جمهورية العسكر المصرية.. في البدء كان الفساد! (1-2)

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
جمهورية العسكر المصرية .. في البدء كان الفساد! (1-2)


أحمد حسن الشرقاوي

(السبت، 12 سبتمبر 2015)

"في البدء كان الكلمة" .. كما قال الإنجيل.. أما في (جمهورية مصر العربية سابقا) أو جمهورية السيسي حاليا يمكن القول إنه "في البدء كان الفساد"، فهي دولة تقوم منذ انقلاب 23 يوليو 1952 على الفساد، وفقا لنتائج دراسة يزيد صايغ عن جمهورية الضباط في مصر.

وهناك آلاف القصص التي تؤكد مدى تغلغل الفساد في صفوف الضباط منذ قوانين تصفية الإقطاع واستيلاء ضباط على قصور ومجوهرات العائلة الملكية السابقة، ومرورا بمكتب المشير عبد الحكيم عامر الذي كان يتاجر في كل شيء وأي شيء في مصر منذ أوائل الستينيات وحتى هزيمة العسكر في 1967.

أحاول في هذا المقال رواية قصة العسكر في مصر من منظور الفساد، فبعد الهزيمة المدوية وحرب الأيام الستة في يونيو 67، استفاقت المؤسسة العسكرية المصرية على كابوس ضخم، وأدى الدافع لتجاوز الهزيمة إلى أن يتولى أبرز الجنرالات "كفاءة وعلما وشرفا" شؤون المؤسسة وأدت سيطرة هؤلاء الشرفاء على الجيش إلى منع الفاسدين من الترقي في مناصبها أو حتى البقاء داخلها.

في هذه الفترة، أجبر الجنرالات الوطنيون نظراءهم من ممثلي الفساد على إفساح المجال للشرفاء وذوي الكفاءات حتى يتم استعادة شرف العسكرية المصرية، وكانت تلك الصفحة من تاريخ المؤسسة من أزهى وأنقى صفحاتها على مدار تاريخها.

استمر الحال على هذا المنوال حتى توفي جمال عبد الناصر وجاء السادات للحكم عام 1970، وبعد حرب أكتوبر 1973 حدث استرخاء عسكري، خصوصا بعد إعلان السادات أن حرب أكتوبر ستكون آخر الحروب مع إسرائيل، وبدأ شياطين الفساد في المؤسسة العسكرية المصرية في الظهور على السطح من جديد. خطة تطويع الجيش المصري لأعدائه الخارجيين بدأت بإفساد الجنرالات بحيث صار البقاء في الجيش للأكثر فسادا وولاء لمؤسسة الفساد.

أعداء مصر يعلمون جيدا أن تنشئة ورعاية الفساد داخل الجيش المصري هو الذي يجعل هذا الجيش أو غيره يميل إلى الاسترخاء والبعد عن العقيدة القتالية الصحيحة التي تمكنه من النصر أو حتى الصمود في المعارك التي يخوضها.

بدأ السادات بعد حرب أكتوبر مباشرة في إطلاق الحريات الاقتصادية في المجتمع ككل وصدر القانون رقم 147 لسنة 1974 بخصوص الاستثمار العربي والأجنبي في مصر، وكان من بين التأثيرات السلبية لهذا القانون هو منح الفاسدين في كافة قطاعات الدولة، بما فيها المؤسسة العسكرية، الفرصة للظهور على السطح مجددا، واستمر الأصدقاء- الأعداء أو "أعدقاء مصر" في الخارج في جهودهم لتشجيع الفساد في مصر بالتزامن مع رغبة محمومة في خلق واقع طبقي واجتماعي جديد يقوم على الأثرياء الجدد من الفاسدين

أو كما كانت تطلق عليهم الصحف المصرية في آخر أيام السادات: "القطط السمان" مثل أشقاء السادات عصمت وغيرهم والذين تمت الإشارة إليهم بوضوح لكنهم لم يحاسبوا ولم تصادر أموالهم الحرام التي يستخدمها ورثتهم لمحاربة الشعب المصري وتزييف إرادته حتى هذه اللحظة!!

