تربية الأولاد في الإسلام - الجزء الأول

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
تربية الأولاد في الإسلام - الجزء الأول


بقلم : الشيخ عبد الله علوان

مقدمة الطبعة الأولى

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أبان للعباد منهج التربية القويمة في قرآنه المجيد، وأوضح للعالمين مبادئ الخير والهدى والإصلاح في أحكام شرعه الحنيف.

والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي بعثه الله للإنسانية مؤدباً، وأنزل عليه تشريعاً يحقق للبشرية أسمى آيات عزها ومجدها، وأعظم غايات سؤددها ومكانتها، ورفعتها واستقرارها، وعلى آله وأصحابه الطيبين الأطهار، الذين أعطوا الأجيال المتعاقبة نماذج فريدة في تربية الأبناء وتكوين الأمم، وعلى من نهج نهجهم، واقتفى أثرهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:

1- فمن فضل هذا الإسلام على البشرية أن جاءها بمنهاج شامل قويم في تربية النفوس، وتنشئة الأجيال، وتكوين الأمم، وبناء الحضارات، وإرساء قواعد المجد والمدنية.. وما ذاك إلا لتحويل الإنسانية التائهة من ظلمات الشرك والجهالة والضلال والفوضى، إلى نور التوحيد والعلم والهدى والاستقرار.. وصدق الله العظيم في محكم تنزيله: {قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين. يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام، ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه، ويهديهم إلى صراط مستقيم} المائدة: 16.

2- ويكفي شريعة الإسلام فخراً وفضلاً أن شهد الخصوم بنمائها واستمرارها، واعترف الأعداء بحيويتها وخلودها.. وإليكم – يامن تستهويكم شهادات الغربيين - طائفة من أقوالهم، وطاقة من أريج مدحهم، وطيب ثنائهم، لتعرفوا ماذا يقول المنصفون من غير المسلمين عن رسالة الإسلام الخالدة، وتعاليمه السامية؟:

• نقل الأستاذ (غوستاف لوبون) عن الأستاذ (ليبري) قوله:

(لو لم يظهر العرب على مسرح التاريخ لتأخرت نهضة أوربا الحديثة عدة قرون).

• وقال (لين بول) في كتابه (العرب في إسبانيا): (فكانت أوربا الأمية تزخر بالجهل والحرمان، بينما كانت الأندلس تحمل إمامة العلم، وراية الثقافة في العالم).

• وقال (إلياس أبو شبكة) في كتابه (روابط الفكر والروح بين العرب والفرنجة): (إن زوال الحضارة الغربية كان شؤما على إسبانيا وأوربا، فالأندلس لم تعرف السعادة إلا في ظل العرب، وحالما ذهب العرب حلّ الدمار محل الثراء والجمال والخصب..).

• وقال (سيديلوت) في كتابه (تاريخ العرب): (كان المسلمون في القرون الوسطى متفردين في العلم والفلسفة والفنون، وقد نشروها أينما حلت أقدامهم، وتسربت عنهم إلى أوربا، فكانوا سبباً لنهضتها وإرتقائها).

• والكثير من المثقفين يعلمون شهادة الفيلسوف الإنكليزي المشهورة (برناردشو)، اسمعوا إلى ما يقوله بالحرف الواحد:

(لقد كان دين محمد موضع تقدير سام لما ينطوي عليه من حيوية مدهشة، وإنه الدين الوحيد الذي له ملكة الهضم لأطوار الحياة المختلفة، وأرى واجباً أن يُدعى محمد "منقذ الإنسانية"، وإن رجلاً كشاكلته إذا تولى زعامة العالم الحديث لنجح في حل مشكلاته..).

فهذه الأقوال، وأقوال غيرها، تعطي لكل ذي فهم وبصيرة البرهان تِلوَ البرهان على ما انطوى عليه نظام الإسلام من قوة دفع حضارية، ومبادئ تطويرية شاملة، وتعاليم حيوية خالدة.. والفضل كل الفضل بما اعترف به المنصفون وشهد به الأعداء:

شهد الأنام بفضله حتى العدا

والفضل ما شهدت به الأعداء

3- وإذا كانت الشريعة الإسلامية تتصف بالربانية، وتتسم بالشمول، وتختص بالتجدد والاستمرار، فهل مبادئها الشاملة، ومعطياتها المتجددة.. فكرة مجردة في الأذهان ونظريات مدونة في الكتب، أم هي متحققة في أمة تلمسها الأيدي، وتراها العيون؟.

فلنُحِل الجواب إلى شهيد الإسلام سيد قطب – رحمه الله – ولنسمع منه ما يقوله: (وانتصر محمد بن عبد الله يوم صنع أصحابه – عليهم رضوان الله –صوراً حية من إيمانه.. تأكل الطعام، وتمشي في الأسواق. يوم صاغ من كلٍّ منهم قرآناً حيٍّا يدبّ على الأرض. يوم جعل من كل فرد نموذجاً مجسماً للإسلام، يراه الناس فيرون الإسلام.

إن النصوص وحدها لا تصنع شيئاً، وإن المصحف وحده لا يعمل حتى يكون رجلاً، وإن المبادئ وحدها لا تعيش إلا أن تكون سلوكاً.

ومِنْ ثَمّ جعل محمد صلى الله عليه وسلم هدفه الأول أن يصنع رجالاً لا أن يلقي مواعظ، وأن يصوغ ضمائر لا أن يدبّج خطباً، وأن يبني أمة لا أن يقيم فلسفة، أما الفكرة ذاتها فقد تكفّل بها القرآن الكريم، وكان عمل محمد صلى الله عليه وسلم أن يحوّل الفكرة المجردة الى رجال تلمسهم الأيدي، وتراهم العيون..

ولقد انتصر محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم يوم صاغ من فكرة الإسلام شخوصاً وحوّل إيمانهم بالإسلام عملاً، وطبع من المصحف عشرات من النسخ ثم مئات وألوفاً، ولكنه لم يطبعها بالمداد على صحائف الورق، إنما طبعها بالنور على صحائف من القلوب، وأطلقها تعامل الناس وتأخذ منهم وتعطي، وتقول بالفعل والعمل ما هو الإسلام الذي جاء به محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم من عند الله)[1].

ومن أراد أن يعرف شيئاً عن تربية الرعيل الأول من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن جاء بعدهم بإحسان، فليستقرئ التاريخ ليسمع الكثير عن جليل مآثرهم وكريم فضائلهم.

فهل عرفت الدنيا أنبل منهم وأكرم، أو أرأف أو أرحم، أو أجلّ أو أعظم، أو أرقى أو أعلم؟!

ويكفيهم شرفاً وفخراً وخلوداً أن يقول القرآن العظيم في حقهم: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً، سيماهم في وجوههم من أثر السجود} الفتح: 29.

ويقول: {كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون. وبالأسحار هم يستغفرون. وفي أموالهم حق للسائل والمحروم} الذاريات: 17-19.

ويقول: {والذين تبوّؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم، ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن يُوق شُح نفسه فأولئك هم المفلحون}. الحشر: 9.

ويقول: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً} الأحزاب: 23.

هذا غيض من فيض مما نزل في كريم مآثرهم، وجميل محامدهم، وقد تحقق بهم فعلاً إقامة المجتمع الفاضل الذي كان حلم المفكرين، وأمنية الفلاسفة منذ القدم..

وكيف لا، والقاضي يجلس بينهم سنتين ولا يتخاصم إليه اثنان؟ ولماذا يتخاصمون وبين أيديهم القرآن؟ ولماذا يختلفون وهم يحبون لإخوانهم ما يحبون لأنفسهم؟ ولماذا يتباغضون والإسلام يأمرهم بالمحبة والإخاء، ويحضهم على التعاطف والإيثار؟

وإليكم ما قاله الصحابي الجليل (عبد الله بن مسعود) رضي الله عنه في تعداد محامدهم وفضائلهم، ووجوب التأسّي بأفعالهم الحميدة، وأخلاقهم الكريمة.. (من كان متأسياً فليتأسّ بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم كانوا أبرّ هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلّها تكلفاً، وأقومها هدياً، وأحسنها حالاً.. اختارهم الله لصُحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم).

4- وظلت الأجيال المسلمة عبر القرون تستقي من معين فضائلهم، وتستضيء بنور مكارمهم، وتنهج في التربية نهجهم، وتسير في بناء المجد سيرهم.. حتى العصر الذي انحسر فيه عن المجتمع الإسلامي حكم الإسلام، وزالت في الأرض معالم الخلافة الإسلامية.. واستطاع أعداء الإسلام أن يصلوا إلى هدفهم الخبيث وغرضهم الدفين في تحويل العالم الإسلامي إلى أمم متناحرة، ودول متخاصمة متنابزة.. تتقاذفهم الأهواء، وتجتذبهم المطامع، وتفرقهم المبادئ، وينساقون وراء الشهوات والملذات، ويتخبطون في أوحال التحلل والإباحية، ويسيرون بلا هدف ولا غاية، ويعيشون من غير ما سعي إلى مجد ولا وحدة ولا كيان... تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى، وتظنهم قوة ولكنهم غثاء كغثاء السيل.. حتى إن كثيراً من رجالات الإصلاح، وأرباب الدعوة إلى الله قد اعتراهم اليأس، واستحوذ عليهم القنوط، اعقتاداً منهم أن لا سبيل إلى إصلاح هذه الأمة، وأن لا أمل إلى استعادة مجدها واسترجاع عزتها وكيانها.. بل وُجِد من هؤلاء الدعاة من ينادي بالعزلة الكاملة، والتزام أحلاس البيوت، لظنهم أن هذا العصر هو آخر الزمان، وآن الأوان أن يخرج المسلم بنفسه ببضع غنيمات يتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر يفرّ بدينه من الفتن[2] حتى يدركه الموت.

وهذا التصور اليائس للإصلاح ناتج عن أسباب ثلاثة:

(أ) ناتج عن الجهل بطبيعة هذا الدين.
(ب) وناتج عن حب الدنيا وكراهية الموت.
(ج) وناتج عن الجهل بالغاية التي من أجلها خلق المسلم.

(أ) ويوم يفهم المسلمون أن الإسلام دين القوة، وأن شعاره في ذلك {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة...} الأنفال: 60.

ويوم يفهمون أن الإسلام دين العلم: العلم الشرعي والعلم الكوني على السواء، وأن شعاره في ذلك: {وقل ربّ زدني علماً} طه: 114.

ويوم يفهمون أن الإسلام اعتبر الإنسان خليفة الله في الأرض يملك زمامها ويستخرج دفائنها، ويطلع على كل سر فيها، وأن شعاره في ذلك: {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض} الأنعام: 165.

ويوم يفهمون أن الإسلام كرّم الإنسان، وفضّله على كثير مما خلق الله، ليضطلع بمسؤولياته، ويؤدي المهمة الموكَّل بها، وأن شعاره في ذلك: {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر، ورزقناهم من الطيبات، وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً} الإسراء: 70.

ويوم يفهمون أن الإسلام يعتبر الإنسان مسؤولا عن عقله، ومسؤولاً عن حواسه إذا هو قام بدور الإهمال والتعطيل، وأن شعاره في ذلك: {ولا تقفُ ما ليس لك به علم، إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا}. الإسراء: 36.

ويوم يفهمون أن الإسلام اعتبر هذا الكون مسخراً للإنسان، ليستعمله في خدمة العلم، وخدمة الإنسانية، وأن شعاره في ذلك: {وسخَّر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه...} الجاثية: 12.

ويوم يفهمون أن الإسلام دين التأمل والتفكير في خلق السموات والأرض للوصول إلى الحقائق الثابتة، وأن شعاره في ذلك: {قل انظروا ماذا في السموات والأرض...} يونس: 102.

ويوم يفهمون أن الإسلام دين العمل والنشاط والحيوية، وأن شعاره في ذلك: {هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا، فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور}. الملك: 15.

ويوم يفهمون أن الإسلام يحرم اليأس، وينهى عن القنوط وأن شعاره في ذلك: {إنه لا ييأس من رّوح الله إلا القوم الكافرون} يوسف: 87.

ويوم يفهمون أن الإسلام دين العزة والكرامة، فيجب أن يتوِّجوا رؤوسهم بها ويرفعوا في العالم لواءها، وأن شعاره في ذلك: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين، ولكنّ المنافقين لا يعلمون} المنافقون: 8.

... يوم يفهم المسلمون عن دينهم كل هذا، ويعرف الناس – وعلى رأسهم الدعاة إلى الله – طبيعة هذا الدين، وحقيقة هذا الإسلام فلا يتملكهم يأس، ولا يدبّ في نفوسهم قنوط.. بل ينطلقون في مضمار الدعوة والإصلاح والبناء.. وليعودوا – كما كان سلفهم – أساتذة للدنيا، وهداة للأمم، ومنارات متلألئة في ظلمات الحياة.. فتستقي البشرية من علومهم، وتنهل من معين معارفهم وحضارتهم على مر العصور، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

(ب) ويوم يتحرر المسلمون – وعلى رأسهم العلماء ورجال الدعوة إلى الله – من حب الدنيا، والركون إليها، والتمتع الزائد بلذائذها وطيباتها.. ويجعلون هداية الناس، وإصلاح المجتمع، والسعي إلى إقامة حكم الله في الأرض.. أكبر همهم، ومبلغ علمهم، وغاية الغايات، ومنطلق العزائم والنيات.

ويوم يتحررون من الجبن، والخوف، وكراهية الموت، ويوقنون من قرارة نفوسهم أن الأرزاق بيد الله، وأن الذي يضر وينفع هو الله، وأن ما أصابهم لم يكن ليخطئهم، وأن ما أخطأهم لم يكن ليصيبهم، وأن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوهم بشيء لم ينفعوهم إلا بشيء قد كتبه الله لهم، وإن اجتمعوا على أن يضروهم بشيء لن يضروهم إلا بشيء قد كتبه الله عليهم.

... يوم يوقن المسلمون بهذا، ويتحررون من أسباب الضعف والوهن، فعندئذ ينطلقون في ميادين الدعوة إلى الله، وفي مجالات التربية والتوجيه والإصلاح.. غير هيّابين ولا وجلين، مبلّغين رسالات ربهم لا يخشون أحداً إلا الله. بل واثقين كل الثقة أن الله سبحانه سينصرهم، ويمكن لهم في الأرض، ويبدلهم من بعد خوف أمناً، ومن بعد ذلة عزاً، ومن بعد تفرق وحدة، وما ذلك على الله بعزيز، إن هم صحَّحوا النيات، وعقدوا الهمة والعزيمة، وتحرروا من اليأس والخوف وحب الدنيا!!..

(ج) ويوم يعرف المسلمون أنهم خلقوا في الحياة لأجل هدف سام وغاية نبيلة، هذه الغاية قد قررها الله لهم في محكم تنزيله حين قال:

{وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} الذاريات: 56.

ولكن ما هي هذه العبودية التي يريدها الله منا، ويأمرنا بها، ويحضنا عليها؟ إنها الخضوع والانقياد لمنهجه الثابت، وصراطه المستقيم.

إنها حمل الأمانة التي عرضها الله على السموات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها وأشفقن منها.

إنها التكليف المستمر في إخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.

إنها إعطاء الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين.

إنها رفض المبادئ والأفكار التي لا تنبثق من شريعة الإسلام.

هذه هي مهمة المسلم في الأرض، وهذه هي غايته في الحياة.. فحين يعطي المسلم ولاءه لله ورسوله والمؤمنين يكون عبداً لله، وحين يحمل الأمانة بنفس مؤمنة وعزيمة صادقة يكون عبداً لله، وحين لا يقبل هدياً إلا هديه ولا تشريعاً إلا تشريع دينه يكون عبداً لله، وحين يستمر في حركية دائمة وجهاد دائب ليخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام يكون عبداً لله.

وإلا... فإنه يكون هملاً من سقط المتاع، عبداً للهوى، وعبداً للطاغوت، وعبداً لليأس والجمود والقنوط... يسير بلا غاية، ويتخبط بلا هدى، ويتعثّر بلا دليل.. {أو من كان ميتاً فأحييناه، وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها، كذلك زُيّن للكافرين ما كانوا يعملون} الأنعام: 122.

إذن فليعلم المسلمون طبيعة دينهم.

وليتحرروا من حب الدنيا وكراهية الموت.

وليعرفوا الغاية التي من أجلها خلقوا، وعلى أساسها وجدوا.

حتى ينهضوا بالإسلام من جديد، ويستعيدوا مجدهم الداثر، وعزيمتهم المنيعة، وقوتهم الهائلة، ووحدتهم الشاملة، وما ذلك على الله بعزيز.

5- ولكن ما السبيل إلى الإصلاح؟ وما البداية الصحيحة في تكوين المجتمع الصالح؟ وما المهمة الملقاة على كاهل الآباء والمربين، ورجالات التربية والإصلاح في هذا العصر؟ كل هذه التساؤلات في الحقيقة تدور حول منطلق واحد، وترمي إلى غاية واحدة...

أما أنها تدور حول منطلق واحد: فلأن كل من يهمه أمر الإصلاح، وكل من يعتني بقضية التربية.. يسعى جهده لتغيير هذا الواقع المرير الذي يتخبط أكثر الناس فيه، ويبذل كل ما يملك من وسائل وإمكانيات ليرى هذا المجتمع في المستوى اللائق، والحياة الهانئة الكريمة.

وأما أنها ترمي إلى غاية واحدة: فلأن كل العاملين في حقل التربية والتوجيه والإصلاح.. يجندون قواهم، ويشحذون عزائمهم لإقامة المجتمع الفاضل، وإيجاد الأمة القوية في إيمانها، والقوية في أخلاقها، والقوية في جسمها، والقوية في علومها، والقوية في نفسيتها.. لتستطيع أن تصل إلى النصر المؤزر، والوحدة الشاملة، والمجد الضخم العريض!!..

ولكن ما ملاك هذا كله؟ وما وسائل تطبيقه، ومراحل تنفيذه؟

الجواب يكمن في كلمة واحدة، ألا وهي: كلمة "التربية".

ولكن لهذه الكلمة مدلولات كثيرة، ومجالات واسعة، ومفهومات شاملة!!..

فمن مدلولاتها ومفهوماتها: تربية الفرد، وتربية الأسرة، وتربية المجتمع، وتربية الإنسانية.. وتحت كل صنف من هذه الأصناف تتفرع أنواع، وتندرج أقسام.. وكلها تهدف إلى إقامة المجتمع الفاضل، وإيجاد الأمة المثلى.

وما تربية الأولاد إلا فرع من تربية الفرد الذي يسعى الإسلام إلى إعداده وتكوينه ليكون عضواً نافعاً، وإنسانا صالحاً في الحياة.

بل تربية الولد إن – أُحسنت ووجهت – ما هي في الحقيقة إلا أساس متين في إعداد الفرد الصالح، وتهيئته للقيام بأعباء المسؤولية، وتكاليف الحياة.

6- وما هذا الكتاب الذي بين يديك – أخي القارئ - إلا تبيان للمنهج الكامل الصحيح في تربية الأولاد في الإسلام.. وحين يوفقك الله سبحانه لقراءته تعلم أن من مزايا هذا التشريع الإسلامي مزية الشمول، الشمول الكامل لكل ما يسعد الإنسانية في دينها ودنياها وآخرتها، ويتبين لك كذلك أن للإسلام طريقته في التربية، ومنهجه في الإصلاح.. فحينما يأخذ المربون بطريقته ومنهجه.. يحل في الأمة الاستقرار والأمن والسعادة محل الفوضى والخوف والشقاء.. ويتضح لناظريك أيضاً أن هذا الإسلام هو دين الحياة، ودين الإنسانية، ودين الوعي والتربية والإصلاح.. وحينما تهتدي البشرية بهديه، وتستقي الأمم من معينه، وتأخذ الدول بمبادئه وتشريعه، فإن السلام في العالم يسود، ومعالم المجتمع الفاضل تتراءى للأعين بجلاء ووضوح، ويعيش الناس في ظلال الإسلام سعداء آمنين!!..

لماذا؟.. لأنه دين رب العالمين، ورسالة فخر الإنسانية صلى الله عليه وسلم والتشريع الشامل الكامل الذي ارتضاه الله للبشرية ليكون لها دستوراً ومنهاجاً.

7- ومن الملاحظ أن المكتبة الإسلامية فقيرة في كل ما كتب عن تربية الأولاد في الإسلام، وحتى الآن لم أعثر – فيما اطلعت عليه – على كتاب جامع شامل مستقل يبحث عن تربية الولد منذ ولادته إلى سن التكليف، اللهم إلا كتاب (تحفة المودود في أحكام المولود) لابن القيم الجوزية رحمه الله، فإنه يبحث فقط في المولود، وما يتعلق به من أحكام، وقد استفدت منه كثيراً في كتابه الفصل الثالث وما بعده في القسم الأول، فجزى الله مؤلفه أفضل الجزاء، وأجزل مثوبته، ورفعه في الدار الآخرة مقاماً عليّاً.

والله يعلم كم بذلت من جهد! وكم بحثت في مراجع! لأخرج لقراء العربية كتاباً جامعاً مستقلاً يتناول تربية الولد منذ الولادة إلى التمييز إلى المراهقة إلى سن التكليف.. ويتناول كذلك المنهج الكامل الذي يجب أن يسير عليه الآباء والمربون، وكل من له في عنقه حق التوجيه والتربية.

وقد جاء الكتاب – والحمد لله – موفياً بالغرض، محققاً للهدف، مفصلاً الوسائل والغايات.. هذا ولا أدعي الكمال فيما كتبت، والعصمة فيما بحثت، والاستيعاب فيما ألفت، ولكن أرجو من الله سبحانه أن تكون هذه البداءة حافزاً لرواد الفكر الإسلامي في هذا العصر في أن يشحذوا أقلامهم ويحركوا هممهم وعزائمهم.. ليكتبوا في حقل تربية الأولاد، ويستوعبوا البحث فيها، ويكثروا من البحوث والتآليف لتبيان وسائلها وغاياتها.. لنرى بعد قليل أن المكتبة الإسلامية قد فاضت بالكتب التربوية، والبحوث الإرشادية.. ليكون عند كل من يهمه أمر التربية المراجع الوافية لاتباع أفضل الطرق في إعداد الولد إسلاميّاً، وتكوينه روحيّاً وخلقيّاً وفكريّاً.. ويوم تتضافر جهود العاملين في الكتابة عن التربية الإسلامية، ويؤدون ما عليهم من واجب ومسؤولية في هذا المضمار.. يكونون قد أبانوا للجيل الحاضر طريق العز والقوة، ووضحوا لكل ذي عينين من أبناء الإنسانية الوسائل العملية التي تؤدي إلى إقامة المجتمع الفاضل، وتكوين الجيل المثالي.

8- ولقد رأيت أن أُخِرج كتاب (تربية الأولاد في الإسلام) في ثلاثة أقسام متتابعة، كل قسم يتناول عدة فصول، وكل فصل يندرج تحته عدة موضوعات، وستكون عناوين الفصول في كل قسم على النحو التالي:

القسم الأول: ويتناول أربعة فصول:

الفصل الأول: الزواج المثالي وارتباطه بالتربية.

الفصل الثاني: الشعور النفسي نحو الأولاد.

الفصل الثالث: أحكام عامة تتعلق بالمولود، ويشمل هذا الفصل أربعة مباحث:

الأول: ما يفعله المربي عند الولادة.
الثاني: تسمية المولود وأحكامها.
الثالث: عقيقة المولود وأحكامها.
الرابع: ختان المولود وأحكامه.

الفصل الرابع: أسباب الانحراف عند الأولاد ومعالجته.

القسم الثاني: وهو بحث واحد تحت عنوان (المسؤوليات الكبرى لدى المربين) ويتناول سبعة فصول:

الفصل الأول: مسؤولية التربية الإيمانية.

الفصل الثاني: مسؤولية التربية الخلقية.

الفصل الثالث: مسؤولية التربية الجسمية.

الفصل الرابع: مسؤولية التربية العقلية.

الفصل الخامس: مسؤولية التربية النفسية.

الفصل السادس: مسؤولية التربية الاجتماعية.

الفصل السابع: مسؤولية التربية الجنسية.

القسم الثالث: ويتناول ثلاثة فصول وخاتمة:

الفصل الأول: وسائل التربية المؤثرة.

الفصل الثاني: القواعد الأساسية في تربية الولد.

الفصل الثالث: اقتراحات تربوية لا بد منها.

وأخيراً: خاتمة المطاف.

تلكم هي الخطوط العريضة لفصول كل قسم من أقسام الكتاب. وستجد أخي القارئ أن تحت كل فصل من هذه الفصول بحوثاً هامة، وموضوعات مفيدة.. وكلها تستهدف توضيح المنهج الأفضل في التربية القويمة للأبناء، وإعدادهم أعضاء صالحين للحياة، وجنوداً أقوياء للإسلام، وشباباً وثاباً يحملون في نفوسهم أنبل معاني الكرامة والتضحية والفداء.

وفي الختام أسأل الله سبحانه أن يجعل عملي هذا خالصاً لوجهه الكريم، وأن يتقبله مني يوم العرض عليه، وأن يجعل من هذه السلسلة أداة نفع للعباد، وشعلة نور وهداية لكل من يريد أن يسير في الحياة على هدى وصراط مستقيم، إنه أفضل مأمول، وبالإجابة جدير.

المؤلف

عبدالله ناصح علوان

[1] من كتاب (دراسات إسلامية) للشهيد سيد قطب فصل (انتصار محمد بن عبد الله).

[2] روى البخاري عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يوشك أن يكون خير مال الرجل غنم يتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن". الحديث محمول على من يفتن بدينه ويجبر على الردة، أما أنه مادام يوجد مسلمون يؤدون الشعائر، ويطبقون على أنفسهم أحكام الإسلام، ومادام أنه ثمة مجال للتعاون، وتحقيق العز الإسلامي فإنه يحرم على المسلمين العزلة والانزواء، لأنه مالا يتحقق الواجب إلا به فهو واجب، ولهذا وجب على المسلمين اليوم أن يحققوا حكم الله، ويقيموا دولة الإسلام.. وإلا فهم آثمون.

مقدمة الشيخ وهبي سليمان الغاوجي الألباني

مقدمة لفضيلة العالم الكبير

الشيخ وهبي سليمان الغاوجي الألباني

1- لقد عرفت الأستاذ الشيخ عبدالله علوان من خلال رسالته الأولى (إلى ورثة الأنبياء) ثم من خلال رسائله وكتبه مثل: (التكافل الاجتماعي في الإسلام)، (حتى يعلم الشباب)، (صلاح الدين الأيوبي)، كما عرفته من خلال حديثه والعمل المشترك حيناً من الدهر في مجال التربية والتعليم. لقد عرفته في ذلك، وفيما سمعت عنه، ولو سئلت أن أقول في الشيخ عبدالله علوان قولاً وجيزاً لقلت: الرجل مؤمن عالم يعيش وبين عينيه وفي جوانحه، وفي قلبه ودمه قوله صلى الله تعالى عليه وسلم : (... من أصبح ولم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم).

لذا تجده حيناً يخاطب العلماء أن يقوموا بواجب تبليغ الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة فيكتب لهم (إلى ورثة الأنبياء) وحيناً يخاطب العامة فيحذرهم من المرناة (الرائي) ويبين لهم أخطاره وسّئ آثاره في رسالته (حكم الإسلام في التليفزيون) التي طوّرها إلى كتاب أسماه (حكم الإسلام في وسائل الإعلام) وحيناً يخاطب الطلاب فيكتب لهم رسالة (شبهات وردود).

وحيناً يخاطب الشباب فيكتب لهم (حتى يعلم الشباب).

وحيناً يخاطب القائمين على شؤون المجتمع فيكتب لهم (التكافل الإجتماعي في الإسلام).

وحيناً يثير فينا أشواق الماضي، ويذكرنا بعظمة الماضي فيكتب (صلاح الدين الأيوبي).

وحيناً يخاطب المسلمين بأسلوب العلم والفقه فيكتب لهم (أحكام الصيام) و (أحكام الزكاة...).

وحينا يدل على وسيلة تخليص المجتمع من أوضار الرأسمالية فيكتب لهم (أحكام التأمين)، ويذكر أخطاره وأضراره.. ويبين بديله الحق في التكافل الإسلامي.

ونجده الآن يكتب في (تربية الأولاد في الإسلام) لأولئك جميعاً، فجزاه الله تعالى خيراً، وزاده توفيقاً، وبارك في عمره وفي عمله.

2- لقد كتب كتابه الأخير هذا، وجعله في أربعة أجزاء، وقد بلغ ما كتبه في هذا الموضوع (1376)[1] صفحة من القطع المتوسط. وهو أمر يدل حقاً على عنايته العظيمة بتربية أجيال المستقبل فضلاً عن غير ذلك من العلم والمعرفة.

  • ما أعلم أحداً كتب في تربية الأولاد من وجهة النظر الإسلامية على سعة وبسط وصدق مجموعا كما فعل الأستاذ الشيخ عبدالله علوان.
  • ما أعلم كاتباً أكثر من الشواهد الإسلامية في القرآن والسنة وآثار السلف الصالح على ما يقرره من أحكام ووصايا وآداب، كما فعل الأستاذ الشيخ عبدالله علوان.
  • ما أعلم كاتباً اكتفى في هذه البحوث التربوية الهامة بكتابات المسلمين الأصيلة، دون العروج إلى ما قاله الآخرون "إلا عند الحاجة الماسة لغاية خاصة"، كما فعل الأستاذ الشيخ عبدالله، ذلك لأنه يكتب لمسلمين يوجهون مسلمين، فهو يختصر الطريق، ولأن له من الثقافة الإسلامية القائمة على أصول الإسلام وتجارب المسلمين الماضين والمعاصرين، ما يجد بها غُنية عما عند الآخرين.
  • ما أعلم كاتباً كتب بحرقة وقوة في موضوع تربية الأولاد، كما فعل الأستاذ الشيخ عبدالله.

3- أما بعد، فلقد هممت بأن أكتب عناوين بعض بحوث هذا الكتاب القيم، وأن أعرض لمعان من نقاط نيرة مفيدة منه، "وما أكثرها" لتكون نموذجاً وإعلاناً ينبئ عن كنه الكتاب وحقيقته، لكني تركت ذلك كيلا أطيل على القارئ الكريم في هذه الكلمة، وكي يصل هو بنفسه إلى ما كنت أودّ عرضه وزيادة.

لكني أنقل كلمة الأستاذ الشيخ عبدالله في نهاية الكتاب التي جعلها تحت عنوان: "اقتراحات تربوية لا بد منها":

يرى الأستاذ أنها تنحصر في الأمور التالية: تشويق الولد إلى أشرف الكسب – مراعاة استعدادات الولد الفطرية – ترك المجال للولد في اللعب والترويح – إيجاد التعاون بين البيت والمسجد والمدرسة – تقوية الصلة بين المربي والولد – السير على منهج تربوي في اليوم والليلة – تهيئة الوسائل الثقافية للولد – تشويق الولد إلى المطالعة الدائمة – استشعار الولد بسؤولية الإسلام – تعميق روح الجهاد في نفسية الولد.

لقد كتب في شرح هذه المقترحات (177) صفحة، فهل ترى أن الكاتب الفاضل ترك مزيداً لمستزيد في واجب تربية الأولاد والعناية بهم؟

فما أجدر الآباء والأمهات، وما أجدر المربين والعاملين في ميدان التربية، ما أجدرهم جميعاً بقراءة كتاب (تربية الأولاد في الإسلام)، وأن يسيروا مع كتابنا هذا في تربية من يلون أمرهم (فكفى بالمرء إثما – كما يقول رسولنا صلى الله عليه وسلم – أن يضيع من يقوت) رواه مسلم.

وأيّ ضياع أشد وأخطر من إضاعة القلوب وتحريفها عن الجادة أو تركها تضيع هكذا بسبب الإهمال؟!

أيّ ضياع أشد من ضياع هو الخروج على الإسلام والتنكر لأحكامه؟

أيّ ضياع أشد من ضياع قلوب الأولاد وعقولهم وأخلاقهم، ثم بقاء أجسادهم كأنها خشب مسندة لا تحمل عقيدة عظيمة ولا تعيش لغاية عظيمة؟!

أقرّ الله عينيك يا شيخ عبدالله، وعيون أمثالك، فينشأ الجيل، الجيل المثالي يعيش عيش أول جيل مثالي على الأرض، ويوفقه الله تعالى كما وفق ذلك الجيل الأول، جيل رسوله صلى الله عليه وسلم وصحبه البررة الأخيار رضي الله تعالى عنهم فيستخلفه في الأرض ويمكن له دينه الذي ارتضى له، ويبدله من بعد خوفه أمناً، ويرفع رايته على كل صقع ورابية، ويجعل الدين كله لله.

وما ذلك على الله بعزيز {ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم}. وهبي سليمان الغاوجي

[1] كان هذا في طبعته الأولى، وقد يسَّر الله إعادة جمعه وترتيبه في مجلدين بطريقة أفضل إن شاء الله (الناشر).

مقدمة الطبعة الثانية للمؤلف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على معلّم الناس الخير، وهادي البشرية إلى نور الحق المبين، والصراط المستقيم.. ورضي الله عن آله وأصحابه والتابعين.. ممّن حملوا إلى العالم رسالة الإسلام، وتعاليم القرآن.. ورضي أيضاً عمّن سار على دربهم، ومشى على طريقهم بإحسان إلى يوم الدين.

وبعد:

فأحمده سبحانه أولاً وآخراً على ما منّ ووفق في إنجاز كتاب "تربية الأولاد في الإسلام" بأقسامه الثلاثة.

وقد جاء الكتاب بعد اكتماله – كما شهد أهل الاختصاص – موفياً بالغرض، موضحاً للوسائل، مرشداً للطريقة، مستوعباً للمبادئ، منوّعاً للمسؤوليات، ملبياً للحاجة، مناسباً لروح العصر، متلائماً مع واقع الجيل، وحالة الأمة الإسلامية الراهنة..

وأملي وطيد أن يجد قرّاء العربية في هذا الكتاب أمنيتهم الغالية في كل ما يحتاجونه لأولادهم في الحاضر أو في المستقبل.. من مبادئ توجيهية عامة، وقواعد تربوية شاملة..

كما آمل أن أكون قد سدَدْت بإخراج هذا الكتاب ثغرة كبيرة في عالم الكتب، ومجال التربية.. حيث أصبح المربّي يجد في المكتبة الإسلامية الحاضرة كتاباً تربوياً شاملاً، يعالج "تربية الولد" من جميع الجوانب، ويضع بين يديه القواعد الأساسية في إعداد الولد روحياً وعقلياً وجسمياً، وفي تكوينه خلقياً ونفسياً واجتماعياً...

كما أرجو أن يكون الكتاب هذا مناراً متلألئاً يستهدي به كل من يريد أن يربّي ولده على أصالة العقيدة الربانية، وسنن الإسلام، وهدي القرآن، ومعالم السنة، وطرائق السَّلف، ومنهجية الشريعة الإسلامية الغراء!

وأبشر المربّين على اختلاف مستوياتهم بأني أضفت إلى هذه الطبعة في قسم "مسؤوليات المربّين" بحثاً جديداً بعنوان "مسؤولية التربية الجنسية" الذي يعالج ميل الولد إلى الجنس، وكفّه عن الفاحشة في سن المراهقة، وإرشاده إلى أصول الاتصال الجنسي إذا بلغ سن البلوغ، ودخل عتبة الزواج!!.

وأريد في هذه المناسبة أن أذكّر إخوتي المربّين بأن يوافوني بملاحظاتهم واقتراحاتهم إذا رأوا في الكتاب ثمة نقص أو نقد.. وأنا شاكر لهم سلفاً حسن صنيعهم، وكريم اهتمامهم، لأن الكمال لله تعالى وحده، والعصمة لأنبيائه ورسله، وما منّا إلا من ردّ ورُدَّ عليه.. عسى أن أستدرك ذلك في الطبعات القادمة إذا يسّر الله لي بقاء الصحة وطول العمر !!..

وإن مما يثلج الصدر، ويفرح القلب أن أرى شبابنا وشباتنا ظاهرة التلهف إلى شراء الكتاب الإسلامي لمطالعته والاستفادة منه... وما أن نزل القسم الأول والثاني والثالث من كتاب التربية إلى السوق حتى تزاحم الشباب والمربون على اقتنائه، وما كنت أتوقع أن تنفد النسخ بهذه السرعة العجيبة، والحمد لله أولاً وأخيراً.

وهذه الظاهرة تدل على أن جيلنا المسلم بدأ يتجه نحو الإسلام لما تولّد عنده من قناعة عقلية وقلبية.. هذه القناعة تتجسد في أن هذا الإسلام بتشريعه الشامل، ومبادئه الخالدة هو المنقذ الوحيد مما يعانيه من آفات نفسية، وانحرافات خلقية، وضغوط سياسية، وتفسّخ اجتماعي..

{قد جاءكم من الله نورٌ وكتابٌ مبين. يهدي به الله من اتّبع رضوانه سُبُل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم} المائدة: 15-16

وإني لألمح في خيالي أن طلائع الإسلام بدأت تتحرك نحو المستقبل لتقيم في مجتمعنا الإسلامي مجداً عريضاً يضاهي الأمم الكبيرة في عزتها وشموخها.. وإن من أعظم العوامل التي تحقق للإسلام دولته، وللمسلمين عزتهم.. أن تتضافر جهود العاملين للإسلام في تكوين جيل قرآني مؤمن، وإعداد أمة إسلامية مجاهدة، وتهيئة مجتمع رباني فاضل...

وما ذلك على الله بعزيز إذا أخذ العاملون بالوسائل، وسار المسلمون نحو الغايات!!

وها أنذا أقدم لجيلنا المسلم المعاصر على اختلاف مستوياته وثقافاته.. الطبعة الثانية من كتاب التربية بتنقيحاتها وزياداتها.. عسى أن يجدوا في الكتاب ما ينشدونه من أسس في الإعداد متينة، ومن قواعد في التربية راسخة، ومن مبادئ في التكوين سامية.. فلا يرون من بدّ سوى أن يأخذوا بمنهجية التربية الإسلامية الشاملة التي وضّحت معالمها شريعة الإسلام، ووضع أصولها النبي عليه الصلاة والسلام!...

وختاماً أذكّر القراء بأن يشملوني بدعوة صالحة في ظهر الغيب ألقى فيها ربّي إذا رأوا في هذا الكتاب خيراً، وأنا لهم من الشاكرين...

الله أسأل أن يجعل عملي خالصاً لوجهه الكريم، وأن يتقبّله مني يوم العرض عليه، وأن يوفقني دائماً لنصرة هذا الدين الحق، وتوضيح فكرة الإسلام الكلية عن الكون والحياة والإنسان... إنه أكرم مأمول وبالإجابة جدير.

المؤلف

عبدالله ناصح علوان

مقدمة الطبعة الثالثة المزيدة للمؤلف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى دعاة الحق، وقادة الخير بإحسان إلى يوم الدين.. وبعد:

فما كنت أحسب أن يلقى كتابي [تربية الأولاد في الإسلام] من الإعجاب والتقدير، والثناء العطر... مِن كل مَن اجتمعتُ به من أساتذة وعلماء وتربويين، ومن كل من راسلوني من أقطاب فكر، ورجال أدب، وقادة دعوة... والحمد لله أولاً وآخراً فهو الذي منَّ ووفق، وأعطى ووهب، وألهم ويسر.. فمنه نستمد العون، وعليه نتوكل، وإليه يرجع الفضل كله.. وها هو ذا الكتاب أقدمه للطبعة الثالثة مع زيادتين هامتين:

الأولى: تبيان الأدلة القاطعة في وجوب ستر وجه المرأة المسلمة.

الثانية: تدعيم الوقائع في انحرافات الجنس على ضوء ما جد من أحداث، وأرجو من الله العلي القدير أن يخرج الكتاب في طبعته الثالثة في أجمل طباعة، وأبهى حلة، وأفضل إخراج.. ليكون عوناً وسنداً لكل من يهمه تربية أولاده على قواعد الإسلام، ولكل من يسعى في تكوين جيل على أساس الأخلاق والإيمان... وفي إسلامنا – والحمد لله – أفضل الأسس في التربية، وأقوى الدعائم في التوجيه والأخلاق.. فهو يفي بحاجات الأمة الإسلامية في كل زمان ومكان في كل ما تتطلع إليه من غد مشرق أفضل، ومستقبل متفائل بسام...

الله أسأل أن يوفق جيل الإسلام اليوم إلى أن يجعل الإسلام رائده في الفكر والعقيدة وغايته في التطبيق والعمل والتربية، ومقصده في التطلع إلى عزة سامقة وكرامة منشودة، ووحدة إسلامية شاملة.. إنه خير مسؤول وبالإجابة جدير.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

المؤلف

عبدالله ناصح علوان

القسم الأول

الفصل الأول: الزواج المثالي وارتباطه بالتربية

الزواج فطرة إنسانية

بسم الله الرحمن الرحيم

الفصل الأول:الزواج المثالي وارتباطه بالتربية

قبل أن أشرع في بيان الأسس التي وضعها الإسلام في تربية الأولاد يحسن أن أتعرض – ولو باختصار – للزواج من نواح ثلاثة:

(أ) الزواج فطرة إنسانية.
(ب) الزواج مصحلة اجتماعية.
(ج) الزواج انتقاء واختيار.

لأن التعرض لمثل هذه النواحي توضح وجه ارتباط التربية بتحمل المسؤولية، وإنجاب الذرية، والاعتراف بنسب الولد، وسلامة جسمه وأخلاقه، وتأجيج عاطفة أبويه نحوه، وتعاون الزوجين على تربيته وتقويم اعوجاجه، وإعداده إنساناً صالحاً للحياة.

وإليكم بعض التفاصيل في كل ناحية من هذه النواحي الثلاثة:

(أ) الزواج فطرة إنسانية

من الأمور البديهية في مبادئ الشريعة الإسلامية، أن الشريعة حاربت الرهبانية لكونها تتصادم مع فطرة الإنسان، وتتعارض مع ميوله وأشواقه وغرائزه.

- فقد روى البيهقي في حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: (إن الله أبدلنا بالرهبانية الحنيفيّة السمحة).

- وروى الطبراني والبيهقي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من كان موسراً لأن ينكح ثم لم ينكح فليس مني).

فأنت ترى من هذه الأحاديث وغيرها أن شريعة الإسلام تحرم على المسلم أن يمتنع عن الزواج، ويزهد فيه بينة الرهبانية، والتفرغ للعبادة، والتقرب إلى الله، ولا سيما إن كان المسلم قادراً عليه، متيسراً له أسبابه ووسائله.

ونحن إذا تأملنا مواقف رسول الله صلى الله عليه وسلم في مراقبة افراد المجتمع، ومعالجة النفس الإنسانية ازددنا يقيناً بأن هذه المراقبة وتلك المعالجة مبنيتان على إدراك حقيقة الإنسان، وراميتان إلى تلبية أشواقه وميوله، حتى لا يتجاوز أي فرد في المجتمع حدود فطرته، ولا يعمل ما ليس بإمكانه واستطاعته، بل يسير في الطريق السوي سيراً طبيعياً متلائماً معتدلاً.. لا يتعثر وقد سار الناس، ولا يتقهقر وقد تقدم البشر، ولا يضعف وقد قوي أبناء الحياة {فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون} الروم: 30.

وإليكم هذا الموقف من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو يعد من أعظم المواقف الإصلاحية والتربوية في معالجة الطبائع السلبية، وفهم حقيقة الإنسان:

- روى البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه: (جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته، فلما أخبروا كأنهم تقالوها (وجدوها قليلة) فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم، قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني أخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني).

فمن هذه النصوص يتبين لكل ذي عقل وبصيرة أن الزواج في الإسلام فطرة إنسانية، ليحمّل المسلم في نفسه أمانة المسؤولية الكبرى تجاه من له في عنقه حق التربية والرعاية.. حينما يلبي هذه الفطرة، ويستجيب لأشواق هذه الغريزة، ويساير سنن هذه الحياة!!!.

الزواج مصلحة اجتماعية

من المعلوم أن للزواج في الإسلام فوائد عامة، ومصالح اجتماعية، سنتعرض بتوفيق الله لأهمها، ثم نبين وجه ارتباطها بالتربية:

1- المحافظة على النوع الإنساني:

فبالزواج يستمر بقاء النسل الإنساني، ويتكاثر ويتسلسل.. إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولا يخفى ما في هذا التكاثر والتسلسل من محافظة على النوع الإنساني، ومن حافز لدى المختصين لوضع المناهج التربوية، والقواعد الصحيحة لأجل سلامة هذا النوع من الناحية الخلقية، والناحية الجسمية على السواء، وقد نوّه القرآن الكريم عن هذه الحكمة الاجتماعية والمصلحة الإنسانية حين قال: {والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً، وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة} النحل: 72.

وقوله: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً} النساء: 1.

2- المحافظة على الأنساب:

وبالزواج الذي شرعه الله يفتخر الأبناء بانتسابهم إلى آبائهم.. ولا يخفى ما في هذا الانتساب من اعتبارهم الذاتي واستقرارهم النفسي وكرامتهم الإنسانية.. ولو لم يكن ذلك الزواج الذي شرعه الله، لعجّ المجتمع بأولاد لا كرامة لهم ولا أنساب، وفي ذلك طعنة نجلاء للأخلاق الفاضلة، وانتشار مريع للفساد والإباحية..

3- سلامة المجتمع من الانحلال الخلقي:

وبالزواج يسلم المجتمع من الانحلال الخلقي، ويأمن الأفراد من التفسخ الاجتماعي.. ولا يخفى على كل ذي إدراك وفهم أن غريزة الميل إلى الجنس الآخر حين تشبع بالزواج المشروع، والاتصال الحلال تتحلى الأمة – أفراداً وجماعات – بأفضل الآداب، وأحسن الأخلاق، وتكون جديرة بأداء الرسالة، وحمل المسؤولية على الوجه الذي يريده الله منها، وما أصدق ما قاله عليه الصلاة والسلام في إظهار حكمة الزواج الخلقية، وفائدته الاجتماعية حين كان يحض فئة من الشباب على الزواج: (يا معشر الشباب: من استطاع منكم الباءة[1] فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، فمن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء[2]) رواه الجماعة.

4- سلامة المجتمع من الأمراض:

وبالزواج يسلم المجتمع من الأمراض السارية الفتاكة التي تنتشر بين أبناء المجتمع نتيجة للزنى، وشيوع الفاحشة، والاتصال الحرام.. ومن هذه الأمراض الزهري، وداء السيلان (التعقيبة).. وغيرها من الأمراض الخطيرة التي تقضي على النسل وتوهن الجسم، وتنشر الوباء، وتفتك بصحة الأولاد.

5- السكن الروحاني والنفساني:

وبالزواج تنمو روح المودة والرحمة والإلفة ما بين الزوجين.. فالزوج حين يفرغ آخر النهار من عمله، ويركن عند المساء إلى بيته، ويجتمع بأهله وأولاده، ينسى الهموم التي اعترته في نهاره، ويتلاشى التعب الذي كابده في سعيه وجهاده، وكذلك المرأة حين تجتمع مع زوجها، وتستقبل عند المساء رفيق حياتها.

وهكذا يجد كل واحد منهما في ظل الآخر سكنه النفسي، وسعادته الزوجية، وصدق الله العظيم عندما صور هذه الظاهرة بأبلغ بيان، وأجمل تعبير: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها، وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} الروم: 27.

6- تعاون الزوجين في بناء الأسرة وتربية الأولاد:

وبالزواج يتعاون الزوجان على بناء الأسرة، وتحمل المسؤولية.. فكل منهما يكمل عمل الآخر، فالمرأة تعمل ضمن اختصاصها، وما يتفق مع طبيعتها وأنوثتها، وذلك في الإشراف على إدارة البيت، والقيام بتربية الأولاد، وصدق من قال:

الأم مدرسة إذا أعددتها

أعددت شعباً طيب الأعراق

والرجل كذلك يعمل ضمن اختصاصه، وما يتفق مع طبيعته ورجولته، وذلك في السعي وراء العيال، والقيام بأشق الأعمال، وحماية الأسرة من عوادي الزمن، ومصائب الأيام.. وفي هذا يتم روح التعاون ما بين الزوجين، ويصلان إلى أفضل النتائج، وأطيب الثمرات في إعداد أولاد صالحين، وتربية جيل مؤمن يحمل في قلبه عزمة الإيمان، وفي نفسه روح الإسلام، بل ينعم البيت بأجمعه ويرتع ويهنأ في ظلال المحبة والسلام والاستقرار.

7- تأجج عاطفة الأبوة والأمومة:

وبالزواج تتأجج في نفس الأبوين العواطف، وتفيض من قلبيهما الأحاسيس والمشاعر النبيلة.. ولا يخفى ما في هذه الأحاسيس والعواطف من أثر كريم، ونتائج طيبة في رعاية الأبناء، والسهر على مصالحهم والنهوض بهم نحو حياة مستقرة هانئة، ومستقبل فاضل بسَّام.

تلكم أهم المصالح الاجتماعية التي تنجم عن الزواج، ولقد رأيت – أخي القارئ – ارتباط هذه المصالح بتربية الولد وإصلاح الأسرة، وتنشئة الجيل.

فلا عجب أن نرى الشريعة الإسلامية قد أمرت بالزواج وحضت عليه، ورغبت فيه، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل: "ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله عز وجل خيراً له من زوجة صالحة، إن أمرها أطاعته، وإن نظر إليها سرته، وإن أقسم عليها أبرّته، وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله" رواه ابن ماجة.

والقائل: "الدنيا متاع وخير متاعها المرأة وخير متاعها المرأة الصالحة" رواه مسلم.

[1] الباءة: القدرة على الزواج.

[2] وجاء: قاطع للشهوة.

الزواج انتقاء واختيار

الإسلام بتشريعه السامي، ونظامه الشامل.. قد وضع أمام كل من الخاطب والمخطوبة قواعد وأحكاماً، إن اهتدى الناس بهديها، ومشوا على نهجها كان الزواج في غاية التفاهم والمحبة والوفاق.. وكانت الأسرة المكونة من البنين والبنات في ذروة الإيمان المكين، والجسم السليم، والخلق القويم، والعقل الناضج، والنفسية المطمئنة الصافية.

وإليكم أهم هذه القواعد والأحكام:

1- الاختيار على أساس الدين:

نقصد بالدين – حين نطلق لفظه – الفهم الحقيقي للإسلام، والتطبيق العملي السلوكي لكل فضائله السامية، وآدابه الرفيعة.. ونقصد كذلك الالتزام الكامل بمناهج الشريعة، ومبادئها الخالدة على مدى الزمان والأيام.

فعندما يكون الخاطب أو المخطوبة على هذا المستوى من الفهم والتطبيق والالتزام.. يمكن أن نطلق على أحدهما أنه ذو دين وذو خُلق.. وعندما يكون الواحد منهما على غير هذا المستوى من الفهم والتطبيق والالتزام.. فمن البديهي أن تحكم عليه بانحراف السلوك وفساد الخُلق، والبعد عن الإسلام.. مهما ظهر للناس بمظهر الصلاح والتقوى وزعم أنه مسلم متمسك...

وما أدقَّ ما سنَّه الخليفة العادل عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – لما وضع الموازين الصحيحة لمعرفة الأشخاص، وإظهار حقائق الرجال، وذلك حينما جاءه رجل يشهد لرجل آخر...

فقال له عمر: أتعرف هذا الرجل؟ فأجاب: نعم!

قال: هل أنت جاره الذي يعرف مدخله ومخرجه؟ فأجاب الرجل: لا.

قال عمر: هل صاحبته في السفر الذي تعرف به مكارم الأخلاق؟ فأجاب الرجل: لا.

قال عمر: هل عاملته بالدينار والدرهم الذي يعرف به ورع الرجل؟ فأجاب الرجل: لا.

فصاح به عمر، لعلك رأيته قائماً قاعداً يصلي في المسجد يرفع رأسه تارة ويخفضه أخرى، فرد الرجل نعم!!.

فقال له عمر: اذهب فإنك لا تعرفه، والتفت إلى الرجل وقال له: ائتني بمن يعرفك.

فعمر رضي الله عنه لم ينخدع بشكل الرجل ولا مظهره، ولكن عرف الحقيقة بموازين صحيحة كشفت عن حاله، ودلت على تدينه وأخلاقه!!..

وهذا معنى قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة: "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم..".

لهذا كله أرشد النبي صلوات الله وسلامه عليه راغبي الزواج بأن يظفروا بذات الدين، لتقوم الزوجة بواجبها الأكمل في أداء حق الزوج وأداء حق الأولاد، وأداء حق البيت على النحو الذي أمر به الإسلام، وحض عليه الرسول عليه الصلاة والسلام.

- روى البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت[1] يداك".

- وروى الطبراني في الأوسط عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من تزوج امرأة لعزها لم يزده الله إلا ذُلاًّ، ومن تزوجها لمالها لم يزده الله إلا فقراً، ومن تزوجها لحسبها لم يزده الله إلا دناءة، ومن تزوج امرأة لم يرد بها إلا أن يغضَّ بصره، ويحصِّن فرجه، أو يصل رحمه، بارك الله له فيها، وبارك لها فيه".

وبالمقابل أرشد النبي صلى الله عليه وسلم أولياء المخطوبة بأن يبحثوا عن الخاطب ذي الدين والخلق، ليقوم بالواجب الأكمل في رعاية الأسرة، وأداء حقوق الزوجية، وتربية الأولاد، والقوامة الصحيحة في الغيرة على الشرف، وتأمين حاجات البيت بالبذل والإنفاق.

- روى الترمذي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوّجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض، وفساد عريض".

وأية فتنة أعظم على الدين والتربية والأخلاق من أن تقع الفتاة المؤمنة بين براثن خاطب متحلل، أو زوج لا يرقب في مؤمنة إلاًّ ولا ذمة، ولا يقيم للشرف والغيرة والعِرض وزناً ولا اعتباراً؟

وأية فتنة أعظم على المرأة الصالحة من أن تقع في عصمة زوج إباحي فاجر، يُكرِهها على السفور والاختلاط، ويجبرها على احتساء الخمرة، ومراقصة الرجال، ويقسرها على التفلت من ربقة الدين والأخلاق؟

فكم من فتاة – ويا للأسف – كانت في بيت أهلها مثالاً للعفة والطهارة، فلما انتقلت إلى بيت إباحي، وزوج متحلل فاجر، انقلبت إلى امرأة متهتكة مستهترة، لا تقيم لمبادئ الفضيلة أية قيمة، ولا لمفهومات العفة والشرف أي اعتبار!!.

ومما لا شك فيه أن الأولاد حين ينشؤون في مثل هذا البيت المتحلل الماجن الآثم، فإنهم سينشؤون – لا محالة – على الانحراف والإباحية، ويتربون على الفساد والمنكر.

إذن فالاختيار على أساس الدين والأخلاق من أهم ما يحقق الزوجين سعادتهما الكاملة المؤمنة، وللأولاد تربيتهم الإسلامية الفاضلة، وللأسرة شرفها الثابت، واستقرارها المنشود.

2- الاختيار على أساس الأصل والشرف:

ومن القواعد التي وضعها الإسلام في اختيار أحد الزوجين للآخر، أن يكون الانتقاء لشريك الحياة من أسرة عريقة عُرفت بالصلاح والخلق، وأصالة الشرف، وأرومة الأصل، ولكون الناس معادون يتفاوتون فيما بينهم وضاعة وشرفاً، ويتفاضلون فساداً وصلاحاً!!.

ولقد نوه النبي صلى الله عليه وسلم في أن الناس معادن، وأنهم يتفاوتون في الوضاعة والشرف، والخير والشر، بقوله في الحديث الذي رواه الطيالسي، وابن منيع، والعسكري عن أبي هريرة: "الناس معادن في الخير والشر، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام، إذا فقهوا".

