد سراج الدين الذى سرعان ما لمع وأطلق عليه سراج الوفد , ونشر مكرم كتابه الأسود وقال فيه ما قاله ووزعه كمنشور سرى.

وكان مكرم قد استقال من الوفد واستقال من الوزارة وخرج معه بعض الشباب الوفد ى وقدم استجوابه المشهور وقرأ فى مجلس النواب كل ما جاء فى كتبه الأسود ونشر كله فى الصحف.

وأختير خلفا له فى سكرتارية الوفد صبري أبو علم وكأنما التاريخ يعيد نفسه.

سياسة جديدة : الاعتذار والإحتواء

بعد أن عاد الإخوان إلى دورهم جاءت الرسل تعلن أن وزراء الوفد يريدون زيارة المركز العام وهى زيارة تحمل معانى كثيرة. واشترط الإخوان ألا تصاحب تلك الزيارات مواكب ولا حراسة, وقد كان وقد حضر صبري أبو علم سكرتير الوفد ووزير العدل ومحمود سليمان غنام وعبد الحميد عبد الحق وأحمد حمزة وفؤاد سراج الدين.

ووقف أغلبهم يخطبون وأعلنوا جميعا انضماهم للجماعة جنودا وكثرت الوعود فهذا وزير التموين يعد بالورق للمجلة وآخر يعد بأرض لبناء مركز عام يليق بالدعوة وآخر وآخر.

وقام المرشد العام وشكرهم على سعيهم وتمنى لهم الخير والتوفيق لتحقيق أهداف البلاد.

ومرت الأيام وحدث تعديل وزارى قفز فيها الشباب الجديد فؤاد سراج الدين إلى وزارة الشئون الاجتماعية ونقل وزيرها عبد الحميد عبد الحق الذى أصر على أن يصدر ما كان يسمى حينئذ ( قانون استعمال اللغة العربية) فى مسك دفاتر الشركات ولافتاتها باللغة العربية.

وكان عبد الحميد عبد الحق من الوزراء الذين يتصلون بالمرشد العام دائما فلما حدث الأستاذ عن نيته فى الاستقالة من الوزارة ووضح الأستاذ ان الوزارة تكبر بالوزير ولا يكبر الوزير بالوزارة فضلا عن أن وزارة الأوقاف ميدان فسيح لخدمة الإسلام ورجع الوزير عن نيته.

وبدأت محاولات الاحتواء:

- ففؤاد سراج الدين يطلب المرشد العام لأمر هام.

- ما هو يا فؤاد باشا؟

- أريدك معى فى وزارة الشئون الاجتماعية.

- أنا موظف يا فؤاد باشا أعمل بالحكومة فى أى مكان, أنتج فيه ولكن لى شرط واحد.

- ما هو؟

- أن أنقل فى نفس الدرجة وبنفس المرتب.

- هذا مستحيل فسيكون تحت أمرك من هو بدرجة مدير عام.

- آسف يا باشا وأنا متمسك بشرطى.

- أنا لا أستشيرك فى الأمر ولكنى أخبرك وسيصدر المرسوم الملكى بهذا الأمر.

- سأعتذر ولن أحرج وسيكون الحرج لك وللوزارة

وكان هذا هو نفس الموقف السابق له – رجل دعوة يرفض الإغراء والإثراء والمنصب والجاه والاحتواء. وتركه الوزير وطلب الأستاذ السكري وكان يعمل فى وظيفة فى الدرجة السادسة بوزارة المعارف وعرض عليه وظيفة كبيرة بوزارة الشئون فقبل الأستاذ السكرى ورقى استثنائيا إلى الدرجة الثالثة ولو سئل أحمد لقال قبلت لمصلحة الدعوة يا سبحان الله – حسن البنا رفض لمصلحة الدعوة, وهذا قبل كما يقول... لمصلحة الدعوة....

محاولة جديدة :

عبد الحميد عبد الحق]] يطلب الأستاذ وتتكرر المحاولة.

- يافضيلة المرشد أرجو أن تكون بجانبى ولا تتخلى عنى. أن كنت أمثل السلطان فأنت تمثل القرآن, وأريد أن يجتمع السلطان والقرآن.

- أنا معك وأطمئن ولن أتركك وحدك.

- ما رأيك أنه تنقل هنا معى فى وزارة الأوقاف.

- لا مانع عندى ولكن بشرط أن أنقل بمرتبى ودرجتى بدون تغيير.

- هذا غير معقول فإنى أريدك مديرا عاما للمساجد لإصلاحها.

- آسف جدا وأنا ما زلت على شرطى وأنا معك فى غير الوظيفة.

- وما طريق التعاون – وتحدثا فى هذا الأمر.

وصدر قرار وزير الأوقاف بتشكيل لجنة أهلية لدراسة أحوال المساجد واصلاحها لأداء رسالتها برئاسة الأستاذ حسن البنا وعضوية بعض الموظفين وبعض الشخصيات التى اقترحها الأستاذ ومنها على ما أذكر المرحوم محمد سالم, ولم يدم عمل اللجنة طبعا لأنها نهجت منهجا خاصا صحيحا يسير فى طريق مستقيم.

أما الوعود التى وعد بها الوزير من قبل تطوعا منهم ولم يطلبها أحمد فقد تبخرت.

وبدأ الصراع بين صبري باشا وفؤاد باشا يطفو على السطح فإذا زار صبرى باشا دار الإخوان اعتذر فؤاد باشا والعكس, ولكن فؤاد باشا ازداد تقربا وازدادا صبرى باشا ابتعادا ونفورا, وما زاده بعدا وملأ صدره ضد الإخوان أنه ذهب مرة إلى أسيوط وهو فى الوزارة وكان يتوقع ويرجوا أن يكون الاستقبال حافلا, وفعلا لما اقترب القطار من رصيف المحطة وجده يعج بالمستقبلين وسمع الهتاف يشق السماء ولم يتبين طبيعة الهتاف ولكنه فتح نافذة القطار ليرد على تحية الجماهير وكانت المفاجأة حين وجد المستقبلين الهاتفين المتحمسين يتجهون عكس اتجاه القطار إلى عربات الدرجة الثالثة وهالة غباء الناس ( فى نظره) إذ كيف يتصورن أن الوزير وسكرتير الوفد يركب الدرجة الثالثة – وتوقف القطار وتبين الباشا حقيقة الهتاف الله اكبر ولله الحمد.وكان فى شرف استقباله المدير ( المحافظ الآن) ورئيس وأعضاء لجنة الوفد وكبار موظفى الدولة.وتزداد دهشة الباشا ويتساءل. ما خطب هؤلاء فيكون الرد أن حسن البنا قادم فى نفس القطار.

ظاهرة أخرى لها معنى :

فى عام ذهب رهط من باشوات مصر لاداء فريضة الحج وكان منهم فؤاد باشا. وفى نفس العام سافر الأستاذ البنا إلى الحجاز يؤدى المناسك وفى منى يجلس الباشوات أمام خيامهم ويتقاطر الحجاج سراعا ولا يلقون عليهم تحية (مصريين وغير مصريين) ويعجب الباشوات ويتساءلون إلى أين تتوجه هذه الجموع؟! وتكون الحقيقة التى تدهشهم جميعا... أنهم يتوجهون إلى حسن البنا.

الدار الجديدة :

وفى الوقت الذى يقيم فيه الأحزاب نوادى لهم فى دور مؤجرة يأبى الله إلا أن يكون للإخوان دارهم التى يملكونها.

وحينما كان المرشد العام يجلس إذا بأحد الإخوان يدخل عليه مسلما ثم يلفت نظر فضيلته إلى أن الدار التى بحث عنها أمامنا ومعروضة للبيع فيأمر بأن يذهب فورا ويحرر عقد شرائها. قالها الأستاذ بدون أن يأخذ رأى مكتب الإرشاد.

وكتب العقد الابتدائى لشراء الدار على أن يدفع خمسمائة جنيه وتسلم الدار بعد دفع خمسمائة أخرى ويدفع الباقى خلال ثلاثة أشهر.

وكان ثمن الشراء ثمانية آلاف جنيه وخمسمائة وجمع كل ما فى خزائن الدار وجيوب الإخوان لاستكمال الخمسمائة الأولى.

سباق

وعلمت السفارة البريطاينة بالأمر فسارعت للإتصال بأصحاب الدار وعرضت عليهم ثمنا مضاعفا وصل إلى اثنين وعشرين ألفا من الجنيهات.

وعلم المرشد العام بالأمر... ما العمل؟ ولابد من سرعة وضع اليد... لابد من دفع الخمسمائة الأخرى واستلام الدار. ولكن لا يوجد بالدار مليم واحد. وجلس فضيلته يفكر وإذا بالفرج..

- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

- احمل اليك تحية الحاج محمد سالم ( وناوله ظرفا فتحه الأستاذ فوجد فيه أذنا مصرفيا 500 جنيه).

- اسمع يا أستاذ عبد المنعم الموضوع يحتاج إلى سرعة.

وقص عليه قصة الدار,والإنجليز فسارع الأخ الكريم وكان محاميا ومعه بعض الإخوة المحامين وغير محامين وتوجهوا إلى أصحاب الدار فرفضوا استلام المبلغ فأودع باسمهم فى المحكمة – وعادوا يقصون على الأستاذ ما حدث.

إذا لابد من وضع اليد واحتلال الدار.... المفتاح مع صاحبها ولم يأذن بدخولها ... قامت مجموعة من الإخوان على الفور بتسلق أسوار الحديقة وفتح الباب من الداخل, ونقلت بعض المهات والأثاث إلى الدار الجديد وقضينا فى دارنا الجديد الليل وبعد صلاة الفجر سمعنا صوت بائع الصحف اشترينا صحيفة فإذا بها أمر عسكرى يحظر انتقال أى ناد أو جماعة من داره إلى دار أخرى إلا بعد موافقة الحاكم العسكرى.

الله أكبر... لقد طاش سهمهم. وخاب أمل الإنجليز لما سخروا الحاكم العسكرى ليصدر قرار خاصا لا معنى له إلا منع الإخوان من شراء الدار الجديد. فقد تم نقل الدار قبل صدور الأمر العسكرى وذلك قبل كل شىء توفيق الله.

ولكن من أين سيأتى الأستاذ بباقى الثمن ليدفع فى مواعيده فى هذه الفترة الوجيزة. لقد كان اختبارا وأى اختبار دعا الأستاذ إلى عقد اجتماع لرؤساء المكاتب الإدارية وعرض عليهم الأمر .

فقال لقد اشتريت الدار وأخذت الأمر على عاتقى ولم أستشر أحدا وأنا أضعكم أمام اختيار. فرح الإخوان .

وقبل الموعد تم جمع ثلاثة عشر ألفا وبدأ الإخوان يتسابقون ويسارعون إلى فضل الله. فهؤلاء إخوان الإسماعيلية يأخذون على عاتقهم تجهيز جميع التوصيلات الكهربية وهؤلاء عليهم الأثاث وهؤلاء ينظمون وينظفون وأصبحت الدار كخلية كل له عمل يتسابق إلى أدائه مرضاة لله.

وأراد المرشد العام أن يحتفل بافتتاح الدار بمؤتمر عام يليق بهذا الحادث الكبير. ولكن هل يتاح ذلك ويتم كما أراد.

كيد جديد :

دبر الباشا فؤاد كيدا جديدا ومكرا مبتكرا فأصدر القانون رقم 49 لسنة 1945 خاصا بتنظيم الجمعيات الخيرية والأندية الرياضية وترك فرصة ثلاثين يوما للجمعيات لتقديم أوراقها للتسجيل.

وكل جمعية لا تشهر نفسها خلال هذه المدة تعتبر منحلة بحكم القانون. وأعطى القانون أيضا وزارة الشئون الاجتماعية صلاحية حل أى جمعية تخرج على هذا القانون.

هل يقع الإخوان فى الفخ؟ وهل يشنقون انفسهم بأديهم. هل يسجلون أنفسهم جمعية خيرية فيتمكن الباشا منهم.

درس الإخوان الأمر بسرعة وشرح الله صدر القائد فعقد مؤتمرا عاما للإخوان العاملين. وانعقد المؤتمر فى دار الشبان المسلمين وقرر المؤتمر تعديل القانون الأساسى للجماعة.

بفصل أعمال البر والخدمة الإجتماعية عن أعمال الهيئة وذلك بإنشاء قسم للبر والخدمة الاجتماعية تابعا لهيئة الإخوان المسلمين وتم تشكيل الهيئة التأسيسية للإخوان المسلمين.

أقسام البر والخدمة الاجتماعية :

قبل انتهاء المهلة المحددة لسريان القانون 49 لسنة 1945 قدم الإخوان قانونهم المعدل إلى الوزارة الشئون الاجتماعية للنظر.

هل ينطبق عليهم القانون ام لا وهكذا لم يطلبوا التسجيل. ولم يتأخروا عن التقدم للوزارة وعرض الأمر على المستشار القانونى لوزارة الشئون الاجتماعية, وكان المرحوم محمد العشماوى باشا فأفتى بجواز تسجيل أقسام البر والخدمة الاجتماعية منفردة.

وهكذا نجانا الله من كيد الباشا ومكر سادته.

ولقد كان ما انتهى إليه الإخوان من تعديل القانون ثمرة لمناقشات طويلة مضيئة فى مكتب الإرشاد والحمد لله هدى إل سواء السبيل.

الهيئة التأسيسية :

فى هذه الفترة الزمنية كان نجم الإخوان السياسى يرتفع باستمرار حيث بدأت الدعوة تظل كل مكان وترفرف راياتها على كل زواية فى أنحاء القطر, وكانت الحركة الوطنية فى أوجها بتوجيه الإخوان وتأثيرهم بل كانوا يقودنها قيادة كاملة.

