حركة الإحياء الإسلامي في الصين (1912-1949)

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
حركة الإحياء الإسلامي في الصين (1912-1949)


دراسة تاريخية

الدكتور زكريا صادق الرفاعى

أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر

كلية التربية – جامعة المنصورة

مقدمة

تسعى هذه الدراسة إلى رصد ظاهرة الإحياء الديني التي قام بها مسلمي الصين خلال الفترة الممتدة من عام 1912 إلى عام 1949، وهى ظاهرة أخذت في التبلور تدريجيا منذ نهاية القرن التاسع عشر و مطلع القرن العشرين على نطاق واسع بين أوساط المسلمين في الصين

إذ باتت هناك على ما يبدو حاجة ملحة للمواءمة بين القيم الإسلامية والمستجدات السياسية والاجتماعية التي فرضت نفسها على الساحة، مثل الاتجاه القومي والنزعة الدستورية وإصلاح التعليم، و لم تكن حركة الإحياء في جوهرها استجابة صادقة للمتغيرات المحلية فحسب، بل كانت في جانب منها امتدادا لحركة الإحياء التي اجتاحت العالم الإسلامي برمته منذ النصف الأخير من القرن التاسع عشر.

و قد شهدت فترة الدراسة نشاطا ملحوظا لدى مسلمي الصين في صيغة العمل الجمعي فانخرطوا في العديد من الجمعيات والمنظمات كانت من أبرزها جمعية التقدم الإسلامية التي ظهرت عام 1912، كما انتشرت الكثير من الصحف الإسلامية مثل صحيفة "اليقظة الإسلامية"

فضلا عن حركة الترجمة النشطة من العربية إلى الصينية خاصة ترجمة القرآن الكريم في عام 1933، وكان لافتا للانتباه التواصل المحموم من جانب مسلمي الصين مع العالم العربي والإسلامي، حيث جابت خلال فترة الدراسة العديد من الوفود الصينية أرجاء العالم الإسلامي لأغراض دينية وسياسية .

وفضلا عن المقدمة والخاتمة تمت معالجة الدراسة عبر عدة محاور، تعلق أولها باستعراض التطور التاريخي للإسلام في الصين في عهد الأسر الحاكمة المتعاقبة، وتصدى المحور الثاني لما عرف بالإحياء القديم أو "كتاب الهان" الذي ظهر منذ النصف الأخير القرن السادس عشر واستمر متقطعا إلى القرن التاسع عشر، واهتم المحور الثالث برصد بواعث حركة الإحياء الداخلية والخارجية، واختص المحور الأخير بالوقوف على الآليات والأدوات التي اعتمدت عليها حركة الإحياء عمليا خلال فترة الدراسة .

أهداف الدراسة

أولا: الوقوف على أحد الفصول التاريخية المهمة لمسلمي الصين في العصر الحديث وهو يكاد يكون غفلا في المصادر العربية .

ثانيا: رصد السمات الخاصة بالأقلية المسلمة في الصين باعتبارها نموذجا جدير بالدراسة .

ثالثا: محاولة فهم آلية النهضة والسقوط التي تقاسمت تاريخ مسلمي الصين في العصر الحديث .

الدراسات السابقة

تجدر الإشارة إلى أن الدراسات العربية حول الإسلام والمسلمون في الصين قد بدت جد محدودة في هذا الشأن، ولعل أهم وأقدم الدراسات في هذا الصدد هي "الصين وفنون الإسلام" (زكى محمد حسن ، القاهرة ، 1941) ورغم مضى فترة زمنية طويلة علي تلك الدراسة فمازالت رائدة في مجالها، أما الدراسة الأخرى فهي "علاقة الصين بديار الإسلام"، (سيدة الكاشف،القاهرة، 1975)

وهى دراسة وافية حول العلاقات الإسلامية الصينية في العصور الوسطى، ولعل قيمتها الرئيسة قد تجسدت في تتبع العلاقات بين الطرفين في المصادر التراثية مثل أعمال البلاذرى و الطبري والمسعودي وابن خرداذبة وابن بطوطة، كما اعتمدت على بعض كتابات الدارسين الصينيين بالعربية مثل دراسات محمد تواضع ومحمد مكين وبدر الدين حي الصيني

ورغم تزايد الأطروحات الجامعية في الآونة الأخيرة عن المسلمين في الصين، إلا أنها لم تضف شيئا جديدا إلى الإطار العام السابق وربما انحصرت في التفاصيل فحسب، و على حد علم الباحث لم يحظ مسلمي الصين في القرن العشرين بدراسات موسعة عن أحوالهم ربما باستثناء دراسة (هويدى ، الكويت 1981) "الإسلام في الصين"

وكانت - رحلة مسحية عرض فيها الكاتب بوصفه شاهد عيان لمجمل أحوال المسلمين في الصين، ولم تخرج الدراسات التالية عن ذلك المنوال (1) ، كما أن المصادر العربية قد افتقرت إلى وجود إحصاءات دقيقة يعتد بها عن الوضع الديموغرافى للمسلمين في الصين على تنوع أصولهم العرقية .

أما عن الدراسات الأجنبية فقد تزايدت على نطاق كبير منذ ثمانينيات القرن الماضي، و في مقدمتها دراسات Leslie,1986)) و ( Lipman,1987-1997,Jonathan,N,) المتوالية وكانت تلك الأعمال بمثابة القاعدة لما تلاها من دراسات خاصة (2005 Zvi Ben Dor Beniet) وانطلاقه نظريا من فكرة "الاغتراب التاريخي " كمدخل ملائم لدراسة وفهم تاريخ مسلمي الصين منوها بدور البعد الجغرافي والتاريخي وأثره على الأقلية المسلمة في الصين

وصدى ذلك في تصورهم لذاتهم وللآخرين من جهة، فضلا عن رؤيتهم للواقع التاريخي المحيط بهم من جهة أخرى، وهى جوهر الفكرة التي لخصها من قبل بإيجاز وبصورة عابرة الأمير شكيب أرسلان بقوله بأن " مسلمو الصين ليسوا في هذه الدنيا" (2) كناية عن عزلتهم الجغرافية وانقطاع أخبارهم، ومن الدراسات المهمة أيضا دراسة Green,Sandra,Aili (1999) و أعمال Raphael Israeli (1980) و Petersen Kristian (2006) وغيرهم التي أضاءت الكثير عن الحراك الاجتماعي لمسلمي الصين في فترة الدراسة .

منهج الدراسة

لعل القضية الرئيسة للدراسة قد تمثلت في كيفية فهم السياق التاريخي المصاحب لحركة الإحياء الإسلامي وإبرازه على نحو صحيح، فحركة الإحياء لم تحدث بطريقة آلية بين عشية وضحاها، وإنما حدثت بفعل عوامل كثيرة داخليا وخارجيا تراكمت عبر فترة من الزمن، صحيح أن الدراسة قاصرة على فترة زمنية بعينها

إلا أن ذلك لم يمنع من مد البصر في السياق التاريخي السابق للوقوف على جذور حركة الإحياء وفهمها عن قرب من خلال منطقها الداخلي على نحو أفضل، ومن ثم اعتمدت الدراسة على المنهج التاريخي في المقام الأول فمن خلاله تم رصد الإطار النظري الذي احتضن حركة الإحياء برمتها، وفى الوقت نفسه أفادت الدراسة كثيرا من الدراسات السابقة على تنوعها خاصة المقولات النظرية الهامة التي انطلقت منها، كما أن النهج السيسولوجى والطابع الإمبيريقى الذي امتازت به بعض الدراسات كانت له فائدة محققة في هذا الشأن .

وفى اعتقاد الباحث أن مقولة تونبى حول "التحدي والاستجابة" ربما جسدت الإطار النظري الأكثر ملائمة وتعبيرا عن حركة الإحياء الإسلامي في الصين خلال فترة الدراسة، لاسيما وأن التجربة التاريخية لمسلمي الصين ذات فصول عدة وربما حملت خلال رحلتها الطويلة وجوها مختلفة، ألا أنها قد انتظمت في سياق واحد تتابعت مراحله بصورة دورية وقد سعت الدراسة ما وسعها إلى رصده وإبرازه .

الإسلام في الصين – السياق التاريخي

تكاد تتفق المصادر التاريخية على وصول الإسلام إلى الصين منذ وقت مبكر في القرن الأول الهجري، و إن هناك غموضا حول العام الذي حل به تحديدا والكيفية التي انتشر بها (3)، وقد درجت الكثير من الأدبيات في هذا الصدد على سرد بعض الروايات التاريخية التي افتقدت للدقة في أغلب الأحيان. (4)

وقد اعتبر البعض أن الإسلام قد انتشر في الصين بفضل التجارة و البعثات الدبلوماسية (5) إذ تبوأ التجار المسلمون مكانة اقتصادية كبيرة بفضل معرفتهم بطريق الحرير في الشمال الغربي برا، وثغور المدن الساحلية في الجنوب الغربي للصين بحرا، وكان ينظر إليهم آنذاك على أنهم غرباء، فعادة ما كان التجار المسلمون يبحرون من المحيط الهندي إلى ميناىء كانتون Canton و قانصو Quanzhou والذي عرف بالعربية بأرض الزيتون .