لهذا حض النبي صلى الله عليه وسلم كل راغب في الزواج، أن يكون الانتقاء على أساس الأصالة والشرف والصلاح والطيب.. وإليكم طاقة من أحاديثه الكثيرة المتضافرة.

- فقد روى الدارقطني، والعسكري، وابن عدي عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً: "إياكم وخضراء الدِّمَن، قالوا: وما خضراء الدمن يا رسول الله؟ قال: المرأة الحسناء في المنبت السوء"[2].

- وروى ابن ماجة، والدارقطني، والحاكم عن عائشة رضي الله عنها مرفوعاً: "تخيروا لنطفكم وأنكحوا الأكفاء".

- وروى ابن ماجة والديلمي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "تخيروا لنطفكم فإن العرق دسَّاس".

- وروى ابن عدي، وابن عساكر عن عائشة رضي الله عنها مرفوعاً: "تخيروا لنطفكم فإن النساء يلدن أشباه إخوانهن وأخواتهن"، وفي رواية: "اطلبوا مواضع الأكفاء لنطفكم، فإن الرجل ربما أشبه أخواله".

- وروى ابن عدي في الكامل مرفوعاً: "تزوجوا في الحِجْر الصالح فإن العرق دسَّاس".[3]

فهذه الأحاديث بمجموعها ترشد راغبي الزواج، إلى أن يختاروا زوجات ترعرعن في بيئة صالحة، ونشأن في بيت عريق عُرف بالشرف والطيب، وتناسلن من نطفة انحدرت من أصل كريم، وجدود أمجاد!!.. ولعل السر في هذا حتى ينجب الرجل أولاداً مفطورين على معالي الأمور، ومتطبعين بعادات أصيلة، وأخلاق إسلامية قويمة.. يرضعون منهن لَبان المكارم والفضائل، ويكتسبون بشكل عفوي خِصال الخير، ومكارم الأخلاق!!..

وانطلاقاً من هذا المبدأ أوصى عثمان بن أبي العاص الثقفي أولاده في تخيّر النطف، وتجنب عِرْق السوء.. وإليكم ما قاله لهم: (يا بنيّ! الناكح مغترس، فلينظر امرؤ حيث يضع غرسه، والعِرْق السوء قَلَّمَا يُنجب، فتخيروا ولو بعد حين). وتحقيقاً لهذا الاختيار أجاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عن سؤال لأحد الأبناء لما سأله ما حق الولد على أبيه، بقوله: (أن ينتقي أمه، ويحسّن اسمه، ويعلمه القرآن).

وهذا الانتقاء الذي وجّه إليه رسول الإسلام صلوات الله وسلامه عليه، يعد من أعظم الحقائق العلمية، والنظريات التربوية في العصر الحديث.. فعلم الوراثة أثبت أن الطفل يكتسب صفات أبويه الخلقية والجسمية والعقلية منذ الولادة.. فعندما يكون انتقاء الزوج، أو اختيار الزوجة على أساس الأصل والشرف والصلاح، فلا شك أن الأولاد ينشؤون على خير ما ينشؤون من العفة والطهر والاستقامة.. وعندما يجتمع في الولد عامل الوراثة الصالحة، وعامل التربية الفاضلة يصل الولد إلى القمة في الدين والأخلاق، ويكون مضرب المثل في التقوى والفضيلة، وحسن المعاملة، ومكارم الأخلاق..

فما على راغبي الزواج إلا أن يحسنوا الاختيار، ويُحْكِموا في رفيق الحياة الانتقاء، إن أرادوا أن تكون لهم ذرية صالحة، وسلالة طاهرة، وأبناء مؤمنون!.

3- الاغتراب في الزواج:

ومن توجيهات الإسلام الحكيمة في اختيار الزوجة، تفضيل المرأة الأجنبية على النساء ذوات النسب والقرابة، حرصاً على نجابة الولد، وضماناً لسلامة جسمة من الأمراض السارية، والعاهات الوراثية، وتوسيعاً لدائرة التعارف الأسرية، وتمتيناً للروابط الاجتماعية. ففي هذا تزداد أجسامهم قوة، ووحدتهم تماسكاً وصلابة، وتعارفهم سعة وانتشاراً!!.. فلا عجب أن ترى النبي صلى الله عليه وسلم قد حذر من الزواج بذوات النسب والقرابة، حتى لا ينشأ الولد ضعيفاً، وتنحدر إليه عاهات أبويه، وأمراض جدوده.

فمن تحذيراته عليه الصلاة والسلام في هذا قوله: "لا تنكحوا القرابة فإن الولد يخلق ضاوياً[4]" وقوله: "اغتربوا ولا تضووا[5]".

ولقد أثبت علم الوراثة كذلك أن الزواج بالقرابة يجعل النسل ضعيفاً من ناحية الجسم، ومن ناحية الذكاء، ويورث الأولاد صفات خُلقية ذميمة، وعادات اجتماعية مستهجنة...

وهذه الحقيقة قررها رسول الإسلام صلوات الله وسلامه عليه منذ أربعة عشر قرناً، قبل أن يأتي العلم ليقول كلمته، ويظهر لذوي الأبصار حقائقه.

وهذه معجزة لرسولنا الأمي العظيم صلوات الله وسلامه عليه، تُضاف إلى جملة معجزاته الباهرة، وإخباراته الصادقة..

4- تفضيل ذوات الأبكار:

ومن توجيهات الإسلام الرشيدة في اختيار الزوجة، تفضيل المرأة البكر على المرأة الثيِّب[6]، لحِكم بالغة، وفوائد عظيمة!.

فمن هذه الفوائد: حماية الأسرة مما ينغص عيشها، ويوقعها في حبائل الخصومات، وينشر في أجوائها ضباب المشكلات والعداوات.. وفي الوقت نفسه تمتين لأواصر المحبة الزوجية، لكون البكر مجبولة على الإنس والإلفة بأول إنسان تكون في عصمته، وتلتقي معه، وتتعرف عليه.. بعكس المرأة الثيب، فقد لا تجد في الزوج الثاني الإلفة التامة، والمحبة المتبادلة، والتعلق القلبي الصادق للفرق الكبير بين أخلاق الأول ومعاملة الثاني.

فلا غرابة أن نرى عائشة رضي الله عنها قد وضحت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كل هذه المعاني، لما قالت للرسول صلوات الله عليه – فيما رواه البخاري - : يا رسول الله أرأيت لو نزلت وادياً وفيه شجرة قد أكل منها، وشجرة لم يأكل منها، في أي منها كنتَ تُرتِع بعيرك؟ قال عليه الصلاة والسلام: في التي لم يُرْتَعْ منها، قالت رضي الله عنها: "فأنا هي".

وتقصد بيان فضلها على باقي الزوجات باعتبار أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يتزوج بكراً غيرها. وقد ألمح عليه الصلاة والسلام عن بعض الحِكَم بالزواج بذوات الأبكار، فقال عليه الصلاة والسلام – فيما رواه ابن ماجة والبيهقي - : "عليكم بالأبكار فإنهن أعذب أفواهاً، وأنتق أرحاماً، وأقل خِبّاً، وأرضى باليسير"[7].

كما ألمح عليه الصلاة والسلام لجابر رضي الله عنه، أن الزواج بالبكر يولد المحبة، ويقوي جانب الإحصان والعفة، فقد روى البخاري ومسلم وغيرهما: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجابر – وهو راجع من غزوة ذات الرقاع - : يا جابر هل تزوجت بعد؟ قلت: نعم يا رسول الله، قال: أثيباً أم بكراً؟ قلت: لا، بل ثيباً، قال: أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك؟ قلت: يا رسول الله إن أبي أصيب يوم أحد وترك لنا بناتٍ سبعاً، فنكحتُ امرأة جامعة، تجمع رؤوسهن، وتقوم عليهن: قال: أصبت إن شاء الله".

ومما يشير إليه حديث جابر أن الزواج بالمرأة الثيب قد يكون أفضل من الزواج بالمرأة البكر في بعض الحالات، كحالة جابر رضي اللهعنه التي مر ذكرها، ليتم التعاون في رعاية الأيتام، والعناية بهم، والقيام على أمرهم، تحقيقاً لقوله تبارك وتعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى} المائدة: 02.

5- تفضيل الزواج بالمرأة الولود:

ومن توجيهات الإسلام في اختيار الزوجة انتقاء المرأة الولود، وتعرف بشيئين:

الأول: سلامة جسمها من الأمراض التي تمنع من الحمل، ويستعان لمعرفة ذلك بالمختصين.,
الثاني: النظر في حال أمها، وحال أخواتها المتزوجات، فإن كن من الصنف الولود، فعلى الغالب هي تكون كذلك.

ومن المعلوم طباً أن المرأة حينما تكون من الصنف الولود، تكون في الغالب في صحة جيدة، وجسم قوي سليم.. والتي تتوافر فيها هذه الظاهرة تستطيع أن تنهض بأعبائها المنزلية، وواجباتها التربوية، وحقوقها الزوجية على أكمل وجه، وأنبل معنى.

ومما تجدر الإشارة إليه، أن على الذي يتزوج المرأة الولود، ويحرص على كثرة النسل، وإنجاب الذرية، أن يؤدي إليهم ما يترتب عليه من واجب ومسؤولية، سواء ما يتعلق بمسؤولية النفقة، أو مسؤولية التربية، أو مسؤولية التعليم.

وإلا كان مسؤولاً عند الله سبحانه فيما فرط، وفيما قصّر، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل: "إن الله سائل كل راعٍ عما استرعاه، حفظ أم ضيع، حتى يسأل الرجل عن أهل بيته" رواه ابن حبان.

والذي نخلص إليه بعدما تقدم: أن الذي يأنس من نفسه أو ينهض بمسؤوليات الأولاد كما أمر الإسلام فلا يسعه – إن أراد الزواج – إلا أن يفتش عن المرأة الولود ليضاعف من أعداد هذه الأمة المحمدية التي جعلها الله خير أمة أخرجت للناس، وما ذاك إلا من توجيهاته عليه الصلاة والسلام، وذلك حين جاءه رجل يقول له:

يا رسول الله إني أحببت امرأة ذات حسب ومنصب ومال إلا أنها لا تلد، أفأتزوجها؟ فنهاه، ثم أتاه الثانية فقال له مثل ذلك، ثم أتاه الثالثة فقال له عليه الصلاة والسلام: "تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم" رواه أبو داود والنسائي والحاكم.

تلكم هي أهم مبادئ الزواج، وأهم ارتباطاته بقضايا التربية.. فالإسلام يعالج تربية الأفراد من تكوين الخلية الأولى للأسرة، يعالجها بالزواج لكونه يلبي حاجة الفطرة ويساير أشواق الحياة، ولكونه يلحق نسب الأبناء بآبائهم، ويحرر المجتمع من الأمراض الفتاكة، والانحلال الخلقي، ويحقق التعاون الكامل بين الزوجين في تربية الأولاد، ويؤجج عاطفة الأبوة والأمومة في نفسيهما..

ولكونه يقوم على أسس متينة وقواعد عملية صحيحة في اختيار شريك الحياة، والتي من أهمها الاختيار على أساس الدين، وأساس الأصل والشرف، وأساس تفضيل ذوات الأبكار.

ولما يعلم المسلم من أين يبدأ؟ لتكوين الأسرة المسلمة، والذرية الصالحة، والجيل المؤمن بالله... تهون في نظره المسؤوليات الأخرى المترتبة عليه، والمكلف بها.

لماذا؟ لأنه أوجد في بيته حجر الأساس الذي يبني عليه ركائز التربية القويمة، ودعائم الإصلاح الاجتماعي، ومعالم المجتمع الفاضل.. ألا وهو المرأة الصالحة!!!

إذن فتربية الأولاد في الإسلام يجب أن تبدأ أول ما تبدأ، بزواج مثالي يقوم على مبادئ ثابتة لها في التربية أثر، وفي إعداد الجيل تكوين وبناء!!.

ألا فليتذكر أولو الألباب...

[1] تربت يداك: كلمة تفيد الحث والتحريض، والدعاء له بكثرة المال، وصار المعنى: اظفر بذات الدين ولا تلتفت إلى المال وغيره.

[2] خضراء الدمن: عشب المزابل.

[3] أحاديث الاختيار على أساس الأصل والشرف ضعيفة بمفردها وحسنة بمجموعها لتعدد طرقها.

[4] ضاوياً: نحيفاً ضعيف الجسم بليد الذكاء.

[5] أرسل إليّ بعض الفضلاء جزاهم الله كل خير، التخريج الآتي:

فحديث: "اغتربوا ولا تضووا" ذكر تخريجه العراقي في تخريجه لأحاديث الإحياء للغزالي، بأن لفظ الحديث المذكور ليس بحديث، وإنما هو أثر ثبت معناه عن الفاروق عمر حين قال لآل السائب: "قد أضويتُم فانكحوا في النوابغ" أي في الغرائب. واشتهر هذا الأثر عن عمر رضي الله عنه برواية أخرى: "لا تنكحوا القرابة فإن الولد يخلق ضاوياً".

[6] المرأة البكر: هي التي لم تتزوج بعد، والثيب: هي التي سبق لها أن تزوجت.

[7] المقصود بعذوبة الأفواه: طيب الكلام، ونتق الأرحام: كثرة الأولاد، وأقل خِبّاً أقل مكراً وخديعة.

الفصل الثاني - الشعور النفسي نحو الأولاد

الأبوان مفطوران على محبة الولد

المقصود بالشعور النفسي: إبراز ما أودع الله سبحانه في قلب الأبوين من حب وعاطفة ورحمة نحو أولادهما.. والحكمة في ذلك، هي استهجان عادات جاهلية بغيضة استحكمت في بعض النفوس المريضة، وفي النظرة السيئة إلى البنات، وإظهار فضيلة المثوبة والأجر لمن يصبر على فقد الولد ويتجلد لفراقه... وأخيراً ماذا يفعل الأبوان إذا تعارضت مصلحة الإسلام مع مصلحة الولد؟

كل هذه المشاعر النفسية، والعواطف القلبية، وكل هذه التصورات والتساؤلات ستجدها – أيها الأخ الكريم – مبيّنة موضحة في هذا الفصل، وعلى الله قصد السبيل، ومنه نستمد العون والتوفيق.

أ) الأبوان مفطوران على محبة الولد:

من المعلوم بداهة أن قلب الأبوين مفطور على محبة الولد، ومتأصل بالمشاعر النفسية والعواطف الأبوية لحمايته، والرحمة به، والشفقة عليه، والاهتمام بأمره.

ولولا ذلك لانقرض النوع الإنساني من الأرض، ولما صبر الأبوان على رعاية أولادهما، ولما قاما بكفالتهم، وتربيتهم، والسهر على أمرهم، والنظر في مصالحهم.

ولا عجب أن يصور القرآن العظيم هذه المشاعر الأبوية الصادقة أجمل تصوير، فيجعل من الأولاد تارة زينة الحياة: {المال والبنون زينة الحياة الدنيا...} الكهف: 46.

ويعتبرهم أخرى نعمة عظيمة تستحق شكر الواهب المنعم:

{وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيراً} الإسراء: 06.

ويعتبرهم ثالثة قرة أعين إن كانوا سالكين سبيل المتقين:

{والذين يقولون ربّنا هب لنا من أزواجنا وذريّاتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً} الفرقان: 74.

إلى غير ذلك من هذه الآيات القرآنية التي تصور عواطف الأبوين نحو الأولاد، وتكشف عن صدق مشاعرهما، ومحبة قلبيهما تجاه أفلاذ الأكباد، وثمرات الفؤاد.

وإليك – أيها القارئ الكريم – طاقة مما قاله الشعراء في محبة الأولاد، وهي أشعار تفيض رقة وحناناً، وتتأجج شعوراً وعاطفة.. وهي بمجموعها تؤكد ظاهرة الحب والحنان التي أودعها الله في قلبي الأبوين، ليبذلا قصارى جهودهما، وغاية مساعيهما في تربية الولد، وإعداده ليكون إنساناً صالحاً في الحياة.

ونبدأ بما قاله أمية بن أبي الصلت في حق ولده العاق، وهي من غُرر القصائد التي تفيض رقة وحناناً، والتي تصور صدق المشاعر القلبية الأبوية نحو الولد:

غذوتُك مولوداً وعلتُك يافعاً

تَعُلّ بما أجني عليك وتنهل

إذا ليلةٌ ضافتك بالسقم لم أبت

لسقمك إلاّ ساهراً أتململ

كأني أنا المطروقُ دونك بالذي

طُرِقتَ به دوني فعينيَ تَهمِل

تخاف الردى نفسي عليك وإنها

لتعلم أن الموت وقت مؤجل

فلما بلغت السنّ والغايةَ التي

إليها مدى ما كنت فيك أؤمِّل

جعلتَ جزائي غلظةً وفظاظةً

كأنك أنت المنعم المتفضِّل

فليتك إذ لم ترعَ حق أبوّتي

فعلتَ كما الجار المجاور يفعل

فأوليتني حق الجوار فلم تكن

عليَّ بمالٍ دون مالك تبخل

واسمعوا إلى ما يقوله أبو بكر الطرطوسي فيما يتجرع الأبوان عند فراق الولد:

لو كان يدري الابنُ أيّة غُصّةٍ

يتجرّعُ الأبوان عند فِراقهِ

أمٌّ تهيج بوَجْده حيرانة

وأبٌ يسحّ الدمعَ من آماقه

يتجرعان لِبَيْنه غصصَ الرَّدَى

ويبوح ما كتماه من أشواقه

لَرَثَى لأمٍّ سُلّ من أحشائها

وبكى لشيخ هام في آفاقه

ولبدّل الخلق الأبيَّ بعطفه

وجزاهما بالعطفِ من أخلاقه

وإليكم ما قاله آخر في العطف الأبوي الدفاق الذي قعد بالأب دون الكفاح من أجل ما يسعى لتحقيقه:

لقد زاد الحياة إليّ حباً

بناتي إنّهن من الضعاف

أحاذر أن يريْنَ الفقرَ بعدي

وأن يشربْن رنْقاً بعد صاف

وأن يعريْن إن كُسيَ الجواري

فتنبو العينُ عن كرم عجاف

ولولا ذاك قد سوَّمت مُهري

وفي الرحمن للضعفاء كاف

أبانا مَنْ لنا إن غبت عنا

وصار الناس بعدك في اختلاف

ومما قيل كذلك:

ولولا بُنيّات كزُغْب القطا

حُطِطْنَ من بعضٍ إلى بعض

لكان لي مضطربٌ واسع

في الأرض ذات الطول والعرض

وإنما أولادنا بيننا

أكبادنا تمشي على الأرض

لو هبّت الريح على بعضهم

لامتنعت عيني من الغمض

وأخيراً فلنستمع إلى ما يقوله الشاعر الكبير الأستاذ عمر بهاء الأميري في صدق الحنان والشاعرية، وذلك لما سافر أولاده الثمانية من المصيف إلى حلب، فتلبث وحده في خلوة شعرية ليتحف الأدب العربي قصيدة من غرر القصائد في محبة الآباء للأبناء:

أين الضجيج العذبُ والشغَبُ

أين التدارسُ شابَه اللعبُ

أين الطفولة في تَوَقُّدها

أين الدُمى في الأرض والكتبُ

أين التشاكس دونما غرضٍ

أين التشاكي ماله سبَبُ

أين التباكي والتضاحكُ في

وقتٍ معاً، والحزنُ والطربُ

أين التسابق في مجاورتي

شغَفاً إذا أكلوا وإن شربوا

يتزاحمون على مجالستي

والقرب مني حيثما انقلبوا

يتوجهون بسَوْق فطرتهم

نحوي إذا رَهبُوا وإن رغبوا

فنشيدُهُمْ: (بابا) إذا فرِحوا

ووعيدُهُمْ: (بابا) إذا غضبوا

وهتافهُم: (بابا) إذا ابتعدوا

ونجيُّهم (بابا) إذا اقتربوا

بالأمس كانوا ملءَ منزِلنا

واليومَ، ويحَ اليوم، قد ذهبوا

وكأنما الصمتُ الذي هبَطَتْ

أثقاله في الدار إذ غَرَبوا

إغفاءةْ المحموم هدْأتُها

فيها يشيعُ الهمّ والتعب

ذهبوا، أجلْ ذهبوا، ومسكنُهُمْ

في القلب، ماشطّوا وما قرّبوا

إني أراهم أينما التفتَتْ

نفسي وقد سكنوا، وقد وثبوَا

وأحسّ في خلَدي تلاعبُهم

في الدار ليس ينالهم نصبُ

وبريقَ أعينهم، إذا ظفروا

ودموعَ حُرقتهم إذا غُلبُوا

في كل ركنٍ منهمُ أثرٌ

وبكلّ زاوية لهم صَخَبُ

في النافذات زُجاجَها حطموا

في الحائط المدهون قد ثقَبُوا

في الباب قد كسروا مَزالجه

وعليه قد رسموا وقد كتبوا

في الصحن فيه بعضُ ما أكلوا

في علبة الحلوى التي نهبُوا

في الشطر من تفاحَة قضموا

في فضلة الماء التي سكبوا

إني أراهم حيثما اتجهت

عيني كأسراب القطا سَرَبوا

بالأمس في (قرنايلٍ) نزلوا

واليوم قد ضَمتهُمُ (حَلَبُ)

دمعي الذي كَتّمتُه جلداً

لما تباكوا عند ماركبوا

حتى إذا ساروا وقد نزعوا

من أضلعي قلباً بهم يجبُ

الفَيْتُني كالطفل عاطفةًً

فإذا به الغيث ينسكب

قد يعجب العُذَّال من رجلٍ

يبكي، ولو لم أبكِ فالعجبُ

هيهات ما كل البُكا خَوَر

إني وبي عزم الرجَال أبُ

ومن هذا كله نعلم قوة العاطفة الفياضة التي أودعها الله في قلب الأبوين نحو الأولاد، وما ذاك إلا ليساقا سوقاً نحو تربيتهم، ورعايتهم، والاهتمام بشؤونهم ومصالحهم.

{فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله...} الروم: 30.

الرحمة بالأولاد منحة من الله للعباد

ومن المشاعر النبيلة التي أودعها الله في قلبي الأبوين، شعور الرحمة بالأولاد، والرأفة بهم، والعطف عليهم.. وهو شعور كريم له في تربية الأولاد وفي إعدادهم وتكوينهم أفضل النتائج، وأعظم الآثار.

والقلب الذي يتجرد من خُلق الرحمة، يتصف بالفظاظة العاتية، والغلظة اللئيمة القاسية.. ولا يخفى ما في هذه الصفات القبيحة من ردود فعل في انحراف الأولاد، وفي تخبطهم في أوحال الشذوذ، ومستنقعات الجهل والشقاء..

لهذا كله نجد شريعتنا الإسلامية الغراء، قد رسَّخت في القلوب خلق الرحمة، وحضّت الكبار من آباء ومعلمين ومسؤولين على التحلي بها، والتخلق بأخلاقها.

وإليكم اهتمام الرسول صلوات الله وسلامه عليه بموضوع الرحمة، وحرصه الزائد على تحلي الكبار بهذا الخلق الكريم، والشعور النبيل:

- روى أبو داود والترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف حق كبيرنا".

- وروى البخاري في الأدب المفرد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم رجلٌ ومعه صبي، فجعل يضمه إليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم أترحمه؟ قال: نعم، قال: فالله أرحم بك منك به، وهو أرحم الراحمين).

- وكان عليه الصلاة والسلام إذا رأى أحداً من أصحابه لا يرحم أولاده يزجره بحزم، ويوجهه إلى ما فيه صلاح البيت والأسرة والأولاد.. فقد روى البخاري في الأدب المفرد عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أتقبِّلون صبيانكم، فما نقبلهم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أوَ أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة؟".

- وروى البخاري أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: قبَّل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي، وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالس، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلتُ منهم أحداً، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه ثم قال: "من لا يَرحم لا يُرحم".

- وروى البخاري في أدبه عن أنس بن مالك قال: (جاءت امرأة إلى عائشة رضي الله عنها، فأعطتها عائشة ثلاث تمرات، فأعطت كل صبي لها تمرة، وأمسكت لنفسها تمرة، فأكل الصبيَّان التمرتين ونظرا إلى أمهما، فعمدت الأم إلى التمرة فشقتها، فأعطت كل صبي نصف تمرة، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرته عائشة فقال: وما يعجبك من ذلك؟ لقد رحمها الله برحمتها صَبِيَّيْها).

- وكان عليه الصلاة والسلام إذا رأى طفلاً يحتضر، وأوشكت أن تفيض روحُه فاضت عيناه بالدموع حزناً وعطفاً على الصغار، وتعليماً للأمة فضيلة العطف والرحمة... روى البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: أرسلَتْ بنتُ النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبيها أن ابني قد احتُضر[1] فاشْهَدْنا، فأرسل عليه الصلاة والسلام يُقرئ السلام، ويقول: "إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجلٍ مسمى فلتصبر ولتحتسب". فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينها، فقام ومعه سعد بن عبادة، ومعاذ بن جبل، وأُبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ورجال رضي الله عنهم، فرفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبي، فأقعده في حجره، ونفسه تقعقع[2]، ففاضت عيناه، فقال سعد: يا رسول الله مَا هذا؟ فقال: "هذه رحمة جعلها الله تعالى في قلوب عباده". وفي رواية: "جعلها الله في قلوب من شاء من عباده، وإنما يرحم اللهُ من عباده الرحماء".

وينبغي ألا يغرب عن البال أن ظاهرة الرحمة إذا حلت قلب الأبوين، وترسخت في نفسيهما، قاما بما يترتب عليهما من واجب، وأديا ما عليهما من حق تجاه من أوجب الله عليهما حق الرعاية، وواجب المسؤولية، ألا وهم الأولاد!!..

[1] أي حضرته مقدمات الموت.

[2] تقعقع: أي تتحرك وتضطرب.

كراهية البنات جاهلية بغيضة

الإسلام بدعوته إلى المساواة المطلقة والعدل الشامل، لم يفرق في المعاملة الرحيمة، والعطف الأبوي، بين رجل وامرأة، وذكر وأنثى، تحقيقاً لقوله تبارك وتعالى: {اعدلوا هو أقرب للتقوى} المائدة: 08.

وتنفيذاًَ لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل في الحديث الذي رواه أصحاب السنن، والإمام أحمد، وابن حبان عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما: "اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم".

فانطلاقاً من هذا الأمر القرآني والتوجيه النبوي، حقق الآباء في أولادهم عبر العصور والتاريخ مبدأ العدل والمساواة في المحبة، والمعاملة، والنظرة الحانية، والملاطفة الرحيمة، دون أن يكون بين الذكور والإناث أي تمييز أو تفريق!!..

وإذا وُجد في المجتمع الإسلامي آباء ينظرون إلى البنت نظرة تمييز عن الولد، فالسبب في هذا يعود إلى البيئة الفاسدة التي رضعوا منها أعرافاً ما أنزل الله بها من سلطان، بل هي أعراف جاهلية محضة، وتقاليد اجتماعية بغيضة، يتصل عهدها بالعصر الجاهلي الذي قال الله تعالى فيه: {وإذا بُشِّر أحدُهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بُشِّر به، أيمسكه على هونٍ أم يدُسُّه في التراب، ألا ساء ما يحكمون} النحل: 59.

والسبب في ذلك أيضاً يعود إلى ضعف الإيمان، وزعزعة اليقين، لكونهم لم يرضوا بما قسمه الله لهم من إناث لم يملكوا هم ولا نساؤهم، ولا من في الأرض جميعاً أن يغيروا مِن خَلق الله شيئاً ألم يسمعوا إلى ما يقوله الله تبارك وتعالى في تدبيره المبرم، وإرادته النافذة ومشيئته المطلقة وأمره الغالب في شأن الإناث، وشأن الذكور؟

{لله ملك السموات والأرض يخلقُ ما يشاء، يَهبُ لمن يشاء إناثاً، ويهب لمن يشاء الذكور، أو يزوِّجهم ذكراناً وإناثاً، ويجعل من يشاء عقيماً إنه عليم قدير} الشورى: 49-50.

ومن طرائف ما يروّى أن أميراً من العرب يكنى بأبي حمزة، تزوج امرأة، وطمع أن تلد له غلاماً، فولدت له بنتاً، فهجر منزلها، وصار يأوي إلى بيت غير بيتها، فمر بخبائها بعد عام، وإذا هي تداعب ابنتها بأبيات من الشعر تقول فيها:

ما لأبي حمزة لا يأتينا

يظلّ في البيت الذي يلينا

غضبان ألاّ نلد البنينا

تالله ما ذلك في أيدنا

وإنما نأخذ ما أُعطينا

فغدا الرجل حتى دخل البيت بعد أن أعطته درساً في الإيمان، والرضى، وثبات اليقين، فقبل رأس امرأته، وابنتها، ورضي بعطاء الله المقدر، وهبته المقسومة!!.

ولكي يقتلع رسول الإسلام صلوات الله وسلامه عليه من بعض النفوس الضعيفة جذور الجاهلية، خص البنات بالذكر، وأمر الآباء والمربين، بحسن صحبتهن، والعناية بهن، والقيام على أمورهن، ليستأهلوا دخول الجنة، ورضوان الله عز وجل.. وبالتالي حتى تكون تربية البنات، وتحقيق الخير لهن على الوجه الذي يرضي الله سبحانه، ويأمر به الإسلام!!..

وإليكم بعض التوجيهات النبوية في وجوب العناية بالبنات، والاهتمام بهنّ:

- روى مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من عال جارتين حتى بلغا، جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين – وضم أصابعه – ".

- وروى الإمام أحمد في مسنده عن عقبة بن عامر الجنهي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من كانت له ثلاث بنات فصبر عليهن، وسقاهن وكساهن من جِدَته – أي ماله – كن له حجاباً من النار".

وروى الحميدي عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من كان له ثلاث بنات أو ثلاث أخوات، أو بنتان أو أختان، فأحسن صحبتهن، وصبر عليهن، واتقى الله فيهن دخل الجنة".

فما على المربين إلا أن يأخذوا بهذه الإرشادات النبوية، والتعاليم الإسلامية في وجوب العناية بالبنات، وتحقيق العدل والمساواة بينهن وبين الذكور.. ليحظوا بجنة عرضها السموات والأرض، ورضوان من الله أكبر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر!.

فضيلة من يتجلد لموت الولد

عندما يصل المسلم إلى درجة عالية من الإيمان، ويبلغ منزلة رفيعة من اليقين، ويؤمن حقيقة بالقضاء خيره وشره، من الله تعالى، تصغر في عينيه الأحداث، وتهون أمامه المصائب، ويستسلم لله سبحانه في كل ما ينوب ويروع، وتطمئن نفسه، ويستريح ضميره لصبره على البلاء، ورضائه بالقضاء، وخضوعه لمقادير رب العالمين.

من هذا المنطلق الإيماني أخبر النبي صلوات الله وسلامه عليه، أن من يموت له ولد فيصبر ويسترجع، يبني الله له بيتاً في الجنة اسمه بيت الحمد.. فقد روى الترمذي وابن حبان عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا مات ولد العبد قال الله عز وجل لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع[1]، فيقول: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة، وسموه بيت الحمد".

ولهذا الصبر ثمرات، يقتطفها الصابر المحتسب، في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون.

فمن ثمراته أنه سبيل إلى الجنة، وحجاب من النار.. روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للنساء مرة: "ما منكن امرأة يموت لها ثلاثة من الولد، إلا كانوا لها حجاباً من النار، فقالت امرأة: واثنان؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: واثنان".

- وروى أحمد وابن حبان عن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من مات له ثلاثة من الولد فاحتسبهم دخل الجنة، قال: قلنا يا رسول الله: واثنان. قال: واثنان".. قال أحد الرواة لجابر: أراكم لو قلتم: واحداً، لقال: واحداً، قال جابر: وأنا أظن ذلك.

ومن ثمرات الصبر كذلك أن الولد الذي يموت وهو صغير يشفع لأبويه يوم القيامة.

- روى الطبراني بإسناد جيد عن حبيبة أنها كانت عند عائشة رضي الله عنها، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم حتى دخل عليها، فقال: "ما من مسلمَين يموت لهما ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحِنْث (أي سن البلوغ) إلا جيء بهم يوم القيامة حتى يُوقفوا على باب الجنة، فيقال لهم: ادخلوا الجنة، فيقولون: حتى يدخل آباؤنا، فيقال لهم: ادخلوا الجنة أنتم وآباؤكم".

وروى مسلم في صحيحه عن أبي حسان قال: توفّي ابنان لي فقلت لأبي هريرة رضي الله عنه: سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً تحدثناه تطيب به أنفسنا عن موتانا؟ قال: نعم، "صغارهم دعاميص[2] الجنة يلي أحدهم أباه – أو قال أبويه - فيخذ بناحية ثوبه أو يده، كما آخذ بصَنِفةِ[3] ثوبك هذا، فلا يفارقه حتى يدخله الله وإياه الجنة".

ومن المواقف البطولية الإيمانية التي كان يقفها نساء الصحابة رضي الله عنهن، والتي تدل على الصبر والرضى والإيمان عند موت الولد، موقف أم سليم – رضي الله عنها – الرائع، وتجلدها العظيم.. وإليكم القصة بكمالها كما رواه البخاري ومسلم: عن أنس رضي الله عنه قال: كان ابن لأبي طلحة رضي الله عنه يشتكي، فخرج أبو طلحة. فقُبض[4] الصبي، فلما رجع أبو طلحة قال: ما فعل ابني؟ قالت أم سليم – وهي أم الصبي - أَسَكْنَ[5] ما كان، فقربت له العشاء فتعشى، ثم تصنعت (أي تزيَّنت) أحسن ما كانت تَصنَّعُ قبل ذلك، فوقع بها (أي جامعها) فلما رأت أنه قد شبع وأصاب منها، قالت: يا أبا طلحة أرأيت لو أن قوماً أعاروا عاريتهم أهل بيت، فطلبوا عاريتهم ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا، فقالت: فاحتسب ابنك (أي ابنك مات فاطلب الأجر من الله)، قال: فغضب، ثم قال: تَركْتِني حتى إذا تلطَّختُ (أي أصابتني جنابة بسبب الجماع)، ثم أخبرتني بابني، فانطلق حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما كان – فأقر عليه الصلاة والسلام أم سليم على ما فعلت – ثم قال: "بارك الله ليلتكما". وفي رواية قال: "اللهم بارك لهما"، فولدت غلاماً سماه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله، فقال رجل من الأنصار: فرأيت تسعة أولاد كلهم قد قرأوا القرآن – يعني من أولاد (عبد الله) المولود – وما ذاك إلا استجابة لدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دعا: (اللهم بارك لهما).

ولا شك أن الإيمان بالله سبحانه، إذا ترسخ في قلب مؤمن، فإنه يصنع الأعاجيب لكونه يصيّر من الضعف قوة، ومن الجبن شجاعة، ومن الشح والبخل بذلاً وسخاء، ومن الجزع والهلع صبراً واحتمالاً.

فما أجدر الآباء والأمهات أن يتذرّعوا بالإيمان، وأن يتسلحوا باليقين حتى إذا أصابتهم مصيبة لم يجزعوا، وإذا مات لهم ولد لم يتبرّموا، وإنما كان قولهم: (إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب) حتى يحظوا بالثواب والأجر عند من له الحكم والأمر. اللهم هوّن علينا مصائب الدنيا، ورضّنا بقضائك وقدرك، وتولَّنا في الدنيا والآخرة فإنك خير المتولين يا رب العالمين.

[1] يسترجع: يقول: "إنا لله وإنا إليه راجعون".

[2] دعاميص: واحد دعموص: أي صغار أهلها، وأصله دويبة تكون في الماء لا تفارقه، أي أن هذا الصغير في الجنة لا يفارقها.

[3] بصنفة ثوبك: أي طرفه.

[4] قبض: أي مات.

[5] تقصد أنه مات، وفهم أبو طلحة أنه تماثل نحو الشفاء.

تغليب مصلحة الإسلام على حب الولد

إذا كان قلب الأبوين ينطوي على مثل تلك المشاعر الصادقة من الحب والرحمة والعطف والحنان نحو الأولاد، وفلذات الأكباد، فينبغي ألا تطغى هذه المشاعر على الجهاد في سبيل الله، وتبليغ دعوة الله في الأرض، لأن مصلحة الإسلام فوق كل المصالح والاعتبارات.. ولأن إقامة المجتمع الإسلامي غاية المؤمن، وهدفه في الحياة.. ولأن هداية الإنسانية التائهة أسمى ما يسعى إليه المسلم وأعظم ما يحرص على نشره وتحقيقه.

وهكذا فهم الرعيل الأول من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن اتبعهم بإحسان هذا الفهم، فلم يعرفوا حركة سوى الجهاد، ولا تبليغاً غير الدعوة، ولا غاية غير الإسلام. فلا غرابة أن نسمع في التاريخ عن انطلاقتهم الكبرى في تبليغ الرسالة الإسلامية، وإعلاء كلمة الله في الأرض.. ولا عجب أن يضحوا في سبيل ذلك بالغالي والنفيس، ويتمنوا الشهادة في سبيل الله.

وإليكم ما قاله عبادة بن الصامت رضي الله عنه للمقوقس ملك مصر لما خوفه بجمع الروم الهائل، وأغراه بالمال والدنانير: (يا هذا! لا تغرّنّ نفسك ولا أصحابك.. أما ما تخوفنا به من جمع الروم، وعددهم، وكثرتهم، وأنّا لا نقوى عليهم، فلعمري ماهذا بالذي تخوفنا به، ولا بالذي يردنا عما نحن فيه إن كان ما قلتم حقاً، وإنَّا منكم على إحدى الحسنين: إما أن تعظم لنا غنيمة الدنيا إن ظفرنا بكم، أو غنيمة الآخرة إن ظفرتم بنا، وإن الله عز وجل قال في كتابه العزيز: {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين} البقرة: 249.

وما منا رجل إلا وهو يدعو ربه صباحاً ومساءً أن يرزقه الشهادة، وألا يرده إلى بلده ولا إلى أرضه، ولا إلى أهله وولده.. وليس لأحد منا همّ فيما خلفه من أهل وولد، وقد استودع كل واحد منا ربه أهله وولده، وإنما همنا الجهاد في سبيل الله، وإعلاء كلمته.. وأما قولك: إنا في ضيق وشدة من معاشنا وحالنا، فنحن في أوسع السعة، ولو كانت الدنيا كلها لنا ما أردنا منها لأنفسنا أكثر مما نحن فيه).

هذا الموقف الذي وقفه عبادة رضي الله عنه، هو واحد من آلاف المواقف التي وقفها جدودنا البواسل الأمجاد، في فترات طويلة من التاريخ، وما هذه التضحيات الجسام، وتغليب حب الجهاد والدعوة على حب الأهل والولد، والمسكن والعشيرة.. إلا لأنهم وجدوا الله سبحانه يقول في محكم تنزيله:

{قل إن كان آباؤكم وأبناؤُكم وإخوانُكم وأزواجُكم وعشيرتُكم وأموالٌ اقترفتمُوها وتجارةٌ تخشَون كسادَها ومساكنُ ترضَوْنها، أحبَّ إليكم من اللهِ ورسولهِ وجهادٍ في سبيله، فتربصوا حتى يأتيَ اللهُ بأمره، والله لا يهدي القومَ الفاسقين} التوبة: 24.

ومن المآثر الكريمة التي تناقلتها الألسن عن الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله ورضي عنه، كان من عادته أن يتفقد شباب الدعوة إلى الله في الأقضية والنواحي في كل عيد من الأعياد.. ففي مرة من المرات التي كان يخرج فيها، مرض ولده سيف الإسلام مرضاً شديداً أشرف فيه على الموت، فقالت له زوجته: لو بقيت معنا في هذا العيد نستأنس بك، وتكون بجانب ولدك المريض فأجابها وبيده حقيبة السفر: إن منّ الله على ولدي بالشفاء فلله الحمد والمنّة، وإن قدّر الله عليه الموت فجده أعرف بطريق المقابر، ثم خرج وهو يتلو قوله تبارك وتعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم...} إلى آخر الآية .... التوبة: 24.

الله أكبر! هكذا فليكن التفاني في إعلاء كلمة الله... الله أكبر! هكذا فليكن الدعاة إلى الله... لو لم يكن لسلفنا ورجال الدعوة فينا إلا هذه المواقف لكفتهم على مدى الأيام فخراً وشرفاً وخلوداً!!..

أيها الأب المؤمن! يجب أن يكون حب الإسلام والجهاد والدعوة إلى الله مسيطراً على قلبك وجوارحك، ومقدّماً على حب أهلك وولدك وعشيرتك، حتى تندفع بكليتك إلى تبليغ الدعوة وحمل راية الجهاد، عسى أن تكون في عداد الرجال الذين يبنون بسواعدهم المتينة مجد الإسلام، ويقيمون بعزائمهم القوية دولة القرآن، ويعيدون للأمة المحمدية عزتها المنيعة، وكرامتها المجيدة، وكيانها العظيم، وما ذلك على الله بعزيز.

اسمع إلى ما يقوله عليه الصلاة والسلام في الذين يريدون أن يكمل إيمانهم، ويذوقوا في أعماق قلوبهم حلاوته، ويجدوا في قرارة وجداناتهم لذته!!..

- روى البخاري عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاث مَنْ كُنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون اللهُ ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار".

- وروى البخاري كذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: لأنت يا رسول الله أحب إليّ من كل شيء إلا نفسي التي بين جنبيْ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لن يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه، فقال عمر: والذي أنزل عليك الكتاب لأنت أحب إلي من نفسي التي بين جنبيّ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: الآن يا عمر!!.. أي الآن كمل إيمانك.

- وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به". وروى البخاري ومسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ماله وولده والناس أجمعين".

عقوبة الولد وهجره لمصلحة تربوية

مادام الولد صغيراً يعيش في كنف أبويه، ومادام في سن التعليم والتربية: فيجدر بالأبوين والمربين ألاّ يتركوا وسيلة من وسائل الإصلاح إلا سلوكها، ولا طريقة في تقويم اعوجاجه وتهذيب وجدانه وأخلاقه إلا نهجوها، حتى ينشأ الولد على الخلق الإسلامي الكامل، والأدب الاجتماعي الرفيع.

وللإسلام طريقته الخاصة في إصلاح الولد وتربيته، فإن كان ينفع مع الولد الملاطفة بالوعظ. فلا يجوز للمربي أن يلجأ إلى الهجر، وإن كان ينفع الهجر أو الزجر فلا يجوز له أن يلجأ إلى الضرب، وإذا عجز عن جميع الوسائل الإصلاحية ملاطفة ووعظاً، فلا بأس بعد هذا أن يلجأ إلى الضرب غير المبرح، عسى أن يجد المربي في هذه الوسيلة إصلاحاً لنفسه، وتقويماً لسلوكه واعوجاجه!!.

وإليكم هذه المراحل في الإصلاح مستقاة من السنة النبوية، وعمل الصحابة، لتعرفوا – أيها المربون – طريقة الإسلام في الإصلاح، ومنهجه في التربية.

أما فيما يتعلق بتوجيه الولد ووعظه وملاطفته، فقد روى البخاري ومسلم عن عمر ابن أبي سلمة رضي الله عنهما قال: كنت غلاماً في حِجر[1] رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت يدي تطيش[2] في الصّحْفة، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا غلام سَمِّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك".

وروى البخاري ومسلم عن سهل بن سعد رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بشراب فشرب منه، وعن يمينه غلام، وعن يساره أشياخ، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم للغلام: "أتأذن لي أن أعطي هؤلاء" – وهذه هي الملاطفة – فقال الغلام: لا والله، لا أوثر بنصيبي منك أحداً، فتله رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده (أي وضعه في يده).. وهذا الغلام هو عبد الله بن عباس.

أما فيما يتعلق في هجر الولد: فقد روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخَذْف[3]، وقال: "إنه لا يقتل الصيد، ولا ينكأ العدو، وإنه يفقأ العين، ويكسر السنّ"، وفي رواية: أن قريباً لابن مغفل – وكان دون الحُلُم – خذف، فنهاه وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الخذف، وقال: "إنها لا تصيد صيداً..." ثم عاد فقال: أحدثك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه، ثم عدت تخذف؟ لا أكلمك أبداً!!.

أما فيما يتعلق بضرب الولد فقد روى أبو داود والحاكم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع".

وهذه المراحل في التأديب إذا كان الولد في سن الطفولة والمراهقة.

وإما إن بلغ سن الشباب، وتدرج نحو الكبر، فإن الطريقة في الإصلاح والتأديب تختلف. فعندما لا ينفع مع الولد الإقناع والوعظ والإرشاد، فعلى المربي أن يلجأ إلى الهجر الدائم ما دام مصرّاً على فسقه وفجوره، وسادراً في غيه وضلاله.

وإليكم النصوص التي تثبت ذلك:

- روى الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أوثق عُرى الإيمان: الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله والبغض في الله".

- وروى البخاري – في باب ما يجوز من الهجران لمن عصى - : ... وقال كعب حين تخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم في تبوك: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا، وذكر خمسين ليلة)، حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، ولم يكن أحد من الناس يكلمهم أو يحيّيهم أو يجالسهم، حتى أنزل الله في كتابه توبته عليهم.

- وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم هجر بعض نسائه شهراً زجراً لهن وتأديباً.

- وروى السيوطي أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما هجر ابناً له إلى أن مات، لأنه لم ينْقَدْ لحديث ذكره له أبوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى فيه الرجال أن يمنعوا النساء من الذهاب إلى المساجد[4].

هذا إذا انحرف وفسق وهو على الإيمان والإسلام، وأما إذا ألحد وكفر وخرج عن الملة الإسلامية فالتبرؤ منه، والإعراض عنه، والهجران له من أبسط مقتضيات الإيمان، ومن أظهر توجيهات القرآن الكريم.

وإليكم النصوص التي تثبت ذلك:

قال تعالى: {لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حادّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم} المجادلة: 22.

وقال الله سبحانه على لسان نوح عليه السلام:

{ونادى نوح ربه فقال: ربّ إن ابني من أهلي، وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين، قال: يا نوح إنه ليس من أهلك، إنه عملٌ غيرُ صالح، فلا تسألن ما ليس لك به علم، إني أعظك أن تكون من الجاهلين} هود: 45-46.

وقال الله سبحانه على لسان إبراهيم عليه السلام:

{وإذ ابتلى إبراهيمَ ربٌّه بكلمات فأتمهن، قال: إني جاعلك للناس إماماً، قال: ومن ذريتي، قال: لا ينال عهدي الظالمين} البقرة: 124.

وقال سبحانه عن موقف إبراهيم من أبيه:

{وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه، فلما تبين له أنه عدوٌّ لله تبرّأ منه، إن إبراهيم لأوّاه حليم} التوبة: 114.

من هذه النصوص وغيرها يتبيَّن أن هجر الولد والقرابة.. إن كانوا مصرين على الكفر فإن هجرهم من مستلزمات العقيدة والإيمان، ذلك لأن الإسلام يعتبر رابطة الأخوة الإسلامية فوق رابطة النسب ورابطة الأرض ورابطة اللغة ورابطة الجنس ورابطة المصالح الاقتصادية.. وشعاره في ذلك قوله تعالى:

{قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموالٌ اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحبّ إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره، والله لا يهدي القوم الفاسقين} التوبة: 24.

ومن المعلوم أن مبدأ الإسلام الذي لا يتبدل:

{إنما المؤمنون إخوة} الحجرات: 10.

وشعاره الذي لا يتغير:

{إن أكرمكم عند الله أتقاكم} الحجرات: 13.

فبأي حديث بعده يؤمنون؟

وبعد: فهذا الذي بيناه في هذا الفصل هو أهم المشاعر النفسية، والعواطف القلبية التي يجب أن تعتلج في نفوس المربين، ولقد رأيتَ أن من هذه المشاعر ما هو فطري متأصل في قلبي الأبوين، وفي نفسيهما، كمشاعر الحب والحنان والعطف والرحمة، ولولاها لما انتظمت سنة الكون في المحافظة على النوع الإنساني، ولولاها لما اندفع الأبوان إلى الاهتمام بأولادهما، والعناية بهم، والإنفاق عليهم، والقيام بتعليمهم وتربيتهم.. ولولاها لما رأيت الأسرة مجتمعة الشمل، متماسكة الكيان، راسخة البنيان.

ولقد رأيت أن من هذه المشاعر ما هو جاهليّ ككراهية البنات.. وقد مر معك أن الإسلام عالج هذه العادة الجاهلية البغيضة بالإيمان الصحيح، والعقيدة الربانية الراسخة، والتربية الإسلامية الفاضلة، لتكون نظرة الأبوين إلى الإناث والذكور على حد سواء، ودون أن يكون بينهما أي تمييز أو تفريق، تحقيقاً لمبدأ العدل والمساواة.

ولقد رأيت أن من هذه المشاعر ما هو مصلحي كتغليب حب الجهاد والدعوة إلى الله، على حب الأهل والولد.. ولقد مر معك أن مصلحة الإسلام هي فوق المصالح الذاتية، والاعتبارات الشخصية فلا يمكن لأمة الإسلام أن تصل إلى علياء النصر والمجد والقوة، إلا بعد أن يكون حب الله ورسوله والجهاد في سبيله، فوق حب الأهل والمال والولد والعشيرة والمسكن.

ولقد رأيت أن من هذه المشاعر ما هو تأديبي تربوي كمناصحة الولد وزجره وهجره وعقوبته.. وقد مر معك أن الإسلام تدرج في التأديب من الوعظ إلى الهجر إلى الضرب غير المبرح، فلا يجوز للمربي أن يلجأ إلى الأشد إذا كان ينفع الأخف. وهذا غاية ما يسعى إليه الإسلام في تأديب الأولاد، وتربيتهم، إصلاح نفوسهم.

ألا فليعلم المربون ودعاة الإصلاح منهج الإسلام في التربية، وطريقته في الإصلاح، لينهجوا في تربية الجيل نهجاً سليماً، ويسيروا في طريق الإصلاح الاجتماعي سيراً سوياً.. وفي ذلك نُقْلَة للجيل من بيئة الفساد والانحراف، إلى حياة الطهر والكرامة والأخلاق.. ألا بمثل ذلك فليعمل العاملون!!.

[1] في حِجر رسول الله: أي تحت نظره ورعايته.

[2] تطيش: أي تتحرك وتمتد إلى نواحي الطعام الموجود في القصعة.

[3] الخذف: رمي الحصى بالسبابة والإبهام.

[4] ألّف السيوطي رسالة سماها "الزجر بالهجر" أي التأديب بالمقاطعة، استدل فيها على ذلك بنصوص وآثار كثيرة فارجع إليها.

الفصل الثالث - أحكامُ عامَّة تتعَلّق بالمَولُود

المبحث الأول - ما يفعله المربي عند الولادة

من فضل هذه الشريعة الإسلامية على أمة الإسلام، أنها بينت كل ما يتصل بالمولود من أحكام، وما يرتبط به من مبادئ تربوية هامة، حتى يكون المربي على بيّنة من الأمر في كل واجب يقوم به تجاه طفله الوليد.. فما أجدر بكل من كان في عنقه حق التربية أن يقوم بواجبه الأكمل تطبيقاً وتنفيذاً على الأسس التي وضعها الإسلام، والمبادئ التي رسم معالمها المربي الأول عليه الصلاة والسلام!!.

وإليكم أهم هذه الأحكام التي يجب أن يفعلها المربون عند الولادة:

1- استحباب البشارة والتهنئة عند الولادة:

يستحب للمسلم أن يبادر إلى مسرة أخيه المسلم إذا ولد له مولود، وذلك ببشارته وإدخال السرور عليه، وفي ذلك تقوية للأواصر، وتمتين للروابط، ونشر لأجنحة المحبة والألفة بين العوائل المسلمة، فإن فاتته البشارة استُحب له تهنئته بالدعاء له ولطفله الوليد، عسى الله أن يتقبل ويرعى ويستجيب.

والقرآن الكريم ذكر البشارة بالولد في مناسبات عدة إرشاداً وتعليماً للأمة الإسلامية، لما لهذه البشارة – كما ألمحنا – من أثر كبير في تنمية الروابط الاجتماعية، وتقويمها بين المسلمين.

قال الله تعالى في قصة إبراهيم عليه السلام:

{ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا: سلاماً، قال سلام، فما لبث أن جاء بعجل حنيذ[1]، فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة، قالوا: لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط، وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب...} هود: 69-71.

وقال تعالى في قصة زكريا عليه السلام:

{فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب: أن الله يبشرك بيحيى} آل عمران: 39.

وفي آية أخرى:

{يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى، لم نجعل له من قبل سميّاً} مريم: 07.

ومما ذكرته كتب السيرة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما وُلد، بشرت به ثُويْبَةُ عمِّه أبا لهب وكان مولاها، وقالت: قد ولد الليلة لعبد الله ابنٌ، فأعتقها أبو لهب سروراً بولادته، فلم يضيع الله ذلك له، وسقاه بعد موته في النُقْرَةِ[2] التي في أصل إبهامه) كما روى البخاري.

وذكر السهيلي أن العباس قال: (لما مات أبو لهب رأيتُه في منامي بعد حولٍ في شر حال، فقال: ما لقيتُ بعدكم راحة إلا أن العذاب يخفف عني كل يوم اثنين)، وهو اليوم الذي ولد فيه عليه الصلاة والسلام، وبشرت به ثُوَيْبَة، وفرح بولادته أبو لهب.

أما فيما يتعلق بالتهنئة بالمولود: فقد روى الإمام ابن قيِّم الجوزيَّة في كتابه (تحفة المودود) عن أبي بكر بن المنذر أنه قال: روينا عن الحسن البصري: أن رجلاً جاء إليه، وعنده رجل قد وُلد له غلام، فقال له: يَهْنِك الفارس، فقال الحسن: ما يدريك أفارس هم أم حمار؟ قال الرجل: فكيف نقول؟ قال: قل: (بورك لك في الموهوب، وشكرت الواهب، ورُزقت برّه، وبلغ أشدّه).

وهذه البشارة والتهنئة ينبغي أن تشمل كل مولود، وسواء أكان ذكراً أم أنثى دون تفريق.. فما أحرى المسلمين أن يطبقوا في مجتمعهم هذه السنة الكريمة، لكي تقوى روابطهم، وتتعمق على مدى الأيام أواصرهم، وتخيِّم عرائش الإنس والمحبة على بيوتاتهم وأسرهم، وما أجدرهم أن يسيروا في الطريق الموصل إلى تآلفهم ووحدتهم، حتى يكونوا دائماً عباد الله إخواناً، وحتى تكون وحدتهم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً[3].

2- استحباب التأذين والإقامة عند الولادة:

ومن الأحكام التي شرعها الإسلام للمولود: التأذين في أذنه اليمنى، والإقامة في أذنه اليسرى، وذلك حين الولادة مباشرة، لما روى أبو داود والترمذي عن أبي رافع أنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أذَّنَ في أُذن الحسن بن علي حين ولدته فاطمة).

وروى البيهقي وابن السني عن الحسن بن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من وُلِد له مولود فأذّن في أذنه اليمنى، وأقام في أذنه اليسرى، لم تضرّه أم الصبيان"[4].

وروي كذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أذّن في أذُن الحسن ابن علي يوم وُلد، وأقام في أذُنه اليسرى).

وسر التأذين والإقامة – كما ذكر ابن قيِّم الجوزية في كتابه تحفة المودود - : ( أن يكون أول ما يقرع سمع الإنسان كلمات النداء العلوي المتضمنة لكبرياء الرب وعظمته، والشهادة التي أول ما يدخل بها في الإسلام، فكان ذلك كالتلقين له شعار الإسلام عند دخوله إلى الدنيا، كما يلقن كلمة التوحيد عند خروجه منها، وغير مستنكر وصول أثر التأذين إلى قلبه، وتأثره به وإن لم يشعر.