والمعروف أن الهيئة التأسيسية كانت الواجهة السياسية للجماعة, وقد ترك أمر اختيار أعضائها لفضيلة المرشد العام.

ولكن حدثت ظروف غيرت هذا المبدأ ودخلت وجوه جديدة وافدة أمثال حسين عبد الراوق وكمال عبد النبى وكانت النظرية أن البيئة هى التى ستخوض الانتخابات القادمة.

أما ركائز الدعوة فليكونوا حيث هم يغصون ولا يظهرون مجالهم التربية والتكوين وهو الخط الأساسى للجماعة.

ومما لاشك فيه أن الأيام أثبتت ان أخطاء ظهرت فى تكوين الهيئة,ولكن وجود شخصية المرشد العام غطى عليها ولولا وجوده فى هذا الجو لعصفت الفتن بالجماعة.

وقد خوطب الإمام الشهيد رضى الله عنه فى ذلك فأقره ووعد محاولة الإصلاح وفعلا بدأ ولكن بالتدريج.

روح جديدة

إن الإخوان كما وضح ذلك المرشد العام روح جديدة يسرى فى جسد هذه الأمة فلسنا جماعة ولا حزبا ولا هيئة, ولكننا دعوة ولكننا فكرة وتنظيمنا أن يرتكز على أصحاب العقيدة الصحيحة والعقول السرية والقلوب النقية ويرتبط كل من هذه صفاتهم برباط الحب فى الله والإخوة الصادقة ويعطون ولا يطلبون, يعملون ولا يظهرون ينفقون من أموالهم وأوقاتهم وصحتهم ولا ينتظرون عوضا إلا من الله العلى الكبير.

وعندنا المثل الواضح حسن البنا يعرض عليه المنصب والمال والجاه فيرفضه لأنه صاحب دعوة وأحمد السكري وغيره من بعده بمجرد أن يعرض عليهم المنصب يقبلون ويزعمون أن ذلك لصالح لمصلحة الدعوة.

ولكن الله سلم :

علمنا بالمنصورة أخبارا عن أحمد السكري وما كنا نظن به سوءا بل كنا نحبه حقيقة ولكن وجدنا أن الأمانة تقتضينا أن نبلغ فضيلة المرشد العام فسافرنا وأبلغناه وفوجئنا بأنه يعلم ذلك.

كان الأستاذ دائما يقول أن الزمن جزء من العلاج وحين يشكو بعض التصرفات يقول لا تخافوا إن الدعوة تنفى خبثها.

وقد كان ونجا الله دعوته ونفى خبثها وأذهب عنا الحزن" فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس يمكث فى الأرض".

وأما ما أرجوه ويرجوه كل حريص أن نأخذ العبرة مما حدث ونحاول ألا يتكرر حتى لا تقودنا الأحداث بل ينبغى أن نقود نحن هذه الأحداث كما ينبغى ألا نغتر بالمظاهر ولا نحاول ان نسبق الزمن.

فلا يقود السفينة ألا ربانها والأمر جد خطير ( فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور).

وثمة أمر هام يجب أن نتيقظ له دائما وهو أن نوجه اهتمامنا إلى من جاءنا يسعى وهو يخشى ولو كان فقيرا أو ضعيفا أو ضريرا( إن ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد).

وفى هذا ما زلت أذكر ما قاله الأستاذ الإمام فى جلسة مع الإخوة ثانى أيام المؤتمر السادس" اننا الآن لم نتصل بالوجهاء والبكوات والباشوات ولا يوجد بيننا واحد منهم وقد ارتاحت نفس القائد من هذا القرار وكان تعليقه عليه كلمة سمعها من احد الإخوان ( نريد أن يعرف بعضنا بعضا حتى لا نتوه فى وسط الزحام).

الجامعة العربية

فوجىء الجميع بوزير خارجية بريطانيا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية يصرح بأن بريطانيا تنظر بعين العطف إلى تحقيق أى اتحاد بين العرب.

فلم يفهم الباشا النحاس الإشارة لأنه لم يكن يدور بخلده لمصر صلة بالعرب, وكان الهتاف مصر فوق الجميع الخلد لمصر .

وجاء نورى السعيد إلى مصر يسعى وقد عرف طريقه إلى هدفه وقابل الباشا النحاس الزعيم وسلم وحيا وتحدث مع النحاس باشا زعيم العرب جميعا عن زعامته ومسئوليته عن تجميع الدول العربية وانتفش الباشا حيث ستمتد زعامته فى طرفه عين إلى كل العرب وسأله وما أفعل فرسم له الطريق: يا باشا وجه الدعوة إلى رؤساء الدول العربية وملوكلها ونجتمع ونتدارس المر وقد حصل.

لبى الملوك والرؤساء والزعماء الدعوة وليس فى رأس أحدهم حتى ولا فى رأس الداعى أى شىء عن موضوع الدعوة. وانتهز المرشد العام الفرصة.

- فمن الخطوات المحددة لإقامة الوحدة الإسلامية وإعادة الخلافة المفقودة – تحرير الأوطان ثم اتحادها ثم اندماجها. وكتب الإخوان مذكرة كمشروع ميثاق. وتكونت لجنة برئاسة أحمد السكر وسافرت إلى الأسكندرية وبدأ اتصالهم بالوفود واحدا واحد وسلمتهم المذكرة .

وفرحوا بها كثيرا. بل طلب بعضهم صورة آخرى منها يحتفظ بها لنفسه. حيث سيبعث بالصورة المسلمة له إلى حكومتة لإبداء الرأى وانتهت الاجتماعات وصدر ميثاق انطونيادس وإذا به يكاد يكون صورة طبق الأصل من مذكرة الإخوان .

يد الإنجليز تتدخل :

ولم يرض الإنجليز طبعا فسقطت وزارة النحاس وجاء النقراشي بعد أحمد ماهر وعدل الميثاق ومسخه إلى الميثاق الحالى.

ومما هو جدير بالذكر أن الإنجليز فكروا فى صنع خلافة إسلامية قبل ذلك على أن يكون مقرها مصر وفاروق هو الخليفة. واتخذت فى سبيل تحقيق هذا خطوات حيث تزوج ولى عهد إيران فوزية أخت فاروق .

وكانت النية توزيع باقى أخواتها فى زيجات بقادة الدول الإسلامية, وكان ذلك فى عهد علي ماهر وانتهز وجود الملوك والرؤساء يؤدون صلاة الجمعة فى الجامع الأزهر وخطب الشيخ المراغى خطبة الجمعة ثم قدم فاروق, ليؤم المصلين ومنهم الملوك والرؤساء.

ووقفت فى طريق ذلك عقبة أثارها الملك عبد العزيز وهى أن مصر تحكم بقانون وضعى والسعودية تحكم ( بالشريعة كما يقولون) فمكة أولى بالخلافة من القاهرة.

وهم الإنجليز أن يغيروا القوانين فى مصر لولا خوفهم من ان تصير حقيقة فصرفوا النظر عن المشروع وأخذوا يفكرون فى بديل له أن يكون فى مصر وظهر مشروع الجامعة العربية.

وفى موضوع عابدين عبرة :

أن الإخوة التى تربطنا محكومة بأنها لله ولذلك ينبغى أن تنضبط معاملاتنا وعلاقتنا بضوابط الإسلام دين الله ولا تحكمنا عادات وتقاليد جرى العرف الفاسد عليها. فمثلا قد ننشأ أنا وبنت عمى طفلين فى بيت واحد.

قد ننام ونحن وليدان فى سرير واحد. وقد ننام ونحن يافعان فى حجرة واحدة وقد نلعب سويا ولكن بعد مدة لابد أن يفهم الوالدان أن أحدهما يحل للآخر ولا يدخل فى هذا أنهما تربيا سويا ولننتظر حتى يبلغا الحلم.

أوضح أكثر قد أذهب إلى بيت شقيقى فلا أجده فى البيت وأجد زوجته فلا يليق أن أحرجها بوجودى معها وحدنا فى البيت تلك الخلوة نهانا عنها الله , وعلينا أن يضغط سلوكنا وأن نغير من عاداتنا وأن ننسلخ عن عادات لا يقرها الإسلام إلى ضوابط وعادات أمر بها.

هذه هجرة ينبغى أن نهاجر إلى الإسلام فالهجرة انتقال من دار إلى دار أو من نظام وعادات وتقاليد إلى غيرها ( والمهاجر من هجر من نهى الله عنه).

ان فى ذلك أمن وأمان ولا اجتهاد ولا حق لنا فى تشريع غير ما شرع الله ولا حرج يحرجنا فيها. فإن كانت نشأتنا على غير ذلك فعلينا أن نروض أنفسنا وننشىء أولادنا والله الموفق والمستعان.

رأى القائد بحكمه أن يبعد عبد الحكيم عابدين عن أعمال السكرتارية ويقضى بذلك على بذور الفتنة,ولكن أحباب عابدين قاموا بحركة مضادة وطالبوا بإجراء تحقيق.

وللأسف كان هذا موقف عابدين نفسه وماذا عليه لو أطاع وصبر حتى يقضى الله فى الأمر وفى الحقيقة لقد كان أحمد السكري ينفس على عبد الحكيم عابدين لأنه كما يقال سحب البساط من تحت قدميه. لقد كان أحمد مقصد الجميع لقضاء مصالحهم الخاصة لصداقاته واتصالاته الخارجية .

وفى وقت ما اعتقل المرشد وأحمد السكري وبقى عابدين طليقا فبرع فى اتصالاته الخارجية مع رجال السياسة والمناصب الحساسة حتى أفرج عن المرشد والوكيل وكان ذلك سببا فى تحويل الكثير من الإخوان عن أحمد السكري فضلا عن أنه ( السكرى) كان يميل إلى الإستقراطية فى تعامله لدرجة أنه كان يخاطب ( أحمد بك) ولا يتحرج.

وكان غير منضبط المواعيد. بينما كان عبد الحكيم عابدين شعبيا وتحت نظر الإخوان فى كل وقت.

لقد كان أحمد السكري يعتقد أنه كفاءة نادرة ممتازة موهوبة لدبلوماسيته ومعرفته وصلاته برجال الأحزاب والسياسة, وقد سبق أنه قبل ترقيته استثنائيا من الدرجة السادسة إلى الثالثة عند فؤاد سراج الدين الذى لم يكن ينفق من جيبه سخاء وكرما فقد بدأ أحمد ينزلق مع فؤاد فى وعود وتصرفات مما جعل مكتب الإرشاد يجتمع ويقرر وضع الاتصالات الخارجية والسياسية بيد المرشد نفسه صيانة لخط الجماعة ولابعادها عن منزلقات الأحزاب. وحينئذ ضحك أحمد وقال ( من لها غيرى) وبهذا القرار بدأ أحمد ينزوى.

المؤتمر السابع

وأراد الإخوان أن ينعقد مؤتمرهم السابع باسم مؤتمر جمعيات أقسام البر والخدمة الاجتماعية. وفرح فؤاد سراج الدين فسيحضر المؤتمر كوزير للشئون الاجتماعية.

وكان فى نية الإخوان القيام باستعراض لفرق الجوالة وأخطرت الحكومة بذلك عن طريق السيد الوزير, وفجأة يتصل فؤاد باشا بالمرشد العام راجيا الاكتفاء بالمؤتمر وصرف النظر عن الإستعراض لأن الإنجليز معترضون وغير موافقين عليه. وقد اتصلوا بالسراى وأفهموها أن الإخوان سيجمعون بالقاهرة مائة وعشرين من الجوالة لاحتلالها واقتحام قصر عابدين وخلع الملك.

وحاول المرشد توضيح الأمر للباشا فؤاد وفى تشدد عجيب اعتذر وقال أن الأمر ليس بيدى فهذه أوامر الإنجليز والقصر وأصر المرشد على رأيه وقال إذا منع الإستعراض فلن يعقد المؤتمر. وسقطت الوزارة (ولا شماته).

وجاءت وزارة أحمد ماهر :

أثناء وزارة الوفد عقد اجتماع فى مكتب عزيز مشرقى حضره أعضاء الهيئة السعدية وتداولوا الرأى فى الموقف السياسى وإذا بالمسمى عزيز مشرفى يقول لسيده أحمد ماهر أن الخطورة علينا ليست فى الوفد بل الخطورة الحقيقية علينا جميعا فى الإخوان المسلمين حيث أن شعبهم تملأ القرى بل العزب والكفور.

والتفت أحمد ماهر إلى النقراشي وقال له ابحث هذا الموضوع يا محمود, عجبا أحمد ماهر الذى لم يعرف طول عمره طريق المسجد إلا مرة واحدة أحرجه بها فاروق إذ كيف لا يصلى معه فى المسجد وهو رئيس وزرائه, لقد كان مسجده وقبلته ميدان سباق الخيل.

ومن نكد الدنيا اسناد البطولات إلى غير صانعيها فكثيرا ما سمعنا أن النقراشي وأحمد ماهر فى عصابة اليد السوداء.

ولكن السؤال الآن وهو السؤال الذى سيجيب عنه التاريخ الحقيقى أين أسرة عنايت؟ قتل من قتل وجن من جن وسجن من سجن وظل عيد الفتاح فى السجن حتى وفى كل المدة ولم يخرج إلا فى أوائل الأربعينيات ومعه ماهر والنقراشي فلماذا؟؟ السؤال!!

انظر ماذا فعل ماهر والنقراشي الوطنيان. جاءت وزارة أحمد ماهر لتدور فى نفس الرحى حل برلمان الوفد . إجراء انتخابات جديدة

ذهب الأستاذ المرشد وقابل أحمد ماهر وأخبره بما حدث سنة 1942 قال يا باشا أنا لا أريد إحراج الوزارة وأرجو أن نكون صرحاء حتى لا يتكرر ما حدث فى الماضى وأنا على استعداد لعدم الترشيح فكان الجواب( أبدا من حقلك الترشيح وقد وعدت أن الانتخابات ستكون حرة تماما).

