تزوجت مجرما

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
تزوجت مجرما


غلاف الكتاب

بقلم كريمان حمزة

تقديم د. محمد عمارة

توطئة

بسم الله الرحمن الرحيم
( عسي الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم) صدق الله العظيم 7 الممتحنة

قال سول الله صلي الله عليه وسلم
( ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان : بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه وبطانة تمره بالشر وتحضه عليه ، والمعصوم من عصم الله تعالي ) رواه أحمد

شكر وتقدير

أتقدم بالشكر الوفير لزوجي المهندس الاستشاري سامي القاضي .. الذي لم يمانع في إخراج هذا الكتاب .. بل لقد راجعه معي أكثر من مرة . ولفت نظري لبعض التصويبات الضرورية . فجزاءه لله عني خير الجزاء..

تقديم

لا نغالي إذا قلنا: إن هذا الكتاب الصغير هو نهر دافق من العواطف الشريفة والنبيلة .

وأن الشرف والنبل فيه لا يقفان عند المنطق والأسلوب ، وإنما ينبعان ، بالأساس، من شرف المقاصد ونبل الغايات.. فهو – من أوله إلى آخره –

تساؤل ملح : لماذا لا تكون العلاقة بين الحكام والمحكومين في بلادنا على النحو الذي يجعلنا – جميعا – رحماء فيما بيننا و حتى تتوحد طاقاتنا – جميعا فنكون أشداء على الأعداء وفي مواجهة التحديات الشرسة التي تريد اقتلاع الجميع حكما ومحكومين ؟

إن كل صفحات هذا الكتاب تذكر الأمة بصورتها التي رسمها القرآن الكريم ( إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون ) الأنبياء : 92) ...والتي رسمتها السنة النبوية الشريفة في صورة الجسد الواحد " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكي منه عضو تداعي له سائر الجسد بالسهر والحمي " ( رواه البخاري ، ومسلم ، والإمام أحمد" والتي بلغت الذروة عندها صوره القرآن الكريم فقال ( محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ) الفتح / 29)

فوحدة جسد الأمة – حكاما ومحكومين .. أفرادا وطبقات ... وشعوبا وقبائل .. أقطارا وأقاليم .. أجناسا وقوميات .. هو الذي يقيم التراحم فيما بين مكوناتها ، الأمر الذي يوفر الإمكانيات والطاقات لتوظيف على جبهات التدافع والصراع ضد لأعداء .. والعكس صحيح على وجه اليقين !

وإذا كان هذا الكتاب قد ركز على مصر كنموذج ، وعلي العلاقة بين حكامنا وبين التيار الإسلامي على وجه الخصوص،فإن بعضا من الملاحظات على معالجة الكتاب لهذه " المعضلة " قد تكون ضرورية ومفيدة في هذا التقديم .

فأولا: إن المنهاج العاطفي الذي غلب على صفحات الكتاب قد وقف بنا عند حدود التمنيات، ولم يحدد لنا " المشكلات التي يجب أن يدرسها المفكرون ، وصولا إلى مقترحات لحلول تخرج المجتمع من هذا الشد والجذب، ومن النزيف الداخلي ، الذي يخصم من قوي الحكام والمحكومين على حد سواء ، بسبب التوتر القائم والدائم بين أهل الحكم وبين الإسلاميين ولقد اتضح هذا الأسلوب العاطفي في المعالجة عندما رأينا الكاتبة الفاضلة تنحي باللائمة على الحكم – متعاطفة مع الإسلاميين – عندما ترسل رسالتها إلى هؤلاء الحكام .. بينما تنحي باللائمة على الشباب الإسلامي – متعاطفة مع الحكام - عندما ترسل رسالتها إلى الإسلاميين!... حتى لكأننا بإزاء " تطييب لخواطر " للجميع !

ثانيا : إن قضية العلاقة بين التيار الوطني الحكم ، منذ ثورة يوليو سنة 1952م، وبين التيار الإسلامي – وفي القلب منه " جماعة الإخوان المسلمين " تحتاج إلى ما يشبه " مركز دراسات" يتوفر على إنجاز دراسات وإقامة حوارات حول جدول أعمال مشكلات هذه العلاقات ... ومن هذه المشكلات – على سبيل المثال  :-

1- فترة " التعاون – والاختلاف" بين التيارين إبان قيام ثورة يوليو 1952م، والأخطاء التي أفسدت " التعاون " وتحولت به إلى إطار " الصراع " ... وهل كانت هذه الأخطاء محصورة في طرف واحد لا تتعداه إلى الطرف الآخر ؟

2- دور العامل الخارجي – الاستعمار الغربي – في إذكاء الصراع بين التيارين ، على ضوء وثائق وتقارير ومراسلات أجهزة وسفارات قوي الهيمنة الغربية، والتي لم ولن يكون من مصلحتها قيام التعاون بين الوطنيين والقوميين وبين الإسلاميين – والكثير من هذه الوثائق والتقارير والمراسلات قد غدا متاحا للباحثين ، بعد أن مضي عليه قرابة نصف قرن من الزمان .

3- القمع الدموي الذي مارسته أجهزة الدولة ضد التيار الإسلامي – وتحديد المسئولية عنه وفيه – ودراسة آثاره الممتدة حتى الآن على العلاقة بين التيارين.

4- دور العجز المزمن لدي الدولة عن إقامة تنظيم سياسي جماهيري فاعل – من " هيئة التحرير" إلى " الحزب الوطني الديمقراطي " على حرص الدولة على تفريغ الممارسة السياسية والديمقراطية من عناصر الجدية والفعالية والوقوف" بلعبة الديمقراطية" و" تبادل السلطة" عند مجرد " الديكور " الأمر الذي يجعل الدولة حريصة على تحجيم أى تيار سياسي أو فكري قادر على المنافسة الحقة في الشارع وفي صناديق الاقتراع .. دور هذا العجز، وما أفرز من أثره واستئثار النظام بالدولة ، على الموقف من التيار الإسلامي الذي يمثل المنافس الأول في الشارع وفي صناديق الاقتراع .

5- دور قوي الهيمنة الغربية التي اتخذت وتتخذ الإسلام عدوا في إذكاء عوامل هذا التناقض والخلاف بين أهل الحكم وبين التيار الإسلامي .

6- دور فصيل الغلو والعنف الإسلامي في زيادة مشاعر الحذر والخوف لدي أهل الحكم تجاه الإسلاميين بوجه عام .

7- دور تيار الغلو العلماني ، الذي يمثل امتدادا سرطانيا للمذاهب الغربية والذي يكن الكراهية والحقد للتوجهات الإسلامية والإيمانية في إذكاء عوامل الخلاف بين أهل الحكم وبين الإسلاميين ومدي النجاحات التي حققها هذا التيار في إقناع الحكم بأن الإسلاميين كلهم غلاة وأن التمايز بين فصائلهم لا يعدو أن يكون توزيعا للأدوار .

8- موقف تيار الوسطية الإسلامية وخاصة " جماعة الإخوان المسلمين " من تيار الغلو والعنف الديني ... وهل كان هناك تقصير في إدانة ومواجهة أهل العنف والغلو ؟

وخاصة في الحقبة التي اهتزت فيها هيبة الدولة أمام عمليات العنف ؟!

وهل لتراجع تنظيمات العنف عن هذا المنهاج من تأثيرات إيجابية على مجمل العلاقات بين أهل الحكم وبين عموم الإسلاميين ؟

9- تحديد أولويات الحركة الإسلامية على ضوء إمكاناتها الكبيرة .. وفي ضوء التحديات والمحاذير الخارجية التي لا تريد رؤية الإسلاميين في السلطة ، وإعلان " سقف" هذه الأولويات .. هل هي " المشاركة " ؟ أم " المغالبة"؟ وهل هي " الدعوة والتربية وإعادة صياغة الإنسان وتهيئة المجتمع "؟ أم البدء " بامتلاك الدولة "؟ وهل المراد هو " البدء من الصفر في أسلمة المجتمع "؟ أم أننا بإزاء مجتمع إسلامي يحتاج إلى " استكمال " إسلاميته؟

10- وأخيرا – وليس أخرا – هل تياراتنا الفكرية – كلها .. بما في ذلك التيار الوطني الحاكم والتيار الإسلامي قد أفسحت وتفسح في ثقافاتها وفي ممارساتها المساحة المناسبة واللائقة لقبول الآخر .. والحوار معه ... والوصول وإياه إلى حلول وسط .. واعتماد منهاج التدرج وفقه الأولويات ؟ ... أم أن هذا اللون من الثقافة والممارسة غائب أو غائم إلى الحد الذي يمثل عقبة من العقبات أمام العلاقات الصحية بين أهل الحكم وبين الإسلاميين وغير الإسلاميين ؟

تلك أمثلة " لجدول أعمال فكرية" يحتاج إلى " مركز دراسات " متخصص لمعالجة معضلات العلاقات بين أهل الحكم وبين المحكومين والإسلاميين منهم على وجه الخصوص .

ذلك أن العواطف النبيلة وحدها لا تكفي في مثل هذه الأمور ... وبقدر عظم المقاصد ، التي تتوقف عليها التحولات الكبرى والإستراتيجية في مستقبل الأمة ويجب أن تكون الوسائل والآليات القادرة على تحقيق هذه المقاصد والغايات بقي أن أقول : إن القارئ سيستمتع بهذا الكتاب الذي استمتعت به إلى الحد الذي مسكت بي صفحاته فلم تدعني حتى فرغت منها – رغم ما كنت أعانيه ساعتئذ من نزلة برد شديد.

فنحن أمام كاتبة مقتدرة ، تملك من تدفق العواطف الجياشة ونيل المقاصد الكبرى وما يوازيهما في القدرة على التعبير الصادق والدقيق حتى لكأن كلماتها المخلصة تخرج من قلبها إلى قلوب القراء ، دونما وسائط أو معوقات.

إنني أترك القارئ مع هذه الرحلة الممتعة عبر صفحات هذا الكتاب الممتع .

والله أسأل أن يجعل هذا الجهد الطيب في ميزان حسنات الكاتبة القديرة ... إنه سبحانه وتعالي ، خير مسئول وأكرم مجيب ..

جمادي أخر سنة 1422هـ

أغسطس سنة 2001م دكتور / محمد عمارة

رقابة جهول ( الإنسان عدو ما يجهل ) هذه العبارة تنطبق إلى حد كبير على القائمين بأمر الرقابة على المصنفات الفنية بوجه عام والرقابة على البرامج الدينية بوجه خاص ..فالمفروض أن يراعي في الرقيب مستوي مرتفع من العلم والمعرفة وملاحقة الأحداث.. والوعي بخلفيات الموضوعات وشئ غير يسير من الحساسية الذكية وسرعة الالتقاط .. كما لابد من الإلمام بالقيم الأخلاقية والدينية ما دامت وظيفته هي مراقبة البرامج الدينية .

والحقيقة أن أجهزة الإعلام في الدولة لم تعمل على تأهيل الرقيب وإعداد وحسن اختياره لذا نري الرقيبة على سبيل المثال ترتعد خوفا وقلقا وتسئ الظن في المبعدين وتتمسك بحرفية الممنوعات وتشكك في النوايا .. وترفض وتمنع الإذاعة وقد تملكها خوف شديد..

ولقد كانت الأستاذة ( سنية ماهر ) أول مدير عام للرقابة في أوائل السبعينيات في التلفزيون المصري .. كنت رحمها الله على مستوي راق من العلم والمعرفة والوعي المستنير ملمة بالأحوال السياسية والثقافية والدينية والاجتماعية والأدبية في مصر لذا كان التعامل معها على مستوي عال من الرقي .. فلم ترفض مشاهدة حلقة تلفزيونية تعنتا ولم تلغ حلقة من شدة الخوف وسوء الظن ولم تقف بجهل و تعنت أمام مشهد من مسلسل تلفزيوني أو تمثيلية.. بل كانت توجه المبدعين توجيها علميا وثقافيا رصينا كما كانت تدلي برأيها بعد دراسة وتمحيص بطريقة أخلاقية وفنية راقية.. فلم يغضب منها أحد .. ولم تر قط ثائرة ترتعش ويهتز الكرسي من تحتها ..

ولكن تبعها أنواع من البشر لا ناقة لهم ولا جمل في أى قضية ثقافية أو سياسية أو اجتماعية أو دينية .. نوع من البشر لم يقرأ قط ولا أظنه يكتب ولكنه يحمل مجموعة من الممنوعات عبارة عن ورقة بها عبارات تزعج الجهلاء وتعز عروش الجبناء.. ومن عجيب الأمر أن الذي يراقب البرامج الدينية قد تكون فتاة أو امرأة لم تبلغ الخامسة والعشرين من عمرها تتحكم فيما يقول الشيخ محمد الغزالي أو الشيخ الشعراوي أو الدكتور كمال أبو المجد .. الخ .

وهذا المستوي المتردي يرجع إلى تسلط بعض ضباط الأمن .. وتوجيه الأمور فيه .،. بالإضافة إلى انعدام التأهيل والإعداد لمن يتولي هذا النوع من العمل .

وللحق نستثني الأستاذ ( على الزغبي ) الذي عمل رقيبا ثم مديرا للرقابة حيث كان مثالا للفهم السليم والوعي بكل القضايا التي تعج بها الساحة المصرية والعربية والعالمية فكان من نعم الله علينا .. ولكنه للأسف أيضا خرج إلى المعاش .

المعارضة في الإسلام

عندما وافقت الدولة على إنشاء بعض أحزاب المعارضة قرأت كتابا للدكتور جابر قميحة أستاذ الأدب العربي جامعة الظهران تحت عنوان ( أدب المعارضة في الإسلام ) حاول فيها أن يعلم القارئ أدب الاختلاف وأهميته .. والاعتماد على الحقائق العلمية والرقمية... والكياسة في عرض الرأي والرأي الآخر .. وكيف يمكن التعاون بين لأحزاب جميعه لخدمة الوطن ..

استضفت الدكتور جابر قميحة والشيخ جمال قطب ( من علماء الأزهر ) وناقشنا الكتاب بأسلوب علمي وتأصيل إسلامي جيد .. وما أن علمت السيدة الرقيبة بعنوان الحلقة ( أدب المعارضة في الإسلام ) حتى فزعت وهالها الأمر وألغت الحلقتين ورفضت أن يناقشها المخرج كما رفضت المشاهدة من الأصل ..

وراحت تردد مستنكرة فزعة ( مال البرامج الدينية والمعارضة ومالنا نحن والمعارضة ) هذا خطر خطر على الدولة والنظام !!!

وعبثا حاول المخرج شريف الشناوي والمخرج أحمد طه على مدي ستة أشهر إقناعها بمشاهدة الحلقتين وإظهار أهمية مثل هذا النوع من الموضوعات في هذه الأيام .. إلا أن مديرة الرقابة راحت ترفع التقارير تارة إلى رئيس القناة وخري إلى رئيس التلفزيون !!

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

رئيس جمهورية الملاديف

أذكر أن الزميل محمد عبد العزيز أخبرني بأن رئيس جمهورية الملاديف ( الرئيس ممون عبد القيوم) يزور مصر في هذه الأيام وأنه تعلم في مصر وتخرج من كلية الشريعة جامعة الأزهر الشريف وكان خلال هذه السنوات زميلا له في نفس الكلية وشهد له بحسن الخلق والدراية الكاملة بالقضايا الدينية .. وراح يصف لى جزر الملاديف وأنها أكثر من ألفي جزيرة على المحيط الهندي وهي عضو في الأمم المتحدة وليتني استأذن المسئولين في إمكانية التسجيل معه خصوص وهو يقيم في هذه الأيام في هيلتون النيل بالقرب من ماسبيرو .. استأذنت المسئولين في التلفزيون وحملت الكاميرات إلى هيلتون رمسيس وسجلنا مع رئيس جمهورية الملاديف حلقتين بالتمام والكمال وراح الرجل يتحدث بلغة مصرية عن حياته في القاهرة وأساتذته وزملائه في الأزهر الشريف وأثر الثقافة الأزهرية عليه وكيف أنه أحب مصر والمصريين ثم عرج على حبه للقرآن الكريم والسنة المطهرة ورغبته في جعل جزر الملاديف عالمة بشئون دينها مؤمنة بالقرآن الكريم كدستور تحكمه في حياتها ثم خذنا الحديث فتحدث الرئيس ( وهو يبلغ من العمر اثنين وثلاثين عاما ) بأنه يؤم المسلمين في الصلاة ويخطب أحيانا خطبة الجمعة ...

وانتهي التسجيل على أحسن وجه وحصلنا على فيلم سينمائي عن جزر الملاديف وشعبها وعاداتها .. وبعض الصور الفوتوغرافية .. ثم سلم المخرج الشريط للرقابة كي تشاهد الحلقتين قبل السماح بإذاعتهما .

ولك أيها القارئ الكريم أن تتصور ما حدث ! لقد استلمت السيدة الرقيبة الشريط وسيطرت عليها حالة أشبه بمن تمكن من القبض على مادة خطرة مشعة .. إذ اتجهت متحمسة إلى مشاهدة الحلقتين ومعها مجموعة من المسئولين في التلفزيون وأغلقوا عليهم الباب حتى لا أتمكن من مشاركتهم هذه المشاهدة وخرج الجميع من القاعة وراحت الرقيبة تكتب التقرير في تكتم وسرية الشريط حتى يتم اغتيال هذا الخطر المحدق بالأمة!!

لماذا كل هذا ؟؟

عرفت بعد ذلك بيومين ن الرقيبة كتبت في التقرير ن التسجيل مع رئيس دولة يخطب الجمعة ويؤم المسلمين .. فيه خطورة على رئيس مصر وسمعته إذ أن رئيس جمهورية مصر لا يفعل ذلك ومعني ذلك أننا نلفت نظر المشاهدين إلى هذا التقصير من جانب رئيس مصر .. وهذه الحلقات فيها إسقاط لا داعي له !!

يا للهول .. رحماك ربي .

قلت للزميل الذي أبلغني بهذا الأمر .. وبناءا على هذا لو تم استضافة الرئيس المصري في أحد البلاد وهو ضابط مقاتل قد اشترك في بعض الحروب التي انتصر فيها الجيش المصري فستلغي التسجيلات لأن رئيسهم ليس ضابطا كما أنه لا يستطيع التخطيط العسكري للمعارك .. وحماية الوطن .. وهكذا بناءا على ثقافة كل حكم لن يسمح بإلقاء الضوء على حاكم آخر مختلف معه في الثقافة والتعليم ثم ضحكنا معا على مستوي الخيبة والجهل ولله لأمر من قبل ومن بعد .

لا يخلو مكان ولا زمان من رحمة الله

بعد بلوغ الأستاذة ( سنية ماهر ) سن المعاش وقد سبق أن وصفتها في كتابي ( رحلتي من السفور إلى الحجاب ) بأنها رقيقة كاليمامة سيدة خلوق على قدر عال من الثقافة والتحضر تتعامل مع الجميع بالمحبة وصدق النصيحة أحيلت إلى المعاش ولم يعد لى من مبني ماسبيرو مكان ألجأ إليه ... ألتقط أنفاسي .. إلا عندما ساق الله لى اللواء أنور عوض صاحب القلب الكبير والنفس المتواضعة العامرة بالإيمان . فرحت أتردد من آ لآخر علي مكتبه أجلس أمامه أستمع إلى قصص الصالحين ثم غالبا ما يهديني كتابا صغيرا يحتوي على أدعية مأثورة وصلوات على سيد الأنام ( صلي الله عليه وسلم )

عندما غابت الشمس

وفي أحد الأيام دخلت على نور بك أطال الله في عمره فأخرج لى من درج مكتبة كتابا ضخما وقال لي : مطلوب مني أن أقرأ هذا الكتاب وأكتب عنه تقريرا مفصلا وكما ترين لا وقت عندي والكتاب كبير يزيد على ستمائة صفحة فهل يمكن أن تقرئيه لى وتكتبي تقريرا عنه ؟

سعدت كثيرا لأني أهل ثقة بالنسبة لمدير عام أمن التلفزيون .. وأخذت الكتاب وخرجت مسرعة عازمة على قراءته بدقة وكتابة التقرير المطلوب ..