ومع ما في ذلك من فائدة أخرى: وهي هروب الشيطان من كلمات الأذان، وهو كان يرصده حتى يولد. فيسمع شيطانه ما يضعفه ويغيظه أول أوقات تعلقه به.

وفيه معنى آخر: وهوأن تكون دعوته إلى الله وإلى دينه – الإسلام – وإلى عبادته، سابقة على دعوة الشيطان، كما كانت فطرة الله التي فطر الناس عليها، سابقة على تغيير الشيطان لها ونقله عنها، إلى غير ذلك من الحِكَم..) 1هـ.

وهذه المعاني التي أفاض فيها ابن القيم رحمه الله، أكبر دليل على اهتمام الرسول صلى الله عليه وسلم بعقيدة التوحيد والإيمان، ومطاردة الشيطان والهوى، من حين أن يشم الولد رائحة الدنيا، ويتنسم نسائم الوجود.

3- استحباب تحنيكه عندما يولد:

ومن الأحكام التي شرعها الإسلام للمولود استحباب تحنيكه عقب الولادة. ولكن ما التحنيك، وما الحكمة منه؟

التحنيك معناه: مضغ التمرة، ودَلْكُ حنك المولود بها، وذلك بوضع جزء من الممضوغ على الأصبع، وإدخال الأصبع في فم المولود، ثم تحريكه يميناً وشمالاً بحركة لطيفة، حتى يتبلغ الفم كله بالمادة الممضوغة، وإن لم يتيسر التمر فليكن التحنيك بأية مادة حلوة كالمعقود، أو رائب السكر الممزوج بماء الزهر، تطبيقاً للسنة، واقتداءاً بفعله عليه الصلاة والسلام.

ولعل الحكمة في ذلك تقوية عضلات الفم بحركة اللسان مع الحنك مع الفكين بالتلميظ، حتى يتهيأ المولود للقم الثدي، وامتصاص اللبن بشكل قوي، وحالة طبيعية... ومن الأفضل أن يقوم بعملية التحنيك من يتصف بالتقوى والصلاح تبركاً، وتيمناً بصلاح المولود وتقواه.

ومن الأحاديث التي استدل بها الفقهاء على استحباب التحنيك ما يلي:

- جاء في الصحيحين من حديث أبي بردة، عن أبي موسى رضي الله عنه قال: ولد لي غلام فأتيتُ به النبي صلى الله عليه وسلم فسماه إبراهيم، وحنكه بتمرة، ودعا له بالبركة، ودفعه إليَّ.

- وفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك قال: كان ابنٌ لأبي طلحة يشتكي فخرج أبو طلحة فقُبض الصبي، فلما رجع أبو طلحة قال: ما فعل الصبي؟ قالت أم سليم: هو أسكن ما كان، فقرّبت إليه العشاء فتعشَّى، ثم أصاب (أي جامع)، فلما فرغ قالت: وارِ الصبيّ (أي قم على دفنه)، فلما أصبح أبو طلحة أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره: قال: أعرستم الليلة؟ (كناية عن الجماع) قال: نعم، قال: اللهم بارك لهما، فولدت غلاماً، فقال لي أبو طلحة: احمله حتى تأتي به النبي صلى الله عليه وسلم، وبعث معه بتمرات، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أمعه شيء، قالوا: نعم، تمرات، فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم فمضغها، ثم أخذها من فِيه فجعلها في فِيّ الصبي (أي في فمه) ثم حنَّكه، وسماه عبد الله.

وقال الخلال: أخبرني محمد بن علي قال: سمعت أم ولد أحمد بن حنبل تقول: لما أخذني الطّلقُ كان مولاي نائماً، فقلت له: يا مولاي ها هو ذا أموت، فقال: يفرج الله، فما هو إلا أن قال: يفرج الله، فولدت سعيداً، قال: هاتوا ذلك التمر – لتمر كان عندنا من مكة – فقال لأم علي: امضغي هذه التمر وحنّكيه، ففعلت.

4- استحباب حلق رأس المولود:

ومن الأحكام التي شرعها الإسلام للمولود استحباب حلق رأسه يوم سابعه، والتصدق بوزن شعره فضة، على الفقراء والمستحقين.

والحكمة في ذلك تتعلق بشيئين:

الأول: حكمة صحية:

لأن في إزالة شعر رأس المولود تقوية له، وفتحاً لمسام الرأس، وتقوية كذلك لحاسة البصر والشم والسمع[5].

الثاني: حكمة اجتماعية:

لأن التصدق بوزن شعره فضة، ينبوع آخر من ينابيع التكافل الاجتماعي، وفي ذلك قضاء على الفقر، وتحقيق لظاهرة التعاون والتراحم والتكافل في ربوع المجتمع.

ومن الأحاديث التي استدل بها الفقهاء على استحباب الحلق، والتصدق بوزن الشعر فضة هي ما يلي:

- روى الإمام مالك في الموطأ عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: وزنت فاطمة رضي الله عنها شعر الحسن والحسين، وزينب وأم كلثوم، فتصدقت بزنة ذلك فضة.

- وذكر ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر، عن محمد بن علي بن الحسين رضي الله عنهم، قال: عقّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحسن شاة، وقال: يا فاطمة، احلقي رأسه، وتصدقي بزنة شعره فضة، فوزنته، فكان وزنه درهماً أو بعض درهم.

وروى يحيى بن بكير: عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بحلق رأس الحسن والحسين يوم سابعهما فحُلقا، وتصدّق بوزنه فضة.

ويتفرع عن الحلق مسألة القَزَع، ومعناه حلق بعض رأس الصبي، وترك بعضه.

وجاء النهي عنه تصريحاً، في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم عن عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القزع).

والقَزَع الذي يشمله النهي أربعة أنواع:

أحدهما: أن يحلق من رأسه مواضع من ههنا وههنا.
الثاني: أن يحلق وسطه ويترك جوانبه.
الثالث: أن يحلق جوانبه ويترك وسطه.
الرابع: أن يحلق مقدمه ويترك مؤخره.

وهكذا كله – كما يقول ابن القيم رحمه الله – من كمال محبة الله ورسوله للعدل، فإنه أمر به حتى في شأن الإنسان مع نفسه، فنهاه أن يحلق بعض رأسه ويترك بعضه، لأنه ظلم للرأس حيث ترك بعضه كاسياً وبعضه عارياً.. ونظير هذا أنه نهى عن الجلوس بين الشمس والظل، فإنه ظلم لبعض بدنه... ونظيره أيضاً أنه نهى أن يمشي الرجل في نعل واحدة، بل إما أن ينعلهما أو يحفيهما" 1. هـ.

وهناك حكمة أخرى: أن رسول الإسلام صلوات الله عليه وسلامه، حريص على أن يظهر المسلم في المجتمع بمظهر لائق في مظهره وهندامه... وحلق بعض الرأس وترك بعضه يتنافى مع وقار المسلم وجماله، ثم بالتالي يتنافى مع الشخصية الإسلامية التي يتميز بها المسلم عن بقية الملل والمعتقدات، وعن سائر أهل الفسوق والميوعة والانحلال.

فمما يؤسف له أن كثيراً من الآباء والمربين يجهلون هذه الأحكام جهلاً تاماً، بل نجد الكثير منهم، حينما نتعرض لها، ونحدثهم بها، تظهر منهم أمارات التعجب والاستغراب، لكونهم ما ألفوها، ولم يروا من يطبقها ويعمل بها، إلا من رحم ربك.

وأريد أن أهمس في أذن هؤلاء: إن الجهل ليس بعذر في شريعة الإسلام، وأن المقصر فيما يجب أن يعرفه عن أمور دينه، وتربية أولاده، لا ينجيه عن تحمل المسؤولية يوم يقوم الناس لرب العالمين.

وهذه الأحكام التي ذكرناها آنفاً هي وإن كانت من قبيل المستحبات والمندوبات، فيجب العمل بها، وتطبيقها بحذافيرها في أُسرنا.. في أولادنا... في أهلنا وأقربائنا وذوينا... لأننا إذا تساهلنا في المستحب سيؤدي بنا حتماً إلى التساهل في الواجب، ثم التساهل في الفروض، ثم إلى التساهل في الإسلام كله. وفي النهاية يقع المسلم الظاهري في حبائل الكفر الصراح، ويتيه في متاهات الضلال المبين، ويكون قد انسلخ من دينه وإسلامه!.

ألا فليأخذ المربون بهذه الأحكام، وليطبقوا على أولادهم هذه المستحبات واحدة بعد واحدة، ليحظوا برضى الله سبحانه، ويتحققوا بالإسلام قولاً وعملاً عسى الله سبحانه أن ينصرهم على أعدائهم، ويعيد لهم مجدهم الداثر وكرامتهم المهيضة، وما ذلك على الله بعزيز.

[1] حنيذ: مشوي.

[2] النقرة: الشي المتجوف الذي بين الإبهام والتي تليها من الأصابع، كان أبو لهب يشرب منها بعد موته لفرحه بولادة ابن أخيه عليه الصلاة والسلام.

[3] وما يفعله بعض الأسر بتقديم الزهور والهدايا لأهل المولود، فهو شيء حسن، لكونه يدخل في عموم قوله عليه الصلاة والسلام: "تهادُوا تحابّوا"، وهو مما يزيد الإلفة والمحبة بين المسلمين.

[4] أم الصبيان: هي الريح التي تعرض للولد، فربما يخشى عليه منها، وقيل: هي التابعة من الجن وهي المسماة عند الناس بالقرينة.

[5] قاله ابن القيم في كتاب (تحفة المودود).

المبحث الثاني - تسمية المولود وأحكامها

من العادات الاجتماعية المتبعة، أن المولود حين يولد يختار له أبواه اسماً يُعْرَف به، ويتميز لدى القاصي والداني بسببه.. والإسلام بتشريعه المتكامل اعنتى بهذه الظاهرة، واهتم لها، ووضع من الأحكام ما يشعر بأهميتها والاعتناء بها، حتى تعلم أمة الإسلام كل ما يتعلق بالمولود، وكل ما يرفع من شأنه ويتصل بتربيته.

وإليكم أهم هذه الأحكام التي وضعها الإسلام في تسمية المولود:

1- متى يسمى الولد؟

روى أصحاب السنن عن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل غلام رهين بعقيقته، تذبح يوم سابعه، ويسمى فيه، ويحلق رأسه".

فهذا الحديث يقضي أن تكون التسمية في اليوم السابع.

وهناك أحاديث أخرى صحيحة تفيد أن تكون التسمية في يوم الولادة منها:

- روى البخاري ومسلم عن سهل بن الساعدي قال: "أُتي بالمنذر بن أبي أسيد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ولد، فوضعه النبي صلى الله عليه وسلم على فخذه وأبو أسيد جالس، فلهي النبي صلى الله عليه وسلم بشيء بين يديه، فأمر أبو أسيد بابنه فاحتُمل من على فخذ النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أين الصبي؟ فقال أبو أسيد قلبناه يا رسول الله (أي أرجعناه)، فقال: ما اسمه؟ قال: فلان، قال: لا ولكن اسمه المنذر".

- وفي صحيح مسلم من حديث سليمان بن المغيرة، عن ثابت عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وُلد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم".

فيؤخذ من هذه الأحاديث المتقدمة: أن في الأمر سعة، فجاز تعريفه وتسميته في اليوم الأول من ولادته، وجاز التأخير إلى ثلاثة أيام، وجاز إلى يوم العقيقة وهواليوم السابع، وجاز قبل ذلك، وجاز بعده.

2- ما يستحب من الأسماء وما يكره:

• إن مما يجب أن يهتم به المربي عند تسمية الولد، أن ينتقي له من الأسماء أحسنها وأجملها، تنفيذاً لما أرشد إليه، وحض عليه وأمر به نبينا عليه الصلاة والسلام.

- فقد روى أبو داود بإسناد حسن عن أبي الدرداء رضي اللهعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنكم تُدعون يوم القيامة بأسمائكم وبأسماء آبائكم، فأحسنوا أسماءكم".

- وروى مسلم في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أحب أسمائكم إلى الله عز وجل عبد الله وعبد الرحمن".

• كما عليه أن يجنبه الاسم القبيح الذي يمس كرامته، ويكون مدعاة للاستهزاء به والسخرية عليه. فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم – كما روى الترمذي عن عائشة - : (كان يغير الاسم القبيح).

- وروى الترمذي وابن ماجة عن ابن عمر رضي الله عنهما: "أن ابنة لعمر كان يقال لها عاصية: فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم جميلة".

قال أبو داود: غيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم اسم العاصي، وعزيز وعتلة[1]، وشيطان، والحكم، وغراب، وحباب[2]. وسمي حرْباً: سلماً، وسمي المظطجع: المنبعث، وبني الزِّنْيَة سماهم: بني الرِّشدة، وسمى بني مُغْوية: بني رِشدَة. قال أبو داود: تركت أسانيدها اختصاراً.

• كما عليه أن يجنبه الأسماء التي لها اشتقاق من كلمات فيها تشاؤم، حتى يسلم الولد من مصيبة هذه التسمية وشؤمها.

- روى البخاري في صحيحه عن سعيد بن المسيب عن أبيه عن جده قال: "أتيت إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: ما اسمك؟ قلت: حَزْن[3]، فقال: أنت سهل، قال: لا أغير اسماً سمانيه أبي. قال ابن المسيب: فما زالت تلك الحزونة[4] فينا بعد".

- وروى الإمام مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لرجل: ما اسمك؟ قال: جمْرَة، قال: ابن مَنْ؟ قال: ابن شهاب. قال: ممن؟ قال: من الحرقة. قال: أين مسكنك؟ قال: بحرّة النار. قال: بأيّيها؟ قال: بذات لظى. قال عمر: أدرك أهلك فقد هلكوا واحترقوا، فكان كما قال عمر رضي الله عنه.

• كما عليه أن يجنبه الأسماء المختصة بالله سبحانه، فلا تجوز التسمية بالأحد ولا بالصمد ولا بالخالق ولا بالرازق.. ولا بغيرها.

- قال أبو داود في سننه: إن هانئاً لما وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة مع قومه، كانوا يكنّونه بأبي الحكم، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: إن الله هو الحَكَم وإليه الحُكم، فلِمَ تكنى أبا الحكم؟ فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم، فرضي كلا الفريقين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أحسن هذا. فما لك من الولد؟ قال: لي شريح، ومسلم، وعبد الله، فقال: فمَنْ أكبرهم؟ قال: شريح: قال: فأنت أبو شريح.

- وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "أغيظُ رجلٍ على الله يوم القيامة وأخبثُه: رجل تسمّى مَلِكَ الأملاك، لا ملك إلا لله".

• كما عليه أن يجنبه الأسماء التي فيها يُمن أو تفاؤل حتى لا يحصل كدر عند مناداتهم وهم غائبون بلفظ لا، كالتسمية بأفلح ونافع، ورباح، ويسار.

- روى مسلم وأبو داود والترمذي، عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أحب الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لا تُسمَيَنَّ غلامك يساراً، ولا رباحاً، ولا نجيحاً، ولا أفلح. فإنك تقول: أثَمَّ هو[5]؟ فلا يكون، فيقول: لا[6]، إنما هن أربع فلا تزيدُنّ علي".

- وروى ابن ماجة مختصراً ولفظه: "نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نسمي رقيقنا أربعة أسماء: أفلح، ونافع، ورباح، ويسار".

• كما عليه أن يجنبه الأسماء المعبدة لغير الله، كعبد العزى، وعبد الكعبة، وعبد النبي، وما شابهها، فإن التسمية بهذه محرمة باتفاق.

أما قوله عليه الصلاة والسلام في غزوة حنين: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب)، فهذا ليس من باب إنشاء التسمية وابتدائها – كما يقول ابن القيم – وإنما هو من باب الإخبار بالاسم الذي عرف به المسمى دون غيره، ولا سيما في المواقف التي فيها تحدٍّ للعدو، كموقف النبي صلى الله عليه وسلم، والإخبار بمثل ذلك على وجه تعريف المسمى لا يحرم، فلقد كان الصحابة رضي الله عنهم يذكرون أمام النبي صلى الله عليه وسلم أسماء قبائلهم: كبني عبد مناف، وبني عبد شمس، وبني عبد الدار، ولا ينكر عليهم عليه الصلاة والسلام.

وصفوة القول أنه يجوز في الإخبار ما لا يجوز في الابتداء والإنشاء.

• وأخيراً عليه أن يجنبه الأسماء التي فيها تميّع وتشبه وغرام، كاسم: هيام، وهيفاء، ونهاد، وسوسن، وميادة، وناريمان، وغادة، وأحلام، وما شابهها. لماذا؟ حتى تتميز أمة الإسلام بشخصيتها، وتُعرف بخصائها وذاتيتها. وما هذه الأسماء إلا فقدان لكيانها، وانحدار لاعتبارها، وتحطيم لمعنوياتها.. ويوم تصل الأمة الإسلامية إلى هذا المستوى من التدني والانحدار، تتمزق إلى قطع وأوصال، ويسهل على كل عدو مغتصب أن يستحل أرضها، ويجعل أعزة أهلها أذلة، كما هو حالنا اليوم ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ولا عجب أن يحض الرسول صلوات الله وسلامه أمة الإسلام في أن يتسموا بأسماء الأنبياء وبعبد الله، وعبد الرحمن، وما شابهها من الأسماء المعبّدة لله، حتى تتميز الأمة المحمدية على غيرها من الأمم، في كل مظاهر حياتها لتكون دائماً خير أمة أخرجت للناس، تهدي البشرية إلى نور الحق ومبادئ الإسلام.

فقد روى أبو داود والنسائي: عن أبي وهب الجشمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تسموا بأسماء الأنبياء، وأحب الأسماء إلى الله: عبد الله، وعبد الرحمن، وأصدقها: حارث، وهمام، وأقبحها: حرب، ومرّة"[7].

3- من السنة تكنية المولود بأبي فلان:

من المبادئ التربوية التي وضعها الإسلام في تربية المولود، تكنية المولود بأبي فلان، ولهذه التكنية آثار نفسية رائعة، وفوائد تربوية عظيمة، وهي كما يلي:

• تنمية شعور التكريم والاحترام في نفسية الولد، ومنه قول الشاعر:

أكنّيه حين أناديه لأكرمه

ولا ألقّبه والسوءة اللقبُ.

• تنمية شخصيته الاجتماعية، لاستشعاره أنه بلغ مرتبة الكبار، وسن الاحترام.

• تعويده أدب الخطاب للكبار، ولمن كان في سنه من الصغار.

لهذه الفوائد الجليلة، والاعتبارات العظيمة، كان صلوات الله وسلامه عليه يُكَنّي الأطفال، ويناديهم بها، تعليماً للمربين وإرشادً لهم، حتى ينهجوا نهجه، ويسلكوا طريقه في تكنية أولادهم، ومناداتهم بها.

جاء في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقاً، وكان لي أخ يقال له أبو عمير، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءه يقول له: (يا أبا عُمَيْر، ما فعل النُغَيْر؟)[8]، قال الراوي: أظنه كان فطيماً.

وأذن النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها أن تكنّى بأم عبد الله، وعبد الله هو عبد الله ابن الزبير، وهو ابن أختها أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهم جميعاً.

وكان أنس يكنّى قبل أن يولد له بأبي حمزة، وأبو هريرة كان يكنى بذلك ولم يكن له ولد إذ ذاك.

ويجوز تكنية الرجل الذي له أولاد باسم غير اسم أولاده.. فهذا أبو بكر رضي الله عنه يكنى بأبي بكر، ولم يكن له ولد اسمه بكر.. وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يكنى بأبي حفص، ولم يكن له ولد اسمه حفص، وكذلك أبو ذر رضي الله عنه كان يُكنى بأبي ذر ولم يكن له ولد اسمه ذر، وكذلك خالد بن الوليد رضي الله عنه كان يُكنى بأبي سليمان، ولم يكن له ولد اسمه سليمان... وهذا أكثر من أن يُحصَى.

والذي نخلص إليه بعدما تقدم: أن تكنية المولود أمر مستحب، وكذلك تكنية الكبار، ولا يلزم من جواز التكنية أن يكون للمكنى ولد، ولا أن يُكنى باسم ذلك الولد.

ويتفرع عن التسمية والتكنية أمور نرتبها فيما يلي:

أ) في حال عدم اتفاق الأبوين على تسمية الوليد فالتسمية من حق الأب: فالأحاديث التي سبق ذكرها في أول البحث وبعده تفيد أن التسمية من حق الأب. والقرآن الكريم قد صرح بأن الولد ينسب لأبيه لا لأمه، فيقال له فلان ابن فلان. قال تعالى: {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله}.

ولقد مر حديث مسلم عن أنس رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم".

ب) لا يجوز للأب ولا لغيره أن يلقب الولد بألقاب ذميمة، كالقصير، والأعور، والأخرس، وخنفساء، وما شابهها... لشمول النهي في قوله تعالى: {ولا تنابزوا بالألقاب}.

لما لهذه الألقاب الذميمة من أثر كبير في انحراف الولد النفسي والاجتماعي، وسنتوسع في هذا البحث في مبحث (مسؤولية التربية النفسية) في باب (المسؤوليات) إن شاء الله.

ج) هل يجوز التكنية بأبي القاسم:

أجمع العلماء بتسمية الأولاد باسم النبي صلى الله عليه وسلم، للحديث الذي رواه مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: وُلد لرجل منا غلام فسماه محمداً، فقال له قومه: لا ندعك تسمي باسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق بابنه حامله على ظهره، فقال يا رسول الله: ولد لي غلام، فسميته محمداً، فقال قومي: لا ندعك تسمي باسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تسموا باسمي ولا تكنّوا بكنيتي، فإنما أنا قاسم أقسم بينكم".

أما التكني بكنيته عليه الصلاة والسلام، فقد ذهب الأئمة المجتهدون، مذاهب مختلفة، وأقوال عدّة، وإليكم هذه الأقوال، ثم الراجح منها:

الأول: الكراهة مطلقاً، وحجتهم في ذلك الحديث السابق الذي مر ذكره. وحديث أبي هريرة الذي رواه البخاري ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "تسموا باسمي، ولا تكنَّوْا بكنيتي"، ولقد قال بهذا الرأي الإمام الشافعي.

الثاني: الإباحة مطلقاً، واحتجوا بما رواه أبو داود في سننه عن عائشة رضي الله عنها، قالت: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! إني قد ولدتُ غلاماً فسميته محمداً، وكنيته أبا القاسم، فذَكِر لي: أنك تكره ذلك، فقال: "ما الذي أحل اسمي، وحرم كنيتي؟".

وقال ابن أبي شيبة: حدثنا محمد بن الحسن عن أبي عوانة عن المغيرة عن إبراهيم قال: كان محمد بن الأشعث ابن أخت عائشة، وكان يكنى أبا القاسم.

وروى ابن أبي خيثمة عن الزهري قال: أدركت أربعة من أبناء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كل منهم يسمى محمداً ويكنى أبا القاسم: محمد بن طلحة بن عبد الله، ومحمد بن أبي بكر، ومحمد بن علي بن أبي طالب، ومحمد بن سعد بن أبي وقاص.

وسئل الإمام مالك: عمّن اسمه محمد، ويكنى بأبي القاسم؟ فأجاب: لم يرد في ذلك نهي، ولا أرى بذلك بأساً.

وهذه الطائفة التي قالت بالإباحة مطلقاً حملت أحاديث النهي على أنها منسوخة.

الثالث: لا يجوز الجمع بين الكنية والاسم كأن يسمي ولده محمداً ويكنيه بأبي القاسم في وقت واحد.

أما إفراد التسمية أو التكنية فإنه جائز.

وحجة هذه الطائفة لما رواه أبو داود في سننه عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ تسمى باسمي فلا يتكنى بكنيتي، ومن تكنى بكنيتي فلا يتسمى باسمي"... ولما رواه ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن عن أبي عمرة عن عمه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تجمعوا بين اسمي وكنيتي"... ولما رواه ابن أبي خيثمة: أن محمد بن طلحة لما ولد، أتى طلحة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اسمه محمد، أكنيه أبا القاسم؟ فقال: لا تجمعهما له، هو أبو سليمان.

الرابع: النهي عن التكنية مخصوص بحياته، أما بعد وفاته عليه الصلاة والسلام فلا بأس بها.

واحتجت هذه الطائفة بما رواه أبو داود في سننه عن منذر عن محمد بن الحنفية قال: قال علي رضي الله عنه: "إن وُلد لي بعدك ولد أسمّيه باسمك وأكنيه بكنيتك؟ قال عليه الصلاة والسلام: نعم".

وقال حميد بن زنجويه في كتاب الأدب: سألت ابن أبي أويس ما كان (مالك) يقول في رجل يجمع بين كنية النبي صلى الله عليه وسلم واسمه؟ فأشار إلى شيخ جالس معنا فقال: هنا (محمد بن مالك) سماه أبوه محمداً، وكناه أبا القاسم، وكان يقول – أي الإمام مالك - :إنما نهي ذلك في حياة النبي صلى الله عليه وسلم كراهة أن يدعى أحد باسمه وكنيته، فيلتفت النبي صلى الله عليه وسلم، فأما اليوم – أي بعد وفاته – فلا بأس بذلك.

ولعل القول الرابع هو القول الأرجح للمعقولية التي قالها الإمام مالك، وللأحاديث النبوية التي أفادت ذلك.

وعلى هذا يجوز التسمية باسم النبي صلى الله عليه وسلم، ويجوز التكنية بكنيته، لأن الأحاديث التي تفيد النهي مختصة بحياته خشية الالتباس وقت النداء بشخصية المخاطب، وشخصية النبي صلى الله عليه وسلم... أما بعد وفاته عليه الصلاة والسلام فلا التباس، فدل ذلك على الجواز... ومما يؤكد الجواز أيضاً حديث الزهري الذي سبق ذكره أنه أدرك أربعة من أبناء الصحابة، كل منهم يسمى محمداً ويكنى أبا القاسم، والله أعلم.

فما على الآباء والأمهات – بعد الذي علموه في هذا الفصل – إلا أن ينهجوا الطريق الأقوم في تسمية أولادهم، وأن يجنبوهم الأسماء التي تحط من أقدارهم، وتمس بكرامتهم، وتحطم من شخصياتهم ومعنوياتهم.. وعليهم كذلك أن يتأسوا بالنبي المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، في تكنية أولادهم منذ الصغر بكنية جبيبة إلى قلوبهم، لطيفة إلى أسماعهم، حتى يشعروا بشخصيتهم، وتنمو في نفوسهم روح المحبة والتكريم لذواتهم، وحتى يعتادوا الأدب مع من حولهم في الخطاب، وملاطفة الأقران.

فما أحرانا أن نأخذ جميعاً بأسس هذه التربية الفاضلة، وأن نسير على مبادئ هذا المنهج الإسلامي العظيم، إن أردنا أن نعيد لأنفسنا وأمتنا المجد الداثر، والكيان الكبير، وما ذلك على الله بعزيز، إن أخلصنا وطبقنا، والتزمنا الإسلام تشريعاً وتربية ومنهاجاً.

[1] عتلة: الشدة والغلظة.

[2] الحباب: نوع من الحيات، وقيل: اسم شيطان.

[3] الحزن: ما غلظ من الأرض وهي ضد السهل.

[4] يقصد بالحزونة: الغلظة.

[5] أثم هو: أهناك يسار مثلاً.

[6] فلما يقال: لا، يحصل كدر من قبح الجواب.

[7] مرة: قوة وشدة وبطش.

[8] النغير: طائر كان يلعب به.

المبْحَثُ الثّالثُ - عقيقة المولود وأحكامها

1- ما معنى العقيقة؟

العقيقة في اللغة: معناها القطع، ومنه عقّ والديه إذا قطعهما، ومنه قول الشاعر:

بلاد بها عقّ الشباب تمائمي

وأول أرضٍ مسَّ جلدي ترابها

يريد أنه لما أصبح شاباً قطعت عنه تمائمه.

ومعناه في الاصطلاح الشرعي: ذبح الشاة عن المولود يوم السابع من ولادته.

2- دليل مشروعيتها:

الأحاديث التي تؤكد مشروعية العقيقة، وتبين وجه الاستحباب والسنيّة فيها كثيرة ومستفيضة، نجتزئ منها ما يلي:

- روى البخاري في صحيحه عن سلمان بن عمّار الضبي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مع الغلام عقيقة، فأهريقوا عنه دماً، وأميطوا عنه الأذى".

- وروى أصحاب السنن عن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلا غلام رهينة بعقيقته[1]، تذبح عنه يوم سابعه، ويُسمّى فيه، ويحلق رأسه".

- وروى الإمام أحمد والترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عن الغلام شاتان مكافئتان[2]، وعن الجارية شاة".

- وروى الإمام أحمد والترمذي عن أم كرز الكعبية: أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العقيقة فقال: "عن الغلام شاتان، وعن الأنثى واحدة، ولا يضركم ذكراناً كنّ أو إناثاً" أي الذبائح.

- أخرج الترمذي والنسائي وابن ماجة عن الحسن عن سمرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في العقيقة: "كل غلام مرتهن بعقيقته، تذبح عند يوم سابعه، ويحلق رأسه، ويسمى".

3- آراء الفقهاء في وجه مشروعيتها:

ذهب الفقهاء والأئمة المجتهدون مذاهب ثلاثة في وجه مشروعيتها:

الأول – السنية والاستحباب: وهم الإمام مالك، وأهل المدينة، والإمام الشافعي وأصحابه، والإمام أحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وجماعة كثير عددهم من أهل الفقه والعلم والاجتهاد، وحجتهم هذه الأحاديث التي سبق ذكرها، وردوا على مَنْ ذهبوا أنها واجبة بعدة أقوال:

• لو كانت واجبة لكان وجوبها معلوماً من الدين، لأن ذلك مما تدعو الحاجة إليه، وتعم به البلوى، ولبيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوبها للأمة بياناً عاماً كافياً تقوم به الحجة، وينقطع معه العذر.

• وقد علق رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر العقيقة بمحبة فاعلها، فقال عليه الصلاة والسلام: "مَنْ وُلد له ولد فأحب أن يُنسك عنه فليفعل".

• وفعله صلوات الله عليه لها لا يدل على الوجوب، وإنما يدل على الاستحباب.

الثاني – التحتيم والوجوب: وهم الإمام الحسن البصري، والليث بن سعد، وغيرهما، وحجتهم في ذلك ما رواه بريدة، وإسحق بن راهويه: (أن الناس يعرضون يوم القيامة على العقيقة كما يعرضون على الصلوات الخمس). واستدلوا كذلك بحديث الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كل غلام مرتهن بعقيقته"، ووجه الاستدلال: أن الولد محبوس عن الشفاعة لوالديه حتى يَعِقَّ عنه، فهذا مما يؤيد الوجوب.

الثالث – إنكار مشروعيتها: وهم فقهاء الحنفية.

وحجتهم في ذلك حديث رواه البيهقي، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن العقيقة، فقال: (لا أحب العقوق).

واستدلوا كذلك بحديث رواه الإمام أحمد من حديث أبي رافع رضي الله عنه، أن الحسن بن علي أرادت أمه فاطمة رضي الله عنها أن تعقّ عنه بكبشين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تعقّي ولكن احلقي رأسه، فتصدقي بوزنه من الورق – أي من الفضة - ، ثم ولد الحسين، فصنعت مثل ذلك".

ولكن ظاهر الأحاديث التي سبق ذكرها تؤكد جانب السنّية والاستحباب في العقيقة، وهذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، وأكثر أهل العلم والاجتهاد.

وقد أجابوا على الأحاديث التي استدل بها فقهاء الحنفية في إنكارهم مشروعية العقيقة بقولهم: إن الأحاديث التي استدلوا بها ليست بشيء، ولا تصلح دليلاً على إنكار مشروعية العقيقة. أما حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا أحب العقوق" فسياق الحديث وأسباب وروده يدل على أن العقيقة سنة ومستحبة، فإن لفظ الحديث هكذا: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العقيقة فقال: "لا أحب العقوق"، وكأنه كره الاسم – أي كره أن تسمى الذبيحة بالعقيقة[3] فقالوا يا رسول الله: إنما نسألك عن أحدنا يولد له ولد، فقال: "من أحب منكم أن ينسك عن ولده فليفعل، عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة".

وأما استدلالهم بحديث أبي رافع: "لا تعقي ولكن احلقي رأسه..." فإنه لا يدل على كراهية العقيقة، لأنه عليه الصلاة والسلام أحب أن يتحمل عن ابنته فاطمة رضي الله عنها العقيقة، فقال لها: "لا تعقّي..." لكونه عقَّ عليه الصلاة والسلام عنهما، وكفاها المؤنة. ومما يؤكد أنه عليه الصلاة والسلام عقَّ عنهما كثرة الأحاديث المروية في هذا الشأن، نذكر منها ما يلي:

- روى أبو داود عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عقّ عن الحسن والحسين كبشاً كبشاً.

- وذكر جرير بن حازم عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم عقّ عن الحسن والحسين كبشين.

- وذكر يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة قالت: "عقّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحسن والحسين يوم السابع".

والذي نخلص إليه بعد ما تقدم: أن العقيقة عن المولود سنة مستحبة عند جمهور الأئمة والفقهاء. فعلى الأب إن ولد له مولود وكان مستطيعاً قادراً أن يُحيي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى يحظى بالفضيلة والأجر عند الله سبحانه، وحتى يزيد من معاني الإلفة والمحبة والروابط الاجتماعية، بين الأهل والأقرباء والجيران والأصدقاء جميعاً، وذلك حينما يحضرون وليمة العقيقة ابتهاجاً بالمولود، وفرحاً بقدومه، وحتى يساهم كذلك في تحقيق التكافل الاجتماعي، وذلك حينما يُشرك في الانتفاع بالعقيقة بعض ذوي الحاجة والحرمان من الفقراء والمساكين.

فما أعظم الإسلام، وما أسمى مبادئه التشريعية في زرع الإلفة والمحبة في المجتمع، وفي بناء العدالة الاجتماعية في الطبقات الفقيرة والمحرومة.

4- الوقت الذي يستحب فيه العقيقة:

سبق أن ذكرنا حديث سمرة: "الغلام مرتهن بعقيقته، تذبح عنه يوم السابع ويسمّى". فهذا الحديث يفيد أن وقت الاستحباب لذبح العقيقة هو اليوم السابع، ومما يؤكد ذلك حديث عبد الله بن وهب عن عائشة رضي الله عنها قالت: "عق رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحسن والحسين يوم السابع، وسماهما، وأمر أن يماط عن رؤوسهما الأذى).

ولكن هناك أقوالاً تفيد أن التقيد باليوم السابع ليس من باب الإلتزام. وإنما هو على وجه الاستحباب، وإلا فلو ذُبح عنه في اليوم الرابع أو الثامن أو العاشر أو ما بعده، أجزأت العقيقة.

وإليكم أظهر هذه الأقوال:

- قال الميموني: قلت لأبي عبد الله: متى يعق عن الغلام؟ قال: أما عائشة رضي الله عنها فتقول: (سبعة أيام، وأربعة عشر، ولأحد وعشرين).

- قال صالح بن أحمد: قال أبي في العقيقة: (تذبح يوم السابع، فإن لم يفعل ففي أربعة عشر، فإن لم يفعل ففي أحد وعشرين).

- وقال الإمام مالك: (والظاهر أن التقيد باليوم السابع إنما هو على وجه الاستحباب، وإلا فلو ذُبح عنه في اليوم الرابع أو الثامن أو العاشر أو ما بعده، أجزأت العقيقة).

والذي نخلص إليه بعدما تقدم: أن الأب إذا تيسر له أن يذبح العقيقة في اليوم السابع يكون أفضل لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، وإن لم يتيسر له ذلك جاز في أي يوم من الأيام، كما قال الإمام مالك.

إذن ففي الأمر سعة، وفي ذبح العقيقة تيسير {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} البقرة: 185، {وما جعل عليكم في الدين من حرج} الحج: 78.

5- هل عقيقة الذكر مثل الأنثى؟

سبق أن ذكرنا أن العقيقة سنة مستحبة على رأي جمهور أهل العلم من المجتهدين والفقهاء، وهي سنة مستحبة عن الذكر والأنثى على السواء.

للحديث الذي رواه الإمام أحمد والترمذي عن أم كرز الكعبية أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العقيقة فقال: (عن الغلام شاتان، وعن الأنثى واحدة).

وللحديث الذي رواه ابن أبي شيبة من حديث عائشة "أمرنا عليه الصلاة والسلام أن نعقّ عن الغلام بشاتين، وعن الجارية بشاة". إلى غير ذلك من الأحاديث التي سبق ذكرها في دليل المشروعية.

فهذه الأحاديث بجملتها تفيد شيئين أساسيين:

الأول: أن الذكر مثل الأنثى في مشروعية العقيقة.

الثاني: المفاضلة بينهما: للذكر شاتان، وللأنثى شاة واحدة.

وهذه المفاضلة هي ما تدل عليه ظواهر الأحاديث، وهي مذهب ابن عباس، وعائشة، وجماعة من أهل العلم والحديث.

ومذهب الإمام مالك أن عقيقة الذكر شاة، والأنثى شاة، ولما سئل كم يُذبح عن الغلام والجارية؟ أجاب بقوله: (يذبح عن الغلام شاة واحدة، وعن الجارية شاة). واحتج على مذهبه بالأحاديث التالية:

- روى أبو داود في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عقّ عن الحسن والحسين كبشاً".

- وروى جعفر بن محمد عن أبيه: أن فاطمة ذبحت عن الحسن والحسين كبشاً كبشاً.

- وقال الإمام مالك: (وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، يعق عن الغلمان والجواري من ولده شاة شاة).

وصفوة القول: أن من أغدق الله عليه من رزقه وإنعامه، فلّيعقّ عن الذكر شاتين، وعن الأنثى شاة واحدة، لما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر المفاضلة بينهما... ومن كانت أحواله المادية في حدود الوسط، أو دون الوسط، فيجزئه عن الذكر شاة، وعن الأثنى شاة، وإذا فعل ذلك يكون محظياً بالأجر، متحققاً بالسنة، والله أعلم.

الرد على اعتراض: رب معترض يقول: لِمَ فرق الإسلام بين الذكر والأنثى في أمر المفاضلة في العقيقة، ولِمَ كان هذا التمايز والتفاضل؟

والرد على هذا الاعتراض من وجوه:

1- المسلم مستسلم لكل ما أمر الإسلام به، وما نهى عنه، تحقيقاً لقوله تبارك وتعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكّموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلّموا تسليماً} النساء: 65.

وبما أن المفاضلة في العقيقة ثبتت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالمسلم لا يسعه إلا التسليم والتنفيذ.

2- ولعل وجه الحكمة والمعقولية في هذه المفاضلة، إظهار الرجل على المرأة بما وهبه الله من القوة الجسمانية، وبما كلفه من حق القوامة والمسؤولية، وبما خصه به من الاتزان والانضباط العاطفي، وصدق الله العظيم القائل:

{الرجال قوّامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض، وبما أنفقوا من أموالهم..} النساء: 34.

3- تأكيداً لزرع الإلفة والمحبة لاجتماع الناس على عقيقة المولود، ثم بالتالي تقوية لروافد التكافل الاجتماعي بين الطبقات الفقيرة، والأسر المحرومة.

6- كراهية كسر عظم العقيقة:

من الأمور التي يجب مراعاتها في عقيقة المولود ألاّ يكسر من عظم الذبيحة شيئاً، سواء حين الذبح أو عند الأكل. بل يقطع كل عظم من مِفْصله بلا كسر، للحديث الذي رواه أبو داود عن جعفر بن محمد عن أبيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في العقيقة التي عقتها فاطمة عن الحسن والحسين: "أن ابعثوا إلى القابلة منها برجلٍ، وكلوا وأطعموا، ولا تكسروا منها عظماً". وروى ابن جريج عن عطاء كان يقول: تُقطع جدولاً[4]، ولا يكسر لها عظم. وروى ابن المنذر عن عطاء عن عائشة مثله.

والحكمة في ذلك تتعلق بشيئين:

الأول: إظهار شرف هذا الإطعام أوالاهداء، في نفوس الفقراء والجيران، وذلك في تقديم القطع التامة الكبيرة، التي لم يُكسر من عظامها عظم، ولا ينقص من أعضائها شيء، ولا ريب أن هذا التصرف أجلّ موقعاً، وأعظم في باب الجود والإكرام في نفوس المُهدَى لهم.

الثاني: تيمّناً وتفاؤلاً بسلامة أعضاء المولود وصحته وقوتها، لكون العقيقة جرت مجرى الفداء للمولود، والله أعلم.

7- أحكام عامة تتعلق بالعقيقة:

هناك أحكام عامة تتعلق بالعقيقة يجب مراعاتها، وهي على الترتيب التالي:

أ‌) أجمع العلماء أنه لا يجوز في العقيقة إلا ما يجوز في الأضحية. والذي يجوز في الأضحية[5] هو ما يلي:

1- أن يكون عمرها سنة ودخلت في السنة الثانية إذا كانت من الضأن أو المعز، وإذا كان الضأن كبير الجسم سميناً، فإنها تصح به إذا بلغ ستة أشهر، بشرط أنه إذا خلط بما له سنة لا يمكن تمييزه منه. وأما المعز فإنها لا تصح به إلا إذا بلغ سنة ودخل في السنة الثانية على كل حال.
2- أن تكون الأضحية سليمة من العيوب، وعلى هذا لا تصح الأضحية بالعمياء، ولا بالعوراء، ولا بالعجفاء (وهي المهزولة التي لا مخ في عظامها)، ولا بالعرجاء (التي لا تستطيع المشي إلى الذبح). وكذلك لا تصح بمقطوعة الأذن أو الذنب أو الإلية إذا ذهب أكثر من ثلثها. ولا تصح بالهتماء (التي ذهب أكثر أسنانها)، ولا تصح بالسكّاء وهي (التي لا أذن لها بحسب الخلقة)، ولا بالتّولاء (وهي المجنونة التي يمنعها جنونها من الرعي).
أما ما عدا ذلك من العيوب التافهة فإنها تجوز، كأن تكون مشقوقة الأذن، أو مكسورة القرن، أو مصابة بالعرج الذي تستطيع المشي معه، كأن تمشي بثلاث قوائم وتضع الرابعة على الأرض لتستعين بها على المشي، أو مصابة بجنون لم يمنعها من الرعي، أوذهب بعض أسنانها ولكن الأكثر موجودة، أو كانت مقطوعة الأذن أو الذنب أو الإلية وبقي الثلثان وذهب الثلث فقط. كل ذلك لا يمنع من الأضحية بها.
3- أما الأضحية بالبقر والجاموس فلا تصح إلا إذا بلغ سنتين ودخل في السنة الثالثة، وأما التضحية بالإبل فلا تصح إلا إذا بلغت خمس سنين ودخلت في السنة السادسة.

ب‌) لا يصح الاشتراك فيها: كأن يشترك سبعة على جمل مثلاً، لأنه لو صح الاشتراك فيها لما حصل المقصود من إراقة الدم عن الولد، ولما كانت الذبيحة بالتالي فداءً عن المولود.

ت‌) يصح أن يذبح عن الغنم بالإبل أوالبقر، بشرط أن يكون الذبح بأحدهما عن مولود واحد. لما روى ابن القيم عن أنس بن مالك أنه كان يعق عن ولده بالجزور. وعن أبي بكرة أن نحر عن ابنه عبد الرحمن جزوراً، فأطعم أهل البصرة..

وبعض أهل العلم ذكر أنه لا تصح العقيقة إلا بالغنم للأحاديث الواردة.

ولكن حجة من أجاز العقيقة بالإبل والبقر، ما رواه ابن المنذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "مع الغلام عقيقة فأهريقوا عنه دماً"، ولم يذكر الرسول صلى الله عليه وسلم دماً دون دم، فما ذُبح عن المولود على ظاهر الحديث فإنه يجزئ، سواء كانت الذبيحة غنماً أو بقراً أو إبلاً.

ث‌) يصح في العقيقة ما يصح في الأضحية: من ناحية الأكل منها، والتصدق، والإهداء، ويزاد بإهداء جزء منها إلى القابلة لإدخال السرور عليها، للحديث الذي رواه البيهقي: عن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر فاطمة رضي الله عنها، فقال: "زني شعر الحسين، وتصدقي بوزنه فضة، وأعطي القابلة رِجْلَ العقيقة".

ومن أراد أن يولم على العقيقة، ويدعو من أحب لحضور الطعام فلا بأس في ذلك، وقد أجاز ذلك كثير من الفقهاء لما ينشر في المجتمع المسلم من أجنحة الإلفة، والمحبة، والأخوّة.. بين الأهل والأصدقاء، والجيران.. وهذا ما يحرص عليه الإسلام في تماسك وحدة الأمة، لتكون دائماً كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً.

ج‌) يستحب أن تذبح العقيقة على اسم المولود: لما روى ابن المنذر عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اذبحوا على اسمه (أي على اسم المولود) فقولوا: بسم الله، اللهم لك وإليك، هذه عقيقة فلان". وإن نوى الذابح العقيقة ولم يذكر اسم المولود، أجزأت وحصل المقصود.

8- ما الحكمة التشريعية من العقيقة؟

يكفي العقيقة فائدة وحكمة أنها:

• قربان يتقرب منها المولود إلى الله في أول لحظة يستنشق فيها نسائم الحياة.

• فدية يفدى بها المولود من المصائب والآفات، كما فدى الله إسماعيل عليه السلام بالذبح العظيم.

• فكاك لرهان المولود في الشفاعة لوالديه.

• إظهار للفرح والسرور بإقامة شرائع الإسلام، وبخروج نسمة مؤمنة، يكاثر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمم يوم القيامة.

• تمتين لروابط الإلفة والمحبة بين أبناء المجتمع، لاجتماعهم على موائد الطعام ابتهاجاً بقدوم المولود الجديد.

• إرفاد موارد التكافل الاجتماعي برفد جديد، يحقق في الأمة مبادئ العدالة الاجتماعية، ويمحو في المجتمع ظواهر الفقر والحرمان والفاقة، إلى غير ذلك من هذه الفوائد والثمرات.

وبالمناسبة.. يجدر بك – أيها القارئ – أن تعرف أنواع الأطعمة والولائم التي شرعها الإسلام في أوقات مخصوصة، وفي أيام المناسبات، وهي كما يلي:

1- القرى: طعام الضيفان.

2- التُحْفة: طعام الزائر.

3- الخُرْس: طعام الولادة.

4- المأدُبة: طعام الدعوة.

5- الوليمة: طعام العرس.

6- العقيقة: طعام المولود في اليوم السابع.

7- الغديرة: طعام الختان.

8- الوضيمة: طعام المأتم.

9- النقيعة: طعام القادم من سفره.

10- الوكيرة: طعام الفراغ من البناء.

[1] المراد أن العقيقة لازمة لا بد منها.

[2] مكافئتان: أي مستويتان في السن، ومتشابهتان في الشكل.

[3] استدل طائفة من الفقهاء من ظاهر هذا الحديث استبدال كلمة العقيقة بالنسيكة، لكراهيته عليه الصلاة والسلام اسم العقيقة، وقالت طائفة أخرى لا يكره ذلك، ورأو إباحته للأحاديث الكثيرة المستفيضة في تسمية الذبيحة بالعقيقة. والتوفيق بين الرأيين: أن يستعمل المسلم كلمة النسيكة ويجعلها هي الأصل، وإذا استعمل كلمة العقيقة في بعض الأحيان للتوضيح وبيان الحكم وإظهار المراد فلا بأس في ذلك، وعلى هذا تتفق الأحاديث.

[4] تقطع جدولاً: أي تقطع أعضاء.

[5] أحكام الأضحية المذكورة هي على مذهب أبي حنيفة.

المبحث الرابع - خِتانُ المولود وأحكامه

1- معنى الختان لغةً واصطلاحاً:

الختان في اللغة معناه: قطع القُلْفَة (أي الجلدة) التي على رأس الذّكر.

وفي الاصطلاح الشرعي: هو الحَرْف المستدير على أسفل الحشفة، أي موضع القطع من الذكر، وهو الذي تترتب عليه الأحكام الشرعية، كما روى الإمام أحمد والترمذي والنسائي عن النبي عليه الصلاة والسلام "إذا التقى الختانان فقد وجب الغُسْلُ".

وفي رواية الطبراني "إذا التقى الختانان وغابت الحشفة فقد وجب الغُسْلُ، أنزل أو لم يُنزل".

2- الأحاديث التي تدل على مشروعية الختان:

الأحاديث التي تدل على مشروعية الختان كثيرة نجتزئ منها ما يلي:

- روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عمّار بن ياسر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من الفطرة[1]: المضمضة، والاستنشاق، وقص الشارب، والسواك، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط، والاستحداد[2]، والاختتان".

- وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط".

3- هل الختان واجب أم سنة؟

اختلف الفقهاء في أمر الختان هل هو واجب أم سنة؟

فالذين قالوا بسنيته: الإمام الحسن البصري، والإمام أبو حنيفة، وبعض الحنابلة. وحجتهم في ذلك: ما رواه الإمام أحمد عن شداد بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الختان سنة للرجال ومكرمة للنساء".

وحجتهم كذلك: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قرن الختان في الحديث بالمسنونات كتقليم الأظافر، ونتف الإبط، وغيرها، فدل على أن الختان سنة وليس بواجب.

وحجتهم أيضاً: ما قاله الإمام الحسن البصري: (قد أسلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس: الأسود، والأبيض، والرومي، والفارسي، والحبشي... فما فتش أحداً منهم)، فلو كان الختان واجباً لما قبل إسلامهم حتى يُختنوا.

والذين قالوا بوجوبه هم: الشعبي، وربيعة، والأوزاعي، ويحيى بن سعد الأنصاري، ومالك، والشافعي، وأحمد. وشدد في أمر الختان الإمام مالك حتى قال: (مَنْ لم يختتن لم تجز إمامته، ولم تقبل شهادته).

واحتج هؤلاء الأئمة على الوجوب بأدلة كثيرة نجتزئ منها ما يلي:

أ) روى الإمام أحمد وأبو داود، عن عثيم بن كليب عن أبيه عن جده، أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قد أسلمت، قال: "ألق[3] عنك شعر الكفر واختتن".

ب) وروى حرب في مسائله عن الزهري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أسلم فليختتن وإن كان كبيراً".

فالحديث وإن كان ضعيفاً فإنه يصلح للتقوية والاعتضاد.

ج) وروى وكيع عن سالم عن عمرو بن هرم عن جابر عن يزيد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "الأقلف[4] لا تقبل له صلاة، ولا تؤكل ذبيحته".

د) وروى البيهقي عن موسى بن إسماعيل، عن علي رضي الله عنه قال: وجدنا في قائم سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيفة: "أن الأقلف لا يترك في الإسلام حتى يختتن".

هـ) قال الخطابي: (أما الختان فإنه وإن كان مذكوراً في جملة السنن فإنه عند كثير من العلماء على الوجوب، وذلك أنه شعار الدين، وبه يعرف المسلم من الكافر، وإذا وجد المختون بين جماعة قتلى غير مختونين، صُلّي عليه ودفن في مقابر المسلمين).

و) وقد علل الذين قالوا بوجوب الختان من الفقهاء: (أن الأقلف معرض لفساد طهارته وصلاته، فإن القلفة تستر الذكر كله، فيصيبها البول، ولا يمكن الاستجمار لها، فصحة الطهارة والصلاة موقوفة على الختان ولهذا منع كثير من السلف والخلف إمامته، أما صلاته مع نفسه فيعد معذوراً كمن معه سلس بول).

ز) قال تعالى: {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملَّة إبراهيم حنيفاً}. النحل: 123.

فالرسول صلى الله عليه وسلم وأمته مأمورون باتباع ملة إبراهيم، والختان من ملة إبراهيم عليه السلام. ومما يدل على ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن إبراهيم عليه السلام اختُتن وهو ابن ثمانين سنة). وفي رواية: (أنه أول من أضاف الضيف، وأول من لبس السراويل، وأول من اختتن، واستمر الختان بعده في الرسل وأتباعهم حتى بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم).

فقد روى الترمذي والإمام أحمد عن أبي أيوب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أربع من سنن المرسلين: الختان[5]، والتعطر، والسواك، والنكاح".

فهذه الأحاديث هي أظهر الأدلة التي احتجوا بها على وجوب الختان للمولود أما ردهم على من قالوا بسنيّة الختان فهو ما يلي:

• فالحديث الذي احتجوا به على السنيَّة هو "الختان سنة للرجال، مكرمة للنساء". وقد قال عنه علماء الحديث: أنه ضعيف من ناحية السند، والحديث الضعيف – كما هو معلوم عند الفقهاء – لا يحتج به في استنباط الأحكام الشرعية. وعلى فرض أنه صحيح فيكون المعنى أن الرسول صلى الله عليه وسلم سنّ الختان وأمر به فيكون واجباً، والسنة هي الطريقة، يقال: سَنَنْتُ له كذا: أي شرعتُ، فقوله عليه الصلاة والسلام: "الختان سنة للرجال..." أي مشروع لهم.

• أما احتجاجهم بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قرن الختان بالمسنونات كتقليم الأظافر، فيكون سنة كباقي المسنونات، فهو احتجاج غير صحيح، لأن الخصال المذكورة في الحديث منها ما هو واجب كالمضمضة والاستنشاق في الاغتسال، ومنها ما هو مستحب كالسواك، وأما تقليم الأظافر – وإن كان سنة – فإنه في بعض الأحيان يكون واجباً لصحة الطهارة، وذلك في حين الإطالة وتراكم الأوساخ تحتها. إذن فالحديث الذي احتجوا به يجمع ما بين طياته ما هو واجب، وما هو مستحب.

• أما احتجاجهم بقول الحسن البصري: (قد أسلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فما فتش أحداً منهم)، فجوابه: (أنهم استغنوا عن التفتيش بما كانوا عليه من الختان، فإن العرب قاطبة كلهم كانوا يختتنون، واليهود قاطبة تختتن، ولم يبق إلا النصارى وهم فرقتان: فرقة تختتن، وفرقة لا تختتن، وقد علم كل من دخل في الإسلام منهم ومن غيرهم، أن شعار الإسلام "الختان" فكانوا يبادرون إليه بعد الإسلام كما يبادرون إلى الغُسْل)[6]. ويؤيد ما قاله ابن القيم أن الناس كانوا يبادرون إلى الختان بعد الإسلام كما يبادرون إلى الغسل، حديث عُثَيْم بن كليب الذي سبق ذكره، أن جده جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قد أسلمت: قال: (ألقِ عنك شعر الكفر واختتن). وكذلك حديث الزهري الذي مرّ أنه عليه الصلاة والسلام قال: "من أسلم فليخْتتن وإن كان كبيراً".

وكان عليه الصلاة والسلام: يرشد الأمة دائماً إلى ما فيه خيرها وسعادتها، وإلى ما يميزها عن غيرها. ولكن لم يكن مأموراً بالبحث والتفتيش، ومنهجه في ذلك أن يقبل ممن أسلموا ظواهرهم، ويكل إلى الله سرائرهم.

والذي نخلص إليه بعدما تقدم: أن الختان رأس الفطرة، وشعار الإسلام، وعنوان الشريعة... وهو واجب على الذكور... وأن مَنْ لم يبادر إليه في إسلامه، ولم يقم على تنفيذه قبل بلوغه، فإنه يكون آثماً، مرتكباً المعصية، واقعاً في الوزر والحرام، لكون الختان شعاراً من شعائر الإسلام، وبه يتميز المؤمن عن الكافر، وبسببه يتمتع المختتن بصحة جيدة، ويتحرر من كثير من الأمراض الفتاكة... وسيأتي بيان الحكمة من الختان، وفوائده العظيمة في الصفحات التالية إن شاء الله.