المهم، أن الصحافة المصرية كانت تطارد "القطط السمان" في المجتمع لكنها لا تستطيع مطاردة نظرائهم في الجيش نتيجة لما تفرضه اعتبارات "الأمن القومي" من حماية لسلوك جنرالات المؤسسة العسكرية، ولا يزال هذا الستار الحديدي مفروضا حتى اليوم.

ولعل ذلك ما ساعد الجنرالات على بناء إمبراطورية اقتصادية وصفها الدكتور يزيد صايغ بأنها صارت "فوق الدولة". صايغ يعتبر أن تلك الإمبراطورية الاقتصادية للضباط في مصر تأسست بوضوح منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي غير أنني أختلف معه في ذلك وأعتبر أن البداية كانت منذ منتصف السبعينيات، وبالتحديد بعد المعاهدة المصرية-الإسرائيلية عام 1978 بمساندة أميركية واضحة وبدعم وتشجيع كاملين من إسرائيل.

والهدف الواضح: تربية الفساد داخل المؤسسة العسكرية المصرية عبر السماح للجنرالات باستثمار جزء من المعونة الأميركية يخصص للأنشطة الاقتصادية للجيش، بينما كان الجنرالات الفاسدون يستخدمون أيضا الجزء الأكبر من ميزانية الدولة المخصصة للجيش في تلك المشروعات التي تعود عليهم بأرباح كبيرة يدخل الجزء الأكبر منها إلى جيوبهم الخاصة. لقد كانت عملية إفساد منظمة وممنهجة لكبار القادة في الجيش.

وليس ببعيد عن ذلك قصة الشركة المشتركة (الأجنحة البيضاء- وايت وينجز) بين حسني مبارك نائب الرئيس السادات في نهاية السبعينيات وصديقه حسين سالم ضابط المخابرات المصري- الذي تربطه صلات وثيقة بالموساد الإسرائيلي- لنقل المعونات الأميركية لمصرعبر شركة خاصة للشحن الجوي مملوكة لمبارك وسالم، والتي تم كشف وثائقها وانتهى التحقيق فيها من جانب السلطات الأميركية بالحفظ بناء على اتفاق مع المتهم الرئيسي حسين سالم!!

وبعد حفظ القضية بأيام وبعد كشف السادات لخيانة نائبه مبارك، تم اغتيال السادات في العرض العسكري بمناسبة ذكري 6 أكتوبر عام 1981، ذلك الحادث الذي يكتنفه الغموض حتى هذه اللحظة، ويشير البعض إلى رغبة أميركا وإسرائيل في حماية مبارك من بطش السادات، وتأهيل مصر لمرحلة جديدة من الفساد والإفساد خصوصا للمؤسسة العسكرية وجنرالاتها.

وفي تقديري فإن وجود المشير محمد عبدالحليم أبوغزالة على رأس المؤسسة العسكرية المصرية كان له دور كبير في الحفاظ على تقاليد المؤسسة وتدخلات الخارج في شؤونها، حتى تم تدبير مكيدة له بسبب رغبته في تطوير النظام الصاروخي المصري وتهريب كميات من اليورانيوم المخصب من الولايات المتحدة لمصر أواخر الثمانينيات، وللأسف تم تشويه سمعة الرجل بإلصاق تهم ملفقة له بأنه كان على علاقة غير شرعية بإحدى فتيات دولة البوليس والمخابرات تدعى لوسي آرتين، وهي من أصل أرمني!

كانت مشاركة مصر في حرب تحرير الكويت عام 1991 وإسقاط الديون الخارجية المصرية عاملا حاسما في تقوية جمهورية الضباط في مصر. وأصبحت حقبة التسعينيات والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين هي العصر الذهبي لفساد المؤسسة العسكرية المصرية، إلى أن جاءت ثورة 25 يناير 2011 وتم تكليف المجلس العسكري بإدارة شؤون البلاد خلفا لمبارك، وهنا وصلت قصة الفساد إلى ذروتها.

وللحديث بقية.

المصدر