وتدريجيا زاد تردد التجار المسلمون على الموانئ الصينية وصارت لهم فيها جاليات كبيرة ، وفى عهد أسرتي " تانغ " Tang(618-906 م) و "سونغ " Song(960- 1279 م) تزايدت أعدادهم بشكل كبير وانتشروا في العديد من المدن وكانت لهم عاداتهم وطقوسهم وقطنوا أحياء خاصة بهم (6) ، كما ظلت أحوالهم بصفة عامة مستقرة في عهد ملكية "يوان " Yuan (1206-1368م) بفضل إتباعها سياسة التسامح الديني تجاه الأقليات الأجنبية. (7)

و خلال تلك الفترة تنامت هجرات المسلمين من أسيا الوسطى، وتبوأ المسلمون مكانة كبيرة، وخلال تلك الفترة بدأ الاندماج البطيء والتدريجي خاصة الزواج من الصينيات وتلقى التعليم التقليدي المرتكز على التعاليم الكنفوشية. (8)

وقد بلغ المسلمون لاسيما في شرق الصين أوج ازدهارهم في عهد أسرة "منغ" (1368-1643م) ووصل بعضهم إلى أسمى المناصب بالدولة مثل قائد الأسطول المشهور "جينغ خو"، والضابط "شمس الدين عمر" الذي كان واليا على ولاية "يونان" وقد عرف باسم "السيد الأجل" (9)، وسمحت السلطات الصينية للمسلمين بحرية إنشاء المساجد و ممارسة شعائرهم الدينية.(10)

وظل المسلمون (11) على النحو السابق حتى جاء "المانشو" وأسسوا أسرة "الكانغ" (1644-1912 م) وفى ظلها تبدلت أحوال المسلمين وعانوا كثيرا، وقاموا بالعديد من الثورات طوال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، خاصة وان سلطات الكانغ قد احتكرت تجارة الحرير وقصرتها على تجار بعينهم وترك ذلك بدوره أثرا على التجار المسلمين فاندلعت الاحتجاجات العنيفة التي قادها ماليان Milayin و دنغ جودنغ Ding Guodong في الشمال الغربي، و قد اتسمت المواجهات بالطابع الديني حتى قيام الثورة في عام 1911 ثم إعلان الجمهورية في عام 1912. (12)

ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن الحديث عن مسلمي الصين لا يخلو من بعض الإشكالات النظرية، فعلى الصعيد الرسمي وبحسب السجلات الرسمية فان المسلمين كان يشار إليهم في عهد حكم الكانغ بالهوى أو الهو هو hui hiu وهو تطوير لمصطلح الهوى huihe الذي كان سائدا في ظل حكم التانغ (618-907 م)

وكان يشار به عادة إلى الأيغور كجماعة عرقية من أسيا الوسطى واعتنقوا الإسلام، ولفظة الهو لا تحمل دلالة دينية فقط فالصينيين الذين اعتنقوا الإسلام في عهد الكانغ، نظروا لأنفسهم على أنهم أحفاد المسلمين اللذين أقاموا في الصين منذ القرن السابع الميلادي، و من ثم فهم ينتمون إلى أصول واحدة دفعت بهم الظروف إلى غرب الصي. (13)

وقد تفاوتت تقديرات الباحثين حول عدد مسلمي الصين في أوائل القرن العشرين، فبالغت بعض التقديرات في هذا الصدد، و قدرت عددهم بنحو الخمسين مليونا، وزاد العدد إلى الثمانين مليونا في تقديرات أخرى، على حين رجح البعض أن العدد الإجمالي ربما لا يتجاوز عشرة ملايين نسمة. (14)

وبحسب ما أورده "ليبمان" نقلا عن الإحصاء الرسمي لعام 1978 والذي نشر في عام 1980 فان إجمالي عدد مسلمي الصين على تنوع أصولهم العرقية هو 13,152,200 (15)، وفى دراسة ميدانية لبعض المدن الصينية أجريت في عام 2007 قدر البعض بأن إجمالي عدد المسلمين في الصين يصل إلى العشرين مليونا وهنا تبدو الزيادة طبيعية مقارنة بالإحصاء الرسمي الأخير. (16)

وتعترف الصين اليوم بعشر قوميات إسلامية من إجمالي ست وخمسين قومية صينية، ولكن أكثر من خمسين بالمائة من المسلمين الصينيين هم من يطلق عليهم الهوى أو الخوى Hui ، يليهم من حيث العدد الأويغور Uighur ذو الأصول التركية ويمثلون نحو أربعين بالمائة، ثم قوميات أخرى أقل عددا مثل المانشو، المغول، والتبت (17)، ومنذ القرن الثاني عشر وحتى الحقبة الشيوعية استخدمت لفظة الهوى للإشارة إلى جميع المسلمين في الصين على اختلاف لغاتهم وأصولهم العرقية. (18)

مصطلح الإحياء الإسلامي

يثير مصطلح الإحياء الإسلامي بطبيعة الحال جملة من الإشكالات حول المعنى والدلالة والأهداف، كما أن المصطلح يستدعى إلى الذاكرة بالضرورة مفردات أخرى مماثلة مثل، التجديد، الإصلاح، النهضة، الصحوة وغيرها من المفردات

ومن الناحية اللغوية فإن إحياء:

اسم من المصدر أحيا ، فيقال من يقدر على إحياء الموتى :أي على إعادة بعث الحياة ، وإحياء الأرض :إخصابها ، جعلها صالحة للزراعة، ومن ثم فإن المقصود بالإحياء هنا الإخراج إلى الحياة بعد الموت ،وقد ورد ذلك المعنى في القرآن الكريم في قوله تعالى "وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم "

كما يطلق الإحياء أيضا على إخراج النبات من الأرض التي لم تكن مزروعة (19) ، وقد بدا أن مصطلح الإحياء قديم وشاع استخدامه في التراث العربي الإسلامي، ومن ثم فإن الإحياء على المستوى الديني يعنى العودة إلى الأصول - و إحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة وحمل الناس على ذلك .

فى ضوء ما سبق فإن المقصود بالإحياء الإسلامي من الناحية الإجرائية في هذه الدراسة بإيجاز هي " جملة المتغيرات التي شهدها المسلمون في الصين (على تنوع أصولهم العرقية) عبر الفترة من عام 1912 إلى عام 1949، ليس على الصعيد الديني فقط رغم أهميته المركزية وإنما أيضا تجليات ذلك على المستويين السياسي والاجتماعي والتي جعلت منهم في النهاية صورة مغايرة عما كانوا عليه من قبل " .

الإرهاصات الأولى -الإحياء (القديم Gidimu)

ظلت الصين دائما في مخيلة المسلمين تجسيدا للشرق البعيد، وبرغم الصلات الباكرة فلم يتمكن المسلمون من اختراق الصين من الداخل، ورغم نجاح الجيوش الإسلامية في هزيمة جيش التانغ في موقعة " طلاس" في عام 751 م، ورغم ضمها لبعض أقاليم الحدود الغربية، إلا أنها لم تتقدم صوب قلب الصين، والأمر نفسه على الصعيد التجاري فالتجارة الإسلامية اخترقت أسيا الوسطى حتى مشارف أسوار الصين، لكنها لم تتقدم أكثر من ذلك وهكذا فرغم أن الصين كانت معروفة للمسلمين إلا أنها لم تكن يوما ما جزءا من دار الإسلام وظل حضورها دوما في الأذهان على أنها أرض العجائب. (20)

في ضوء ما سبق كان منطقيا أن يواجه المسلمون في الصين باعتبارهم أقلية العديد من العقبات، كانت في مقدمتها كيفية معرفة وممارسة شعائر الإسلام على نحو صحيح لاسيما في ضوء عزلتهم النسبية وبعدهم عن ديار الإسلام وندرة القائمين على تلقينهم صحيح الدين، و ربما بحكم البيئة المحيطة دمجوا بين معارفهم الإسلامية المتوارثة والتراث الصيني التقليدي، فإلى جانب تعلم العربية والفارسية وعلوم الفقه والكلام والتصوف

جرت محاولات توفيقية بين مبادئ الإسلام والتقاليد الكنفوشية (21) خاصة على المستوى الأخلاقي، وظهرت منذ منتصف القرن السابع عشر مجموعة فريدة من الكتابات لعدد من الدارسين المسلمين ذوى هوية كونفوشية، والتي عرفت باسم " كتاب أو تعاليم الهان " وكان من أبرزهم وانغ دايو Wang Daiyu (1590-1658 م) (22)

وأيضا ما تشو Ma Zhu (1639-1709 م) مؤلف كتاب "إرشاد الإسلام" في عشرة أجزاء (23) وكانت من أقدم أعمال تلك المجموعة كتاب "أصول الدين أو قواعد الدين الصحيح" في خمسة مجلدات وطبع في عام 1643، وكانت على حد قول البعض أول تعبير للمسلمين الصينيين عن أنفسهم كمسلمين وصينيين معا. (24)