وبعد يومين سافرت إلى مصيف بلطيم حيث كانت مي رحمها الله في انتظاري لقضاء عطلة الصيف .. وهناك رحت أقرأ هذا الكتاب الذي يحمل عنوان ( عندما غابت الشمس) بقلم عبد الحليم خفاجي ومنذ الكلمات الأولي شدني هذا الكتاب شدا غير مسبوق فلقد كان كاتبه من الإخوان المسلمين راح يحكي قصة اعتقاله بتهمة الانتماء إلى الإخوان المسلمين ثم كيف أمضي أكثر من عشرين عاما في غيابات السجون المصرية.. وكيف كان حال هؤلاء المعتقلين ..وكيف كانوا يعاملون .. وكيف تعرضوا للضغوط والاضطهاد .. وإلقاء التهم والشك في نواياهم .. بل واتهامهم بالخيانة العظمي ... إلى آخر القصص التي طالما قرآناها في كتب كثيرة نذكر منها ( أيام من حياتي ) للمجاهدة زينب الغزالي ، وكتاب ( البوابة السوداء ) وكتاب ( سراديب الشيطان ) بقلم أحمد رائف وكتاب ( صفحات من التاريخ) للواء شرطة صلاح شادي .. وغيرهم ... وغيرهم..

شدني كتاب (عندما غابت الشمس) لأن صاحبه راح يحكي مآسي السجون وأنواع البلاء النازل بها وكم القهر وظلم الإنسان لأخيه الإنسان .. راح يحكي كل هذا بأسلوب عجيب نادر فلقد استقبل كل هذه الأحداث بنفس مطمئنة راضية بقضاء الله واثقة من أنه سبحانه يسمع ويري .. لم يجزع ولم يصبه الهلع بل راح يحتسب كل هذا الهوان عند الله ( يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم ) الشعراء 88 -89.

لقد شعر عبد الحليم خفاجي بأن حوائط السجون تمد ذراعيها لتستقبلهم .. وأنه يعانق الزمان والمكان .. فمن بين كل هذه المظالم تتنزل رحمات تلف أصحاب المبادئ الخيرة والنوايا الطيبة بسياج من اللطف والرحمة ... لذا راح يحتضن الشمس والقمر... والسماء والنجوم.. يرحب بالبرد والحر ما دام في سبيل الله .. شعر في كل سجن دخله بحنو المكان .. وحلاوة العشرة مع الإخوان رفقاء المبدأ والقضية .. وما إن يبدأ في الاستقرار على حال حتى تصدر الأوامر بتشتيت الرفاق وما يتبعه من آلام الفراق .. كان يضنيه فراق الأحباب إلى سجن آخر وتبكيه فرحة اللقاء بإخوان آخرين .. تلذذ بالصلاة في كل زنزانة سكنها وذاق حلاوة السجود .. وجمال الوصل .. حتى صار هذا الكتاب سيمفونية رائعة للرضي بمر القضاء والصبر على البلاء لم أر في حياتي إنسانا يتصالح مع الله ومع نفسه ومع الأحداث التي يستقبلها بنفس راضية مرضية مرحبة بقضاء الله مثل هذا الكاتب ..

وبينما كنت أسبح في هذا الكتاب لاحظت على طول قراءتي وجود صور فوتوغرافية من داخل هذه المعتقلات يظهر فيها شاب أسمر طويل .. نحيل .. رومانسي القسمات .. تتميز ملامحه بالوحدة وشدة التأثر .. وتنطق بشدة الحنو والإشفاق فأيقنت أنه مؤلف هذا الكتاب الفريد.

بدأت أكتب التعليق على كل ما قرأت .. كتبت حوالي ثماني وثلاثين صفحة فلوسكاب وعدت إلى القاهرة وأسرعت إلى التلفزيون وسلمت اللواء أنور عوض التقرير والذي احتوي أيضا على بعض الاستفسارات السياسية والتاريخية التي لم أفهمها ..

وبعد يوم واحد اتصل بي اللواء أنور عوض وشكرني على التعليق بحرارة وأخبرني بأنه أرسل صورة من هذا التقرير إلى الأستاذ عبد الحليم خفاجي مؤلف الكتاب والمقيم في ألمانيا .. وبعد خمسة عشر يوما وصلني خطاب من ألمانيا أرسله لى الأستاذ عبد الحليم خفاجي مؤلف الكتاب أعرب فيه عن تقديره الشديد لحسن قراءاتي للكتاب ورد على كل الاستفسارات .. وأخبرني أنه عقب خروجه من السجن سافر إلى الكويت واشتغل بالكتابة والتجارة وتزوج بسيدة عراقية أنجب منها ( أحلام - وأبرار – وزينب – ومراد – ومحمد ) ثم إنه سافر إلى ألمانيا حيث أنشأ مؤسسة بافاريا للطباعة والنشر ولقد غاب عن مصر مدة عشرين عاما وهو ينوي الحضور لزيارة أهله وناسه في بلدته ( مرصفا) .. ومرت شهور ثم أرسل لى خطابا بموعد عودته إلى القاهرة .

تنفس تحت الأنقاض

ماتت أمي رحمها لله وكنت قد حصلت قبل وفاتها بعدة أيام على الطلاق.. لذا لم كن على استعداد لمواجهة حياة جديدة تحت أى ظرف من الظروف،لحالتي النفسية المتأثرة تأثرا بالغا عقب انفصالي عن زوجي وأب أولادي عشرة دامت سبعا وعشرين عاما .. أمضيت معه العشر سنوات الأولي في محبة ووئام وأنجبت ولدين وبنتا .. ولم يكن يخطر ببالي يوما أن أترك بيتي وزوجي وأولادي في أعمارهم الحرجة .. كنت أحسن أن هناك سبعا وعشرين طابقا قد تهدمت فوق رأسي .. وأني تنفس تحت الأنقاض بصعوبة بالغة .. ولا يمكنني بحال من الأحوال التحدث مع مخلوق .. ناهيك عن الارتباط بزوج آخر .

تحاملت على نفسي وأعددت كاميرات برنامجي ( الرضا والنور ) لأسجل مع الأستاذ عبد الحليم خفاجي عند حضوره إلى مصر واخترت زورقا في النيل المصري كي أسجل الحلقات مع ابن النيل القادم إليها بعد غربة دامت عشرين عاما ولا شك ن ضيفي في شوق إليه وأن أولاده وزوجته لم ينعموا من قبل بالنظر إلى نيل مصر .. سجلت معه حلقتين والزروق يسير بنا في النيل .. وكانت أفكار هذا الضيف جديدة كل الجدة ..تقدمية ... طريفة .. وانفتاحية.

برغم التأصيل الإسلامي الجيد.. كانت شخصيته جديرة بالمتابعة والاحترام ولإعجاب ... إلا أني قد فوجئت بأن الأستاذ عبد الحليم خفاجي مختلف تماما عن الصور التي رأيتها في كتابه ( عندما غابت الشمس ) الأستاذ عبد الحليم رجل مائل إلى الحمرة ممتلئ بعض الشئ يمت بصلة للشاب الأسمر النحيل الذي كان يقف في فناء السجن بنظراته الشاردة وقسماته المليئة بالشجن .. وبالطبع لم أحدث ضيفي عما لاحظته ..

ثم سافر الرجل بعد أيام قليلة وبعد أن زارني في بيت أمي بالمعادي هو وأسرته وعند انصرافه قال لي ببساطة متناهية – لابد أن تتعرفي على اللواء كمال عبد الرازق .. أرشحه لك كي تنتفعي بعلمه وثقافته ولباقته .. ثم انصرف بعد ن سلمني كتابا صغيرا بعنوان ( كواكب حول الرسول )

لم يخامرني شك في أن هذا اللواء كمال عبد الرازق شخصية إسلامية محدثة يمكن الاستفادة منه في برنامجي التلفزيوني ( الرضا والنور )

وعقدت النية على الاتصال به والتحدث معه .. في هذا الشأن ثم شغلت بأمور أخري حتى كدت أنسي .. كما أني قررت الذهاب لعمل عمرة ..

أغرب دعاء عند الملتزمة

أعشق الالتزام بالملتزم ... وأغافل الحراس ( حراسة الكعبة )

وأضع صدري والتصق بالكعبة أسفل باب الملتزم ... وأطرب كثيرا عندما أشعر بتكأكأ الحجاج والمعتمرين عند باب الملتزم تضج أصواتهم بالدعاء بجميع اللغات .. وترتفع الأيدي .. ويعلق البكاء والنشيج وبينما أنا غارقة في دموع الحب الإلهي سمعت صوت رجل شديد التأدب مع الله خفيض الصوت يردد دعاء لم أسمعه من قبل أو أقرأه.. بل لم أفهم معانيه على الإطلاق قال هامسا خاشعا فوق رأسي ( إلهي صفرت يداي فأتربهما ) وراح يردد بأدب جم نفس العبارة عدة مرات .. والتفت إليه خجلي وتفرشت وجهه ولم أجرؤ أن أسأل رجلا لا أعرفه ما معني هذه العبارة ؟

وانصرفت وأنا أرددها حتى لا أنساها لحين لقائي بأول عالم من علماء الدين .

وبينما كنت أسير متجهة إلى الصفا والمروة ورأيت وجه هذا الرجل مرة أخري وقد تهلل واندفع نحوي مرحبا ..

أهلا . أهلا أستاذة كريما، ... أنا أخوك كمال عبد الرازق قد حدثك عني الأستاذ عبد الحليم خفاجي .. وتذكرت الرجل ومددت يدي أصافحه بشدة مرحبة به معتذرة أشد الاعتذار لأني لم أتصل به ..ووعدته بأني سوف أتصل به عند عودتي إلى القاهرة .. ثم قدم لى رجلا كان معه قائلا .. الدكتور سيد الجيار زوج المرحومة أختي .. وهذه ابنته الصغرى حنان ومددت يدي مرحبة بهما . وتمنيت لو سألته عن معني الدعاء الذي كان يسره إلى الله عند الملتزم .. ولكني خجلت من سؤاله لأن الرجل كان يحدث ربه حديث القلب .. وليس من حقي أن أتسمع أو أسأل .

عدت إلى القاهرة .. وغرقت في بحر المشاغل من أبناء .. إلى مقابلات ... إلى إعداد حلقات .. إلى حضور مؤتمرات .. الخ أمارس كل هذا وأنا غارقة في اللاوعي.. أعود إلى البيت منهكة إلى حد الإعياء .. حتى أني فرشت فراشي على الأرض ووضعت التليفزيون على الأرض بجواري لشدة ما كنت أستشعره من آلام مبرحة في عمودي الفقري يصاحبه هبوط معنوي شديد .. ولا زال شعوري بالتواجد تحت لأنقاض جاثما فوق أنفاسي رغم تأدية العمرة وكثرة البكاء والدعاء وقراءة القرآن .

لا أحد يشعر بمعاناتي .. ولا حتى جمهوري الحبيب الذي يقبلني في جميع حالاتي مرحبا راضيا !! ربما لأنه ربط بين هيئتي وحبه لله ورسوله ( صلي لله عليه وسلم )

المتحدث أخوك كمال عبد الرازق

تلقيت مكالمة تليفونية من الأستاذ عبد الحليم خفاجي من ألماني سألني بلهفة : هل اتصلت باللواء كمال عبد الرازق ؟

- أسفه جدا جدا .. لا أجد الوقت ولا الجهد .. سامحني سأفعل إن شاء الله

- لا عليك سأجعله يتصل بك الآن

- مرحبا به

- دق جرس التليفون ..رفعت السماعة

- السلام عليكن ورحمة الله وبركاته .. المتحدث أخوك كمال عبد الرازق ..

- وعليكم السلام والرحمة والبركات .. شديد الأسف .. والله ... أصل

- لا أصل ... ولا فصل .. هل يمكن أن ألقاك؟

- أهلا ... أهلا... أنا في حاجة ماسة إليك لقد تعاقدت مع الأستاذ أحمد رائف على حلقات تليفزيونية جديدة وأنا في حاجة ماسة إليك ... الأستاذ أحمد رائف صاحب شركة الزهراء للإعلام العربي .. هل تعرفه ؟

- نعم .. نعم هل يمكن أن نلتقي غدا ؟

- طبعا بإذن الله .. ولكن بعد السابعة مساء لأني مشغولة في الصباح

المفاجأة

استيقظت من نومي في الصبح بصعوبة بالغة فكل ما في جسدي يؤلمني .. وكان ابني سيف الله يقيم معي هو وزوجته.. فأخبرتهما أن هناك ضيف سيحضر في السابعة مساء وعليهما أن يستقبلاه ويمكثا في الشقة ويقوما بتقديم واجب الضيافة طول مدة حديثي مع الضيف .. ثم ذهبت إلى حجرة الطعام وأعددت أقلاما وأوراقا على المنضدة حتى أكون على أهبة الاستعداد لاكتشاف عالم جديد يضيف إلى برنامجي التلفزيوني لمسات وآراء جديدة .. ثم ركبت سيارتي واتجهت إلى شركة الزهراء للإعلام العربي بمدينة نصر وهناك قابلت الأستاذ أحمد رائف وأخذنا ننظم سويا تسجيل حلقات عن الإعجاز العلمي في القرآن مع كل من الدكتور محمد على البار والشيخ عبد المجيد الزنداني مستشار ( كارتر) لشئون البحار وكلا العالمين من أصل يمني يقيمان في السعودية .. ثم نظرت إلى ساعتي فإذا بها تشير إلى الخامسة مساء فنهضت واقفة .

- آسفة .. آسفة يا أحمد بك لابد من العودة إلى المنزل .. لدي ميعاد هام مع عالم جديد يدعي اللواء كمال عبد الرازق .. رشحه لى الأستاذ عبد الحليم خفاجي .. وكم كانت المفأجاة المذهلة .. حيث قال لى بمنتهي البساطة والهدوء :

- على بركة الله تزوجيه .. كلنا نرشحه لك زوجا .. بإذن الله ستسعدين معه .. فهو رجل خلوق .. وهناك في ألماني يجتمع الإخوان بعد صلاة المغرب ويقرءون لك عدية ياسين حتى يتم رب العالمين الزيجة ..تزوجيه على بركة الله ... وأنا أضمن لك اثنتين الكرم بل والسخاء .. والطهر والنقاء ...

- لا يمكن أن يتصور القارئ الحالة التي أصبت بها وقلت له على الفور

- سيدي .. هذا عالم رشحه لى الأستاذ عبد الحليم خفاجي كي أستضيفه في برنامجي .. ولم يذكر شيئا عن الزواج .. أني لا زلت في شهور العدة وحالتي النفسية لا يعلمها إلا الله ولولا حاجتي الماسة إلى المال لما حضرت إليك للعمل ..وأنا مريضة ...وتعبانه .. تعبانه جدا

- يا سيدي كمال عبد الرزاق هذا .. رجل الحب والمرحمة .. إنه الحب يمشي على قدمين .. حنون ..رقيق المشاعر .. عطوف ... أضمن لك صفتين الاستقامة .. والسخاء .

- سيدي .. كفي .. لم أكن توقع ذلك .. لقد كنت أرحب به بشدة لظني أنه سيكون أحد ضيوف البرنامج وربما ثري الحلقات ...و.... وانصرفت مسرعة .. وفي الطريق كدت أجن .. إن الناس لا تشعر بمعاناتي المريرة ... وظروفي القاسية .. وحالتي النفسية المتردية .

أنا محطمة ..لا أحد يشعر بي ألا يدركون أني أتحدث من تحت الأنقاض ؟ أنقاس سبع وعشرين عاما سقطت فوق رأسي؟!

إشارات سوية يستقبلها عقلي

وصلت إلى الدقي حيث شاءت الأقدار أن أسكن هناك وصعدت السلم وأنفاسي تكاد تتقطع ..وصدي يعلو ؟ يهبط بثقل عجيب مرير .. دخلت المنزل واستقبلني ابني وزوجته.. فأخبرتهما بما قاله الأستاذ أحمد رائف .. ودخلت حجرتي وألقيت بنفسي على الأرض .. ولم يكن في بقية من جهد كي أبكي .. وقد حان ميعاد حضور اللواء كمال عبد الرازق .. وبعد نصف ساعة تحاملت على نفسي وغيرت ملابسي ووقفت أمام الشباك ارقب حضوره والألم يعتصرني اعتصارا .. وبعد قليل وقفت عربة مرسيدس بيضاء أما م البيت ونزل منها رجل وقور يرتدي بذلة بيضاء يعلو رأسه الشيب والوقار .. رشيق القوام يمشي بخطي متئدة .

قلت في نفسي ... لا حول ولا قوة إلا بالله . كيف يتصور هذا الرجل أني أصلح رفيقة طريق له أو لأي إنسان في الوجود.

استقبلت الرجل ولم أجلسه بالطبع على منضدة السفرة حيث الأقلام والأوراق وأجلسته في الصالون وجلست أمامه ألملم بقاياي وللوهلة الأولي لم أرحب بفكرة الارتباط بأى شخص كما أنني لا طاقة لى بالزواج من الأصل .. ثم بدأ الضيف يتحدث وإذا بي أشهر كأن أفكاره المرتبة تيار كهربائي يقوم بشحن في رأسي ..وكأن عناقا صادقا .. أصغيت إليه .. وركزت في منطقة السوي .. وألفاظه المنتقاه .. ومخارج الحروف التي ضبطها كثرة قراءة القرآن الكريم . عجبي .. شخصية قوية بغير كبر .. ولا غرور .. هيئة رأسه يعلوها العزة وعظمة الوصل بالله تعالي .. كل ما قاله يستحق بجدارة أن يكون خليفة لله في أرضه .. لا تكسر ... ولا إسفاف .. ولا تخنع .. ولا كذب .. ولا استعراض ... ولا رياء .

انتهي اللقاء سريعا .. واستأذن الرجل بعد أن تحدث مع ابني ولاطف زوجته الشابة ثم انصرف .. وبرغم اقتناعي بكل هذه الأفكار والمنطلقات لم أرغب مطلقا في الزواج .. هذا من سابع المستحيلات .. أنا ممزقة .. أحتاج إلى سنوات من الترميم .

ومضي يومان .. ولم أفكر مطلقا في الزواج وانصرفت إلى أمور أخري .

الشعراوي من الطائرة

دق جرس التليفون في البيت وكان المتحدث فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله .. سألني عن حالي .

وأخبرني أنه يحدثني من الطائرة حيث يتجه هو والحاج عبد العظيم لقمة رحمه الله إلي أمريكا وقال لى : يا حاجة كريمان إني أحدثك كي تقبلي الزواج من اللواء كمال عبد الرازق ..ده رجل له جهاد طويل .. صاحب مبدأ ... وثيق الصلة بالله .. نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدا.. والحاج عبد العظيم لقمة بجواري وهو يشجع هذه الزيجة .. خير البر عاجله ..

لم أعلق على الحدي .. غير إني كنت أنظر إلى السماء ابحث عن الطائرة .. لا أعرف لماذا لم أكن أتصور إمكانية التحدث من الطائرة .!!

كمال الحب

- اتصل بي الأستاذ عبد الحليم خفاجي

- طمنينا .. هيه.. ما رأيك في هذا العريس اللقطة؟

- سيدي الفاضل هو رجل فاضل ولا شك وقد أعجبني منطقه في الكلام .. وأسلوبه في الحديث .. وتمكنه من اللغة العربية .. إلا أني يا سيدي .. أنت لا تعرف عني أى شئ .. أنا سيدة مطلقة حديثا .. بعد معاناة استمرت سبعا وعشرين عاما .. لم أنجح فيها في تغيير الأمر الواقع .. أنا مصدومة ... معذبة .. ولولا إيماني بالله لسقطت ميتة من شدة الحسرة .. لقد اضطرت إضطررا إلى اللجوء إلى المحكمة للحصول على الطلاق .. وهذا أمر مذاقه علقم .. تعذبت ... تعذبت كثيرا فلست أنا التي تدخل زوجها وأبا أولادها المحكمة .. قلبي وجعني .. نعم لقد حصلت على الطلاق الذي طالما تمنيته .. ولكني مكلومة .. مجروحة .. أكاد أقع من شدة الهول .