الوفد يقاطع الانتخابات :

وقدم المرشد العام أوراق ترشيحه وقبل أن ندخل الإسماعيلية نرى رسولا قد وفد على المركز العام بعد غياب طويل وهجران أنه المرشح عن دائرة الخليفة الشيخ أحمد حسن الباقورى فأحسن الأستاذ استقباله ونصح الإخوان بمعاونته فى الانتخابات لعل فى ذلك صلاح حاله وعودته. ثم سافر إلى الإسماعيلية لنشهد معركة انتخابية من نوع فريد.

مرشح يشرح هو ودعاته دعوته وفكرته ومبادئه ولا يتعرض لمنافسه بنقد أو تجريح – أين حدود هذه الدائرة العجيبة – أنها الإسماعيلية وضواحيها وشبه جزيرة سيناء منطقة عسكرية حاكمها انجليزى ولا دخول إليها إلا بتصريح علما بأن إسرائيل لم تكن قد وجدت والحرب العالمية قد انتهت. كان حاكمها باشا أيضا وكيف لا وهو همرسلى الإنجليزى .

لم تنقطع الوفود عن الإسماعيلية وكنت حين تسير فى شوراع الإسماعيلية ترى صورة حسن أفندى ( وهذه هى شهرة الأستاذ من يوم أن كان مدرسا بها) تجد الصورة مرفوعة فى المحلات التجارية وفى المطاعم والمقاهى وفى نوافذ المنازل.

وهذه منشورات الأقاليم تهنىء الإسماعيلية بفوزها بترشيح المرشد العام بها وتغبطها على ذلك – هؤلاء هم أهالى الإسماعيلية وكأنهم فى أيام عيد مستمرة أفراحه.

حالة الطوارىء معلنة فى المدينة وجاء يوم الانتخاب وأعلنت أيضا حالة الطوارىء فى الجيش البريطانى. قوات الأمن تنتشر فى المدينة وهذت (حكمدار) الإسماعيلية الإنجليزى يقود المعركة بنفسه فى شوارع المدينة.

وقوات الحكومة تحاول إثارة الرعب فى نفوس الناس فلم تفلح, فالمدينة لا تكاد شوارعها تتسع لمن فيها من شتى أنحاء البلاد وكلهم يقظ لا يهاب.

لولا حكمه المرشد فى قيادة المعركة بنفسه لافلت الزمام, وحدث مالا يعلم مداه إلا الله. واشترك الجيش البريطانى جيش الاحتلال بسياراته واستولى الحاكم العسرى على جميع سيارات المدينة لقواته.

فكنت ترى سيارات الانجليز تأتى محملة بالعمال ومعهم بطاقات لا يعلمون عن أصحابها شيئا وكانت مهمتنا فى مقابل هذا ضبط هذا التزوير وإثباته أمام النيابة ولكن مع عدم الإصطدام.

وقد اضطرت عربات الجيش هذه الدخول فى حراسة القوات المصرية. وظل الحاكم فى كر وفر والأعصاب متوترة والنفوس متوجسة.

وقبل انتهاء موعد الانتخاب أمر المرشد العام الإخوان بالانسحاب من أمام اللجان والتوجه إلى الدار... لم يا ترى؟ ما الذى حدث لقد جاءت أنباء العريش أ، حاكم جزيرة سيناء ذهب بنفسه إلى مقر اللجنة فى العريش وأخرج المندوبين وملا الصندوق وعرفت نتيجته.

وفرزت الأصوات وظهرت النتيجة وكان الدكتور سليمان عيد حاضرا وهو المنافس المختلفة وفى الصباح عقد مؤتمر بالجامعة وهتف الطلاب بسقوط هذه الانتخابات.

وتوجه أحمد ماهر إلى حرم الجامعة فى جرأة فعلا حيث ظن أنه يستطيع أن يناقش الطلاب ويقنعهم بصواب ما فعلت الحكومة فواجهوه بالحقيقة وهتفوا بسقوط انتخاباته ولما وجد أنه عاجز عن مواجهة جموع الطلبة طلب منهم وفدا للمناقشة فى ديوان الرياسة, وذهب إليه وفد يمثل كليات الجامعة,ممن شهد المعركة بالإسماعيلية وناقشوه وأفحموه بالوقائع التى شهدوها بأنفسهم فأنكر معرفته لهذه الأمور وقد صدق فى بعض هذا, فقد تسلم الإنجليز منه زمام المعركة, وهذا هو المجاهد الوطنى الكبير والشريف.

ولم تمض أيام حتى تجدد اجتماع عزيز مشرقى الذى أشرنا إليه من قبل فكلف أحمد وكلاء النيابة لدراسة ايجاد مدخل قانونى لحل جماعة الإخوان وبدأ الرجل ومعاونه أعمالهم.

وذات يوم استدعى المرشد العام لمقابلة وكيل النيابة هذا وكان يوم ثلاثاء وحين جلس الأستاذ إليه خاطبه فى لهجة الشامت المتمكن قائلا اليوم لا فرار

- من أى شى أفر ؟

- انك تعمل على قيام ثورة فى البلد.

- وما دليك على هذا؟

- دليلى مكتوب بخط يدك

- وما يقول هذا الدليل؟

- انك شكلت لجنتين أحدهما ثورية والأخرى لإثارة الرأى العام.

- وممن تتكون اللجنتان؟

- أما الأولى فهى من الشيخ شلتوت ومعه آخرون واما الثانية فمن عزيز المصرى وآخرين أيضا.

- يا سيادة الوكيل. الأولى أن تغير الوضع وتضع إحداهما مكان الأخرى.

- لا لزوم لهذا: أهذا خطك؟

- لا لزوم لرؤيتى فلن أنكر ما فى الورقة ولكن أنكر قراءتك لها فأقرأ جيدا.

- أما الأولى فهى لجنة شورية وليست ثورية وأما الثانية فهى لاثارة الرأى العام وليست لاثارته. اقرأ يا أخى بإمعان وأوصيك ألا تتسرع وأنت رجل قانون.

وكان هذا الدليل ورقة التقطها احد أعوانه من سلة المهملات ومكتوبة بالقلم الرصاص وقام فضيلة المرشد وسلم عليه وانصرف إلى المركز العام ليجد الإخوان فى لهفة.

طاش السهم وكان الشرك أوهى من بيت العنكبوت فلابد من نسيج شرك آخر وفكر العميل الداهية, وكان داهية فعلا وأخذ فى البحث حتى وجد أن طلبته فى الأزهر وهداه شيطانه إلى أن يصنع هذا السهم الجديد فى الأزهر وبأيدى رجاله وليكن بقيادة شيخه الشيخ محمد مصطفى المراغي وعلم المرشد بالأمر فعز عليه ان يضرب الإسلام من الأزهر وبأيدى رجاله, فذهب إلى الشيخ المراغى فى منزله حيث كان مريضا فعاده ثم سأله ‘ن الأمر, وكانت مفاجأة. نعم سأفتى بحل الإخوان حين يصلنى طلب الفتوى.

- ولم يافضيلة الشيخ وأنت أعلم الناس بالإخوان ورسالتهم من غيرك.

- كيف أمرض ويعودنى كل الناس إلا حسن البنا. أهو الكبر أم الإستعلاء.

- ولم لا تكون كثرة المشاغل أو على أسوأ الظروف التقصير.

وخرج المرشد العام ولسان حاله يردد( حسبى الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم) ولم يمض وقت طويل إلا وقد سمع العالم نعى شيخ الإسلام محمد المراغي وأراد المرشد أن يقيم المؤتمر السابع( الذى عطله سراج الدين, فعجل الله بوزارته) على هيئة احتفال بالمولد النبوى وأبى الباشا الحر الوطنى أن يسمح بقيام الحفل أليس هو الحاكم العسكرى العام, ويا سبحان الله إن ربك لبالمرصاد ألغى الحفل بالقاهرة, فقام أخوان حلوان بعمل احتفال باسم جمعية المحافظة على القرآن الكريم ودعى المرشد العام لالقاء خطاب فيه.

وبينما نحن فى حلوان نهم بالعودة إلى القاهرة سمعنا نبأ مصرع أحمد ماهر فى بهو مجلس النواب حيث جمع النواب والشيوخ ليأخذ موافقتهم على إعلان الحرب على المحور... لصالح من يا باشا؟! لصالح من سترسل المصريين ليقتلوا فى اليابان والشرق الأقصى وأوربا. ولماذا تفعل للإنجليز ما لم يفعله من جاء الحكم على حراب الإنجليز على حد قولك.

ووافق مجلس النواب السعدى وخرج الفارس المغوار – بل الفرس فى الحقيقة – وخرج فى طريقه إلى مجلس الشيوخ فاستقبلته رصاصا من مسدس شاب وطنى ( هو المحامى محمود العيسوي) ولا شماتة.

رئيس وزراء الصدفة :

اعتبر فاروق ضرب أحمد ماهر ضربة له وشارك فى جنازته ومن هنا نعرف كيف تتحرك البيادق فوق رقعة الشطرنج وكيف تتحرك الشخوص فوق مسرح العرائس.

أصدر فاروق مرسوما بتعيين محمود فهمى النقراشي باشا رئيسا للوزراء وتصور ماذا يكون الحال لو أتيت بشيخ خفراء من عزبة تابعة لقرية فى أعماق الريف ليتولى وظيفة المحافظ فى القاهرة).

فى نفس الليلة ولا ندرى من أصدر الحكم العسكرى فقد كان مقتل أحمد ماهر ليلا ومتى شكلت الوزارة ومتى حلفت اليمين الدستورية ومتى عين الحكم العسكرى؟ صدر الأمر العسكرى باعتقال حسن البنا وأحمد السكري بعد منتصف الليلة ذاتها.

ومع ذلك كان هناك بعض الحياء فبعد مدة لم تطل كثيرا ومع الجهود المكثفة والتحركات الإخوان ية ثم الإفراج عنهما وشكلت المحكمة العسكرية, وطلب إلى المتهم أن يختار محاميا للدفاع عنه فاختار الأستاذ على بدوى وتطوع بعض المحامين وطلب الدفاع شهود اثبات كان منهم علي ماهر شقيق القتيل ومصطفى النحاس وحسن البنا وغيرهم وكانت أسئلة الدفاع منصبة على اثبات عمالة أحمد ماهر للإنجليز حتى جاء دور الأستاذ البنا فى الشهادة.

المحكمة :

سئل الأستاذ فأجاب, وكانت الاجابات كلها تدين وهنا وجه رئيس المحكمة سؤالا إلى الشاهد. هل تبيح الشريعة الإسلامية قتله لهذه الأسباب.

احتجاج :

واحتج الدفاع وطلب من الشاهد عدم الإجابة ومن المحكمة سحب السؤال ووقف المتهم داخل القفص محتجا وهو يقول : لقد اعتقل من غير فتوى؟ فماذا سيحدث له إذا أفتى.

وأستأذن الشاهد الدفاع فى الإجابة فسكت الجميع. ماذا يقول الرجل قال:

- سيدى رئيس المحكمة الذى يجيب عن هذا السؤال هو أنت ولو كنت قاضيا فى هذه القضية لقلت, وكان قولى حكما لا شهادة وخيم الصمت فترة واستمرت المحاكمة.


عهد ليس بجديد :

لا يستطيع أحد أن يقول منذ دخل الانجليز البلاد أن عهدا جديدا قد حل محل عهد قديم أو تغيير ما قد حصل, فالمسرح هو المسرح والرواية واحدة ولكنها متعددة الفصول والمخرج واحد ولا شىء يتغير إلا الممثلون كل يقوم بالدور الذى يناله ويخرج ليحل محل ممثل آخر وكل ينتظر دوره ويتلهف عليه. إلى درجة الصراع.

كانت الأحزاب الحاكمة دائما تعلل بالشرف حين يقال لها أثناء الحرب طالبى بريطانيا بوعد بالانسحاب بعد الحرب فلا تفعل حتى لا تسبب فى ازعاج الشعور الإنجليزى أثناء الحرب. فغذا خرج الحزب من الحكم طالب الحكومة التى اقتنصت منها الغنيمة أن تطالب بالجلاء وبالغاء المعاهدة 1936 او تعديلها.

وانتهت الحرب تماما فى عهد الباشا النقراشي فلم يعد هناك عذر فى عدم المطالبة وعبت جموع الشعب فى مظاهرات ومؤتمرات وطنية تنادى بالجلاء ليتحرك الباشا المتربع على عرش الوزارة فترحك ولكن ضد الطلبة. وقرر الإنجليز فى حركة خبيثة أن ينسحبوا من المدن داخل القطر إلى منطقة فايد والإسماعيلية والتل الكبير وكل منطقة القناة, ففى ذلك حماية لدمهم الأزرق أن يسيل فى شوارع القاهرة تحت غضبة الشعب, ويكفيهم أن يتصدى المصرى وأن يقتل زيد عمرا.

ومرة خرجت الجامعة فى مظاهرة كبرى فتركتها قوات الفزع ( الأمن) حتى دخلت كوبرى عباس وأصبحت والنيل عن يمينها وشمالها والقوات من خلفها ومن أمامها وفى الزحام لم يستطع الطلبة التحرك فى حرية وانهالت على الطلبة ضربا من المدخلين فى وقت لم يتوقعوا فيه غدرا وأطلق عليهم الرصاص, ومن لم يمت به مات غرقا فى النيل حيث القى بنفسه فزعا من هذا الهول فالنيل فى ظنه أرحم من قوات النقراشي الوطنى الغيور.

وكانت فى البلد وقتئذ صحافة وبدوافع حزبية أو وطنية او بهما معا والهيئات كل بدوافعه الخاصة على مطلبين أساسيين: الجلاء ووحدة وادى النيل وتكرر حادث كوبرى عباس مرة أخرى.