و قد أطلق على هذا الاتجاه أو تلك النزعة التي سادت في مجموعة كتاب الهان Gedimu (أي - القديم)، و قد ظهر أن تلك المحاولة التوفيقية لم تهدف إلى جذب القراء من الهان للتعرف على مبادئ الإسلام فحسب، وإنما هدفت في الوقت ذاته إلى إضفاء الشرعية على هوية المسلمين الصينيين المهددة بالضياع آنذاك. (25)

وقد استرعت مجموعة كتاب الهان نظر الأرشمندت "بلاديدوس Palladadius (1818-1878) رئيس البعثة التبشيرية الروسية في بكين الذي قضى وقتا طويلا في دراسة التراث الصيني ، واعتبر أن تلك الكتابات قد شكلت في واقع الأمر حركة إحياء إسلامي، سعت لتعزيز وتقوية الإسلام بين أتباعه في الصين في مواجهة نشاط البعثات التبشيرية آنذاك. (26)

كما شهدت تلك الفترة حضورا ملحوظا للطرق للصوفية التي أطلق عليها "(Menhuan) - الأولياء أو القديسون" وقد أتت من آسيا الوسطى نحو شمال غرب الصين، و نشطت في القرن الثامن عشر، فانتشرت الطريقة النقشبندية في حوض نهر التاريم و وربما لتنامي دورها وانتشارها كانت الصوفية موضع شك في كثير من الأحيان من جانب سلطات الكانغ التي أذكت الصراعات بين أتباع الطريقة الخفية والطريقة الجهرية، كما لم تكن الممارسات الصوفية محل رضا التيار السلفي البازغ لاحقا. (27)

وفى أواخر القرن التاسع عشر ظهر تيار جديد، أطلق عليه البعض المدرسة النصوصية ومؤسسها هو " ما ونفوا Ma Wanfu " من مقاطعة جانسو Gansu وقد ذهب لأداء مناسك الحج وتأثر بتعاليم الدعوة السلفية وبعد عودته في عام 1892 كان متحمسا لفكرة عودة الإسلام إلى نقاءه وجذوره الأولى ونبذ البدع

كما عرف أنصار هذا التيار بالإخوان وأهل السنة، وكانت أرائهم ضد فكرة الاندماج في المجتمع الصيني، وضد ممارسات الصوفية، ومع الوقت تزايد أنصار ذلك التيار عقب وفاة مؤسسه، لكنهم صاروا أكثر مرونة بعد قيام الجمهورية فباتوا مؤيدين للاتجاه القومي النشط آنذاك، وأكثر قبولا وانفتاحا على فكرة الاندماج مع المجتمع الصيني. (28)

وإلى جانب ما عرف بالإحياء القديم والمدرسة النصوصية، برز أيضا اتجاه ثالث عرف بالتيار الحديث وقد بدأ مع نهاية عصر إمبراطورية الكانغ وبداية العهد الجمهوري، وتأثر بالحركة العلمانية والاتجاه القومي في تركيا والهند وبالتعليم الأوربي وعلماء الدين في العالم العربي وبالتعاليم الصينية القديمة

ومن أبرزهم " ماو فوشو" Ma Fuchu(1794-1875) وقد درس العربية والفارسية ، ونظر إليه باعتباره رائدا للاتجاه التوفيقي ، وكان أنصار هذا الاتجاه في المدن الكبرى قد توافقوا مع الاتجاه القومي ودافعوا عن ارتداء الأزياء الغربية والتعليم المدني واعتبروا أن ذلك سيعزز من مكانة الأقلية الإسلامية. (29)

وفى عبارة موحية أجمل "ماوسنجتانغ" Ma Songting أهمية التيار الحديث بقوله

" أن المسلمين الصينيين قد عانوا كثيرا على مدار مائتي عام في ظل حكم الكانغ، وأثر ذلك على سلوكهم وممارستهم، وآن لهم أن يتنفسوا ويغيروا من الضعف الذي حل بهم ،وكان هذا الاتجاه الحديث معنيا بالجوانب الروحية والاجتماعية معا، وكان على قناعة أن ما يجب تطبيقه هو روح القرآن الكريم وليس نصوصه الحرفية". (30)

بواعث الإحياء

لم تكن عملية الإحياء الإسلامي التي شهدتها فترة الدراسة (1912-1949) كما سبقت الإشارة في المقدمة لتحدث تلقائيا، بل كانت حصادا لجملة من المتغيرات الداخلية و الخارجية معا يمكن بسطها على النحو الآتي:

أولا: نمو الوعي الذاتي

ونعنى بالوعي الذاتي في هذا المقام إدراك الأقلية الإسلامية في الصين لحدود الواقع السياسي والاجتماعي المحيط بهم كما هو، وقد أفاضت المصادر التاريخية في وصف معاناة المسلمين على مدار مائتي عام من الاضطهاد والتمييز في ظل حكومة المانشو فقتل الآلاف (31)، حتى أن بعض الأقاليم قد خلت تماما من المسلمين، وذهبت البقية إلى المنفى القسرى في أسيا الوسطى وغيرها، كما سادت المسلمين حالة من الضعف والانقسام وتراجع الدور الاجتماعي والرعوي للطرق الصوفية إلى حد كبير. (32)

ورغم ما سبق فقد أيقن مسلمي الصين أنهم ليسوا وحدهم اللذين يجابهون الأخطار والتحديات، و قد علموا بصورة أو بأخرى بأن سائر المسلمين في العالم الخارجي ليسوا بحال أفضل منهم، و أن المسلمين في الهند والعالم العربي يعانون الأمرين من السياسات و الممارسات الاستعمارية في بلدانهم. (33)

ولم يأت الوعي المكتسب لدى مسلمي الصين من فراغ ، وإنما دفعوا ثمنا غاليا في سبيله، فقد كانت لهم قوتهم العسكرية وكانوا يبحثون عن قدرا من الاستقلال الذاتي، وثاروا على ما حل بهم من اضطهاد، وخلال الفترة من عام 1758 إلى عام 1873 سجلت المصادر التاريخية نشوب خمس ثورات متتالية قاموا بها (34) ، إلا أن تلك المحاولات باءت بالفشل و أسفرت عن إبادة المسلمين في كثير من المقاطعات مثل جانسو ويونان (35)، ومن ثم لم يكن هناك مفرا من النزوع إلى الهدوء والاستكانة إزاء ما واجهوه من بطش طال المدن والريف ودور العبادة. (36)

وكانت أهم روافد الوعي الذاتي تجربة الدراسة في اليابان التي استقطبت الكثير من الشباب الصيني للدراسة بها، وقد ذهب إليها ست وثلاثين طالبا من مسلمي الصين لدراسة العلوم العسكرية و الاقتصاد والعلوم السياسية والقانون والهندسة والطب والعلوم السياسية (37)، واكتسب هؤلاء خلال رحلة دراستهم وعيا بالأحوال العامة على الصعيدين السياسي والاجتماعي

كما نظم الطلاب المسلمون أنفسهم في منظمات وجماعات منها جمعية التعليم العام في شرق أسيا ومنها جمعية الطلاب المسلمين في اليابان وأصدروا صحيفة كان لها عنوانا لا تخفى دلالته وهو "يقظة المسلمين " Muslims Awake ، ورغم أن تلك النشاطات لم يقدر لها الاستمرار طويلا، فإن الخبرة المكتسبة والوعي بالذات كان حاضرا وصار جزءا من أفق شخصيتهم. (38)

وقد أضحى أولئك الطلاب فيما بعد جزءا من تحالف صن يات سين Sun-Yat-Sen وبرهن ذلك التحالف على قدرة المسلمين على الانخراط ضمن النسيج السياسي والاجتماعي للصين الجديدة (39) ،لاسيما إدراكهم أن المتغيرات السياسية التي صاحبت الثورة قد حملت لهم فرصة ذهبية للاندماج والشراكة ضمن مكونات الدولة الجديدة. (40)

وكان مثيرا للانتباه آنذاك اجتماع صن يات سين Sun Yat-sen بالزعماء المسلمين عام 1912 وإشادته بشجاعتهم وتضحياتهم، وهو سعى بذلك ليس فقط ضمان تأييد المسلمين للثورة فحسب، بل أراد كذلك الاستعانة بهم عسكريا في مواجهات محتملة في شمال غرب البلاد، وعلى الصعيد الخارجي ظلت رؤيته وإلى وفاته في عام 1925 مبنية على وجوب انفتاح الصين وتعاونها مع كل الأمم الضعيفة في العالم على نفس القدر من المساواة ، معولا في هذا الصدد على أن يكون مسلمي الصين همزة الصلة مع العالم الإسلامي. (41)

وقد أعلن صن يات في عام 1913 أن

" الصينيين قومية الهان والمانشو والتبت والمغول والمسلمين هم جميعا أبناء جمهورية الصين التي لا تفرق بين الأجناس والأديان، ولكل مواطن حرية الاعتقاد ببوذا أو بعيسى أو بمحمد إذ ليس للدولة دين رسمي، والديانة حرية واختيار والحرية هي مجموع الحقوق المدنية لكل إنسان في شخصه وماله وشرفه وعقيدته وهو ما يحميه القانون " (42)

ومن الأهمية بمكان الإشارة في هذا المقام إلى أن موقف مسلمي الصين لم يكن موحدا إزاء قضية الاندماج في المجتمع الصيني، فقد سادت النزعة الانفصالية لدى البعض خاصة في إقليم سيكيانغ الواقع تحت حكم المانشو من أسرة كانغ منذ عام 1759 وقد أطلق على الإقليم سيكيانغ في عام 1884 بمعنى السيادة الجديدة أو المستعمرة الجديدة حيث انتماء الأغلبية المسلمة من السكان إلى الجذور التركية (من سكان الإقليم - الأويغور - الكازاك – القرقيز - المغول - الروس)

ومن ثم فتحت تأثير فكرة الجامعة الإسلامية وأيضا القومية التركية سعوا إلى تأسيس دولة خاصة بهم ونجحوا في إقامة دولة تركستان الشرقية في نوفمبر عام 1933 كما أن بعض الزعماء المسلمين مثل الإمام ما ونفو - Ma Wanfu كان من المؤيدين للانفصال وعدم اندماج المسلمين في المجتمع الصيني .