4- هل على الأنثى ختان؟

أجمع الفقهاء والأئمة المجتهدون على أن الختان مستحب للأنثى وليس بواجب، اللهم إلا في رواية للإمام أحمد بن حنبل أن يجب على النساء والرجال على السواء، بينما الرواية الثانية المروية عنه يجب على الذكور دون الإناث، وهذه الرواية الثانية وافقت ما أجمع عليه الأئمة الأعلام من الفقهاء والمجتهدين في أنه مستحب وليس بواجب، ووافقت كذلك ما درجت عليه الأمة، وما توارثته جيلاً عن جيل، في أن الختان للمرأة مستحب وليس بواجب، وحجتهم في ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما شرع لأمة الإسلام الختان، كان يخص الرجال دون الإناث، ولم يثبت أنه عليه الصلاة والسلام أمر امرأة بالاختتان، اللهم إلا حديث شداد الذي مر ذكره: "الختان سنة للرجال، مكرمة للنساء". فإن فيه ما يشير إلى ذلك، وعلى فرض صحة الحديث فإنه يرشد إلى الاستحباب دون الوجوب، لأن لفظ (مكرمة للنساء) دليلاً قاطعاً على الاستحباب فقط، والله أعلم.

ولعل الحكمة في ذلك أن الاختتان للرجل يختلف كل الاختلاف عن الاختتان للمرأة: يختلف شكلاً، ويختلف حكماً، ويختلف فائدة كما هو ملحوظ ومفهوم.

ألا ما أعظم ترشيع الإسلام! وما أسمى مبادئه الخالدة على مدى الزمان والأيام!!.

5- متى يجب الاختتان؟

ذهب كثير من أهل العلم إلى أن الاختتان يجب عند مشارفة الولد سن البلوغ، باعتبار أنه سيصبح مكلفاً في امتثال الأحكام الشرعية، والأوامر الإلهية. حتى إذا دخل في سن البلوغ كان مختوناً، لتكون عبادته على الوجه الصحيح الذي رسمه الإسلام، وبينه الشرع الحنيف.

ولكن الأفضل في حق الولي أن يقوم بعملية الاختتان في الأيام الأولى من ولادة الولد، حتى إذا عقل، وتفهم الأمور، وأصبح في مرحلة التمييز، وجد نفسه مختوناً، فلا يحسب له في المستقبل حساباً، ولا يجد له في نفسه همّاً، فما أهنأ قلب الولد! لما بدأ يعقل ويدرك حقائق الأشياء، وجد نفسه أنه مر على مرحلة الاختتان.

ودليل الأفضلية ما رواه البيهقي عن جابر رضي الله عنه أنه قال: "عقّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحسن والحسين وختنهما لسبعة أيام).

6- وأخيراً ما الحكمة من الختان؟

للختان حكم دينية عظيمة، وفوائد صحية جليلة قد أبان عنها العلماء، وكشف عن آثارها الأطباء... وإليكم أميز ما ذكروه وأهم ما قرروه:

فمن الحكمة الدينية العظيمة:

• أنه رأس الفطرة وشعار الإسلام، وعنوان الشريعة.

• أنه من تمام الحنيفية التي شرعها الله على لسان إبراهيم عليه السلام، فهي التي صبغت القلوب على التوحيد والإيمان، وهي التي صبغت الأبدان بخصال الفطرة من الختان، وقص الشارب، وتقليم الأظافر، ونتف الآباط، قال تعالى: {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً...} النحل: 123.

{صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون} البقرة: 138.

• أنه يميز المسلم من غيره من أتباع الديانات والملل الأخرى.

• أنه إقرار بالعبودية لله، والامتثال لأوامره، والخضوع لحكمه وسلطانه.

ومن الفوائد الصحية الجليلة ما يلي:

• أنه يجلب النظافة، والتزيين، وتحسين الخلقة، وتعديل الشهوة.

• أنه تدبير صحي عظيم يقي صاحبه كثيراً من الأمراض والاختلاطات.

يقول الدكتور (صبري القباني) في كتابه (حياتنا الجنسية):

وفي الختان بعض الفوائد نذكر منها:

1- بقطع القُلْفة يتخلص المرء من المفرزات الدهنية، ويتخلص من السيلان الشحمي المقزِّز للنفس، ويحال دون إمكان التفسخ والإنتان.

2- بقطع القلفة يتخلص المرء من خطر انحباس الحشفة أثناء التمدد.

3- يقُلّل الختان إمكان الإصابة بالسرطان، وقد ثبت أن هذا السرطان كثير الحدوث في الأشخاص المتضيّقة قلفتهم، بيد أنه نادر جداً في الشعوب التي توجب عليهم شرائعهم الختان.

4- إذا شرعنا في ختان الطفل أمكننا تجنيبه الإصابة بسلس البول الليلي.

5- يخفف الختان من كثرة استعمال العادة السرية لدى البالغين.. إلى غير ذلك من هذه الفوائد...." 1. هـ.

هذه بعض الفوائد والحكم في مشروعية الختان، يدركها كل ذي عقل وبصيرة، ويتعقلها كل من يريد أن يعرف محاسن الإسلام، وأسرار الشريعة.

وفي تقرير هذه الأحكام التي سبق ذكرها، سواء ما يتعلق ببشارة المولود، أو التأذين بأذنه، أو استحباب تحنيكه أو عقيقته، أو حلق رأسه، أو أحكام تسميته، أو وجوب ختانه.. فكل هذه الأحكام تقرر للمربين هذه الحقيقة الهامة، ألا وهي: الاعتناء بالمولود منذ ولادته والاهتمام بأمره من حين أن يُطلّ بنفسه على الدنيا، ويستنشق نسائم الحياة.

وهي أحكام هامة تكسب الطفل صحة، وتعطيه قوة... حتى إذا فتح المولود عينيه وأصبح ينظر حوله، ويتفهم الأمور، ويدرك حقائق الأشياء وجد نفسه في أسرة مسلمة تطبق الإسلام، وتعمل بمقتضى الشريعة، وقد قامت نحوه بكل الالتزامات التي أمر بها الشرع الحنيف، وسنها الرسول عليه الصلاة والسلام.

ولا شك أن الولد حينما يفهم هذه الالتزامات، ويعرف أن مربيه من أب وأم يقومان بكل هذه الواجبات، فإن نفسه تترسخ على الإسلام، وتتربى على الإيمان، وتعتاد على معاني الخلق والفضيلة وأنبل الفضائل والمكرمات.

وإذا كان الإسلام قد اعتنى بالولد من حيث الولادة – كما رأيت – فاعتناؤه به من حين أن يعقل ويتفهم الحياة، ويدرك حقائق الأشياء، يكون أبلغ وأعظم، وأسمى وأكبر.

وستجد – أيها الأخ القارئ – في الفصول التالية أهم المسؤوليات العامة التي أوجبها الإسلام على المربين والآباء نحو أولادهم، لتعلم جيداً كيف اعتنت الشريعة الغراء بتربية الأبناء، وكيف أهابت بهم أن ينهضوا بواجباتهم، ويضطلعوا بمسؤولياتهم. وستجد فيها إن شاء الله، ما يشفي الغليل، وما يوضح المنهج، وما ينير الطريق.

[1] الفطرة فطرتان: فطرة إيمانية تتعلق بالقلب وهي معرفة الله والإيمان به، وفطرة عملية وهي هذه الخصال المذكورة في الحديث. فالأولى تزكي الروح وتطهر القلب، والثانية تطهر البدن، وتزين المظهر، فكان رأس فطرة البدن (الختان).

[2] الاستحداد: حلق الشعر الذي يخرج حول الفرج.

[3] ألق عنك: أي احلق رأسك.

[4] الأقلف: أي غير المختتن.

[5] قد ورد في بعض النسخ (الحياء)، وفي البعض (الحناء) بدل الختان، وكلاهما غلط وتصحيف قاله: أبو الحجاج المزي. وثبت عن المحامحلي أنه روى لفظ (الختان) في الحديث عن الشيخ الذي روى عنه الترمذي. ارجع إلى كتاب (تحفة المودود) ص 93 تجد ما فيه الكفاية.

[6] من كتاب تحفة المودود ص 104.

الفصل الرابع - أسباب الانحراف عند الأولاد ومعالجته

الفقر الذي يخيم على بعض البيوت

تمهيد

ما أكثر العوامل والأسباب التي تؤدي إلى انحراف الأولاد، وإلى زيغهم وفساد أخلاقهم، وسوء تربيتهم في هذا المجتمع الآثم، والواقع المرير، والحياة الماجنة!!

وما أكثر نوازع الشر، وبواعث الفساد التي تحيط بهم وتكتنفهم من كل جانب، وتعترضهم من كل مكان!!..

فإذا لم يكن المربون على مستوى المسؤولية والأمانة، وعلى علم بأسباب الانحراف وبواعثه، وعلى بصيرة وهدى في الأخذ بأسباب العلاج، وطرق الوقاية... فإن الأولاد – لا شك – سيكونون في المجتمع جيل الضياع والشقاء، وعصبة الفساد والجريمة.

ونحن – إن شاء الله – في هذا الفصل سنفصّل القول عن أسباب الانحراف في الأولاد، وعن المعالجة الناجعة لهذا الانحراف، ليعلم من يريد أن يعلم أن الإسلام – بتشريعه الحكيم، ومبادئه القويمة الخالدة – قد وضع الأسس الكفيلة، والمناهج الحكيمة لصيانة الجيل من الانحراف، وحماية المجتمع من التشرد والضياع.

وإليكم – أيها المربون – أهم الأسباب في انحراف الأولاد، وآظهر المعالجات لهذا الانحراف على ضوء الإسلام، لتكونوا على بينة وهدى في أمر التربية والمسؤولية:

أ) الفقر الذي يخيم على بعض البيوت:

من المعلوم أن الطفل حين لا يجد في البيت ما يكفيه من غذاء وكساء، ولا يرى من يعطيه ما يستعين به على بلغة العيش، وأسباب الحياة، وينظر إلى ما حوله فيجد الفقر والجهد والحرمان.. فإنه – لا شك – سيلجأ إلى مغادرة البيت بحثاً عن الأسباب، وسعياً وراء الرزق. فتتلقفه أيدي السوء والجريمة، وتحيط به هالة الشر والانحراف، فينشأ في المجتمع مجرماً، ويكون خطراً على الأنفس والأموال والأعراض.

والإسلام بتشريعه العادل، قد وضع الأسس الكفيلة لمحاربة الفقر، وقرر حق الحياة الكريمة لكل إنسان، ووضع من التشريعات ما يؤمن لكل فرد الحد الأدنى من مسكن ومطعم وكساء، ورسم للمجتمع المسلم مناهج عملية للقضاء على الفقر نهائيّاً، كتأمين سبل العمل لكل مواطن، وإعطاء مرتبات شهرية من بيت المال لكل عاجز، وسن قوانين للتعويض العائلي لكل أب له أسرة وأولاد، ورعاية زمر اليتامى، والأرامل والشيوخ، بشكل يحفظ لهم كرامتهم الإنسانية، ويحقق لهم العيش الأفضل.. إلى غير ذلك من هذه الوسائل والأحكام، التي إن تحققت، ومرت بمراحل التطبيق والتنفيذ، زال في المجتمع أهم أسباب الجريمة والتشرد والضياع، وقضى نهائيّاً على كل مظاهر الفقر والبؤس والحرمان[1].

[1] ارجع إلى كتابنا (التكافل الاجتماعي في الإسلام) تجد فيه ما يشفي الغليل في قضاء الإسلام على الجهل والفقر والمرض. وترى فيه كيف حقق الإسلام العدالة الاجتماعية بين أبناء الوطن الواحد.

النزاع والشقاق بين الآباء والأمهات

من العوامل الأساسية التي تؤدي إلى انحراف الولد، احتدام النزاع، واستمرار الشقاق ما بين الأب والأم في أعظم ساعات الاجتماع واللقاء... فالولد حين يفتح في البيت عينيه، ويرى ظاهرة الخصومة أمام ناظريه، سيترك حتماً جو البيت القاتم، ويهرب عن محيط الأسرة الموبوء، ليفتش عن رفاق يقضي معهم جُلَّ وقته ويصرف في مخالطتهم معظم فراغه. فهؤلاء إن كانوا قرناء سوء، ورفقاء شر، فإنه سيدرج معهم على الانحراف، ويتدنَّى بهم إلى أرذل الأخلاق، وأقبح العادات، بل إن انحرافه سيتأكد، وإن إجرامه سيتحقق، ليصبح أداة خطر وبلاء على البلاد والعباد.

والإسلام بمبادئه الحكيمة الخالدة رسم للخاطب المنهج القويم في حسن اختيار الزوجة، كما رسم لأولياء المخطوبة الطريق الأفضل في حسن اختيار الزوج، وما ذاك إلا تحقيق للمودة والمحبة والتفاهم والتعاون بين الزوجين، ثم بالتالي بُعدٌ عن كل احتمال للمشكلات العائلية، والخصومات الزوجية التي تقع عادة ما بين المرأة وزوجها.

وقد سبق أن بيّنا في الفصل الأول من هذا الكتاب الأسس الصحيحة في اختيار الزوج أو الزوجة. وهي لا شك من أعظم الأسس الثابتة في إعداد البيت السعيد، وتهيئة الأسرة المثالية المتحابية المتفاهمة.

حالات الطلاق وما يصحبها من فقر

ومن العوامل الأساسية التي تؤدي غالباً إلى انحراف الولد، حالات الطلاق وما يصحبها من تشرد وضياع، وما يعقبها من تشتت وفراق.

ومن الأمور المعلومة التي لا يختلف فيها اثنان، أن الولد عندما يفتح على الدنيا عينيه، ولا يجد الأم التي تحنو عليه، ولا الأب الذي يقوم على أمره ويرعاه، فإنه لا شك سيندفع نحو الجريمة، ويتربَّى على الفساد والانحراف.

ومما يزيد الأمر سوءاً، زواج المطلقة من زوج آخر، فإن الأولاد سيؤولون – على الغالب – إلى التشرد والضياع.

ومما يعقّد المشكلة كذلك، فقر الأم بعد الطلاق، فإنها في هذه الحالة ستضطر إلى العمل خارج المنزل، ومعنى هذا أن تترك البيت، أو بالأحرى أن تترك الأولاد الصغار للشارع تعبث بهم فتن الأيام، وحادثات الليالي، من غير رعاية ولا عناية. وماذا نرجو من أولاد لا يجدون عطف الأب ولا اهتمامه ومسؤوليته، ولا حنان الأم ولا عنايتها ومسؤوليتها؟!

وماذا نرجو منهم حين ينظرون إلى ما حولهم، فلا يجدون الطعام الكافي الذي يسد جوعهم، ولا الكساء الواقي الذي يستر عورتهم، ولا المسكن الصالح الذي يحقق لهم راحتهم ويحفظ صحتهم؟!.

فالحقيقة أننا لا نرجو منهم إلا التشرد والضياع، ولا نتوقع إلا الجريمة والانحراف، إلا من رحم ربك وقليل ما هم.

والإسلام بمبادئه الرشيدة أمر كلاًّ من الزوجين، أن يقوما بالحقوق نحو بعضهما البعض، حتى لا يؤول بهما الأمر إلى نتائج لا تحمد عقباها..

• فمن هذه الحقوق: طاعة الزوجة لزوجها بالمعروف. فقد روى البزار والطبراني: أن نسوة اجتمعن مرة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وأرسلن إحداهن إلى الرسول صلى الله عليه وسلم لتقول له: يا رسول الله أنا وافدة من النساء إليك، هذا الجهاد كتبه الله على الرجال، فإن يصيبوا أثيبوا، وإن قتلوا كانوا أحياء عند ربهم يرزقون، ونحن معشر النساء نقوم عليهم فمالنا من ذلك الأجر؟ فأجابها عليه الصلاة والسلام بقوله: "أبلغي من لقيت من النساء أن طاعة للزوج، واعترافاً بحقه، يعدل ذلك (أي يعدل أجر المجاهدين في سبيل الله)، وقليل منكن من يفعله".

• ومن هذه الحقوق: أن تحفظ الزوجة للزوج ماله ونفسها. لقوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه ابن ماجة: "ألا أخبركم بخير ما يكنز الرجل؟ المرأة الصالحة، إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته بماله ونفسها".

• ومن هذه الحقوق: عدم امتناعها عن فراش زوجها إذا طلبها إليه. لقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم: "إذا دعا رجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء إليه، فبات غضبان عليها، لعنتها الملائكة حتى تصبح".

• ومن هذه الحقوق: قيام الزوج بواجب النفقة على الزوجة والأولاد لقوله تعالى: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف}. البقرة: 233. وقال عليه الصلاة والسلام فيما رواه مسلم: "اتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف".

• ومن هذه الحقوق: استشارة الزوج زوجته في أمور البيت. لقوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه أحمد وأبو داود: "آمروا النساء في بناتهن"، أي استأذنوهن في البنات قبل أن يخطبن.

• ومن هذه الحقوق: أن يغض الزوج طرفه عن بعض نقائص زوجته ولا سيما إن كان لها محاسن ومكارم تغطي هذا النقص. لقوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه مسلم: "لا يفرك (أي لا يبغض) مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقاً، رضي منها آخر".

• ومن هذه الحقوق: معاشرة الزوج لزوجته بالمعروف وملاطفتها والمزاح معها. لقوله تبارك وتعالى: {وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً} النساء: 18.

- ولقوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه ابن ماجة والحاكم: "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي".

- وروى البخاري ومسلم: "أنه عليه الصلاة والسلام كان يُري السيدة عائشة – رضي الله عنها – اللعب في باحة المسجد، فيضع كفه على الباب، ويمد يده وتضع وجهها على كتفه"، ومن هنا قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاري ومسلم: "أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً وألطفهم بأهله".

- وروى أبو داود والنسائي: "أنه عليه الصلاة والسلام كان يسابق السيدة عائشة – رضي الله عنها – فسبقته مرة، وسبقها في بعض الأيام، فقال: هذه بتلك". وكان مما يقوله عمر رضي الله عنه – وهو القوي الشديد الجاد في حكمه وعدله - : (ينبغي للرجل أن يكون في أهله كالصبي – أي في الإنس والسهولة – فإذا كان في القوم كان رجلاً).

• ومن هذه الحقوق: مساعدة زوجته في أعمال المنزل اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم. روى الطبراني وغيره عن عائشة رضي الله عنها، أنها لما سُئلت: ماذا كان يصنع الرسول صلى الله عليه وسلم في البيت؟ قالت: (كما يصنع أحدكم، يشيل هذا، ويحط هذا، ويخدم في مهنة أهله، ويقطع لهن اللحم، ويقمُّ البيت – أي يكنسه – ويعين الخادم في خدمته).

تلكم أهم الحقوق التي أوجبها الإسلام على كلٍ من الزوجين، وهي حقوق واقعية وعادلة، عندما ينفذها كل من الزوج والزوجة يحل الوفاق محل الفرقة، وتتحقق المحبة محل الكراهية، وتعيش الأسرة بأكملها على أحسن ما تعيش من السعادة والتفاهم والاستقرار، ولا يمكن أن يحدث ما يعكر صفو الأسرة، ولا ما يسيء أحدهما إلى الآخر.

وفي حال تعذر الوفاق لسوء خلق الزوج، أو سوء خلق الزوجة، ولا يمكن بحال أن تحقق المعيشة بينهم، فعلى الزوج أن يأخذ بالاحتياطات الكاملة قبل إيقاع الطلاق. وهذه الاحتياطات مرتبة كما يلي:

1- الوعظ والإرشاد: من باب وذكّر فإن الذكرى تنفع المؤمنين.

2- الهجر في المضجع: وهي عقوبة نفسية، لعل المرأة تعود إلى صوابها.

3- الضرب غير المبرّح: إذا كان باعتقاده أنه ينفع، ويشترط فيه أن لا يكون شديداً، ثم بالتالي ألا يترك أثراً في جسم المرأة، ويشترط كذلك أن لا يكون الضرب في مواضع مؤذية كالوجه والصدر والبطن. وهو بهذه الشروط إلى التهديد أقرب منه إلى الإيلام والإيذاء. علماً بأن الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو القدوة الصالحة لم يضرب امرأة قط. فقد روى ابن سعد عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده امرأة قط، ولا خادماً، ولا ضرب شيئاً قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله).

ويروي ابن سعد: عندما شكت للنبي صلى الله عليه وسلم امرأةٌ ضرْبَ زوجها، قال للزوج: (يظل أحدكم يضرب امرأته ضرب العبد، ثم يظل يعانقها ولا يستحي).

4- وأخيراً اللجوء إلى التحكيم: وذلك بتدخل وسطاء عقلاء من أهله وأهلها، يدرسون المشكلات القائمة بين الزوجين، ويقترحون الحلول العملية لإعادة الوفاق والتفاهم بينهما، لعلها تُجدي قبل وقوع الطلاق.

وهذه الاحتياطات لازمة، عملاً بقوله تبارك وتعالى: {واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن، واهجروهن في المضاجع، واضربوهن، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً، إن الله كان علياً كبيراً، وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها، إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما، إن الله كان عليماً خبيراً} النساء: 34-35.

وفي حال تعذر الوفاق بعد الأخذ بهذه المراحل، يطلقها تطليقة واحدة في طهر لم يجامعها فيه، لإتاحة الفرصة في إعادة الحياة الزوجية بعد التطليقة الأولى، لقوله تبارك وتعالى: {فإن طلقها فلا جناح عليهما، أن يتراجعا، إن ظنا أن يقيما حدود الله، وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون} البقرة: 230.

فيتبين مما ذكرناه أن الإسلام اتخذ من الاحتياطات اللازمة ما يحول دون وقوع الطلاق، لما يترتب عليه من نتائج وخيمة على الزوج والزوجة والأولاد.

فلا عجب أن يعدَّه عليه الصلاة والسلام من أبغض الحلال إلى الله، للحديث الذي رواه أبو داود وابن ماجة "أبغض الحلال إلى الله الطلاق".

وفي حال وقوع الطلاق أوجب الإسلام على الزوج المتعة، ونفقة العدة، ونفقة الأولاد حتى لا تشقى المطلقة، ولا يشقى معها أولادها، لقوله سبحانه: {ومتعوهن على الموسع قدره، وعلى المقتر قدره متاعاً بالمعروف حقاً على المحسنين} البقرة: 236.

وفي حال فقر الزوج، وعدم مقدرته على النفقة، يتعين على الدولة أن ترعى هؤلاء الأطفال بالنفقة، وتمدهم بكل ما يحتاجون إليه من أسباب مادية لتعليمهم والإنفاق عليهم، إلى أن يكبروا ويشبوا، وبذلك تمنع عنهم أسباب شقاوتهم وانحرافهم... هذا عدا ما يوجبه الإسلام على من يعلم بأحوالهم من تقديم العون والمؤازرة والتكافل، تحقيقاً لقوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه مسلم: "من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان معه فضل زاد فليعد به على من لا زاد له".

وقوله فيما رواه الطبراني وابن ماجة: "في المال حق سوى الزكاة".

وقوله فيما رواه الطبراني: "إن الله فرض على أغنياء المسلمين في أموالهم بقدر الذي يسع فقراءهم، ولن يجهد الفقراء إذا جاعوا وعروا إلا بما يصنع أغنياؤهم، وإن الله يحاسبهم حساباً شديداً، ويعذبهم عذاباً أليماً". وقوله فيما رواه البزار والطبراني: "ما آمن بي من بات شبعان، وجاره جائع إلى جنبه، وهو يعلم به".

الفراغ الذي يتحكم في الأطفال والمراهقين

ومن العوامل الأساسية التي تؤدي غالباً إلى انحراف الولد، عدم الاستفادة من الفراغ الذي يتحكم في الأحداث والمراهقين. ومن المعلوم أن الولد منذ نشأته مولع باللعب، ميال إلى المغامرة، محب للفسحة والتمتع بالمناظر الطبيعية، فنراه في حركة دائمة، في اللعب مع من كان في سنه حيناص، وفي الركض والتسلق أحياناً، وفي ممارسة الرياضة تارة، وفي اللعب بألعاب الكرة تارة أخرى.

فيجب على المربين أن يستغلوا هذه الظاهرة في الأطفال، ومن كان في سن المراهقة، حتى يملؤوا فراغهم بما يعود على أجسامهم بالصحة، وعلى عضلاتهم بالقوة، وعلى أجهزة أبدانهم بالنشاط والحيوية.

فإن لم ييسروا لهم أماكن للعب واللهو البريء، ونوادي صالحة للرياضة وإعداد القوة، ومسابح للتدريب والتعليم، ونزهات للنشاط والحيوية، فإنهم سيختلطون غالباً بقرناء سوء، ورفقاء شر وفساد، ويؤدي حتماً إلى شقائهم وانحرافهم.

والإسلام بتوجيهاته السامية، عالج الفراغ لدى الأطفال والمراهقين بوسائل عملية تصحح لهم أجسامهم، وتقوى أبدانهم، وتكسبهم قوة وحيوية ونشاطاً.

فمن أعظم هذه الوسائل تعويدهم على العبادات ولا سيما الصلاة التي عدها الإسلام عمود الدين، وقوامه، وركنه الأساسي، لما لها من الفوائد الروحية، والمنافع الجسمية، والآثار الخلقية والنفسية.

ولا بأس أن نعدد باختصار فوائد الصلاة الجسمية ليعرف من يريد أن يعرف أهميتها ووجه مشروعيتها:

• كونها رياضة إلزامية يحرك فيها المسلم جميع أعضائه ومفاصله، ولا يخفى ما في هذه الحركات من تنشيط للعضلات، والدورة الدموية، وجميع أجزاء البدن.

• كونها نظافة إجبارية لما يسبق الصلاة من أفعال الوضوء، وهل الوضوء إلا نظافة الأعضاء الظاهرة، وتنظيف الشعر، والفم والأنف، والأسنان؟!.. هذا عدا الغسل في وقت وجوبه واستحبابه، وعدا طهارة البدن والثوب والمكان.

وهذه كلها شروط لصحة الصلاة.

• كونها تدريباً على المشي، وذلك في السير إلى المساجد خمس مرات في اليوم والليلة، ولا يخفى ما في حركات المشي ذهاباً وإياباً من تنشيط البدن، ومطردة للخمول والكسل.

وكما سمعنا من الأطباء أن الجسم إذا تحرك بالمشي أو الرياضة بعد الطعام لا يصاب بأمراض المعدة وعسر الهضم، وغيرها من الأسقام والآفات.

فلا عجب أن نسمع ممن لا ينطق عن الهوى، في حضه الآباء والمربين علىأن يأمروا أولادهم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين حتى يعتادوها، ويقضوا أوقات فراغهم في تعلمها والتدريب عليها.

واسمعوا إلى ما يقوله عليه الصلاة والسلام في هذا المعنى فيما رواه الحاكم وأبو داود: "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع".

هذا عدا عما يقضيه الولد وقت فراغه من تعلم لكيفية الصلاة وأفعالها، وقراءتها، وعدد ركعاتها، وفرائضها، وسننها، وآدابها، سواء في البيت على يد مربيه، أو في المسجد على يد معلّميه.

ومن هذه الوسائل العملية التي وجه إليها الإسلام في معالجة الفراغ لدى الأولاد:

أمره بالتعليم لفنون الحرب، والفروسية، والسباحة، والقفز والمصارعة.

وتوجيهه الولد في إشغال فراغه بالمطالعة الهادفة، والنزهة البريئة، والرياضة المتنوعة، وذلك لا يتأتّى إلا بافتتاح الملاعب الكبيرة، والنوادي الضخمة، والمكتبات الشهيرة، والمؤسسات العامة، والمسابح الصحية الملائمة بشرط أن تكون متوافقة مع أحكام الإسلام، وآدابه السامية.

وإليكم طائفة من توجيهات الإسلام في إعداد هذه الوسائل:

قال تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة، ومن رباط الخيل ترهبون به عدوَّ الله وعدوكم} الأنفال: 60.

وقال تعالى: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} الزمر: 09.

ويقول عمر بن الخطاب رضي الله عنها: "علموا أولادكم الرماية والسباحة، ومروهم أن يثبوا على الخيل وثباً".

- وروى الحاكم والبيهقي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اغتنم خمساً قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك".

- وروى النسائي والترمذي أنه عليه الصلاة والسلام قال: "... وارموا واركبوا، وأن ترموا أحب إليَّ من أن تركبوا".

- وروى الطبراني والحاكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كل شيء ليس من ذكر الله فهو لغو، أو لهو، أوسهو، إلا أربع خصال: مشي الرجل بين الغرضين[1]، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، وتعلُّمه السباحة".

- وروى ابن إسحاق وابن هشام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "رحم الله امرءاً أراهم من نفسه قوة".

- وروى البخاري ومسلم أنه عليه الصلاة والسلام قال للحبشة حينما أخذوا يلعبون بحرابهم في المسجد: "دونكم يا بني إرْفِدة، لتعلم اليهود أن في ديننا فسحة".

- وروى مسلم عنه عليه الصلاة والسلام: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير... احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز فإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا كان كذا، ولكن قل: قدّر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان". إلى غير ذلك من هذه التوجيهات القيمة السامية. ولو أخذ المربون بهذه التوجيهات الإسلامية، لأكسبوا أولادهم صحة وعلماً وقوة، ولحالوا بينهم وبين تفلتهم وتشردهم وانحرافهم، ولملأوا فراغهم بما ينفعهم في دينهم ودنياهم وآخرتهم، ولأعدوهم ليكونوا جيل الإسلام، وجنوده المغاوير، ودعاته الراشدين، وشبابه العاملين.

[1] بين الغرضين: أي الهدفين وذلك في حالة الرمي.

الخلطة الفاسدة ورفاق السوء

ومن العوامل الكبيرة التي تؤدي إلى انحراف الولد، رفاق السوء والخلطة الفاسدة، ولا سيما إن كان الولد بليد الذكاء، ضعيف العقيدة، متميع الخلق فسرعان ما يتأثر بمصاحبة الأشرار، ومرافقة الفجار، وسرعان ما يكتسب منهم أحط العادات، وأقبح الأخلاق. بل يسير معهم في طريق الشقاوة بخُطى سريعة، حتى يصبح الإجرام طبعاً من طباعهم، والانحراف عادة متأصلة من عاداتهم، ويصعب بعد ذلك ردّه إلى الجادة المستقيمة، وإنقاذه من وهدة الضلال، وهوّة الشقاء.

والإسلام بتعاليمه التربوية وجّه الآباء والمربين إلى أن يراقبوا أولادهم مراقبة تامة، وخاصة في سن التمييز والمراهقة، ليعرفوا من يخالطون ويصاحبون، وإلى أين يغدون ويروحون؟ وإلى أي الأماكن يذهبون ويرتادون؟

كما وجههم أن يختاروا لهم الرفقة الصالحة، ليكتسبوا منهم كل خُلق كريم، وأدب رفيع، وعادة فاضلة.

كما وجههم أن يحذروهم من خُلطاء الشر، ورفاق السوء، حتى لا يقعدوا في حبائل غيهم، وشباك ضلالهم وانحرافهم.

وإليكم توجيهات الإسلام وتحذيراته من قرناء الشر، ورفاق السوء والفساد:

- قال تعالى: {ويوم يَعَضُّ الظالمُ على يدَيْه، يقول: يا ليتني اتخذتُ مع الرسول سبيلاً، ياوليتا ليتني لم أتخذْ فلاناً خليلاً، لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني، وكان الشيطانُ للإنسان خذولاً} الفرقان: 28-30.

- وقال أيضاً: {قال قرينه: ربنا ما أطغيتُه، ولكن كان في ضلال بعيد} ق: 27.

- وقال كذلك: {الأخِلاَّءُ يومئذ بعضهم لبعض عدو، إلا المتقين} الزخرف: 67.

- وقال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الترمذي: "المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل".

- وقال أيضاً فيما رواه البخاري ومسلم: "مثل الجليس الصالح والجليس السوء كمثل حامل المسك، ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك[1]، أو تشتري منه، أو تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، أو تجد منه ريحاً منتنة".

- وقال كذلك فيما رواه الترمذي: "المرء مع من أحب، وله ما اكتسب".

- وقال عليه الصلاة والسلام فيما رواه ابن عساكر: "إياك وقرين السوء فإنك به تُعرف". فما أجدر الآباء والمربين أن يأخذوا بهذه التوجيهات الكريمة، حتى تنصلح أحوال أولادهم، وتسْموا أخلاقهم، ويظهر في المجتمع أدبهم، وحتى يكونوا في الأمة أداة خير، ورسل إصلاح، ودعاة هداية، فينصلح المجتمع بصلاحهم، وتفتخر الأمة بكريم فعالهم، وجميل صفاتهم.

[1] يحذيك: يعطيك.

سوء معاملة الأبوين للولد

من الأمور التي يكاد يجمع علماء التربية عليها، أو الولد إذا عومل من قبل أبويه ومربيه المعاملة القاسية، وأُدِّب من قِبلهم بالضرب الشديد، والتوبيخ القارع، وكان دائماً الهدف في التحقير والازدراء، والتشهير والسخرية، فإن ردود الفعل ستظهر في سلوكه وخلُقه، وإن ظاهرة الخوف والانكماش ستبدو في تصرفاته وأفعاله. وقد يؤول به الأمر إلى الانتحار حيناً، أو إلى مقاتلة أبويه أحياناً، أو إلى ترك البيت نهائياً، تخلصاً مما يعانيه من القسوة الظالمة، والمعاملة الأليمة.

فلا عجب – وهذه حاله – أن نراه أصبح في المجتمع مجرماً، وفي هذه الحياة شاذاً ومنحرفاً!! ولا عجب أن ينشأ على الاعوجاج والميوعة والانحلال!!.

والإسلام بتعاليمه القويمة الخالدة، يأمر كل من كان في عنقه مسؤولية التوجيه والتربية، ولا سيما الآباء والأمهات منهم، يأمرهم جميعاً بأن يتخلّوا بالأخلاق العالية، والملاطفة الرصينة، والمعاملة الرحيمة، حتى ينشأ الأولاد على الاستقامة، ويتربوا على الجرأة واستقلال الشخصية، وبالتالي حتى يشعروا أنهم ذوو تقدير واحترام وكرامة.

وإليكم توجيهات الإسلام في الأخلاق العالية، والمعاملة الرحيمة، والمسايرة اللطيفة:

قال الله تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى} النحل: 90.

وقال سبحانه: {والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين} آل عمران: 143.

وقال كذلك: {وقولوا للناس حسناً} البقرة: 43.

وقال أيضاً: {ولو كنت فظّاً غليظ القلب لانفضُّوا من حولك}. آل عمران: 159.

- وقال عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاري: "إن الله يحب الرفق في الأمر كله".

- وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد والبيهقي: "إن أراد الله تعالى بأهل بيت خيراً أدخل عليهم الرفق، وإن الرفق لو كان خَلْقاً لما رأى الناس خَلْقاً أحسن منه، وإن العنف لو كان خَلْقاً لما رأى الناس خَلْقاً أقبح منه".

وروى أبو الشيخ في الثواب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "رحم الله والداً أعان ولده على بره".

وروى أبو داود والترمذي عنه عليه الصلاة والسلام: "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء".

تلكم أهم التوجيهات الإسلامية في لين الجانب، وحسن القول، وفضيلة المعاملة. فما على الآباء والأمهات إلا أن يأخذوا بها، وينفذوا ما جاء فيها، ويعملوا بمقتضى هديها وإرشادها، إن أرادوا لأولادهم الحياة الفاضلة، والاستقامة الدائمة، والخلق الاجتماعي النبيل.

أما أن يسلكوا معهم الطرق الملتوية، والمعاملة الفظة القاسية، والعقوبة الظالمة الشديدة، فيكونون قد جنوا على أبنائهم حين يقذفون بهم إلى الحياة في جو هذه التربية الخاطئة، والتوجيه الملتوي الذميم، بل سيرون حتماً انحرافهم أو عقوقهم أوتمردهم، لأنهم هم الذين غرسوا في نفوسهم – وهم صغار – بذور هذا الانحراف أو العقوق أو التمرد.

جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يشكو إليه عقوق ابنه، فأحضر عمر الولد وأنّبه على عقوقه لأبيه، ونسيانه لحقوقه، فقال الولد: يا أمير المؤمنين أليس للولد حقوق على أبيه؟ قال: بلى. قال: فما هي يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: أن ينتقي أمه، ويحسن اسمه، ويعمله الكتاب (أي القرآن). قال الولد: يا أمير المؤمنين إن أبي لم يفعل شيئاً من ذلك، أما أمي فإنها زنجية كانت لمجوسي، وقد سماني جُعلاً (أي خنفساء)، ولم يعلمني من الكتاب حرفاً واحداً.

فالتفت عمر إلى الرجل وقال له: جئت إليّ تشكو عقوق ابنك، وقد عَققْتهُ قبل أن يعقّك، وأسأت إليه قبل أن يُسيء إليك؟!.

وهكذا حمَّل عمر الرجل حن أهمل تربية ابنه مسؤولية عقوق ولده له.

ومما يذكر في كتب السِّيَر: أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، غضب على ابنه يزيد مرة، فأرسل إلى الأحنف بن قيس ليسأله عن رأيه في البنين فقال: (هم ثمار قلوبنا، وعماد ظهورنا، ونحن لهم أرض ذليلة، وسماء ظليلة، فإن طلبوا فأعطهم، وإن غضبوا فأرضهم، فإنهم يمنحونك ودّهم، ويَحْبونَك جهدهم، ولا تكن عليهم ثقيلاً فيملوا حياتك، ويتمنوا وفاتك).

ألا فليأخذ الآباء من هذين الخبرين العظة والعبرة في الملاطفة لأولادهم، وحسن المعاملة لهم، والرفق بهم، واتباع الطريق الأقوم في تربيتهم وتوجيههم.

مشاهدتهم أفلام الجريمة والجنس

ومن العوامل الكبيرة التي تؤدي إلى انحراف الولد، وتدفعه إلى الشقاوة وارتكاب الجريمة، والسير وراء الميوعة والانحلال، ما يشاهده في دور السينما، وعلى شاشة الرائي (التلفزيون) من روايات بوليسية، وأفلام خلاعية، وما يقرؤه من مجلات ماجنة وقصص مثيرة، وهي بجملتها ومضمونها تتَّجر بالغرائز، وتشجع على الانحراف والإجرام، وهي كذلك تفسد أخلاق الكبار، فكيف بالمراهقين، والأطفال الصغار؟!

ومن المعلوم بداهة أن الولد حين يعقل تنطبع في ذهنه هذه الصور، وتتأصل في مخيلته هذه المشاهد، فيعمد حتماً إلى محاكاتها وتقليدها.. وليس أضر على الولد المراهق من مشاهد تشجع على الإجرام، وتوجه نحو الرذيلة والفساد.

ولا سيما إن كان مفلوت الزمام، متروك الرقابة والرعاية.

ومما لا يختلف فيه اثنان، أن لمثل هذه الأجواء الفاسدة، والمشاهد الآثمة أثراً بالغاً في نفوس الأطفال والمراهقين، بحيث لا ينفع معه نصح الآباء أو توجيه المربين والمعلمين.

والإسلام بمبادئه التربوية، يضع أمام الآباء والمربين والمسؤولين، المنهج القويم في توجيه الأبناء وتربيتهم، والقيام بواجبهم وحقهم.

• فمن مبادئ هذا المنهج: الوقاية الكاملة من كل ما يسبب لهم ولأنفسهم غضب الجبار، ودخول جهنم، امتثالاً بقوله تبارك وتعالى:

{يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً...} التحريم: 06.

• ومن مبادئ هذا المنهج: استشعار المسؤولية نحو من لهم حق التوجيه والتربية، ليقوموا بأداء المهمة والأمانة على أكمل وجه، وأنبل معنى، تحقيقاً لقوله عليه الصلاة والسلام: "الرجل راعٍ في أهل بيته ومسؤول عن رعيته" رواه البخاري ومسلم.

• ومن مبادئ هذا المنهج: إزالة الضرر عن كل ما يؤدي إلى انحراف عقيدتهم وأخلاقهم، لقوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام مالك وابن ماجة: "لا ضرر ولا ضرار" فبناء على هذه المبادئ الإسلامية، والمناهج التربوية، وجب على كل أب ومربٍّ ومسؤول، أن يمنعوا الأولاد من مشاهدة الأفلام الجنسية والبوليسية. وأن يمنعوهم كذلك من شراء المجلات الخلاعية، واقتناء القصص الغرامية، ومطالعة الكتب الإلحادية.. وبالاختصار وجب منعهم من كل ما يضر بعقيدتهم، ويدفعهم نحو الرذيلة والإجرام.

وإن شاء الله حين نتكلم عن مسؤولية التربية الإيمانية، ومسؤولية التربية الخلقية في الجزء الثاني من كتاب (تربية الأولاد في الإسلام)، فسوف نفصّل القول في المبادئ التي وضعها الإسلام في تربية الولد عقيدة وخلقاً، ليعلم من يريد أن يعلم أن الإسلام هو دين الحياة، ودين الفطرة، ودين الإصلاح والتوجيه والتربية.

{ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون} المائدة: 50.

انتشار البطالة في المجتمع

ومن العوامل الأساسية التي تؤدي إلى انحراف الولد، انتشار البطالة بين أفراد الأمة، وطبقات المجتمع.. فالأب الذي له زوجة وأولاد، ولم تتيسر له سبل العمل، ولم تتأمن له طرائق الكسب، ولم يجد من المال ما يسد به جوعته، وجوعة أهله وأولاده، ويؤمن لهم حاجاتهم الضرورية، ومطالبهم الحيوية، فإن الأسرة بأفرادها ستتعرض للتشرد والضياع، وإن الأولاد سيدرجون نحو الانحراف والإجرام، وربما فكر رب الأسرة مع من يقوم بأمرهم من أهل وولد، أن يحصلوا على المال عن طريق حرام، ويجمعوه من وسائل غير مشروعة كالسرقة، والاغتصاب، والرشوة.. ومعنى هذا أن المجتمع حلت فيه الفوضى، وأصيب بالدمار والانهيار.

والإسلام بِسَنّه مبادئ العدالة الاجتماعية، ورعاية حق الفرد والمجتمع. قد عالج البطالة بأنواعها، سواء كانت بطالة مضطر، أو بطالة كسول.

أما علاجه لبطالة المضطر الذي لا حيلة له في إيجاد العمل مع رغبته فيه، وقدرته عليه فيتحقق بشيئين:

أ‌) وجوب تكفل الدولة له في تأمين سبل العمل.
ب‌) وجوب مساعدة المجتمع له حتى يجد سبيل العمل.

أما وجوب تكفل الدولة له: فلما رواه البخاري عن أنس رضي الله عنه أن رجلاً من الأنصار أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله، فقال: أما في بيتك شيء؟ قال: بلى، حِلْسٌ (كساء غليظ) نلبس بعضه، ونبسط بعضه، وقَعْبٌ (إناء) نشرب فيه الماء، قال: ائتني بهما، فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، وقال: من يشتري هذين؟ قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين، فأعطاهما إياه، وأخذ الدرهمين فأعطاهما الأنصاري، وقال: اشترِ بأحدهما طعاماً فانبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قدوماً فأتني به.. فأتاه به فشد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عوداً بيده، ثم قال: اذهب واحتطب وبع، ولا أرينّك خمسة عشر يوماً، ففعل، فجاءه وقد أصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوباً، وببعضها طعاماً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هذا خير لك من أن تجيء، والمسألة نكتة في وجهك يوم القيامة).

أما وجوب مساعدة المجتمع له حتى يجد سبيل العمل: فلما روى مسلم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من كان معه فضل ظهر فليعُدْ به على من لا ظهر له، ومن كان معه فضل زاد فليعد به على مَنْ لا زاد له".

ولما روى البزار والطبراني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما آمن بي مَنْ بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به".

وثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: "أيما رجل مات ضياعاً بين أقوام أغنياء، فقد برئت منهم ذمة الله، وذمة رسوله".

وجاء في كتاب الاختيار لتعليل المختار ما نصه: (وإن أطعمه أحد أعطاه شيئاً سقط إثمه عن الباقين).

أما علاجه لبطالة الكسول الذي يكره العمل مع وجوده وقدرته عليه: فيكون بمراقبة الدولة له، فإن شعرت به أنه قصر عن العمل وقعد عنه، نصحته إلى ما فيه خيره ومنفعته، فإن أبى ساقته بالقوة إليه، وألزمته به. فقد روى ابن الجوزي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنه لقي قوماً لا يعملون، فقال: ما أنتم؟ قالوا: متوكلون، فقال: "كذبتم!.. إنما المتوكل رجل ألقى حبة في الأرض ثم توكل على الله"، وقال: "لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق ويقول: اللهم ارزقني وقد علم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة". وهو الذي نهى الفقراء أن يقعدوا عن العمل اتكالاً على الصدقات فكان من قوله لهم: "يا معشر الفقراء استبقوا الخيرات، ولا تكونوا عيالاً على المسلمين".

والذي يفهم من كلام عمر رضي الله عنه وتوجيهه: أن الزكاة في الإسلام لا تعطى إلا لسد الحاجة وتأمين سبل العمل، حتى لا تكون مدعاة للكسل، وسبباً للقعود والتواكل.

أما إن كان العجز أو الشيخوخة أو المرض سبباً للبطالة، فعلى الدولة أن ترعى حق هؤلاء، وتؤمّن لهم سبيل العيش الأفضل، وطريق الكفالة الحقة، بغضِّ النظر عن كون العاجز أو الكبير أو المريض مسلماً أو غير مسلم.

ومما يدل على هذا ما رواه أبو يوسف في كتاب الخراج: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مر على باب قوم وعليه سائل يسأل، وكان شيخاً كبيراً ضرير البصر، فضرب عضده من خلفه، وقال: من أي أهل الكتاب أنت؟ فقال: يهودي، قال: فما ألجأك إلى ما أرى؟ قال: أسأل الجزية، والحاجة، والسن، فأخذه عمر إلى منزله، فرضخ له بشيء (أي أعطاه شيئاً) من المنزل، ثم أرسل إلى خازن بيت المال، فقال له: انظر هذا وضرباءه، فوالله ما أنصفناه، إن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم، إنما الصدقات للفقراء والمساكين، وهذا من مساكين أهل الكتاب.

ومما فعله عمر رضي الله عنه أنّه مرعلى قوم من النصارى قد أصيبوا بمرض الجذام فأمر لهم بعطاء من بيت المال، يحقق لهم تكافلهم، ويؤمن علاجهم، ويحفظ كرامتهم.

هذه هي معالجة الإسلام للبطالة، وهي – كما رأيت – معالجة رحيمة وحكيمة وعادلة، وهذا يدل دلالة لا غموض فيها، أن الإسلام دين الرحمة والإنسانية والعدالة، أنزله الله سبحانه ليكون الإشعاع الهادي للبشرية، والمنارة المتلألئة في ظلمات الحياة.. فما أحرى الجاهل لهذه الحقائق أن يعرف ما هو الإسلام؟ وأن يعلم لماذا أرسل الله سبحانه محمداً هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً.

تخلي الأبوين عن تربية الولد

ومن العوامل الكبرى التي تؤدي إلى انحراف الولد، وإلى فساد خلقه، وانحلال شخصيته: تخلي الأبوين عن إصلاح نفسه، وإنشغالهما عن توجيهه وتربيته. وعلينا أن لا نغفل دور الأم في حمل الأمانة، والقيام بواجب المسؤولية تجاه من ترعاهم وتقوم على تربيتهم، وتشرف على إعدادهم وتوجيههم. ورحم الله من قال:

الأم مدرسة إذا أعددتها

أعددت شعباً طيب الأعراق

فالأم في تحمل المسؤولية كالأب سواء بسواء، بل مسؤوليتها أهم وأخطر، باعتبار أنها ملازمة لولدها منذ الولادة إلى أن يشب ويترعرع، ويبلغ السن التي تؤهله ليكون إنسان الواجب، ورجل الحياة.. والرسول صلوات الله وسلامه عليه قد أفرد الأم بتحمل المسؤولية حين قال: "والأم راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها".

وما ذاك إلا لإشعارها بالتعاون مع الأب في إعداد الجيل، وتربية الأبناء.. وإذا قصرت الأم في الواجب التربوي نحو أولادها، لانشغالها مع معارفها وصديقاتها واستقبال ضيوفها، وخروجها من بيتها، وإذا أهمل الأب مسؤولية التوجيه والتربية نحو أولاده، لانصرافه وقت الفراغ إلى اللهو وارتياد القهوات مع الأصحاب والخلان..

فلا شك أن الأبناء سينشؤون نشأة اليتامى، ويعيشون عيشة المشردين، بل سيكونون سبب فساد، وأداة إجرام للأمة بأسرها.

ولله درّ من قال:

ليس اليتيم من انتهى أبواه من

همّ الحياة وخلّفاه ذليلاً

إن اليتيم هو الذي تلقى له

أمّاً تخلّت أو أباً مشغولاً

فماذا تنتظر من أولاد آباؤهم وأمهاتهم على هذه الحال من الإهمال والتقصير؟! فحتماً لا ننتظر منهم إلا الانحراف، ولا نتوقع إلا الإجرام، لانشغال الأم عن رعاية الولد وتربيته، وإهمال الأب واجب تأديبه ومراقبته.

ويزداد الأمر سوءاً عندما يقضي الأبوان جلّ وقتهما في حياة الإثم والغواية، ويتقلبان في أتون الشهوات والملذات، ويتخبطان في طريق الانحلال والإباحية.. فلا شك في أن انحراف الولد يكون أبلغ وأخطر، وتدرجه في الإجرام يكون آكد وأعظم. ورحم الله من قال:

وليس النبت ينبت في جنان

كمثل النبت ينبت في الفلاة

وهل يرجى لأطفال كمالٌ

إذا ارتضعوا ثُدَيَّ الناقصات

والإسلام في دعوته إلى تحمل المسؤوليات، حمّل الآباء والأمهات مسؤولية كبرى في تربية الأبناء، وإعدادهم الإعداد الكامل لحمل أعباء الحياة، وتهدّدهم بالعذاب الأكبر إذا هم فرطوا وقصروا وخانوا:

{يا أيها الذين آمنوا قُوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة، عليها ملائكة غلاظ شداد، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} التحريم: 6

والرسول صلوات الله وسلامه عليه قد أكد في أكثر من أمر، وأكثر من وصيّة بضرورة العناية بالأولاد، ووجوب القيام بأمرهم، والاهتمام بتربيتهم.

وإليكم طائفة من أوامره وتوجيهاته:

- "والرجل راعٍ في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها..." رواه البخاري ومسلم.

- "أدبوا أولادكم وأحسنوا أدبهم" رواه ابن ماجة.

- "علموا أولادكم وأهليكم الخير وأدبوهم" رواه عبد الرزاق وسعيد بن منصور.

- "مروا أولادكم بامتثال الأوامر، واجتناب النواهي، فذلك وقاية لهم من النار". رواه ابن جرير.

- "أدّبوا أولادكم على ثلاث خصال: حبِّ نبيكم، وحبِّ آل بيته، وتلاوة القرآن، فإن حملة القرآن في ظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظله" رواه الطبراني. وسنفصل القول عن مسؤوليات المربين في القسم الثاني من كتاب "تربية الأولاد في الإسلام" وسيجد القارئ ما يشفي الغليل، ويشبع النفس والفكر، إن شاء الله.

مصيبة اليتم

من العوامل الأساسية في انحراف الولد: مصيبة اليتم التي تعتري الصغار وهم في زهرة العمر، ومقتبل الحياة.. هذا اليتيم الذي مات أبوه وهو صغير، إذا لم يجد اليد الحانية التي تحنو إليه، والقلب الرحيم الذي يعطف عليه، وإذا لم يجد من الأوصياء المعاملة الحسنة التي ترفق به، والرعاية الكاملة التي ترفع من مستواه، والمعونة التامة التي تسد جوعته.. فلا شك أن هذا اليتيم سيدرج نحو الانحراف، ويخطو شيئاً فشيئاً نحو الإجرام.. بل سيصبح في المستقبل أداة هدم وتخريب لكيان الأمة، وتمزيق لوحدتها، وإشاعة الفوضى والانحلال بين أبنائها.

والإسلام بتشريعه الخالد، وتوجيهاته الرشيدة أمر الأوصياء وكل مَنْ له صلة قرابة باليتيم أن يحسنوا معاملته، وأن يقوموا على أمره وكفالته، وأن يشرفوا على تأديبه وتوجيهه، حتى يتربى على الخير، وينشأ على المكارم الخلقية، والفضائل النفسية، ويجد في ظل من يرعونه كل عطف ومحبة، وكل حنّو وإخلاص.

وإليكم جملة من تعاليم الإسلام التي تأمر برعاية اليتيم، والعطف عليه:

قال تعالى: {ويسألونك عن اليتامى، قل: إصلاح لهم خير، وإن تخالطوهم فإخوانكم} البقرة: 220

وقال سبحانه: {فأما اليتيم فلا تقهر} الضحى: 9.

وقال جل شأنه: {أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدعُّ اليتيم} الماعون: 1-2.

وقال عز من قائل: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً، إنما يأكلون في بطونهم ناراً، وسيصلون سعيراً} النساء: 9.

وقال عليه الصلاة والسلام: "من وضع يده على رأس يتيم رحمة، كتب الله له بكل شعرة مرت على يده حسنة" رواه أحمد وابن حبان.

وقال صلوات الله وسلامه عليه: "من قبض يتيماً بين المسلمين إلى طعامه وشرابه حتى يغنيه الله تعالى، أوجب الله تعالى له الجنة البتَّة، إلا أن يعمل ذنباً لا يغفر له" رواه الترمذي.

وقال صلى الله عليه وسلم: "أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين، وأشار بأصبعيه: السبابة والوسطى" رواه الترمذي.

إلى غير ذلك من هذه الأوامر الإلهية، والتوجيهات النبوية، التي تفيد أن رعاية اليتيم وكفالته، واجبة على ذوي القرابات من العصبات والأرحام.. وفي حالة الفقر وعجزهم المادي، وجب على الدولة أن تتعهده وتشرف على تربيته والإنفاق عليه، فيكون ذلك أبعد له عن التشرد والضياع والإهمال.


تلكم هي أهم العوامل الأساسية في انحراف الولد، وهي عوامل ضارة وخطيرة - كما علمت -، فإن لم يتدارك المربون هذه العوامل، وإن لم يستأصلوا أسبابها، وإن لم يأخذوا بالعلاج الناجع الذي وضعه الإسلام في الإصلاح والتربية، فإن الأولاد سينشؤون على الفساد، ويتربون على الإجرام، ويعتادون كل موبقة ورذيلة.. بل يكونون أداة هدم وتخريب لكيان المجتمع، واستقرار الأمة، وأمن البشرية. ومن الصعوبة بمكان ردهم إلى الجادة، وتفهيمهم الحق، والسير بهم نحو معالم الخير، وطريق الهدى، والصراط المستقيم.

فما أجدر الآباء والمربين أن يمشوا على سنن الإسلام، ومنهجه القويم في تربية الأولاد، ومعالجة انحرافهم، وتقويم سلوكهم، وإصلاح نفوسهم، وتثبيت عقيدتهم، وتلقينهم مبادئ الخير والفضيلة والأخلاق.. حتى يروا أبناءهم كالملائكة في طهر أرواحهم، وصفاء نفوسهم، ونقاء سريرتهم، ولمتثالهم لأمر ربهم.. بل يكونون قدوة صالحة لغيرهم في كل مكرمة وفضيلة، وإنتاج وتضحية، وخلق وعمل صالح.