- لن ينفعك في هذه الحالة إلا الزواج .. والزواج من كمال الحب ... هو الذي سيعوضك الله به..

- سيدي ارحمني .. ارحمني أرجوك ،.... لا أحب أن أرفض رجلا تقدم إلي .. ولكني غير قدرة على الارتباط بزوج آخر .. لا ولن أستطيع إسعاده .. أو حتي القيام بأبسط الواجبات .. أنا مريضة .. مضطربة .. مهزومة ..

- سنقرأ لك يا سين ..والله يقويك ويعوضك خيرا إن شاء الله .

من كبر مجرمي الإخوان

-لست على إستعداد أن أحكي للجميع حالي .. وأشكو قضاء الله للناس .. لذا قررت ألا أتكلم .. فأحد من الخلق لا يمكن أن يشعر بوجيعتي .. ولا مصيبتي .

وبينما أنا أشكو حزني إلى الله دق جرس التليفون وكان المتحدث إنسانا عزيزا أثق فيه قال :

- يا حاجة كريمان بلغنا أنك ستتزوجين اللواء كمال عبد الرازق ( معالي الدكتور فلان) يحذرك من هذه الخطوة ويبلغك أن كمال عبد الرازق هذا من كبار مجرمي الإخوان أمضي في سجون عبد الناصر كثر من عشرين عاما.. يعني مسحوا به سجون مصر !!

- استفزني هذا التعبير وقلت له على الفور..

- هو من كبار مجرمي الإخوان لذلك اعتقلوه أكثر من عشرين عاما !! فمن المجرم إذن ؟ قل لى بالله عليك : الذي اعتقل هذا الشاب وهو في ريعان شبابه لمدة عشرين عاما ولم يخش الله هو المجرم ؟ أم هذا هو الضحية ؟! والله لو كنت أنوي الزواج لتزوجت رجلا سجن أكثر من عشرين عاما لا لشئ إلا لأنه يريد الحكم بما أنزل الله وخفف الصديق نبرة صوته .. وشعر بشدة توتي .. ثم قال منسحبا :

- ما على إلا البلاغ .. وأنا وصلت الرسالة فقط . ولكني أخشي إن تزوجت هذا الرجل .. وهو من الإخوان المسلمين أن تفصلي من عملك في التلفزيون أو على الأقل لا يسمح لك بالظهور على الشاشة .

- سيدي إن الأرزاق بيد الخلاق وطالما نصرت الله في عملي فحتما سيثبت أقدامي .. ثم إن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال : ( النكاح رق فلينظر أحدكم أين يصنع كريمته ) وإن قدر لى الزواج مرة أخري فسأختار من يستحق أن أجثوا على ركبتي وأغسل أقدمه التي طالما غبرها في سبيل الله .

- أنت حرة .. أنت حرة

في صالون أبي .. التحدث بالهمس المقهور

لا أعرف لماذا غلت الدماء في عروقي ووجدت صدري يعلو ويهبط من شدة الغيظ .. فكلمه ( من كبار مجرمي الإخوان ) جعلتني استرجع أحداثا في طفولتي .. حيث كانت تدور أحاديث كثيرة في صالون أبي رحمه لله كلما أجتمع عنده بعض زملائه مثل الدكتورة سهير القلماوي وزوجها شوقي ضيف والدكتورة بنت الشاطئ وزوجها الدكتور أمين الخولي .. والدكتور طه حسين وزوجته الفرنسية .. والدكتورة لطيفة الزيات وزوجها رشاد رشدي وغيرهم .. وغيرهم كانوا يتحدثون عن جماعة الإخوان المسلمين وكيف كانوا يرغبون في تطبيق القرآن الكريم لأنهم يؤمنون بأن شرع الله يسمو بالمجتمع وينهي الفساد .. ويعم العدل .. لم أكن أعي كلماتهم تماما حي كانت هذه الأحاديث تدور وأنا في سن صغيرة ما بين الحادية عشرة والثالثة عشرة من العمر كنت أري الجميع يتنهدون . ويتألمون .. ويتحدثون بصوت خفيض عن دور الإخوان المسلمين في حرب فلسطين والبطولات الفريدة التي كانوا يقدمونها ثم كيف غدرت بهم حكومة النقراشي باشا الذي كان يوالي لانجليز .. ثم عندما أحتاج عبد الناصر لهم للمساعدة في قيام الثورة تعاونوا معه ثم غدر بهم بعد ذلك .. وأشياء من هذا القبيل كنت أفهم بعضها لكثرة تكرار الكلمات والمعاني ويصعب على فهم البعض لآخر .. وكان يقطن أمام منزلنا في مصر الجديدة ( فيفي هانم الخادم)

زوجة ( صالح أبو رقيق) من كبار مجرمي الإخوان ! وكنت ألعب مع بناته خديجة وعائشة .. وأسمع أمي تتحدث عن القبض على أبيهم وإلقائه في السجن لأنه ... يريد الإسلام !! وكان يقطن خلفنا في شارع ( قنا ) الأستاذ ( مأمون الهضيبي ) وهو أيضا ( من كبار مجرمي الإخوان ) وكان بيني وبين ابنته إشارات وكلمات ..

وكنت أري أمي تبكي متأثرة لأن الهضيبي اعتقلوه..وكنت لا أفهم كلمة اعتقلوه وأسأل أمي فتقول لى بأسي :

- سجنوه ... أصله عايز الحكم بالقرآن وعايز يطبق الإسلام !!

- ولماذا يريد الحكم بالقرآن يا أمي؟

- عشان الناس تدخل الجنة لما تسمع كلام ربنا

وكنت أسمع بعض أساتذة الجامعة وكبار الصحفيين وهم يتناقلون أخبار المجاهدة ( زينب الغزالي ) .. وألوان العذاب التي تصب عليها وكان أبي يعلق دائما قائلا :( عملاقة زينب الغزالي هذه عملاقة ) وكنت لا أفهم كلمة عملاقة فيشرح لى أحد الضيوف .. هذه سيدة قوية الإيمان .. ربنا معاها .. ينصرها إن شاء الله .

وكنت سمع بعض الضيوف يردد أن كل عضو في هذه الجماعة يلقي القبض عليه هو وزوجته وأقاربه ومعارفه وخدمه وجيرانه!!

الكل كان يتحدث بالهمس المقهور .. وأنا أجلس وسطهم لا يشعرون أن هذا الكلام يعذبني وأني عندما أوي إلى فراشي استرجع شريط هذه الكلمات والعبارات والإشارات .. حتى يغالبني النوم ..

لم يكن والدي من الإخوان المسلمين .. ولم يكن لى أقارب ينتمون إلى هذه الجماعة.. وبالطبع فلست منهم إلا أني أعتصر اعتصار لهذه الأحداث المؤلمة .. وأعيش مأساة أطفال أمامي وأطفال من خلفي قد عمهم الغم والآسي وفقدوا الأمن والأمان حين اعتقلوا آباءهم .

الرؤيا

انهالت على المكالمات التليفونية ترشح اللواء كمال عبد الرازق للزواج مني . أحاول ن أصلي صلاة الاستخارة ولكني كلما هممت لأصلي خارت قواي وسقطت على الأرض واستسلمت لنوم عجيب أشبه بالموت

اتصل بي اللواء كمال عبد الرازق

- السلام عليكن ورحمة الله وبركاته

- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

- كيف حال الأستاذة؟

- الحمد لله .. ولله تعبانة .. تعبانة شوية و شويتين ..

- أصل حضرتك لا تعرف عني شيئا أنا غير الصورة التي تراها في التلفزيون .. أنا عكس الصورة تماما .. أنا واقعة على الأرض .لو تعرف حالي لأشفقت على أصل أنا كنت ..

- لا أريد أن أعرف شيئا عن ماضيك ولا عذاباتك .. نريد ن نبدأ من جديد .. والأمر متروك لك .. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..

- وفي المساء بعد أن صليت العشاء حاولت صلاة ركعتي الاستخارة ووقفت على سجادة الصلاة ونويت الصلاة .

- صليت الركعة الأولي ثم غلبني النوم بشدة فنمت علي سجادة الصلاة فرأيت فيما يري النائم كأني ساقطة على الأرض أبكي ثم ظهر أمامي سرير بسيط ولكنه شديد الطهر والنظافة لم ينم عليه أحد من قبل وسمعت صوتا يسر إلى قائلا :

اصعدي على هذا الفراش وسوف تستريحين وأفقت من غفوتي .. وحاولت الذهاب إلى دورة المياه لأجدد وضوئي ثم أعاود المحاولة .. ولكني شعرت بالإعياء فتيممت لشدة إجهادي.

وحاولت الوقوف مرة أخري لصلاة الاستخارة ..وصليت الركعة ثم سجدت فإذ بالنوم يغالبني ..ورأيت الرؤيا مرة أخري السرير نفسه وعليه ملاءة بيضاء جديدة ومخدة نظيفة طاهرة نقية وتكرر نفس الصوت بنفس العبارات .. استيقظت من غفوتي ودلفت إلى الحمام وجددت وضوئي ونجحت في هذه المرة من صلاة ركعتين بالتمام والكمال ثم سقطت نائمة فإذا بالرؤيا تتكرر للمرة الثالثة بوضوح كامل حتى أني عندما أفقت لكأن السرير البسيط لا زال منصوبا أمام سجدة الصلاة ..

فهمت معني الرؤيا بالطبع .. لأن الفراش هو الزوج ولا شك أن طهارة الفراش تدل على طهارة هذا الرجل .. ثم انتقلت إلى فراشي على الأرض وذهبت في نوم عميق واستيقظت على رؤيا جميلة حيث امتلأ مطبخي بكميات كبيرة من النعناع الأخضر والملوخية الخضراء ..

الشيخ أحمد فرحات .. والمعجزة

قررت استشارة الصالحين بعد أن استخرت رب العالمين إذعانا للحديث الشريف الذي قاله سيد الخلق صلي الله عليه وسلم ( لا خاب من استخار ولا ندم من استشار ) رواه الطبراني.

توجهت إلى منطقة سيدنا الحسين حيث يقطن الشيخ أحمد فرحات أحد كبار أئمة مسجد سيدنا الحسين رضوان الله عليه والمشهور بدروسه الدينية للسيدات وخطبه المفعمة بالإيمان ودعائه المتميز في قنوت الفجر الذي لا ينسي قط الدعاء للمظلومين والمضطهدين والمكروبين والمرضي والمديونين والمجاهدين في سبيل الله في كل مكان والطلبة والأبناء ... الخ.

جلست مع الشيخ فرحات حيث مشاعر السكينة والحب في الله تغمر المكان والزمان ورويت له حالي وأحوالي ورغبة الشيخ متولي الشعراوي ..والحاج عبد العظيم لقمة ومجموعة الإخوان في السعودية .. والكويت .. وألمانيا بالزواج من رجل يرشحونه لى اسمه اللواء كمال عبد الرازق .. ثم قصصت عليه رؤياى فبشرني بالخير .. ثم طلب مني أمرا غريبا عجيبا .. لا يخضع للعقل المجرد ...ولا للقياس العلمي ولكني نفذته فورا وبحذافيره قل لي بهدوء :

يا حجة كريمان اذهبي إلى مسجد سيدنا الحسين ولا تدخلي المسجد لأنه يجدد فنيا ومعماريا .. ولكنك ستواجهين قبل مدخل السيدات بدكان يجلس فيه لحام يتطاير الشرر من حوله لا تكلمي اللحام .. ولكن انظري فوق رأسه ستجدين حفرة صغيرة مثل ( الخرم) انظري إلى هذا الثقب وابدئي في قراءة الصمدية واستمري في القراءة إلى ما شاء الله .. فإن خرج من الثقب رائحة البخور فتزوجي الرجل على بركة الله .. وإن لم تظهر الرائحة وتفوح فإياك أن تتزوجيه .. سلمت عليه وقبلت يده وانصرفت وخلفي ابنه البكر ياسر فرحات وأسرعنا سويا إلى مسجد سيدنا الحسين وظننت أني سأمكث طويلا أبحث عن ثقب في الحائط بل لعلي أبيت الليل أمامه أقرأ الصمدية .. ولكن بمجرد وصولي إلى الدكان الموجود في حائط المسجد بجوار باب النساء وقع بصري على اللحام الذي لم ينتبه لحضورنا وانغمس في عمله ثم رأيت الثقب وتوجهت ببصري إليه ونويت القراءة إلى ما شاء الله .. وما إن قرأت الصمدية ثلاث مرات حتى خرج ريح شديد معطر بالبخور والمسك كاد لشدته أن يدفعني إلى الوراء التفت إلى الابن ياسر وقلت له :

- هل تشم الرائحة ؟

- لا... لا شم شيئا

- عدت مسرعة إلى الشيخ فرحات كي أخبره بما حدث وكلي عجب واندهاش .. وإن كنت لا أفهم لهذه الظاهرة تعليلا عقليا أو منطقيا أو حتى دينيا حتى كتابة هذه السطور ... ولله في خلقه شئون .

- أريد الزواج في الكعبة

في اليوم التالي اتصل بي اللواء كمال عبد الرازق

- السلام عليكن ورحمة الله وبركاته

- وعليكم السلام والرحمة والبركات .. ثم قلت له على الفور

- سيدي الفاضل لا مانع عندي من الزواج بكم فلقد استخرت الله واستشرت الصالحين .. وكفي

- إذن أحضر إليك اليوم ليتعرف بعضنا على بعد أكثر وأكثر حتى تطمئني ..

- سيدي أني مطمئنة .. ولكني مريضة .. ومتعبة ولا طاقة لى بالتعرف أرجو ن تسرع في مدي عشرة أيام من حجز تذاكر لنسافر معا إلى السعودية ومع خالي المهندس بهاء الدين شاكر شكري وذلك لرغبتي في عقد القرآن في الكعبة المشرفة لعلي أهدئ وأستريح . واشفي .

- عظيم ... عظيم .. هذه نفس رغبتي . ولكنا لم نتعرف علي بعض كما ينبغي .. كما أني أريد أن أعرف طلباتك كعروس ..

- قلت له بأسلوب قاطع ..كمال بك لى شرط واحد .. لا تدفع لى مهرا ولا شبكة .. ولا أية هدايا ..لا شئ البته .. فإن استرحت في عشرتك فافعل ما لا يجهدك من هذه الأمور التي لا تهمني في كثير أو قليل ولكن إن تعبت معك فسأطلب الطلاق فطلقني فورا دون عنت أو لجوء إلى الحاكم .. هذا هو شرطي الوحيد..

- يا أستاذة .. إن من حقك شرعا أن تتقاضي مهرا يليق بمكانتك المعروفة وعلى واجب شرعي نحوك هو المهر ومؤخر الصداق .. نتفق عليه ولا نخالف شرع الله ..

- كمال بك أرجوك حقق ما أقوله هذا شرطي الوحيد

الشيخ سيد سابق

اتصلت بالشيخ سيد سابق في مكة المكرمة وأخبرته عن موعد قدومي إلى المملكة ورغبتي في ن يتولي بنفسه عقد قراني في الحرم المكي .. ورحب العالم الجليل – رحمه لله رحمة واسعة وراح يجهز كافة الإجراءات .

خالي المهندس بهاء شاكر شكري

اتصلت بخالي المهندس بهاء

- خالي أريدك معي في الكعبة المشرفة حيث سيعقد قراني على رجل يدعي اللواء كمال عبد الرازق .. وهو على فكرة من كبار الإخوان المسلمين .. شهد له أكثر من شخص بالصلاح والتقوى .. - هل هو غني ؟

- لا يا خالي .. هو موظف يعمل مديرا للأمن في شركة المقاولون العرب

- ولماذا لا تأخذي رجلا غنيا يسعدك؟

- يا خالي السعادة ليست بالغني .. والمهم شخصية الإنسان الذي ساعاشره .. ثم رحت أحدثه عما قاله لى البعض

- وفي نهاية الحديث قال لي :

- يعني رجل فقير !! وكبير في السن !! وكمان من الإخوان المسلمين !! يعني الدولة تتربص به بالليل والنهار .. ولا حاجة لنا به ..

- يا خالي أنا عملت استخارة وجاءت كفلق الصبح ..

- صبح .... صبح إيه ؟ ده أنت زي البدر وتجوزي باشا من الباشوات .. هو أنت موش شاعرة بقيمة نفسك ولا إيه ؟

- خالي .. الشيخ الشعراوي كلمني في التليفون من الطائرة وقال لى تزوجيه على بركة الله ...

- آه .. طيب ما دام بقي الشيخ الشعراوي قال ليس لنا من الأمر شئ .ز لكل هل تعرفت عليه وعلى أصله وفصله ؟؟

- يا خالي قلت لك عملت استخارة وسألت الصالحين

- طيب ما دام فيها استخارة وسؤال الصالحين ورغبة الشيخ الشعراوي .. يبقي العوض على الله .. أنا تحت أمرك حددي موعد السفر وربنا يسترها علينا جميعا ..

تزوجت مجرما

كيف لم ألحظ حتى هذا الوقت أن الشاب الأسمر النحيل الذي كانت صوره ترافقني خلال قراءة كتاب (عندما غابت الشمس ) هو اللواء كمال عبد الرازق نفسه .. إذن فقد ساق الله إلى كافة المعلومات عنه من قبل أن ألقاه عرفت كيف أمضي أكثر من عشرين عاما في سجون عبد الناصر .. ومن هم رفقاؤه وأساتذته وما هي مبادئه .. ابتسمت وحمدت الله تعالي وأصبحت في غير حجة للمزيد من المعلومات ..

الخجل يعتصرني

أعرب لى اللواء كمال عبد الرازق عن رغبته في عمل حفل زفاف خصوصا وأنه لم يتزوج من قبل ولكم تمنت أسرته وأصدقاؤه أن يفرحوا به ولكني شعرت بمنتهي الخجل إذ كيف أجلس في ( كوشة ) أو أزف .. وأنا في الثانية والأربعين من عمري .. مطلقة ولي ولدان متزوجان وابنة متزوجة .. يا للخجل والكسوف رفضت رفضا قاطعا ..

ووافقت قبل سفري بيومين وتحت إلحاحه الشديد على حفل خطوبة في أضيق الحدود في بيت أختي جيلان حمزة وكاد الحفل أن ينقلب إلى فرح حضره الأحباب من العائلتين وراحت أختى جيلان وابنها محي الخادم يزينون البيت بالزهور ويعدون الوليمة كنت في شدة الخجل حيث احمر وجهي وأنا أشرب الشربات ويلبسني كمال بك قلادة وأسورة بعثوا بها له من البحرين .. ودبلة في إصبعي .. ودبلة في إصبعه .. ولم يشعر بحالتي ويقدر حرجي الشديد إلا ابنتي داليا لاحظت شدة احمرار وجهي واضطرابي .. فأخذت تهون علىّ وتربت على كتفي وتحتضنني ...

شهر العسل في الأراضي الحجازية

عقد قرني في الحرم الشريف على يد الشيخ سيد سابق فقيه الفقهاء وصاحب الكتاب الفريد ( فقه السنة) ومن عجيب الأمر أن صديقتي الحبيبة ( عفت البليدي) حضرت من مصر خصيصا لحضور عقد القران رحمها الله رحمة واسعة كما حضر مجموعة من الصالحين أذكر منهم لأستاذ محمد الصاغ صاحب كتاب ( حقيقة التنظيم ودوره في دعوة لإخوان المسلمين ) كما حضر من مصر الدكتور سيد الجيار زوج أخت كمال بك ومعه ابنته حنان )

أقمت في المملكة شهرا كاملا .. عشرون يوما في مكة المكرمة في مبني المقاولون العرب وعشرة أيام في المدينة المنورة في المبني الخاص بشركة المقولون العرب أيضا .. حيث كنا وحدنا لا يوجد في المبنيين حجاج ولا معتمرين فلم نكن في موسم الحج والعمرة .. وقد أكرم القائمون على المبنيين وفادتنا كرما شديدا .