على أن الدعوة للاتحاد واندماج المسلمين في المجتمع الصيني لاقت قبولا كبيرا، ليس فقط لدى جماعات الصفوة فقط بل بين مختلف الطبقات الاجتماعية الحضرية والريفية بفضل العلاقات السياسية الوثيقة لقيادتها مع الدوائر الحكومية العليا، و من ثم إمكانية القدرة على التأثير والتوجيه للسياسات الحكومية وكان ذلك أمرا ملموسا من الجميع، ومن ثم أصبحت الدعوة إلى أن يكون المسلمين مواطنين صينيين لهم حقوق المواطنة مثل غيرهم داخل الأمة الصينية هي الأكثر رواجا وقبولا بين مسلمي الصين. (43)

ثانيا: ظهور الاتجاه القومي

كان قيام الثورة وإعلان النظام الجمهوري إيذانا بمرحلة جديدة لمسلمي الصين، فكان شعار حماية الصين من أقوى الشعارات والعناصر الأيدلوجية للثورة الصينية في القرن العشرين وتعاظمت الروح الوطنية بين مختلف الشرائح والفئات الاجتماعية، وبنهاية عصر الكانغ طفت على الساحة مصطلحات سياسية واجتماعية جديدة كان لها زخمها مثل الهوية والدولة القومية والوطنية والمواطنة

وقد أوضح " Sun yat-sen " ورفاقه أن الصين ستشمل كل الجماعات أو Minzu وهو المصطلح الذي برز منذ منتصف عام 1890 و لا يعنى الأقلية بل الأغلبية وهو مشتق من الكلمة اليابانية Minzoku والتي تعنى الشعب أو القومية، ولا يمكن في هذا الصدد إغفال الباعث السياسي وربما الأهم لدى صن – يات ورفاقه وهو استعادة جميع الأراضي التي كانت تحت حكم الكانغ لتكون هي الدولة الجديدة. (44)

من جهة أخرى أضحت الفكرة القومية جاذبة لكثير من القادة المسلمين فكتب دنغ تشاويان نص غليظDing Zhuyuan وهو صحفي مسلم في عام 1908 أنه ليس مهما التساؤل عن ديانة الفرد بقدر ما يجب بذل الجهد في سبيل الحفاظ على الوطن، لقد ثمن المسلمون الصينيون حرية العقيدة باعتبارها متضمنة أيضا لفكرة التسامح إزاء الآخرين، و صار المسلمون جزءا من تحالف ثورة الشمس

كما كانوا ضمن الشهداء اللذين ضحوا قبل اكتمال نجاح الثورة بستة أشهر واحتفلوا مع جميع أقرانهم بنجاح الثورة (45)، ومن جهتها أكدت الحكومات الصينية المتعاقبة على أن جميع الرعايا اللذين كانوا تحت حكم إمبراطورية الكانغ قد صاروا أعضاء متحدين في الصين الجديدة. (46) كما أشار دنغ إلى أن إعلان الجمهورية كان له زخما و أعطى المسلمين شعورا بالأهمية والمساواة وأنهم مدعون للمشاركة في العهد الجديد. (47)

ومن الأهمية بمكان التشديد على أن الرابطة الوطنية كانت لها الأولوية على غيرها لدى مسلمي الصين فلم تحظ فكرة الجامعة الإسلامية رغم بريقها وزخمها بتأييد لها خاصة في المدن الصينية الكبرى (باستثناء إقليم سيكيانج ذو الأغلبية التركية على نحو ما سبق)، وعندما زار وفد هندي مسلم الصين كانت هناك خلافات في الرؤى والأولويات بين الطرفين. (48)

وتاريخيا أوضحت المصادر أن " يعقوب بك" حاكم إقليم كاشغر الذي تقطنه الأغلبية المسلمة من الأويغور ذوى الجذور التركية، كانت له صلات بالدولة العثمانية حيث أرسل مندوبه "يعقوب خان" إلى استانبول في أبريل عام 1875 لمساعدته في الثورة على الحكومة الصينية، وفى أغسطس من العام نفسه أصدر السلطان عبد العزيز (1830-1876) فرمانا بمنح يعقوب بك لقب أمير، وأرسل إليه الراية السلطانية وثلاثة من الضباط الأتراك لتدريب جيشه، كما أرسل له أيضا بعض الأسلحة، ورغم أنه كان مقررا أن يظل الضباط الأتراك لمدة عامين إلا أنهم لم يستمروا طويلا وعادوا بعد أن رفض السلطان إرسال من يحل محلهم. (49)

وعند تولى السلطان عبد الحميد الثاني (1876-1908) أرسل يعقوب بك مندوبا للتهنئة، ثم عاد وأرسل سفيره في عام 1879 إلى استانبول الذي أعلن أن إقليم كاشغر قد رفع العلم العثماني وقبل بسيادة الدولة العثمانية وسلطتها وصار يخطب للسلطان العثماني في المساجد كما تم تداول العملة العثمانية، مضيفا أنه وفقا لذلك فإنه من العار قبول الدولة العثمانية ببقاء القوات الصينية داعيا إلى مواجهتها وطردها من الإقليم، ولكن الدعاوى السابقة لم تلق آذانا صاغية في بلاط السلطان عبد الحميد وذهبت أدراج الرياح. (50)

ويبدو أن الصلات مع الدولة العثمانية في عهد السلطان عبد الحميد الثاني ظلت قاصرة على الإطار الديني والثقافي فحسب من جانب بعض العلماء مثل عبد الرحمن ونج هارون و بصحبته اثنين من الأتراك أرسلهما السلطان هما على رضا وحسن حافظ للوعظ والإرشاد. (51)

ولعل ما سبق يفسر موقف مسلمي الصين الرافض لفكرة الجامعة الإسلامية مقارنة بغيرهم من الأقليات خاصة مسلمي الهند اللذين رحبوا بالفكرة وتحمسوا لها، ولعل موقف مسلمي الصين قد نبع من رؤيتهم السياسية التي اتسمت بالواقعية، وكما سبق القول فقد ثاروا طويلا في ظل حكم أسرة "الكانغ"

ورغم معاناتهم الشديدة لم تحقق ثوراتهم المتتالية شيئا، كما لم يخف عليهم من جهة أخرى واقع الضعف والانقسام السائد في العالم الإسلامي وعجز الدولة العثمانية عن مد يد المساعدة لهم رغم إعلانهم التبعية لها، ومن ثم لم يتحمسوا لفكرة الجامعة الإسلامية، ونظروا إليها على أنها مجرد تعبير سياسي لا يغير شيئا من الواقع العملي المحيط بهم .