ولا يسَعني في الختام إلا أن أتضرع إلى الله عز وجل، في أن يوفق أبناء الإسلام إلى ما فيه عزهم وسعادتهم وأن يهبهم الإيمان الذي يجدون حلاوته في قلوبهم، وأن يلهمهم دائماً الرشد والسداد، الذي يُلمح في أقوالهم وأفعالهم وأن يجعل منهم أمة قوية متينة تبني الحضارة، وتنشر العلم، وتبني المجد، وترفع بسواعدها الفتيّة لواء العزة والنصر، وتحوّل اتجاه التاريخ، وتعيد لهذه الأمة مجدها الداثر، وعزتها السليبة، وكيانها العظيم، وما ذلك على الله بعزيز، إنه بالإجابة جدير وخير مسؤول. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

القسم الثاني - مسؤوليات المربين

مقدمة

من أظهر المسؤوليات التي اهتم الإسلام بها، وحض عليها، ووجه الأنظار إليها... مسؤولية المربين تجاه من لهم في أعناقهم حق التعليم والتوجيه والتربية.. فهي في الحقيقة مسؤولية كبيرة وشاقة وهامة.. لكونها تبدأ منذ سني الولادة إلى أن يدرج الولد في مرحلتي التمييز والمراهقة، إلى أن يصبح مكلفاً سويّاً.. ولا شك أن المربي سواء أكان معلماً أو أباً أو أمّاً أو مشرفاً اجتماعياً.. حين يقوم بالمسؤولية كاملة، ويؤدي الحقوق بكل أمانة وعزم ومضاء على الوجه الذي يتطلبه الإسلام.. يكون قد بذل قصارى جهده في تكوين الفرد بكل خصائصه ومقوماته ومزاياه، ثم بالتالي يكون قد أوجد الأسرة الصالحة بكل خصائصها ومقوماتها ومزاياها، ويكون كذلك – من حيث يعلم أو لا يعلم – قد أسهم في بناء المجتمع المثالي الواقعي بكل خصائصه ومقوماته ومزاياه لتكوين الفرد الصالح، والأسرة الصالحة.. وهذا هو منطلق الإسلام في الإصلاح.

ونحن لو تتبعنا آيات القرآن الكريم، وأحاديث الرسول الأعظم صلوات الله وسلامه عليه في إهابتها بالمربين للقيام بسمؤولياتهم، وتحذيرها إياهم إذا قصّروا بواجبهم.. لو تتبعنا ذلك لوجدناها أكثر من أن تُحصى، وأعظم من أن تستقصى، وما ذلك إلى ليعلم كل مربٍّ ضخامة أمانته، وعظم مسؤوليته.

فمن هذه الآيات الكريمة:

{وأمُر أهلك بالصلاة واصطبر عليها} طه: 132.
{يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً} التحريم: 06.
{ولتُسئلُنَّ عما كنتم تعملون} النحل: 93.
{يوصيكم الله في أولادكم...} النساء: 11.
{والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين} البقرة: 223.
{..... ولا يقتلن أولادهن} الممتحنة: 12.
{وقفوهم إنهم مسؤولون} الصافات: 24.

إلى غير ذلك من هذه الآيات الكثيرة المستفيضة...

ومن هذه الأحاديث الشريفة:

- "الرجل راعٍ في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها" (البخاري ومسلم).

- "لأن يؤدب الرجل ولده خير من أن يتصدق بصاع" رواه الترمذي.

- "مانحل والد ولداً أفضل من أدب حسن" الترمذي.

- "علّموا أولادكم وأهليكم الخير وأدّبوهم" رواه عبد الرزاق وسعيد بن منصور.

- "أدّبوا أولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم، وحب آل بيته، وتلاوة القرآن" رواه الطراني.

- عن أبي سليمان مالك بن الحويرث قال: أتينا النبي صلى الله عليه وسلم ونحن شَبَبَة متقاربون فأقمنا عنده عشرين ليلة فظنّ أنا اشتهينا أهلينا، فسألنا عمّن تركنا في أهلينا فأخبرناه وكان رفيقاً رحيماً، فقال: "ارجعوا إلى أهليكم فعلموهم ومروهم، وصلّوا كما رأيتموني أصلي، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمّكم أكبركم". البخاري في الأدب المفرد.

- "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ما عمل فيه" رواه الترمذي.

إلى غير ذلك من هذه الأحاديث الكثيرة المستفيضة...

فانطلاقاً من هذا التوجيه القرآني، والهدي المحمدي اهتم المربون جميعاً جيلاً بعد جيل بتربية الأولاد، واعتنوا بتعليمهم وتقويم اعوجاجهم.. بل كان الآباء والأوصياء يختارون لأولادهم أفضل المعلمين تعليماً وتأديباً، وأحسن المؤدبين إرشاداً وتوجيهاً.. ليقوموا بأداء المهمة على وجهها الصحيح في تنشئة الولد على أساس العقيدة والأخلاق وتعاليم الإسلام.

وإليكم طائفة من طرائف الأولين وأخبارهم عسى أن تكشف لكل ذي عقل وبصيرة عن مدى اهتمام السلف بتربية أبنائهم، وحرصهم الزائد على تعليمهم وتأديبهم، وكيف كانوا ينتقون لأولادهم أفضل المؤدبين علماً وخلقاً، وأميزهم أسلوباً وطريقة؟:

• روى الجاحظ أن عقبة بن أبي سفيان لما دفع ولده إلى المؤدب قال له: "ليكن أول ما تبدأ به من إصلاح بَنيّ إصلاح نفسك، فإن أعينهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما استحسنت، والقبيح عندهم ما استقبحت، وعلمهم سِيَر الحكماء، وأخلاق الأدباء، وتهددهم بي، وأدبهم دوني، وكن لهم كالطبيب الذي لا يعجل بالدواء حتى يعرف الداء، ولا تتّكِلنّ على عذر مني، فإني قد اتكلت على كفاية منك".

• وروى ابن خلدون في مقدمته أن هارون الرشيد لما دفع ولده الأمين إلى المؤدب قال له: "يا أحمر: إن أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه، وثمرة قلبه، فصيّر يدك عليه مبسوطة، وطاعتك له واجبة، فكن له بحيث وضعك أمير المؤمنين.. أقرئه القرآن، وعرفه الأخبار، وروِّه الأشعار، وعلمه السُّنن، وبصّره بمواقع الكلام وبَدْئِه، وامنعه من الضحك إلا في أوقاته.. ولا تُمرّنَّ بك ساعة إلا وأنت مغتنم فائدة تفيده إياها من غير أن تحزنه فتميت ذهنه، ولا تُمعن في مسامحته فيستحلي الفراغ ويألفه، وقوِّمه ما استطعت بالقرب والملاينة، فإن أباهما فعليك بالشدة والغلظة".

• وبلغ من اعتناء السلف بالولد أنهم كانوا حريصين على متانة الرابطة بينهم وبين مؤدبيهم، فكانوا يحزنون إذا غابوا عن الأولاد فترة بسبب من الأسباب، لخوفهم على الأولاد أن لا يُؤدبوا على ما يريدون ويشتهون.. ذكر الراغب الأصفهاني أن المنصور بعث إلى مَن في الحبس من بني أمية من يقول لهم: "ما أشد ما مرّ بكم في هذا الحبس؟ فقالوا: "ما فقدنا من تربية أولادنا".

• وقال عبد الملك بن مروان ينصح مؤدّب ولده: "علمهم الصدق كما تعلمهم القرآن، واحملهم على الأخلاق الجميلة، وروِّهم الشعر يشجعوا وينجدوا، وجالس بهم أشراف الرجال وأهل العلم منهم، وجنّبهم السَفَلَة والخدم فإنهم أسوأ الناس أدباً.. ووقِّرهم في العلانية، وأنّبهم في السر، واضربهم على الكذب، إن الكذب يدعو إلى الفجور، وإن الفجور يدعو إلى النار...".

• وقال الحجاج لمؤدب بنيه: "علمهم السباحة قبل الكتابة، فإنهم يجدون من يكتب عنهم، ولا يجدون من يسبح عنهم".

• وقال أحد الحكماء لمعلم ولده: "لا تخرجهم من علم إلى علم حتى يحكموه، فإن اصطكاك العلم في السمع، وازدحامه في الوهم مضلّة للفهم".

• وكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأهل الشام يقول لهم: "علّموا أولادكم السباحة والرمي والفروسية".

• ومن وصية ابن سينا في تربية الولد: "أن يكون مع الصبي في مكتبه صِبْيَة حسنة آدابهم، مرضيّة عاداتهم، لأن الصبي عن الصبي ألقن، وهو عنه آخذ، وبه آنس".

• قال هشام بن عبد الملك لسليمان الكلبي مؤدب انبه: "إن ابني هذا هو جلدة ما بين عيني، وقد ولّيتك تأديبه، فعليك بتقوى الله، وأدِّ الأمانة، وأول ما أوصيك به أن تأخذه بكتاب الله، ثم روِّه من الشعر أحسنه ثم تخلل به في أحياء العرب، فهذ من صالح شعرهم، وبصره طرفاً من الحلال والحرام، والخُطب والمغازي..".

هذا غيض من فيض من اهتمام الخاصة والعامة بتربية أولادهم واختيار أفضل المؤدبين لهم مع تذكيرهم بقواعد التوجيه الصحيح، ومبادئ التربية العملية الفاضلة، لكونهم مسؤولين عنهم، مؤتمنين عليهم، محاسبين ومؤاخذين إن قصّروا في واجبهم وأهملوا حق تعليمهم وتربيتهم...

وإذا كان المربون من آباء وأمهات أو معلمين... مسؤولين عن تربية الأولاد، وعن تكوينهم وإعدادهم للحياة.. فعليهم أن يعلموا بجلاء ووضوح حدود مسؤوليتهم، ومراحلها المتكاملة، وجوانبها المتعددة، ليستطيعوا أن ينهضوا بمسؤوليتهم على أكمل وجه، وأنبل معنى...

وأهم هذه المسؤوليات – في نظر كثير من المربين – مرتّبة على الوجه التالي:

1- مَسؤولية التربية الإيمانية

2- مسؤولية التربية الخلقيَّة.

3- مسؤولية التربية الجسمية

4- مسؤولية التربية العقلية.

5- مسؤولية التربية النفسية

6- مسؤولية التربية الاجتماعية.

7- مسؤولية التربية الجنسية.

ونحن – إن شاء الله – في هذا الجزء سنفصل الكلام في كل جانب من جوانب هذه المسؤوليات السبعة، وعلى الله قصد السبيل ومنه نستمد العون والتوفيق.

[1] ألحق الفصل السابع بالمجلد الثاني للضرورة (انظر المجلد الثاني صفحة 387).

الفصل الأول - مسؤولية التربية الإيمانية

المقصود بالتربية الإيمانية ربط الولد منذ تعقله بأصول الإيمان، وتعويده منذ تفهمه أركان الإسلام، وتعليمه من حين تمييزه مبادئ الشريعة الغراء...

ونعني بأصول الإيمان:

كل ما ثبت عن طريق الخبر الصادق من الحقائق الإيمانية، والأمور الغيبية: كالإيمان بالله سبحانه، والإيمان بالملائكة، والإيمان بالكتب السماوية، والإيمان بالرسل جميعاً، والإيمان بسؤال ملكين، وعذاب القبر، والبعث، والحساب، والجنة، والنار... وسائر المغيبات.

ونعني بأركان الإسلام:

كل العبادات البدنية والمالية، وهي: الصلاة، والصوم، والزكاة، والحج من استطاع إليه سبيلا.

ونعني بمبادئ الشريعة:

كل ما يصتل بالمنهج الرباني، وتعاليم الإسلام من عقيدة، وعبادة، وأخلاق، وتشريع، وأنظمة، وأحكام..

فعلى المربي أن ينشِّئ الولد منذ نشأته على هذه المفاهيم من التربية الإيمانية، وعلى هذه الأسس من التعاليم الإسلامية.. حتى يرتبط بالإسلام عقيدة وعبادة، ويتصل به منهاجاص ونظاماً. فلا يعرف بعد هذا التوجيه والتربية سوى الإسلام ديناً، وسوى القرآن إماماً، وسوى الرسول صلوات الله وسلامه عليه قائداً وقدوة...

وهذا الشمول لمفاهيم التربية الإيمانية من وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم وإرشاداته في تلقين الولد أصول الإيمان، وأركان الإسلام، وأحكام الشريعة...

وإليكم أهم إرشاداته ووصاياه عليه الصلاة والسلام:

1- أمره بالفتح على الولد بكلمة لا إله إلا الله:

لما روى الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "افتحوا على صبيانكم أول كلمة بلا إله إلا الله".

والسر في هذا:

لتكون كلمة التوحيد، وشعار الدخول في الإسلام أول ما يقرع سمع الطفل، وأول ما يفصح بها لسانه، وأول ما يتعقّلها من الكلمات والألفاظ.

سبق أن ذكرنا في فصل "أحكام المولود" استحباب التأذين في أذن المولود اليمنى، والإقامة في اليسرى... ولا يخفى ما في هذا العمل من أثر في تلقين الولد أصل العقيدة ومبدأ التوحيد والإيمان.

2- تعريفه أول ما يعقل أحكام الحلال والحرام:

لما أخرج ابن جرير، وابن المنذر من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "اعملوا بطاعة الله واتقوا معاصي الله، ومروا أولادكم بامتثال الأوامر، واجتناب النواهي، فذلك وقاية لهم ولكم من النار".

والسر في هذا:

حتى يفتح الولد عينيه منذ نشأته على أوامر الله فيُرَوّض على امتثالها، وعلى اجتناب نواهيه فيُدرّب على الابتعاد عنها... وحين يتفهم الولد منذ تعقّله أحكام الحلال والحرام، ويرتبط منذ صغره بأحكام الشريعة فإنه لا يعرف سوى الإسلام تشريعاً ومنهاجاً..

3- أمره بالعبادات وهو في سن السابعة:

لما روى الحاكم وأبو داود عن ابن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع"، ويقاس على الصلاة الترويض على بعض أيام الصوم إذا كان الولد يطيقه، وتعويده الحج إذا كان الأب يستطيعه.

والسر في هذا:

حتى يتعلم الولد أحكام هذه العبادات منذ نشأته، ويعتاد أداءها والقيام بها منذ نعومة أظفاره، وحتى يتربى على طاعة الله، والقيام بحقه، والشكر له، والالتجاء إليه، والثقة به، والاعتماد عليه، والتسليم لجنابه فيما ينوب ويروع..، وحتى يجد في هذه العبادات أيضاً الطهر لروحه، والصحة لجسمه، والتهذيب لخلقه، والإصلاح لأقواله وأفعاله!!

4- تأديبه على حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحب آل بيته، وتلاوة القرآن الكريم:

لما روى الطبراني عن علي كرم الله وجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أدّبوا أولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم، وحبّ آل بيته، وتلاوة القرآن، فإن حَمَلَة القرآن في ظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظله مع أنبيائه وأصفيائه".

ويتفرع عن هذا:

تعليمهم مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسير الصحابة الكرام، وشخصيات القادة العظماء، والمعارك الحاسمة في التاريخ..

والسر في هذا:

حتى يتأسّى الأولاد بِسَير الأولين حركة وبطولة وجهاداً.. وحتى يرتبطوا بالتاريخ شعوراً وعزة وفخاراً.. وحتى يرتبطوا بالقرآن الكريم روحاً ومنهاجاً وتلاوة..

وإليكم ما قاله علماء التربية الإسلاميون في وجوب تلقين الولد تلاوة القرآن، ومغازي الرسول صلى الله عليه وسلم، ومآثر الجدود الأبطال:

• يقول سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: "كنا نعلم أولادنا مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نعلمهم السورة من القرآن الكريم".

وأوصى الإمام الغزالي في إحيائه: "بتعليم الطفل القرآن الكريم، وأحاديث الأخبار، وحكايات الأبرار، ثم بعض الأحكام الدينية".

• وأشار ابن خلدون في مقدمته إلى أهمية تعليم القرآن للأطفال وتحفيظه، وأوضح أن تعليم القرآن هو أساس التعليم في جميع المناهج الدراسية في مختلف البلاد الإسلامية، لأنه شعار من شعائر الدين يؤدي إلى تثبيت العقيدة، ورسوخ الإيمان.

• ولقد نصح ابن سينا في كتاب السياسة بالبدء بتعليم الطفل القرآن الكريم بمجرد استعداده جسميّاً وعقليّاً لهذا التعليم، ليرضع اللغة الأصيلة، وترسخ في نفسه معالم الإيمان.

• ومما يروى في كتب التاريخ والأدب أن الفضل بن زيد رأى مرة ابن امرأة من الأعراب، فأعجب بمنظره، فسألها عنه فقالت: "إذا أتم خمس سنوات أسلمتُه إلى المؤدب فحفظ القرآن فتلاه، وعلّمه الشعر فرواه، ورُغِّب في مفاخر قومه، ولُقِّن مآثر آبائه وأجداده، فلما بلغ الحُلم حملته على أعناق الخيل، فتمرّس وتفرّس، ولبس السلاح ومشى بين بيوت الحي، وأصغى إلى صوت الصارخ...".

وسبق أن ذكرنا في مبحث اهتمام الأولين بتربية أبنائهم أنهم حين كانوا يدفعون أولادهم إلى المؤدّب أول شيء يشيرون إليه، وينصحون به، تعليم أولادهم القرآن الكريم، وتلاوتهم له، وتحفيظهم إياه.. حتى تتقوم ألسنتهم، وتسمو أرواحهم، وتخشع قلوبهم، وتدمع عيونهم، ويترسخ في نفوسهم الإيمان واليقين.

والذي نخلص إليه بعد ما تقدم:

أن الرسول صلوات الله وسلامه عليه قد اهتم بتلقين الولد منذ نشأته أصول الإيمان، وأركان الإسلام، وأحكام الشريعة، وتأديبه على حب الرسول صلى الله عليه وسلم وحب آل بيته، وحب الأصحاب والقواد والفاتحين، وتلاوة القرآن الكريم.. حتى يتربى الولد على الإيمان الكامل، والعقيدة الراسخة، وحب الرعيل الأول من الجدود البواسل الأمجاد.. وإذا ترعرع وكبر لم يتزعزع بالدجل الإلحادي، ولم يتأثر بدعايات أهل الكفر والضلال!!.

فما أجدر المربين أن يربوا أبناءهم على هذه الأسس، ويسلكوا معهم هذه الوسائل.. ليضمنوا سلامة عقيدتهم من الزيغ والإلحاد والانحراف!!

من الأمور المسلَّم بها لدى علماء التربية والأخلاق أن الطفل حين يولد يولد على فطرة التوحيد، وعقيدة الإيمان بالله، وعلى أصالة الطهر والبراءة.. فإذا تهيأت له التربية المنزلية الواعية، والخلطة الاجتماعية الصالحة، والبيئة التعليمية المؤمنة.. نشأ الولد – لا شك – على الإيمان الراسخ، والأخلاق الفاضلة، والتربية الصالحة..

وهذه الحقيقة من الفطرة الإيمانية قد قررها القرآن الكريم، وأكدها الرسول صلى الله عليه وسلم، وأثبتها علماء التربية والأخلاق.

- أما أن القرآن الكريم قررها فلقوله تبارك وتعالى:

{فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله} الروم: 30.

- أما أنه عليه الصلاة والسلام أكدها فلما روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه، أو ينصرانه، أو يمجِّسانه...".

- أما أن علماء التربية والأخلاق قد أثبتوها فبعد قليل سنستشهد بأقوال الغربيين والشرقيين عند الكلام عن أهمية التربية الإنسانية، وأثرها في إصلاح سلوك الأفراد، وتقويم اعوجاج الشعوب، ونجتزئ في هذا المجال ما قرّره الإمام الغزالي في تعويد الولد خصال الخير، أو مبادئ الشر باعتبار قابليته وفطرته، فمما قاله في هذه المناسبة: "والصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة، فإن عُوِّد الخير وعُلِّمه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة، وإن عُوِّد الشر وأهمل إهمال البهائم شقي وهلك.. وصيانته بأن يؤدّبه ويهذبه ويعلمه محاسن الأخلاق..".

وما أحسن ما قال بعضهم:

وينشأ ناشئ الفتيان منّا

على ما كان عوّده أبوه

ومادان الفتى بحجّى ولكن

يعوده التديّن أقربوه

ومن هذا العرض لأهمية الفطرة وأثرها.. نعلم أن الولد إذا نشأ في بيت منحرف، وتعلم في بيئة ضالة، وخالط جماعة فاسدة.. فلا شك أنه سيرضع لَبان الفساد، ويتربى على أسوأ الأخلاق، ويتلقن مبادئ الكفر والضلال.. وسرعان ما يتحول من السعادة إلى الشقاء، ويتدرج من الإيمان إلى الإلحاد، وينتقل من الإسلام إلى الكفر.. وعندئذ يصعب رده إلى جادة الحق، وإلى سبيل الإيمان والهدى..

ولا بأس في هذه المناسبة أن أستعرض معك – أيها المربي – صوراً من واقعنا الاجتماعي ونماذج من بيئات الضلال والفساد، لتعلم العوامل التي تؤدي إلى انحراف الولد في عقيدته وأخلاقه، وتعلم كذلك أنه إذا تساهل الأولياء والآباء في تربية أبنائهم، فسيؤدي بهم الأمر – على الأغلب – إلى الزيغ والانحراف، واعتناق مبادئ الكفر والإلحاد!!..

• فالأب الذي يدفع بولده إلى المدارس الأجنبية، والمعاهد التبشيرية يرضع من لبانها، ويتلقف التوجيه والتعليم على يد مبشريها.. لا شك أن الولد سينطبع على الزيغ والضلال، ويتدرج على الكفر والإلحاد.. بل ستترسخ في نفسه مشاعر الكره للإسلام، وأحقاد العداوة لهذا الدين.

• والأب الذي يسلم قياد ولده لأساتذة ملحدين، ومربين أشرار، يلقنونه مبادئ الكفر، ويغرسون في سويداء قلبه بذور الضلال.. لا شك أن الولد سينشأ على التربية الإلحادية، والتوجيه العلماني الخطير.

• والأب الذي يسمح لولده أن يطالع ما شاء من كتب الملحدين والماديين، ويقرأ ما أراد من مطاعن المبشرين والمستعمرين.. لا شك أن الولد سيتشكك بحقيقة عقيدته ودينه، ويهزأ بتاريخه وأمجاده، ويكون حرباً على مبادئ الإسلام.

• والأب الذي يرخي لولده العنان، ويترك حبله على غاربه ليخالط من رفقاء الزيغ والضلال ما يرغب، ويعتنق من المبادئ الضالة والأفكار المستوردة ما يشاء.. لا شك أن الولد سيسخر لا محالة بكل القيم الدينية والمبادئ الخلقية التي جاءت بها الأديان والشرائع.

• والأب الذي يترك المجال لولده لأن ينتمي إلى أحزاب إلحادية كافرة، وإلى منظمات علمانية لا دينية، وإلى هيئات لا ترتبط بالإسلام عقيدة وفكراً وتاريخاً.. لا شك أن الولد سيتربى على عقائد ضالة، وينشأ على مبادئ إلحادية كافرة، بل يكون حرباً على الأديان والقيم والمقدسات!!..

وليس النبتُ ينبت في جنان

كمثل النبت ينبتُ في الفلاةِ

وهل يرجَى لأطفالٍ كمالٌ

إذا ارتضعوا ثُدَيّ الناقصات

وإذا كان على المربين بشكل عام، والأبوين بشكل خاص مسؤولية كبرى في تنشئة الولد على عقيدة الإيمان، واجب أعظم في تلقينه مبادئ الإسلام.. فينبغي أن نعرف حدود هذه المسؤولية، وأبعاد هذا الواجب.. ليعلم كل من كان له في عنقه حق التوجيه والتربية المهمة الملقاة على عاتقه في تنشئة الولد على التربية الإيمانية الكاملة المرضية.

وحدود هذه المسؤولية مرتبة على الشكل التالي:

1- أن يرشدوهم إلى الإيمان بالله، وقدرته المعجزة، وإبداعه الرائع:

وذلك عن طريق التأمل والتفكير في خلق السموات والأرض. وذلك في سن الإدراك والتمييز. ويحسن أن يتدرجوا معهم في المحسوس إلى المعقول، ومن الجزئي إلى الكلي، ومن البسيط إلى المركب.. حتى يصلوا معهم في نهاية الشوط إلى قضية الإيمان عن اقتناع وحجة وبرهان...، وحين يأخذ الولد منذ الصغر القضايا الإيمانية الثابتة.. وتنصب في ذهنه وفكره الأدلة التوحيدية الراسخة.. فلا تستطيع معاول الهدم أن تنال من قلبه العامر، ولا يمكن لدعاة السوء أن يؤثروا على عقله الناضج، ولا يقدر إنسان أن يزعزع نفسيته المؤمنة.. لما وصل إليه من إيمان ثابت، ويقين راسخ، وقناعة كاملة.

وهذه الطريقة من التدرج من الأدنى إلى الأعلى، ومن المحسوس إلى المعقول.. في الوصول إلى الحقيقة هي طريقة القرآن الكريم.. وإليكم طرفاً من آياته الباهرة:

- {هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب، ومنه شجر فيه تسيمون. ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون. وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون. وما ذرأ لكم في الأرض مختلفاً ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون. وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً وتستخرجوا منه حلية تلبسونها، وترى الفلك مواخر فيه، ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون. وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهاراً وسبلاً لعلكم تهتدون. وعلامات وبالنجم هم يهتدون. أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون؟} النحل: 10-17.

- {إن في خلق السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار، والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس، وما أنزل الله من السماء من ماءٍ فأحيا به الأرض بعد موتها، وبث فيها من كل دابة، وتصريف الرياح، والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون} البقرة: 164.

- {فلينظر الإنسان مم خلق. خلق من ماء دافق. يخرج من بين الصُّلب والترائب. إنه على رجعه لقادر. يوم تبلى السرائر. فما له من قوة ولا ناصر} الطارق: 5-10.

- {فلينظر الإنسان إلى طعامه أنَّا صببنا الماء صباً. ثم شققنا الأرض شقاً. فأنبتنا فيها حباً. وعنباً وقضباً. وزيتوناً ونخلاً. وحدائق غُلباً. وفاكهة وأباً. متاعاً لكم ولأنعامكم..} عبس: 24-32.

- {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانُها، ومن الجبال جُدَد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماءُ إن الله عزيز غفور} فاطر: 27-28.

- {أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها ومالها من فروج. والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج. تبصرةً وذكرى لكل عبد مُنيب} ق: 6-8.

إلى غير ذلك من هذه الآيات الكثيرة المستفيضة التي لا تعد ولا تحصى..

2- أن يغرسوا في نفوسهم روح الخشوع والتقوى والعبودية لله رب العالمين:

وذلك بتفتيح بصائرهم على القدرة المعجزة، والملكوت الهائل الكبير في كل شيء.. في الدقيق والكبير.. في الجامد والحي.. في النبتة النابتة والشجرة النامية.. في الزهرة الفوّاحة البديعة الألوان.. في ملايين الملايين من الخلائق العجيبة الصنع، البديعة التكوين.. فما يملك القلب إزاء ذلك إلا أن يخشع ويهتز لعظمة الله، وما تملك النفس تجاه هذا إلا أن تحس بتقوى الله ومراقبته، وأن تشعر بكليتها وقرارة وجدانها بِلذَّة الطاعة وحلاوة العبادة لله رب العالمين.

ومن وسائل تقوية الخشوع، وترسيخ التقوى في نفس الولد: ترويضه في سن التمييز على التّخشع في الصلاة، وتأديبه على التحزن والتباكي عند سماع القرآن الكريم. وهذه هي صفة العارفين، وشعار عباد الله الصالحين، وخصيصة المؤمنين الصادقين..

ولنستمع إلى القرآن العظيم في تمجيده الخاشعين، وثنائه على الأتقياء المخبتين:

- {قد أفلح المؤمنون. الذين هم في صلاتهم خاشعون} المؤمنون: 1-2.

- {الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً، مثاني، تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء} الزمر: 23.

- {وبشِّر المخبتين. الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} الحج: 34-35.

- {إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خرّوا سجداً وبكيّاً} مريم: 58.

- {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق} الحديد: 16.

وهذه الظاهرة من الخشوع والإخبات والتحزن.. هو ما كان عليه الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وما كان عليه الصحابة الكرام رضي الله عنهم، والسلف الصالح، والعارفون بالله رحمهم الله. فقد روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اقرأ عليّ القرآن". فقلت: يا رسول الله! أقرأ عليك وعليك أُنزل؟ قال: "إني أحب أن أسمعه من غيري"، فقرأتُ عليه سورة النساء حتى إذا جئت إلى هذه الآية: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد، وجئنا بك على هؤلاء شهيداً}، قال: "حسبك الآن"، فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان.

وعن أبي صالح قال: قدم ناس من أهل اليمن على أبي بكر الصديق رضي الله عنه فجعلوا يقرؤون القرآن ويبكون، فقال أبو بكر رضي الله عنه، هكذا كنا حتى قست القلوب.

وأخبار السلف في بكائه وتخشّعهم في صلاتهم، وفي سماعهم للقرآن الكريم أكثر من أن تحصى، وقصصهم الرائعة في كتب الأخلاق والتربية كثيرة ومستفيضة...

وربما يجد المربي في ترويض الولد على الخشوع والتحزُّن والبكاء.. صعوبة ومشقة في بدء الترويض والتعليم، ولكن في التنبيه تارة، والمثابرة أخرى، والتأسي ثالثة.. يصبح التخشع والتحزن خلقاً أصيلا في الولد، وطبعاً كريماً من طباعه وأخلاقه...

وما أحسن ما قال بعضهم:

قد ينفع الأدبُ الأولادَ في صغر

وليس ينفعهم من بعده أدب

إن الغصون إذا عدلتها اعتدلت

ولا تلين ولو ليّنتَهُ الخُشب

وهذا التعويد من البكاء والتخشع، في أخذ الأولياء به، وترويضهم عليه هو ما أرشد إليه عليه الصلاة والسلام في قوله:

"اقرؤوا القرآن وابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا". رواه الطبراني.

3- أن يربّوا فيهم روح المراقبة لله سبحانه في كل تصرفاتهم وأحوالهم:

وذلك بترويض الولد على أن الله سبحانه يرقبه ويراه، ويعلم سره ونجواه، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.. وتخليق الولد على مراقبة الله تعالى يجب أن تكون غاية المربي وهمَّه وهدفه الأكبر، وذلك لا يكون إلا في ترويض الولد عليها وهو يعمل، وترويضه عليها وهو يفكر، وترويضُه عليها وهو يُحِسّ:

أما ترويضه على مراقبة الله وهو يعمل... فليتعلّم الإخلاص لله رب العالمين في كل أقواله وأعماله وسائر تصرفاته، ولكي يقصد وجه الله سبحانه في كل عمل يسبقه نية، وعندئذ يتحقق بالعبودية الخالصة لله تعالى، ويكون مِمّن شملهم القرآن بقوله:

{وما أُمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حُنفاء، ويُقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيّمة}. البينة: 05.

وكذلك على المربي أن يُشعِر الولد بأن الله سبحانه لا يقبل منه أي عمل إلا إذا قصد من ورائه وجه الله، وابتغى به مرضاته.. للحديث الذي رواه أبو داود والنسائي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله عز وجل لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً، وابتُغي به وجهه"، ولقوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه الشيخان: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى...".

أما ترويضه على مراقبة الله وهو يفكر... فليتعلم الأفكار التي تقرّبه من خالقه العظيم.. والتي بها ينفع نفسه، وينفع مجتمعه، وينفع الناس أجمعين.. بل يجب أن يُروَّض على أن يكون عقله وقلبه وهواه تبعاً لما جاء به خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام، وكذلك على المربي أن يؤدب الولد على المحاسبة حتى على الخواطر السيئة، والأفكار الشاردة.. وأن يُحفّظه أواخر سورة البقرة[1] مع بيان ما فيها من إرشادات وأدعية لما تشتمله هذه الآيات من توجيه إلى مراقبة الله، والمحاسبة للنفس، والالتجاء إلى خالق الأرض والسموات، ومناجاته والدعاء له.

أما ترويضه على مراقبة الله وهو يحس... فليتعلم كل إحساس نظيف، وليتربّى على كل شعور طاهر... فلا يحسد، ولا يحقد، ولا ينمّ، ولا يتمتع المتاع الدَّنِس، ولا يشتهي الشهوات الباطلة.. وكلما أصابه نزغ من الشيطان، أو هاجسة من النفس الأمّارة بالسوء تذكر أن الله سبحانه معه يسمعه ويراه فإذا هو متذكر مبصر.. وهذا النمط من التربية والمراقبة قد وجه إليه المربي الأول عليه الصلاة والسلام في إجابته السائل عن الإحسان: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك". وقد أشار إليه القرآن الكريم بقوله:

{وإما ينزغنك من الشياطن نزغٌ فاستعذ بالله إنه سميع عليم. إن الذين اتقوا إذا مسَّهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} الأعراف: 200-201.

وهذه الظاهرة من الترويض والتعليم.. كانت ديدن السلف الصالح في ترويضهم لأولادهم، وتأديبهم عليها، وإليكم ما قصه الإمام الغزالي في إحيائه:

(قال سهل بن عبد الله التستري: كنت أنا ابن ثلاث سنين أقوم بالليل، فأنظر إلى صلاة خالي (محمد بن سوار)، فقال لي يوماً: ألا تذكر الله الذي خلقك؟ فقلت: كيف أذكره؟ قال: قل بقلبك عند تقلبك في فراشك ثلاث مرات من غير أن تحرك به لسانك: الله معي، الله ناظر إليّ، الله شاهدي، فقلت ذلك ليالي ثم أعلمته فقال: قل في كل ليلة سبع مرات، فقلت ذلك ثم أعلمته، فقال: قل ذلك كل ليلة إحدى عشرة مرة، فقلته فوقع في قلبي حلاوته، فلما كان بعد سنة، قال لي: خالي احفظ ما علمتك ودُمْ عليه إلى أن تدخل القبر، فإنه ينفعك في الدنيا والآخرة، فلم أزل على ذلك سنين، فوجدت لذلك حلاوة في سري، ثم قال لي خالي يوماً: يا سهل من كان الله معه، وناظراً إليه، وشاهده.. أيعصيه؟ إياك والمعصية..) وأصبح سهل رحمه اله من كبار العارفين، ومن رجال الله الصالحين.. بفضل خاله الذي أدَّبه وعلمه ورباه، وغرس في نفسه وهو صغير أكرم معاني الإيمان والمراقبة، وأنبل مكارم الأخلاق.

وحينما ينهج المربون في تربية الأولاد هذا النهج، وحينما يسير الآباء والأمهات في تأديب الأبناء على هاتيك القواعد... يستطيعون في فترة يسيرة من الزمن أن يكوّنوا جيلاً مسلماً مؤمناً بالله، معتزّاً بدينه، مفتخراً بتاريخه وأمجاده.. ويستطيعون كذلك أن يكوِّنوا مجتمعاً نظيفاً من الإلحاد، نظيفاً من الميوعة، نظيفاً من الحقد، نظيفاً من الجريمة.

وهذه التربية الإيمانية التي فصلنا فيها، ودار الكلام حولها.. هي التي يلح عليها كبار علماء التربية والأخلاق في بلاد الغرب لتحرر المجتمع من الإلحاد والرذيلة والميوعة والجريمة..

وإليكم طرفاً من أقوالهم:

• كتب "دستوفسكي" أعظم قصصي في عالم الغرب ليبين كيف أصبح الإنسان متلبِّساً بالشياطين حين هجر الله تعالى[2].

• ويقول الأديب الفرنسي الشهير "فولتير" ساخراً من طبقة الملحدين الماديين المشككين:

(لِمَ تشككون في الله، ولولاه لخانتني زوجتي، وسرقني خادمي!!..).

• ويقول الدكتور "هنري لُنك" الطبيب النفسي الأمريكي في كتابه "العودة إلى الإيمان".

(فإن هؤلاء الآباء الذين كانوا يتساءلون كيف ينمّون عادات أولادهم الخلقية ويشكلونها، في حين ينقصهم هم أنفسهم تلك التأثيرات الدينية التي كانت قد شكلت أخلاقهم من قبل، كانوا في الحقيقة يجابهون مشكلة لا حل لها، فلم يوجد بعد ذلك البديل الكامل الذي يحل محل تلك القوة الهائلة التي يخلقها الإيمان بالخالق وبناموسه الخَلْقي الإلهي في قلوب الناس..).

• وذكرت مجلة الحج المكية في السنة 23 من الجزء الثالث عن لسان "سوتيلانا" بنت استالين: (أن السبب الحقيق لهجر وطنها وأولادها هو "الدين" فقد نشأت في بيت ملحد لا يعرف أحد من أفراده "الرب"، ولا يُذكر عندهم عمداً ولا سهواً.. ولما بلغت سن الرشد وجدت في نفسها – من غير أي دافع خارجي – إحساساً قويّاً بأن الحياة من غير الإيمان بالله ليست حياة، كما لا يمكن أن يقام بين الناس أي عدل أو أي إنصاف من غير الإيمان بالله، وشعرت من قرارة نفسها أن الإنسان في حاجة إلى الإيمان كحاجته إلى الماء والهواء..).

• وقد أعلن الفيلسوف "كانت" أنه لا وجود للأخلاق دون اعتقادات ثلاث: (وجود الإله، وخلود الروح، والحساب بعد الموت).

والذي نخلص إليه بعد ما تقدم: أن الإيمان بالله هو أساس إصلاح الولد، وملاك تربيته الخُلقية والنفسية... ولقد رأيت – أخي القارئ – من أقوال علماء التربية والأخلاق في العالم، الصلة الوثيقة بين الإيمان والخلق، والرابطة المتينة بين العقيدة والعمل، وإن شاء الله في معالجتنا لبحث "مسؤولية التربية الخلقية" فسنفصل القول عن أثر الإيمان في تقويم سلوك الولد، وتهذيب خلقه، وتقويم اعوجاجه، وعلى الله قصد السبيل، ومنه نستمد العون والتوفيق.

وصفوة القول إن مسؤولية التربية الإيمانية لدى المربين والآباء والأمهات.. لهي مسؤولية هامة وخطيرة لكونها منبع الفضائل، ومبعث الكمالات.. بل هي الركيزة الأساسية لدخول الولد في حظيرة الإيمان، وقنطرة الإسلام.. وبدون هذه التربية لا ينهض الولد بمسؤولية، ولا يتصف بأمانة، ولا يعرف غاية، ولا يتحقق بمعنى الإنسانية الفاضلة، ولا يعمل لمثل أعلى ولا هدف نبيل.. بل يعيش عيشة البهائم ليس له هم سوى أن يسد جوعته، ويشبع غريزته، وينطلق وراء الشهوات والملذات، ويصاحب الأشقياء والمجرمين.. وعندئذ يكون من الزمرة الكافرة، والفئة الإباحية الضالة التي قال الله عنها في محكم كتابه:

{والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوىً لهم} محمد: 12.

فعلى الأب أو المربي ألا يترك فرصة سانحة تمر إلا وقد زود الولد بالبراهين التي تدل على الله، وبالإرشادات التي تثبت الإيمان، وباللفتات التي تقوّي فيه جانب العقيدة.. وهذا الأسلوب من انتهاز الفرص في النصائح الإيمانية، هو أسلوب المُربي الأول صلوات الله وسلامه عليه حيث كان يسعى دائماً إلى أن يوجه الأولاد إلى كل ما يرفع من شأنهم، ويرسخ الإيمان واليقين في أعماق نفوسهم.

وإليك – أخي القارئ – بعض النماذج من توجيهه وأسلوبه عليه الصلاة والسلام:

روى الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوماً فقال: يا غلام إني أعلمك كلمات: "احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفت الصحف".

وفي رواية غير الترمذي: "احفظ الله تجده أمامك، تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً".

وختاماً: أقترح على المربين والمعلمين والآباء.. أن يختاروا لتلاميهم وأبنائهم أفضل الكتب لتعليم الأولاد عقيدة التوحيد منذ سن التعقل والتمييز، وأرى أن يكون التعليم على مراحل، كل مرحلة تتفق مع سن الولد ومع نضجه وثقافته..

دراسة المرحلة الأولى:

وهي ما بين سن العاشرة إلى الخامسة عشرة:

1- كتاب "المعرفة" لفضيلة العالم المرشد الشيخ عبد الكريم رفاعي رحمه الله.

2- وكتاب "العقائد" للإمام حسن البنا رحمه الله.

3- وكتاب "الجواهر الكلامية" للأستاذ طاهر الجزائري.

دراسة المرحلة الثانية:

وهي ما بين سن البلوغ إلى سن العشرين:

1- "أصول العقائد" للأستاذ عبد الله عرواني.

2- كتاب "الوجود الحق" للدكتور حسن هويدي.

3- كتاب "شبهات وردود" للمؤلف.

دراسة المرحلة الثالثة:

وهي ما بعد سن العشرين:

1- كتاب "كبرى اليقينيات الكونية" للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي.

2- كتاب "الله جل جلاله" للأستاذ سعيد حوّى.

3- كتاب "قصة الإيمان" للأستاذ نديم الجسر.


ويضاف إلى كتب مرحلتي الثانية والثالثة كتب عقيدية وفكرية أخرى، فعلى كل شاب مسلم أن يقتنيها ويمر على دراستها، ويتعمق في فهمها ومطالعتها لكونها ترسخ جانب العقيدة، وتزيد من معين الإيمان...

وأهم هذه الكتب هي:

1- الدين في مواجهة العلم للأستاذ وحيد الدين خان.

2- الإسلام يتحدى للأستاذ العالم وحيد الدين خان.

3- الله يتجلى في عصر العلم لمجموعة من علماء الغرب.

4- العلم يدعو إلى الإيمان لكريسى موريسون.

5- الله والعلم الحديث لعبد الرزاق نوفل.

6- الطب في محراب الإيمان للدكتور خالص كنجو.

7- قصة الهداية للمؤلف.

إلى غير ذلك من هذه الكتب التي تقوي الإيمان، وترسخ معاني العقيدة والإسلام.. هذا إن كان الولد مثقفاً يتابع مراحل دراسته حتى الجامعة.. أما إذا كان الولد مقتصراً في دراسته على المرحلة الابتدائية ثم نزل الحياة العملية لابتغاء الرزق، فعلى الأب أن يسعى جهده في تعليمه عقيدة التوحيد في أوقات فراغه على يد أساتذة أكفاء يلقنونه مبادئ الإيمان، ويغرسون في نفسه بذور التوحيد الخالص حتى يعرف بوضوح ما يجب لله، وما يجوز، وما يستحيل.. وعندئذ ينشأ على التربية الإيمانية الخالصة.. فلا يتزعزع بشبهة ولا ينساق وراء فتنة أو إغراء!!.

[1] الآيات تبدأ من قوله تعالى: {لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم...} ... إلى آخر السورة.

[2] من كتاب "مباهج الفلسفة" لـ (ول ديوارنت) ج: 2 ص 276.

القسم الثاني - مسؤوليات المربين

نقصد بالتربية الخُلقية مجموعة المبادئ الخُلقية، والفضائل السلوكية والوجدانية التي يجب أن يتلقنها الطفل ويكتسبها ويعتاد عليها منذ تمييزه وتعقله إلى أن يصبح مكلفاً إلى أن يتدرج شاباً إلى أن يخوض خضمّ الحياة..

ومما لا شك فيه، ولا جدال معه أن الفضائل الخلقية والسلوكية والوجدانية هي ثمرة من ثمرات الإيمان الراسخ، والتنشئة الدينية الصحيحة...

فالطفل منذ نعومة أظفاره حين ينشأ على الإيمان بالله، ويتربّى على الخشية منه، والمراقبة له، والاعتماد عليه، والاستعانة به، والتسليم لجنابه فيما ينوب ويروع.. تصبح عنده الملكة النفطرية، والاستجابة الوجدانية لتقبل كل فضيلة ومكرمة، والاعتياد على كل خلق فاضل كريم.. لأن الوازع الديني الذي تأصل في ضميره، والمراقبة الإلهية التي ترسخت في أعماق وجدانه، والمحاسبة النفسية التي سيطرت على تفكيره وإحساساته.. كل ذلك بات حائلاً بين الطفل وبين الصفات القبيحة والعادات الآثمة المرذولة، والتقاليد الجاهلية الفاسدة.. بل إقباله على الخير يصبح عادة من عاداته، وتعشقه المكارم والفضائل يصير خُلقاً أصيلاً من أبرز أخلاقه وصفاته...

ومما يؤكد هذا نجاح التجربة العملية التي يسلكها الكثير من الآباء المتدينين مع أبنائهم، وكثير من المرشدين والمربين مع مريديهم وتلاميذتهم، فهذه التجربة أصبحت معلومة في سيرة السلف، وعالم الواقع.. وسبق أن ذكرنا موقف "محمد بن سوار" من ابن أخته "التستري" في تربيته على الإيمان، وإصلاح نفسه ووجدانه، ورأينا أن نفسه قد صلحت لما رباه خاله على مراقبة الله، والخشية منه، والاعتماد عليه... وذلك في ملاحقته على أن يردّد في سره وعلنه، وظاهره وباطنه، واجتماعه وخلوته:

"الله معي، الله ناظر إليّ، الله شاهدي".

وحينما تكون التربية للطفل بعيدة عن العقيدة الإسلامية، مجردة من التوجيه الديني، والصلة بالله عز وجل.. فإن الطفل – لا شك – يترعرع على الفسوق والانحلال، وينشأ على الضلال والإلحاد، بل سيُتبع نفسه هواها، ويسير خلف نوازع النفس الأمارة، ووساوس الشيطان، وفقاً لمزاجه وأهوائه وأشواقه الهابطة.

(فإن كان مزاجه من النوع "الهادئ المسالم" عاش في الحياة غافلاً بليداً، حيّاً كميِّت، وموجوداً كمفقود، ولا يحس أحد بحياته، ولا يترك فراغاً بعد موته، ورحم الله من قال:

فذاك الذي إنْ عاش لم يُنتفع به

وإنْ مات لا تبكي عليه أقاربُه

وإن كان يغلب على نفسه الجانب "البهيمي" جرى وراء الشهوات والملذّات يقتحم إلى بلوغها كل حرمة، ويسلك من أجلها كل طريق.. لا حياء يردعه، ولا ضمير يقمعه، ولا عقل يمنعه، يقول ما قاله أبو النواس:

إنما الدنيا طعام

وشراب وَنَدام[1]

فإذا فاتك هذا

فعلى الدنيا السلام

وإن كان مزاجه من النوع "العصبي" جعل همه العُلوّ في الأرض، والاستكبار على الناس، وإظهار السلطة والتحكم في الرقاب، والفخر بلسانه، والاختيال بفعاله، ولم يهمه في سبيل ذلك أن يبني قصراً من جماجم البشر، وأن يزخرفه بدماء الأبرياء، شعاره ما قاله الشاعر الجاهلي:

لنا الدنيا ومن أمسى عليها

ونبطش حين نبطش قادرينا

بغاة ظالمين وما ظُلمنا

ولكنّا سنبدأ ظالمينا

إذا بلغ الرضيع لنا فطاماً

تخرّ له الجبابر ساجدينا

وإن كان يغلب عليه الجانب "الشيطاني" دبر المكائد، وفرق بين الأحبة، ووضع الألغام ليدمر، وسمّم الآبار ليقتل، وعكر المياه، ليصطاد، وزيّن الإثم، وأغرى بالفاحشة، وأوقع العداوة والبغضاء بين الناس، وقال مع الشاعر:

إذا أنت لم تنفع فضرّ فإنما

يُرجّى الفتى كيما يضر وينفعا

وهكذا يدور كل من هؤلاء حيث تدور نفسه الأمّارة، ويندفع حيث يدفعه مزاجه المنحرف، وينقاد لأمر هواه، والهوى يعمي ويُصم، وهو إله معبود، قال تعالى:

{ومن أضل ممن اتَّبع هواه بغير هدىً من الله}[2] القصص: 50.

والذي نخلص إليه بعدما تقدم: أن التربية الإيمانية هي التي تعدّل المزاج المنحرف، وتقوّم المعوج الفاسد، وتصلح النفس الإنسانية.. وبدونها لا يمكن أن يتحقق إصلاح، ولا أن يتم استقرار، ولا يتقوّم خلق...

ولهذه الصلة الوثيقة بين الإيمان والأخلاق، والرابطة المتينة بين العقيدة والعمل انتبه علماء التربية والاجتماع في الغرب، وفي كثير من الأمم.. فأصدروا توجيهاتهم، وأعلنوا عن آرائهم ووجهات نظرهم بأنه من غير دين لا يتم استقرار، وبغير إيمان بالله لا يتحقق إصلاح، ولا يتقوم خُلُق..

وإليكم طائفة من آرائهم وتوجيهاتهم:

• قال الفيلسوف الألماني "فيخته" : (الأخلاق من غير دين عبث).

• قال الزعيم الهندي المعروف "غاندي" : (إن الدين ومكارم الأخلاق هما شيء واحد لا يقبلان الانفصال، ولا يفترق بعضهما عن بعض، فهما وحدة لا تتجزأ.. إن الدين كالروح للأخلاق، والأخلاق كالجو للروح، وبعبارة أخرى الدين يغذي الأخلاق وينميها وينعشها، كما أن الماء يغذي الزرع وينميه).

• وقال القاضي البريطاني "ديننج" معقباً على فضائح وزير بريطاني سابق في علاقة خلقية: (بدون الدين لا يمكن أن تكون هناك أخلاق، وبدون أخلاق لا يمكن أن يكون هناك قانون!!.. الدين هو المصدر الفذ المعصوم الذي يعرف منه حسن الأخلاق من قبيحها، والدين هو الذي يربط الإنسان بمَثَل أعلى يرنو إليه، ويعمل له، والدين هو الذي يحد من أنانية الفرد، ويكفكف من طغيان غرائزه، وسيطرة عاداته، ويخضعها لأهدافه ومُثله، ويربي فيه الضمير الحي الذي على أساسه يرتفع صرح الأخلاق).

• وسبق أن ذكرنا تصريح الفيلسوف "كانت" الذي يقول: (لا وجود للأخلاق دون اعتقادات ثلاثة: وجود الإله، وخلود الروح، والحساب بعد الموت).

فلا عجب بعد الذي ذكرناه أن تُولي شريعة الإسلام اهتمامها البالغ بتربية الأولاد من الناحية الخُلقية، وأن تصدر توجيهاتها القيمة في تخليق الولد على الفضائل والمكارم، وتأديبه على أفضل الأخلاق، وأكرم العادات!.

وإليكم أهم هذه التوصيات والتوجيهات في تربية الولد من الناحية الخلقية والسلوكية:

- روى الترمذي عن أيوب بن موسى عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما نَخَل[3] والد ولداً من نُخْلٍ أفضل من أدب حسن".

- وروى ابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم".

- وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وغيرهما من حديث علي رضي الله عنه: "علموا أولادكم وأهليكم الخير وأدبوهم".

- وأخرج البيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من حق الولد على الوالد أن يحسن أدبه، ويحسن اسمه".

- وروى ابن حبان عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الغلام يُعَقّ[4] عنه يوم السابع، ويُسمّى، ويماط عنه الأذى، فإذا بلغ ست سنين أُدّب، وإذا بلغ تسع سنين عُزل عن فراشه، فإذا بلغ ثلاث عشرة سنة ضُرب على الصلاة والصوم، فإذا بلغ ست عشرة زوجه أبوه، ثم أخذ بيده وقال: قد أدبتك وعلمتك وأنكحتك، وأعوذ بالله من فتنتك في الدنيا، وعذابك في الآخرة".

فيؤخذ من مجموعة هذه الأحاديث التربوية على المربين – ولا سيما الآباء والأمهات – مسؤولية كبرى في تأديب الأولاد على الخير، وتخليقهم على مبادئ الأخلاق.

ومسؤوليتهم في هذا المجال مسؤولية شاملة بكل ما يتصل بإصلاح نفوسهم، وتقويم اعوجاجهم، وترفّعهم عن الدنايا، وحسن معاملتهم للآخرين..

فهم مسؤولون عن تخليق الأولاد منذ الصغر على الصدق، والأمانة، والاستقامة، والإيثار، وإغاثة الملهوف، واحترام الكبير، وإكرام الضيف، والإحسان إلى الجار، والمحبة للآخرين..

ومسؤولون عن تنزيه ألسنتهم من السباب، والشتائم والكلمات النابية القبيحة، وعن كل ما ينبئ عن فساد الخلق، وسوء التربية..

ومسؤولون عن ترفعهم عن دنايا الأمور، وسفاسف العادات، وقبائح الأخلاق، وعن كل ما يحط بالمروءة والشرف والعفة..

ومسؤولون عن تعويدهم على مشاعر إنسانية كريمة، وإحساسات عاطفية نبيلة، كالإحسان إلى اليتامى، والبر بالفقراء، والعطف على الأرامل والمساكين..

إلى غير ذلك من هذه المسؤوليات الكبيرة الشاملة التي تتصل بالتهذيب، وترتبط بالأخلاق..

وإذا كانت التربية الفاضلة في نظر الإسلام تعتمد في الدرجة الأولى على قوة الملاحظة والمراقبة.. فجدير بالآباء والأمهات والمعلمين، وكل من يهمه أمر التربية والأخلاق.. أن يلحظوا في الأولاد ظواهر أربعة، وأن يعيروها اهتمامهم لكونها من أقبح الأعمال، وأحط الأخلاق، وأرذل الصفات..

وهذه الظواهر مرتبة كما يلي:

1- ظاهرة الكذب.

2- ظاهرة السرقة.

3- ظاهرة السباب والشتائم.

4- ظاهرة الميوعة والانحلال.

• أما ظاهرة الكذب فإنها من أقبح الظواهر في نظر الإسلام، فواجب على المربين جميعاً أن يُعيروها اهتمامهم، وأن يركّزوا عليها جهودهم، ليقلع الأولاد عنها، وينفروا منها، ويتجنبوا مزالق الكذب، وقبائح النفاق.

- ويكفي الكذب تشتنيعاً وتقبيحاً أن عدَّة الإسلام من خصائل النفاق: روى البخاري ومسلم وغيرهما عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أربع من كنَّ فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كان فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر".

- ويكفيه تشنيعاً وتقبيحاً أن من يزاوله يكون في سخط الله وعذابه: روى مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكّيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم: شيخ زانٍ، ومَلِك كذاب، وعائل مستَكْبِر".

- ويكفيه تشنيعاً وتقبيحاً أن من يعتاده يكتب عند الله من الكاذبين: روى الشيخان وغيرهما عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "... إياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال العبد يكذب، ويتحرى الكذب، حتى يكتب عند الله كذاباً".

- ويكفيه تشنيعاً وتقبيحاً أن عدَّه عليه الصلاة والسلام خيانة كبيرة: روى أبو داود عن سفيان بن أسيد الحضرمي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كبرتْ خيانة أن تُحدّث أخاك حديثاً هو لك مُصدّق، وأنت له به كاذب".

فإذا كان هذا شأن الكذب والكذابين فما على المربين إلا أن يُنفِّروا أبناءهم منه، وينهوهم عنه، ويحذروهم عواقبه، ويكشفوا لهم عن مضاره وأخطاره.. حتى لا يقعوا في حبائله، ويتعثروا في أوحاله وينزلقوا في متاهاته...

وإذا كانت التربية الفاضلة في نظر المربين تعتمد على القدوة الصالحة.. فجدير بكل مربّ مسؤول ألا يكذب على أطفاله بحجة إسكاتهم من بكاء، أو ترغيبهم في أمر، أو تسكينهم من غضب.. فإنهم إن فعلوا ذلك يكونون قد عوّدوهم عن طريق الإيحاء والمحاكاة والقدوة السيئة على أقبح العادات، وأرذل الأخلاق ألا وهي رذيلة الكذب.. عدا عن أنهم يفقدون الثقة بأقوالهم، ويضعف جانب التأثير بنصائحهم ومواعظهم.