وهناك بدأت تعرف على هذا الزوج وأراقبه .. كنت له هيبة في نفسي .. ربما لكبر سنه .. أو لتاريخه الحافل بالجهاد ... أو لتصرفاته وأفعاله وأقواله التي تدل على فطرة نقية وقلب كبير كان رحمه الله إذا نصب قامته لله في الصلاة شعرت كأن الله قد نصب له وجهه .. وإذا صليت خلفه تذوقت حلاوة الصلة بالله يقرأ القرآن قراءة سليمة خاشعة .. أمتع عيني برجولة فذة مع تواضع جميل .. وأدركت تماما أنه لم يمس امرأة قبلي وهذا تأويل رؤيا من قبل حيث كان الفراش طاهرا لم يصعد عليه أحد من قبل ( لم يسبق له الزواج)

سألتني الصديقة العزيزة الكاتبة الصحفية صافيناز كاظم في جلسة ودية نسائية

- هل يدللك كمال بك ؟

- نعم ... دائم

- وماذا يقول لك؟

- يقول لى ( يا شوق السنين )

- ابتسمت الصديقة وقالت لى فقط ؟!

- قلت لها يقول لى أحيانا

- ( قتل الورد نفسه على وجنتيك)

- وضحكنا معا .. لدماثة الكلمات ..

لا حياء في الدين

تعلمت من هذا الزوج بركة العفة .. وكيف أن الله يحفظ للإنسان جميع قواه البدنية والعقلية في الكبر إذا هو اتقي الله في الصغر .. كنت أقرأ عن العلاقة الزوجية في الإسلام وأتعجب أو لا أتصور .. ولكني رأيت هذا الملاك الذي تزوجته يتوضأ قبل الجماع .. ويكون حنونا مقبلا .. واعيا وحييا ومستترا في نفس الوقت كان يذكرني بما كان يفعله النبي ( صلي الله عليه وسلم ) حيث كان لا يري منها ( أى عائشة ) ولا تري منه وكن يسمي الله ويقول ( اللهم جنبني الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتني ) كنت أشعر كأن الشيطان لا يجرؤ ن يكون معنا بأى حال من الأحوال .. لم يكن رحمه الله فحاشا .. ولا فجرا .. ولا مخمور ... ولا مسطولا .. ثم كانت الصلاة هي بداية اللقاء ونهايته وكنت أراه يرفع يداه لرب العالمين شاكرا حامدا ولم يتغير حاله حتى لقي ربه

لماذا أذكر هذا ؟

الذي جعلني أذكر هذه الأحداث الخاصة أسفي على حال المسلمين اليوم حيث يزفون أبناءهم وسط صخب الراقصات العاريات ثم يهدون العريس إما زجاجة خمر أو قطعة حشيش حتى تكون الليلة ليلة العمر !!

أى أنهم يغضبون الله ويبارزونه بالمعاصي منذ اللحظات الأولي في حياة يتمنون فيها على الله أن تكون سعيدة مباركة وهم لا يدرون أن الله قد رفع يده عنها وتركهما للشيطان وحزبه .. كما أن هذا اللقاء بين العروسين لا ولن يحقق أى لذة و بركة ولن يتمه الله ولن يثمر ثمرا طيبا مباركا .. اللهم إلا الوهم والتوهم .

رحت أراقب هذا الزوج الذي وصفوه بأنه من كبار مجرمي الإخوان وكلي إجلال .. يرسب في نفسي كل يوم مزيد من التقدير والإعجاب .. وسأذكر بعض مواقف وأترك للقارئ الكريم أن يقوم هذا اللون من الرجال .

لم يحدثني عن أيام السجون

عجيب أمر كمال بك هذا !! كنت ملهوفة على معرفة ما هي جماعة الإخوان المسلمين التي تتربص بها المخابرات الأمريكية والإسرائيلية ... والمخابرات المصرية !!

كلي شوق لمعرفة حقيقة هذا الخوف والتوجس والقلق والكراهية الدفينة والمتوارثة أكثر من خمسين عاما .. لقد ظل الإخوان المسلمون مطاردين يتعرضون لأقسي ألوان التعذيب التي فاقت ما فعله نيرون في مسيحي روما وما فعله الطغاة في أصحاب الأخدود الذين آمنوا بعيسي عليه السلام فألقوهم في النار .. ولكننا لم نسمع في التاريخ أن عداء وتربصا قد امتد أكثر من أربعة عهود من عصر ( الملك فاروق ) فمنذ أيام الشهيد حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين الذي أعرف عنه على حد معلوماتي الضئيلة أنه كان مدرسا للغة العربية مفوها وقديرا ومتمكن من فهو مقاصد الشريعة وأحكام الفقه وقراءة القرآن والسنة وملما بالتاريخ الإسلامي واعيا بالأحداث العالمية والسياسية والاقتصادية .. لذا ترك في نفسي كل من أستمع إليه آثارا لم تمحها سجون عبد الناصر ولا زبانية السلطة الذين لم يتورعوا عن قتل الذين يأمرون بالقسط منهم .. فلقد اغتالوا حسن البنا مرشد الإخوان.. وأعدموا ( سيد قطب ) وهو من كبار علماء مصر الذي كان يجب الحفاظ عليه للفتوحات الربانية التي كان رب العالمين يفتحها عليه .. وأعدموا عبد القادر عودة مؤلف التشريع الجنائي الإسلامي وأعدموا الشهيد محمد فرغلي الذي أبلي بلاء حسنا في حرب فلسطين .. و...و... الخ

رغم أن الله تعالي يقول ( إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا ولآخرة ومالهم من ناصرين ) آل عمران 21 -22

وفي عهد فرعون عندما قال . ( ذروني أقتل موسي ) ( وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا ن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبيانات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب ) غافر 28.

ألم يكن في هذا الوقت ... أو في هذه الأيام التي نعيشها رجل واحد مثل هذا الرجل المؤمن ؟ يقول لهم لا تسرفوا في سوء الظن .. والشك... والتربص .. والتعذيب .. والتنكيل ... والقتل .. لأن الله تعالي يقول :

( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب لله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيم ) النساء 39

كلي لهفة وشوق لمعرفة هذه القصص التي يتناقلها الناس خلسة وهمسا .. وكأنهم يسرقون ولكن كمال بك لم يحدثني قط عنهم .. ولم يحك لى شيئا عن حياته داخل معتقلات عبد الناصر .. ولا عن أساتذته .. ولا عن زملائه .. كان كلما سألته وألححت عليه سرح بعيد وقال بصوت مبلوع :

- احتسب كل هذا عند الله ... الحكم العدل

- ولكني أريد أن أعرف من شاهد عيان .. ومن مصدر موثوق

- لا تشغلي نفسك بهذه الأمور التي أودعناها عند الله الذي لا تضيع عنده الودائع... انشغلي بإعداد حلقاتك إعدادا جيدا وكفي .. ثم يترك المكان وينصرف !!

- لكم حاولت .. ولكم رجاني أن أجتهد فيما كلفني به رب العالمين .. حتى قرأت في أحد الأيام خبرا في الصفحة الأولي ( القبض على مجموعة من الإخوان المسلمين بتهمة الاجتماع سرا )

- فاندفعت إله أحفزه وأثيره .. حتى يحكي لى شيئا ولكنه قال لى بالحرف الواحد:

- أنت موظفة في الحكومة .. وعليك أن تكوني موظفة مثالية .. لا دخل لك بالقضايا الشائكة التي لن تجر عليك إلا المتاعب . ركزي في مهمة الدعوة إلى الله من خلال ما أتاحه الله لك وكفي .

- قلت ثائرة

- كمال بك ... أنت لا تثق في .. مثلك مثل بقية الإخوان المسلمين فلطالما شعرت بتوجسهم وحذرهم من شخصي البسيط وعندما كنت أتحدث مع الزميل جابر رزق الصحفي بمجلة الإذاعة والتلفزيون وهو إخواني وهذا شئ معروف أري وجه وقد تغير .. ويكف عن الحديث .. وربما انسحب من المكان .. حتى الأستاذة زينب الغزالي كلما ذهبت إليها لأدير لها ندواتها في بيتها بمصر الجديد أشعر أنها في شدة الحذر مني .. أنا أعرف أن جميع الإخوان يخافون مني لأني محسوبة على الدولة .. الدولة التي تتربص هم وتحجمهم وتحاربهم لتنفرد فبالسلطة .. أنا أعرف كل شئ .. ثم إني لست في حاجة كي تقص على قصة حياتك.. فلقد قرت كتبا كثيرة .. كما أني اعرف كل صغيرة وكبيرة في مشوار حياتك .. يوما بيوم .. وسجنا بسجن فلقد قرأت كتاب ( عندما غابت الشمس) للأستاذ عبد الحليم خفاجي .. واعرف حياتك أكثر منك..

قام يربت علي كتفي كأني طفلة صغيرة... وأحضر كوبا من الماء البارد ورح ينثره على وجهي وهو يعتذر لى ويهمس اتركيها لله .. اتركيها لله .. وعندما هم بالانصراف أوقفته وقلت له محتدة . كمال بك يخاف المسئولون في التلفزيون مني خوفا دفينا !! لأني محسوبة على التيار الإسلامي في نظرهم .. ويخاف الإخوان المسلمون مني لأني محسوبة على الدولة موظفة وأظهر على الشاشة ولا يظهر على شاشة تلفزيون مصر إلا المحاسيب لقد ضقت ذرعا بكما .. أنا لست تابعة للحكومة ولا تابعة للإخوان .. أنا تابعة لله رب العالمين وكفي ..

ثم تركت أنا المكان .. لأبكي في مكان آخر لا يراني فيه أحد

أغنيتان فقط

في يوم من الأيام سمعت كمال بك يدندن مع أغنية عبد الوهاب يقول ( أخي جاوز الظالمون المدى فحق الجهاد وحق الفداء ) سعدت كثيرا لأنه يدندن مع الأغنية وعندما انتهت قال لي بمنتهي الوجد.

هل تعرفين كم كان أثر هذه الأغنية علينا ونحن في سجون مصر ؟؟ لقد كنا نعتبرها إرسال من الشعب المصري لنا ... ثم ابتسم وأضاف كنا كذلك نطرب لسماع أغنية لشفيق جلال تقول كلماتها ( يا عم يا بنا اعمل لنا مونة بالصبر معجونة) كنا نعتبرها رسالة مواساة من الإذاعة المصرية !!

هاتان لأغنيتان هما القصة الوحيدة التي حكي لى عنها كمال بك رحمه الله .

في الطريق العام

عجيب كمال بك هذا في كل تصرفاته .. فعندما نكون في الطريق العام يتفاعل ويتأثر مع جميع المواقف التي تواجهنا فأى إنسان يسير في الطريق غالبا ما يستوقف بصره .. عربة حديثة فارهة .. أو شابة هيفاء حسناء تتمايل كغصن البان أو شعر أصف ذهبي يتطاير في الهواء .. أو بنطلون ( سترتش) يبدي أكثر مما يخفي .. أو عمرة جديدة في ألوانها وتصميمها .. إلى آخر مظاهر الدنيا الفاقعة .. ولكن كمال بك رحمه الله كان لا يتوقف بصره إلا على عجوز يحاول عبور الطريق فيعينه .. و معوق يتحسس بوجل مواضع أقدامه وسط الزحام .،. فيساعده أو امرأة مجهدة ترتدي جلابية متهالكة وشبشب بلاستيك لا يخفي كعبين مشققين .. تحمل في يده الخشنة الممتلئة بالعروق البارزة كيسا من النايلون خاليا و ممتلئا .. أراه فجأة يضغط على فرامل السيارة بشدة .. ويقترب من هذه المرأة المسكينة ويدس في يدها مبلغا من المال ثم ينطلق بسيارته ..

أقول له : كيف تكتشف هؤلاء الناس وسط قتال العربات ؟!

فيقول لى أبحث عنهم بقلبي وأحس بهم .. وأتمنى مساعدتهم ولا أطيق صبرا

ولقد وصل من شدة إيجابيته أنه كان إذا توقف المرور وتعطلت الحركة .. نزل برشاقة وخفة وراح ينظم المرور وسط الشارع مع عسكري المرور ويبذل جهدا كبيرا حتى يعود الطريق إلى سريانه !! كنت أخاف عليه وأبادره بسؤال :

هل أنت ضابط مرور .. لماذا لا تترك الأمر للعسكري المسئول وتكتفي بوضع يدك على كلاكس السيارة كما يفعل الآخرون ؟

- هذا عسكري غلبان .. والحمل فوق طاقته .. وهو يا أستاذة لم يتناول وجبة غذائية كاملة العناصر ولا نوعا من الأقراص المقويات والفيتامينات المستوردة .. ثم نضحك سويا لأنه يقصدني بهذه العبارات .

وفي احدي المرات كان يوصلني إلى التليفزيون وكان الزحام شديدا في ماسبيروا .. وفجأة ظهر شاب في الثامنة عشر يقود دراجة وعلى رأسه لوح خشبي يعلوه عدد كبير من أرغفة الخبز الشامي وكان يحاول المرور بين السيارات فمالت الدراجة ناحية العربة التي كانت أمامنا واصطدم بها وسقطت أرغفة الخبز على الأرض ... فإذا بسائق السيارة ينزل منها ويمسك بتلابيب الفتي الغلبان ويكيل له الشتائم .. ووقف المرور كله يشاهد هذا المشهد ولا يتحرك أحد .. فإذا بكمال بك ينزل من السيارة ويجمع أرغفة العيش المنثورة في الطريق بين العربات وينفضها ليسقط عنها غبار الطريق ثم يضعها على اللوح ويضع اللوح على رأس الصبي المذهول مما أصابه من خسائر لا يعلم مداها إلا الله ! ثم أخرج كمال بك من جيبه ورقة بعشرة جنيهات .. ووضعها أمام وجه الصبي ليراها فيهدأ ثم وضعها في جيبه وقال له :

انصرف ي بني .. وانتبه بعد ذلك لنفسك والطريق .. ثم نظر إلى صاحب العربية وقال له مبتسما :

- أخوك لواء شرطة كمال عبد الرازق .. ثم صمت برهة وقال له :

- ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء .. ثم انصرف وركب سيارته وبدأ الطريق يتحرك ..

- أى إيجابية حميدة ... وأى إحساس بالمسئولية ..وأى إسلام هذا .. وأى جرم يرتكبونه حين يصفونه بكبير مجرمي الإخوان ؟!!

أموال شركة عثمان أحمد عثمان

بعد أن تزوجت كمال بك بعد شهور خرج إلى المعاش وفارق شركة المقاولين العرب .. أى أن العلاقة الوظيفية قد انتهت .

وكان رحمه الله من هواة حضور حفلات الموسيقي العربية بالهرم .. نذهب سويا ونستمع إلى الحفل من أوله إلى أخره ..

وكان كمال بك يصافح بمنتهي المودة جميع العاملين في المسرح ؟

فهم يعرفونه جيدا لأنه زبون دائم يجلس في الصف الأول ومعه مسجل حيث يقوم بتسجيل الحفل كله لنستمع إلى هذا الشريط في طريق العودة من الهرم إلى مصر ..

وفي احدي الليالي لاحظ كمال بك عند خروجه من المسرح مشروع مبني جديد تقوم به شركة المقاولون العرب وكانت الأسياخ الحديدية وأكوام الرمل والزلط تتناثر حول هذا المبني فإذا بكمال بك يتجه إلى المبني وينادي على الغفير ويصافحه ويأخذ في توجيه كافة الأوامر للحفاظ على المؤن وإخفائها داخل المبني .. وتأمين حاجيات الشركة .. سألته مندهشة .

- ألم تترك المقاولين العرب ؟ مالك أنت وتأمين المبني والاهتمام بهذه الأشياء ؟

- هذا مال الشركة .. يعني مال الدولة .. يجب الحفاظ عليه .. ولقد كنت في يوم ما مسئولا عن تأمين هذه الشركة .

- ولكن تغير الحال وانتهي الأمر

- لا لم ينته .. هذه شركتي وأنا أحبها

- هذا هو الولاء والانتماء الذي نعجز أن نزرعه في أبنائنا الآن فآي مجرم هذا يا سادة ؟!

الرحمة والرفق يتعانقان

كان بجوار بيتنا في شارع الحجاز بمصر الجديدة محطة بنزين يقوم عليها مجموعة من الشباب ليلا ونهارا .. في أيام الشتاء القارس يستيقظ كمال بك قبل الفجر ويعد صينية كبيرة عليها براد شاي وآخر للحليب وبيض مسلوق وفول مدمس وجبنة وحلاوة طحينية .. يعد كل هذا بنفسه حتى لا يوقظ الخادمة ( نعمة) ثم يقوم بتسخين الخبز ويحمل الصينية ويتجه بها إلى محطة البنزين ويقدمها للعاملين بها .. وعندما يري الدهشة في عيناي يقول ببساطة

أصل البرد قارس .. والأولاد سهرانين .. ثم يتجه إلى المسجد ليصلي الفجر .. وأحيانا يجتمع بالمصلين ويقرءوا بعض آيات القرآن الكريم .. ثم يعود بخطي عسكرية سريعة إلى المنزل بهدف التريض ... عندما يحضر إلى يقول لي :

تأخرت عليك .. قرآنا جزءا من القرآن الكريم .. ثم يهز رأسه ويتمتم ... أحاول ألا أجعل هذه الدروس يومية .. حتى لا تنزعج السلطات ربنا يهدي .. ثم يدخل حجرته ليقرأ جريدة الصباح .

أما عن خادمته الصغيرة ( نعمة ) فلقد كانت هزيلة ضعيفة البنية فاقدة للرغبة في الطعام .

فكان رحمه الله يعد لها الإفطار ويوقظها برفق كى تذهب إلى عملها كممرضة في مستشفي المقاولون العرب .. كنت أسأله مندهشة :

- أراك شديد العناية بهذه الصغيرة .. وهي ضعيفة جدا فلماذا وظفتها في مستشفي المقاولون ؟

- أنا لن أعيش لها طول عمرها .. وهي ضعيفة وغلبانة وليس لها مصدر رزق .. ولن تستطيع الخدمة بعد وفاتي في بيت آخر .. فأنا أحسن معاملتها وأقدر حالتها الصحية والنفسية والعمل في المستشفي يضمن لها مأوي إن أرادت كما يضمن لها معاشا إن أطال الله في عمرها .. كما أن ذهابها إلى المستشفي قد يجلب لها عريسا مناسبا .. وبالفعل خطبها مكوجي يعمل بمستشفي المقاولون العرب وراح كمال بك يجهزها جهازا كاملا ( ثلاجة وغسالة وبوتوجاز .. الخ) .

ثم احتفل بزفافها وزين لها عربته المرسيدس بالورود وسجل بالفيديو الزفة .. ولقد كانت هذه الصغيرة لا تعرف التعبير عن مشاعرها إلا بالدموع ..

- وأذكر أنها كلما مرضت أحضر لها الطبيب والدواء وجهز لها الطعام بنفسه حتى لا يكلفني بهذا الجهد .. كنت تنام في حجرة مريحة وسرير مريح ودولاب خاص .. كان رحمه الله يفضلها علي نفسه .. وكم كانت دهشتني حين يحضر والدها من الريف للحصول على راتبها وبعض الأدوية .. وكان رجلا هزيلا قد أنهكته البلهارسيا وكان على عينيه سحابتان ثقيلتان لا أعرف كيف كان يتمكن من رؤية الطريق.. كان كمال بك يهش ويبش ويحسن استقباله بطريقة مذهلة ويأخذ بيده ويجلسه على الكرسي ثم يأمر بإعداد أفخر الطعام ثم يسلمه راتب نعمة ومعه كما يقول بعض مما أفاض الله به علينا من النعم .. كان يستمع إلى شكواه ويحاول حل مشاكله كان يفعل مثل هذا مع البواب وعائلته ومع جميع من قاموا بخدمة والدته المرحومة زينب .

- ما هذا يا سادة ؟ ما هذا الفهم الصحيح للإسلام ؟ إن الإسلام ليس أقوالا ولكنه أفعال .. وقلت في نفسي يا له من مجرم!

كمال بك والأهل والخلان

كان كمال بك رحمه لله واسع العلاقات كثير المعارف محبا لأهله القاصي منهم والداني .. يتودد إليهم ويجاملهم ويحص على زيارة البعيد قبل القريب عندما خرج من السجن اشترك في تربية أولاد أخته لأن أباهم كان يعمل طبيبا جراحا في السعودية .