وهنا أرسل الإخوان المسلمون مذكرة إلى القصر يطالبون بإقالة النقراشي وتشكيل حكومة تحقق مطالب الشعب وإلا تحمل القصر المسئولية كاملة وتجهز الإخوان وأعدوا عدتهم ليقوم الخطباء فى المساجد عقب صلاة الجمعة فى مظاهرات تتجه إلى عابدين مؤيدة ما تقدمت به مذكرة الإخوان فأوحى القصر إلى النقراشي بإعادة تشكيل الوزارة فقدم استقالتها وانتظر الأمر بإعادة تشكيلها.

وفى منتصف الليل فذ بطارق يطرق باب مسكن فضيلة المرشد العام, وكان أحد ضباط ( البوليس السياسى) وطلب من الأستاذ أن يصحبه فسأله الأستاذ إلى أين فاكتفى الضابط بقوله ( أنت مطلوب الآن) فخرج معه فضيلة المشد, وقد أخبر أهله أن لم أعد حتى الصباح فيكون فى الأمر اعتقال ولكنه عاد قبيل الفجر.

أين كان؟

علمنا بعد ذلك أن الضابط أخذه إلى قصر عابدين حيث التقى بقائد السيارات الملكية ( وكان أحد رجال الحاشية ذوى النفوذ فى حكم البلاد) وتحدث معه فى شأن المذكرة المقدمة من الإخوان وأن الملك قبل استقالة النقراشي ولن يكلفه بإعادة تشكيل الوزارة فمن تقترح لتشكيلها.

فأجاب الأستاذ أن الدستور ينص على أن الملك هو الذى يختار وزراءه فإن استقاموا فيها وإلا طالبنا بإقالتهم. وألح الرجل ليعرف رأى المرشد فى الأشخاص الذين يرشحهم للوزارة.

وإزاء إصرار المرشد على رأيه أخبره حلمي حسين أن الملك سيكلف شريف باشا صبري بتأليف الوزارة. وعاد الأستاذ إلى بيته وكنا ننتظر رجوعه فأخبرنا بما حدث, وطلب منا عدم التحدث فى هذا الموضوع إلى أحد. وأمر بسحب الخطباء من المساجد وعدم قيام المظاهرات.

وفى الصباح فوجئنا بتكليف إسماعيل صدقي بتشكيل الوزارة فما الذى حدث. لما استدعى شريف صبري باشا لتشكيل الوزارة اشترط أن تكون وزارة ائتلافية ووافق القصر وامتنع الوفد . فاستدعى إسماعيل صدقي وكلف بتشكيل الوزارة وطلب منه ان يمر بعد حلف اليمين على دار الإخوان وقد فعل.

فوجىء الإخوان بعربة رئيس الوزراء تقف أمام المركز العام وينزل منها إسماعيل صدقي لزيارة المركز العام. ولما لم يكن المرشد العام موجودا ترك بطاقته للتحية...

وكان لزاما أن ترد التحية بأحسن منها أو بمثلها, وقد انتهز المرشد العام فرصة يتيقن فيها عدم وجود صدقى باشا بديوان الرياسة وذهب إلى هناك حيث ترك بطاقته للشكر.

وجه إسماعيل صدقي بيانا إلى الأمة يطلب منها نسيان الماضى واعطائه مهلة ليسعى فى تحقيق أمانيها, فإن عجز فسيرجع الأمر إلى الأمة ويستقل. وأصدر الوفد بيانا هاجم فيه صدقى ويذكره بتاريخه ويطالبه بالاستقالة ويطالب الأمة باسقاطه.

وأصدر الإخوان بيانا يذكرون صدقى بمطالب الأمة ويمنحونه الفرصة التى يطلبها مع مطالبته بعدم التلكؤ فيما وعد به.

والتقى صبري أبو علم بأحد الإخوان ولعله فضيلة المرشد العام وسأله لماذا لم يؤيد الإخوان بيان الوفد , وقد كانت بياناتكم توافق بيانات الوفد فى عهد النقراشي.

فقال له يا باشا إن الإخوان لم يكونوا فى يوم من الأيام إحدى لجان الوفد .

أما موضوع اتفاق بياناتنا مع بياناتكم فى عهد النقراشي فهو التقاء سياستكم مع سياستنا وليس تأييدا منا لكم.

وإلا قلنا أن نقول ولم لم يؤيد الوفد بيان الإخوان , فرد الباشا: ولكن صدقى له تاريخ معروف وكان الرد: أن موقفه كان معكم, وقد طلب الرجل من الأمة ان تنسى الماضى, وماذا علينا لو صدقناه ومنحناه الفرصة التى يريدها. المهم هو تحقيق مطالب البلاد ولا يهمنا على يد من؟

وأرغى الوفد فى بياناته وأزيد وهدد وتوعد وقال لصدقى موعدكم يوم افتتاح الجامعة, وكان يؤيد الوفد فى موقفه جمعية مصر الفتاة والشيوعيون.

وجاء اليوم الموعود وقد سبقته مؤتمرات وقرارات وحاول الوفد وشركاؤه تحريك الجامعة والمدارس فلم يستطع وانتظمت الدراسة وأسرها الوفد فى نفسه مع غيرها مما أسره وأخذ هو وشركاؤه يتحرشون بالإخوان وأمر المرشد العام الإخوان بعدم الرد على حملات الوفد وشركائه.

وأراد الإخوان اصدار جريدة يومية فكونوا شركتين مساهمتين أحداهما شركة الإخوان للصحافة والأخرى شركة الإخوان للطباعة وشرعت شركة الصحافة تعلن عن ( جريدة الإخوان المسلمون). واتصل مندوب الشركة الشركة بالحكومة لاستصدار تصريح استيراد ورق ووعد صدقى وأعطى التصريح مع الموافقة على تحويل العملة.

وحالا تكونت مجموعة من دار المصرى والأخبار ودار الهلال وذهبت إلى إسماعيل صدقي يطلبون تصاريح استيراد ورق فاعتذر الرجل لعدم وجود عملة أجنبية فقيل له ولماذا منح الإخوان التصريح.

فما كان من صدقى إلا أن ألغى تصريح استيراد الورق للجريدة وكانت أول معركة صدرت الجريدة بورق من السوق السوداء وبأسعار فاحشة فى الارتفاع واستمرت المعركة فى الورق وفى المطابع وفى التوزيع.

التحرير والإعلان

استعد الإخوان لإصدار الجريدة فجندوا الكفايات, وكان سكرتير التحرير عبد الحليم الغمراوي ورئيس قسم الإعلان رجل من أكفأ المتخصصين فيه وكذلك فى التحرير مجموعة مشهورة.

فماذا كان أمر هؤلاء. ظلوا يأخذون مرتباتهم من صحفهم ويقبضون أيضا المرتبات الكبيرة من الإخوان .

وتنفيذا لمؤامرة خبيثة كان هؤلاء يعملون على إجهاض الجريدة وقتلها فى مهدها.

وكان درسا تعلمه الإخوان أرجو أن نعيه ولا ننساه, فلن يعمل للإسلام إلا من وهب نفسه لله مؤمنا صادقا فاقها.

ولقد وصلت الخسة فى محاربة الجريدة لدرجة أنهم كانوا ينشرون فى الجريدة نعيا لرجل حى, فانظر أخى إلى أى هاوية سقطوا؟

ومضى الوقت وانتهت المهلة التى طلبها صدقى وأعلن الإخوان ذلك فخرجت الجامعة والمدارس بل خرجت المظاهرات ليلا من المساجد لا فى القاهرة وحدها وفى عواصم الأقاليم فقط بل كان الأمر عاما شاملا فى القرى وأعماق الريف.

وأسرها الوفد أيضا فى نفسه , لا بل أعلنها فقد تجمعت فى نفوسهم الأسباب.

1- لم يقو الوفد على احتواء الإخوان .

فقد سيطروا على الموقف السياسى واسقطوا وزارة النقراشي الأولى.

2- لم يرشح الإخوان الوفد للحكم حين استشارهم السراى. اتصل كثير من رجال السياسة النصارى بالإخوان .

وشن الوفد حملة شعواء شرسة على الإخوان فى جريدته. وحاول إفساد مؤتمرات الإخوان .

بل حاول الاعتداء هو وشركاؤه عليهم بل وأكثر من ذلك حصلت محاولات لقتل المرشد العام ولكنها خابت جميعها وضبط الإخوان أعصابهم.

وفى احدى الجلسات كان فضيلة المرشد العام يستعرض الأحداث مع الإخوان وإذا به: غريب أيها الإخوان ما يحدث الآن فالقصر يحاربنا والوفد يحاربنا كذلك, وكان المفروض غير ذلك لما يبدو من العداء بين القصر والوفد .

الأحزاب كلها مجتمعة على محاربتنا الشيوعيون- الغربيون الجميع تألب علينا. وسكت ثم قال. وهذا فضل الله علينا فقد يصيبنا الضعف البشرى فنستعدى إحداها ونستعين بها على الآخرى.

ولذلك كان من فضل الله علينا أن بدت البغضاء منهم جميعا حتى لا نستعين إلا بالله القوى القادر ( ولا تركنوا إلى الذي ظلموا فتمسكم النار)

ويسقط صدقى وسقطت معه معاهدة صدقى بيفن لأنه لم يستطع وحده ان يحقق وحدة وادى النيل وكانت الصخرة التى تحطمت عليها المفاوضات دائما وكان الإنجليز مستعدين للجلاء عن مصر , ولكن بشرط فصل مصر عن السودان ومن المحزن أنهم وجدوا من أهدى اليهم هذا!!

جاء النقراشي ثانية وفى النفس ما فيها من الإخوان واستقبله الطلاب بما هو أهله وكثر الضغط عليه وطولب بالغاء المعاهدة وإعلان الجهاد ولكنه اختار عرض القضية على مجلس الأمن.

مفارقات :

بدأ النقراشي يعرض قضيته ويقول أن وجود الانجليز فى مصر يعدد السلام العالمى وهو شرط مناقشة القضية أمام مجلس الأمن.

ويناقضه مندوب بريطانيا, فكان لزاما ان تشتغل البلاد تأييدا للرئيس المصرى الذى يعرض القضية فأخطر الأستاذ المرشد رئيس الوزراء بالنيابة أحمد خشبة باشا بأن المظاهرات ستخرج من الأزهر يوم الجمعة وسيكون المرشد فى مقدمتها وكانت المفاجأة أن خشبة باشا رفض وأصر على رفضه لخروج المظاهرات. وشرح له فضيلة المرشد العام الموقف وأصر على موقفه وخرجت المظاهرات واستقبلها البوليس حتى قبل أن تكتمل وبدأت البنادق تتكلم, ووجعت قذيفة إلى المرشد العام وكان فى صدر المظاهرة وأصيب فى يده ونقلوه إلى المركز العام للراحة وحمايته من احتمال وجود مؤامرة لقتله وانتشرت بين الإخوان قتل الأستاذ مما أحدث هياجا شديدا خشى من عواقبه. حتى أن سليم زكى ( حكمدار القاهرة) وجد أن السبيل الأوحد لتهدئة الثورة هو ظهور المرشد العم وظل يبحث عنه حتى عرف مكانه فذهب اليه ورجاه بعد أن اعتذر له عن هذا الاعتداء بحجة أنه غير معتمد ورجاه أن يظهر فى عربة مكشوفة فى الشوراع بين المتظاهرين ووافق المرشد العام فركب سيارة مكشوفة معه وهدأ الإخوان بعد أن رأوا مرشدهم.

مفاجأة :

خرجت جريدة المصرى وفى صدرها عنوان بعرض الصحيفة ( خطاب النقراشي أمام مجلس الأمن كتب فى السفارة البريطانية) وذكر الكاتب وهو الأستاذ محمود أبو الفتح قصة مفادها أن مندوب بريطانيا فى المجلس كان ضمن أوراقه نسخة من خطاب النقراشي الذى القاه فى مجلس الأمن والذى يقول فيه( أيها القراصنة اخرجوا من بلادنا).

وتحركت الحكومة فى مصر أمام هذا الاتهام الخطير وصادرت الجريدة وقدمت الكاتب إلى المحاكمة.

أمام المحكمة :

ويوم المحاكمة فوجئت الحكومة بشاهد الاثبات وقد جاء به ابو الفتح بالطائرة ولم يظهر إلا فى المحكمة. وكانت النتيجة وتغطية للفضيحة تأجلت القضية وإلى وقتنا هذا.. وهكذا كانت الوطنية عندهم جميعا.

ملاحظة

اعتقد أن القارىء العزيز قد لاحظ فى كتابى انى لا أقص الأحداث مسلسلة كما تعود الكتاب, فليس هذا من هدفى, ولكنى أحاول أن أتذكر ما لم يذكر من قبل او ما يربط الأحداث بعضها ببعض أو يفسر بعضها التفسير الصحيح.

قاد الإخوان الحركة الوطنية قيادة حكيمة مركزة وأخذوا يستعدون لأداء واجبهم المفروض عليهم.

فلسطين الشهيدة :

نعم أنها الشهيدة ولكنها لن تموت بإذن الله فالمؤامرة محبوكة الأطراف, والقائمون على أمر فلسطين أما عملاء أو جهلاء.

فهؤلاء الملوك والرؤساء يتدخلون فى الثلاثينيات لوقف جهاد عرب فلسطين.