ومن اللافت للانتباه رفع الزعماء البارزين لمسلمي الصين لشعار الوطنية باعتبارها جزءا من الإيمان، و لعل المهم في هذا السياق أنهم أسسوا بذلك للفكرة الوطنية على أرضية دينية كانت لها ثقلها بين جموع الرأي العام (52)، وعلى الصعيد العملي لعب المسلمون دورا ملموسا خلال الغزو الياباني للصين عام 1937 فاتحدوا للدفاع عن البلاد، وتجمع نحو ألف رجل منهم في الجنوب للدفاع عن البلاد، كما كونوا منظمتين اتجهت إحداهما إلى إقليم شونج كانغ والأخرى إلى جانسو لمقاومة الاحتلال (53) باعتبار أن الدفاع عن الوطن واجب على الجميع. (54)

ومن الناحية السياسية شكل مسلمي الصين ما عرف باسم "الوفد الإسلامي لإنقاذ الصين" لمواجهة الدعاية اليابانية المضادة في العالمين العربي والإسلامي وكانت السلطات الموالية لليابان قد أرسلت وفدا إسلاميا إلى مكة لإشاعة أن المسلمين وغيرهم ينعمون بالأمن والاستقرار في ظل السيادة اليابانية. (55)

وقد غادر ما عرف باسم الوفد الإسلامي الصين في 10 يناير عام 1938 ووصل إلى مصر في 7 فبراير عام 1938 وسعى الأعضاء الخمسة من الوفد لحشد التأييد والدعم من الدول الإسلامية لمواجهة ومقاومة الأطماع اليابانية، وكانت الرؤية السياسية التي ارتكز عليها الوفد قد اعتمدت على جانبين أولهما هو ضمان تأييد الدول التي مازالت تعانى من الاستعمار مثل مصر والهند

باعتبار أن الصين قد صارت مماثلة لهم بعد الغزو الياباني، ومن ثم فهم جميعا شركاء بوصفهم ضحايا الاستعمار، أما الجانب الثاني فهو السعي للحصول على التأييد والدعم الديني من خلال مقابلة كبار رجال السياسة والأئمة في مصر، وأجرى الوفد لقاءت مكثفة مع علماء الأزهر وأسسوا جمعية الثقافة المصرية الصينية ، كما التقى الوفد خلال رحلته إلى تركيا وسوريا والهند بزعماء المسلمين

وعادوا إلى الصين بعد رحلة استمرت عاما وكتبوا تقريرا عن مهمتهم ولكن عند طبعه بادرت السلطات اليابانية بتدمير المطبعة وحرق التقرير وظل الأمر إلى عام 1943 عندما نشرت طبعة أخرى من التقرير، ومن ثم فقد وضح على المستوى السياسي موقف مسلمي الصين ونظرتهم لأنفسهم كمسلمين جمعوا بين هويتهم الدينية والسياسية في آن واحد. (56)

ثالثا: العلاقات مع العالم الإسلامي

لم تكن صلة مسلمي الصين منبتة بالعالم الإسلامي، ورغم الحظر الذي فرض على السفر لأداء مناسك الحج في فترات سابقة، إلا أنه زال في أواخر عهد أسرة الكانغ وأصبح متاحا أمام مسلمي الصين، وصار الحج مناسبة مهمة للتواصل مع العالم الإسلامي والتعرف على مختلف الاتجاهات السياسية والاجتماعية السائدة. (57)

و كان عبد الرحمن ونج هارون أحد أهم الدراسيين في القرن العشرين وعقب أدائه لمناسك الحج طاف بالعالم العربي وزار تركيا، وعاد متأثرا بحركات الحداثة في العالم العربي ومتحمسا لها، وكان على قناعة بأن حجر الزاوية في الإحياء المرتقب يجب أن ينصرف إلى الجانب التعليمي في المقام الأول، وكانت آرائه موحية لجيل تال من الدارسين منهم ماسونتغ Ma Songting الذي أسس مدرسة شيغندا Chengda Normal school عام 1925

و منهم ونج جنغتشاى Wang Jingzhai الذي ترك تركيا واتجه للدراسة بالأزهر لمدة عامين، وكان له الفضل في ترجمة القرآن الكريم في أواخر العشرينيات، وكانت خلاصة رؤيتهم أنه لن يتم إنقاذ المسلمين إلا إذا كانوا قادرين على مجابهة تحديات العصر، و من ثم فان عملية الإحياء ارتكزت في نظرهم كما سنوضح لاحقا على الجوانب والتعليمية والاجتماعية. (58)

وعلى نفس المنوال كان الحاج جلال الدين دشينج Hajji Jelaluddin He Decheng وهو أحد الدارسين المعروفين تعلم في مصر والهند وكان يعرف العربية والفارسية والأوردو والانجليزية، وعقب عودته رأى أن التعليم الديني بحاجة إلى تطوير واستطاع هو وهى شافو He Shafu و ماجانغو Ma ganghou و ماياتنغ Ma yitang و يانج جشان Yang Jiashan وغيرهم تأسيس جمعية الأدب، وشجعت الجمعية على دراسات القرآن الكريم وعلم الحديث، وكان للمسلمين الهنود نشاطا ملحوظا فيها. (59)

وكان انفتاح النظام الجديد على العالم الخارجي محط اهتمام، ففي عام 1912 ظهرت مقالة بمجلةNational Review الصادرة بشنغهاي أشارت فيه إلى أن القوى الأوربية لا تلاحظ نمو العلاقات الودية بين تركيا وشرق أسيا، وتلك العلاقات ليست قاصرة على الكتلة الإسلامية فقط، بل شملت أيضا أتباع البوذية والكنفوشية لأن الصين بحاجة بعد العزلة إلى بناء تحالف قوى في مواجهة الأطماع الغربية. (60)

وفي عام 1932 حينما كان الطلاب المسلمين في طريقهم إلى مصر للدراسة كان في وداعهم ونج شنغان Wang Zhengyan وزير الخارجية ومعه هونج شيغى Huang Shijie وزير التعليم، وحثوا الوفد الدراسي على أن يكونوا سفراء وممثلين لجمهورية الصين في إقامة علاقات دبلوماسية مع مصر، وسائر المسلمين في الشرق الأوسط وتوضيح الأطماع اليابانية تجاه الصين، وبدورها غطت الصحافة المصرية نبأ وصول الوفد الدراسي إلى ميناء بورسعيد ولقائهم بالملك فؤاد الأول، كما أن السلطات الصينية استقطبت هؤلاء الدارسين للعمل بالقسم العربي بوزارة الخارجية الصينية. (61)

وتجدر الإشارة إلى أن البعد الديني قد تم توظيفه في الصراع الصيني الياباني، فمن جهتها سعت اليابان إلى استقطاب مسلمي الصين إلى جانبها منذ وقت مبكر، فمنذ أواخر القرن التاسع عشر نشطت بعض التيارات القومية اليابانية ومنها جمعية اليقظة الأسيوية Asian Reawakening Society وجمعية التنين الأسود The Black Dragon Society وقد نجحتا في جذب بعض المؤيدين لها من مسلمي الصين بعد رفع شعار الجامعة الأسيوية Pan- Asian بهدف اتحاد آسيا تحت زعامة اليابان

وكان ذلك الاتجاه قويا منذ قيام الثورة الروسية في عام 1917 ، كما بذلت السلطات اليابانية جهودا حثيثة منذ عام 1930 لدعم إستراتيجيتها السياسية والعسكرية تجاه الصين وباقي آسيا، ومنها حث المسلمين في اليابان على التواصل والتعاون مع مسلمي الصين، كما دعمت اليابان تأسيس دولة إسلامية في شمال غرب الصين (على غرار نموذج دولة المانشو Manchu State)

تقودها حكومة موالية لليابان، وسكانها من مسلمين الهوى والأويجور وتمتد حدودها من حوض خليج التاريم Tarim إلى سهول نانغسكا Ningxia الخصبة لتكون بذلك منطقة عازلة Buffer Zone بين الاتحاد السوفيتي والصين ،كما أنها ستكون أداة في يدها لتقسيم الصين في المستقبل. (62)

وكانت ردة فعل السلطات الصينية هو التركيز من خلال الدعاية والمنشورات في المدارس والجامعات بأن مسلمي الصين ينتمون بالأساس إلى قومية الهان لكنهم مسلمين،كما شكلت لجنة لمتابعة الشئون الدينية ومراقبة الأقليات عن قرب خاصة في إقليمي سيكيانج ومنشوريا. (63)

كما لجأ أنصار الاتجاه القومي في الصين بدورهم إلى الزج بالورقة الإسلامية في الصراع مع اليابان، فعند اندلاع الحرب بين الطرفين عام 1937 برزت الدعوات إلى الدفاع عن الوطن وحرص بعض الأئمة مثل ونج جنغ على الاستعانة بالمأثورات الدينية المتواترة مثل مقولة "حب الوطن من الإيمان" في المقالات الصحفية وخطب الجمعة

وفى السياق نفسه اقترح رجل الأعمال المسلم ما تانغ Ma Tianying إرسال وفد إلى الشرق الأوسط لجذب تأييد العالم الإسلامي وتمت الموافقة فورا على الاقتراح (64) فكانت رحلة الوفد الصيني التي سبق الحديث عنها، كما لا يمكن في هذا الصدد إغفال دور باى شونغ Bai Chongxi الجنرال المسلم البارز في حكومة كاى شيك. (62)

آليات الإحياء الإسلامي

يمكن القول بأن حركة الإحياء لدى مسلمي الصين قد تجسدت برمتها في نهج التحدي والاستجابة، فكانت التحديات بإيجاز ممثلة في الاغتراب الجغرافي والتاريخي والبعد عن دار الإسلام فضلا عن ما لحق بهم من تهميش و عزلة اجتماعية، ومن ثم لم تكن حركة الإحياء خيار مطروحا بقدر ما كانت آلية فرضت نفسها على الجميع للتوحد مع المجتمع والسير في ركاب الدولة الحديثة. (66)