كان كمال بك شديد الارتباط بهم شديد الحنو عليهم فلما ماتت أم الأولاد المرحومة سميرة تبني هو تربية الأبناء وأصبح وأمسي ملهوفا عليهم ملتصقا بهم.. حتى إنه كان يقوم بتصويرهم فوتوغرافيا في كل ساعة وحين بسبب ودون سبب والحقيقة أن عائلة كمال بك كانت متدينة ملتزمة متحابة ومنضبطة وعندما عاد والدهم من السعودية تعاونا معا ليخرجوا جيلا متفوقا متميزا بحق ... بسم الله ما شاء الله لا قوة إلا بالله ..

وكان لكمال بك أخ هو لواء جيش عادل عبد الرازق .. وعندما كان يعذب كمال بك في سجون عبد الناصر كان البكباشي عادل عبد الرازق يعمل في الحرس الخاص لعبد الناصر .. يالسخرية الأيام ! أى حرج للأخوين .. وأى ضغوط نفسية عليهما تحتاج إلى تجرع المر والصبر ألوانا.. وأى جهد جهيد بذله الاثنان ليرتفعا فوق المتناقضات وتستمر مشاعرهما سليمة صافية لا يشوبها جروح ولا حروق .. وبينما كان البكباشي عادل عبد الرازق في حراسة عبد الناصر تم القبض على والدته أكثر من ستين عاما وأدخلوها على ابنها كمال عبد الرازق في الزنزانة .. حتى يعبثوا بأعصابه وكرامته ويقهروا شخصه الصبور !! يا حسرة على العباد!! يقول تعالي :( فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا ولا هم ينصرون . إن للذين ظلموا عذابا دون ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون ) الطور 45 -47

ويقول تعالي لأمثال هؤلاء المقهورين من أصحاب الرأي والمبادئ ( واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم . ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم ) الطور 48 -49

أصدقاء كمال بك

أما أصدقاء كمال بك فالغالبية العظمي منهم من الإخوان المسلمين سجنوا وعذبوا وظلموا ثم عندما خرجوا فتح الله عليهم قراب الأرض خيرا عن جدارة واستحقاق جميعهم بدون ذكر لأسماء كانوا مثالا للاستقامة التي هي خير كرمة ودماثة الخلق .. والوعي الديني المستنير لا تشدد ولا تسيب ولكنهم جميعا يدركون ميزة وسطية الإسلام جميعهم يتصفون بهدوء النفس .. والعفة .. والتواضع جميعهم أصحاب أعمال ومشاريع ناجحة أضافت لمصر علامات متميزة من الحضارة نمت المجتمع وساهمت في القضاء على البطالة .

لا أريد أن أذكر أسماء معينة حتى لا أغمط حق البعض ولكن أجدني مدفوعة لذكر بعضهم بدافع إعطاء القدوة وبدافع المحبة الخالصة في الله تعالي .

د. سيد الجيار

ضابط بالجيش المصري يعمل طبيبا جراحا .. برغم إصابته في ركبته وعدم قدرته على السير معتدلا إلا أنه كان شديد الحرص على تأدية الصلوات الخمس في المسجد .. كريم كالنهر سمح هادئ ذواق للأدب والشعر .. يفيض حنانا ومرحمة على أبنائه وأحفاده وأقاربه ..وناسه .. راقي العبرة واللفظ .. كيس فطن .. حساس عندما تلقينا دعوة للمشاركة في مؤتمر السيرة الذي يعقد كل عام في لوس أنجلوس بالولايات المتحدة الأمريكية ..

جاءنا على استحياء .. وقدم لنا بعض المال .. وقال والصدق في عينيه رحمه الله أعطوني شرف أن أشارك في تجهيز غاز! فأنتما ذاهبان إلى أمريكا للدعوة الإسلامية .. فإن قبلتم هذا المبلغ فكأني قد جهزت غازيا فلقد قال رسولنا الكريم من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا ومن خلف غازيا في أهله بخير فقد غزا متفق عليه وقبلنا المبلغ .. وكلي عجب من هذا المستوي الأخلاقي الرفيع!

الأستاذ حسن عبد المنعم

كنت كلما التقيت بالأستاذ حسن عبد المنعم.. الرجل الثاني في شركات الشريف .. أوقفتني هذه الشخصية النقية الشفافة التي ليس لها مثيل في هذا الزمان ... ورغم أني كنت أذهب إليه في خدمات خاصة وكان تركيزي الأول والأخير على إنجاز هذه الخدمات .. إلا أني كنت أصاب بالحيرة .. ما هذا الفيض من النور الإلهي الذي يغمر هذا الرجل ؟ ما هذه الهالة التي لا تعلو إلا رؤوس الأنبياء ! ما هذا القلب العامر بالسكينة.. ما هذا الحياء الذي يخجلني .. وفي احدي المرات بينما كنت خارجة من مكتبة استحي من شدة كرمه ..توجهت إلى المصعد وأنا في غاية العجب .. أكاد أحدث نفسي فإذا برجل في المصعد يحدث زميله قائلا ..

والله ..والله العظيم ي أخي لولا أني على يقين من أن سيدنا محمد هو خاتم الأنبياء والمرسلين لقلت أن الأستاذ حسن عبد المنعم نبي رسول التقطت هذه العبارات وانشرح صدري واشتركت معهم في الحديث .. وحمدت الله على أن الناس تشعر بما أشعر به..

نعم لقد انتهي عصر الأنبياء ببعثة ختم المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين .. لكن الصالحين من الأولياء في كل عصر وأوان .. وصدق الله العظيم إذ يقول ( ألا إن أولياء لله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون . الذين آمنوا وكانوا يتقون . لهم البشري في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم ) يونس 62 -64

الشاعر السعيد محمد البواب بالخانكة

هذه قصة أخر في الله من جماعة الإخوان المسلمين فقد عقله في سجون عبد الناصر وأودع في مصحة عقلية ليمضي فيها بقية عمره... كان كمال بك شديد الحرص على انتقاء مجموعة من المعلبات والمأكولات المحفوظة والمجففة يذهب بها أول كل شهر وبصحبته بعض الإخوان إلى مستشفي الأمراض العقلية المعروفة ( بالخانكة) لمقابلة هذا الأخ المريض وكان كمال بك يحرص على إعطائه مجموعة من الأقلام والكشاكيل .. وكان اللقاء بينهم حارا وكان الشاعر السعيد البواب يعطي كمال بك في كل مرة كراسة كتب فيها أشعارا قد يعجز العاقل عن كتابتها وبعد وفاة كمال بك أرسل لى كشكولا بعنوان ( وداعا كمال الحق ) راح يصف فيه بالشعر أخلاقيات ومواقف كمال بك وبعض الإخوان .. وطلب مني طباعته ..

سألت كمال بك يوما

لا شك ن ( الأخ سعيد البواب ) يسعد كثيرا بهذه الزيارات ولكن هل تكفيه هذه المعلبات والمأكولات على مدار الثلاثين يوما !

- قال لى ضاحكا

- الأخ سعيد البواب لا يأكل منها شيئا ولكنه يقوم بتوزيعها فورا على نزلاء المستشفي وهو في غاية السعادة

- قلت له مندهشة

- أتتحمل كل هذه المشقة شهريا ويوزعها الأخ سعيد على النزلاء !! ما الفائدة إذن ؟

- قال على الفور والدموع في عينيه .. يكفيني سعادة وامتنانا أنني أدخل السرور على قلبه !!

السنين الخضراء

عشت هذا الجو الإسلامي البديع ست سنوات ونصف مرت كأنها يوم واحد .. والذي لا شك فيه أن عشرة هؤلاء الأفاضل وهذه النوعية من البش داوت جراحي .. وأمدتني بالصحة النفسية والبدنية . وقوت إيماني بالله العلي العظيم .. بل إني أعترف أن هذا الجو النقي قد دفعني إلى إنتاج متواصل فطبعت أكثر من سبع كتب للأطفال كما تمكنت من إخراج أربع كتالوجات للأزياء المحتشمة الراقية .. وطبعت كتاب نيجار والغابة أربع طبعات ثم شرعت في كتابة موسوعة ( سيد الخلق ) من خمسة أجزاء والتي نالت بعد ذلك جائزة أجمل كتاب في العالم من مؤسسة لايبزج بألمانيا ..

وأقر بفضل اللواء كمال عبد الرزق لأنه راح يشجعني ويشتري لى الكتب والمراجع ويهئ لى الجو العام في المنزل حتى أدرس كل هذه المواد وأعد منها ما استطعت .. والحقيقة التي لا أنكرها أن تمكن كمال بك من ناحية اللغة الانجليزية قد ساعدني كثيرا حين كنا ندعي إلى مؤتمرات إسلامية خارج مصر إذ كان يقوم بالترجمة الفورية لمحاضراتي مما أدي إلى نجاح هذه الجهود..

كان رحمه الله مولعا بالحج والعمرة . فكنا نتردد على المملكة العربية السعودية كل ثلاثة أشهر يفر هو فرار اللهفان إلى الكعبة المشرفة ويعكف على العبادة عكوف أهل الورع .. وعندما يحين موعد العودة يظل يبكي وهو يودع المكان وينسحب من صحن الكعبة بظهره ينتزع نفسه انتزاعا كالرضيع الذي يأبي

أن يترك صدر أمه ... لكم سعدت مع هذا الرجل .

حشره الله هو وزملاءه وأهله في زمرة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا .

ما هي جريمة الإخوان المسلمين ؟؟

طالما ناقشت نفسي م هي جريمة الإخوان المسلمين ؟؟ حتى يقذف بهم في سجون مصر عشرات السنين ؟

هل الرغبة في تطبيق شرع الله والمشاركة في حكم البلاد يستحق ارتكاب كل هذه المظالم ؟؟ أم هي الرغبة في الاستحواذ والانفراد بالسلطة وظن البعض نهم وحدهم الجديرون بالتفرد في حكم البلاد والعباد ؟؟

ما هي الجريمة التي ارتكبوها حتى تورث السلطة العداء والمظالم عهدا بعد عهد وجيلا بعد جيل ؟؟ لماذا يفعلون كل هذا المكر السيئ ويتمادون في أساليب القهر والكبت ؟ والتربص والاستبعاد من المشاركة في الحياة العامة ؟

- ليس الإخوان المسلمون مواطنين مصريين ؟

- أليسوا على دين سماوي معترف به ؟

- ألم ينتصر الجيش المصري في حرب فلسطين في أكثر من موقع على أياديهم سنة 1948

إذن لماذا كل هذا الإصرار إن لأقباط في مصر يريدون أن يشاركوا في حكم البلاد وأري أن حقهم المشروع وجميع الاتجاهات والأحزاب اليمينية أو اليسارية ترغب في التمثيل السياسي والمشاركة في حكم البلاد.. وهذا في رأيي ..ورأي الإسلام حقهم المشروع فما بالنا نحارب الإخوان المسلمين ؟

أم أننا ننتظر الإشارة الخضراء من أمريكا أولا

- ألا تخجلون؟!

طالما تشدق المسئولون بأهمية الحرية وضرورة الديمقراطية ومشاركة الشعب فيحكم البلاد .. وطالما صرحوا بأن الانتخابات ستكون حرة 100% ون على الشعب أن يعبر عن رأيه ويشارك في اختيار من يقومون بخدمته سواء كان الترشيح لرئاسة الجمهورية أو لمجلس الشعب والشورى .

ولكن ما إن يرشح أحد الإخوان المسلمين .. حتى نري ابتداع آليات قانونية وإدارية ومنية للتضييق على إمكانية مشاركة التيار الإسلامي في حكم البلاد.. يسند هذا الاستخفاف إعلام مضلل لإرادة الأمة .. ويد كطلقة فيه .. وقد كتب الصحفي الحر سلامه أحمد سلامه يقول تحت عنوان ( حال الصحافة ) ( إن أسوأ ما في ظاهرة الإعلان الحكومي أن وزراء لإعلام العرب الذين جاءوا من الوسط الإعلامي أو غيره هم أكثر الذين وقفوا في وجه حرية التعبير ووسائل الإعلام المطبوع والمرئي أدي ذلك إلى إفراز طبقة واسعة من الموظفين الإعلاميين أو الإعلاميين الموظفين ضاعت عندهم الفوارق بين الإعلام الذي يتحري الخبر الصحيح ويتحمل مسئوليته ويؤمن بحرية التعبير ويدافع عنها وبين أجيال من الصحفيين لإعلاميين الذين تحولوا إلى خدم في بيت السلطة يصدعون بمرها ويعملون لحسابها ولا يملكون القدرة على استقلال الرأي ونزاهة المقصد.

الخلاصة أننا نري ونسمع المهازل والتدخل الأمني الباطش كلما هم الإخوان بالمشاركة في العمل السياسي .. ولكم شاهدنا التيار الإسلامي وهو يستميت في محاول كسر هذا الحصار الأمني لكن أجهزة الأمن تواصل حملات الاعتقال والإرهاب الحكومي .. وتبدأ الصحف الحكومية في نشر سلسلة من الاتهامات ..تارة بأن جماعة الإخوان تتحرك وتارة بأن الجماعة المحظورة ترشح نفسها .. وتارة بأنهم يجتمعون ويخططون.. وتجوب سيارات الشرطة البلاد لإرهاب الناس واعتقال البعض ويستمر مسلسل انتهاك الحريات وحقوق الإنسان .. ويستمر في نفس الوقت التشدق بالحرية والديمقراطية .. ولا أملك إلا أن أذكرهم بقول الحق تبارك وتعالي :( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون . كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ) الصف 2-3

الكيل بمكيالين

أراكم تكرهون لأنفسكم أن تكيل لكم أمريكا والدول الأوروبية بمكيالين فلماذا تكيلون أنتم بمكيالين في الوطن الواحد فللحزب الحاكم الحق كل الحق في التفرد والتحكم والامتلاك .. والأمان ..والثقة وللتيار الإسلامي كل كبت ..وسلب .. وحجز ..وشك وريبة ..

إلا أن قلبي لا زال يحدثني بأن الرئيس مبارك لا يمكن أن يتصور مستوي هذه الممارسات الأمنية الغاشمة وقد يصله الخبر مقلوبا ومشوها .. وهذه حقيقة منطقية لأنه يسمع من طرف واحد فقد ( أهل الثقة) وهو محجوب تماما عن سماع الطرف لآخر وهذا ليس عدلا يرضي الله .

وبطبيعة الحال فهذه فرصة كي ينشط مرضي القلوب فيوسعوا الهوة بين السلطة والتيار الإسلامي ..وهذا هو فساد ذات البين بحذافيره والذي نهانا عنه سيد الخلق صلي الله عليه وسلم وقال عنها إنها الحالقة . قالوا أتحلق الرأس ي رسول الله .. قال : لا ولكنها تحلق الدين..

وللأسف الشديد فإن المقربين من السلطة من عقلا الأمة الأسوياء الذين يستشعرون أهمية احتضان التيار الإسلامي ودمجه في بوتقة الشعب كله .. ليس لديهم الجرأة على عرض هذا الأمر لأن زبانية السلطة يشيعون عن الرئيس مبارك أنه يكره الإسلام والإسلاميين ( وهو بعيد كل البعد عن هذه التهمة ) فلعنة الله على الكاذبين .

رسالة إلى الرئيس مبارك

سيدي الرئيس'

لقد استمع نبي الله سليمان عليه السلام لنصيحة نملة ولست يا سيدي أقل من النملة .. ولا أحد أكرم من نبي فاستمع إلى بقلب مفتوح .. إن النبي عليه الصلاة والسلام قال : ( قبل الحق ممن أتاك صغيرا أو كبيرا وإن كان بغيضا وأردد الباطل لى من جاء به من صغير أو كبير وإن كان قريبا )

لقد طال الظلم الواقع على الإخوان المسلمين لا لشئ إلا لأنهم بلوا بلاء حسنا مع الجيش المصري في قتال اليهود في حرب فلسطين ونحن عهدناك خير من يعرف هذه الحقائق فحنق عليهم اليهود وأوعزوا إلى الانجليز والأمريكان بشدة خطرهم على السياسات الانجلو أمريكية المرسومة فسارع الغرب في بغضهم وبالغوا في تحذير الحكومات العربية منهم فلقد تيقنوا أن جماعة الإخوان المسلمين تعشق الموت في سبيل الله ولا يمكن ترويضهم ليرضوا بالذل والهوان .. وكلنا هذا الرجل .

سيدي الرئيس ...'


إن رسولنا الكريم يحذرنا قائلا ( الساكت عن الحق شيطان خرس )

ولقد علمت من بعض العلماء الأجلاء أن رجال الثورة جميعهم مطلعون على الفكر الإسلامي الحق باعتباره من دواعي النهضة .. فلماذا يتربص دائما بالتيار الإسلامي ؟ من قبل أجهزة الأمن المصرية.

فإن أخفوا عليك بعضا من هذه الممارسات فإن فراستك تدرك بعضها .. فلا تطل حلمك عليهم وإن طمأنوك بأنهم حراس العمر وحراس الكرسي .. فتنزلق إلى حد السكوت على الظلم..

ولقد قال سيد الخلق ( صلي الله عليه وسلم) لا يقف أحدكم موقفا يضرب فيه الرجل ظلما فإن اللعنة تنزل على من حضره إذا لم يدافعوا عنه

سيدي الرئيس ..'

من منطلق إخلاصي لك أقول لك انتبه ولا تسارع في مرضاة وموالاة الكافرين .. فإن عواقبها وخيمة فإنه – لا قدر الله – يرفع يده عنك ويكلك إليهم .. معاذ الله واستمع إلى قول الله تعالي :

( لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ إلا أن تتقو منهم تقاه ويحذركم لله نفسه وإلى الله المصير ) آل عمران 28

فإذا كنت تتقي شر الكافرين فهذا من الكياسة الفطنة لكن كن على يقين من أهمية موالاة المؤمنين لأن الله قال : ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون . ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون ) المائدة – 55-56

سيدي الرئيس'

إن الله قد وهبكم قلبا كبيرا ..وصبرا جميلا ..وضبطا للنفس حميدا ونبينا محمد ( صلي الله عليه وسلم) قال : ليس الشديد بالصراعة ولكن الشديد من يملك نفسه عن الغضب فاضبط سيدي أمور العائلة المصرية وأعدل بين الأبناء .

قال رسول الله ( صلي الله عليه وسلم ) إن أرفع الناس يوم القيامة إمام عادل)

وقال ( أشد الناس عذابا يوم القيامة إمام جائر )

وقال ( ما من أمير عشرة إلا وهو يؤتي به يوم القيامة مغلولا حتى يفكه العدل أو يوبقه ( أى يهلكه) الجور فاعدل بين الرعية وأرفق بهم فإن رسولنا الكريم قال ( اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فأشفق عليه ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فأرفق به)

سيدي الرئيس'

لا تسارع في تصديق ما تبثه المخابرات الأمريكية وتشيعه عن الإخوان المسلمين بمكر حصيف ودهاء ممنهج فالشاعر يقول ( إن الذين ترونهم إخوانكم : يشفي غليل صدوركم أن تصرعوا )

وختاما أقول كما قال رب العالمين ( عسي الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم ) الممتحنة :7

المخلصة كريمان حمزة

ميراث الكراهية

جمال عبد الناصر 19541970

عندما كنت صغيرة لا أتجاوز الثانية عشرة حتى التاسعة عشرة كنت أحب جمال عبد الناصر رغم اعتراض والدتي الشديد – وزاد إعجابي به حين أمم قناة السويس سنة 1956 وبدأ في مشروع السد العالي .. وزاد تعلقي به لتعاطفه مع الطبقة الكادحة ( الفلاحين والعمال) وبسبب تعاطفه مع هذه الطبقة وحببته حبا جما فأنا أحب المطحوني وأتعاطف معهم أينما كانوا لذا عندما حدثت النكسة سنة 1967 وتنحي جمال عبد الناصر عن حكم البلاد.. خاطرت وركبت سيارة زوجي ( الرائد محمود رياض ) رحمه الله وكانت عربة جيش ( جيب ) وجمعت صديقاتي وأمرت السائق العسكري أن يتجه بنا إلى مجلس الأمة حيث المظاهرات ورحت أهتف من الأعماق .