لهذا كله نرى المربي الأول والمرشد الكامل محمداً صلوات الله وسلامه عليه قد حذر الأولياء والمربين من الكذب أمام أطفالهم ولو بقصد الإلهاء أوالترغيب أوالممازحة، حتى لا تكتب عليهم عند الله كذبة.. روى أبو داود والبيهقي عن عبد الله ابن عامر رضي الله عنه قال: دعتني أمي يوماً، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد في بيتنا، فقالت: ها تعال أعطك، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أردت أن تعطيه؟ قالت أدرت أن أعطيه تمراً، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما إنك لو لم تُعطيه شيئاً كُتبتْ عليك كَذْبة".

وروى أحمد وابن أبي الدنيا عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من قال لصبيّ هاك[5]، ثم لم يعطه فهي كَذْبة".

ومن طرائف ما يروى في تعويد السلف أولادهم على الصدق ومعاهدتهم عليه هذه القصة: يقول العالم الرباني الشيخ عبد القادر الكيلاني رحمه الله: "بنيْتُ أمري – من حين ما نشأت – على الصدق، وذلك أني خرجت من مكة إلى بغداد أطلب العلم، فأعطتني أمي أربعين ديناراً أستعين بها على النفقة، وعاهدتني على الصدق، فلما وصلنا أرض همدان خرج علينا جماعة من اللصوص، فأخذوا القافلة، فمرّ واحد منهم وقال لي: ما معك؟ قلت: أربعون ديناراً، فظن أني أهزأ به فتركني، فرآني رجل آخر، فقال: ما معك، فأخبرته بما معي، فأخذني إلى كبيرهم، فسألني فأخبرته، قال: ما حملك على الصدق؟ قلت: عاهدتني أمي على الصدق، فأخاف أن أخون عهدها!!.. فأخذت الخشية رئيس اللصوص، فصاح ومزق ثيابه، وقال: أنت تخاف أن تخون عهد أمك، وأنا لا أخاف أن أخون عهد الله؟!!.. ثم أمر بردّ ما أخذوه من القافلة، وقال: أن تائب لله على يديك، فقال من معه: أنت كبيرنا في قطع الطريق، وأنت اليوم كبيرنا في التوبة، فتابوا جميعاً ببركة الصدق".

• أما ظاهرة السرقة فهي لا تقل خطراً عن ظاهرة الكذب، وهي متفشية في البيئات المتخلّفة التي لم تتخلق بأخلاق الإسلام، ولم تتربَّ على مبادئ التربية والإيمان..

ومن المعلوم بداهة أن الطفل منذ نشأته إن لم ينشأ على مراقبة الله والخشية منه، وإن لم يتعود على الأمانة وأداء الحقوق.. فإن الولد – لا شك – سيدرج على الغش والسرقة الخيانة، وأكل الأموال بغير حق، بل يكون شقيّاً مجرماً يستجير منه المجتمع، ويستعيذ من سوء فعاله الناس...

لهذا كان لزاماً على الآباء والمربين أن يغرسوا في نفوس أبنائهم عقيدة المراقبة لله، والخشية منه، وأن يعرفوهم بالنتائج الوخيمة التي تنجم عن السرقة وتستفحل بسبب الغش والخيانة، وأن يبصروهم بما أعد الله للمجرمين المنحرفين من مصير فاضح، وعذاب أليم يوم القيامة...

ومن المؤلم أن كثيراً من الأمهات والآباء لم يراقبوا أولادهم مراقبة تامة فيما يرونه معهم من أمتعة وأشياء ونقود.. فبمجرد أن يدعي الأولاد أنهم التقطوها من الشارع، أو أهداها لهم أحد الرفقاء.. صدَّقوهم، وأخذوا بأقوالهم الكاذبة، دون أن يكلّفوا أنفسهم مهمة التدقيق والتحقيق!!.. ومن الطبيعي أن يبرّر الولد لسرقته مثل هذه الادعاءات الباطلة مخافة الاتهام والفضيحة، ومن الطبيعي أن يتمادى الولد في الإجرام حين لم يجد من مربيه البحث الدقيق، والاهتمام البالغ...

والأقبح من ذلك أن يجد الولد من أحد أبويه من يدفعه إلى السرقة، ويشجّعه عليها.. فإن الولد – ولا شك – سيكون عريقاً في الإجرام، متمادياً في الانحراف واللصوصية..

وهل يُرجى لأطفال كمال

إذا ارتضعوا ثُديّ الناقصات

(حكمت إحدى المحاكم الشرعية على سارق بعقوبة القطع، فلما جاء وقت التنفيذ، قال لهم بأعلى صوته، قبل أن تقطعوا يدي اقطعوا لسان أمي، فقد سرقت أول مرة في حياتي بيضة من جيراننا فلم تؤنبني، ولم تطلب إليّ إرجاعها إلى الجيران، بل زغردت وقالت: الحمد لله، لقد اصبح ابني رجلاً، فلولا لسان أمي الذي زغرد للجريمة لما كنت في المجتمع سارقاً)[6].

وإليكم – يا معشر الآباء والأمهات – بعض النماذج في استقامة أبناء السلف الصالح، وفي حرصهم على أداء الحقوق، والتزامهم خُلق الأمانة، ومراقبتهم لله عز وجل في المتقلب والمثوى، والسر والعلانية.

- أصدر عمر رضي الله عنه قانوناً يمنع غش اللبن يخلط بالماء.. ولكن هل تستطيع عين القانون أن ترى كل مخالف وأن تقيض على كل خائن وغاشٍّ؟ القانون أعجز من هذا.. الإيمان بالله والمراقبة له هو الذي يعمل عمله في هذا المجال.. وهنا تحكي القصة المشهورة حكاية الأم وابنتها: الأم تريد أن تخلط اللبن طمعاً في زيادة الربح، والبنت المؤمنة تذكّرها بمنع أمير المؤمنين.

وتردّ الابنة بالجواب المفحم: إن كان أمير المؤمنين لا يرانا، فرَبُّ أمير المؤمنين يرانا!!.

- وقال عبد الله بن دينار: خرجتُ مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى مكة.. فانحدر بنا راعٍ من الجبل، فقال له عمر ممتحناً: يا راعي! بعني شاة من هذه الغنم، فقال: إن مملوك، فقال عمر: قل لسيدك أكلها الذئب. فقال الراعي: فأين الله؟ فبكى عمر رضي الله عنه ثم غدا مع المملوك، فاشتراه من مولاه وأعتقه، وقال له: أعتقتك في الدنيا هذه الكلمة، وأرجو أن تعتقك في الآخرة.

• أما ظاهرة السباب والشتائم فإنها من أقبح الظواهر المتفشية في محيط الأولاد، والمنتشرة في البيئات المتخلّفة عن هدي القرآن، وتربية الإسلام.. والسبب في ذلك يعود إلى أمرين أساسيين:

الأول – القدوة السيئة:

فالولد حينما يسمع من أبويه كلمات الفحش والسباب، وألفاظ الشتيمة والمنكر.. فإن الولد – لا شك – سيحاكي كلماتهم، ويتعود ترداد ألفاظهم...

فلا يصدر منه في النهاية إلا كلام فاحش، ولا يتلفّظ إلا بمنكر القول وزوره.

الثاني – الخلطة الفاسدة:

فالولد الذي يُلقى للشارع، ويترك لقرناء السوء، ورفقاء الفساد.. فمن البديهي أن يتلقن منهم لغة اللعن والسباب والشتيمة.. ومن الطبيعي أن يكتسب منهم أحطّ الألفاظ، وأقبح العادات والأخلاق، وينشأ على أسوأ ما يكون من التربية الفاسدة، والخلق الأثيم.

لهذا كله وجب على الآباء والأمهات والمربين جميعاً.. أن يعطوا للأولاد القدوة الصالحة في حسن الخطاب، وتهذيب اللسان، وجمال اللفظ والتعبير.. كما يجب عليهم أن يجنبوهم لعب الشارع، وصحبة الأشرار، وقرناء السوء حتى لا يتأثروا من انحرافهم، ويكتسبوا من عاداتهم.. ويجب عليهم كذلك أن بصروهم مغبّة آفات اللسان، ونتيجة البذاءة في تحطيم الشخصية، وسقوط المهابة، وإثارة البغضاء، والأحقاد بين أفراد المجتمع.

وأخيراً وجب على المربين أيضاً أن يلقنوا أولادهم الأحاديث التي تُحذِّر من السباب والشتائم، والتي تبيّن ما أعد الله للفحّاشين واللعّانين من إثم كبير، وعذاب أليم.. عسى أن ينزجروا بها، ويتأثروا بتوجيهاتها ومواعظها..

وإليكم بعض الأحاديث النبوية التي تنهى عن السباب، وتحذر من الشتائم:

- "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر" البخاري ومسلم وغيرهما.

- "إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه، قيل: يا رسول الله! كيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يسبّ الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه". البخاري وأحمد.

- "إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يُلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم" البخاري.

- "وهل يكُبّ الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم" أصحاب السنن وأحمد.

- "ليس المؤمن بالطعان ولا اللعّان ولا الفاحش ولا البذيء" رواه الترمذي.

فما أجمل الولد حين يتلفظ الألفاظ الجميلة، والكلمات الحلوة الطريفة، وما أحسنه حين يؤدب على المنطق الرصين، والتعبير الظريف!!.. وما أكرمه حينما يستهجن ما يسمعه من لغة اللعن والسبّ والبذاءة!!.. فلا شك أنه يكون ريحانة في البيت، وشامة في الناس.

وإليكم نموذجاً يبين ما كان عليه أولاد السلف من أدب الكلام، وحسن الخطاب، وجمال القول، لتعلموا – أيها الآباء – كيف كان الأولاد في الماضي يتحدثون ويتكلمون:

قَحطتِ البادية في أيام هشام بن عبد الملك، فقدمت القبائل إلى هشام، ودخلوا عليه، وفيهم "درواس بن حبيب" وعمره أربع عشرة سنة، فأحجم القوم، وهابوا هشاماً، ووقعت عين هشام على "درواس" فاستصغره، فقال لحاجبه: ما يشاء أحد أن يصل إليّ إلا وصل، حتى الصبيان؟!. فعلم "درواس" أنه يريده، فقال: يا أمير المؤمنين! إن دخولي لم يُخلّ بك شيئاً ولقد شرّفني، وإن هؤلاء القوم قدموا لأمر أحجموا دونه، وإن الكلام نشر، والسكوت طيّ، ولا يُعرف الكلام إلا بنشره، فقال هشام: فانشر لا أبّا لك!!.. وأعجبه كلامه.

فقال: يا أمير المؤمنين! أصابتنا ثلاث سنين: فسنة أذابت الشحم، وسنة أكلت اللحم، وسنة نقّت العظم، وفي أيديكم فضول أموال إن كانت لله ففرقوها على عباد الله المستحقين لها.. وإن كانت لعباد الله فعلامَ تحبسونها عنهم؟ وإن كانت لكم فتصدقوا بها عليهم فإن الله يجزي المتصدقين، ولا يضيع أجر المحسنين.

واعلم يا أمير المؤمنين: أن الوالي من الرعية كالروح من الجسد، لا حياة للجسد إلا به.

فقال هشام: ما ترك الغلام في واحدة من الثلاث عذراً، وأمر أن يقسم في باديته مائة ألف درهم، وأمر لدرواس بمائة ألف درهم.

فقال يا أمير المؤمنين: ارددها إلى أعطية أهل باديتي فإني أكره أن يعجز ما أمر لهم به أمير المؤمنين عن كفايتهم، فقال: فما لك من حاجة تذكرها لنفسك؟ قال: مالي من حاجة دون عامة المسلمين!.

• أما ظاهرة الميوعة والانحلال فهي من أقبح الظواهر التي تفشّت بين أولاد المسلمين وبناتهم في هذا العصر الذي يُلَقّب بالقرن العشرين، فحيثما أجلت النظر تجد كثيراً من المراهقين والشباب والمراهقات والشابات.. قد انساقوا وراء التقليد الأعمى، وانخرطوا في تيار الفساد والإباحية دون رادع من دين أو وازع من ضمير.. كأن الحياة في تصورهم عبارة عن متعة زائلة وشهوة هابطة ولذة محرمة... فإذا ما فاتهم هذا فعلى الدنيا السلام!!..

وقد ظن بعض ذوي العقول الفارغة أن آية النهوض بالرقص الماجن، وعلامة التقدم بالاختلاط الشائن، ومقياس التجديد بالتقليد الأعمى، فهؤلاء قد انهزموا من نفوسهم، وانهزموا من ذوات شخصياتهم وإرادتهم قبل أن ينهزموا في ميادين الكفاح والجهاد. فترى الواحدج من هؤلاء ليس له هم في الحياة إلا أن يتخنفس في مظهره، وأن يتخلّع في مشيته، وأن يتميّع في منطقه، وأن يبحث عن ساقطة مثله ليذبح رجولته عند قدمها، ويقتل شخصيته في التودد إليها.. وهكذا يسير من فساد إلى فساد، ومن ميوعة إلى ميوعة.. حتى يقع في نهاية المطاف في الهاوية التي فيها دماره وهلاكه..

ورحم الله من قال:

كل من أهمل ذاتيّتَه

فهو أولى الناس طُرّاً بالفناء

لن يرى من الدهر شخصيَّته

كل من قلّد عيش الغُرباء

ولا شك أن الرسول صلوات الله وسلامه عليه قد وضح للآباء والأولياء والمربين جميعاً المنهج العلمي، والمبادئ الصحيحة في تربية الولد على الخلق القويم، والشخصية الإسلامية المتميزة...

وإليكم أهم بنود هذا المنهج، وأميز هاتيك المبادئ:

1- التحذير من التشبه والتقليد الأعمى:

- روى البخاري ومسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "خالفوا المشركين: حفُّوا الشارب، وأعفوا عن اللحى" وفي رواية لمسلم "جزّوا الشارب، وأرخوا اللحى، وخالفوا المجوس".

- وروى الترمذي عنه عليه الصلاة والسلام: "ليس منا من تشبّه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى".

- وفي رواية لأبي داود: "من تشبه بقوم فهو منهم".

- وروى الترمذي عنه عليه الصلاة والسلام: "لا يكن أحدكم إمَّعةً يقول: أنا مع الناس، إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساءوا أسأت، ولكن وطّنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا أن تجتنبوا إساءتهم".

وعليك – أيها القارئ – أن تميز بين أمرين فيما نأخذ من عند الأجانب وفيما ندع:

الأول – الجواز: وذلك استمداد العلم المفيد، والحضارة النافعة كعلم الطب، والهندسة، والفيزياء، والكيمياء، ووسائل الحرب، وحقائق المادة، وأسرار الذرة.. وغيرها من الحضارات والعلوم النافعة لكونها تدخل في مفهوم قوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه ابن ماجة: "طلب العلم فريضة على كل مسلم"، وفي مضمون قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي والعسكري والقضاعي: "الحكمة ضالة كل حكيم، فإذا وجدها فهو أحق بها"، وفي عموم قوله تبارك وتعالى:

{وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة..} سورة الأنفال: 61.

الثاني – التحريم: وذلك في تقليد السلوك، والأخلاق، والعادات، والتقاليد، وجميع المظاهر الأجنبية عنا، والأوضاع المنافية لخصائص أمتنا، ومقومات أخلاقنا.. لكونها تؤدي إلى فقدان الذات، وذوبان الشخصية، وهزيمة الروح والإرادة، ونكسة الفضيلة والأخلاق.

2- النهي عن الاستغراق في التنعم:

- في الصحيحين عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كتب إلى المسلمين المقيمين في بلاد الفرس: "إيّاكم والتنعُّم وزيّ أهل الشرك".

- وفي رواية للإمام أحمد: "ذروا التنعم وزيّ أهل العجم".

- وروى الإمام أحمد وأبو نعيم عن معاذ بن جبل رضي الله عنه مرفوعاً: "إياكم والتنعم فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين".

والمقصود بالتنعم هو الاستغراق الزائد في الملاذ والطيبات، والتقلب الدائم في النعيم والترف.. ولا يخفى ما في هذه الظاهرة من إخلاد للراحة، وتقاعس عن واجب الدعوة والجهاد، وانزلاق في متاهات الميوعة والانحلال، وسبب لتفشي الأسقام والأمراض..

3- النهي عن الاستماع إلى الموسيقى والغناء الخليع:

- روى الإمام أحمد بن حنبل، وأحمد بن منيع، والحارث بن أبي أسامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله عز وجل بعثني رحمة وهدى للعالمين، وأمرني أن أمحق المزامير، والمعازف، والخمور، والأوثان التي تعبد في الجاهلية".

- وروى البخاري وأحمد وابن ماجة وغيرهم أنه صلى الله عليه وسلم قال: "ليكوننّ في أمتي أقوام يستحلون الحِرَّ[7]، والحرير، والخمر، والمعازف".

- وروى ابن عساكر في تاريخه، وابن صَصْري في أمياله عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "مَنْ قعد إلى قَيْنة يستمع منها صبّ الله في أذنيه الآنُك[8] يوم القيامة".

- وروى الترمذسي عن أبي موسى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من استمع إلى صوت غناء لم يؤذن له أن يستمع إلى صوت الروحانيين في الجنة".

ولا يخفى على كل ذي عقل وبصيرة ما في الاستماع إلى هذه المحرمات من أثر على أخلاق الولد، ومن جرّه إلى الترهل والفجور والمنكر، ومن انزلاقه في متاهات الشهوات والملذات!!..

ولا بد في المناسبة أن نذكر كلمة عن حكم الإسلام في اقتناء الجهاز التليفزيوني، ليكون الآباء على بينة وهدى من أمرهم، وعلى علم في أمر حِلِّه أو تحريمه:

"مما لا شك فيه أن اختراع هذه الوسائل الإعلامية من مذياع، وتلفزيون، وآلة تسجيل.. وغيرها تعد من أرقى ما وصل إليه العقل البشري في العصير الحديث، بل من أعظم ما أنتجته الحضاة المادية في الوقت الحاضر، وإنها سلاح ذو حدين: تستعمل للخير، وتستعمل للشر، ولا يختلف اثنان أن هذه الاختراعات المذكورة إن استخدمت في الخير، ونشر العلم، وتثبيت العقيدة الإسلامية، وتدعيم الأخلاق الفاضلة، وربط الجيل الحاضر بأمجاده وتاريخه، وتوجيه الأمة إلى ما يصلحها في أمور دينها ودنياها.. فلا يختلف اثنان في جواز اقتنائها واستعمالها، والاستفادة منها، والاستماع إليها.. أما إذا استعملت لترسيخ الفساد والانحراف، ونشر الميوعة والانحلال، وتحويل الجيل الحاضر إلى طريق غير الإسلام.. فلا يشك عاقل منصف يؤمن بالله واليوم الآخر بحرمة استعمالها، وإثم اقتنائها، ووزر من يستمع إليها.

ونحن لو تتبعنا برامج التلفزيون في بلادنا.. نجد أن أكثر هذه البرامج ترمي إلى هدر الشرف، وتوجه نحو الخنا والزنى، وتشجع على السفور والاختلاط والإباحية، والمفاسد الاجتماعية.. وقليل من برامجه ما يهدف إلى العلم، ويوجه إلى الخير.. وإذا كان الأمر كذلك فإن اقتناء التلفزيون، والنظر إليه، والاستماع إلى برامجه الحالية، يعد من أكبر الحرام، وأعظم الإثم.

وإليكم الدليل على ذلك:

(أ) أجمع العلماء والأئمة المجتهدون في كل العصور على أن مقاصد التشريع الإسلامي خمسة: حفظ الدين، وحفظ العقل، وحفظ النسب، وحفظ النفس، وحفظ المال، وقالوا: إن كل ما جاء في الشريعة الإسلامية من آيات قرآنية، وأحاديث نبوية ترمي إلى حفظ هذه الكليّات الخمس... وباعتبار أن أكثر برامج التلفزيون الحالية من أغان ماجنة، وتمثيليات خليعة، ودعايات مثيرة، وأفلام فاسدة.. تستهدف هدر الشرف، وضياع العِرض، والتشجيع على الزنى والفحشاء.. فإنه من المؤكد أن يحرّم الشرع النظر إليها، والاستماع لها لحفظ النسب والعرض، وبالتالي أن يُحرّم اقتناء الجهاز باعتبار أنه وسيلة إلى النظر والسماع.
(ب) روى مالك وابن ماجة والدارقطني عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا ضرر ولا ضرار". وباعتبار التلفزيون، يوجه في برامجه إلى الميوعة والانحلال، ويثير في المجتمع كوامن الغريزة والشهوة – كما هو مشاهد – فإنه يحرُم على المسلم أن يشتريه، ويدخله بيته، حفاظاً على عقيدة الأسرة وأخلاقها وصحتها، وقطعاً لدابر الأضرار التي تنجم عنه، وتطبيقاً لحديث "لا ضرر ولا ضرار".
(ج) إن أكثر البرامج الترفيهية التي تعرض على شاشة التلفزيون مصحوبة بالمعازف، والغناء الخليع، والرقص المصحوب بالخلاعة والتكشف. وباعتبار أن هذه الأمور محرمة – كما سبق بيانها – فيتبين من أدلة ما ذكرنا أن اقناء التلفزيون مُحرّم لما يصحب البرامج الترفيهية من معازف وموسيقى، وغناء ماجن متميع، ورقصات فاجرة داعرة. وبالتالي كان النظر لهذه البرامج محرماً كذلك لما لها من خطر كبير في تقويض دعائم التربية والأخلاق.."[9].

4- النهي عن التخنث والتشبه بالنساء:

- في الصحيحين عن سعيد بن المسيب قال: قدم معاوية المدينة، فَخَطَبنا، وأخرج كُبَّةً[10] من شَعْر فقال: ما كنت أرى أن أحداً يفعله إلا اليهود، إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه فسماه الزّور. وفي لفظ آخر لمسلم: إن معاوية رضي الله عنه قال ذات يوم: "إنكم قد أحدثتم زي سوء، وإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الزور".

- وروى البخاري وأبو داود والترمذي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لعن الله المخنثين من الرجال، والمترجلات من النساء". وفي لفظ عند أحمد وأبي داود وابن ماجة: "لعن الله المتشبهات من النساء بالرجال، والمتشبهين من الرجال بالنساء".

- وروى أبو داود بإسناد حسن عن علي رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ حريراً فجعله في يمينه وذهباً فجعله في شماله ثم قال: "إن هذين حرام على ذكور أمتي".

- وروى الترمذي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حُرّم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي، وأحِلّ لإناثهم".

فوضع الشعر المستعار، ولبس الذهب والحرير، وتشبه النساء بالرجال، وتشبه الرجال بالنساء، وخروج النساء كاسيات عاريات.. كل ذلك من مظاهر التخنث والميوعة، وكل ذلك قتل للرجولة، وامتهان للشخصية، وطعنة نجلاء للفضيلة والأخلاق، بل جرٌّ للأمة إلى انحلال فاجر، وإباحية ممقوتة، ودفع بالمراهقين والشباب نحو الفساد والميوعة، ومساوئ الأخلاق..

5- النهي عن السفور والتبرج والاختلاط والنظر إلى المحرمات:

قال تعالى في سورة الأحزاب:

{يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفوراً رحيماً} الأحزاب: 59.

وقال تعالى في سورة النور:

{قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم، إن الله خبير بما يصنعون. وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها، وليضربن بخمرهن[11] على جيوبهن، ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن...} النور: 30-31.

ولكن هل المرأة مأمورة شرعاً بستر وجهها؟

• فلنستمع أولاً: إلى ما قاله علماء التفسير من الصحابة والسلف في تفسير قوله تعالى: {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن} الأحزاب: 59.

- يروي ابن جرير الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما: [أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق الجلابيب ويبدين عيناً واحدة].

- ويروي ابن جرير عن ابن سيرين قوله: [سألت عبيدة بن الحارث الحضرمي عن قوله تعالى: {يدنين عليهن من جلابيبهن} .. قال: "فقال بثوبه (أي مثَّل بثوبه)، فغطى رأسه ووجهه، وأبرز ثوبه عن إحدى عينيه"].

- ويقول العلامة "ابن جرير الطبري" في تفسير هذه الآية:

{يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن...} الأحزاب: 59. [لا يتشبهن بالإماء في لباسهن إذا هن خرجن من بيوتهن لحاجتهن، فكشفن شعورهن ووجوههن، ولكن يدنين عليهن من جلابيبهن لئلا يعرض فاسق إذا علم أنهن حرائر بأذى من قول].

- ويكتب العلامة "أبو بكر الجصاص" فيقول: [في هذه الآية دلالة على أن المرأة الشابة مأمورة بستر وجهها عن الأجنبيين، وإظهار الستر والعفاف عند الخروج لئلا يطمع أهل الريب (الفساق) فيهن].

- ويكتب القاضي "البيضاوي" في تفسيره لقوله تعالى: {... يدنين عليهن من جلابيبهن...} [أي يغطين وجوههن وأبدانهن بملاحفهن إذا برزن لحاجة].

- وعن العلامة "النيسابوري" في تفسير الآية:

{يدنين عليهن من جلابيبهن} ...

[كانت النساء في أول الإسلام على عادتهن في الجاهلية مبتذلات يبرزن في درع وخمار من غير فصل بين الحرَّة والأمَة، فأمرن بلبس الأردية، وستر الرأس والوجوه].

يتضح من هذه الأقوال أن الصحابة رضوان الله عليهم، وجميع أهل التفسير والعلم متفقون على أن المرأة المسلمة مأمورة بمقتضى آية: {يدنين عليهن من جلابيبهن...} .. بارتداء الجلباب وستر وجهها عن الأجانب.

• ولنستمع ثانياً: إلى ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن نساء الصحابة في مسألة ستر المرأة المسلمة وجهها:

- جاء في سنن أبي داود والترمذي والموطأ للإمام مالك.. أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المُحرِمة في الحج أن لا تنتقب ولا تلبس القفازين، ويروي أبو داود: "ونهى النبي صلى الله عليه وسلم النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب[12]".

وهذا صريح الدلالة على أن النساء في عهد النبوة قد تعوّدن الانتقاب (الذي هو ستر الوجه)، ولبس القفازين عامة، فنهين عنه في الإحرام، وهذا ليس على إطلاقه كما دلت عليه الأحاديث التي سيأتي ذكرها الآن.

- ففي سنن أبي داود عن عائشة رضي الله عنها قالت: [كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم محرمات، فإذا جازوا بنا سَدَلَتْ إحدانا (أي غطّت) جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه].

- وفي الموطأ للإمام مالك، عن فاطمة بنت المنذر قالت: [كنا نخمر وجوهنا (أي نغطيها) ونحن محرمات، ونحن مع أسماء بنت أبي بكر الصديق، فلا تنكره علينا].

- وقد ورد في فتح الباري عن عائشة رضي الله عنها: [تسدل المرأة جلبابها من فوق رأسها على وجهها].

- وثبت في الصحاح أن امرأة مسلمة كانت تقضي بعض شؤونها في سوق بني قينقاع وكانت محجبة، فاعترضها رجل من اليهود وسخر منها ومن حجابها، ثم أراد منها اللعين أن يجبرها على كشف وجهها، ولكنها رفضت واستغاثت، فكرَّ على اليهودي رجلٌ من المسلمين فقتله جزاء ما اقترفت يداه الآثمتان!!.

يتضح من هذه الأحاديث الصحيحة أن نساء الرسول صلى الله عليه وسلم ونساء الصحابة.. كن يسترن وجوههن إذا خرجن في بعض حوائجهن ولو كن محرمات.. اعتقاداً منهن أن الستر واجب أمر به الشرع الحنيف.

• ولنستمع ثالثاً: إلى ما قاله الأئمة المجتهدون الثقات في قضية كشف وجه المرأة:

ذهب جمهور الأئمة المجتهدين الأعلام، وعلى رأسهم: الشافعي، وأحمد، ومالك... إلى أن وجه المرأة عورة، وأن ستره واجب، وأن كشفه حرام، وحجتهم في ذلك ما ثبت عن الصحابة والسلف في أن الآية: {يدنين عليهن من جلابيبهن}... تأمر بستر الوجه، ويؤكد ذلك فعل نساء الصحابة اللواتي كن يخرجن لبعض شؤونهن وهن ساترات الوجوه، وسادلات النقاب، وتفسير الصحابة والتابعين الآية: {يدنين عليهن من جلابيبهن} .. التي سبق شرحها وتفسيرها.

وقد جاء ذلك بالأدلة التفصيلية القاطعة.

أما فقهاء الحنفية ومن رأى رأيهم فقد ذهبوا إلى أن وجه المرأة ليس بعورة، وأن كشفه يجوز إذا لم يترتب على الكشف فتنة، وأما إذا ترتب فتنة فإن كشفه حرام سدّاً للذريعة، ودرءاً للمفسدة.

ولعل أظهر الأدلة التي احتجوا بها على دعم مذهبهم هي:

- حديث الفضل بن عباس الذي كان رديف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، وقد مرَّ بجانبه نساء مُحْرِمات، فطفق الفضل ينظر إليهن، فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على وجه الفضل، فحول الفضل وجهه إلى الشق الآخر..

والحديث صحيح رواه مسلم وأبو داود وابن ماجة... ووجه استدلالهم: لو أن وجه المرأة عورة لما كشف النساء وجوههن، ولما نظر الفضل إليهن..

- وحديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما: حدثنا الوليد عن سعيد بن بشير عن قتادة عن خالد بن دريك عن عائشة رضي الله عنها أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها وقال: "يا أسماء! إن المرأة إذا بلغت المحيض (أي سن البلوغ) لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا" وأشار عليه الصلاة والسلام إلى وجهه وكفيه.

ولكن جمهور الفقهاء أجابوا على الحديثين المذكورين بما يلي:

أولاً: أن حديث "الفضل بن عباس" ليس فيه دليل على جواز كشف الوجه للمرأة أمام الأجنبي، لأن النساء اللواتي نظر الفضل إليهن كن محرمات في الحج، ويجوز للمرأة المحرمة كشف وجهها ويديها للحديث الذي سبق ذكره: "لا تنتقب المرأة، ولا تلبس القفازين". ومفاد الحديث أنها في حال غير الإحرام تنتقب، وتلبس القفازين.

ثانياً: أن حديث أسماء الذي استدلوا به على جواز كشف الوجه مرسل، ومعنى الإرسال: انقطاع السند.

يقول "ابن كثير" في تفسيره ج 3 ص (283): [قال أبو داود وأبو حاتم الرازي هو (أي حديث أسماء) مرسل، خالد بن دريك لم يسمع من عائشة رضي الله عنهما].

وكثير من أهل العلم يحكمون على الحديث المرسل بالضعف، وإذا كان الحديث ضعيفاً لم ينهض حجة على الاستدلال، ولم يعتبر بحال في استنباط الأحكام.

ويتضح مما قاله الأئمة المجتهدون أن وجه المرأة عورة، وأن ستره واجب، وأن كشفه حرام، حتى فقهاء الحنفية الذين ذهبوا إلى جواز الكشف فإنهم قيدوه بأمن الفتنة.

وهل أحد من الناس ينكر إشاعة الفساد والفتنة في المجتمع الذي نتخبط فيه، وفي المحيط الذي نتعايش معه؟!.. فإذا كان الأمر كذلك فعلى الأب الغيور أن يأمر أهله وبناته بأن يسدلن على وجوههن امتثالاً لأمر الله سبحانه، وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام.. وتأسياً بنساء الصحابة الصينات الطاهرات، واتباعاً لما قرره الأئمة المجتهدون الثقات.. والمسلم – أيها المربي – عليه أن يحتاط لدينه وعرضه، وأن يأخذ دائماً بجانب الأتقى والأورع.. إن أراد أن يكون يوم القيامة مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.

أما ما ورد في النهي عن التبرج وإظهار محاسن المرأة فهو ما يلي:

- روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مائلات[13] مميلات، كأسنمة[14] البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا".

- قال تعالى:

{وقَرْنَ في بيوتكن ولا تبرجْن تبرج الجاهلية الأولى...} الأحزاب: 33.

- وقال سبحانه: {والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحاً فليس عليهن جُناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خيرٌ لهن والله سميع عليم} النور: 59.

أما ما ثبت في النهي عن الاختلاط بين الجنسين فهو ما يلي:

قال الله تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم... وقل للمؤمنات يغضنن من أبصارهن ويحفظن فروجهن...} النور: 30.

فكيف نتصوَّر غض البصر لكل من الرجل والمرأة وهما مجتمعان في مكان واحد، فالآية إذن في مدلولها تنهى عن الاختلاط وتحرمه.

- وقال أيضاً في آية أخرى: {وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن} الأحزاب: 53.

- وروى الترمذي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يخلُوَنَّ رجل وامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما".

- وجاء في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إياكم والدخول على النساء، فقال رجل: يا رسول الله! أفرأيت الحمو (أي قريب الزوج)؟ قال: الحمو الموت".

- وجاء في الصحيحين أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يخْلُوَنَّ أحدكم بامرأة إلا مع ذي محرم".

أما ما ورد في تحريم النظر إلى المرأة الأجنبية فهو ما يلي:

- قال تعالى في سورة النور:

{قل للؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم...} النور: 30.

- وقال في سورة الإسراء:

{إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا} الإسراء: 36.

- وروى مسلم عن جرير رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفَجْأة فقال: "اصرف بصرك".

- وروى أبو داود والترمذي عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعنده ميمونة، فأقبل ابن أم مكتوم – وذلك بعد أن أمرنا بالحجاب – فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "احتجبا منه، فقلنا: يا رسول الله أليس هو أعمى: لا يبصرنا، ولا يعرفنا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أفعمياوان أنتما، ألستما تبصرانه؟!".

- وروى البخاري ومسلم عن أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إياكم والجلوس في الطرقات!" قالوا: يا رسول الله مالنا من مجالسنا بُدّ: نتحدث فيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه"، قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال "غضّ البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر".

فمن المعلوم بداهة أن المجتمعات الإنسانية بأسرها، والأمم البشرية برمتها.. بشيبها وشبابها، ورجالها ونسائها، وحكامها ومحكوميها.. حينما تأخذ بهذه المبادئ الخالدة، وتسير على هذه المفاهيم القيمة، وتبتعد عن كل ما يؤذي الفضيلة والأخلاق من سفور، وتبرج، واختلاط، ونظر إلى المحرمات.. فلا شك أن هذه المجتمعات والأمم ترفل في رياض الطهر والفضيلة، وترتع في ظلال الأمن والاستقرار، وتصل إلى ذروة المجد والسعادة.. لأنها سارت في الطريق الذي خطه الله لها، وطبقت المنهج الذي فرضه الإسلام عليها، وصدق الله العظيم القائل:

{وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرَّقَ بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون} الأنعام: 153.

وهذا ما تحقق لأمتنا الإسلامية في كل العصور التاريخية عبر القرون.. وما ذاك إلا بفضل التعاليم القرآنية التي أنزلها الله لتكون للعالمين بشيراً ونذيراً وللأجيال هدىً ونوراً..

وصدق الله العظيم القائل في محكم تنزيله:

{إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذي يعملون الصالحات أن لهم أجراً كبيراً} الإسراء: 09.

تلكم – أيها الآباء والمربون – أهم القواعد التربوية، والمناهج العملية التي وضعها الإسلام لسلامة أخلاق الولد، وتنمية شخصيته المتميزة، وتعويده على الجدّية والرجولة ومكارم الأخلاق.. فما عليكم إلا أن تربوا أبناءكم عليها، وتأخذوا بتوجيهاتها وإرشاداتها.. حتى ينشؤوا على الفضائل الخُلقية، والمكارم الذاتية، والآداب الاجتماعية.. ويكونوا شامة في الناس!! .. وهل هناك مبادئ تربوية في تربية شخصية الولد وإعداده لمسؤوليات الحياة مثل هذه المبادئ التي وضعها الإسلام، وشرعها الرسول عليه الصلاة والسلام؟

ومن الذي يقول إنّ الإغراق في التنعم، والتقلب في الرفاهية لا يضر بشخصية الولد؟ ومن الذي يقول إنّ الاسترسال وراء الشهوات والملذات لا يضر بشخصية الولد؟

ومن الذي يقول إنّ الاستماع إلى الأغاني الخليعة، والموسيقى الراقصة المثيرة لا يضر بشخصية الولد؟

ومن الذي يقول إن ظاهرة السفور والتبرج والاختلاط لا تضر بشخصية الولد؟

ومن الذي يقول إنّ التخنث والتشبه بالنساء، والتميع بالكلام لا يضر بشخصية الولد؟

إن رجالات التربية، وعلماء النفس والأخلاق كادوا يكونون مجمعين على أن هذه الظواهر من أفتك الأوبئة في إضعاف الذاكرة، وتحطيم الشخصية، وتمييع الخلق، وقتل الرجولة، ونشر الأمراض، والقضاء على فضيلة الشرف والعفاف...

- يقول الدكتور "ألكس كارليل" في كتابه "الإنسان ذلك المجهول": (عندما تتحرك الغريزة الجنسية لدى الإنسان تفرز نوعاً من المادة التي تتسرب بالدم إلى دماغه وتخدّره، فلا يعود قادراً على التفكير الصافي).

- وذكر "جورج بالوشي" في كتابه "الثورة الجنسية" ما يلي: (وفي سنة 1962 صرح "كندي" بأن مستقبل أمريكا في خطر لأن شبابها مائع منحلّ غارق في الشهوات لا يقدر المسؤولية الملقاة على عاتقه، وأن من بين كل سبعة شبان يتقدمون للتجنيد يوجد ستة غير صالحين، لأن الشهوات التي أغرقوا فيها أفسدت لياقتهم الطبية والنفسية).

- ونقلت جريدة الأحد اللبنانية في العدد ذي الرقم (650) عن المربية الاجتماعية "مرغريت سميث" حديثاً قالت فيه: (إن الطالبة في المدرسة والجامعة لا تفكر إلا بعواطفها والوسائل التي تتجاوب مع هذه العاطفة.. إن أكثر من ستين بالمئة من الطالبات سقطن في الامتحانات، وتعود أسباب الفشل أنهن يفكرن في الجنس أكثر من دروسهن وحتى مستقبلهن...).

فما على المسؤولين من آباء ومربين إلا أن يبعدوا أولادهم عن كل مظاهر التميع والانحلال، وأن يسعوا جهدهم لكي يغرسوا في نفوسهم أنبل معاني الكرامة والشخصية والخلق العظيم!!..

وأخيراً علينا ألاّ نغفل دور المراقبة الدقيقة والمسؤولية الكبيرة في تقويم أخلاق الولد، وإصلاح نفسه، وتنمية شخصيته...

ولو أردنا أن نفتش الأسباب التي تؤدي إلى انحلال الولد خُلقياً، وانحرافه سلوكياً لوجدناها متحققة في إغفال مراقبة الآباء لأبنائهم، والتخلّي عن تربيتهم وتوجيههم..

وإليكم بعض الأسباب في انحراف الولد الخلقي، وانحلاله السلوكي:

• فالأب الذي يرخي لأولاده العنان في أن يخالطوا من قرناء السوء، ورفقاء الشر ما شاءوا وما أرادوا دونما سؤال ولا رقيب.. فلا شك أن الأولاد سيتأثرون بمخالطتهم ويكتسبون الكثير من انحرافاتهم، وسوء أخلاقهم..

• والأب الذي يسمح لأولاده أن يشاهدوا الأفلام الغرامية التي توجه إلى الميوعة والانحلال، والأفلام البوليسية التي تحض على الانحراف والإجرام، وهي بتأثيرها تفسد الكبار فضلاً عن الصغار.. لا شك أن هذا الأب يقذف بأولاده – من حيث يشعر أو لا يشعر – إلى هاوية سحيقة ستؤدي بهم حتماً إلى هلاك محقق، ودمار محتوم.

• والأب الذي يترك المجال لأولاده ليروا من شاشة التلفزيون المناظر المثيرة، والتمثيليات الماجنة، والدعايات الفاجرة.. لا شك أن الأولاد سيتربون على الميوعة، ويدرجون على الانحلال، ويفقدون في نفوسهم أنبل معاني الرجولة والنخوة، والأدب الإسلامي الكريم.

• والأب الذي يسمح لأولاده بشراء المجلات الماجنة، ومطالعة القصص الغرامية، واقتناء الصور العارية.. لا شك أن الأولاد سيسيرون في طريق الفحشاء والمنكر، ويتلقنون دروس الصداقات المشبوهة، والارتباطات الجنسية الآثمة...

• والأب الذي يتساهل في حجاب أهله وبناته، ويتغاضى عن سفورهن وتبرجهن، ويتغافل عن مصاحبتهن ومخالطتهن، ويفسح لهن المجال في أن يخرجن بالأزياء المغرية، والعورات المكشوفة.. لا شك في أن هؤلاء البنات سيعتدن حياة الفجور والمنكر، ويقعن في حبائل الغواية والفسوق.. وربما آل الأمر في نهاية المطاف إلى انتهاك العرض، وتلويث الشرف، وهدر العفاف.. وعندئذ لا ينفع الندم ولا البكاء..

أتبكي على لُبنى وأنت قتلْتَها

لقد ذهبت لُبْنى فما أنت صانع؟

• والأب الذي لا يراقب أولاده وبناته وقت ذهابهم إلى المدرسة أو رجوعهم منها، فلا شك أن الأولاد يجدون من الإهمال ما يدفعهم إلى ارتياد الأماكن الموبوءة بحجة المدرسة.. وكم سمعنا عن بنات وقعن في حبائل الفاحشة والزنى، وأصبحن مدنسات السمعة والشرف، والأسرة لم تعلم بهذا إلا بعد الافتضاح، وظهور معالم الجريمة؟!..

وبعد الذي عرفتمون من أن الأخلاق ثمرة من ثمرات الإيمان الراسخ في تقويم اعوجاج أبناءكم.

وبعد الذي قرأتموه من الظواهر القبيحة التي يجب أن يبتعد عنها أفلاذ أكبادكم.

وبعد الذي سمعتموه من وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم في حسن الخلق، وطيب المعاملة.

بعد كل هذا.. فليس أمامكم من سبيل إلا أن تعقدوا العزم وتشحذوا الهمة.. لتقوموا بواجبكم الأكمل تجاه من لهم عليكم حق التربية والتعليم والرعاية..

واعلموا أنكم إن قصرتم في حق أولادكم وتلامذتكم من الناحية الخلقية، فإن مَنْ لهم عليكم حق التربية سينشؤون – لا شك – على الميوعة والانحلال ويتربون على الفساد وسوء الخلق.. وعندئذ يصبحون خطراً على الأمن والاستقرار، ويكونون أداة هدم وتخريب لكيان المجتمع.. بل أبناء المجتمع يستجيرون من أعمالهم الإجرامية ومفاسدهم الخلقية والاجتماعية..

فراقبوا الله في أولادكم، وأدوا ما عليكم من واجب، وابذلوا ما استطعتم من جهد، واضطلعوا بما حُملتم من مسؤولية، فإن أديتم الأمانة على الوجه الصحيح فسوف ترون أولادكم رياحين في البيت لها عبيق وأريج، وبدوراً في المجتمع لها نور وضياء، وملائكة على الأرض يمشون هادين مطمئنين. {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون} التوبة: 105.

[1] الندام: المنادمة والمجالسة على شرب الخمر.

[2] من كتاب "الإيمان والحياة" للأستاذ القرضاوي صفحة: 210 مع بعض التصرف.

[3] نخله: أي أعطاه.

[4] يعق عنه: أي يذبح عنه.

[5] هاك: أي أقبل وخذ شيئاً.

[6] من كتاب أخلاقنا الاجتماعية للسباعي رحمه الله ص 162.

[7] الحِرَّ: الفرج، والمراد به استحلال الزنا.

[8] الآنك: الرصاص المذاب.

[9] من نشرة صدرت باسم العلماء في "حكم الإسلام في اقتناء التلفزيون". ومن أراد التوسع في هذا فليرجع إلى كتابنا "حكم الإسلام في وسائل الإعلام" فإنّ فيه ما يشفي الغليل إن شاء الله.

[10] كبة: هي الشَّعْر المكفوف بعضه على بعض، وهو الشعر المستعار الذي يضعه بعض الرجال والنساء على رؤوسهم، وهو ما يسمى "بالبروكة" اليوم.

[11] الخمار: هو ما يستر الرأس والنحر والعنق.

[12] النقاب: ستر الوجه، والقفازان: ستر اليدين بالكفوف.

[13] أي: مائلات في مشيتهن، ومميلات لقلوب الرجال بإثارتهن وخلاعتهن.

[14] المراد أنهن يصففن الشعور فوق الرأس حتى تبدو كأنها سنام الجمل.

الفصل الثالث - مسؤولية التربية الجسمية

وجوب النفقة على الأهل والولد

ومن المسؤوليات الكبرى التي أوجبها الإسلام على المربين من آباء وأمهات ومعلمين.. مسؤولية التربية الجسمية، لينشأ الأولاد على خير ما ينشؤون عليه من قوة الجسم، وسلامة البدن، ومظاهر الصحة والحيوية والنشاط..

وإليكم – أيها المربون – المنهج العلمي الذي رسمه الإسلام في تربية الأولاد الجسمية، لتعلموا ضخامة الأمانة الملقاة على عاتقكم، ومعالم هذه المسؤولية التي أوجبها الله عليكم:

1- وجوب النفقة على الأهل والولد.

لقوله تبارك وتعالى:

{وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} البقرة: 233.

ولقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه مسلم: "دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة[1]، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك.. أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك".

وإذا كان للأب الأجر والمثوبة في التوسعة على الأهل، والإنفاق على العيال.. فإن عليه بالتالي الوزر والإثم إذا أمسك عن الإنفاق، وقتّر على الأهل والأولاد وهو مستطيع.. اسمعوا إلى ما يقوله عليه الصلاة والسلام في حق المضيّعين لعيالهم، والمُمسكين عن نفقة أهلهم وأولادهم، وذلك في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره: "كفى بالمرء إثماً أن يضيّع من يقوت"، وفي رواية لمسلم: "كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمّن يملك قوته". ومن النفقة على العيال تهيئة الأب لأهله وعياله الغذاء الصالح، والمسكن الصالح، والكساء الصالح.. حتى لا تتعرض أجسامهم للأسقام، وتنهك أبدانهم الأوبئة والأمراض..

[1] في رقبة: أي في اعتاق عبد أو أمة.

اتباع القواعد الصحية في المأكل والمشرب والنوم

لتصبح لدى الأولاد عادة وخلقاً.

فمن هديه عليه الصلاة والسلام في الطعام: الاحتماء من التخمة، والنهي عن الزيادة في الأكل والشرب على قدر الحاجة.. روى الإمام أحمد والترمذي وغيرهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما ملأ آدمي وعاءاً شرّاً من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا بد فاعلاً، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفَسه".

ومن هديه صلوات الله وسلامه عليه في الشراب: الشرب مثنى وثلاث، والنهي عن التنفس في الإناء، والشراب قائماً..

- روى الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تشربوا واحداً كشرب البعير، ولكن اشربوا مثنى وثلاث، وسمّوا إذا أنتم شربتم واحمدوا إذا أنتم رفعتم".

- وفي الصحيحين عن أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم: "نهى أن يُتنفّس في الإناء"، وفي رواية للترمذي: "نهى أن يُتنفس في الإناء أو ينفخ فيه".

- وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يشربنّ أحدكم قائماً، فمن نسي فليستقئ".

ومن هديه صلى الله عليه وسلم في النوم: النوم على الجانب الأيمن، لأن النوم على الجانب الأيسر يضر بالقلب، ويعيق التنفس.. روى البخاري ومسلم عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أتيت مضجعك فتوضأ للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، وقل: "اللهم أسلمت وجهي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضتُ أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي أرسلت"، واجعلهن آخر ما تقول".

التحرز من الأمراض السارية المعدية

للأحاديث التالية:

- روى مسلم وابن ماجة وغيرهما من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه كان في وفد ثقيف رجل مجذوم، فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم: "ارجع فقد بايعناك".

- وروى البخاري في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "فرّ من المجذوم فرارك من الأسد".

- وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يوردنّ ممرض على مُصحٍّ". لذا كان لزاماً على المربين – ولا سيما الأمهات – إذا أصيب أحد أولادهم بمرض مُعْدٍ أن يعزلوه عن بقية الأولاد، حتى لا ينتشر المرض، ويستفحل الوباء.. فما أعظم هذا الهدي النبوي في تربية الأجسام، والحفاظ على صحة الأبدان!!.

معالجة المرض بالتداوي

لما للتداوي من أثر كبير في دفع البلاء، وتحقيق الشفاء..

ولقد جاء الأمر بالتداوي في أحاديث كثيرة، نجتزئ منها ما يلي:

- روى مسلم وأحمد وغيرهما عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لكل داء دواء، فإذا أصاب الدواء الداء برأ بإذن الله عز وجل".

- وفي مسند الإمام أحمد، وفي النسائي، وغيرهما عن أسامة بن شريك قال: "كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم، وجاءت الأعراب، فقالوا: يا رسول الله! أنتداوى؟ فقال: نعم يا عباد الله تداوَوْ، فإن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له شفاء، غير داء واحد، قالوا: ما هو؟ قال: الهرم".

- وروى الإمام أحمد والترمذي وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنهما قال: "قلت: يا رسول الله! أرأيت رُقىً نسترقيها، ودواء نتداوى به، وتقاةً نتقيها هل تردّ من قدر الله شيئاً؟ فقال عليه الصلاة والسلام: هي من قدر الله". فما على الآباء والمربين إلا أن يأخذوا بتوجيهات النبي صلى الله عليه وسلم في شأن الاهتمام بأولادهم حين يصابون، وبمعالجتهم حين يمرضون.. لأن الأخذ بالأسباب والمسببات من مقتضيات الفطرة، ومن صميم مبادئ الإسلام!!..

تطبيق مبدأ "لا ضرر ولا ضرار"

لما روى مالك، وابن ماجة، والدارقطني عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا ضرر ولا ضرار".

فهذا الحديث الشريف عدّه الفقهاء والأصوليون قاعدة شرعية من أهم القواعد التي قررها الإسلام، وينبني عليها أمور كثيرة في الحفاظ على كيان الفرد والمجتمع، وفي دفع الضرر عن الناس..

وبناء على هذه القاعدة وجب على المربين – ولا سيما الأمهات – أن يرشدوا أولادهم إلى التقيد بالتعاليم الصحية، والوسائل الوقائية في الحفاظ على صحة الولد، وتنمية قوته الجسدية.. وعليهم كذلك أن يستعينوا بالمختصين فيما يجب اتخاذه لوقاية الجسم من الآفات المرضية، والأمراض السارية..

- فإذا كان أكلُ الفواكه فجّة تؤذي الجسم، وتسبب المرض.. فعلى المربين أن يرشدوا الأولاد إلى أن يعتادوا أكل الفواكه ناضجة.

- وإذا كان أكل الخضار والثمار قبل غسلها يؤدي إلى آفات مرضية.. فعلى المربين أن يرشدوا أولادهم إلى أن يعتادوا أكل الخضار والثمار بعد غسلها.

- وإذا كان إدخال الطعام على الطعام يسبب أمراضاً في المعدة وفي جهاز التنفس وجهاز الهضم.. فعلى المربين أن يرشدوا الأولاد إلى أن يعتادوا الطعام في أوقات مخصوصة.

- وإذا كان تناول الطعام باليدين قبل غسلهما يؤدي إلى انتشار المرض، فعلى المربين أن يرشدوا الأولاد إلى تطبيق هدي الإسلام في غسل اليدين قبل الطعام وبعده.

- وإذا كان النفخ في الإناء وفي الملعقة يؤدي إلى أضرار جسمية، فعلى المربين أن يمنعوا أولادهم عن هذه العادة الؤذية.. وهكذا، حينما يأخذ المربون بمثل هذه التعليمات الطبية، ويعوّدوا أولادهم على التقيد بهذه الإرشادات الصحية.. فلا شك أن الأولاد ينشؤون على الصحة الكاملة، ويترعرعون على سلامة الجسم، وقوة البدن، وظاهرة الحيوية والنشاط!!..

تعويد الولد على ممارسة الرياضة وألعاب الفروسية

تحقيقاً لقوله تبارك وتعالى:

{وأعِدُّوا لهم ما استطعتم من قوة...} الأنفال: 60.

وتنفيذاً لأمره عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه مسلم: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف..".

ومن أجل هذا دعا الإسلام إلى تعليم السباحة والرمي وركوب الخيل، وذلك من التوجيهات النبوية التالية:

- روى الطبراني بإسناد جيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كل شيء ليس من ذكر الله فهو لهو أو سهو إلا أربع خصال: مشي الرجل بين الغرضين (للرمي)، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، وتعليمه السباحة".

- وروى مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا قوله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} ثم قال: "ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي".

- وروى البزار والطبراني بإسناد جيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "عليكم بالرمي فإنه من خير لهوكم".

- وروى البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمر على أصحابه في حلقات الرمي، فيشجعهم ويقول لهم: (ارموا وأنا معكم كلكم).

- وجاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن للحبشة أن يلعبوا بحرابهم في مسجده الشريف، وأذن لزوجه عائشة رضي الله عنها أن تنظر إليهم، وهو يقول لهم: (دونكم ما بني أرْفِدَة[1]) وبينما هم يلعبون عند النبي صلى الله عليه وسلم بحرابهم دخل عمر فأهوى إلى الحصباء فحصبهم بها، فقال عليه الصلاة والسلام: (دعهم يا عمر)[2].

وروى أصحاب السنن والإمام أحمد عنه عليه الصلاة والسلام: "لا سَبَق (أي لارهان) إلا في خُفّ أو حافر أو نصل (أي سهام)" لما لهذا الرهان[3] من أثر في إعداد وسيلة الحرب والجهاد.

[1] أرفدة: كنية ينادى بها أبناء الحبشة عند العرب.

[2] وإنها لسماحة كريمة من رسول الإسلام يُقِرّ مثل هذا التدريب في مسجده الشريف، ليبين لكل ذي عينين أن المسجد في الإسلام يجمع بين العبادة والإعداد للجهاد، ويحقق تربية الفرد ومصلحة الإسلام..

[3] الرهان المباح هو ما كان بذله من غير المتسابقين أو من أحدهما فقط، أما إذا كان الرهان من المتسابقين فهو يدخل في القمار المحرم، وصورته: أن يقول أحد المتسابقين للآخر: إن سبقتني أعطيتك كذا من مال أو جائزة، وإن سبقتك تعطيني كذا من مال أو جائزة.. فهذه الصورة محرمة.

تعويد الولد على التقشف وعدم الإغراق في التنعم

ليقوم في سن الرشد والبلوغ بواجب الجهاد، والدعوة إلى الله على أحسن وجه، وأنبل معنى..

ولقد جاءت الدعوة إلى التقشف، والتربية على حياة الخشونة في أكثر من حديث:

- روى الإمام أحمد وأبو نعيم عن معاذ بن جبل رضي الله عنه مرفوعاً: "إياكم والتنعّم فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين".

- وروى الطبراني وابن شاهين وأبو نعيم عن القعقاع بن أبي حَدْرَد مرفوعاً "تمعدَدْوا، واخشوشنوا، وانتضلوا"[1].

ويكفي الرسول صلوات الله وسلامه عليه قدوة وأسوة في تقلّبه في حياة الخشونة والتقشف.. في المطعم.. في الملبس.. في المسكن.. لتتأسى الأجيال المسلمة به، وتمشي على هديه وسننه.. حتى تكون دائماً في حال يهيؤ واستعداد واستنفار لكل ما يعترضها من أحداث، وما ينزل في ساحتها من نوازل..

ومن الملاحظ أن أمة الإسلام حينما تتقلب في النعيم، وتسترسل في الملاذ والطيبات، وتنام على الديباج والحرير، وتغريها الحضارة المادية ببريقها ومظاهرها.. فسرعان ما تنهار، وتستسلم لضربات الأعداء، وسرعان ما تخمد في نفوس شبابها روح المصابرة والمرابطة والجهاد في سبيل الله.. وما سقوط الأندلس في التاريخ عن الأذهان ببعيد!!..