ويحسن المقاتلون الظن بهم ويستجيبون لندائهم ثقة فى وعدهم. وحينئذ تحكم بريطانيا قبضتها وتمكن لليهود ويقترب موعد إنهاء الانتداب البريطانى ويستعد المتطوعون لعبور الحدود ويستعد مفتى فلسطين ليعبر أيضا إلى فلسطين ليقود أبناءها ولكنه يمنع ولا يستطيع لن حكومة مصر نفذت أمر سادتها وحالت بينه وبين طلبه, ويقال فى الظاهر أن الملك عبد الله اتصل بفاروق وطلب منه هذا واستجاب له فاروق, ويقال أن الانجليز طلبوا إلى النقراشي ذلك وطلبهم أمر واجب التنفيذ. المهم منع الحاج أمين الحسيني من الدخول.

استقال ( البكباشى) أحمد عبد العزيز الضابط بالجيش وقاد بعض الفدائيين لدخول فلسطين ووقفت كتائب الإخوان على أبواب الأرض المقدسة من الشمال والجنوب.

وقدم المخلصون من ذوى الحنكة السياسية والعسكرية حين علموا بنية النقراشي فى دخول الجيش المعركة نصحوا بعدم دخول الجيش والاكتفاء بالمتطوعين وتدعيمهم وتسليحهم لتكون المعارك بين عصابات وعصابات ولكن الوطنى الهمام أبى الا دخول الجيش لتنفيذ المخطط الانجليزى الصهيونى المرسوم.

لمـاذا ؟

كانت سيناء المصرية منطقة عسكرية لا يدخلها المصريون إلا بتصريح ولما دخل متطوعوا الإخوان سيناء ووصلوا إلى حدود فلسطين أقفل الحاكم العسكرى الباب وراءهم ومنع الاتصال بهم وتزويدهم بالطعام والدواء والسلاح. أى والله.

الدستور :

برغم الفساد الضارب بأطنابه بمصر , فقد كان يحكمها دستور 1923 , ولذلك فلم يستطع الجيش أن يتحرك خارج حدود البلاد الجغرافية إلا بعد موافقة ( البرلمان) فأعد النقراشي العدة لأخذ موافقته.

وطنى خطير :

وافق مجلس النواب بأغلبية السعدية والدستورية سريعا على طلب الحكومة تحت شعارات حماسية أطلقتها الحكومة لهذا الغرض.

ولما ذهب الباشا إلى مجلس الشيوخ تصدى لع بعض أعضاء المجلس ومنهم إسماعيل صدقي الذى كان يتهم دائما بأنه عميل للإنجليز. وقف صدقى يسأل النقراشي.

- إلى أين أنت ذاهب يا باشا بالجيش؟

- أذهب إلى فلسطين لتأديب العصابات الصهيونية.

- هل درست الموقف واستعددت له يا باشا؟

- نعم أنها نزهة لمدة أسبوع نعود بعدها.

- لقد كنت وزيرا للدفاع يا باشا وأنا أعلم قوة الجيش وتسليحه.

- لقد وعدتنى بريطانيا بإمدادى بالسلاح من مخازنها فى فايد( انظر وفكر وافهم).

- وهل تثق فى وعود الإنجليز؟

- نعم وستوفى بوعودها.

- وماذا لو تركتك تدخل فلسطين وتورط الجيش ثم تمتنع عن إمدادك بالسلاح والذخيرة؟ وقد كان وصح ما توقعه صدقى.

ولذلك فنحن معذورون إذا تساءلنا من الذى أمر بدخول الجيش المصري, بل والجيوش العربية كلها ثم تسلسلت الأحداث فى الخط المرسوم لها إلى أن استولى اليهود على فلسطين.

ودارت المعارك

حقيقة لم يدخل الجيش معركة, فقد شق طريقه فى أرض عربية ولم يقم بتصفية المستعمرات اليهودية, بل تركها وراء ظهره وتقدم حتى شارف تل أبيب وأعلنت الهدنة وقيل للباشا الوطنى لا تقبل الهدنة إلا بعد انهاء ما وعدت به, ولكنها قبلت وليته قبلها وحده بل ألزم بعا الفدائيين ومنعهم من الحركة. وبذلك وقف حارسا للعصابات الصهيونية ومدافعا عنها.

وسلحت إسرائيل :

ودارت رحى المعارك مرة ثانية وكادت تقع وحوصر الجيش المصري وقطعت عليه الطرق. وتحرك متطوعو الإخوان .

ثم أعلنت الهدنة الثانية ( وللتاريخ نرجو أن يعود القارىء إلى شهادة قائدى الحملة اللواءين على المواوى وفؤاد صادق فى هذا الموضوع).

ثم ماذا؟

وفى مصر شغل الناس بهذه المعارك وأخبارها. شغلوا إلا الحارس اليقظ فقد أشعل قلوب الناس وعبأ مشاعرهم ضد الصيهونية وعملائها واتخذ الخطوات العملية لمقاومة زحفها وإحباط مخططها.

حدث قبل خروج الانجليز من فلسطين أن قام اليهود تحت سمع الدولة الحاكمة المسئولة عن أمن الجميع وحمايتهم. قام اليهود تحت سمع بريطانيا وبصرها بنسف منازل العرب فى القدس بواسطة عربات محملة بالمفرقعات وردت مصر هنا على وحشيتهم بالهتاف والاحتجاجات فازدادت حوادث النسف والإرهاب, ولكن رجال مصر ردوا هذه المرة بنفس أسلوب اليهود وحدثت أحداث هنا فى مصر من نفس النوع حتى أوقفت اليهود نسفهم لمنازل العرب فى فلسطين.

وفى هذه الفترة ضرب الفدائيون المجهولون ضربتهم وتم نسف مخازن الأسلحة والذخيرة فى مخازنها الرئيسية فى ابى سلطان وهى المخازن الاستراتيجية للجيوش البريطانية فى الشرق الأوسط.

وظلت النيران مشتعلة والانفجارات مستمرة أربعة أيام, وقال المسئولون الانجليز أننا نشم رائحة الإخوان فى هذه العملية.

القرار الثانى :

قبل حادث مخازن أبى سلطان كان الباشا الوطنى قد اصدر أمرا عسكريا بتعطيل جريدة الإخوان وجلتهم. وجاء هذا الحادث فطاش عقل الإنجليز وتحركت أيديهم وأرجلهم وأصدر النقراشي أمرا عسكريا بحل شعب الإخوان بمنطقة القناة. ولم يقنع الإنجليز طبعا بهذا القرار.

اجتمع سفراء بريطانيا والدول الغربية فى معسكرات فايد وتدارسوا وقرروا... وعلم بهذا الأمر النائب المحترم محمد فكري أباظة فقدم سؤالا إلى وزير الخارجية ورئيس الوزراء عن هذا الاجتماع باعتباره اعتداء على السيادة المصر ية.

القرار الثالث :

كان القرار الذى أصدره السفراء ( إياهم) إرسال مذكرة إلى الحكومة المصرية يطالبون فيها بحل جماعة الإخوان المسلمين وسرعان ما لبى الحاكم العسكرى إشارتهم فقد صادف طلبهم هوى فى نفسه فهو لم ينس ما أصابه وأصاب قبله الحالك السوداء. وأصدر أمرا عسكريا بحل جماعة الإخوان المسلمين فى أنحاء البلاد ومصادرة أموالها وشركاتها.

وجاء إبراهيم عبد الهادي :

كان إبراهيم عبد الهادي رئيسا للديوان الملكى, وكان يبدى دائما للمرشد العام احتراما متزايدا, وفى يوم من أيام رمضان وصلت دعوة من القصر للأستاذ البنا لحضور الإفطار الملكى فى قصر عابدين بوصفه رئيسا لأحدى الهيئات.

واعتذر الأستاذ عن حضور الإفطار الملكى واتصل رئيس الديوان تليفونيا بالمركز العام.

وفى الحديث أخبر الباشا الأستاذ بالدعوة وأبلغه الأستاذ أنه أرسل اعتذاره فألح الباشا على ضرورة الحضور لأنها رغبة ملكية, وكرر الأستاذ الاعتذار وذكر أنه لا توجد لديه الملابس الرسمية المطلوب ارتداؤها وا،ه ليس على استعداد لارتدائها حتى لو كانت موجودة.

ورد الباشا: يا فضيلة المرشد انك تلبس الجلباب والعباءة وهذه كافية. ورد الأستاذ يا باشا أنى ألبس البدلة, وتحايل الباشا وقال فى الامكان لبس البدلة الرمادية وأن يكتفى بالياقة ورباط العنق. وأصر الأستاذ انه غير مستعد لهذا, وازداد الحاح الباشا وقال ( احضر كما تريد) فهذه رغبة سامية, وقد كان وحضر المرشد العام حفل الإفطار بالبدلة العادية وكان هذا أول تحطيم ( للبروتوكول).

وفى آخر لحظة وبفضل الله اعتذر الملك عن الحضور لمرض مفاجىء وأناب عنه رئيس الديوان حتى آخر الشهر. كل هذه الأمور مما أشعل نار الحقد فى قلب النقراشي وإضرابه من رؤساء الأحزاب وجعله يسارع فى تنفيذ أمر الإنجليز.

وفى 8 ديسمبر سنة 1948 كان النقراشي قد أصم أذنه وأغمض عينيه ووقع القرار وخاض المعركة وبدأ فى اعتقال الإخوان فى مصر ... وفى فلسطين أى والله.

اعتقل المجاهدين فى فلسطين... أنها..... ماذا أقول.... قل أنت أيها القارىء فلن أستطيع أن أصف هذا....

وبدأ النقراشي مع صدور الأمر العسكرى بحل الجماعة ومصادرة ممتلكاتها وشركاتها فى إصدار أوامر باعتقال الإخوان عدا فضيلة المرشد.

طلب الأستاذ من قائد القوة التى اعتقلت الإخوان أن يعتقله أيضا . فرفض الضابط قائلا الأوامر عندى ألا أعتقلك.

وهنا يثور سؤال, لمذا ترك المرشد العام بدون اعتقال أن وراء ذلك أمرا!!

ولننظر ماذا جرى بعد:

1- صادروا العربة التى كان يركبها والتى كانت مهداة للمركز العام من إخوانه بالإسماعيلية.

2- سحبوا سلاحه المرخص له بحمله فرافقه فى تحركاته أخوه الضابط عبد الباسط ومعه سلاحه الرسمى, فاعتقل عبد الباسط وكلهم يعلم أنه لا صلة له بالإخوان .

وهنا بدأ الأستاذ اتصالاته عساه يطفىء نار الفتنة فلم يقبل النقراشي الاتصال به.

وفى نفس الوقت أخذ ينظم الإخوان فاختار بعض الإخوة للقيام بزيارات متصلة للإخوان وإبلاغهم الأخبار والتعليمات أولا بأول.

وتسابقت الأحداث وقتل النقراشي بوزارة الداخلية وكان الأستاذ كلما اختار مسئولا من الإخوان فوجىء باعتقاله.

وأخيرا تقابل الأستاذ مع الشيخ الباقوري وعرض عليه هذه المهمة وهى قيادة الإخوان حال اختفائه لأى سبب أو عجزه عن الحركة فقبل الباقورى وكانت حكمة الأستاذ فى ذلك الإختيار وجود صلة صداقة بين الباقوري وإبراهيم عبد الهادي ولمصاهرة الباقورى لفضيلة الشيخ محمد عبد اللطيف دراز النائب السعدى البارز وأرشده كيف ينظم اتصالاته بالنظام الخاص.وفعلا لم يعتقل الباقورى وظل موجودا حتى عادت الجماعة بسقوط وزارة إبراهيم عبد الهادي.

وزارة إبراهيم عبد الهادي

وبعد مقتل النقراشي شكل إبراهيم عبد الهادي الوزارة وعين حاكما عسكريا وأخذ فى اعتقال الإخوان , وفى 12 فبراير احتفل الملك بعيد ميلاده الذى أخره يوما حتى يقدم إبراهيم عبد الهادي هديته وهى رأس حسن البنا.

وفى يوم 5 مايو من العام الذى يليه وقف إبراهيم عبد الهادي يخطب ويقول 5 سنوات جديدة فى جيبى ( يقصد البرلمان الجديد) وقد قضينا على آخر خيوط الإرهاب فى مصر .

وفى 6 مايو كان حادث الاعتداء المدبر له وإذا به يقع على سيارة حامد جوده. وطار البرلمان الجديد من يده حيث فوجىء بسادته الحقيقيين بلسان احدهم فى لندن يقول أن بريطانيا يهمها استقرار الحال فى مصر والمنطقة وكانت إشارة كافية لفاروق فأقال خادمه الذى قتل حسن البنا, وجاءت وزارة حسين سري باشا ثانية لتجرى انتخابات جديدة وكانت هذه الوزارة ائتلافية وبدأت بدراسة موضوع المعتقلين والإفراج عنهم ووجدت الصحف الفرصة لتثير موضوع مقتل الأستاذ البنا وتسابقت الصحف فى ذلك حتى صحف الوفد التى شنت فى السابق حملاتها على الإخوان , وبدأ فؤاد باشا( الذى استقر بين يديه سكرتارية الوفد ) اتصالاته استعدادا للإنتخابات.

هؤلاء هم رجال السياسة فى مصر

بدأ فؤاد باشا يتصل بالإخوان وينشر الوعود يسيطر على فؤاده الخوف والهلع ولذلك كان دائم الاتصال بالدكتور [[محمد خميس حميدة]].

تدارس الإخوان أعضاء المكتب ( بعد خروجهم من المعتقل) الموقف واستقر الرأى الرسمى على ضرورة إسقاط السعديين فى الانتخابات ولا مانع من دخول الإخوان المعركة ببعض المرشحين وهى فرصة للدعوة وشرح ما حدث للجمهور.

وإزاء ذلك صدرت تعليمات القصر بالاتى:

1- ضرورة إسقاط مرشحى الإخوان ومصر الفتاة .

2- العمل على أن يأتى البرلمان متوازيا بين الأحزاب.