مكتوب على قلوبنا . عبد الناصر محبوبنا

مكتوب على أيدينا : عبد الناصر في عنينا

أنور .. أنور يا سادات إحنا اخترنا جمال بالذات .. وكانت هذه أول مظاهرة اشترك فيها في حياتي وعندما كبرت قرأت قصصا عن سجون عبد الناصر وما حدث فيها من جرائم يشيب لها الولدان.. أدركت أنها صفحات سوداء في حياة هذا الزعيم المصري .. وأن عقبه عند الله أليم ( وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما ) طه :111

ويقول عليه الصلاة والسلام ( إن شر الرعاء ( الحكام ) الحطمة ( القاسي الذي لا يرحم ) فإياك ن تكون منهم ) متفق عليه

تحت عنوان عبد الناصر والمخابرات كتب الصحفي المعروف ( محمد وجدي قنديل ) يقول عن مقتل الملك فاروق بالسم في ايطاليا عن طريق المخابرات المصرية ( إبراهيم بغدادي) كتب يقول :

( للحقيقة والتاريخ كان الرئيس عبد الناصر يعترض دائما على أن يستخدم جهاز المخابرات أسلوب التصفية الجسدية والاغتيالات في العمليات السرية المتعلقة بالأمن القومي .. وكان يشدد على رئيس الجهاز بعدم اللجوء إلى ذلك أيا كانت المبررات ) الأخبار في 1 2 مايو 2001.

استريح لهذا التعليق لأني لا أتصور أن عبد الناصر الذي غير الكثير بغرض رفع الظلم والمعاناة عن شعب يمكن أن يكون منحطا إلى هذه الدرجة ؟ ولكني على يقين من أن هناك بعض شياطين الإنس الذين تمتلئ قلوبهم ظلمة ما إن يتولوا مسئولة البلاد والعباد حتى تنشط الشياطين في دمائهم فيتلذذوا من ممارسة أنواع من الوحشية والقسوة يؤهلهم لأن يكونوا بجدارة من أئمة الكفر من جهنم بإذن الله.

يقول تعالي ( يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواص والأقدام ) الرحمن:41 ( وقفوهم إنهم مسئولون ) الصافات :24مصر هي بلد الأزهر ومعقل الإسلام .. فيها خير أجناد لأرض وهي غنية بنخبة ممتازة من رجال الدين والعلماء والعاملين في كافة المجالات .. ولا ينقصها أصحاب الأقلام الحرة!! فأين هؤلاء الرجال ؟!!

ومصر بلد ولادة وفي الأثر ( الخير في وفي أمتي إلى يوم القيامة ) فأين هؤلاء الأخيار ؟ أين الرجولة والشهامة والنخوة ؟

ونبينا الكريم يقول ( أفضل الجهاد كلمة حق تقال عند سلطان جائر ) كيف ارتضينا كل هذه المظالم ؟ولماذا سكتنا على كل هذه المآسي ؟ أين ضمائرنا أين النخوة والشجاعة ؟ لقد سمنا رب العالمين ( خير أمة أخرجت للناس ) لأننا نأمر بالمعروف وننهي عن المنكر ونؤمن بالله .

ألم تعلموا أن نبيكم صلي الله عليه وسلم ) قال : ( أيها الناس مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعو الله فلا يستجيب لكم ، وقبل ان تستغفروه فلا يغفر لكم ، إن لمر بالمعروف لا يقرب أجلا)

إن الأحبار من اليهود لما تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعنهم الله على لسان أنبيائهم وعمهم البلاء ) فقال تعالي :

( لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان وداود وعيسي ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون . كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ) المائدة 78 -79

وعنه ( صلي الله عليه وسلم ) أنه قال : ( كلا والله لتأمرون بالمعروف ، ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرونه ( توجهونه بقوة ) على الحق أطرا ولتقصرنه ( تدفعنه ) على الحق قصر ، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعنكم كما لعنهم .

متي تستيقظ وتتحرك النفس اللوامة وتشعر بوجوب الاعتذار الرسمي أمام العالم كما يفعل باب الفاتيكان حيث يجوب العالم معتذرا عن خطايا السابقين في يهود ( الهولكوست ) لقد اعتذر لهم وقدم أسفه الشديد وشجع إعطاءهم تعويضات مالية لما أصاب أجدادهم من قهر .. ولكنه للأسف لم يعتذر للمسلمين الذين أضيروا في الحروب الصليبية أو الاستعمارية .. فهل أنتم مل باب الفاتيكان في كيله بمكيالين .. ارفعوا الأمر للرئيس مبارك فهو رجل عاقل متعقل رزين خال من الشرور والعاهات النفسية .. ولكن من يجرؤ على رفع الأمر إليه ؟

ومطالبته بإصلاح ذات البين حتى ينتهي ميراث الحقد الذي ورثناه ؟ يقولون إنه أصبح محاطا بسياج كثيف من رجال الأمن والمخابرات والشرطة وهيئات المنتفعين .. والمستفيدين.. والمتفردين بالحكم ولا أملك إلا أن أقول : ( إن الحكم إلا الله يقص الحق وهو خير الفاصلين ) الأنعام 57

أنور السادات 1970 -1981

زعيم مصري حكم بلادي حوالي أحد عشر عاما كنت أحبه لأنه مجرد توليه الحكم أعلن ( دولة العلم والإيمان ) وكنت في عهده أول مقدمة للبرامج الدينية على مستوي العالم العربي والإسلامي في التلفزيون .. كان أنور السادات رحمه الله ابن بلد صرف اعتقل أكثر من مرة بسبب نشاطه السياسي وأخرج من الجيش أعني ذاق مرارة الظلم والقهر وأعيد سنة 1950 وكان عضوا في جماعة الإخوان المسلمين .. لذا كان من السهل أن يعمل رئيسا لمنظمة المؤتمر الإسلامي .. كنت أحبه رحمه الله لبساطته وتدفق عاطفته .. كما أنه حطم السجون وأخرج المعتقلين بسبب معتقداتهم ... كما كنت أحبه لحبي الشديد للسيدة قرينته جيهان السادات المتجاوبة بسهولة مع مصالح الناس دائما ..

ولا أريد أن خوض في سياسة الرجل ودهائه فلست مؤهلة لذلك .. إلا أني سأتعرض لبداية ظهور الجماعات الإسلامية الرشيد منها والمتطرف .. فلقد بدأت الجماعات الإسلامية تتكون وتنشط في عهده نشاطا ملحوظا حتى سمي هذا الوقت بالصحوة الإسلامية والعودة إلى الله وكنت شابة لا أتجاوز الثامنة والعشرين من عمري ..وكان بعض هذه الجماعات يدعونني لألقي كلمة وأرد على بعض الاستفسارات .. وكنت رغم ضيق الوقت الموزع بين الزوج والولد والعمل في التلفزيون أرحب بلقائهم .. ولكنني أدركت منذ اللقاءات الأولي أن هناك تيارات جارفا من التضليل والانحراف في الفكر الإسلامي أدي إلى تشدد وتحجر هؤلاء الطلاب الصغار ساعد على ذلك ضالة الثقافة العامة والإسلامية خاصة وشعور الجميع بالهوة الساحقة بينهم وبين النظام الحاكم وفقدان الثقة في القائمين عليه .. حتى ظنوا أن التعسير والتضييق والتحريم كلما زادت رقعته زاد معه التدين ! ناسين قول رسولنا الكريم : ( يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا )

ولقد وصل حال التشدد والتطرف عندهم إلى أنهم حرموا الحلال من الزينة .. وجميع الألوان وجميع الفنون .. ورغم هذا كنت أعجز عن رفض دعوتهم لى لإحساسي بأهمية شرح الأمور وتبسيط المفاهيم ... لذا رحت أبذل الجهد والوقت حتى أصبح لقائي بهم يمتد في جامعة [القاهرة]] إلى أربع ساعات ويستمر بعد ذلك إذ عند العودة يركبن معي السيارة ونظل نتحدث في بيتي حتى الساعة الثامنة مساءا ميعاد تسجيل برنامجي التلفزيوني ( هدي الله).

كنت أشعر بمنتهي الإرهاق بل والإعياء وقد استنفدت كل طاقتي واستهلكت أعصابي وأنا أستميت في شرح الإسلام الحقيقي لهؤلاء الشبان الذين لم يكونوا يتجاوزون العشرين من العمر ... أقوياء .. أشداء ... أصحاء .. ومراهقين .. كأني أضرب رأسي في الحائط .. وخارت قواي فالأولاد ملقنون تلقينا خاطئا يحرمون كل ما أحل الله زلفي الله .. عجبي .. ولو أنهم تلقوا علوم الدين من علماء الإخوان المسلمين أمثال الغزلي وسيد سابق ويوسف القرضاوي .. وغيرهم لعرفوا حقيقة الإسلام دين السماح والوسطية ووقتها أدركت تماما أنه لا طاقة لى بهذه اللقاءات . ولا شك أن رجال الأمن كانوا يسجلون كل هذه المحاضرات ..

الشيخ صلاح أبو إسماعيل

لجأت إلى الداعية الإسلامي الشيخ صلاح أبو إسماعيل من علماء الأزهر وكان رحمه لله قوي البنية يتمتع بطاقة لا تفتر ولا تضعف بالإضافة إلى فهم جيد للإسلام ككل ..وإيجابية فريدة مع الأحداث العامة .. ذهبت إليه في بيته ورجوته أن يوالي هؤلاء الأولاد خشية أن يجهضوا الصحوة الإسلامية ... أو يميلوا بها عن الوسطية الإسلامية فينفروا العامة والخاصة ويستعدوا الدولة بل يستعدون العالم كله ؟ فإذا به يقول لي :

لقد ذهبت أكثر من مرة لإصلاح حال هؤلاء الشباب ولكن يبدو أن ( الأمن) لم يسترح لحضوري والتفاف الطلبة حولي صلهم لا يريدون أحدا من الإخوان المسلمين !!

أصبت بالحسرة لأن هذا العالم القوي المتمكن يستطيع أن يعدل المعوج ويضع لأمور في نصابها الصحيح بكفاءة واقتدار ولست أنا بالطبع فأنا صغيرة وضعيفة ولا طاقة لى بالجدل العقيم

الشيخ محمد الغزالي

علمت أن الغزالي يذهب إلى جامعة القاهرة من آن لآخر وأن الأمن يضطرب ويشدد على الطلبة كما أنه لا يرحب بوجود الغزالي لأن الأولاد يلتفون حوله وهو ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين !! قلت في نفسي ى خبل هذا يا رب ؟ هذا هو الرجل القدير الذي لا يخشي في الله لومة لائم فهو أهل ثقة أمام التيار الإسلامي وأمام التاريخ.. وهو يملك أن يجبر هؤلاء الأولاد على الاعتدال والتوسط والوعي الصحيح بالإسلام . قلت في نفسي من هذا الأحمق الجاهل الذي يصدر هذه الأوامر الغاشمة التي تضر ولا تنفع ؟؟

كنت شابة صغيرة وكانت ثقتي في أنور السادات كبيرة فهو الرئيس الذي رفع شعار الدولة ( العلم والإيمان) وعبر خط برليف ونص الله به الأمة .. فأرسلت له عدة تلغرافات أدعوه إلى أن يصدر أوامره للقائمين على التلفزيون في ذاك الوقت بنقل كافة الندوات التي يتحدث فيها الشيخ محمد الغزالي والشيخ صلاح أبو إسماعيل على أن تكون الندات يوميا للاستفادة من هذين الشيخين قبل رحيلهما لأنهما يملكان وسائل الإقناع التي يمكنها السيطرة على تفشي هذا التيار بين الشباب فتنجح الصحوة الإسلامية ولا تنقلب على أعقابها ... كنت مؤمنة أشد الإيمان بقول رسول الله صلي الله عليه وسلم

( لا يحقرن أحدكم نفسه .. قالوا وكيف يحقر أحدنا نفسه يا رسول الله ؟ قال يري أن لله عليه مقالا ثم لا يقول فيه)

لذا رحت أبعث إليه بكل ملاحظاتي وأقترح عليه الحلول التي أراها كمواطنة تستشعر معني الخلافة عن الله في أرضه .. وكنت أظن أن هذه التلغرافات تصل إلى الرئيس وأنه لا شك يدرسها وسيناقشها مع أتباعه وقد تغير من سياسة وزارة الداخلية في التربص بالعلماء .. ولكن شيئا من هذا لم يحدث بل وصل الأمر إلى إلغاء البرنامج التلفزيون الذي كان يقدمه الشيخ صلاح أبو إسماعيل تحت عنوان ( شريعة الله ) والذي كان يشترك فيه نخبة ممتازة من علماء مصر ومنهم الدكتور عبد الصبور شاهين ( أطال الله في عمره ) .. ثم صدرت الأوامر بمنع الشيخ محمد الغزالي من الظهور على الشاشة !! حتى بت على يقين من أن هناك تيارا يعمل على اتساع الهوة بين التيار الإسلامي والسلطة وأن استمرار وجود هذا التيار الموالي لغير مصر مرهون بمدي خوف الحاكم على كرسيه !! سبحان من له الدوام.

ثم تمادي القائمون على الأمن بمصر في تخويف الرئيس الراحل أنور السادات حتى دخل قلبه الشك وبات مرتابا وفقد الثقة في كافة الاتجاهات فكان ما كان من إصدار الأوامر باعتقال كافة التيارات الفكرية في مصر وقصف أقلام المعارضين وإيقاف الموظفين ونقلهم إلى أماكن أخري بإيعاز ممن يحملون قلوبا حاقدة ونفوسا مريضة فانتهزوا الفرصة وتحركت في داخلهم شهوة الانتقام ممن يعتقدون أنهم يشكلون خطرا عليهم ... وانتهي الأمر باغتيال السادات في 6/10/1981

محمد حسني مبارك من 1981

لا أعرف لماذا أتفاءل بهذا الرجل ... يعجبني فيه الوفاء والصبر .. وضبط النفس ... والسيطرة على الغضب .. وإحالة كافة المنازعات إلى القضاء ... كما أحس فيه برحابة الصدر والتواضع .. ولا يحمل في قلبه ضغائن ولا أحقاد .. وعندما رأيته يداوم على وصل من قطعه ويبادر بالتودد إلى الإخوة العرب.. بل والمصالحة مع الغرب الأوروبي والشرق الأسيوي .. يدرك أهمية قول الحق تبارك وتعالي :

( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثي وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن لله عليم خبير ) حجرات 13

راح الرجل يحاول حفظ التوازن في وجه التقلبات البشرية والنعرات العنصرية ... يتصرف بهدوء وينصح بإخلاص ونفس طويل .. يجاهد من أجل إصلاح ذات البين بين الأشقاء العرب ويمد الوصل إلى أفريقيا بل وروسيا .. يحاول وضع الأمور في حجمها الصحيح وينطق بالألفاظ المحسوبة الخالية من الجنوح والأنانية وحب الذات .. يعرف حجم نفسه فلا يغتر ويركب رأسه فيضبط قراراته لكل هذا أيها الأخ القارئ ظننت أن هذا العصر هو الأوان الأمثل لإعادة النظر في سياسات القمع الأمني والتربص بالإخوان المسلمين والعمل على قهرهم ومحاولات إبعادهم عن المشاركة في حكم البلاد ... فإن اجتمع الإخوان في أحد البيوت أو المنتديات أو النقابات .. أو حتى في الجنازات طالعتنا الصحف بالعناوين المقيتة الآتية :

القبض على 46 قياديا من الإخوان المسلمين يجتمعون سرا

- في ضربة جديدة لجماعة لإخوان المحظورة تم القبض على مائتين يجتمعون ليخططوا .. الخ-

- جماعة الإخوان المسلمين خططوا للتحرك على عدة محاور .

- ألقي القبض على جميع المتهمين بالمشاركة في الاجتماع التنظيمي .

- وجهت النيابة العامة الاتهام للمتهمين المنضمين إلى جماعة سرية غير مشروعة وحيازة مطبوعات ومنشورات

إلى آخر هذه الأخبار الكريهة التي تهز المرء من الأعماق وتشعره بالظلم والاشمئزاز .. فالحكم لله العلي القدير .

إلى متى تستعدون التيار الإسلامي العالمي عليكم ؟؟

يقول تعالي في كتابه الكريم ( وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا ) الإسراء 53

عندما يغتر الإنسان ويطغي يستحل لنفسه ما يحرمه على الآخرين !! وآتساءل مع المتسائلين

لماذا نرتضي لأنفسنا أن نجتمع ونتشاور .. ونتسامر ونقرر .. ونقبل .. ونرفض ويحرم ذلك على الآخرين ؟؟ بل ونعتبره جريمة تستحق العقاب !!

لماذا نعطي لأنفسنا حق التخطيط والتفكير في المستقبل والتنسيق في العمل ونحرم ذلك على لآخرين ؟ أليسوا مواطنين ووطنيين مثلنا ؟؟!

لماذا نستبيح لأنفسنا حق الترشيح والانتخاب والمشاركة في الحكم ثم نمنع الآخرين بالقهر .. والقمع ...والسجون ؟

لماذا نستحل الانفراد بإبداء الرأي والمشورة مادام لصالحنا ونغضب إذا هم غيرنا برأي آخر ؟

لماذا تغفرون لليهود كل ماضيهم الملطخ بالدماء وتتسولون منهم السلام تسولا تضيق به النفس العزيزة .. بل وتهرولون إليهم أملا في كسب الأرباح ؟؟

لماذا تتغاضون عن مواقفهم الماضية والحالية .. وتتناسون نواياهم وأطماعهم ( من النيل إلى الفرات ) في الوقت الذي لا تغتفرون للإخوان المسلمين مواقف اضطروا إلى اتخاذها لكثرة ضغوطكم عليهم ؟ والله يقول ( لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا عليما ) النساء 148 لماذا تستقبلون الإخوان المسلمين الذين غابوا عن مص سنين طويلة تحت وطأة القهر والظلم توقفوهم في المطارات والمواني أكثر من أربع وعشرين ساعة للتفتيش .. والكشف عن أسمائهم المسجلة عندكم والبحث في أوراقهم ..وإذلالهم أمام أعين زوجاتهم وأبنائهم .. في الوقت الذي تحسنون استقبال السائحين اليهود وترحبون بهم .. ولا تعرضونهم للتفتيش أو المساءلة .. في حين أنهم يأتون إلى بلادنا وقد حملوا معهم على الأقل الإيدز....

والمخدرات والنوايا التي نعلمها جيد .. ويعلمها رب العالمين ؟

كيف بالله عليكم سنلقي الله ربنا ؟ وبأى وجه سنختصم إليه ؟؟؟

المواجهة

ثم لماذا لا نتوقع المواجهة القادمة مع اليهود المدججين بالسلاح والحقد الأسود والتأييد الأمريكي ..والصمت الأوروبي ؟

لماذا لا نتوقع أننا سنصبح بين لحظة وأخري في أمس الحاجة إلى رجال مؤمنين يعشقون الموت في سبيل الله .. ولا يخافون المواجهة ؟

ثم هل أعددنا في السنوات الماضية هذا اللون من الرجال ؟

أم كان همنا الأول والأخير قتل النخوة واستبعاد معاني الجهاد في سبيل لله ..ومحاربة الشباب المسلم في المساجد والجامعات والنقابات حتى وزارة التربية والتعليم ألغت التاريخ الإسلامي جملة وتفصيلا لقتل معني الجهاد في سبيل الله إرضاء لما يسمي بثقافة السلام وليس أدل على ذلك مما فعلته وزارة التربية والتعليم بأن قامت بتهميش التاريخ بجعله مادة اختيارية وكذلك الجغرافيا وخفض درجات اللغة العربية ليصبح الإنسان المصري مستهدفا في تاريخه ومكانه ولغته ذات الأبعاد الثلاثة البعد الديني لأنها لغة القرآن والبعد الوطني والبعد السياسي بما تربط بين أبناء الأمة العربية والإسلامية لقد خلق إعلامنا جيلا لا يعرف أن يشد الرحال إلا لمباريات الكرة أو يشد الرحال إلى ( ليالي التلفزيون ) حتى اقتلعنا من نفوس الشباب معاني الغيرة والنخوة ... فعبد الشيطان وعبد الشذوذ واللذات المحرمة ..وعبد التعاطي بكافة أنواعه وعلاه مظاهر الخنوثة والترف فضاع منه الهدف ..