[1] تمعددوا: انتسبوا إلى جدكم معد بن عدنان في خشونة العيش والفصاحة.

اخشوشنوا: تربوا على حياة الخشونة والتقشف.

انتضلوا: ارموا بالسهام للإعداد والتعويد.

تعويد الولد على حياة الجد والرجولة والابتعاد عن التراخي والميوعة والانحلال

وذلك للإرشادات النبوية التالية:

- روى مسلم في صحيحه عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: "احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز..".

- وروى الطبراني بإسناد جيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كل شيء ليس من ذكر الله فهو لهو أو سهو إلا أربع خصال: مشي الرجل بين الغرضين (أي الرمي)، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، وتعليمه السباحة".

- وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يزني الرجل حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن"، وزاد النسائي في روايته: "فإذا فعل ذلك فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه".

- وروى مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات.. رؤوسهن كأسنمة البُخْت[1] المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا".

فهذا غيض من فيض مما وجه إليه رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.. وهي – كما رأيت – توجيهات قيمة تدعو إلى حياة الجد والرجولة، وتحذر من الميوعة والانحلال.. ومن المعلوم بداهة أن الولد إذا نشأ على الميوعة والانحلال، وتربى على الفجور والمنكر، ودرج على الهزل وعدم الاكتراث.. فإن شخصيته تتحطم، ونفسيته تتعقد، وجسمه يتعرض لأخطر الأسقام والأمراض.

لهذا كله كان لزاماً على المربين – ولا سيما الأمهات – أن يتعهدوا أولادهم منذ الصغر، وأن يغرسوا في نفوسهم أنبل معاني الرجولة والخشونة والإباء والشمم والخلُق العظيم.

وعليهم كذلك أن يبعدوهم عن كل ما يحطم الرجولة والشخصية، ويقتل الفضيلة والأخلاق، ويوهن العقل والجسد.. فإن في ذلك – ولا شك – سلامة لتفكيرهم وقوة لأبدانهم، وحفظاً لأخلاقهم، وسموّاً لأرواحهم، وحافزاً قويّاً لتحقيق آمالهم وأمانيهم..

تلكم هي – أيها المربون – أهم الأسس التي رسمها الإسلام في تربية الأولاد الجسمية..

فإن أعرتموها اهتمامكم، وأوليتموها عنايتكم تمتع الجيل الذي تقومون على توجيهه وتربيته بالقوة والصحة والحيوية والنشاط، وتكونون بالتالي قد قمتم بأداء الأمانة الملقاة على عاتقكم، وحققتم المسؤولية التي أوجبها الله عليكم، ولقيتم الله سبحانه يوم القيامة بوجه أبيض في مجمع من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً!!.

وهناك ظواهر خطيرة نلمحها في محيط الصغار والكبار، والمراهقين والشباب، وجب على المربين – ولا سيما الآباء – أن ينتبهوا لها، ويدركوا أضرارها وأخطارها، ويكشفوا لمن لهم عليهم حق التربية عن شرورها وآفاتها.. حتى لا يقعوا في حبائلها ويكتووا بنارها، ويتيهوا في منعطفاتها ودروبها..

وفي تقديري أن هذه الظواهر المتفشية في الصغار والمراهقين والشباب تتركز في الأمور التالية:

1- ظاهرة التدخين.
2- ظاهرة العادة السرية.
3- ظاهرة المسكرات والمخدرات.
4- ظاهرة الزنى واللواط.

وسأتكلم – بعون الله – عن كل ظاهرة من هذه الظواهر الأربع بشيء من البيان والتفصيل.

1- ظاهرة التدخين:

من المشاهد في واقعنا الاجتماعي الأليم أن ظاهرة التدخين هي أكثر انتشاراً، وأوسع تناولاً من أية ظاهرة أخرى.. فحيثما قلّب الإنسان النظر يجد هذه العادة الذميمة متفشية في ربوع المجتمع على اختلاف المستويات، وفي كافة الطبقات صغاراً وكباراً، رجالاً ونساء، شيباً وشباناً، ولم ينْجُ منها إلا منْ غلّب الإرادة على الهوى، والعقل على العاطفة، والمصلحة على المفسدة.. وقليل ماهم.

ولكي نوفّي هذه الظاهرة حقها، ونحيط بها من جميع جوانبها يحسن التكلم عنها في أمور ثلاثة:

1- الأضرار التي تنجم عنها.
2- حكم الشرع فيها.
3- كيف نعالجها؟

أما فيما يتعلق بالأضرار التي تنجم عنها فيمكن أن نحدد الضرر بشيئين هامين:

الأول – الضرر الصحي والنفسي:

فقد ثبت بشكل قاطع جازم لا يحتمل الشك أن الدخان – كما قرر أطباء الصحة – يورث السل، وسرطان الرئة، ويضعف الذاكرة، ويقلل الشهية، ويسبب اصفرار الوجه والأسنان، ويعيق التنفس، ويهيج الأعصاب، ويحدث انحطاطاً عاماً في الجسم، ويميّع الخلق، ويحلّل الإرادة، ويعوّد على الكسل والاسترخاء..

وإليكم تقارير الأطباء المختصين في أضرار الدخان وتأثيره على الصحة:

ذكرت مجلة (الشبيكل) الألمانية: (أنه اجتمع عشرة من العلماء الأمريكيين المختصين في مركز البحوث في مدينة (بيثيردا) الواقعة في ولاية (ماري لاند) الأمريكية، وبحثوا تأثير الدخان على الصحة الفردية فأجمعوا على الأضرار التالية:

1- نسبة الوفيات بين المدخنين الذكور تزيد (68) بالمائة عنها من بين غير المدخنين.
2- نسبة الوفيات في صفوف المدخنين من الأمراض التالية بالمقارنة مع غير المدخنين: سرطان الرئة (10,8) ضِعْفاً. التهابات الأغشية المخاطية، ومجاري التنفس، وتورّم وانتفاخ هذه المجاري (6,1) ضعفاً. سرطان الحنجرة (5,4) ضعفاً. سرطان تجويف الفم (4,1) ضعفاً. سرطان المريء (3,4) ضعفاً، أمراض المعدة (2,4) ضعفاً. أمراض دورية أخرى (2,6) ضعفاً. وأمراض الدسامات القلبية (1,7) ضِعفاً.
3- وهذا يعني أن احتمال الإصابة بمرض الضفائر، والدسّامات القلبية (وهو يؤدي في الولايات المتحدة غالباً إلى الموت) يزيد بمقدار (70) بالمائة في صفوف مدخني السجائر عن غير المدخنين، والتهابات الأغشية المخاطية، والمجاري التنفسية بمقدار (500) بالمائة، أما السرطان الرئوي وهو أكثر أنواع السرطان انتشاراً فتزيد نسبة احتمال الإصابة بين المدخنين (1000) بالمائة عن غير المدخنين...) 1. هـ[2]

- وأصدرت الجمعية السورية لمكافحة السُّل نشرة تضمنت ما يلي: (إن سنوات عديدة من البحث العلمي أثتبت الوقائع التالية: عندما يدخن شخص ما سيجارة فإنه يبتلع الدخان ويحتفظ الجسم بـ (80 إلى 90) في المائة منه، كما يحتفظ ببقايا احتراق التبغ الذي هو القطران الذي يتجمع في الطرق التنفسية، والقطران هو نوع من عدة مركبات كيماوية يستطيع بعضها إحداث السرطان، بينما بقية العناصر الأخرى تحدث التخريش أيضاً، وتجعل الرئة موطناً صالحاً لفتك عصيّات السل والجراثيم الممرضة الفتاكة... المدخنون أشد تعرضاً للإصابة بالسل والسرطان من الذين لا يدخنون، وبالتالي فإن عادة التدخين تسيء إلى الآفات الرئوية المزمنة: كالتهاب القصبات، وانتفاخ الرئة والربو والسل...، إن التدخين يهيئ لأمراض القلب، فالنيكوتين يزيد ضربات القلب، ويصيب الأوعية الدموية، فكثير من المدخنين يدفعون الثمن غالباً بتقويض حياتهم، فإياك والتدخين، ولا بد من الإقلاع عنه لكي تحفظ صحتك)[3] 1. هـ.

إلى غير ذلك من هذه الأضرار، والأمراض الخطيرة التي تنجم عند التدخين..

الثاني – الضرر المالي:

من المؤكد أن صاحب الدخل المحدود ينفق على الدخان يوميّاً ربع دخله أو يزيد، ولا يخفى ما في ذلك من إضاعة للمال، وخراب للبيوت، وشتات للأسر.. وربما انحرف عن الطريق السويّ كالرشوة والسرقة.. لجلب ثمنه، وتأمين وجوده.. فهل هناك ضرر أضرّ على الصحة والأخلاق والمجتمع من موبقة التدخين؟!.. ولكن – ويا للأسف – أكثر الناس لا يعلمون!!.

• أما فيما يتعلق بحكم الشرع في ظاهرة تناول الدخان فيتلخص فيما يلي:

(أ) من المجمع عليه عند أئمة الفقهاء والمجتهدين أن ما يؤدي إلى الضرر، ويوقع في المهالك.. فاجتنابه واجب وفعله حرام، للحديث الذي رواه الإمام أحمد وابن ماجة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا ضرر ولا ضرار"، ولعموم قوله تبارك وتعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}. البقرة: 195.

وقوله: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً} النساء: 29.

وباعتبار أن الدخان قد ثبت ضرره جسمياً، وتحقّق خطره صحيّاً – كما مر – فاجتنابه واجب، وتناوله حرام.

(ب) ومن المسلّم به عند أصحاب العقول الراجحة، والأذواق السليمة أن الدخان يدخل في زمرة الخبائث لضرره على الجسم، وتسببه الرائحة الكريهة للفم، والله سبحانه قد أحل للإنسان الطيبات، وحرم عليه الخبائث للحفاظ على جسمه، وسلامة خلُقه وتفكيره، وظهوره في المجتمع بمظهر محبّب جميل.. يقول الله سبحانه: {ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب} النساء: 02.

ويقول: {ويُحِلُّ لهم الطيبات ويحرّم عليهم الخبائث} الأعراف: 157.

ويقول: {قل لا يستوي الخبيث والطيّب ولو أعجبك كثرة الخبيث} المائدة: 100.

(ج) ثم إن الدخان بالتالي يخدر العقل، ويفتِّر الجسم، وهذا أمر يشعر به المقدم على تناوله، والمبدئ بشربه، والمتدرج بالاعتياد عليه ولا سيما إذا أفرط وأكثر.

وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مفتّر، كما نهى عن كل مسكرومخدّر، وذلك في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده وأبو داود في سننه بسند صحيح عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتّر" أي مخدّر.

فهذه النصوص بمنطوقها ومدلولها تؤكد أن تناول الدخان حرام، واجتنابه واجب لضرره البالغ، وخبثه الظاهر.. هذا عدا عن أن الدخان يسبب إضاعة المال في أضرار يعود أثرها على الفرد والأسرة والمجتمع، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال، كما جاء في صحيح البخاري.

والذين قالوا بإباحة الدخان أو كراهته من الفقهاء في الماضي، قد يكون لهم بعض العذر لكون الطب لم يكشف عن أضراره بعد، مستندين على قاعدة أصل الأشياء الإباحة.. أما بعد أن كشف الطب عن أضراره الجسمية والنفسية، وأبان المختصون عن خطره البالغ في الفرد والمجتمع فلا مجال للتردد بحرْمته أو إباحته، بل الحرمة بتناوله ظاهرة، والإثم بالاعتياد عليه متحقق والله أعلم.

• أما معالجة هذه الظاهرة فتعود بالدرجة الأولى على الدولة، وذلك بشن حملة إعلامية واسعة النطاق، في الصحف والمجلات، في الإذاعة وعلى شاشة التلفزيون، في كل مكان.. تحذر من الدخان، وتكشف لأبناء هذه الأمة وشبابها بشكل مستمر دائم عن ضرره البالغ، وخطره الكبير، مستعينة بأهل الخبرة والاختصاص، ورجال الفكر وأصحاب الأقلام، وعلى الدولة كذلك أن تزيد من ضرائبه، وترفع من أسعاره، وتمنعه منعاً باتاً في الأماكن العامة وازدحام الناس.

وهذه الإجراءات كخطوة مرحلية لمنعه في المستقبل نهائيّاً كما يحدث الآن في الدول الكبرى كأمريكا وانكلترا وغيرهم..

ثم على الكبار المعتادين شرب الدخان أن يكون عندهم من المراقبة لله عز وجل والخشية منه ما يردعهم عن تناول المحرمات والتي منها الدخان، وأن يكون عندهم كذلك من الإرادة والعزم والتصميم ما يقوِّيهم على مغالبة النفس والهوى، وأن يكون عندهم أيضاً من العقل والحكمة ما يدفعهم إلى أن يسيروا في الطريق السوي الذي لا عوج فيه ولا الْتواء، ولا شك أن الإنسان إذا تحلّى بالإيمان الذي يردع، والإرادة التي تسيطر، والعقل الذي يوجه.. فإنه سيتصف – لا محالة – بالكمال، ويرفل في الحياة الهانئة الطيبة.

أما الصغار الذين اعتادوا عادة التدخين بغفلة عن مراقبة أهليهم ومربيهم، فإهمال أمرهم خطير، وشرهم على المجتمع – إن تُركوا – كبير ومستطير.

فما على الآباء والمربين.. إلا أن يرقبوا أوضاع أولادهم، ويتعرفوا على سلوكهم وتحركاتهم، ويعالجوا انحرافهم، حتى يردّوهم إلا الجادّة، ويصلوا بهم إلى شاطئ السلامة.

ومما لا يختلف فيه اثنان أن الولد منذ نعومة أظفاره إذا اعتاد التدخين، فإنه سيدرج شيئاً فشيئاً إلى ما هو أعظم منه قباحة، وأشنع فساداً وانحرافاً.. لكون الدخان يريد الرذيلة، والطريق إلى الفحشاء والمنكر.. ألا فليتذكّر أولوا الألباب!!..

2- ظاهرة العادة السرية:

هذه الظاهرة متفشية ومنتشرة في أوساط المراهقين والشباب، والعامل الرئيسي في انتشارها وتفشيها هو ما يلحظه أولئك من مظاهر الفتنة والإغراء من أزياء النساء، ومشيتهن الخليعة، وتبرجهن المثير في الشوارع، وفي المنتزهات، وفي كل مكان..

هذا في محيط المجتمع العام، أما ما يرونه في التمثيليات والأفلام فهو أدهى وأمر.. فماذا يرون؟ يرون كل ما يهيّج الغريزة ويسقط العفاف والشرف، ويقتل النخوة والغيرة والحمية..

أما ما يقرؤونه في الكتب والمجلات من القصص الغرامية، والإثارات الجنسية.. فهو من أشد المؤثرات على صحة الشباب النفسية والعقلية والخلقية..

فهذه المثيرات وحدها تكفي في تدرج الشاب والشابة في طريق الزنى والفحشاء، والانزلاق في متاهات الفساد والرذيلة..

والمراهق الشاب إذا لم يكن عنده من مراقبة الله ما يردعه، والخشية منه ما يعصمه، والحسبان للعواقب ما يزجره فإنه سيقع بين أمرين لا ثالث لهما:

- إما أن يشبع غريزته الجنسية في الحرام.

- وإمّا أن يخفف من حدّتها بالعادة السرية.

وعلى أخف الأمرين الضرر بالغ ومتحقق.. على الجسم والنسل والعقل والصحة النفسية.. ولكي تكون الكتابة عن هذه الظاهرة شاملة يحسن التكلم عنها كذلك في أمور ثلاثة:

1- الأضرار التي تنجم عنها.
2- حكم الشرع فيها.
3- كيف نعالجها؟

أما الأضرار التي تنجم عنها فنحصرها في الأمور التالية:

(أ) أضرار جسمية:

ثبت طبيّاً أن الذي يدمن على هذه العادة يقع في الأمراض التالية:

إنهاك في القُوى، نحول في الجسم، إرتعاش بالأطراف، حفقان بالقلب، ضعف بالبصر والذاكرة، إخلال بالجهاز الهضمي، إصابة الرئتين بالالتهابات التي تؤدي إلى السل في أغلب الأحيان، وأخيراً تؤثر على الدورة الدموية وتسبب فقر الدم..

(ب) أضرار جنسية:

من أهم هذه الأضرار مرض العنّة، ومعناها عدم قدرة الشاب على الزواج، ولا شك أن هذا المرض يتسبب عنه نفور المرأة من الرجل، ولا يمكن والحال هذه أن تدوم الرابطة الزوجية لتعذر الاتصال.

ومن الأضرار اشمئزاز كل جنس من الآخر لاعتياد الرجل في إشباع الشهوة عن طريق العادة الأثيمة، ومعنى هذا أن المرأة لم تجد حصانتها بزواجها من هذا الرجل المريض.. وربما يؤدي الأمر في النهاية إلى الفراق، أو اتخاذ المرأة الخُّلان سرّاً لإشباع غريزتها.

(ج) أضرار نفسية وعقلية:

قرر العلماء النفسانيون أن المدمن على هذه العادة يصاب بأمراض نفسية وعقلية خطيرة، وهي مرتبة كما يلي:

الذهول والنسيان، ضعف الإرادة، ضعف الذاكرة، الميل إلى العزلة والانكماش، الاتصاف بالاستحياء والخجل، الاستشعار بالخوف والكسل، والظهور بمظهر الكآبة والحزن، والتفكير بارتكاب الجرائم والانتحار.. إلى غير ذلك من هذه الأضرار التي تشل التفكير، وتميع الإرادة، وتحطم الشخصية، وقد أشبعها المختصون دراسة وبحثاً..

أما حكم الشرع في مزاولتها فإنه الحرمة وارتكاب الإثم، وذلك للأدلة التالية:

(أ) يقول الله تعالى في سورة المؤمنون: {والذين هم لفروجهم حافظون. إلا

على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين. فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} المؤمنون: 5-7.

فيدخل في عموم هذه الآية: {فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} المؤمنون: 7.

كل تفريغ للشهوة من غير طريق الزواج وملك اليمين، كالزنى، واللواط، والاستمناء باليد...

وقد ثبت عن عطاء – وهو من أصحاب ابن عباس رضي الله عنهما – أنه قال: (سمعت قوماً يحشرون وأيديهم حبالى، فأظنهم هؤلاء – أي الذين يستمنون بيدهم)، وقال سعيد بن جبير – وهو من طبقة التابعين - : (عذّب الله أمة كانوا يعبثون بمذاكيرهم)، وورد كذلك: (سبعة لا ينظر الله إليهم... عدّد منهم: الناكح يده)[4]، فهذه النصوص بجملتها تدل على أن مزاولة هذه العادة حرام.

(ب) سبق أن ذكرنا في مبحث حكم الشرع في التدخين أن ما يؤدي إلى الضرر ويوقع في المهالك.. فاجتنابه واجب، وفعله حرام لعموم الحديث الذي مر ذكره: "لا ضرر ولا ضرار"، ولعموم قوله تبارك وتعالى:

{ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} البقرة: 795.

وبما أن مزاولة العادة السرية يترتب عليها أضرار جسمية وجنسية ونفسية وعقلية.. فإنها محرمة لحديث: "لا ضرر ولا ضرار"، ولآية: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}.

سؤال وجيه:

إذا كان الاستمناء باليد حراماً، فما رأي الشرع بإنسان تملكته شهوته، وتحكمت فيه غريزته، وترجح لديه أنه سيقع في الزنى والفاحشة؟

لا شك أن الإنسان حين يوازن بين المفاسد، ويقارن بينها، سيختار في النهاية – إنْ أصبح محرجاً – أخفها ضرراً، وأهونها شرّاً، أخذاً بالقاعدة الأصولية التي تقول: (يختار أحفّ الضررين، وأهون الشرين).

فمن المعلوم أن الاستمناء باليد شر، ولكن الأشد شرّاً منه فاحشة الزنى واللواط لتهديمها الكيان العام، وقتلها فضيلة الشرف والعفة.. عدا عما ينجم عنها من اختلاط الأنساب، وإراقة الدماء، وإثارة الضغائن والأحقاد.. إذن يختار في هذه الحالة الاستمناء على ارتكاب الفاحشة باعتبار أنه أخف الضررين وأهون الشرين.

لهذا قال الفقهاء: (إن الاستمناء باليد حرام إذا كان لجلب الشهوة وإثارتها وهي هادئة، أما إذا غلبت الشهوة بحيث شغلت البال، وأقلقت الخاطر وأوقفت على باب الفاحشة، وتعين الاستمناء طريقاً لتسكينها فإن الأمر جائز ومكافئ بعضه بعضاً، وينجو صاحبه رأساً برأس أي لا أجر عليه ولا وزر، فلا يثاب ولا يعاقب)[5].

أما العلاج الناجع في استئصال هذه الظاهرة فيكون في الوسائل التالية:

1- الزواج في سن مبكرة:

لكونه أنجع الوسائل في استئصال هذه العادة الفتاكة، بل هو السبيل الطبيعي الوحيد لتصريف هذه الشحنة العارمة من الشهوة، هذا عدا ما للزواج من فوائد خلقية واجتماعية وصحية ونفسية لا يتسع المجال لذكرها الآن[6].

2- صوم النفل:

وإذا كانت هناك ظروف قاهرة تمنع من الزواج في سن مبكرة.. فالإسلام أرشد الذين لا يجدون نكاحاً أن يصوموا صيام النفل، لما للصيام من تخفيف لغلواء الشهوة، وكسر لحدّة الغريزة، وتقوية لمعنى المراقبة لله، والخشية منه.. وقد جاء هذا الإرشاد في الحديث النبوي الذي رواه الجماعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة (تكاليف الزواج) فليتزوج فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء (أي قاطع للشهوة)".

وما أكثر صيام النفل الذي حض الشرع على صيامه.. ونذكر منه على سبيل المثال: صيام داود فكان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وصيام الاثنين والخميس، وصيام الستة من شوال، وصيام عاشوراء.. ومنه صيام تسكين الشهوة لقوله عليه الصلاة والسلام: "... ومن لم يستطع فعليه بالصوم".

3- الابتعاد على المثيرات الجنسية:

مما لا يختلف فيه اثنان أن المجتمع الذي نعيش فيه يعجّ بالمفاسد والمغريات، ويتخبط بالانحلال والفجور.. ولا شك أن الشاب حين يجري وراء هذه المثيرات والمفاتن، ويتيه في حمأة الرذيلة والفاحشة.. فإنه يتأثر – ولا شك – خلقياً، وينحرف سلوكياً، ويكون كالحيوان الأعجم شهوة وانطلاقاً.

فما على المربين إلاّ أن يقوموا بدور النصح، وواجب التنبيه والتحذير تجاه من لهم في أعناقهم حق التوجيه والتربية حيث يهمسون في آذانهم أن النظر إلى النساء الكاسيات العاريات المتبرجات.. وأن قراءة القصص الغرامية، والمجلات الخلاعية التي يقوم على ترويجها تجار الغرائز والأعراض.. وأن السماع إلى الأغاني الخليعة الماجنة التي تبثها أمواج الأثير في كل مكان..

إنّ كل هذا مما يخدّر الغيرة، ويلّوث الشرف، ويميّع الخلق، ويقتل الكرامةن ويوهن الجسم، ويخمل الفهم، ويضعف الذاكرة، ويثير الغريزة، ويفقد الشخصية، ويقبر المروءة والفضيلة والأخلاق!!.. عسى أن يعي شبابنا هذا النصح، ويحسبوا كل الحساب لهاتيك النتائج.. فلا يجدون بدّاً – بعد هذا التذكير والتنبيه – إلا أن يحافظوا على توازنهم الإرادي وانضباطهم النفسي والخلقي، وصحتهم العقلية والجسدية.. فعندئذ يكونون في زمرة الصالحين الأطهار، والمؤمنين الأبرار!!..

4- ملء الفراغ بما ينفع:

يقرر علماء النفس والتربية أن الولد إذا اختلى إلى نفسه وقت فراغه تَرِدُ عليه الأفكار الحالمة، والهواجس السارحة، والتخيلات الجنسية المثيرة.. فلا يجد نفسه – إن كان مراهقاً أو شاباً – إلا وقد تحركت شهوته، وهاجت غريزته أمام هذه الموجة من التأملات والخواطر.. فعندئذ لا يجد بدّاً إلا أن يلجأ إلى هذه العادة الخبيثة ليخفف من طغيان الشهوة، ويحدّ من سلطانها.. إذن ما العلاج للتخلص من سوانح الخواطر، وشرود الخيال، حتى لا يقع في هذه النتائج الوخيمة، والعواقب الأليمة..؟

العلاج:

أن نُعرّف الشباب المراهق كيف يقضي وقته، ويملأ فراغه؟

وما أكثر هذه المجالات التي يقضي فيها الوقت، ويملأ الفراغ!!.

إمّا برياضة بدنية يقوي بها جسمه، أو نزهة بريئة مع رفاق مأمونين يروّح بها عن نفسه، أو مطالعة مفيدة يكمل بها علومه، أو عمل يدوي ينمّي به ميوله، أو حضور درس ديني توجيهي يهذب خلقه، أو مباراة ثقافية يروّض بها عقله، أو تمارين على الرمي ووسائل الجهاد يعد بها نفسه.. إلى غير ذلك من هذه المجالات النافعة التي تغذي الفكر، وتهذب الروح، وتقوي الجسم، وتسمو بالخلق!!..

5- الرفقة الصالحة:

من أهم ما ينبغي أن يحرص عليه المربي تجاه ولده الشاب المراهق أن يختار له رفقاء صالحين مأمونين يذكّرونه إذا نسي، وينصحونه إذا انحرف، ويعينونه إذا انصلح، ويواسونه إذا أصابته أحداث ونوازل!!..

وقد يقال: إن هؤلاء الرفقاء المعنيين قليلون، ولا سيما في هذا الزمان الذي عزّ فيه الصديق المخلص، والرفيق المؤمن.. نعم نسلّم أنهم قلة ولكن هذه القلة متوفرة في كل مكان يعرفون بسيماهم من أثر السجود، ويميزون بأخلاقهم العالية، وبنهجهم المستقيم.. فما أجدر الشاب أن يبحث عنهم، ويتمسك بأذيالهم إذا ظفر بهم.. ليكونوا له السند في الملمات، والعون على مفاسد الحياة ومفاتنها، والبطانة الخيّرة التي يثق بها، ويأوي إليها، ويعتمد عليها..

ولا شك أن المرء على دين خليله، وأن القرين بالمقارن يقتدي، وأن الطيور على أشكالها تقع، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل فيما رواه الترمذي: "المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يُخالِل".

ومن المعلوم يقيناً أن الذي يصاحب أهل المنكر والفسوق والعصيان فلا يقودونه إلا إلى ضلال، ولا يدفعونه إلا إلى غواية، ولا يصحبونه إلا إلى منافع شخصية، وغايات دنيوية!!..

فليحذر شبابنا من رفقاء السوء، وقرناء الشر.. إن أرادوا لإيمانهم رسوخاً وتمكيناً، ولأخلاقهم سموّاً وتهذيباً، ولأجسادهم سلامة وقوة..

وليحرصوا على الرفقة الصالحة، والجماعة المؤمنة، لتتحقق لهم السعادة في الدارين:

الكرامة في الدنيا، والنجاة في الآخرة، وصدق الله العظيم القائل في محكم كتابه: {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدوٌّ إلا المتقين} الزخرف: 67.

6- الأخذ بالتعاليم الطبية:

إن مما ينصح به علماء الصحة والطب في التخفيف من سلطان الغريزة، وجموح الشهوة هو ما يلي:

- الإكثار من الحمامات الباردة في موسم الصيف، وصب الماء البارد على العضو التناسلي في الفصول الأخرى.

- الإكثار من الألعاب الرياضية، والتمارين الجسمية.

- تجنب الأطعمة المحتوية على بهارات وتوابل لكونها مثيرة ومهيّجة.

- الإقلال ما أمكن من المنبهات العصبية كالقهوة والشاي.

- عدم الإكثار من اللحوم الحمراء والبيض .

- عدم النوم على الظهر أو البطن، بل السنة أن ينام على شقه الأيمن مستقبلاً بوجهه القبلة.

7- وأخيراً استشعار خوف الله تبارك وتعالى:

من المُسَلَّم به أن الشاب حين يستشعر من أعماق وجدانه أن الله سبحانه يرقبه ويراه، ويعلم سره ونجواه، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.. وأنه سيحاسبه إن قصر وفرّط، ويعاقبه أن انحرف وزلّ.. لا شك أنه سينتهي عن الموبقات والقبائح، ويكفّ عن المنكرات والفواحش.

ومن المعلوم يقيناً أن حضور مجالس العلم والذكر، والمداومة على صلاة الفرض والنفل، والمواظبة على تلاوة القرآن، والتهجّد في الليل والناس نيام، والاستمرار على صيام المندوب والتطوّع، والاستماع إلى أخبار الصحابة والصالحين، واختيار الرفقة الصالحة والارتباط بالجماعة المؤمنة، وذكر الموت وما بعده.. كل ذلك يقوي في المؤمن جانب الخشية من الله، والمراقبة له، والاستشعار لعظمته.

فحريٌّ بالشاب المؤمن أن ينهج هذه الوسائل التي تقوّي في نفسه عقيدة المراقبة لله والخشية منه.. حتى لا تتجاذبه المغريات، ولا تفتنه زينة الحياة الدنيا، ولا يقع في محظور أو محرم، وأن يضع نصب عينيه قوله تبارك وتعالى: {فأمّا من طغى. وآثر الحياة الدنيا. فإن الجحيم هي المأوى. وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى} النازعات: 37-41.

3- أما ظاهرة المسكرات والمخدرات:

فهي ظاهرة خطيرة وأليمة نراها متفشية في البيئات التي لا تقيم للأخلاق الفاضلة وزناً، ولا للتربية الإسلامية حرمة..

هذه الظاهرة نراها أكثر ما نراها في الأطفال المشردين الذين فقدوا من يعيلهم ويشرف على تربيتهم وتوجيههم، وفي الأولاد الذين ساروا في طريق الفساد والانحراف بغفلة عن مراقبة آبائهم وأمهاتهم.. فخالطوا الأشرار، وصاحبوا الفجار، فاكتسبوا منهم كل مفسدة ورذيلة:

ولكي نوفّي هذه الظاهرة حقها من البحث يحسن التكلم عنها في أمور ثلاثة:

1- الأضرار التي تنجم عنها.
2- حكم الإسلام فيها.
3- العلاج الناجع في استئصالها والقضاء عليها.

أما الأضرار التي تنجم عن المخدرات والمسكرات فهي مرتبة كما يلي:

(أ‌) أضرار صحية وعقلية:

فمن المجمع عليه لدى الأطباء وعلماء الصحة أن تعاطي المسكرات والمخدرات تسبب الجنون، وتضعف الذاكرة، وتورث أمراضاً عصبية ومَعِديّة ومَعَوية، وتشل حدة الفكر والذهن، وتحدث آلاماً في الجهاز الهضمي، وتفقد الشهية إلى الطعام، وتسبب سوء التغذية والهزال والخمول والضعف الجنسي، وتؤدي إلى تصلُّب الأنسجة والشرايين.. إلى غير ذلك من الأمراض الخطيرة. ويكفي أن نعلم عن أضرار هذه الظاهرة أن معهد الإحصاء القومي في فرنسا قرر: (إن الخمور تقتل من الفرنسيين أكثر ما يقتل مرض السل، ففي عام (1955) مات سبعة عشر ألفاً، من الفرنسيين من تأثير الخمر، بينما لم يمت من السل اثني عشر ألفاً في السنة نفسها).

(ب‌) أضرار اقتصادية:

من المعلوم أن الذي يتعاطى الخمور والمخدرات يبذل المال في سبيله سهلاً رخيصاً بدون حساب.. ولا يخفى ما في هذا البذل الرخيص من إتلاف للمال، وخراب للبيوت، وإيراث للفقر.. عدا عن أن المدمن يسبب الضعف في الإنتاج، والخلل في الاقتصاد، والتخلّف في ميادين الحضارة.. لما يصاب به من هزال وخمول وأمراض جسمية ونفسية.. نتيجة الخمر والمخدر.

فقد ذكرت جريدة الأهرام القاهرية في عددها الصادر في 03/05/1965: "أن (72) مليون أمريكي يتناولون الخمور، منهم (20) مليوناً يكلّفون الدولة بليوني دولار كل سنة، السبب تغيبهم عن العمل..".

(ج) أضرار نفسية وخلقية واجتماعية:

إن المدمن على تعاطي المسكرات أو المخدرات يتصف بصفات ذميمة، ويعتاد على عادات قبيحة كالكذب، والجبن، والاستهانة بالقيم الأخلاقية والمثل العليا.. ويندفع إلى ارتكاب الجرائم كالسرقة وتعاطي الدعارة، والاعتداء على الأنفس.. ويصاب بتميع الخلق، وتحلل الإرادة، وضعف الشعور بالواجب.

هذا عدا عما يقضي وقته في أوكار سرية مع شراذم من الأشرار، ورفاق من الفجار حيث يستبيح معهم كل موبقة، وينتهك بخلطتهم كل حرمة!!..

ومن المعلوم أن الدول الاستعمارية تتخذ من ترويج المخدرات سلاحاً فتاكاً لكسر شوكة الشعوب، وتمييع أخلاق الأمة، وإخماد جذوة روح الجهاد والمقاومة.. وإن مصر ما زالت تعاني من حرب المخدرات التي روّج لها، ووضع بذورها الاستعمار البريطاني منذ ربع قرن من الزمان، كما أن انكلترا شنت حرباً على الصين التي حظرت تجارة الأفيون فسميت حرب الأفيون.

وأما حكم الإسلام في تعاطي المسكرات والمخدرات فإنه التحريم بالإجماع وذلك للأدلة التالية:

- يقول الله تعالى في تحريم الخمر:

{يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون. إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون}[7] المائدة: 90-91.

- ويقول عليه الصلاة والسلام في تحريمها كما روى أبو داود: "لعن الله الخمر وشاربها وساقيها ومبتاعها وبائعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه".

وأما تحريم المخدرات فالأدلة أكثر من أن تحصى: وإليكم شيئاً منها:

(أ) اندراجها تحت عموم قوله تعالى: {ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث} الأعراف: 157.

وقوله عليه الصلاة والسلام "لا ضرر ولا ضرار"، رواه أحمد وابن ماجة.

(ب) تدخل في حديث النهي الذي رواه الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه بسند صحيح عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتّر". والمخدرات تدخل في النهي باعتبار أنها مفترة..

(ج) أنها تندرج في أدلة تحريم الخمر باعتبار أنها تخامر العقل وتخرجه عن طبيعته المدركة الحاكمة، فقد روى البخاري ومسلم أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أعلن على الناس من فوق منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الخمر ما خامر العقل)، وهذه الكلمة تحدّد مفهوم الخمر حتى لا تكثُر أسئلة المشتبهين، فكل ما لابس العقل، وأخرجه عن طبيعته المميزة المدركة الحاكمة فهو من الخمر المحرم إلى يوم القيامة.

ومن ذلك تلك المواد التي تعرف باسم المخدرات كالحشيش والكوكايين والأفيون ونحوها، فإنها تؤثر تأثيراً بالغاً على العقل، فيرى من يتعاطاها البعيد قريباً، والقريب بعيداً، ويتخيل ما ليس بواقع، ويسبح في بحر من الأوهام والأحلام، ويهيم في أودية من الخيال حتى ينسى نفسه ودينه ودنياه، وقد حكى القرافي وابن تيمية الإجماع على تحريم الحشيشة، وقال ابن تيمية: (من استحلها فقد كفر).

بقي هناك جانب قد يسأل عنه بعض الناس وهو استعمال الخمر كدواء.. والجواب ما أجاب عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم وأحمد وغيرهما حين سأله رجل عن الخمر، فنهاه عنها، فقال الرجل: إنما أصنعها للدواء قال عليه الصلاة والسلام: "إنه ليس بدواء ولكنه داء"، وروى أبو داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا ولا تداوَوْا بحرام"، وروى البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه في شأن المسكر أنه قال: "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم".

فهذه النصوص بجملتها تدل دلالة قاطعة على أن استعمال الخمر وحدها كدواء حرام يأثم من يتناولها.

أما ما خالط بعض الأدوية بنسبة مقدرة من الكحول – لضرورة – كحفظها من الفساد مثلاً فإنه يجوز استعمالها إذا تعين الشفاء بها، وكان الواصف للدواء طبيباً مسلماً ماهراً يخشى الله في السر والعلن، لأن مبادئ الشريعة قائمة على اليسر، ودفع الحرج، وتحقيق مصالح الناس، والأصل في ذلك قوله تبارك و تعالى: {فمن اضطُرَّ غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثم عليه} البقرة: 173.

أما العلاج الناجع في استئصال هذه الظاهرة فيكون بالوسائل التالية:

(أ) بالتربية الصالحة.
(ب) بمنع أسبابها.
(ج) بمعاقبة مرتكبيها.

(أ) أما التربية الصالحة فتتركز بتربية الولد منذ نعومة أظفاره على الإيمان بالله، والخشية منه، واستشعاره مراقبة الله في السر والعلن، لما لهذه التربية القويمة من أثر كبير في تكوين ضميره، وإصلاح نفسه، وسمو خلقه.. ومن المعروف تاريخيّاً أن العرب الذين أدركوا الإسلام، وآمنوا به، ودخلوا فيه.. لما تربّت ضمائرهم على مراقبة الله، وترسخت نفوسهم على الخشية منه، والاستعانة به، والاعتماد عليه، تركوا كل العادات المرذولة التي كانوا عليها في الجاهلية عن طواعية واختيار.

فلنأخذ مثلاً تعلق العرب الجاهليين بالخمر قبل الإسلام، وتمدّحهم بشربها وتفننهم في وصفها.. اسمعوا إلى ما يقول شاعرهم في التعلق بها:

إذا متّ فادفنّي إلى جنب كرمة

تروّي عظامي بعد موتي عروقها

واسمعوا إلى ما اخترعوا لها من الأسماء والألقاب: (المدامة، السلافة، الراح، الصهباء، ابنة العنقود، ابنة الكرم، بنت الدنان، بنت الحان..) إلى آخر هذه الأسماء والألقاب التي زادت عن المائة.

ومع كل هذا لما بلغهم أن الخمر قد حرمت قالوا جميعاً: انتهيان ربنا، بل أراقوا ما كان عندهم في القلال في سكك المدينة.. هكذا الإيمان يصنع العجائب حين يخالط بشاشته القلوب، وتترسخ جذوره في الضمائر والنفوس.. بل يقوم بدوره الكبير في الإصلاح والتهذيب، مما تعجز عند دول، وتفشل في تحقيقه أساطيل..

فما أحوج المجتمعات الإنسانية إلى مثل هذا الإيمان، وإلى مثل هذه التربية الصالحة!!..

(ب) أما منع أسباب هذه الظاهرة فيرجع إلى من بيده السلطة والتنفيذ، فالدولة حين تمنع في الأسواق وفي كل مكان جميع أنواع الخمر، وتتخذ الأسباب لاستئصالها والقضاء عليها، عندئذ توصد الأبواب في وجوه مدمنيها، فلا يحتسيها شاب، ولا يجد فاسق سبيلاً إليها..

(ج) أما عقوبة مرتكبيها فإن الإسلام وضع العقوبة الزاجرة لكل من يحتسيها وهي مقدرة ما بين (40 إلى 80) جلدة، وهذا لا يمنع من وضع عقوبات تعزيرية من حبس، وتغريم ومصادرة.. لكل من بييعها أو يحملها أو يتاجر بها..

وعلى الحكومات – إن كانت حادّة – أن تنتقي من المباحث الجنائية المعروفة بالنشاط والإخلاص والحزم والاستقامة.. لتزاول عملها على أحسن وجه عسى أن نصل في النهاية إلى تطهير المجتمع من موبقات الخمر، وأخطار المخدرات..

4- أما ظاهرة الزنى واللواط:

فهي أخطر الظواهر الاجتماعية عند الأطفال والمراهقين الشباب.. وكم سمعنا عن أطفال لم يبلغوا الحلم بعد، سلكوا طريق الفاحشة والفساد بغفلة عن مراقبة آبائهم وذويهم.. حتى هوَوْا في مزالق الشذوذ والانحدر الخلقي، فقبعوا في حضيض الهلاك والضياع.

وما أشدّ فاجعة الآباء والأولياء حين يرون أولادهم، ومن يقومون على أمرهم قد انتكست فطرتهم، وانحطت أخلاقهم، وانغمسوا في حمأة الرذيلة والشذوذ!!..

وهل تنفع الآهات، وتجدي الحسرات، بعد أن رأوا أفلاذ أكبادهم وثمرات قلوبهم وهم يتخبطون في أوحال الخبائث، ويتعثرون في مستنقعات الفساد؟

ولو أنهم ربُّوهم على الأخلاق الفاضلة، وراقبوا تحركاتهم مراقبة تامة، وعرفوا من يصاحبون، ومن يخالطون.. لما وصلت حالة أبنائهم إلى هذه النهاية المُفْجِعة، وإلى هذه النتيجة المخزية!!..

من المسؤول الأول عن الشذوذ الخلقي، والانحراف الاجتماعي لدى الأبناء والأولياء؟

من الذي يوجههم إلى مبادئ الفضيلة والأخلاق، ويقبّح لهم الفحشاء والمنكر غير الآباء والأولياء؟

فالأب والأم هما المسؤولان أولاً وآخراً عن تربية الولد، ثم تأتي بالتالي مسؤولية الدولة، ومسؤولية المجتمع.

بعد هذه اللفتة التوجيهية نتكلم عن هذه الظاهرة في أمور ثلاثة:

1- الأضرار التي تنجم عنها.

2- حكم الإسلام فيها.

3- العلاج الناجع في استئصالها والقضاء عليها.

أما عن الأضرار التي تنجم عن ظاهرة الزنى واللواط فإنها بالغة الخطورة، وهي مرتبة كما يلي:

(أ) أضرار صحية وجسمية:

يتسبب عن اقتراف جريمة الزنا واللواط الأمراض التالية:

1- مرض الزهري:

الذي من أعراضه القرحة والتورّم على أعضاء التناسل أو الشفة أواللسان أو الجفن.. وظهور البقع في أنحاء الجسم، ويسبب هذا المرض الخطير الشلل، والعمى، وتصلّب الشرايين، والذبحة الصّدْرِيّة، والتشوهات الجسمية، وسرطان اللسان، والسّل في بعض الأحيان، وقد يتعدى هذا المرض إلى الزوجة والأولاد.. وهو من الأمراض السارية بالعدوى من لمس ولعاب..

2- مرض السيلان أو التعقيبة:

من أعراض هذا المرض حدوث ألم وحرقة شديدة عند التبول، وإفراز سائل صديدي (القيح) في مجرى البول عند الرجال، ومن عنق الرحم ومجرى البول عند النساء.. ومن مضاعفات السيلان عند الذكور حدوث الالتهابات في الخصيتين والمثانة، وضيق مجرى البول.. أما عند النساء فيسبب التهاب الرحم والمبايض والكلتين.. ومرض التعقيبة قد يؤدي إلى العقم لدى الرجل والمرأة، وإصابة القناة البولية عند الرجل بقروح تؤدي في الغالب إلى انحباس البول الذي قد يؤدي إلى الوفاة في بعض الأحيان.

3- انتشار الأمراض المعدية:

ومن أمراض الزنى واللواط أنه يجلب أمراضاً خبيثة معدية بسبب انتقال الجراثيم الفتاكة من المريض إلى الصحيح، وبسبب القذارة الحاصلة أثناء الجماع[8].

وما أكثر هذه الأمراض السارية التي استفحل خطرها، وتفاقم شرها في المجتمعات التي ينتشر فيها الزنى واللواط، ويعم في ربوعها الفساد والمنكر!!..

وما أصدق ما قاله الصادق المصدوق محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه حين أخبر أن الفاحشة إذا ظهرت في قوم ابتلاهم الله بالأوجاع والأمراض التي لم تكن في أسلافهم.. وروى ابن ماجة والبزار والبيهقي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يا معشر المهاجرين: خمس خصال إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن – عدد منها – ولم تظهر الفاحشة في قوم قط يعمل بها علانية إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم"، ألا فليتذكر أولو الألباب!..

(ب) أضرار اجتماعية وخلقية ونفسية:

يكفي هذه الظاهرة ضرراً وخطراً أنها تؤدي إلى اختلاط الأنساب وضياع النسل، وهتك الأعراض والحرمات، وقتل الشهامة والمروءة، وتفسخ المجتمع، وفصم أواصر الزوجية، وتفكك وحدة الأسرة، والانطلاق في حمأة الرذيلة والفساد، وفقد الرجولة والكرامة.

ويكفيها شرّاً وفساداً أن المجتمع بسببها يعجّ بأولاد لا كرامة لهم ولا أنساب، وأن تيار الإباحية يجتاح شباب الأمة ونساءها.. وإذا كان الأمر كذلك فلا ترى للأخلاق وزناً، ولا للفضيلة والشرف أي اعتبار ولا قيمة!!..

وما قيمة مجتمع اندثرت أخلاقه، وضاع حياؤه، وتهدم كيانه واعتباره؟

وما قيمة مجتمع تشر أطفاله، وتهتك نسائه، وفجر شبابه؟

وما قيمة مجتمع استبدت به شهواته، واستحوذت عليه غرائزه، فلا يعرف همّاً سوى الجنس واللذة المحرمة، ولا غاية سوى الغريزة والشهوة الهابطة..؟

لا شك أنه مجتمع منحل متفكك مهدد في كل لحظة بالزوال والدمار، وصدق الله العظيم القائك في محكم تنزيله:

{وإذا أردنا أن نُهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً} الإسراء: 16.

أما حكم الإسلام في الزنى واللواط فهو التحريم القطعي بإجماع الفقهاء والمجتهدين وذلك للأدلة التالية:

أما فيما يتعلق بحرمة الزنى فيقول الله تعالى: {ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلاً} الإسراء: 32، ويقول: {والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون، ومن يفعل ذلك يلق أثاماً. يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً} الفرقان: 68.

ويقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم وغيرهما: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن.."، وروى الطبراني عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الزناة تشتعل وجوههم ناراً"، وروى الحاكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا ظهر الزنى والربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله"، وروى ابن أبي الدنيا والخرائطي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الزاني بحليلة جاره لا ينظر الله إليه يوم القيامة، ولا يزكّيه، ويقول: ادخل النار مع الداخلين".

أما فيما يتعلق بحرمة اللواط فيقول الله تعالى: {أتأتون الذكران من العالمين. وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم؟ بل أنتم قوم عادون} الشعراء: 165-166.

ويقول: {ولوطاً إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين. أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر، فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين} العنكبوت: 28-29.

ويقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه الحاكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ملعون من عَمِل عمل قوم لوط، ملعون من عمل عمل قوم لوط، ملعون من عمل عمل قوم لوط.." قالها ثلاثاً. وروى ابن ماجة والترمذي عنه عليه الصلاة والسلام: "أخوف ما أخاف على أمتي من عَمَلِ عمل قوم لوط".

وروى الطبراني والبيهقي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أربعة يصبحون في غضب الله ويمسون في غضب الله"، قال أبو هريرة: من هم يا رسول الله؟ قال: "المتشبهون من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال، والذي يأتي البهيمة، والذي يأتي الرجال".

ولكل من الزنى واللواط عقوبات مقدرة في الشرع مبينة كما يلي:

1- عقوبة الزنى:

للزنى عقوبتان في الشرع:

(أ) عقوبة الجلد مع التغريب.
(ب) عقوبة الرجم.

(أ) أما عقوبة الجلد مع التغريب فتكون للزاني غير المحصن (أي غير المتزوج) سواء أكان الزاني رجلاً أو امرأة، فيجلد مائة جلدة لقوله تبارك وتعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة، ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله، إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} النور: 02

والتغريب عند الحنفية من باب التعزير، فإن رأى الإمام فيه فائدة غرّبه، وعند باقي الأئمة يجب التغريب بعد الجلد إلى مكان لا تُقْصَر فيه الصلاة، وبالتغريب حكم الخلفاء الراشدون، وبه قال كثير من الصحابة.

(ب) أما عقوبة الرجم فتكون للزاني المحصن (أي المتزوج)، لقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب (أي المتزوج) الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة". وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر برجم ماعز بن مالك، والمرأة الغامدية لاعترافهما أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالزنى، وكانا محصنين متزوجين.

2- عقوبة اللواط:

أجمع العلماء على أن اللواط زنى، ولكن اختلفوا نسبيّاً في تحديد العقوبة، قال البغوي: (اختلف أهل العلم في حدّ اللوطي، فذهب قوم إلى أن حدّ القاعد هو حد الزنى: إن كان محصناً يرجم، وإن لم يكن محصناً يجلد مائة جلدة وهو آظهر قولي الشافعي، وذهب قوم إلى أن اللوطي يرجم سواء كان محصناً أو غير محصن وهو قول مالك وأحمد، والقول الثاني للشافعي أنه يقتل الفاعل والمفعول به)[9]، وذهب الحنفية إلى وجوب التغزير حسب ما يراه الإمام رادعاً للمجرم، فإذا تكرر منه الفعل ولم يرتدع أعدم بالسيف تعزيراً.

وإليكم النصوص التي تدل على قتل الفاعل والمفعول به، كما ذهب إلى ذلك جمهور الفقهاء والمجتهدين:

- روى الترمذي وأبو داود وابن ماجة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من وجدتموه يعمل عمل قوم أهل لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به".

- وروى البيهقي وغيره عن مِفْضل بن فضالة عن ابن جريج عن عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اقتلوا الفاعل والمفعول به، والذي يأتي البيهيمة".

أما العلاج في استئصال هذه الظاهرة فهو نفس العلاج الذي سبق ذكره في استئصال العادة السرية للحالة المتشابهة في علاج الظاهرتين، فلا ضرورة لإعادة الكلام مرة ثانية.

وأزيدك – أيها القارئ – علاجاً آخر وهو أنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، فإن صلح لأمتنا في الماضي رسالة الإسلام نظاماً وتشريعاً، ووجدت العزة تحت ظلالها، والقوة والتمكين والحضارة لَمّا سارت على مبادئها وأحكامها.. فلا يصلح لأمتنا اليوم إلا ما صلح لها بالأمس، فعندئذ تعود لأمتنا عزتها السليبة، وقوتها المنيعة، ودولتها العتيدة، واستقرارها المنشود، وترجع – كما كانت – خير أمة أخرجت للناس هدياً وقدوة وعطاء وقوة... ورضي الله عن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب القائل: (نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله" رواه الحاكم.

إذا الإيمان ضاع فلا أمان

ولا دنيا لمن لم يُحْي دينا

ومن رضي الحياة بغير دين

فقد جعل الفناء له قريناً

وانطلاقاً من المبدأ الذي وضعه الرسول صلوات الله وسلامه عليه: "لا ضرر ولا ضرار"، وامتثالاً لقوله تبارك وتعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}، وأخذاً بواجب المسؤولية التي حتمها رسول الإسلام.. وجب على المربين – ولا سيما الآباء والأمهات منهم – أن يأخذوا بأسباب الوقاية لأولادهم، وبوسائل الحيطة والحذر لأفلاذ أكبادهم.. حتى لا يتعرضوا للأخطار المحدقة التي تصيبهم، ولا للحوادث الأليمة التي تفاجؤهم، وربما تقضي بهم – في أغلب الأحيان – إلى الموت أو التشويه أو المرض أو الجروح..

وإليكم – أيها المربون – أهم هذه الأسباب الوقائية في تقليل الحوادث:

وهي ملخصة مع بعض التصرف من كتاب (المشكلات السلوكية) للدكتور نبيه الغبرة صفحة: 177: (إن النظام المنطقي المنسجم المعتدل الذي نضعه لأطفالنا ضروري لسلامتهم، كما هو ضروري لشعورهم بالاطمئنان، وإن حماية الطفل في السنة الأولى تقع على عاتق الأهل كاملة وهم مسؤولون عن أي تفريط، وأما في السنة الثانية فيحسن البدء بتعليم الطفل الحذر من المخاطر، وذلك بتلقينه بعض الدروس اللطيفة، فحتى لا يلمس المدفأة أو النار أو الأواني الحارة.. بشكل اعتباطي، أو أن يقع فيها، فيحسن أن نقول له أو ننبهّه بأنها حارة مؤلمة عند اللمس بل ومخيفة، وأن نسمح له بلمسها لمساً لطيفاً سريعاً لا يؤذي، وبذا يخافها ويحذرها.. وإذا ما رأينا طفلاً على وشك من أن يقع على كرسي، وليس في يده شيء يؤذيه أو لا يوجد شيء على الأرض قد يؤذيه إن سقط عليه، فلا بأس من تركه يسقط – مع أخذ الحيطة – وننتهز الفرصة لتعليمه الحذر، وعلى العموم فيجب أن يكون هناك توازن ما بين التعليم والحماية.. على الأهل أن يفطنوا لما يمكن أن يتعرض له الطفل من مخاطر أثناء لعبه، وأن يأخذوا الاحتياطات اللازمة).

وفيما يلي بعض الخطوات العملية التي تساعد على الإقلال من الحوادث كما عرضها الدكتور غبرة:

1- يجب وضع السموم في خزانة مغلقة، وأن يوضع المفتاح في مكان أمين، كما يجب أن يكتب اسم المادة السامة على الزجاجة بشكل واضح، وأن لا توضع الزجاجة حيث يوجد الطعام، وهذه السموم تشمل أنواعاً عديدة لاستعملات مختلفة، وأهمها مبيدات الحشرات، والقطرونة..

2- يجب رمي الأدوية الفائضة عن الحاجة، وعدم تركها في متناول الأطفال، وعند استعمال الدواء يحسن ألا يستعمل بوجود الطفل، لأن الأطفال يحبون التقليد والمحاكاة، وحوادث تسمم الأطفال بالأدوية ليست بالقليلة، وإذا ما أردنا أن نعطي طفلاً دواء فيجب إفهامه أنه دواء وليس شراباً، والأحسن وضعه في مكان بعيد عن متناول يده إن لم نكن على ثقة منه.

3- يجب وضع حاجز واق لكل مصادر الاحتراق كالمدافئ بمختلف أنواعها، وأجهزة التسخين والطبخ والأفران إن كان هناك احتمال وصول الطفل الذي بدأ يحبو ويمشي إليها، وإلا فلا بد من وقوع الحوادث، فكم يحترق أطفال بالمدافئ، ومواقد الحمامات، وما شابه ذلك.

ويجب كذلك عدم السماح للطفل باللعب بالأشياء المشتعلة كعود الثقاب (الكبريت)، بل علينا أن نجعلها في أماكن مرتفعة بعيدة عن متناول يده. وأما أباريق الشاي، وأواني أوعية الطبخ فهي مصدر خطر على الأطفال للأشياء الساخنة الموجودة فيها، فكم من أم جاهلة غفلت عن آنية المطبخ أو القلي وفيها الأشياء المحرقة، فوقع فيها فلذة كبدها، فأصيب بالجروح المحرقة، وسببت له التشوهات الدائمة؟

وكم من أم حمقى وضعت إبريق الشاي على حافة الطاولة، أو على الأرض، أو على الكرسي، فوقع طفلها على الإبريق، أو وقع الإبريق عليه فنتج عن ذلك الإصابات الخطيرة؟

ويجب الحذر من الألعاب النارية في المواسم والمناسبات خشية التأذي بها. ويجب الاحتراس من أخطار الأدوات الكهربائية وأسلاكها مخافة الإصابة.

4- ويجب إبعاد كل الآلات الحادة كالمقصات، والسكاكين، والشفرات، والدبابيس، والأواني الزجاجية بحيث لا تصل إلى أيدي الأطفال.