وطمأن الدكتور خميس حميدة فؤاد باشا على معاونة الإخوان لمرشحى الوفد حتى كان لا يدخل بلدا فى الدقهلية مثلا إلا بعد استئذان الأخ الدكتور خميس ومعرفة أسماء من يقابلهم من الإخوان فى هذه البلدة وأكثر من ذلك طلب إبراهيم عبد الهادي مقابلة الدكتور خميس عن طريق احد المتصلين به وفعلا تم اللقاء وحاول الباشا أن يبرر أفعاله ثم عاد يحاول بذل الوعود للدكتور خميس بأنه إذا عاد فسيعيد الإخوان ثانية وكان رد الدكتور.

أعتقد انك تقصد يا باشا إعادة وضع اللافتة لأن الإخوان ولله الحمد موجودون... وقال الباشا نعم هذا أعرفه جيدا.

وهكذا ترى أيها الأخ الحبيب معى عينات من رجال السياسة الذين كانوا يقودون هذه الأمة . خاضوا المعركة الانتخابية جميعا فى خوف ورعب وكان السعديون يظنون أن رقابهم سيطاح بها والرصاص سخترق صدورهم. أما الوفديون فكانوا يخشون نتائج خداعهم ومحاربتهم للإخوان.

ولكن كان لابد من إسقاط السعديين. وفى يوم الانتخابات وقف الباشا الزعيم يخطب ويشكو من تزييفها, وانتهت الانتخابات وظهرت نتائجها.

ووقف الزعيم فى بيته يستقبل المهنئين الذين أعلنوا للباشا أنه لولا الإخوان ما ظفر الوفد بنجاح مما جعل الباشا يذكر الإخوان بكلمة طيبة أثناء خطابه.

وجاء الوفد ( واعتبروا يا أولى الأبصار ). تلكأ الباشا فؤاد فى تنفيذ وعوده والإخوان يستنجزونه ما وعد وبدأ الباشا يكشف عن وجهه الحقيقى وطلب من الدكتور خميس ان يعمل الإخوان على تغيير اسم ( الإخوان المسلمون) ولتعد الجماعة باسم آخر وبنفس المبادىء, ويرد الدكتور خميس أن اسم ( الإخوان المسلمون) يا باشا له رجال يحمونه بدمائهم, وحاول الباشا أن يجدد امتداد العمل بالأمر العسكرى الخاص بحل الجماعة سنة أخرى ومر المشروع من مجلس النواب وفى مجلس الشيوخ وكرها فى الوفد لا حبا فى الإخوان نوقش الأمر.

واقترح العشماوى باشا إحالة المشروع إلى اللجنة الدستورية حيث تأخر المشروع هناك وانتهت المدة ولم يجدد المر فسقط. وفى تمام الثانية عشرة مساء ارتفعت لافتات الإخوان على ردوهم فى جميع البلاد وفوجئت وزارة الداخلية هل تدخل فى معركة مع الإخوان ... ماذا يعمل وفى البلد قانون يومئذ.

دار فؤاد باشا فى الرحى التى دار فيها غيره... وبنفس العقلية أخذ يعمل فى خدمة سادته فاعد ما يسمى بقانون المشبوهين السياسيين وثار عليه نواب الوفد وحمل لواء المعارضة لهذا القانون النائب عزيز فهمى وقهر الباشا ولم يصدر القانون.

ومات عزيز فى حادث سيارة والله يعلم وحده كيف وقع هذا الحادث أنه علام الغيوب.

واستمر فؤاد باشا فى خطته ومراوغته وحاول من جديد وقدم قانونا بتنظيم الأحزاب السياسية ولكن الله كان له بالمرصاد فلم يتمكن من إتمامه.

وطالب الإخوان بصدور عفو عن المسجونين السياسيين فماطل فؤاد الباشا ويذكر مبررا لمماطلته بان الملك هو الذى يرفض.

وعلم الملك أن الوفد يلعب بورقة كرة الملك للإخوان, وفجأة وبدون مقدمات يتصل القصر وبدون استشارة رئيس الوزراء بالأستاذ حسن الهضيبى ويقول يوسف رشاد. هل لديك مانع من مقابلة الملك فيكون الرد السريع لا مانع طبعا. إذن المقابلة الآن. ويحاول المرشد أن يعطل الموضوع أو يؤخره فيعتذر بعدم وجود بدلة تشريفة فيقال له. المقابلة الآن وبالبدلة العادية وأذيع خبر المقابلة فى نشرة الأخبار وكانت لطمة للوزارة وكشفا لأوراقها.

اتصالات ومحاولة :

فى هذه الفترة الزمنية صحت نية الغرب على التغيير مع اختلاف فى العقلية والأسلوب – أمريكا تريد الاطاحة بالنظام الملكى دفعة واحدة ومن أساسه وانجلترا تريد تغيير استبدال محمد على ولى العهد بدلا من فاروق.

وبدأ جس النبض, ففى لقاء تم مصادفة عند احد المصريين تكلم الأمريكان مع أحد الإخوان عن فاروق وقتله لحسن البنا والثأر بين الإخوان والملك فقطع عليه كلامه مذكرا ان هذه أمور داخلية تسويها نحن بيننا, فاعتذر الرجل بأنه لم يقصد أى شىء.

وظهر فى الأفق السياسى بعض الظواهر منها المذكرة التى قدمتها المعارضة تهاجم فيها حاشية الملك وتطالب بتطهير القصر من الفساد ومن الجدير بالنظر أن فؤاد باشا وصم المعارضة بالخيانة حينئذ .

ومنها بعض المظاهرات والمقابلات التى كانت تهاجم الملكية ولكن الوزارة كانت تهاجمها وتضربها بعنف. ومنها الهجوم الذى شنه ولى العهد على الحكومة على غير المألوف والمعروف وتصدى فؤاد باشا له بصراحة متجاوزا بذلك كل عرف سياسى. ومنها كذلك الهجوم الصريح على الملك فاروق ذاته.

وطالب حكام الأمس ومعارضوا اليوم وحكام اليوم بإلغاء المعاهدة وإعلان الجهاد .

وبعد مدة وقف النحاس فى مجلس النواب وأعلن فى خطاب قدم فيها قانونا بإلغاء معاهدة 1936 وقانونا بإعلان فاروق ملكا لمصر والسودان.

من المجاهد؟

ودارت معارك القناة وروى الإخوان أرضها وخضبوا رمالهم بدمائهم وجاء يوم 25 يناير سنة 1952 وحوصرت محافظة الإسماعيلية وصمد جنود بلوكات النظام بأمر السيد الوزير وبكى المحافظ, فكل جندى من جنوده الذين أمروا بالمقاومة ليس فى يده إلا بندقية من طراز قديم وبضع طلقات, وزاره على الفور الشهيد يوسف طلعت والشيخ محمد فرغلي( عليهما رحمة الله) وطمأناه ومونوا الجنود بالسلاح والذخيرة وعملوا جهدهم.

أطلق الإنجليز مدافع دباباتهم واستبدل الجنود ببنادقهم حتى كادت الذخيرة تنفذ وحينئذ سمع القائد الانجليزى صوتا جديدا يعرفه تماما فهو صوت سلاح يملكونه هم ولا يملكه جنود بلوكات النظام.

فخشى أن يكون هناك كمين وانسحب جنوده وانتهت المعركة.

وحوصرت المنطقة بحثا عن السلاح الجديد الذى دخل المعركة ولكن الصيد كان قد أفلت ولكنهم رصدوا لرقبته عشرة آلاف جنيه حتى سلمها لهم عبد الناصر بدون مقابل.

وفى 26 يناير سنة 1952 وقع حريق القاهرة وفيه كلام كثير ولكنه يحتاج إلى الدليل القاطع وإن كانت الشواهد والقرائن تشير بأصابعها إلى الفاعل الحقيقى.

وطلب من النحاس باشا أن يعلن الأحكام العرفية فأعلنها ثم أقيلت وزارته وتألفت وتغيرت حتى جاء يوم 23 يوليو سنة 1952 وقامت حركة الجيش وارجوا أن يتكلم فيها المعاصرون, وحبذا لو نشرت مذكرات من ماتوا وتكلم الأحياء الصادقون وحق عليهم أن يتكلموا.

عائق أمام وحدة وادى النيل :

كان الجميع فى مصر ينادى بوحدة وادى النيل ويذيع الإنجليز أن المصريين يريدون استعمار السودان.

وبدأ الإخوان ينشطون فى السودان وقد انضم إلى المنادين بالوحدة إسماعيل الأزهري ومن معه وكونوا حزب وحدة وادى النيل وعاونهم الختمية بزعامة السيد على المير غنى أما السيد عبد الرحمن المهدى فكان ينادى بالانفصال عن مصر وسافر إليه عبد الحكيم عابدين حيث التقى معه فى حديث طويل وفاجأ المهدى عبد الحكيم عابدين قائلا:

يا أستاذ عبد الحكيم ماذا تقولون فى الملك فاروق.

سكت عابدين ولم يرد.

أقول أنا يا أستاذ عبد الحكيم أنكم غير راضين عنه وتعملون على الخلاص منه. إذن لماذا تطوقون رقابنا مع رقابكم. وما هذه الحجج التى يحتج بها رجال السياسة عندكم.

نيل واحد كم من البلاد فى العالم يخترقها نهر واحد وكل منها مستقل عن الأخر. لغة واحدة كثير من البلاد يتكلم أهلها لغة واحدة وليس بينها اتحاد. أفهم أن تقولوا( أن الوحدة على أساس الإسلام وحينئذ أكون كافرا لو ناديت بالانفصال).

موقف ولقاء :

أثناء الاستعداد لمعركة فلسطين اهتم الإخوان بالجبهة الشرقية فى الأردن وفتحوا الشعب بها وحدث لقاء بين عبد الحكيم عابدين والملك عبد الله وكان مما قاله الملك – يقولون عنى أننى انجليزى, ومن منهم ليس انجليزيا ولكنى يا أستاذ عابدين لا أتعاطى الخمر ولا أرقص أو أتعامل مع النساء.

وقفة ورجعة إلى الوراء :

لعلنا لم ننس الصاغ محمود لبيب الذى رأيناه فى معسكر الدخيلة 1937 أليس كذلك؟

لقد كان الرجل يشتعل وطنية ومن أجل ذلك كرهه الانجليز كثيرا وأبعده عن الجيش ولم يعيده اليه وكان الرجل صديقا حميما لعزيز المصري الذى كان من البقية التى حضروا عهد الخلافة وحاربوا ايطاليا واشتركوا فى معارك تركيا.

ولم يدخر الرجل وسعا ولا وقتا فى سرعة تنظيم الجوالة وعن هذا الطريق زوال الرجل نشاطه فى الجماعة ثم وبجانب ذلك كان يعمل فى تنظيم آخر حيث بدأ اتصالاته بضباط الجيش.

لماذا ؟

كان الإخوان يرون أن تطبيق الإسلام يقف أمامه عقبتان, الأولى الاستعمار فى كل صورة وبخاصة أصحاب رؤس الأموال المتعاونين مع الأحزاب. والثانية الملك فاروق وعصاه التى أعدها لخدمته ليضرب بها كل محاولة لخلعه , وابعاده عن سادته الانجليز.

بذلت محاولات مع املك وهو شاب عن طريق الشيخ المراغى وعزيز المصري ليتوجه بالملك نحو الاتجاه الصحيح. ولكن غيرهم كان أسق وأقدر فأفسدوا المحاولات وأفسدوا الملك تماما ولكل فعل رد فعل فقامت فى الجيش حركة وطنية وخاصة بعد حادث 4 فبراير 1942 ودخل الإخوان من هذه الثغرة وبدأ محمود لبيب يجمع العناصر الوطنية التى يظن فيها النظافة أو إمكان التنظيف ونظمت لقاءات بينهم وبين الأستاذ المرشد العام وأخذ الأستاذ يشرح لهم الإسلام وأهداف المسلمين الواجبة والتى يريد الإخوان تحقيقها والوصول إليها.

ومن ناحية أخرى كان قد دخل الكلية الحربية بعض طلبة الإخوان الذين رضعوا لبن الدعوة فى شعبهم وهم طلاب فى المرحلة الثانوية وتخرجوا ضباطا عاملين بالجيش كذلك فى عام 1937 بدأت فى الجيش حركة تنظمية وفتحت المدارس الفنية – سلاح الصيانة وميكانيكا الطيران. فتخللها الإخوان وأخذوا يعملون بها كذلك.

وفى نفس الوقت لم يفعل الإخوان الطرف الآخر وهى كلية الشرطة فولجوا أبوابها وداخلها عدد من الإخوان وتخرجوا منها حتى الأحزاب السياسية والهيئات الوطنية تسلل الإخوان إليها وأخذ كل يعمل فى ميدانه بكل همة ونشاط.

ولم ينس الإخوان أن ينظموا صفوفهم ويستعدوا ليوم لابد منه يسمعون فيه النداء (حى على الجهاد ).

وشرعوا فى تقليم أظافر فاروق بتنظيم الضباط وصف الضباط وانضم إلى تنظيم الضباط فريق منهم جمال عبد الناصر.

وأخبرنى احدهم قائلا ظللنا فى لقاءاتنا حتى فتحت مدرسة أركان حرب والتحقنا بها وانشغلنا عن لقاء الإخوان وصدر الأمر العسكرى بحل الجماعة فى عام 1948 وقتل المرشد فى 12 فبراير سنة 1949 واعتقل الإخوان ومنهم الصاغ محمود لبيب – وهنا عرض جمال على الإخوان الضباط فكرة تغيير اسم التشكيل إلى اسم الضباط الأحرار حيث ان الإنتماء إلى الإخوان يثير الشبة حولهم ويعرضهم للمحاكمة والمطاردة, ثم عرض كذلك أن اشترط ان يكون عضو التنظيم مسلما وأن يلتزم بآداب الإسلام وتعاليمه وأخلاقه وفرائضه, هذين الشرطين يعوقان العمل ويحولان دون انضمام أعداد أكثر من الضباط إلى التنظيم ولذلك اقترح إلغاء هذين الشرطين ورفع لواء الوطنية فقط وعند النصر نطهر صفوفنا.