ولم لا وقد تعمدنا في الإعلام تمجيد كل رقيع وتلميع كل ساقط ... فخسفنا قيم الاستقامة التي هي خير كرامة .. وضيعنا قيم البطولة الحقة والرجولة والغيرة على حرمات لله فلم نعد شبابا يعتز بدينه فيعزه الله .

أما آن الأوان أن ننتبه .. ونوقف هذا الحقد الأسود على التيار الإسلامي الذي رضخنا فيه لأوامر استعمارية حاقدة .. أما آن الأوان ي نعتذر عن كل هذه الجرائم في حق التيار الإسلامي ونرحب به .. بل ونتعاون معه وصدق الله العظيم إذ يقول :

( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ) الحديد 16

أليس منكم رجل رشيد يقوم فيقول كما أمر رب العالمين ( لا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين ) الأنفال 46

رسالة إلى التيار الإسلامي

أبنائي .. وإخواني ممن يحملون آمال هذه الأمة على رءوسهم ويحركون بكلمات الحق ألسنتهم .. لقد دافعت عنكم كثيرا ومن قلبي دافع عنكم الكثيرون ... والله جل جلاله يدافع عن الذين منوا من قبل ومن بعد .. ولكني أري أن فيكم شوكة يشاك بها الولاة والحكام .. وقد نهانا رسولنا صلي الله عليه وسلم أن نؤذي حدا ولو بشوكة نشوكه بها .. فهلموا معي لنكسر هذه الشوكة حتى تكون صحبتكم للولاة والحكام صحبة حاملي المسك بدلا من نافخي الكير..

أيها الشباب المسلم في كل مكان دعونا نتصارح بقولة حق أرجو الله أن تجد صدها في نفوسكم التي أحسبها عامرة بالإيمان ولا أزكي على الله أحدا... وصلي الله عليه وسلم ( الدين النصيحة ) رواه مسلم .

كثيرا ما حدثت نفسي عن الحكمة الإلهية من موقف أجهزة الدولة منكم .. وكثير ما طمئنت نفسي المهمومة بقضايا الإسلام والمسلمين بأنكم في حالتكم الراهنة ستدخلون الجنة بغير حساب .. إن شاء رب العالمين لأنكم تبيتون كل ليلة صابرين أما الظلم والقهر والاستبعاد .. وكما تعلمون أن الجنة محفوفة بالمكاره والنار محفوفة بالشهوات .. أقول في نفسي ربما إذا انتصر الإسلام والمسلمون في بلادنا لدخل هؤلاء الشباب النار من أوسع الأبواب ! كيف ذلك .. فقد ينقلب الحال ويركبنا الغرور بالله ونظن أننا أحباب الله وأصفياؤه ونركن إلى هذا الاعتقاد ونطمئن به وربما تسلل الكبر والخيلاء إلى قلوبنا فنتحول بين لحظة وأخري إلى قساة غلاظ القلوب لا نرحم ولا نعذر .. بل ربما دخلنا العجب وفتنا بتديننا وبصلاتنا وصيامنا .. وكثرة خطانا إلى المساجد فنقع في مكر لله قال عمر الفاروق صلي الله عليه وسلم لو كنت احدي قدمي في الجنة ولآخري خارجها لما أمنت مكر الله )وقد ننزلق لما هو أكثر من ذلك فنعتبر رئيسنا هو الحاكم بأمر الله ( لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ) الأنبياء 23 فننزلق إلى مآثم ومظالم لا يعلم مداها إلا الله .

فنسئ إلى ديننا وإلى أنفسنا ونصبح بين عشية وضحاها مثلا سيئا أمام العالمين !! ولكم رأينا في التاريخ الماضي والمعاصر حركة إسلامية علت وانتصرت وتمكنت فمارس القائمون عليها كل ألوان مراهقة السلطة وغطرستها .. فبطشت ( وإذا بطشتم جبارين ) الشعراء 30 وطغت صلي الله عليه وسلم إن من عبادي من إذا أعطيته أطغيته وأصرت واستكبرت استكبارا فسالت الدماء أنهارا .

فهل أعددتم أنفسكم كي لا تكرروا أخطاء السابقين والحاليين ؟

الاشتراك في حكم البلاد

- أيها الشباب أراكم حريصين على الاشتراك في حكم البلاد.. فهل تدركون أن الاشتراك في حكم البلاد من أشد الفتن ضراوة ومرارة !! لأنها أمانة وهي يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذ بحقها وأدي الذي عليه فيها وفي الحديث صلي الله عليه وسلم ( الزعيم غارم) رواه حمد والشهاب .

- هل تعرفون أن المشاركة في حكم البلاد تجعلكم أمام الله وأمام التاريخ مسئولين مسئولية كاملة عما يقع للبلاد والعباد ؟!ّ حتى أن عمر بن الخطاب الخليفة العادل قال ( صلي الله عليه وسلم ) لو تعثرت بغل بشط لعراق لسئل عنها عمر لما لم تمهد لها الطريق يا عمر ؟

- هل تعلمون أن نبينا صلي الله عليه وسلم قال ( ما من أمير عشيرة إلا وهو يؤتي به يوم القيامة مغلولا حتى بفكه العدل أو يوبقه ( أى يهلكه) الجور ( الظلم )ألسنا نؤمن بحديث سيد الخلق ( صلي الله عليه وسلم ) كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ، الإمام راع ومسئول عن رعيته .. الخ) وفي رواية فإن الله سائلهم عما استرعاهم ).

وعنه أنه قال ( صلي الله عليه وسلم ) أشد الناس عذابا يوم القيامة إمام جائر )وقال سيد الخلق ( صلي الله عليه وسلم ) ( من ولاه الله من أمر الناس شيئا فاحتجب عن حاجتهم وخلتهم ( ومصادقتهم ) وفاقتهم احتجب الله عن حاجته وخلته وفاقته )وقال ( صلي الله عليه وسلم) ( ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة)فهل أعددتم أنفسكم على هذا الأساس من الحذر والحيطة والخوف من الله ؟؟

نظرة الإسلام للحاكم

أيها الشباب لنتأمل هذه الآيات البيانات من سورة البقرة حيث قال أحد أنبياء اليهود للملأ من بني إسرائيل

( وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أني يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم ولله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم ) البقرة 247 يفهم من هذه الآيات البيانات أن وجهاء القوم من بني إسرائيل قد وقعوا في الإثم حين اعترضوا قائلين : أنهم أحق بالملك من طالوت لأنه ليس من الأغنياء ... وهكذا رأوا أنفسهم أحق بالملك منه فرد عليهم نبيهم بان الله قد اصطفاه واختاره وزاده بسطة في العلم والجسم.. والله سبحانه وتعالي حر التصرف في الاختيار وعلى الرعية أن ترضي وليس لها أن تعترض على حكمه سبحانه (... تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء ...) آل عمران 26

مكانة السلطان عند الله

أيها الشباب أراني في حاجة كي أذكركم ( وذكر فإن الذكري تنفع المؤمنين ) الذرايات قال رسول الله ( صلي الله عليه وسلم ) في حجة الوداع : ( يا أيها الناس اتقوا الله واسمعوا وأطيعوا وإن أمر عليكم عبد حبشي مجدع ما أقام فيكم كتاب الله عزوجل ) رواه أحمد ونذكر هذا الحديث الشريف ليتعلم الشباب أهمية طاعة الحاكم الذي اختاره الله لحكم البلاد فإن الأمور تجري بمقادير ..

أى بقدر الله وقدرته وفي الحديث ( صلي الله عليه وسلم ) السلطان ظل الله في الأرض فمن نصحه ودعا له فقد اهتدي ، ومن دعا عليه ولم ينصحه ضل ) رواه الديلمي.

ولقد جعل الله تعالي طاعة ولي الأمر من طاعته وطاعة رسوله فقال تعالي ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) النساء 59

وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال ( صلي الله عليه وسلم ( على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة ) متفق عليه ( إنما الطاعة في المعروف ) البخاري

ونتذكر هذا الحديث الشريف لنردك أهمية طاعة الحاكم يقول ( صلي الله عليه وسلم ( من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصا الله ومن يطع لأمير فقد طاعن ، ومن عصي الأمير فقد عصاني ) عن أبي هريرة . وهكذا نري الإسلام يقف بالمرصاد للفتن ما ظهر منها وما بطن.. ويحاول درئها وتجنبها حتى أن الذي يخالف هذه الأحاديث الشريفة ويسبب فتنا يقول فيه سيد الخلق ( صلي الله عليه وسلم )

( من كره من أميره شيئ فليصبر ، فإنه من خرج عن السلطان شبرا مات ميتة جاهلية ) متفق عليه

وعن ابن عمر ( رضي الله عنه عن النبي (صلي الله عليه وسلم ) من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية ) رواه مسلم

وقال ( صلي الله عليه وسلم ) ( خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم، قال : قلنا يا رسول الله أفلا ننابذهم . قال : لا. ما أقاموا فيكم الصلاة ، ما أقاموا فيكم الصلاة ) رواه مسلم .

وقد يتساءل المرء لماذا كل هذا الحرص على طاعة الحكم ؟

نقول ولا ليستتب الأمن في البلاد ولتنتظم الحياة ولينمو المجتمع نموا مضطردا .. ولتنطفيء الفتن التي يستغلها أعداء الوطن فيجهزوا علينا بسهول ونحن في غمرة النزاع المقيت .. لهذا قال صلي الله عليه وسلم ( الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها ) رواه الرافعي

إذا أخطأ الحاكم

فماذا يجب علينا إذا خالف الحاكم شرع الله ، وشعر المحكوم بالظلم؟؟

سأل سلمة بن يزيد الجعفني رسول الله ( صلي الله عليه وسلم ) قال : ( يا نبي الله ، أرأيت إن قامت علينا مراء يسألونا حقهم ويمنعونا حقنا فما تأمرنا ؟ فأعرض عنه ، ثم سأله ، فقال ( صلي الله عليه وسلم ) اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم ) رواه مسلم وفي رواية ( فإن الله سائلهم عما استرعاهم ) متفق عليه وهكذا نري كل هذه الأحاديث لدرء الفتن والحفاظ على سلامة القلوب ونجاة الأوطان من المتربصين بها.

أيها الشباب . الحاكم هو أحوج خلق الله إلى دعائكم وتقديم النصيحة الذكية المتأدبة فقد قال تعال لموسي وهارون ..

( اذهبا إلى فرعون إنه طغي . فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشي ) طه 43 -44 وهذه الآية تدل على أدب النصيحة للحاكم ... ( والسلطان – كما قال صلي الله عليه : ظل الله في الأرض من نصحه ودعا له فقد اهتدي ومن دعا عليه ولم ينصحه ضل ) رواه الديلمي ولقد علمنا سيد الخلق كيف نقدم النصيحة للحاكم فقال ( من أراد أن ينصح لسلطان بأمر فلا يبده له علانية ولكن ليأخذ بيده فيخلوا به فإن قبل منه فذاك وإلا كان قد أدي الذي عليه ( روه أحمد .

ويقول الإمام الشافعي (رضي الله عنه) :

تعهدني بنصحك في انفرادي  : وجنبني النصيحة في الجماعة

فإن النصح بين الناس نوع  : من التوبيخ لا أرضي استماعه

وفي هذا الزمان يصعب بل يستحيل الاتصال بالحاكم لكثرة الجنود والحراس وتعقد الأمور إذن فالذي يملك النصيحة هم أصحاب الأقلام والمنابر على أن ننتقي الألفاظ الخالية من الغلظ والفظاظة وإلا اعتبرت النصيحة إهانة وفضيحة.. فالنصيحة في العلن فضيحة كما في الأثر كما أن رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول ( من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله ) الترمذي .

العدل والقوة

هل تعلمون أيها الشباب أن العدل بين الناس من أصعب الأمور على النفس البشرية خصوصا الحكام لأنهم غالبا ما يكونون محاطين بفئات من البشر قل ما توصف به إنها كاتمة للحق لصالحها الشخصي .. فيصعب على الحاكم أن يثبين الحقيقة بسهولة ويس بل عليه أن يعمل عقله وقلبه وحواسه كلها ويبث عيونه حتى يتبين له الغث من الثمين ..لهذا قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : ( سبعة يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله : إمام عادل ... الخ) متفق عليه .

بل لقد جعل الله الحاكم العادل أرفع الناس يوم القيامة فقال صلي الله عليه وسلم ( أن أرفع الناس يوم القيامة إمام عادل ) أبو حنيفة.

وقال صلي الله عليه وسلم ( إن المقسطين عند الله على منابر ن نور ، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا ) رواه مسلم .

ولقد جاء ذكر الأمر بالعدل والقسط بين الناس في القرآن الكريم في سبع مواضع نذكر منها :

( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوي واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ) المائدة 8 – ويقول تعالي ( وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربي ) الأنعام 152

وقال سبحانه وتعالي ( قل أمر ربي بالقسط ) الأعراف 25 وقال جل شأنه : ( وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل )

وقال عز من قائل ( يا داوود إن جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوي ) ص 26

القوة

يجب أن يعلم الشباب أن الإسلام هو دين القوة والقدرة والمؤمن القوي في الحق هو قدر الله الغالب .

يقول ( صلي الله عليه وسلم ) المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير ) رواه مسلم .

والله سبحانه وتعالي لا يحب الضعفاء المستضعفين .. لذلك عني الإسلام في المقام الأول باختيار الحاكم متميزا في كثير من الصفات لأننا نؤجره على قيادة السفينة التي نرجو لها النجاة..

يقول تعالي : ( إن خير من استأجرت القوي الأمين ) القصص 26 وفي المقابل قل سيد الخلق ( صلي الله عليه وسلم ) ( الإمام الضعيف عن الحق معلون ) أبو يعلي والقوة تكون في الإيمان بالله فلا يخشي أحدا سواه .. وفي رجاحة العقل وقوة الأعصاب والتحمل والصبر في الشدائد .. وقوة الأبدان التي تمنح صحبها الشجاعة والإقدام مع حسن التوكل على الله .. فلا يضعف ولا يجبن يقول ( صلي لله عليه وسلم ) : ( شر ما في الإنسان جبن هالع .. وشح خالع ) رواه أبو داود.

ويقول الله تعالي ( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار .

ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ) لأنفال 15-16 فالحاكم المؤمن القوي شجاع مقدام غير هياب في الحق ( يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ) المائدة 54 والحاكم القوي يتحكم في انفعالاته وقراراته فلا يندفع ولا يتسرع ولا يستثار بل يتميز بالصبر والمصابرة والمرابطة يقول تعالي ( يا أيها الذين آمنوا اصبرو وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون )آل عمران 200 والنبي صلي الله عليه وسلم يقول : ( ومن يتصبر يصبره الله ... وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر ) متفق عليه .. ويقول تعالي في جزاء الصابرين : ( إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب ) الزمر 10.

( وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ) آل عمران 186، ( وبشر الصابرين ) البقرة 155.

المواجهة

أيها الشباب المسلم في كل مكان .. لماذا يصفونكم الأعداء والأحباب على حد سواء بالعنف والغلظة ؟؟

لماذا يخافونكم ويعتبرون مجيئكم إلى السلطة شر مستطير وتشدد وتضييق لا طاقة للناس بها؟؟

علم جيدا أن هذه الأقوال افتراء محض من أعداء الدين الذين يتربصون بكم الدوائر .. ويوحون إلى الحكومات بالحرص على اضطهادكم وتنحيتكم عن المشاركة السياسية والقيادية ولكن دعونا نتصارح لماذا انتشرت هذه الأفكار المخالفة لطبيعة الدين الحنيف ؟

ألم تعلموا جيدا أن الإسلام هو دين الرحمة والتسامح والرفق الجميل .. والسعة والمرونة .. وتعدد الآراء .. واحترام جميع الملل والنحل حتى المشركين ؟!!

يقول تعالي ( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره ) التوبة 6

- هل يا تري العيب في طريقنا للدعوة إلى الله

- هل آن لأوان أن نراجع نفسنا ونبحث بجدية عن الخلل ؟

دعاة لا قضاة

دعاة لا قضاة .. عنوان كتاب ألفه الإمام حسن الهضيبي مرشد الإخوان المسلمين في أواخر الستينيات بين فيه مهمة الداعي إلى الله والذي يجب أن يحرص على أن يكون دعوته خالصة لوجه الله وليس من مهامه متابعة التنفيذ أو الحكم على من دعاهم .. فهذا متروك لله سبحانه وتعالي .. وكان هذا الكتاب ردا حاسم كتبه في سجنه وقصد به شكري مصطفي ) وجماعته الذين أطلقوا عليهم جماعة التكفير والهجرة ) وكانوا يسمون أنفسهم جماعة الدعوة إلى الإسلام ) وكانوا يرون ن الإسلام دعوة ومتابعة فمن أخذ بالدعوة كان بها ومن لم يأخذ بها دخل في دائرة التكفير .. ورغم أن ( شكري مصطفي ) كان واحدا من الإخوان المسلمين ودعوة الإخوان المسلمين دعوة صريحة وبسيطة وممكنة لا تشدد فيها ولا تنطع إلا أن شكري مصطفي رفع صوته بدعوته هذه وهو في المعتقل واستطاع أن يستقطب إليه مجموعة من الشباب المتحمس .. وكان لابد من أن يصدر الإمام الهضيبي كتاب ( دعاة لا قضاه) الذي أصدره في السجن ومضمونه يظهر في عنوانه .. إننا دعاه إلى الله على بصيرة ولا نملك حق محاسبة الناس ولا حق تكفيرهم .. ،حسابهم على الله .

وأعود فأقول إن رحابة الإسلام وجماله وسهولته لا تقر الدعوة إليه بالتضييق من مساحة الحلال وتحريم كل ما أحله الله من مباهج الدنيا وزينتها طالما كانت في حدود شرع الله .

يقول تعالي ( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة )الأعراف 32

وقال : ( يا بني خذوا زينتكم عند كل مسجد ) الأعراف 31 وعند كل مسجد أى في كل بقعة من بقاع لأرض قياسا على ما قاله سيد الخلق صلي الله عليه وسلم : ( جعلت لى الأرض مسجدا وطهورا )

فإذا ما عبرتم عن رأيكم بحدة وغلظة عندئذ تكونون قد خالفتم أمر الله القائل : ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ) النحل 125.

وقال تعالي : ( خذ العفو وأمر بالعرف واعرض عن الجاهلين )الأعراف 119

وقال عز من قائل ( وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ) الفرقان 63.

وقال جل شأ،ه ( ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا لله عدوا بغير علم ) الأنعام 108 ويقول في كتابه الكريم : ( لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا عليما ) 148 النساء .

ويقول تعالي : ( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم ) العنكبوت 46

نحن نتمني ليلا ونهارا ن يسمح للتيار الإسلامي المستنير بالمشاركة في حكم البلاد.. ونرجو لله العلي القدير أن ينجح هذا التيار الإسلامي في تقديم ولو نموذج واحد للمسلم القوي المستنير اليقظ المتفوق علميا وعقليا .. والعظيم في عدله ... الكريم في سماحته وعفوه .. الوطيد في علاقته بمولاه .. العادل في معاملة الحلق ... كل الخلق بلا استثناء .. الصبور رحب الصدر طويل البال واسع الأفق .. نريد مثلا واحدا لهذه الجماعة ..