وكانت البدايات الأولى لآليات الإحياء هي سعى قادة المسلمين لتغيير الصورة النمطية السيئة الملتصقة بالمسلمين وشاع تداولها على الصعيدين الرسمي والشعبي، فكثيرا ما وصفوا بأنهم مخادعون ومثيرون للعنف وكانت لرواج تلك المقولات آثارا سلبية، منها تشديد العقوبات على المسلمين ومعاقبتهم بقسوة حال إدانتهم بارتكاب جرائم مقارنة بغيرهم من الفئات الاجتماعية

و في عام 1920 ظهرت مقالة صحفية لغير مسلم في إقليم نانج وصفت أجداد المسلمين بأنهم خنازير واعترض المسلمون على ذلك واضطرت السلطات إلى إيقاف الجريدة ومعاقبة الصحفي، ومن ثم فإن سوء الفهم والنظرة السلبية تجاه الإسلام كانت هي الشغل الشاغل لكثير من الجمعيات والمنظمات الإسلامية التي ظهرت خلال تلك الفترة. (67)

ورأى البعض أن أفضل صيغة لتغيير تلك الصورة الذهنية هو الانخراط في الدفاع عن الصين الضعيفة آنذاك في مواجهة الأطماع الاستعمارية من جانب اليابان خلال عقد الثلاثينيات، ونال ذلك استحسان الكثير من الكتاب والمثقفين الصينيين اللذين دعوا باقي القوميات من غير الهان ليحذو حذو المسلمين في الاتحاد والوطنية. (68)

تكوين المنظمات والجمعيات

كان تكوين الجمعيات والمنظمات على تنوعها من قبل مسلمي الصين أحد أهم آليات حركة الإحياء على مدار فترة الدراسة، ولعل دلالتها الواضحة للعيان هو الإدراك بأن مستجدات العصر تتطلب النهج الجماعي المنظم، وكانت جمعية التقدم التي تأسست في عام 1912 قد أوضحت أن هدفها الرئيس هو أن يكون مسلمي الصين على تنوع أصولهم العرقية صوتا واحدا، وكانت هذه أول جمعية مركزية في تاريخ مسلمي الصين وطلب من سكان إقليم سيكيانج القبول بقيادة زعماء الجمعية في بكين وامتدت فروعها في كل المدن الصينية. (69)

وربما كانت القضية الرئيسة التي كانت قاسما مشتركا لمختلف تنظيمات فترة الدراسة هي الدعوة إلى إصلاح التعليم، ولم تكن مصادفة أن رواد حركة الإحياء كانوا في الأغلب الأعم معلمين في المقام الأول، والواقع أن الدعوة لإصلاح التعليم كانت رغبة عامة وأحد خطوات التحديث الذي تبنته الصفوة الصينية منذ النصف الأخير من القرن التاسع عشر ،وكان الدافع لذلك هو الرغبة في اللحاق بعلوم وتكنولوجيا الغرب

إضافة إلى فشل التعليم التقليدي المعتمد على التقاليد الكونفوشية، وساعد على ذلك إلغاء النظام التعليمي القديم في عام 1905، وكان ذلك هو المناخ العام الذي احتضن الإصلاح التعليمي لمسلمي الصين، ولعل أبرز ما فيه هو مشاركة المسلمين لنظرائهم الصينيين الغير مسلمين نفس الرؤية باعتبار أن الإحياء الإسلامي و إصلاح التعليم في القلب منه جزءا من المشروع الكبير والأعم لتحديث الصين (70)، كما أن النظام السياسي الجديد بدوره قد عول على الإصلاح التعليمي كمدخل لتحقيق الأهداف القومية ومنها التقارب والاندماج مع المسلمين. (71)

من جهة أخرى تركت تجربة الدراسة باليابان أثرا كبيرا على الدارسين المسلمين بها خاصة التعرف عن قرب على التجربة اليابانية ودور التعليم فيها، وعندما أصدروا مجلة "يقظة المسلمين" كانت خمسة من المقالات التسع بها حول التعليم وأهميته، ومن ثم يمكن القول بأن الدعوة لإصلاح التعليم قد تأثرت بعاملين هما الاتجاه القومي وبناء الدولة الحديثة في الصين من جهة، ثم الاتصال بالنزعات التجديدية في اليابان و العالم الإسلامي إضافة إلى انفتاح الصين تجاريا على العالم الخارجي. (72)

و قد أسس عبد الرحمن ونج جمعية التقدم الإسلامية السابق الإشارة إليها في عام 1912 (73) وكان هدفها الرئيس تطوير المناهج الدراسية التعليم للمسلمين لاسيما اللغة العربية، و تبنت الجمعية الدعوة للحاق بالحداثة ودمج المسلمين في المجتمع الصيني، كما كان من أهم أنشطتها نجاحها في عقد مؤتمر عام دعت إليه الأئمة والقادة المسلمين من كافة أرجاء الصين لإعداد برنامج عمل مشترك في المستقبل. (74)

و في عام 1923 وصل عدد فروع جمعية التقدم إلى ثلاثة آلاف فرع وكانت ملصقاتها حاضرة دوما بالمساجد، وكانت الشعارات على المطبوعات تحمل علم الهوى وهو نفس علم الدولة العثمانية الهلال تتوسطه نجمة، ثم رفعت شعار الجمهورية دليل على التحالف مع النظام وأصدرت مجلة شبه شهرية في بكين باسم "النور المحمدي"، إضافة إلى عقد العديد من الندوات والمحاضرات (75) وكانت تلك الجمعيات بحاجة إلى موافقة البيروقراطية الحكومية حتى تستطيع العمل ومنها الإعلان عن الأعضاء وأهداف الجمعية. (76)

و من الجمعيات الناشئة أيضا جمعية "النقاء والحقيقة " The Pure and True Society التي أسسها زنغ دمنغ Zhang Deming في عام 1917 ، وصارت لها فروعا في مساجد بكين، كما شهدت فترة الدراسة انتشار ملحوظا للعديد من الجمعيات والمنظمات في المدن الصينية المختلفة مثل نانج في عام 1912 وشنغهاي في عام 1925 وحملت أسماء مختلفة، مثل جمعية التعليم الإسلامية وجمعية الأدب الإسلامي، وكان من أهدافها إنشاء كلية للمعلمين وكلية للتعليم الأساسي. (77)

و في عام 1929 تأسس في شنغهاي الجمعية الإسلامية العامة بواسطة هى شافو He Shafu و مايتانج Ma yitang و شا شايو Sha Shayau وى تانغ Wu Tegong وغيرهم وكان أهدافها جمع وتوحيد المسلمين من مختلف أرجاء البلاد، وكان من أهدافها التوسع في إنشاء المدارس و تطوير التعليم المهني و دعوة الشخصيات البارزة لإلقاء محاضرات عامة و إنشاء مستشفى لعلاج غير القادرين .

و كان للطلاب المسلمين مساهمتهم في هذا المجال فأسسوا جمعية الصداقة الإسلامية عام 1928 في جامعة بكين، وكان لها فروع بمختلف الكليات والمدارس الثانوية، وفى إقليم نانج أسست جمعية الشباب المسلم عام 1931 ومن رموزها ونج ياى Wang Yi وكانت تهدف إلى توحيد الطلاب المسلمين والانخراط في الخدمة العامة لتحسين أحوال المسلمين، وتطرق اهتمامهم إلى بحث العلاقة بين الإسلام والعلم الحديث، وأيضا جمع وإتاحة الكتابات والدوريات المتعلقة بأحوال المسلمين في الخارج. (78)

وكان من الفعاليات الهامة آنذاك المؤتمر العام الذي دعت إليه الجمعية الإسلامية العامة عام 1929 للقادة البارزين من مختلف الأقاليم الصينية وكان له صدى واسعا على المستوى القومي، وهكذا فإن المنظمات و الجمعيات التي شهدتها فترة الدراسة وان انصب نشاطها على الجوانب الدينية وفروعها في الأغلب بالمساجد، إلا أنها شرعت في التوجه تدريجيا للجوانب الاجتماعية والثقافية .