وعارضه فى ذلك ضباط الإخوان وتمسكوا بأسلوب الإخوان وشروط التنظيم ولما لم يتم التقاء الآراء احتكموا إلى عزيز المصري فلما عجز عن التوفيق بينهم قال كل يسير فى طريقه ولا يعاكس بعضهم بعضا.

وظل جمال يموه على عامة ضباط الإخوان أن التشكيل هو نفس تشكيل الإخوان ولكن تحت اسم جديد هو اسم الضباط الأحرار وهنا:

قال الذى قال: بدأنا نجتمع فى مكتبة السفارة الأمريكية حيث زودت بأحداث الكتب العسكرية ( اسمع وفكر) راجع خطب عبد الناصر لتعلم كيف تم الاتصال بالسفارة الأمريكية ليطمئن السفارات الأجنبية بأن الحركة غير معادية للأجانب. ثم راقب تحركات السفير الأميركي كافرى. ولذلك كان أول أمر صدر للضباط هو عدم التردد على السفارة الأمريكية.

وأنظر معى فى فكرة افتعال المظاهرة التى قامت وأحرقت مكتبة السفارة ألست معى فى أنها تستحق النظر.

وعاد الإخوان

بعد انتهاء الحكم العسكرى وعودة الإخوان فى شكلها الرسمى وخروجهم من المعتقلات وانتخاب مكتب الارشاد الجديد وعلى رأسه المرشد العام الأستاذ حسن الهضيبى.

بدأ جمال من الطريق الخلفى للإتصال بالإخوان وعن طريق آخر خاصة وقد انتقل إلى رحمة الله الصاغ محمود لبيب وأوهم من اتصل بهم أنه لا زال على عهده ويريد تزويده بمن يتعاون معه على تربية الضباط ( أى والله) وكان بعض الإخوان يلتقون بهم فى لقاء أسرى يشرحون لهم ويغذونهم بغذاء الإسلام.

حتى جاء يوم 22 يوليو سنة 1952 واستأذنوا فى القيام بحركتهم وقد وضعوا أيديهم على كتاب الله يعاهدون على أنها حركة للإسلام ولإقامة دولة الإسلام ( اقرأ خطاب كمال الدين حسين) اتق الله.

واشترك كل ضباط الإخوان فى الحركة بل أنهم قاموا بأخطر العمليات وأشد المأموريات, واشترك الإخوان أيضا بتشكيلاتهم فى أخطر المهام وفى الوقت الذى كانت فيها وحدات صغيرة تحاصر ثكنات الجيش وتعتقل الضباط وخاصة الرتب من بكباشى وأعلى كانت فرق الإخوان تقف على طريق السويس القاهرة بسلاحها لتتصدى للجيش البريطانى إذا حاول الوصول للقاهرة والتعرض للحركة – كما قام الإخوان بحراسة السفارات الأجنبية والبنوك وحراسة ضباط الحركة أنفسهم حينما كانوا يسافرون إلى البلاد وتولوا تحريك الجماهير لتحيتهم.

وأنى لا أجد فى نفسى الطاقة لأحصى وأعدد ما قام به الإخوان وليست مهمتى فى هذه الحالة التى أريدها موجزة لاظهار معالم خاصة فى طريق علاقة الإخوان بهؤلاء, وليرجع من شاء إلى خطب جمال وزملائه ولينظر كم كان كذوبا يكذب نفسه بنفسه ولا ندرى أكان ذلك غفلة فهو لا يدرى ما يفعل ولا ما يقول أم كان يعتمد على نسيان الناس كما يقول.

فهو يقول انه لم ينتم إلى الإخوان فى يوم من الأيام ولا أى هيئة ثم يقول انه اتصل بجماعة مصر الفتاة , ثم يقول انه عرض عليه الانضمام إلى خلايا شيوعية وهو هو الذى يقف على قبر حسن البنا يوم 12 فبراير 1954 ويعاهده على أن يكمل المسيرة وأنه لا زال على عهده وبيعته.

وحبذا لو شرح الله صدر كمال الدين حسين وحسين الشافعي وعبد اللطيف البغدادي وختموا حياتهم بقولة صدق كاملة يشرحون فيها ما خفى ويقررون الحق ابتغاء وجه الله.( ولا يكفى ما قالوه) فكلنا إلى ذهاب وسنقف بين يدى الله ولن ينفعنا يومئذ إلا توبة صادقة نصوح.( إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا).

ومرت الأيام حتى يوم 13 يناير سنة 1954 حيث أغلقت شعب الإخوان , ثم صدر قرار بحل الجماعة, وفى 25 مارس 1954 أفرج عن المعتقلين وفتحت الدور وذهب جمال إلى المرشد العام فى بيتع يعتذر له.

ثم يقيم عبد الحكيم عامر حفل شاى فى بيته يدعو فيه أعضاء مجلس الثورة وكتب الإرشاد, ويرد المرشد بدعوة يلتقى فيها الجميع ردا على دعوتهم.

أنها كانت هدنة من طرف واحد حيث لم يمض وقت طويل ظن فيه القوم أن الأمر قد استتب لهم.. ثم بدءوا اعتقالات جديدة ودبروا حادث المنشية وقاموا بإحراق المركز العام وشعب الإخوان تحت حراسة البوليس.. وبدأ التعذيب والتنكيل والتصفية الجسدية للإخوان ونصبت محاكم الشعب ولا أقول محاكم التفتيش التى لو قورنت بهذه المحاكم لكانت ضئيلة ورحيمة.

وياويلهم يوم ينطق الأموات وتشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون. ويا فرحة الشهداء بما وجدوا عند ربهم.

قرأت :

ونحن فى الليمان تسربت الينا إحدى صحف السودان وفيه حديث للواء محمد نجيب بعد سجنه وقد تضمن هذه العبارة ( أنا مشفق على الإخوان لما سيحدث لهم ثمنا لتوقيع الإنجليز على الاتفاقية) ( يقصد اتفاقية الجلاء).

وقرأت لهيكل فى إحدى مقالاته ( بصراحة) وأظن ذلك كان عام 1958 كيف طلبت أمريكا ضرب القوى الوطنية المتطرفة ثمنا لضغطها على الانجليز لتوقيع الاتفاقية وعلى من يدعى انه بذل جهدا فى إخراج الانجليز أن يقول من أخرجهم من دول الخليج العربى ( شرقى قناة السويس) بل ومن أخرجهم من ليبيا.. أنها تصفية القواعد الثابتة لكثرة تكاليفها وخطورتها عليهم هم واقرأ أن شئت المناقشات التى حدثت فى مجلس العموم البريطانى أثناء مناقشة الاتفاقية. ونقلت بعضها الصحف المصرية...

رحماك ياربى رحماك :

وأرجو أن يعيد القارىء النظر ويطيل التأمل فى هذه الملاحظات ولا أقول أنها مصادفات ولا يمكن أن تكون:

- ضربت جماعة الإخوان عام 1948 وعامها قامت دولة إسرائيل.

- ضربت جماعة الإخوان عام 1954 وفى إبانها حدثت مهزلة 1956 ومرت إسرئيل من خليج العقبة وأخذت شرم الشيخ ورفعت أعلام سفنها فى البحر الأحمر.

- ضرب الإخوان عام 1965 وبعدها احتلت سيناء 1967.

اليست هذه توقيعات تستحق التأمل.

ولا يفوتنى قبل أن انتقل إلى موضوع آخر أن أرشد الى بعض مؤامرات:

الأولى :

فى عام 1955 ونحن فى ليمان طره دعانا احد المسجونين معنا فى قضية الإخوان ( وبعد خروجه قبل انتهاء مدته كان من المقربين) دعانا إلى لقاء وإذا به يعرض علينا خطة انقلاب نقوم به ونحن فى الليمان وعرض علينا الخطوط العامة للخطة فعارضناه ونهزناه ومنعناه من التفكير فى مثل هذا وللحقيقة أننا لم نكن نشك فيه ولكن آن للأحداث أن تتجمع وآن للأجيال أن تعى وتتعلم.

كانت النتيجة الحتمية للخطة التى عرضها صاحبنا أن يقتل جميع الإخوان خارج جدران الليمان تحت ستار مؤامرات للهروب. ولكن الله الهمنا وأخذنا حذرنا.

الثانية :

انتقلنا إلى الواحات الخارجة وبعد مدة عاد نفس الشخص الذى تحدثنا عنه فى مؤامرة الأولى ليعمل فى الخفاء ويدعى أنه مكلف من المسئولين... ماذا يعمل... انه مدبر أمرا خطيرا...لابد من الاستيلاء على الواحات وعلى منقباد, هكذا وبسهولة؟؟ ولكن سرعان ما أبلغ بعض الإخوان أعضاء مكتب الارشاد بالأمر وسارع إخوان المكتب بالمرور على خيام الإخوان يحذرنهم من الوقوع فى الفخ المنصوب.

ماذا كان يحدث لو نفذت المؤامرة؟ أن يقتل الإخوان جميعا فى الصحراء. وهنا تقفز إلى الذهن عبارة كان قد قالها جمال للدكتور خميس فى يوم من الأيام ( أن الواحات ممكن أن يدفن فيها نصف مليون).

الثالثة :

حادثة ليمان طرة الشهيرة, فقد دبرت الحكومة خطة ضرب الإخوان فى الجبل بنفس الحجة وعلم الإخوان بالحطة فرفضوا الخروج من الليمان وأخبروا مدير الليمان بما عملوه.

فكان أن طاش عقل زكريا محيى الدين وأمر بتنفيذ الخطة داخل الليمان, وفعلا فتحت النيران على الإخوان داخل الزنازين واستشهد من استشهد وأصيب من أصيب من الإخوان لأسباب مفتعلة كان يمكن حلها بكلمة لا بالرصاص.

شركة قناة السويس

مظاهرة وطنية ضخمة ودعاية مركزة صاخبة وضربة معلم حول تأميم القناة.

ولنتأمل فى ملاحظات عابرة لعلها تكون جديرة بنظرة متأنية فاقها ومما لا شك فيه أن التاريخ حتما سيقول كلمته الحاسمة لنا أو علينا.

فى عام 1968 كان ميعاد انتهاء امتياز شركة قناة السويس ومعنى انتهاء الامتياز أن هذه الشركة بجميع منشآتها ملزمة بتسليم هذه المنشآت والممتلكات بحالة صالحة للعمل بكفاءة فاقرأ معى يا أخى:

1- فى احدى خطب جمال سمعنا أن الشركة طلبت منه مد امتيازها نظير استعدادها لتنفيذ مشروع السد العالى. ورفض جمال العرض وجميل جدا أن يرفض مد الامتياز.

2- وقف عبد الناصر وفى خطة عسكرية محكمة استولى على مقر الشركة وأعلن تأميمها.

3- قامت الدنيا وقعدت وعلم القاصى والدانى أن الحرب على الأبواب.

4- حشدت بريطانيا أسطولها فى قبرص وحالفتها فرنسا وإسرائيل.

5- حدثت مصر جيشها بكامل سلاحه وتموينه فى سيناء وأى سلاح. كل ما اشتراه من روسيا ورهن مصر ثمنا له فى عام 1955 واقرأ أن شئت كتاب" لعبة الأمم".

6- وقامت الحرب ولم يحارب الجيش بل صدرت له الأوامر بسرعة الانسحاب تفاديا من حدوث كارثة. وترك السلاح الذى لم يسدد ثمنه وحصلت عليه إسرائيل هدية من من..؟

7- وهنا قبل أن يسدل الستار على الفصل الأول وقف ايزنهارو ليأمر الدول الثلاث المهاجمة بالانسحاب, ثم تذيع روسيا انذراها المشهور.

8- يجتمع مجلس الأمن لينظر الأمر.

9- ترسل مصر مندوبها وتوافق وتتعهد بأن تسمح بمرابطة قوات الطوارىء الدولية فى سيناء وشرم الشيخ.

ثم ماذا :

(أ‌) تدفع مصر ثمن جميع الأسهم والسندات!

(ب‌) تدفع مصر تعويضا للشركة يوزاى أرباحها حتى عام 1968.

(ت‌) قامت الدول بتطهير قناة السويس على حساب مصر لأنها هى التى أغلقتها!

(ث‌) خسرت مصر وإسرائيل الأسرى آلاف المصريين مقابل إسرائيلى واحد.

وبدون إعلان مرت إسرائيل من خليج العقبة ولم يعلم هذا الأمر إلا فى عام 1967.

ما رأيك أيها القارىء العزيز. ألا ترى أنها مؤامرة محبوكة الأطراف محكمة النسج خسرت مصر فيها الكثير من الأموال والأولاد فمن أطراف هذه المؤامرة؟

وجاءت الوحدة مع سوريا

تمت الوحدة مع سوريا وقامت الجمهورية العربية المتحدة ودقت الطبول وعمت الأفراح وسرعان ما انتكس الحال وحدث انقلاب فى الإقليم الشمالى وطوح بالوحدة وعادت سوريا إلى عادتها القديمة.

وكانت فرصة سامحة لما انشغل الناس بهذه المصيبة فأعلنت قرارات 1961 الاشتراكية ثم كانت حرب اليمن التى استنزفت أموال مصر ودماء جنودها وخيرة ضباطها وازدادت ديونها بالقروض المتتالية وهكذا شنت مصر المسلمة حربا على اليمن المسلمة ليقتل المسلم اخاه المسلم, وقال عبد الناصر قولته المشهورة تبريرا للكارثة ( ان اليمن هو الباب الذى سنحرر منه فلسطين).