- فهل انتم أهل لذلك؟؟

- هل أعددتم أنفسكم لتستوعبوا الإنسانية جمعاء ؟

- هل سعيتم لتتفوقوا وتقودوا البشرية وصولا بأهلها إلى واحة السلام العادل والشامل ؟

أدب الخلاف

أيها الشباب يجب أن تسلموا بأن الاختلاف سنة من سنن لله الكونية فكما تختلف ألسنتنا وتختلف أشكالنا وتختلف بصماتنا .. حتى بصمة الصوت مختلفة ومستقلة وأثبت العلم أن لكل إنسان بصمة في أنفاسه تختلف عن غيره كذلك تختلف آراؤنا .. وهكذا أقام الله العبد فيما أراد.. يقول تعالي في محكم آياته ( ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين . إلا من رحم ربك ولذل خلقهم ) هو 118 -119 قال جل شأنه : ( ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) يونس 99

وهكذا لا يجب أن يفسد الود بين الناس اختلاف الرأي بل يجب أن ندرب نفسنا على قبول الرأي والرأي الآخر وأن نتعلم كيف نجادل بالتي هي أحسن وكيف نقدم مبدئ الإسلام بيسر وهدوء إلى الآخرين .. ومتي نتحدث ؟ ومتي نصمت ؟ وأن نبتعد عن الجدل العقيم والمماراة المقيتة يقول ( صلي الله عليه وسلم ) عندما دخل ذات يوم على أربعة من أصحابه ( أبي الدرداء )و( أبي أمامة ) و( وائل بن الأسقع ) و( أنس بن مالك ) فوجدهم جالسين يتجادلون ويتمارون ( أى يتناقشون ) وعلى الرغم من أن جدلهم كان في شئ من مر الدين إلا أنه غضب غضبا شديدا ثم قال صلي الله عليه إنما هلك من كان قبلكم بهذا ( يقصد الجدل والمماراة ثم قال ( صلي الله عليه وسلم ) ذروا المراء لقلة خيره .. ذروا المراء فإن المؤمن لا يماري .. ذروا المراء فإن المماري قد تمت خسارته .

وذروا المراء فكفي بك إثما ألا تزال مماريا .. ذروا المراء فإن المماري لا أشفع له يوم القيامة .. ذروا المراء فأنا زعيم بثلاث أبيات في الجنة .. في رياضها ووسطها وأعلاها لمن ترك المراء وهو صادق .ذروا المراء فإن أول ما نهاني عنه ربي بعد عبادة الأوثان المراء )

وأري من المناسب أن نذكر قول الإمام الشافعي رضي الله عنه : ( ما ناظرت أحدا فأحببت أن يخطئ إن رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب )

الغلو والتنطع

هل تخليتم أيها الشباب عن تشددكم وغلوكم في أمر الدين ؟

هل اعتدلتم ويسرتم على أنفسكم وعلى الناس حتى لا تكونوا معسرين منفرين متنطعين يقول تعالي في كتابه الكريم ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) البقرة 158.

وعن أبي موسي ( رصي الله عنه ) وعن محمد بن أبي برده أن أبيه وجده ( 53 /141 ) أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال ( يسروا ولا تعسروا بشروا ولا تنفروا وتطاوعا ولا تختلفا ) رواه مسلم.

وعن ابن عباس عن رسول الله صلي الله عليه وسلم إياكم والغلو في الدين فإن هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين ) رواه أحمد والنسائي .

وعن ابن مسعود قال ( صلي الله عليه وسلم ) هلك المتنطعون قالها ثلاثا) رواه مسلم .

عن أبي هريرة ( رضي الله عليه ) عن النبي صلي الله عليه وسلم قل : ( إن الدين يسر ولن يشاد الدين احد إلا غلبه فسددوا وقاربوا واغدوا وروحوا وشئ من الدلجة ، القصد القصد تبلغوا ) رواه البخاري.

الوسيطة والاعتدال

يقول تعالي ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) البقرة 143.

يفهم من هذا التوجيه الإلهي ن على المؤمنين أن يتوسطوا في كل شئ لا إفراط ولا تفريط0.

قال ( صلي الله عليه وسلم ) ( إن الله يحب أن تقبل رخصه كما يحب العبد مغفرة ربه ) رواه الطبراني .

وقال ( صلي عليه وسلم) الهوا والعبوا فإني أكره أن يكون في دينكم غلظة ) البيهقي.

وقال ( صلي الله عليه وسلم ( خير الأمور أوساطها ) البيهقي.

وصدق الله العظيم حين قال : ( وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا ) القصص 77

وكما حلل الله الزينة والتزين فقد أباح المرح والفرح واللهو البرئ للتخفيف من قسوة الحياة فقال ( صلي الله عليه وسلم ) دقوا الطبول وأعلنوا الفرحة ليعلم يهود أن في ديننا فسحة ) أبو داود.

عن ابن عباس وعلى رضي لله عنهما أن النبي صلي الله عليه وسلم قال ( روحوا القلوب ساعة بعد ساعة فإن القلوب إذا كلت عميت ) أى إذا أجهدت .. لم تتبين الخطأ من الصواب .

وقال صلي الله عليه وسلم ( روحوا القلوب ساعة بعد ساعة فإن القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد ) أبو داود.

فلا يجب التمادي في تحريم مساحة الحلال لأن نبينا صلي الله عليه وسلم قال : ( إن محرم الحلال كمحلل الحرام ) الشهاب .

وعنه صلي الله عليه وسلم ( ألا أنبئكم بالفقيه كل الفقه؟ قالوا : بلي يا رسول لله قال : من لم يقنط الناس من رحمة الله ولا يؤمنهم من مكر الله ولا يدع القرآن رغبة عن سواه ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفقه ولا علم ليس فيه تفهم ولا قراءة ليس فيها تدبر الديلمي .

وفي الأثر قال صلي الله عليه وسلم ( بعثت بالسيف واللين فوجدت اللين أشد قطعا من السيف"وعلى الذين يدعون أصحاب المعاصي ان يرفقوا بهم لأن الحق غاب عنهم فضلوا وأضلوا لذا يجب الرفق بهم يقول صلي الله عليه وسلم ( إن الرفق لا يكون في شئ إلا زانه ، ولا نتزع من شئ إلا شانه ) رواه مسلم .

وقل صلي الله عليه وسلم ( من يحرم الرفق يحرم الخير كله ) رواه مسلم وعن عائشة رضي الله عنها قالت ( ما خير رسول الله صلي الله عليه وسلم ) بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما ، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه وما انتقم رسول الله صلي الله عليه وسلم لنفسه في شئ قط إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله تعالي ) متفق عليه .

ويقول فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي إن بعض الإخوة يخلطون بين الصراحة والحق والخشونة في الأسلوب مع أنه لا تلازم بينهما والداعية الحكيم هو الذي يوصل الدعوة إلى غيره بألين الطرق وأرق العبارات دون أدني تفريط في المضمون .

وصدق الله العظيم إذ يقول لنبيه ( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ) آل عمران 159 .

الآباء والأمهات والأخوات

ثم تعالوا أيها الشباب نحاسب أنفسنا قبل أن يحاسبنا رب العالمين ..

أين أنتم أيها الشباب المسلم من مرآة حق الوالدين لطالما تلقيت شكاوي الأمهات والآباء عبر الهاتف أو عن طريق الخطابات و المقابلات الشخصية لكم رأيت الأمهات حزينات مكلومات الفؤاد من أبنائهم المتدينين الذين يعاملون الأهل بالخشونة والتصلت .. نري الواحد منهم إذا تدين فأطلق لحيته ولبس الجلباب وبدت الزبيبة في رأسه كلما جلست العائلة لمتابعة مسلسل تلفزيوني أو أغنية ترفيهية أو فيلما سينمائي فبدلا من أن يشاركهم الجلسة العائلية ويلحظ بنور قلبه مواطن الخلل الأخلاقي المقصود أو غير المقصود فينبه عائلته بإخلاص وصدق ويحذرهم برفق من مغبة سلوك بعض الأشخاص في سياق الدراما .. نراه يقطع عليهم لذة المشاهدة ويغلق التلفاز بعصبية مقيتة ويغلظ القول للجميع باسم الإسلام فينفر الجميع ويدفعهم هذا التصرف المتعنت إلى التصرف سرا دون علمه .. إلى آخر هذه المواقف الصغيرة في حجمها الكبيرة في آثارها النفسية ما هكذا تكون الدعوة إلى الله يا بني كان من الأجدر أن تنساب بينهم وتحببهم في الله ورسوله.. وتنبههم بالسياسة والكياسة أن يتدربوا على التمييز بين الغث والثمين ويحسنوا اختيار ما يمكن مشاهدته من الترفيه النظيف والفن الرفيع الراقي ..

الأمية

ثم تعالوا إلى لنتساءل عن مهمة غابت عنكم منذ أمد بعيد .. أين نتم من المشاركة الإيجابية مع حاجيات المجتمع أين نتم من ( مشكلة الأمية ) وهي من أكبر مشكل الدول العربية والإسلامية وهي أول ما نزل به وحي السماء إلى سيد الخلق في دينكم ماذا فعلتم من الأعمال التطوعية للقضاء على هذه الظاهرة المشينة ..؟ أين تقضون إجازة الصيف ؟

لو أن المجتمع شعر بدوركم في مشكلة محو الأمية فقط لاكتسبتم ثقة الشعب وثقة الحكومة .. لأن الإسلام ليس كلاما واشتغالا بعيوب الآخرين ولكن الإسلام عطاء وإيثار.. يقول الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف ( يا شباب الإسلام ، لا تتقوقعوا على أنفسكم تاركين الشعب وهم آباؤكم وأمهاتكم وإخوانكم وأرحامكم .. انزلوا إلى الشعب واختلطوا به وعيشوا في همومه وشاركوه متاعبه ، اربتوا على أكتاف المهمومين ، امسحوا دموع اليتامي ، ابتسموا في وجوه البائسين ، خففوا الحمل عن كواهل المتعبين أغيثوا الملهوفين أجبروا كسر المكسورين داووا جراح القلوب الحزينة بموقف عملي أو بكلمة طيبة أو بسمة صادقة ،... إن القيام عبادة رفيعة القدر إن كل عمل اجتماعي نافع يعده الإسلام عبادة من أفضل العبادات )

فهل رأيناكم أيها الشباب المسلم حيث أرادكم الله في مواقف خيرة متجاوبة مع حاجيات المجتمع ؟؟ لا أظن ذلك..

إذا كيف تتوقعون تأييد المجتمع وترحيب الحكومات بكم؟؟

أحسنوا الظن بالحاكم والقائمين على الدولة

أعجبني رأي قله لى المهندس إبراهيم سيد كريم . وهو دارس لعلم قديم حديث هو أثر الإشكال والزوايا على نفسية الإنسان وروحه المعنوية وصحته العامة .. قال لى يوما ما ( إذا أردت أن تنهي العداوة بينك وبين أحد من الناس .. فابدئي بنفسك انزعي الغل وعدم الرضا من صدرك .. وقومي بالدعاء لهذا العدو بالهداية والتوفيق .. وعندئذ ستخرج منك إشعاعات طيبة كريمة تتجه إلى هذا الإنسان حيثما كان فتهد من غلوائه ويستريح ويهد ويبادلك نفس هذه الإشعاعات وحينئذ تنتهي هذه العداوة بفضل الله تعالي والرجل لم يقل كلاما غريبا .. لأن الله تعالي قال في محكم آياته ( ادفع بالتي هي أحسن فإذ الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم . وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ) فصلت 34 -35.

يجب ان ندرك ونشعر جيدا أن الهوة شاسعة بين الحب والبغض .. كما يجب أن نعي جيدا أن أعداء الوطن لن يتمكنوا من القضاء علينا إلا إذا بذروا بذور الحقد والكراهية بين الشعب والحكومة .. عندئذ يسهل ابتلاعنا حيث لا ينفع الندم ولا تغني الحسرة ..

يجب ن نكون على يقين من أن مشاعر الحب والثقة والتعاون إذا سادت المجتمعات العربية والإسلامية نظر الله إلينا بعين الرضا وبارك لنا في أمتنا والنبي عليه الصلاة والسلام قال ( يد الله مع الشريكين ما لم يتخاونا فإن تخاونا رفع الله يده عنهما ) أى تركهما ( الشعب والحكومة ) للشيطان وحزبه ولأن الله يبغض التشاحن والتنازع قال سيد الخلق ( صلي الله عليه وسلم ) ( يطلع الله عز وجل إلى خلقه ليلة النصف من شعبان فيغفر لعباده إلا اثنين : مشاحن وقاتل نفس ) ابن ماجة وقال صلي الله عليه وسلم من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه )

قال رسول الله صلي الله عليه وسلم ( تعر ض الأعمال في كل اثنين وخميس فيغفر الله لكل امرئ لا يشرك بالله شيئا إلا امرءا كانت بينه وبين أخيه شحناء ، فيقول ك اتركوا هذين حتي يصطلحا ) رواه مسلم .

وقال تعالي : ( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين ) الأنفال 46.

وقال تعالي ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم عداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ) آل عمرن 102.

من الذي يبدأ بهذه الخطوة من الذي يجب عليه أن يبدأ بهذه الخطوة ؟؟ الدولة؟؟ أم نتم يا من تلبسون ثوب الدين والإيمان ؟؟ أقول لكم من مقام الأمومة أولا ثم من مقام الخوف على الأمة ثانيا .. أنتم .. نعم أنتم أيها الشباب المسلم الذي يجب عليه أن يمد يده بالصلح والأمان والسلام النفسي . بل بالحب والتقدير والتعاون على البر والتقوى وإصلاح ذات البين .

ولن يتم ذلك بين يوم وليلة ولكن بشئ من الصبر والمثابرة والعمل المتقن والحرص على التقدم العلمي والتكنولوجي والنبوغ فيه والعمل على تنمية المجتمع وحل مشاكله .. حتى نعين حكامنا وحكوماتنا النامية التي لا ولن تصل إلى مستوي الدول المتقدمة إلا بإخلاصكم وتفانيكم .. مدو أياديكم لحكوماتكم وحكامكم .. اجعلوهم يطمئنون لإخلاصكم حتى يتفرغوا لمسئولياتهم التي تنوء عن حملها الجبال شدوا على أياديهم بالمحبة والإيثار والعطاء بلا حدود .. دعوا لأمن ورجاله كي يتفرغوا لمحاصرة الفساد والإجرام .. بدلا من أن يبذل الجهد والمال في تتبعكم ومحاربتكم ودعوهم يطمئنون لحسن نواياكم حتى ينهضوا بمهامهم الرئيسية فينضبط المجتمع ونتخلص من وباء المخدرات وتجار الجنس والبلطجة .. وانتبهوا أيها الشباب واعلموا أن النزاع بين الأمن والتيار الإسلامي من فعل أعداء الوطن فلا تقعوا في هذا الفخ اللعين .. أفيقوا أيها الشباب المسلم وكونوا على يقين من أن رجال الأمن والشرطة ما هم إلا إخوانكم ولكنهم يعانون أشد المعاناة من جميع أشكال سلبيات المجتمع التي تقع على عاتقهم .. أعانهم الله ..

ايها الشباب .. إذا أصبح الواحد منا مسئولا عن أسرة فإن الحمل ثقيل .. فإذا اضطرته الأيام إلى تحمل مسئولية أسرة ثانية أو ثالثة كظرف وفاة أو غيره .. كان العبء لا يحتمل ورح الفرد منا يفكر ويدبر ويحار بالليل والنهار فما بالكم بالحكام الذين يحملون مسئولية البلاد والعباد سواء كانت مسئولية الحفاظ على الوطن من طمع الطامعين وغدر الجبارين .. و مسئولية إطعام الشعب وشرابه وكسائه وتوفير السكن بكل مشتقاته من مباني ومجاري وكهرباء وشوارع ومواصلات .. ثم مسئولية توفير فرص التعليم ثم التوظيف .. إلى آخر هذه المسئوليات لو تصورنا حجم هذه المسئوليات .. فلا أقل من أن ندعو الله لحكامنا ونمد أيدينا إليهم ونأخذ بيد أنفسنا وأهلنا ومجتمعنا حتى نخفف العبء عليهم ونكون أمام الله قد أدينا واجبنا تجاه الحاكم والوطن وتجاه رب العالمين من قبل ومن بعد .

أسباب النصر

وختاما أيها الشباب لابد أن نتدارس أسباب النصر...

خصوصا في هذه الأيام العجاف التي تتربص فيها بكم إسرائيل وتتحين الفرصة لتحقق عقيدتها في أرض الميعاد وتساندها أمريكا مساندة الحبيب لحبيبه وتؤيدها وتسكت عن جرائمها بريطانيا سكوت اللئام على مائدة الأيتام بعد أن زرعت في قلب العرب إسرائيل هذا النوع من البشر الذين لعنهم الله فقال : ( لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسي ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون . كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ) المائدة 78 -79

وقال تعالي : ( لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا ونهم لا يستكبرون ) المائدة 82

ويقول تعالي : ( وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله يسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين ) المائدة 64

وهكذا أيها الشباب بين يوم وليلة وجدنا هؤلاء الملعونين الذين لا يتناهون عن أنواع المنكرات والمظالم والمؤمنين بضراوة ويعملون على إشعال نار الحروب أينما كانوا ويسعون في نشر الفساد على مستوي العالم مزروعين في أرض فلسطين .قلب العروبة !!

- فهل أعددتم أنفسكم لهذه المواجهة القادمة بالعلم والتكنولوجيا المتطورة لحظة بلحظة ؟؟

- هل تدربتم على الدفاع عن أنفسكم أو قتال العدو إن تجاسر على قتالكم ؟

- هل أطعتم الله وأذعنتم لأوامره حين قال لكم ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن ربط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم ) الأنفال 60

- نعم نحن ندعو إلى السلام ولكن الله تعالي قال ( وقاتلوا في سبيل الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله يحب المعتدين ) البقرة 190

وفي إحدي خطب النبي صلي الله عليه وسلم  : ( لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاثبتوا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف ثم قالا اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم ) متفق عليه

هل تدارسنا ووعينا مقومات النصر على المعتدين ؟

إن النصر بيد لله وحده لا شريك له.. ولكن له شروط إن التزمنا بها نصرنا الله( يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم )محمد :7

- ما معني نصر الله ؟ هل رب العالمين في حاجة إلى نصرنا له سبحانه ؟ لا إن نصر الله معناه الاستجابة التامة والكاملة لأوامره ونواهيه .. بل الترحيب والإقبال واللهفة على مرضاته سبحانه .. إنه يحب أن يري عباده ساجدين مخبتين صالحين ..

- فعالين للخيرات مقيمين حدود الله في أنفسهم وفي الناس .. مجتهدين محترفين ( إن الله يحب العبد المحترف ) روه أحمد متقنين لأعمالهم .. قلوبهم نقية وألسنتهم زكية وأياديهم طاهرة ونواياهم خيرة يقيمون شرع الله في البلاد والعباد .. صابرين محتسبين .. عاملين على حسن الخلافة لله في أرضه .. ( إني جاعل في الأرض خليفة ) البقرة 30

الصبر .. الصبر

لا يجبل علينا أن نستدرج لقتال إسرائيل إلا في الضرورة القصوي ذلك لأننا دعاة سلام إذا سولمنا ، وإن جنحوا للسلم جنحنا وإن أرادوا القتال قاتلنا .

والحق معنا ما دمنا نؤمن بالله ونستجيب له فإن الله ناصرن إذا خذنا بكل الأسباب والله تعالي يقول ( كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ) البقرة 249

فلابد من الصبر والاصطبار وإعداد العدة بهمة وإخلاص ولابد أن نكون يدا واحدة وقلبا واحدا حتى لا يستغل عدونا اختلاف قلوبنا .. كما يجب ألا ننسي أننا كنا في يوم ما دولة عظمي مترامية الأطراف وقت كنا بكلياتنا مع الله فكان الله معنا فلو عدنا لسابق عهدنا شملتنا هذه الآيات المبشرات ( إن ينصركم الله فلا غلب لكم ) آل عمران : 16

( وكان حقا علينا نصر المؤمنين ) الروم 47

( ولينصرن الله من ينصره ) الحجرات 4

( وإنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد)

وكما بدأت هذا الكتاب أختمه بنفس الآية الكريمة التي تبشر بتغيير الحال ( عسي الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم ) الممتحنة :7صدق الله العظيم

كريمان حمزة