والواقع أن النظام التعليمي الخاص بمسلمي الصين كان جل اعتماده منذ وقت طويل على المدارس التقليدية الملحقة بالمساجد ، ولم يحرم المسلمون من الالتحاق بالمدارس الحكومية ولكن لم تجر العادة بذلك، وصارت العقبة الرئيسة التي واجهت المسلمين خاصة في المدن الحضرية هي الاصطدام بمناهج التعليم المدني في المدارس الحكومية في حال أرادوا إلحاق أبناءهم بها، وكانت النتيجة غالبا عدم القدرة على الاستمرار و من ثم تجاهل التعليم الحكومي والاتجاه إلى العمل الحرفي. (79)

وقد عبر الكاتب لو تسو Liu-Zhou عن تلك المفارقة في مقالة له بمجلة الهلال في عام 1929 فأوضح أن أحد أسباب ضعف المسلمين هو رفضهم إلحاق أولادهم بالمدارس الحكومية، ومن ثم حرمانهم من تعلم لغة وطنهم ومن فرصة التعليم العالي، والأمر الثاني المترتب على ذلك هو فقدان هويتهم ورفضهم أن تكون الصين هي أرض أجدادهم وموطنهم الأصلي، وعوضا عن ذلك راحوا يتعلمون العربية والفارسية والتركية معتقدين أن البلاد العربية هي موطنهم الأصلي رغم استمرارهم في الحديث بالصينية عند ممارسة حياتهم اليومية. (80)

في ضوء ما سبق سعى رواد حركة الإحياء إلى إصلاح وتطوير التعليم التقليدي بإضافة مناهج أخرى إلى جانب العلوم الدينية، كما بادروا في الوقت ذاته إلى إنشاء مدارس على النهج الحديث بالتعاون مع الدولة في تمويلها، مثل مدرسة شينجغادا في بكين والمدرسة الإسلامية في شنغهاي ومينغادا في كون منغ. (81)

الترجمة والنشر

كانت الترجمة والنشر آداه فاعلة اعتمدت عليها حركة الإحياء الإسلامي في تحقيق أهدافها، و قد أوضحت المصادر حرص الكثيرين من مسلمي الصين على اصطحاب العديد الكتابات العربية والفارسية في طريق عودتهم بعد أداء مناسك الحج ، حيث جرى نسخها والاعتماد عليها كوسيلة للدراسة

ومع ازدياد الصلة بالعالم العربي لاسيما الدراسة بالأزهر ووصول الطباعة الحديثة إلى الصين بدأت حركة نشطة للطباعة والنشر بين أوساط المسلمين على نطاق واسع (82) ، وقد أحصى القس إسحاق ماسون أكثر من ثلاثمائة عنوان لمجموعات من الكتب الإسلامية طبع أغلبها في الربع الأول من القرن العشرين في مجالات مختلفة. (83)

وقد بادر المسلمون بتكوين دور للنشر لهم مثل شركة النشر في بكين وقد طبعت ما يقرب من مائة وخمس وعشرين كتابا بالعربية والفارسية وصارت من أهم مراكز النشر، وأسست دور أخرى مماثلة في شنغهاي ونانج حيث تم جلب المعاجم اللغوية والكتب المختلفة من الهند ومصر وسوريا وتركيا، وساعدت التقنيات الغربية الحديثة وشيوعها خاصة الصور في إخراج المطبوعات بصورة جذابة

كما أن مدرسة شينغادا الدينية بحكم دورها التعليمي أعادت طباعة العديد من الكتب الإسلامية بالعربية والصينية (84)، وكان لافتا للانتباه تبرع البعض لطباعة الكتب على غرار ما فعل دنغ فوشنغ Dong Fuxiang أحد كبار الضباط المسلمين فطبع على نفقته كتابات ونج دايو Wang Daiyu و ما تسو Ma Zhu وكان يطمح لتمويل ترجمة للقرآن الكريم ولكن وفاته حالت دون ذلك ، وسار ابنه على منواله فيما بعد. (85)

وقد واكب حركة النشر نشاط مماثل في الترجمة منذ العهد الجمهوري واستمرت فترجمت الكثير من الأعمال العربية إلى الصينية مثل كتاب "حقيقة الديانة الإسلامية " للشيخ حسين الجسر (1845-1909) ، و "رسالة التوحيد" للشيخ محمد عبده (1849-1905) وقام بترجمتهما محمد مكين (1906-1978) أحد الدارسين بالأزهر كما ترجم أيضا بعض الأعمال الصينية إلى العربية مثل " كتاب الحوار لكونفوشيوس وكتاب " الأمثال والحكم الصينية "

ووجدت الكثير من المختصرات والكتيبات الصغيرة رواجا مثل قصص الأنبياء وسيرة الرسول وتاريخ الكعبة (86)، وإذا كان " ماو فو" قد تأثر في العقد الأخير بالدعوة السلفية إبان رحلته للحج، فإن محمد مكين على ما يبدو من غلاف كتابه (الصين والإسلام) قد تأثر أيضا بحركة الإخوان المسلمين في مصر، لاسيما وأن مقدمه كتابه كتبها حسن البنا مؤسس الجماعة، كما أن الكتاب من إصدار قسم الاتصال السياسي بالعالم الإسلامي. (87)

وشهدت العقود الأولى للنظام الجمهوري زخما لصدور الكثير من الدوريات التي أصدرها المسلمين ليتم وضعها بالمساجد، وكان التوجه العام لأغلب الدوريات هو الحديث عن جوانب من التاريخ الإسلامي والتعليم ونتفا عن الأحوال المعاصرة للعالم الإسلامي، وعادة ما حملت أغلفة المجلات العناوين بالعربية والصينية

ومن أبرزها صوت المسلم اليومية وصوت محمد والشاب المسلم الشهرية ونور الإسلام والثقافة الإسلامية (88)، وكثيرا ما ترجمت بعض المقالات الخاصة بمجلة المنار والفتح في بعض المجلات مثل نظارة الهلال (89)، وكانت مجلة "الصين الإسلامية" من أكثر المطبوعات تعبيرا عن المسلمين، وعرفت بوقوفها خلف الاتجاه القومي. (90)

ومن المجلات الهامة أيضا Bright Virtue وكانت ذات اتجاه محافظ و قد حثت مسلمي الصين على النهوض في الشرق الأقصى والتقدم على كوريا واليابان، بل مدت بصرها للحديث عن المسلمين في أوربا وأمريكا الشمالية ، ومن الدوريات اللافتة للانتباه أيضا "نور الإسلام" التي صدرت عام 1924 وكانت بلغات ثلاثة الصينية واليابانية والانجليزية وقد أصدرها ساكوما تيجرو Sakuma Teijiro وهو ياباني اعتنق الإسلام، وقد ذكرت المجلة بأن تنظيم المسلمين في الصين هو الخطوة الأولى نحو الجامعة الإسلامية والوقوف في وجه الأطماع الروسية. (91)

وبطبيعة الحال كان من أكبر وأهم الانجازات آنذاك هو انجاز ترجمة معاني القرآن الكريم إلى الصينية ، وأشار البعض إلى أن ماوفو Ma Fuchu قد عكف على انجاز ترجمة منذ وقت مبكر، إلا أن ما وصل منها كان خمسة أجزاء فقط عند مطلع القرن العشرين، كما أن جمعية الأدب الإسلامي قد نشرت قطع منها في عام 1927

وفى العام نفسه صدرت أول ترجمة كاملة بواسطة لى تيشنغ Li Tiezheng وهو غير مسلم من بكين ولم يقم بالترجمة مباشرة من العربية ، وإنما اعتمد على النسخة اليابانية التي أنجزها ساكمتو كنشى Sakamoto Kenichi و رودول Rodwell عن الانجليزية (92)، وكانت أكمل ترجمة من جانب مسلمي الصين تلك التي قام بها ونج جنغتشاى Wang Jingzhai

وقد اعتمد فيها على نسخة مترجمة إلى الصينية القديمة وقامت جمعية التقدم الإسلامية بطبعها في عام 1932 كما أصدر ونج طبعة أخرى في عام 1945 (93) ومن الترجمات التي نالت انتشارا وذيوعا الترجمة التي أنجزها محمد مكين وكان له الفضل في إنشاء قسم اللغة العربية في جامعة بكين. (94)

ونالت تجربة وذكريات الدراسة بالأزهر حظا من الكتابة والنشر، فأصدر محمد تواضع (1902-1958) كتابه بالعربية "الصين والإسلام" في عام 1945 (95) وكان تواضع من رموز حركة الإحياء وأحد رواد الإصلاح التعليمي، كما سجل يومياته عن مصر عقب عودته عام 1947 بعنوان "تسع سنوات في مصر" وصدرت في عام 1951، وكان ما يميز الوفد الصيني أنهم درسوا إلى جانب مناهج الأزهر دراسات أخرى، مثل اللغة الانجليزية والفرنسية والرياضيات والتاريخ ومن ثم فان دعوتهم لتحديث التعليم دارت في فلك الاتجاه القومي السائد آنذاك. (96)

و قبل عشر سنوات نشر محمد مكين عضو البعثة بالأزهر خلال الفترة من عام 1931 إلى 1939 كتابا في عام 1934 صدر عن مطبعة الفتح بعنوان "نظرة جامعة إلى تاريخ الإسلام في الصين وأحوال المسلمين فيها" وهو عبارة عن عدة محاضرات ألقاها مكين في جمعية التعارف الإسلامية بالقاهرة ، وكان من بين جهوده المهمة انجاز قاموس عربي – صيني، وقد أوصى مكين في مقالة لاحقا في عام 1937 بأهمية الدراسة في القاهرة. (97)

وفى رأى البعض أن الدراسة بالأزهر قد عكست بحق الرغبة الدفينة في التواصل مع العالم الإسلامي في المقام الأول، فقد لجأ مسلمي الصين بحكم وطأة شعورهم بالاغتراب التاريخي والبعد الجغرافي إلى أسطورة نسبهم إلى الجذور العربية وأنهم من نسل الصحابة، والآن سنحت الفرصة لهم لتواصل حقيقي في القرن العشرين بدار الإسلام. (98)

خاتمة

لم تكن حركة الإحياء أمرا جديدا أو طارئا على مسلمي الصين خلال فترة الدراسة فحسب، بقدر ما كانت شبيهة بدورة متعاقبة من التحدي والاستجابة، فجاء الإحياء القديم الممتد من منتصف القرن السادس عشر إلى القرن التاسع عشر استجابة في المقام الأول لسؤال الحفاظ على الهوية بالمعنى الوجودي لمسلمي الصين كأقلية خشيت من الذوبان ثم النسيان في محيط الأغلبية، وكانت أهم أدوات ذلك الإحياء التعليم في المساجد وإحياء النصوص القديمة بالعربية والفارسية، كما اتسم الإحياء القديم بمرونة كبيرة تجلت في التوفيقية بين الإسلام والكنفوشية و نجح في تحقيق هدفه الرئيس إلى حين .