تحويل مجرى نهر الأردن :

حددت إسرائيل عام 1964 موعدا للإنتهاء من تحويل مجرى نهر الأردن يعتبر إعلانا للحرب على مصر ) وفى خطاب وجهه إلى الملوك والرؤساء العرب الذين شبع فيهم سبا وشمتا يدعوهم إلى لقاء القمة لاتخاذ الإجراءات الكفيلة بإحباط مشروع إسرائيل.

واستجاب الملوك والرؤساء واجتمعوا ودقت الطبول وعلا الصياح واتخذت القرارات, وفى زفة الطبول وصراخ الصائحين وقرارات المؤتمرين حولت إسرائيل مجرى لنهر وهى آمنة مطمئنة ( ثم انفض المولد) وانجلى الغبار عن خسارة جديدة لفسلطين وقضية فلسطين.

وعاد موكب السباب والشتائم وتيار إذاعات العرب فى تقديم أفحش ما عندها لتعميق جروح الفرقة والخلاف.

فكر يا أخى فى كيف تسير الأمور حول القضية ومن يقود هذه المسيرة الخائنة!

مؤامرة جديدة

لا شك أن حرب 1956 أعطت إسرائيل وجبة شهية من سلاح مصر الذى اشترته من الدول الشرقية وسددت بعض ثمنه والباقى قروض.

ثم هدنا إلى روسيا نطالب السلاح مرة آخرى وندفع به إلى اليمن وكانت اليمن بالوعة واسعة لا تشبع أبدا من السلاح وجثثت القتلى والذهب الذى حاولنا أن نغرى به القبائل اليمنية لنشترى به ولاءها أو سكوتها على الأقل ولكنها كانت تأخذ الذهب وسرعان ما تنقلب.

وسلح الجيش من جديد وأنشئت الفرق المدرعة وجاءت روسيا تقول – يا زعيم العروبة ورجلها وحاميها أن إسرائيل حشدت جيوشها على حود سوريا.

وثارت العنتريات ونادى يا على من على ؟؟ هو علي عامر القائد العام لجيش الدفاع العربى المشترك. اذهب يا على إلى سوريا واستوضح الأمر وذهب الرجل إلى سوريا وأخبرته سوريا أنه لا توجد حشود على حدودها والأمر عادى جدا.

كيف أليست كلمة سوريا هى كلمة روسيا مع تقديم وتأخير بعض الحروف, وقد قالت روسيا أن هناك حشود.. إذا لابد أن تكون هناك حشود حتى ولو نفت سوريا صاحبة الشأن ذلك.

- يا عبد الحكيم أعلن حالة الطوارىء القصوى وأغلق مضيق نيران وأمنع سفن إسرائيل من المرور من خليج العقبة واحشد جيوشك كل الجيوش بكل عتادها وسلاحها فى سيناء نعم واصدر الأوامر إلى قوات الطوارىء الدولية بالانسحاب من مواقعها. يا عبد الحكيم يا قادة الجيش وضابطه العظام أنكم ستهاجمون وتضربون يوم 5 يونيه.

إذن فلابد أن نتلقى الضربة الأولى – لا مناقشة – انه قرار سياسى..." وتلقى الجيش الضربة الأولى وفى الميعاد الذى حدده الزعيم ولكنها كانت الضربة التى قال عنها قائد إسرائيل ( لقد فاقت أكثر أحلامى جنونا).

أيها العقل... أين أنت؟

1- من أقوال عبد الناصر. بعد المعركة أن بعض الأصدقاء أخبره أن إسرائيل ستضربه يوم 5 يونيه ( أمريكان).

2- روسيا صاحبة قصة الحشود المزعومة على حدود سوريا.

3- روسيا أيقظت جمال عبد الناصر بعد منصف الليل لتنصحه بألا يضرب الضربة الأولى وكذلك أمريكا. 4- والأمم المتحدة تطالب بضبط الأعصاب.

5- فرنسا تقول محذرة أنها ستقف ضد من يضرب الضربة الأولى.

ونفذ البطل الخطة كما أرادها أن تكون وتلقينا الضربة الأولى وكانت القاضية فقدنا السلاح كل السلاح والرجال كل الرجال وأغلقنا القناة ثانية فى 1967.

أنها حقا مصادفة ولكنها تلفت النظر. أن موعد انتهاء امتياز القناة فى 1968. وأغلقنا القناة 1967 فتدبر يا أخى.

ديون

وتراكمت ديون الأسلحة التى اشتريناها لنسلمها إلى إسرائيل وفى حربين وبنفس الأسلوب تقريبا, أو نفقدها فى اليمن استعدادا لتحرير فلسطين!!

ثم جاءت ديون السد.. السد... السد... وما أدراك ما السد ولن نقول عنه إلا ما قاله الخبراء انه كارثة اقتصادية زراعية.

أن أول النظر فى موضوع السد العالى قصة نشرت فى صحيفة أخبار اليوم فقد أعلن عبد الناصر عن مكافأة قدرها عشرون ألفا من الجنيهات لرجل يونانى صاحب فكرة بناء السد.

فتصدى أحد المهندسين المصريين للخبر وقال أنه أول فكرة فى هذا المشروع ويوجد له ملف فى وزارة الأشغال ( نفس المشروع فى نفس المكان) وهو أولى بهذه المكافأة واستشهد بالمهندس أحمد عبده الشرباصي وذهب مندوب أخبار اليوم إلى المهندس الشرباصى.

ومن عجب انه رفض الاجابة على أى سؤال وكان دائما يقول عندكم ملف المشروع فى الوزارة فارجعوا اليه.. ولم يلتفت جمال لشكوى المهندس المصرى, ودفع المكافأة إلى الجرسون اليونانى فلماذا لم يجب الشرباصى؟؟!

وبنى السد وأقيم بجانبه رمز الصداقة السوفيتية المصرية بنى ليدفع عن مصر غوائل الفيضان العالى وإذا به سيحتاج إلى ما يدفع عنا غوائل الفيضان العالى.

وكان من مصائب السد العالى التى يقال عنها ( تخفيفا) الآثار الجانبية ما ملأ الصحف فى استحياء ويكفى أن يعلم أنه هندسيا يحتاح إلى حماية ومائيا تلوث الماء وتغير تركيبه الكيمائى نظرا للتخزين المستمر ولا يظن ظان أنه خزان حقيقى كبير فإن قاع البحر يرتفع سنويا من آثار رسوب الطمى بمعدل نصف متر على الأقل وبعملية حسابية تستطيع أن تضرب مسطح البحيرة فى نصف متر يكون الناتج نقص المياه أمام السد, وضاع الطمى الذى كان يزيد خصوبة الأرض وأنفقنا الملايين ثمنا للمخصبات الكيماوية وفقدنا محصول الأرض السنوى حيث اختفى نتيجة عدم نزول مياه الفيضان إلى البحر المتوسط وتفقد سنويا كما تقول الأهرام 140 مترا من الشواطىء الشمالية نتيجة التآكل بعد أن كان الشاطىء يزيد سنويا. وتلوث مياه البحيرات الشمالية نتيجة عدم تجدد مياهها لعدم وصول مياه الفيضان من مصبات المصارف ونهايات الترع وارتفع منسوب المياه الجوفية.

ونقرأ يوميا أن آثار الأقصر مهددة بالسقوط من مياه الرشح التى لم تكن معروفة من قبل. والأكثر من ذلك أن السد قد تحكم فينا ولم نتحكم فى المياه التى تحكن فيه فكما يقولون أن التربينات فى الاتفاق لا تعمل كلها حتى لا يزداد تصرف المياه فيزداد النحر فى قاع النهر فتسقط القناطر المقامة عليه.

لقد أعلنوا أن السد سيغطى احيتاجات البلاد من الكهرباء وسيخفض سعر الكيلووات إلى مليمين أو خمسة على الأكثر, ولم يحدث هذا وتطلع علينا الصحف تعلن ضرورة تنفيذ مشروع منخفض القطارة وإقامة محطات حرارية لتوليد الكهرباء. وتتعاقد الدولة لانشاء مفاعلات نووية تكفى احتياجات البلاد من الطاقة الكهربية لأن كهرباء السد لا تكفى.

أدى كل هذا إلى تدهور صناعة الطوب واضطرار المصانع الموجودة إلى تجريف الأرض وما يترتب على ذلك من إضعاف إنتاجها وهكذا مشاكل لا تنتهى آخذا بعضها برقاب بعض وتلك كلها ( ببركة السد).

ونتساءل ويتساءل معنا كل الناس. هل أقيم السد حقيقة ليرتفع اسم جمال إلى مستوى اسم خوفو وخفرع ومينا ام أنها مؤامرة دبرت بليل ولم يجدوا من ينفذها بإخلاص إلا نفس الرجل الذى فصل السودان عن مصر وضيع الأرض وأذل البلاد وقتل العباد. اللهم انك أنت علام الغيوب.

وقفة للتأمل :

اقرأ يا أخى أن الكتابة ليست صنعتى والتاريخ ليس معنتى فاغفر لى عجز عن البيان, فأنى أكتب كأنى أـحدث وكما أتحدث وحسبى أنى أردت أن أضع بين يديك بعض ما يعتمل فى صدرى وأسألك الدعاء لى وللمسلمين.

مقارنات ومفارقات :

ثبتت عمالة الأحزاب قبل عام 1952 للإنجليز وأنهم كانوا يحكمون – أى الإنجليز – بهذه الحفنة من الزعماء. والحكام الحقيقة كان هو السفير البريطانى.

اقرأ معى ما قاله الرئيس محمد أنو السادات رئيس الجمهورية الآن والنائب الأول لرئيس الجمهورية فى عهد جمال.

وفكر فيما يقوله دائما ففى كل مرة يعطى جديدا وخطيرا قال: جاء وقت كان لا يعين موظف كبير إلا بعد موافقة السفير الروسى.

- ثبت فساد فاروق الأخلاقى وفساد حاشيته أخلاقيا أيضا.

- ولن أدنس قلمى ولن أسمعك ما يؤذى سمعك ولكن اقرأ عن فضائح قضية المشير الخلقية.

- كانت الأحزاب تعطى الانصار والأصهار وتغدق من مال الدولة.

- ضرب عهد جمال عبد الناصر كل ذلك وكان عهده عهد أهل الثقة والأقارب قبل أهل الخبرة.

- انتشرت الرشاوى والإكراميات والعمولة فى عهد جمال.

- حكم جمال على إبراهيم عبد الهادي بالإعدام لأنه أثار حالة من الرعب فى البلاد.

- وانظر ما فعل جمال فى عهده فى الحرائر والأحرار( راجع أحكام قضايا التعذيب) ما أحيل منها فقط للقضاء.

- قالوا أن جمال هو الذى أخرج الإنجليز.

- ومات جمال وفى شرق القناة على امتداد كل سناء جنود إسرائيل وفى غربها 18 ألف روسى ( طردهم الرئيس السادات ).

- تسلم جمال البلاد ولها ديون لا تقل عن خمسمائة مليون جنيه استرلينى ومات ومصر غارقة فى الديون وكما قال رئيس الجمهورية. واقتصاد مصر تحت الصفر.

- سبق أن قلنا ونقر أن حسين سري عرف بأنه انجليزى النشأة والهوى ومع ذلك طلب منه حل جماعة الإخوان فأحجم ولم يقبل.

- حزب الأحرار فى عهد عبد العزيز فهمي يستقيل من الوزارة لأنه لا يقبل أن يتحمل أمام الأجيال مسئولية اضطهاد رئيس جماعة إسلامية.

- حزب الأحرار فى عهد محمد حسين هيكل شارك فى حل الإخوان وقتل حسن البنا .

- النحاس باشا الذى جاء إلى الحكم على الدبابات البريطانية يرفض حل جماعة الإخوان المسلمين.

- النقراشي باشا الوطنى الخطير قام بحل الجماعة ونفذ مطلب الإنجليز بدخول الجيش لفلسطين حتى تتم المؤامرة ويسلمها لليهود ويعتقل الفدائيين.

- إبراهيم عبد الهادي زعيم الطلبة فى ثورة 1919 والحاكم الوطنى يقدم جثمان حسن البنا هدية لسيده فاروق.

أفرج جمال عن قاتل حسن البنا بعفو صحى وكذلك عن إبراهيم عبد الهادي.

- ضيع جمال عبد الناصر مصر وأغرقها فى الديون وملأها بالمعتقلات ورفع مستوى السجون المصرية فملأها بالصفوة الأحرار من الطلاب والعمال والفلاحين والمهندسين والمحامين والمدرسين والأطباء وأساتذة الجامعات وملأ الصحارى بجثث الأبرار والأطهار.

- ضيع المختال سيناء وغزة والصفة الغربية وهضبة الجولان.

- اتهم جمال الإخوان بأنهم عملاء للشيوعية.

- وهو الذى مكن للشيوعيين فى مصر ووضعهم فى المناصب الحساسة فى المرافق والمصانع والأعلام والتوجيه.

- عاد واتهم الإخوان بأنهم عملاء للمخابرات المركزية.

- واقرأ أن شئت كتاب لعبة الأمم لتعرف على التحقيق من العميل!!

- اتهم جمال الإخوان بأنهم يأخذون الأموال من الملك فيصل.

- ويريد الله أن يذله ويمد يده التى كان يريد أن ينتف بها ذقن فيصل نفس اليد يمدها يطلب منه المال ويعطيه فيصل المال بسخاء.

- وسبحانك اللهم " قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتعز من تشاء بيدك الخير انك على كل شىء قدير".

- يا جمال ويا من على نهجه يسير أنكم لا شك ستقفون بين يدى الله وستحاسبون وإن قتلاكم لكم مخاصمون.

- الهم لا شماتة... ولكنها الأمانة