وأعقب الإحياء القديم دورة أخرى من التحدي العنيف فقد مسلمي الصين فيها الكثير، وعاد سؤال الهوية ليطل برأسه مرة أخرى مستصحبا معه هذه المرة أسئلة أخرى حول المواطنة والشراكة والاندماج، وأتى النظام الجمهوري عام 1912 كبارقة أمل وحاضنة جديدة، و هنا تجلى وعى مسلمي الصين الذي جاء متناسبا مع حجم التحديات، فامسكوا بتلابيب تلك اللحظة التاريخية الفارقة لاستعادة صحوتهم مجددا .

والواقع أن فترة الدراسة كانت بالنسبة لمسلمي الصين مرحلة التقاط الأنفاس والنهوض من الكبوة فتزايدت مدارسهم ومعاهدهم (99)، وطوروا مناهج الدراسة بصورة عصرية، وزادت صلتهم بالعالم الإسلامي، واستطاعوا التعبير عن أنفسهم دون خوف أو وجل، وكان الاعتراف السياسي بهم كأحد مكونات الأمة مكسبا كبيرا لهم دون ريب .

صحيح أن البعض قد أبدى تخوفه وشكوكه في الماضي تجاه فكرة الاندماج الاجتماعي، لكن زعماء الإحياء الجدد كانوا متحمسين له، وبدت الأغلبية على قناعة بأن يكون الإسلام جزء من الصين ، وفى المقابل كان هناك اعتراف بالإسهام التاريخي و الحضاري لعلماء المسلمين في المسيرة العلمية للصين فضلا عن دورهم الوطني المشهود في الدفاع عن البلاد. (100)

وقد تباينت الآراء حول هوية مسلمي الصين في التحليل الأخير فرأى البعض أنهم استطاعوا التوافق مع التاريخ والتقاليد الصينية ، وهم في الوقت ذاته احتفظوا لأنفسهم بمسافة فليسوا مندمجين في المجتمع الصيني إلى حد الذوبان كما أنهم ليسوا بعيدون عنه بحكم ممارستهم اليومية

و ذهب البعض إلى أن مسلمي الصين ظلوا رافضين تماما للتقاليد الكنفوشية، واصفا إياهم بالعنف والعدوانية، و اعتبر آخرين أن مسلمي الصين قد نجحوا كأقلية في الحفاظ على هويتهم الدينية والتكيف مع التقاليد الصينية، ولم يتسببوا في مشكلات داخلية وأن تاريخهم هو نموذج للتنوع فهم ببساطة صينيين ومسلمين معا دون تعارض. (101)

المصادر والمراجع

أولا : العربية والمعربة

  1. ابن بطوطة ، تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار،ج2 ،الطبعة الرابعة، بيروت ، مؤسسة الرسالة، 1405 ه.
  2. الإدريسي ، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق ،ج1 ،الطبعة الأولى ، بيروت، عالم الكتب ،1989.
  3. إلياس سليم سلمان أبو حجير، المسلمون في الصين (131-769 هـ-748-1367 م)، رسالة ماجستير، غزة الجامعة الإسلامية، 2009.
  4. بدر الدين و.ل.حي، تاريخ المسلمين في الصين في الماضي والحاضر ، بيروت، دار الإنشاء، 1394 هـ .
  5. بطرس البستاني ، محيط المحيط ، بيروت ، 1983 .
  6. زكى محمد حسن ، الصين وفنون الإسلام ، مؤسسة هنداوى للتعليم والثقافة ، القاهرة ، 2012 .
  7. خه جاو وو وآخرين ، تاريخ تطور الفكر الصيني ، ترجمة ، عبد العزيز حمدي عبد العزيز،الطبعة الأولى ، القاهرة ،المجلس الأعلى للثقافة، 2004
  8. فهمي هويدى، الإسلام في الصين، سلسلة عالم المعرفة 43، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1981 .
  9. كرواس، ريتشارد كيرت ، الثورة الثقافية الصينية ،ترجمة، شيماء طه الريدى ، مراجعة ، محمد إبراهيم الجندي ، الطبعة الأولى ، القاهرة ، مؤسسة هنداوى، 2014 .
  10. لوثروب ستودارد ، حاضر العالم الإسلامي، ترجمة عجاج نويهض، تحقيق ،شكيب أرسلان ،ج2- الطبعة الرابعة ،دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، 1973 .
  11. محمد تواضع ، الصين والإسلام ، القاهرة 1364 هـ

الدوريات العربية

  1. سيدة إسماعيل كاشف ، "علاقة الصين بديار الإسلام "، مجلة كلية الآثار، جامعة القاهرة، العدد الأول،القاهرة ،1975 .
  2. كرم حلمي فرحات ، "دخول الإسلام الصين وعلاقتها بمصر في العصر الإسلامي"
  3. صبحي جميل، " المسلمون في الصين "، مجلة كلية الآداب، جامعة الشارقة ، العدد ، 65
  4. يونس عبد الله ماتشنغ بين الصيني،"الإسلام في الصين، رؤية موضوعية واقعية "، الإسلام في أسيا،العدد الخاص الأول،2011

المراجع بالانجليزية

  1. Alexander Blair Stewart, Ways To Be Hui: An Ethno-Historic Account Contentious Identity Construction Among The Hui Islamic Minority Nationality of China, University of California,2009.
  2. Green ,Sandra Aili ,Building Solidarity :The Process for Metropolitan Chinese Muslims ,1912-1949.Arizona University.1999.
  3. Guangtian Ha ,Religion of The Father; Islam ,Gender, and Politics of Ethnicity in Late Socialism. Columbia University.2014.
  4. Henning,Stefan,Nowhere Beyond Good and Evil: Muslim Activism in China as Ethical Critique,1929 to 2002 ,Michigan University.2005.
  5. Kaveh Louis Hemmat,A Chinese System For An Ottoman State; The Frontier ,The Millennium, and Ming Bureaucracy In Khatayi’s Book Of China,Chicago,Illinois,2014.
  6. Kwangmin Kim, Saintly Brokers; Uyghur Muslims,Trade,and The Making of Qing Central Aisa,1696-1814,University of California,2008.
  7. Petersen Kristian,The Heart of The Islamic-Chinese Dialogue Wang Daiyu and The Creation of The Chinese Muslim Discourse, Colorado University,MA.2006.
  8. Shaodan Zhang ,Chinese Muslims In The Qing Empire : Public Culture ,Identities, And Law,(1644-1911),University of Illinois,2015.
  9. Zvi Ben-Dor,The “Dao of Muhammed”; Scholarship,Eduction and Chinese Muslim Literati Identity in Late Imperial China ,University of California,2000.

الدوريات الانجليزية

  1. Ahmad,Atif Ahmad,Chinese Muslims in Taipei, Nanjing and Shanghai,Chinese World : Multiple Temporalities and Transformations,Vol,18,Spring,2007.
  2. Ayesha Qurrat Ul Ain, Everyday Life of A Chinese Muslim: Between Religious Retention and Material Acculturation, Journal for The Study of Religion and Ideologies,Vol,14,(Spring,2015),
  3. Jonathan N Lipman ,” Hui,Hui:An ethno history of The Chinese-Speaking Muslims “,Journal of South Asian and Middle eastern studies,Vol,X1.No.1&2.1987.
  4. Raphael Israeli ,Myth as Memory: Muslims in China Between Myth and History ,The Muslim World,Spring,2001.
  5. Rawski,Evelyn S,Presidential Address: Reenvisioning The Qing: The Significance of The Qing Period in The Chinese History , The Journal of Asian Studies .Nov 1996.
  6. Yitzbak Sbicbor,Ethno-Diplomacy:The Uyghur Hitch in Sino-Turkish Relations, Policy Study ,53
  7. Wenfei Wang, and Others, Growth and Decline of Muslim Hui Enclaves In Beijing, Journal of Eurasian Geography and Economic,43,No,2,2002.
  8. Yufeng Mao, A Muslim Vision for The Chinese Nation: Chinese Pilgrimage Missions to Mecca During World War II,The Journal of Asian Studies,Vol.70.N.2. (May).2011.p.380.
  9. Ziv Ben Dor Benite,”Nine years in Egypt” :Al-Azhar University and The Arabization of Chinese Islam,Hagar,Summer.2008.