5- ويجب عدم السماح للأطفال بممارسة الألعاب التي قد تكون خطرة كاللعب بالحبل وشده حول العنق، أو اللعب بكيس من البلاستيك وإدخال الرأس فيه، فهذا قد يؤدي إلى الاختناق، ويجب كذلك تجنيب الطفل الركض وفي فمه، طعام، أو قذف بعض الموالح كالقضامة والفستق في الهواء ثم تلقيها بالفم مباشرة خوفاً من دخول الطعام إلى مجرى الهواء فيتسبب الاختناق.

6- ويجب على الأم ألا تُنيم ابنها في سريرها إذ هناك خطر خنقه، وكم سمعنا عن حوادث من هذا النوع؟ فقد تنام الأم، ثم ينام الطفل والثدي في فمه، فبمجرد ميلان خفيف من الأم على الطفل يؤدي إلى موته بالاختناق.

7- ويجب التأكد من سلامة نوافذ الطابق العلوي، وكون الطفل لا يستطيع اجتيازها، ويجب أن تكون حواجز الشرفات من النوع الفني الحديث التي تسمح للطفل بالمشاهدة ولا تسمح له بتسلقها، أو على الأقل لا يخشى عليه من الخطر إن تسلقها، وكم من حوادث أليمة ذهب ضحيتها أطفال في أجمل العمر نتيجة التساهل في هذا الأمر؟

8- ويجب الانتباه عند استعمال الآلات الميكانيكية، والأجهزة الكهربائية، ولا سيما الغسالات ومفارم اللحم والكبيبة.. فحوادث انسحاب أيدي الأطفال في الغسالة، أو ذهاب أصابعهم بالمفرمة ليست قليلة!!.

9- ويجب الانتباه إلى كون الباب الخارجي للمنزل مغلقاً حتى لا يخرج الطفل على حين غرة بدون علم أمه خوفاً من وقوع حادث.

10- ويجب الانتباه على الباب عند إغلاقه مخافة أن يضع الولد أصابعه في طرفه فيتسبب انضغاط على بعض أصابعه، فيصاب بإصابات أليمة.

إلى غير ذلك من هذه الأسباب الوقائية التي لا تخفى على كل ذي عقل وبصيرة. تلكم هي أهم الوسائل التي وضعها الإسلام في تربية الولد الجسمية، وهي – كما علمت – وسائل إيجابية، وأسباب وقائية لو أخذ بتعاليمها المربون، ومشى على نهجها الآباء والمعلمون.. لرأينا أبناء هذا الجيل يرتعون في بحبوحة من الصحة ويتمتعون بنعمة القوة، ويسيرون في طريق الأمن والهناءة والاستقرار.

ومن المعلوم يقيناً أن أمة الإسلام إذا تمتعت بعقل سليم، وجسم قوي، وإرادة متينة، وعزيمة جبارة، وشجاعة فائقة، ووعي كامل.. فإنها ستكون المبرّزة في الإنتاج، السباقة إلى الحضارة، والآخذة بأسباب النصر والمجد، والعاملة على تحقيق العزة الخالدة للإسلام والمسلمين، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم.

فيا أيها المربون من آباء وأمهات ومعلمين...

هذا هو وحده طريق الحياة.. هذا هو وحده طريق القوة.. هذا هو وحده طريق المجد.. هذا هو وحده طريق الخلود.. فما أحوج الجيل اليوم – الذي هو أمانة في أيديكم – إلى تطبيق هذه التعاليم السامية، والمبادئ الخالدة في إعداده جسميّاً، وتكوينه صحيّاً ونفسيّاً.. حتى يستطيع أن ينهض بأعبائه، ويضطلع بمسؤولياته في حمل الرسالة الإسلامية إلى الدنيا كما حملها من قبل جيل الصحابة، وجيل التابعين التي تلت من بعدهم.

عسى أن ينقل جيلنا اليوم الأمم عن ظلمات الإلحاد والانحلال والجاهلية إلى نور الإيمان، ومكارم الأخلاق، وهداية الإسلام!!.. وما ذلك على الله بعزيز.

[1] البُخْت: الإبل الخراسانية.

[2] أخذاً عن مجلة الحضارة، السنة الثانية عشرة العدد: 3-4، ص 158.

[3] صفحة (15-16) من النشرة المذكورة التي هي بعنوان: (تعاونوا للقضاء على مرض السل).

[4] هذه النصوص منقولة من كتاب (ردود على أباطيل) للعلامة المرحوم: الشيخ محمد الحامد ص 40.

[5] هذا النص الفقهي من كتاب (ردود على أباطيل) للعلامة المرحوم الشيخ محمد الحامد ص 42.

[6] ارجع إلى كتابنا (عقبات الزواج) تجد ما فيه الكفاية.

[7] بعض الذين في قلوبهم مرض يقولون: ليس في لفظ (فاجتنبوه) دليل على التحريم، ولو كانت الخمر محرمة لقال القرآن: فحرّموه، بينما هناك سبعة أدلة على التحريم: 1- مقارنة الخمر بالميسر والأنصاب والأزلام، 2- وصفها بأنها رجس، 3- وصفها أنها من عمل الشيطان، 4- الأمر الذي يدلّ على الكف في لفظ {فاجتنبوه}، 5- إنها توقع في العداوة والبغضاء، 6- إنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، 7- صيغة الاستفهام الإنكاري في قوله تعالى: {فهل أنتم منتهون}، فهل هناك أدلة أقطع من هذه الأدلة التي تدل على التحريم ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون.

[8] هذا بالإضافة إلى مرض (الإيدز) اللعين الذي يدمر جهاز المناعة في جسم الإنسان فيجعله عرضة لاستقبال كل الأمراض ولا يقوى على مقاومتها... وهذا لم يشهده المؤلف – رحمه الله – في حياته (الناشر).

[9] النص الفقهي من كتاب الترغيب والترهيب: ج 4، صفحة 325، باب الترهيب من اللواط.

الفصل الرابع - مسؤولية التربية العقلي

مسؤولية الواجب التعليمي

المقصود بالتربية العقلية تكوين فكر الولد بكل ما هو نافع من العلوم الشرعية، والثقافة العلمية والعصرية، والتوعية الفكرية والحضارية.. حتى ينضج الولد فكرياً ويتكوّن علميّاً وثقافيّاً...

وهذه المسؤولية لا تقل خطورة وأهمية عن المسؤوليات التي سبق ذكرها: الإيمانية، والخلقية، والجسمية، فالتربية الإيمانية تأسيس، والتربية الجسمية إعداد وتكوين، والتربية الخلقية تخليق وتعويد.. أما التربية العقلية فإنها توعية وتثقيف وتعليم..

وهذه المسؤوليات الأربعة، ومسؤوليات غيرها مما سنأتي على ذكره، متضافرة مترابطة متساندة في تكوين الولد الشامل، وتربيته المتكاملة ليكون إنساناً سويّاً يقوم بواجب، ويؤدي رسالة، وينهض بمسؤولية.. فما أحسن الإيمان حين يؤاخي الفكر، وما أجمل الأخلاق حين تواكب الصحة!!.. وما أعظم الولد حين ينطلق للحياة العملية وقد اعتنى به المربون من كل جانب، وأحاطوا بتوجيهه وتربيته وإعداده من كل ناحية!!..

وإن كان لا بد من بيان المراحل التي يجب أن يسلكها المربون في كل مسؤولية يقومون بها نحو الولد.. فأرى أن مسؤوليتهم في التربية العقلية تتركز في الأمور التالية:

أ- الواجب التعليمي.
ب- التوعية الفكرية.
جـ- الصحة العقلية

أ‌- مسؤولية الواجب التعليمي:

لا شك أن هذه المسؤولية بالغة الأهمية والخطورة في نظر الإسلام، لأن الإسلام حمّل الآباء والمربين مسؤولية كبرى في تعليم الأولاد، وتنشئتهم على الاغتراف من معين الثقافة والعلم، وتركيز أذهانهم على الفهم المستوعب، والمعرفة المجردة، والمحاكمة المتّزنة، والإدراك الناضج الصحيح.. وبهذا تتفتح المواهب، ويبرز النبوغ، وتنضج العقول، وتظهر العبقرية.. ومن المعلوم تاريخيّاً أن أول آية نزلت على قلب الرسول الأعظم صلوات الله وسلامه عليه هذه الآيات: {اقرأ باسم ربك الذي خلق. خَلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم. الذي علّم بالقلم. علّم الإنسان ما لم يعلم} العلق: 01-05.

وما ذاك إلا تمجيد لحقيقة القراءة والعلم، وإيذان لرفع منار الفكر والعقل، وفتح لباب الحضارة على مصراعيه.

وإذا أردنا أن نستعرض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تحض على العلم، وترفع من منزلة العلماء، نجدها كثيرة ومستفيضة يستظهرها الصغير والكبير، ويرويها العالم والمتعلم..

فمن هذه الآيات قوله تعالى: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} الزمر: 09.

- وقوله: {وقل ربِّ زدني علماً} طه: 114.

- وقوله: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} المجادلة: 11.

- وقوله: {ن. والقلم وما يسطرون} القلم: 01.

ومن هذه الأحاديث:

- روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ".. ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة".

- وروى الترمذي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ذكر الله تعالى، وما والاه[1] وعالماً أو متعلماً".

- وروى الترمذي عن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم.. إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت ليصلون على معلمي الناسِ الخير".

- وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أوعلم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له".

انطلاقاً من هذا التوجيه القرآني والإرشاد النبوي انكبّ المسلمون في عصر الرسالة، والعصور التي تلت على مدارسة العلوم الكونية، واعتبروا تعلم كل علم نافع من قبيل الفرض والواجب، واستفادوا من حضارات الأمم الأخرى في العالم فجدّدوا فيها وهضموها، وطبعوها بطابع الإسلام المتميز، وظل العالم قروناً طويلة يقتبس من علومهم، ويستفيد من حضارتهم.. وما تألقت الحضارة المادية في العصر الحديث شرقاً ولا غرباً إلا بفضل ما أخذوه من حضارة المسلمين وعلومهم عن طريق صقلية، والأندلس، والحروب الصليبية... فكانت الدولة الإسلامية بحق أستاذاً وإماماً للعالم الضال، والإنسانية الحائرة..

وإليكم شهادة المنصفين من فلاسفة الغرب على عظمة المجد العلمي والحضاري الذي أحرزه المسلمون في فترات طويلة من التاريخ:

- يقول (شريستي) في حديثه عن الفن الإسلامي: (ظلت أوربا نحو ألف سنة تنظر إلى الفن الإسلامي كأنه أعجوبة من الأعاجيب).

- ويقول (دوزي) المستشرق الهولندي: (إن في كل الأندلس لم يكن يوجد رجل أمّي بينما لم يكن يعرف القراءة والكتابة في أوروبا معرفة أولية إلا الطبقة العليا من القسس).

- ويقول (لين بول) في كتابه (العرب وأسبانيا): (فكانت أوربا الأمية تزخر بالجهل والحرمان بينما كانت الأندلس تحمل إمامة العلم وراية الثقافة).

- ويقول (بريفولت) في كتابه (تكوين الإنسانية): (العلم هو أعظم ما قدمت الحضارة العربية إلى العالم الحديث، ومع أنه لا توجد ناحية واحدة من نواحي النمو الأوربي إلا ويلحظ فيها أثر الثقافة الإسلامية النافذ، إلا أن أعظم أثر وأخطره هو ذلك الذي أوجد القوة التي تؤلف العامل البارز الدائم في العالم الحديث، والمصدر الأعلى لانتصاره أعني العلم الطبيعى والروح العلمية.. وهذه الحقائق مؤداها أن الإسلام دين بناء حضاري).

- ويقول (أبو شبكة) في كتابه (روابط الفكر والروح بين العرب والفرنجة): (إن زوال الحضارة العربية كان شؤما على أسبانيا وأوروبا، فالأندلس لم تعرف السعادة إلا في ظل العرب، وحالما ذهب العرب حلّ الدمار محل الثراء والجمال والخصب..).

- ويقول (هـ.ر. جب) في كتابه (الاتجاهات الحديثة في الإسلام) في معرض المذهب التجريبي الذي قام عليه كل العالم الأوروبي، والذي هو تراث إسلامي أصيل.. يقول ما نصه: (أعتقد أنه من المتّفق عليه أن الملاحظة التفصيلية الدقيقة التي قام بها الباحثون المسلمون قد ساعدت على تقدم المعرفة العلمية مساعدة مادية ملموسة، وأنه عن طريق هذه الملاحظات وصل المنهج التجريبي إلى أوروبا في العصور الوسطى).

- يقول (فكتور روبنصن) بعد كلام طويل في موازنته بين الحضارة الإسلامية في الأندلس، وحضارة أوروبا في القرون الوسطىة: (... وكان أشراف أوروبا لا يستطيعون توقيع أسمائهم بينما كان أطفال المسلمين في قرطبة يذهبون إلى المدارس، وكان رهبان أوروبا يلحنون في تلاوة سِفْر الكنيسة بينما كان معلمو قرطبة قد أسسوا مكتبة تضارع في ضخامتها مكتبة الإسكندرية العظيمة...).

إن هذه الأقوال وأقوالا كثيرة غيرها تؤكد لنا بوضوح ما انطوى عليه الإسلام من قوة دفع حضارية، ومن إشراقة نور علمية.. بينما كان العلماء في أوروبا – في القرون الوسطى – يقتلون في الساحات العامة جهاراً نهاراً لجرأتهم العلمية والفكرية!!!...

ولكن ما هو السر في هذا الدفع الحضاري، والإشراقة العلمية؟

السر كامن في المبادئ التي انطوت عليها شريعة الإسلام الخالدة:

(أ) ذلك لأن الإسلام روح ومادة، ودين ودنيا فلعباداته، ومعاملاته، وتشريعاته الاجتماعية، وأحكامه الدنيوية.. آثار واضحة في بناء الحضارة الإنسانية، وشعاره في ذلك قوله تعالى:

{وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا} القصص: 77.

وقوله: {فإذا قُضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله} الجمعة: 10.

(ب) ولأنه يدعو إلى المساواة والإنسانية، ليساهم في بناء الحضارة الإنسانية كل من ينضوي تحت راية الإسلام بغض النظر عن أجناسهم وألوانهم ولغاتهم...

وشعاره في ذلك قوله تبارك وتعالى:

{إن أكرمكم عند الله أتقاكم} الحجرات: 13.

(ج) ولأنه دين الانفتاح والتعارف إلى كل الأمم والشعوب، وشعاره في ذلك قوله تبارك وتعالى:

{يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا} الحجرات: 13.

وبناء على هذا النداء انفتح المسلمون على غيرهم، واستفادوا من حضارات الأمم، فتكونت لديهم خبرات واسعة في شتى المجالات الصناعية والتجارية والزراعية والفنية.. فصهروها في بوتقة الإسلام، فجاءت الحضارة فيما بعد مطبوعة بطابعه، وممهورة بخاتمه.

(د) ولأنه دين مستمر متجدد على أرقى ما يكون من النظم والأحكام والمبادئ.. وحسبه شرفاً وخلوداً أنه تنزيل رب العالمين، وتشريع أحكم الحاكمين، وأنه يفي بحاجات البشرية في كل زمان ومكان، ويمد الإنسانية بتشريعات حيوية راقية متكاملة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وشعاره في ذلك قوله تعالى: {ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون} المائدة: 50.

ويكفي هذا الإسلام فخراً وخلوداً أن يشهد عظماء الغرب على عظمته وحيوية تشريعه.. وإليكم ما قاله الفيلسوف الإنكليزي (برناردشو): (لقد كان دين محمد موضع تقدير سام، لما ينطوي عليه من حيوية مدهشة، وأنه الدين الوحيد الذي له ملكة الهضم لأطوار الحياة المختلفة.. أرى واجباً أن يُدعى محمد منقذ الإنسانية، وإنّ رجلا كشاكلته لو تولّى زعامة العالم الحديث لنجح في حل مشكلاته).

ويقول الدكتور (ايزكو انساباتو): (إن الشريعة الإسلامية تفوق في كثير من بحوثها الشرائع الأوربية، بل هي التي تعطي للعالم أرسخ الشرائع ثباتاً).

ويقول العلامة (شبرل) عميد كلية الحقوق بجامعة (فينا) في مؤتمر الحقوق سنة (1927م): (إن البشرية لتفتخر بانتساب رجل كمحمد (صلى الله عليه وسلم) إليها، إذ أنه رغم أميته استطاع قبل بضعة عشر قرناً أن يأتي بتشريع سنكون نحن الأوربيين أسعد ما نكون، لو وصلنا إلى قمته بعد ألفي سنة)!!..

جاء النبيون بالآيات فانصرفت

وجئتنا بجديد غير منصرم

آياته كلما طال المدى جُدُد

يزينهن جمال العِتْقِ والقِدم

(هـ) ولأنه دين يجعل التعليم منذ الصغر إلزاميّاً ومجانيّاً دون أن يكون تمييز بين العلوم الشرعية والعلوم الكونية إلا من ناحية الحاجة والكفاية والاختصاص..

أما أن الإسلام دين يجعل التعليم إجباريّاً وإلزاميّاً فللأحاديث التالية:

- روى ابن ماجة عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "طلب العلم فريضة على كل مسلم"، ولفظ المسلم في الحديث عام يشمل الذكر والأنثى على السواء.

- وروى الطبراني في الكبير عن علقمة عن أبيه عن جده قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فأثنى على طوائف من المسلمين خيراً ثم قال: "ما بال أقوام لا يفُقِّهونَ جيرانهم ولا يعلمونهم، ولا يعظونهم، ولا يأمرونهم، ولا ينهونهم، وما بال أقوام لا يتعلمون من جيرانهم، ولا يتفقهون، ولا يتعظون، والله ليعلمنّ قوم جيرانهم، ويفقهونهم، ويعظونهم، ويأمرونهم، وينهونهم، وليتعلمنّ قوم من جيرانهم، ويتفقهون، ويتعظون، أو لأعاجلنّهم العقوبة".

- وروى ابن ماجة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ كتم علماً ينفع الله به الناس في أمر الدين ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار".

فإذا كان طلب العلم – في نظر الإسلام – فريضة على المسلم والمسلمة.. وإذا كان المستنكف عن تعلم العلم أو تعليمه مهددا – من قبل الشرع – بالعقوبة.. وإذا كان من يكتم العلم النافع ملجماً بلجام من نار يوم القيامة.. أفلا يدل كل هذا على أن الإسلام دين يجعل تعلم العلم أو تعليمه واجباً إلزامياً؟!..

أما أن الإسلام دين يجعل التعليم بكل اختصاصاته مجانيّاً فللمواقف التي وقفها النبي صلى الله عليه وسلم في مجانية التعليم، وتحذيره الشديد من أخذ الأجر على التعليم لأصحابه.

فقد ثبت تاريخيّاً أنه عليه الصلاة والسلام كان لا يتقاضى على دعوته وتعليمه من أحد أجراً، ومبدأه ومبدأ الرسل من قبله قوله تعالى:

{وما أسألكم عليه من أجر إنْ أجري إلا على رب العالمين} الشعراء: 109.

وثبت تاريخيّاً كذلك أن مصعب بن عمير الذي أرسله عليه الصلاة والسلام داعياً ومعلماً إلى المدينة، ومعاذ بن جبل الذي أرسله إلى اليمن، وجعفر بن أبي طالب الذي أرسله إلى الحبشة.. وعشرات غيرهم كانوا لا يتقاضون من أحد أجراً.

ومن تحذيره عن أخذ الأجر أن عبادة بن الصامت رضي الله عنه – كما روى أبو داود عن أبي شيبة – قال: "علّمْتُ ناساً من أهل الصُفّة الكتاب والقرآن، فأهدى لي رجل منهم قوساً، فقلت: ليست بمال، وأرمي عليها في سبيل الله، لآتينّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأسألنّه، فأتيته، فقلت: يا رسول الله! رجل أهدى لي قوساً ممن كنت أعلمه الكتاب والقرآن، وليست بمال، وأرمي عليها في سبيل الله، فقال: إن كنت تحب أن تكون طوقاً من النار فاقبلها".

وثبت تاريخيّاً أيضاً أن أبناء المسلمين الذين كانوا يؤمّون المساجد، والمدارس.. للعلم والتعلم كانوا لا يبذلون في سبيل تعليمهم أجراً!!، بل كانوا يدرسون في بعض العصور على حساب الدولة.. ولقد كان علماء السلف يحذّرون من يتصدى للإرشاد والتعليم في أن يأخذ على تعليمه أجراً، يقول الإمام الغزالي رحمه الله: (على المعلم أن يقتدي بصاحب الشرع صلوات الله وسلامه عليه، فلا يطلب على إفادة العلم أجراً، ولا يقصد به جزاء ولا شكوراً، بل يُعلّمُه لوجه الله تعالى وطلباً للتقرب إليه)، قال سبحانه على لسان أحد أنبيائه:

{ويا قوم لا أسألكم عليه مالاً إن أجري إلا على الله} هود: 29.

نستنتج من ذلك كله أن الإسلام سنّ مجانية التعليم سواء على صعيد الدولة، أو على صعيد الأفراد حيث يقصد من يتصدى للتعليم في عمله وجه الله، والتقرب إليه، ابتغاء مرضاته.. وكان من نتيجة ذلك أن أقبل الناس على العلم والتعلم بشكل لا نظير له في تاريخ البشرية.. يقول أحد المفكرين: (إن الدولة الإسلامية سبقت العالم كله في نشر التعليم مجاناً للمواطنين جميعاً بلا تمييز أو محاباة، فكانت المدارس مفتوحة على مصاريعها للشعب جميعاً في المسجد، ودور العلم، والأماكن العامة.. في كل البلاد التي دخلت الإسلام، ومن بقايا ذلك التعليم الحر المباح التعليم المجاني القائم بالأزهر الشريف، وبكلية دار العلوم، وجميع المدارس الشرعية.. فالطلاب يمنحون فيها إعانات مالية لتوفير الغذاء لهم مما تعمل الدول الآن على تعميمه في أرجائها)[2].

بقي السؤال إذا كان المعلم متفرغاً للتعليم، وليس عنده مورد آخر يتكسّب منه هل يجوز له أن يأخذ أجراً على تعليمه؟ لاشك أن المعلم حينما يكون متفرغاً للعلم والتعليم، وحينما لا تتيسر له الأسباب في الحصول على بُلْغة العيش، وحينما تتساهل الدولة، أو يتساهل المجتمع في كفايته وكفالته.. فإنه يجوز أن يأخذ على تعليمه أجراً يحقق له كرامة النفس، وبُلْغة الحياة.. وإلى هذا يشير الإمام الغزالي رحمه الله في إحيائه: (وكذلك للمدرس أن يأخذ ما يكفيه ليفرّغ قلبه عن المعيشة، وليتجرد لنشر العلم، فيكون مقصوده نشر العلم، وثواب الآخرة، ويأخذ الرزق بُلْغة ميسِّرة للمقصود).

قال أبو الحسن – كما روى القابسي - : وقد مرت بي حكاية تذكر عن ابن وهب أنه قال: كنت جالساً عند مالك فأقبل إليه معلم الكُتّاب، فقال له: يا أبا عبد الله! إني رجل مؤدّب الصبيان، وإنه بلغني شيء، فكرهت أن أشارط (أي على الأجر) وقد امتنع الناس عليّ، وليسوا يعطونني كما كانوا يعطون، وقد اضطررت بعيالي وليس لي حيلة إلا التعليم. فقال له مالك: اذهب وشارِطْ، فانصرف الرجل، فقال له بعض جلسائه: يا أبا عبد الله! تأمره أن يشترط على التعليم؟ فقال لهم مالك: نعم فَمَن يُمَحِّطُ (أي يصلح) لنا صبياننا؟ ومن يؤدبهم لنا؟ لولا المعلمون أي شيء كنا نكون نحن؟

ويزيد الأمر تأكيداً، هذا العصر الذي كثر شره، وتضافرت المخططات الاستعمارية فيه لطمس معالم الإسلام!!.. لذا وجب على الآباء والمربين أن يحرصوا على تعليم أولادهم ولا سيما علم التوحيد والعقيدة، وتلاوة القرآن، وسائر العلوم الشرعية لأنه مالا يتمّ الواجب إلا به فهو واجب، وإذا لم يختاروا لأولادهم المعلمين – ولو بالأجر – فإن الأولاد سينشؤون على الإلحاد والجهل والتحلل والإباحية..

وقديماً قال ابن مسعود رضي الله عنه – كما روى ابن سحنون عن سفيان الثوري – "ثلاث لابد للناس منهم: من أمير يحكم بينهم، ولولا ذلك لأكل بعضهم بعضاً، ولابد للناس من شراء المصاحف وبيعها، ولولا ذلك لبطل كتاب الله، ولابد للناس من معلم يعلم أولادهم، ويأخذ على ذلك أجراً، ولولا ذلك كان الناس أميين...".

ونضيف شيئاً آخر يتماشى مع هذا الزمن الذي نعيشه، لابد للناس من معلم يعلم أولادهم مسائل العقيدة، ومبادئ الأخلاق، ووقائع التاريخ، وتلاوة القرآن.. ولولا ذلك لكان الأولاد ملحدين ضالين، سواء أكان هذا التعليم بأجر أم بغير آجر!!..

ويشهد لهذه الملابسة الضرورية في أخذ الأجر ملابسة وقعت لبعض الصحابة في سفرة سافروها، فنزلوا على حي من أحياء العرب فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم، فلُدغ سيد ذلك الحي، فسعوا إليه بكل شيء فقال بعضهم: لو أتيتم هذا الرهط الذين نزلوا، لعله أن يكون عند بعضهم شيء، فأتوهم، فقالوا: يا أيها الرهط، إن سيدنا لُدغ، وسعينا له بكل شيء لا ينفعه شيء، فهل عند أحد منكم شيء؟ فقال بعضهم: نعم والله إني لأرقي، ولكن والله لقد استضفناكم، فلم تضيفونا، فما أنا براقٍ حتى تجعلوا لنا جُعْلاً (أي أجراً)، فصالحهم على قطيع من الغنم، فانطلق ينْقُل عليه ويقرأ: الحمد لله رب العالمين، فكأنما نشط من عِقال، فانقلب يمشي وما به قُلْبَة (أي مرض)، فقال: فأوفوهم جُعلهم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم: اقسِموا. قال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنذكر له الذي كان، فننظر ما يأمرنا، فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له فقال: "وما يدريك أنها رقية.. ثم قال: قد أصبتم، اقسموا واضربوا لي معكم سهماً، وضحك النبي صلى الله عليه وسلم، قال البخاري: وقال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله"[3].

فالملابسة على جواز أخذ الأجر في هذا الحديث تتعلق بعدة وجوه:

1- الصحابة في سفرهم هذا كانوا جياعاً وبحاجة إلى الطعام، بدليل أنهم استضافوا الحي من العرب فلم يضيفوهم.

2- سياق الحديث يدل على أن الحي من العرب لم يكن مسلماً بدليل أنهم لم يضيفوهم، وأحكام دار الحرب[4] تختلف عن أحكام دار الإسلام.

3- الأجر الذي صالح عليه الصحابة هو مقابل ما طلبه رجال الحي لسيدهم من العلاج والاستشفاء لا أخذاً للأجرة على تعليم القرآن.

لهذه الملابسات جميعها أجاز لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الأجر، وقد قال لهم تلطيفاً وتكريماً: "أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله" أي أحق ما أخذتم عليه أجراً في معالجة الملدوغ هو الرقية بكتاب الله عز وجل.

والذي نخلص إليه بعد ما تقدم أن الشريعة الإسلامية لا تجيز في الأصل أخذ الأجرة على التعليم، اللهم إلا إذا كانت هناك ملابسة ضرورية على أخذ الأجرة، كأن يكون المعلم متفرغاً للعلم، ولم يكن له مورد من الكسب سوى التعليم، أو كانت حالة الأولاد تستدعي أن يُفرّغ لهم أولياؤهم مؤدبين يحْفظونهم من عقائد الإلحاد والكفر، وينشِّؤونهم على مبادئ الإسلام والتربية الفاضلة، فلهذه الملابسات وغيرها أجازت الشريعة أخذ الأجرة على التعليم سواء أكان التعليم شرعيّاً أو كان كونيّاً والله أعلم.

(و) ولأنه دين يقسم فريضة التعليم إلى فريضة عينية وفريضة كفائية، وفي ذلك تفصيل:

- فإن كان تحصيل العلم مما له علاقة في تكوين الفرد المسلم روحياً، وعقلياً، وجسمياً وخلقياً.. فهو من قبيل فرض العين بالمقدار الذي يحتاج إليه، ويندرج تحت شعار هذه الفريضة المرأة والرجل، والصغير والكبير، والعامل والموظف.. وجميع طبقات الأمة المسلمة...

وبناء على هذا فإن تعلم تلاوة القرآن، وأحكام العبادات، ومبادئ الأخلاق الأساسية، ومسائل الحلال والحرام، وقواعد الصحة العامة، وكل ما يحتاجه المسلم في أمر دينه ودنياه هو فرض عيني على كل مسلم ومسلمة في هذه الحياة.

- فإن كان تحصيل العلم مما له علاقة بالزراعة، والصناعة، والتجارة، والطب، والهندسة، والكهرباء، والذرة، ووسائل الدفاع، وغيرها من العلوم النافعة.. فهو من قبيل فرض الكفاية إذا قام به البعض سقط الإثم عن الجميع، وإذا لم يقم به أحد فالمجتمع الإسلامي كله آثم ومسؤول.

هذا هو السر في قوة الدفع الحضارية والعلمية في بناء الحضارة الإنسانية، وهذا مما يؤكد عظمة الإسلام، ومنافسته لروح العصر والتطور، واختصاصه بمقومات الخلود والتجدد والاستمرار..

وأما ما نراه اليوم من ضعف علمي وتخلف حضاري.. فيعود إلى جهل المسلمين بحقيقة الإسلام العظيم، وإلى إبعاد الإسلام عن تطبيق أنظمته في كل مجالات الحياة، وإلى تآمر أعداء الإسلام في طمس معالم الإسلام، وفصل الدين عن الدولة، وحصر النظام الإسلامي في أمور العبادة، وقضايا الأخلاق!!..

ويوم يفهم المسلمون حقيقة الإسلام، ويوم يطبقون نظامه الشامل في شتى مجالات الحياة، ويوم ينتبهون إلى المؤامرات التي يحيكها الأعداء والعملاء.. فعندئذ يستعيدون مكانتهم تحت الشمس، ويرجعون هداة مرشدين، بل خير أمة أخرجت للناس..

{وأنَّ هذا صِراطي مستقيماً فاتبعون ولا تتبعوا السُبُل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصّاكم به لعلكم تتقون} الأنعام: 153.

ومن الواجب التعليمي الذي يجب أن يحرص عليه المربون والمعلمون والآباء.. هو التركيز في الدرجة الأولى على تعليم الأولاد – وهم في سن التمييز – تلاوة القرآن الكريم، والسيرة النبوية، وكل ما يحتاجون إليه من العلوم الشرعية، وبعض القصائد الأدبية، وأمثال العرب.. امتثالاً لأمر رسول الله عليه الصلاة والسلام فيما رواه الطبراني: "أدبوا أولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم، وحب آل بيته، وتلاوة القرآن، فإن حملة القرآن في ظلّ عرش الله يوم لا ظلّ إلا ظلّه".

فانطلاقاً من هذا الأمر النبوي حرص المسلمون في كل العصور عبر التاريخ على تعليم أبنائهم هذه العلوم الأساسية، والمواد الضرورية..

وإليكم طرفاً من أقوالهم، وطاقات تدلّ على حرصهم وعنايتهم:

- وصى عتبة بن أبي سفيان عبد الصمد مؤدب ولده بأن يعلمه كتاب الله، ويروّيه من الشعر أعفّه، ومن الحديث أشرفه.

- وقد كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الولاة ما يلي: (أما بعد فعلّموا أولادكم السباحة والفروسية، وروّوهم ما سار من المثل، وحَسُن من الشعر).

وذات مرة رأى المفضل بن زيد.. ابن أعرابية مسلمة، فأعجب بمنظره، فسألها عنه فقالت: (إذا أتمّ خمس سنوات أسلمتُه إلى المؤدّب، فحفّظه القرآن فتلاه، وعلمه الشعر فرواه، ورغب في مفاخرة قومه، وطلب مآثر آبائه وأجداده، فلما بلغ الحلُم حملته على أعناق الخيل فتمرّس وتفرّس، ولبس السلاح، ومشى بين بيوت الحي، وأصغى إلى صوت الصارخ).

- وقال الإمام الشافعي رحمه الله: (من تعلم القرآن الكريم عظمت قيمته، ومن نظر في الفقه نبُل قدره، ومن كتب الحديث قويت حجته، ومن نظر في اللغة رقّ طبعه، ومن نظر في الحساب جزل رأيه).

- وقد أوصى الإمام الغزالي في إحيائه: (بتعليم الطفل القرآن الكريم، وأحاديث الأخبار، وحكايات الأبرار وأحوالهم، ثم بعض الأحكام الدينية، والشعر الخالي من ذكر العشق وأهله).

- وقد ذكر ابن سينا في كتاب السياسة آراء ثمينة في تربية الأولاد ونصح بالبدء بتعليم الطفل القرآن الكريم بمجرد استعداده جسميّاً وعقليّاً للتعليم، وفي الوقت نفسه يتعلم حروف الهجاء والقراءة والكتابة، ويدرس قواعد الدين، ثم يروي الشعر، ويبتدئ بالرجز ثم القصيدة..

- وقد أشار ابن خلدون إلى أهمية تحفيظ القرآن الكريم، وأوضح أن تعليم القرآن هو أساس التعليم في جميع المناهج الدراسية في مختلف البلاد الإسلامية، لأنه شعار من شعائر الدين الذي يؤدي إلى رسوخ الإيمان.

ومن طريف ما يروى – كما جاء في كتاب عيون الأخبار لابن قتيبة - : (أن رجلا من ثقيف دخل على الوليد بن عبد الملك، فقال له الوليد: أقرأت القرآن؟ قال الأعرابي: لا يا أمير المؤمنين شغلتني عنه أمور وهنات.

قال الوليد: أفتعرف الفقه؟ قال الأعرابي: لا. قال الوليد: أفرويت من الشعر شيئاً؟ قال الأعرابي: لا.

فأعرض الوليد عن الأعرابي، فقال أحد الجالسين – وهو عبد الله بن معاوية - : يا أمير المؤمنين – وأشار إلى الرجل - . قال الوليد: اسكت فما معنا أحد[5].

ويقصد الوليد من كلامه (اسكت فما معنا أحد) أن الذي لم يقرأ القرآن، ولم يعرف الفقه، ولم يرو الشعر، ولم يدرس الدين.. يكون كالعدم لا وجود له ولا اعتبار، وإن كان موجوداً بشخصه وحاضراً بذاته!!..

ومن القواعد التي وضعها الإسلام في تعليم الولد.. البدء بتعليمه في مراحل الطفولة الأولى حيث يكون الولد أصفى ذهناً، وأقوى ذاكرة، وأنشَط تعليماً..

وإلى هذا أشار المعلم الأول صلوات الله وسلامه عليه بقوله في الحديث الذي رواه البيهقي والطبراني في الأوسط عن أبي الدرداء مرفوعا: "العلم في الصّغر كالنقش في الحجر"، وقد أثبت علم التربية الحديث هذه الظاهرة وأكدها.

وما أحسن ما قال بعضهم:

أرانيَ أنسى ما تعلمت في الكِبَرْ

ولست بناسٍ ما تعلّمُت في الصِّغرْ

وما العلم إلا بالتعلّم في الصبا

وما الحلم إلا بالتحلّم في الكبر

ولو فُلق القلب المعلَّم في الصبا

لأصبح فيه العلم كالنقش على الحجر

وما العلم بعد الشيب إلا تعسّف

إذا كَلَّ قلب المرء والسمع والبصر

وما المرء إلا اثنان عقل ومنطق

فمَنْ فاتَه هذا وهذا فقد دَمَرْ

فما حظ المرأة من تعلم هذه العلوم؟

لقد أجمع العلماء والفقهاء سلفاً وخلفاً أن ما يجب تعلمه على سبيل فرض العين فالمرأة فيه كالرجل على حد سواء وذلك لسببين:

الأول: المرأة كالرجل في التكاليف الشرعية.
والثاني: المرأة كالرجل في نيل الجزاء الأخروي.

o أما أن المرأة كالرجل في التكاليف الشرعية فلأن الإسلام كلفها بكل التكاليف التي كلف بها الرجل من صلاة وصيام، وزكاة وحج، وبرّ وعدل وإحسان.. وبيع وشراء ورهن وتوكيل.. وأمر بمعروف ونهي عن منكر.. وغير ذلك من هذه الأعباء والمسؤوليات اللهم إلا في بعض حالات خاصة أعفاها منها:

- إما لوجود المشقة والإخلال بالصحة كإعفائها من الصوم والصلاة في أيام الحيض والنفاس.

- وإما لكون الأعباء والأعمال لا تتفق مع تكوينها الجسماني وطبيعة أنوثتها كأن تمارس عمليات القتال أو تكون بنّاءة وحدّادة..

- وإما أن يكون العمل الذي تزاوله يتعارض مع وظيفتها الطبيعية التي خلقت من أجلها كالقيام بمسؤوليات الأسرة، وتربية الأولاد، والإشراف على البيت..

- وإما أن يترتب على عملها فساد اجتماعي خطير كأن توجد في وظائف وأعمال يختلط فيها الرجال بالنساء..

أما ما عدا ذلك من الأعمال والتكاليف والواجبات فهي كالرجال سوءا بسواء.

وفي تقديري وتقدير ذوي البصائر النيرة أن هذه الإعفاءات للمرأة تقدير لها ورفع لكرامتها ومنزلتها.

وإلا فمن يرضى أن يزجَّ المرأة بأعمال تقعدها عن واجباتها تجاه زوجها وبيتها وأولادها؟

ورحم الله شوقي حين قال:

ليس اليتيم من انتهى أبواه من

همّ الحياة وخلّفاه ذليلا

إن اليتيم هوالذي تلقى له

أمّاً تخلّت أو أباً مشغولا

ومن منا يرضى أن يزجّ المرأة بأعمال شاقة ترهق جسمها، وتفقدها أنوثتها، وتسبب لها الأمراض والعاهات؟

ومن منا يرضى أن يزج المرأة في وظائف مختلطة تكون سبباً في تلوث عرضها، وتدنيس شرفها؟

وهل شيء أغلى على المرأة من العرض والشرف، وكيف تكون تربية الأولاد إذا درجت المرأة في الفساد، وسارت في طريق الفحشاء؟.. رحم الله من قال:

وليس النبتُ ينبت في جنانٍ

كمثل النبت ينبت في الفلاة

وهل يُرجى لأطفال كمال

إذا ارتضعوا ثُدَيَّ الناقصات

وإليكم ما يقوله فلاسفة الغرب حول خروج المرأة، وعملها خارج المنزل:

v قال العلامة الإنكليزي (سامويل سمايلس) في كتابه (الأخلاق): (إن النظام الذي يقضي بأن تشتغل المرأة في المعامل ودور الصناعات مهما نشأ عنه من الثروة. فإن نتيجته كانت هادمة لبناء الحياة المنزلية، لأنه هاجم هيكل المنزل، وقوّض أركان العائلة، ومزق الروابط الاجتماعية.. لأن وظيفة المرأة الحقيقية هي القيام بالواجبات المنزلية: كترتيب مسكنها، وتربية أولادها، والاقتصاد في وسائل معيشتها مع القيام بالاحتياجات العائلية.. ولكن المعامل سلختها من كل هذه الواجبات بحيث أصبحت المنازل غير المنازل، وأضحى الأولاد يشبّون على غير التربية الحقيقية لكونهم يُلقون في زوايا الإهمال، وأطفئت المحبة الزوجية، وخرجت المرأة عن كونها الزوجة الظريفة، والقرينة المحبة للرجل، وصارت زميلته في العمل والمشاق، وباتت عرضة للتأثيرات التي تمحو غالباً التواضع الفكري والخُلقي الذي عليه مدار حفظ الفضيلة..).

v وجاء في مجلة (شجرة الدر) في الجزء السادس من السنة الأولى عن الكاتبة الإنكليزية (مس أني رود) ما نصه: (إذا اشتغلت بناتنا في البيوت خوادم أو كالخوادم فهو خير، وأخف بلاء من اشتغالهن في المعامل حيث تصبح البنت ملوثة بأدران تذهب برونق حياتها إلى الأبد.. ياليت بلادنا كبلاد المسلمين حيث فيها الحشمة والعفاف والطُّهر.. وحيث المرأة تنعم بأرغد عيش، وبصيانة العِرض والشرف..

نعم إنه عار على بلاد الإنكليز أن تجعل بناتها مُثلاً للرذائل بكثرة مخالطة الرجال، فما بالنا لا نسعى وراء ما يجعل البنت تعمل ما يوافق فطرتها الطبيعية – كما قضت بذلك الديانات السماوية – من ملازمة البيت، وترك أعمال الرجال للرجال، وفي ذلك سلامة لشرفها..).

o أما أن المرأة كالرجل في نيل الجزاء الأخروي فحسبنا أن نتصفح القرآن العظيم، لننظر الآيات المستفيضة التي تسوي المرأة بالرجل في نيل الأجر والثواب.. وإليكم طرفاً من هذه الآيات:

- {فاستجاب لهم ربُّهم أني لا أُضيع عملَ عاملٍ منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض، فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقُتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهارُ ثواباً من عند الله والله عنده حُسْنُ الثواب} آل عمران: 195.

- {ومن يعلم من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيراً} النساء: 124.

- {إن المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، والقانتين والقانتات، والصادقين والصادقات، والصابرين والصابرات، والخاشعين والخاشعات، والمتصدقين والمتصدقات، والصائمين والصائمات، والحافظين فروجهم والحافظات، والذاكرين الله كثيراً والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيما} الأحزاب: 35.

ومما يدل على أن المرأة كالرجل في نيل الأجر والمثوبة لا تتميز عنه بشيء، ما رواه عبد البر في الاستيعاب ومسلم في صحيحه أن أسماء بنت يزيد بن السكن رضي الله عنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني رسولُ مَن ورائي من جماعة نساء المسلمين، كلهن يقلن بقولي، وعلى مثل رأيي: إن الله بعثك إلى الرجال والنساء، فآمنّا بك واتبعناك، ونحن معشر النساء مقصورات مخدّرات قواعد بيوت، وأن الرجال فُضِّلوا بالجُمعات وشهود الجنائز والجهاد، وإذا خرجوا للجهاد حفظنا لهم أموالهم وربَّينا أولادهم، أفنشاركهم في الأجر يا رسول الله؟

فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه إلى أصحابه فقال: "هل سمعتم مقالة امرأة أحسن سؤالا عن دينها من هذه؟"، فقالوا: بلى يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "انصرفي يا أسماء، وأعلمي مَن وراءك من النساء أن حُسْنَ تبعّل إحداكنّ لزوجها، وطلبها لمرضاته، واتباعها لموافقته يعدل كل ما ذكرت"، فانصرفت أسماء وهي تهلّل وتكبِّر، استبشاراً بما قال لها عليه الصلاة والسلام.

فتبين من هذا الحديث النبوي الشريف أن الأجر الذي تناله المرأة في ترتيب مسكنها، وطاعة زوجها، وتربية أولادها.. يعدل أجر الرجل في جهاده واختصاصه..

ومما يدل على أن الإسلام اعتنى بالبنت من ناحية تعليمها هذه الأحاديث النبوية الصحيحة:

- روى الترمذي وأبو داود واللفظ له أنه عليه الصلاة والسلام قال: "من كان له ثلاث بنات أو ثلاث أخوات، أو بنتان أو أختان فأدبهن وأحسن إليهن وزوجهن فله الجنة"، وفي رواية: "وأيما رجل كانت عنده وليدة (أي أمة) فعلمها فأحسن تعليمها، وأدبها فأحسن تأديبها، ثم أعتقها وتزوجها فله أجران".

وقد ثبت في صحيح البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخص النساء بأيام يعلمهن فيها مما علمه الله، وذلك لما جاءته امرأة فقالت: يا رسول الله، ذهب الرجال بحديثك، فاجعل لنا من نفسك يوما نأتي فيه تعلمنا مما علمك الله، فقال عليه الصلاة والسلام: "اجتمعن يوم كذا وكذا"، فاجتمعن فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلمهن مما علمه الله.

- وجاء في فتوح البلدان للبلاذري أن أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب – رضي الله عنهما – كانت تتعلم الكتابة في الجاهلية على يد امرأة كاتبة تدعى (الشفاء العدوية) فلما تزوجها عليه الصلاة والسلام طلب إلى الشفاء أن تعلمها تحسين الخط وتزيينه كما علمتها أصل الكتابة.

والذي نخلص إليه من هذه النصوص أن الإسلام أمر بتعليم الفتاة العلم النافع، والثقافة المفيدة.. وإذا وجد من العلماء قديماً من يمنع تعليم المرأة، فيكون المنع منصبّاً على تعلم الشعر الفاحش، والكلام الفارغ، والأدب الرخيص، والعلم الضار.. أما أن تتعلم العلوم التي تنفعها في دينها ودنياها، وأن تقول الشعر الحكيم الرصين، والكلام المحكم المجيد.. فلا يوجد من يَنْهى عن ذلك ويمنعه!!..

جاء في مقدمة كتاب المعلمين لابن سحنون: (أن القاضي الورع عيسى بن مسكين كان يُقرئ بناته وحفيداته.. قال عياض: فإذا كان بعد العصر دعا ابنتيه وبنات أخيه ليعلمهن القرآن والعلم، وكذلك كان يفعل قبله فاتح صقيلة (أسد بن الفرات) بابنته أسماء التي نالت من العلم درجة كبيرة.. وروى الخُشني أن مؤدباً كان بقصر الأمير محمد بن الأغلب، وكان يعلم الأطفال بالنهار، والبنات في الليل..).

وقد ثبت تاريخيّاً أن المرأة في ظل الإسلام وصلت إلى أسمى درجات العلم والثقافة، ونالت أكبر قسط من التربية والتعليم في العصور الإسلامية الأولى..

فكان من النساء المسلمات الكاتبة والشاعرة كأمثال عُلَيّة بنت المهدي وعائشة بنت أحمد بن قادم، وولاّدة بنت الخليفة المستكفي بالله..

وكان منهن الطبيبة كأمثال زينب طبيبة بني أوَد التي عرفت بعلاج أمراض العيون، وأم الحسن بنت القاضي أبي جعفر الطنجالي وقد كانت طبيبة شهيرة مبرزة في الطب..

وكان منهن المحدّثات كأمثال كريمة المروزية، والسيدة نفيسة ابنة محمد، وقد ذكر الحافظ ابن عساكر – وهو أحد رواة الحديث – أن عدد شيوخه وأساتذته من النساء كان بضعاً وثمانين أستاذة.

وبلغت كثيرات منهن منزلة علمية رفيعة فكان منهن الأستاذات والمدرسات للإمام الشافعي، والإمام البخاري، وابن خلكان، وابن حبان.. وجميعهم من الفقهاء والعلماء والأدباء المشهورين.. وهذا أكبر دليل على ما تمتاز به التربية الإسلامية من العناية بالعلم والنبوغ الفكري، والثقافة الإسلامية المتنوعة..

وإذا كان الشرع أذن للمرأة أن تتعلم ما ينفعها في أمر دينها ودنياها.. فيجب أن يكون هذا التعليم بمعزل عن الذكور، وبمنأى عنهم.. حتى يسلم للبنت عرضها وشرفها، وحتى تكون دائماً حسنة السمعة، كريمة الخلق، كثيرة الاحترام..

ولعل أول كاتب تربوي نادى بالفصل بين الجنسين في حقل التعليم وغيره هو الإمام القابسي، فقد ذكر في رسالته عن التعليم (أن من حسن النظر ألاّ يخلط بين الذكران والإناث)، ولما سئل (ابن سحنون) عن التعليم المختلط ذكوراً وإناثاً فقال: (أكره أن يُعلّم الجواري مع الغلمان لأن ذلك فساد لهن).. وإذا كان ابن سحنون والقابسي يريان أن تُفصل البنات عن الصبيان خشية الفساد – فرأيهما هذا في الحقيقة – مستمد من حكم الشرع، وحكم الشرع مقدم على كل أمر وحكم في هذه الحياة لقوله تعالى:

{وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعصِ الله ورسوله فقد ضلّ ضلالاً مبيناً} الأحزاب: 36.

قال تعالى: {وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهُنّ من وراء حجاب} الأحزاب: 53.

وإذا كانت هذه الآية نزلت في أمهات المؤمنين.. فالعبرة – كما يقول الأصوليون – لعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وإذا كانت أمهات المؤمنين المقطوع بعفتهن وطهارتهن مأمورات بالحجاب، وعدم الظهور أمام الأجانب، فالنساء المسلمات بشكل عام مأمورات بالستر وعدم الظهور من باب أولى، وهذا ما يسمى بالمفهوم الأولوي عند الفقهاء وعلماء الأصول.

- وقال عز من قائل: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون، وقل للمؤمنات يغضُضْن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها، وليضربن بخمرهن على جيوبهن، ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن..} النور: 31. فإذا كان الأمر – في هذه الآية – يشمل غضّ البصر، ووضع الخمار على الرأس وفتحة الصدر، وعدم إبداء الزينة والمفاتن إلا للمحارم.. أفليس يدل هذا الشمول على أن المرأة المسلمة مأمورة بالستر والحشمة والعفة وعدم الاختلاط بالأجانب؟

- وقال سبحانه: {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يُدْنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفوراً رحيماً} الأحزاب: 59.

فكيف نتصور اختلاط المرأة بالأجنبي والمرأة المسلمة في هذه الآية مأمورة بالحجاب، وارتداء الجلباب؟

- وروى الترمذي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما خلا رجل بامرأة إلا وكان الشيطان ثالثهما.. وروى البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إياكم والدخول على النساء، فقال رجل: يا رسول الله! أفرأيت الحمو (أي أقارب الزوج)؟، قال الحمو الموت".

فهذه النصوص القرآنية، والأحاديث النبوية تحرم اختلاط الرجال بالنساء بشكل قاطع جازم لا يحتمل الشك ولا الجدل!!..

فالذين يبيحون الاختلاط، ويبررونه بتعويدات اجتماعية، ومعالجات نفسية وحجج شرعية، فإنهم في الواقع يفترون على الشرع، ويتجاهلون الفطرة الغريزية، ويتجاهلون الواقع المرير الذي آلت إليه المجتمعات الإنسانية قاطبة..

• أما أنهم يفترون على الشرع – في دعواهم إلى الاختلاط - .. فللنصوص الكثيرة التي سبق ذكرها قبل قليل.

• أما أنهم يتجاهلون الفطرة الغريزية.. فلأن الله سبحانه لما خلق الرجل والمرأة ركّب في كل منهم الميل الجنسي إلى الآخر.

{فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله} الروم: 30.

فهل يريد دعاة الاختلاط والسفور أن يغيّروا نواميس الكون، وأن يبدلوا فطرة الإنسان، وأن يحوّلوا سنن الحياة، ولا سيما إذا كان كل من الرجل والمرأة – في حال اختلاطهما – جائعين جنسيّاً، وما ئعين خلقيّاً، فإن الفتنة – لا شك – أشد، والانجذاب إلى الفاحشة أبلغ وأقوى!!..

ولو كان الاختلاط منذ الصغر، وفي جميع مراحل العمر يجعل النظر إلى المرأة أمراً مألوفاً عاديّاً لا يحرك في نفسي الرجل والمرأة غريزة ولا شهوة.. لانقلبت المودة بين الزوجين إلى عداوة، والرحمة بينهما إلى ظلم، والاتصال الجنسي إلى برود.. ولما رضي أحدهما البقاء مع الآخر في ظلال الزوجية، وهذا خلاف المُشاهَد والواقع!!..

• أما أنهم يتجاهلون الواقع المرير الذي آلت إليه المجتمعات الإنسانية في تجربتها للاختلاط.. فليسألوا مجتمعات الدول الغربية والشرقية عما وصلت إليه المرأة من تحلل وفساد، وإباحية وفجور.. علما أن الاختلاط أمر شائع في كل الطبقات وعلى مختلف المستويات: في الشارع، في المدرسة، في المتجر، في الدائرة، في الجامعة، في المنتزّهات.. في كل مكان..

وإليكم شيئاً من واقعهم: ونتائج من تجاربهم بالواقع والأرقام:

فمن هذه الوقائع:

• جاء في كتاب (الإسلام والسلام العالمي) للشهيد سيد قطب: (أن نسبة الحُبالى من تلميذات المدارس الثانوية في أمريكا بلغت في إحدى المدن (48) في المائة).

• ونقلت جريدة الأحد اللبنانية في العدد ذي الرقم (650) عن الفضائح الجنسية في الجامعات والكليات الأمريكية ما يلي:

- (الفضائح الجنسية في الجامعات والكليات الأمريكية بين الطلاب والطالبات تتجدد وتزداد كل عام).

- (الطلاب يقومون بمظاهرة في جامعات أمريكا يهتفون فيها نريد فتيات.. نريد أن نرفه عن أنفسنا).

- هجوم ليلي من الطلاب على غرف نوم الطالبات، وسرقة ثيابهن الداخلية).

- وقال عميد الجامعة معقباً على الحدَث: (إن معظم الطلاب والطالبات يعانون جوعاً جنسيّاً رهيباً، ولاشك أن الحياة العصرية الراهنة لها أكبر الأثر في تصرفات الطلاب الشاذة).

- ومما ذكرته الجريدة كذلك: (ودلت الإحصائيات في العام الماضي على أن (120) ألف طفل أنجبتهم فتيات بصورة غير شرعية لا تزيد أعمارهن على العشرين، وأن كثيرات منهن من طالبات الجامعات والكليات..).

- واستطردت الجريدة قائلة: (وقال تقرير للشرطة في ولاية (بروفيدنس) أن (66) طالباً وطالبة قضوا في أيار الماضي عطلة نهاية الأسبوع في (رودايلند) ولم يعد الطلاب إلى الجامعة، بل إلى سجن الولاية، حيث اعتقلوا وهم في أوضاع مريبة وبعضهم كان يتعاطى المخدرات..).

- ونقلت الجريدة عن المربية الاجتماعية (مرغريت سميث) حديثاً قالت فيه: (أن الطالبة لا تفكر إلا بعواطفها، والوسائل التي تتجاوب مع هذه العاطفة.. إن أكثر من ستين بالمائة من الطالبات سقطن في الامتحانات، وتعود أسباب الفشل إلى أنهن يفكرن في الجنس أكثر من دروسهن وحتى مستقبلهن.. وإن (10) بالمائة منهن فقط مازلن محافظات..).

• وذكر (جورج بالوشي) في كتابه (الثورة الجنسية) ما يلي: (وفي سنة 1962م صرح (كيندي) بأن مستقبل أمريكا في خطر لأن شبابها مائع منحل غارق في الشهوات لا يقدر المسؤولية الملقاة على عاتقه، وأنه من بين كل سبعة شبان يتقدمون للتجنيد يوجد ستة غير صالحين، لأن الشهوات التي أغرقوا فيها أفسدت لياقتهم الطبية والنفسية). وفي سنة 1962 صرّح (خروشوف) – كما صرح كيندي – بأن مستقبل روسيا في خطر، وأن شباب روسيا لا يؤتمن على مستقبلها، لأنه مائع منحل غارق في الشهوات).

• ويقول (ديل دورانت) في كتابه (منهاج الفلسفة).

- (إننا نواجه مرة أخرى تلك المشكلة التي أقلقت بال (سقراط) نعني كيف نهتدي إلى أخلاق طبيعية تحل محل الزواجر العلوية التي بطل أثرها في سلوك الناس؟ إننا نبدد تراثنا الاجتماعي بهذا الفساد الماجن).

- (واختراع موانع الحمل وذيوعها هو السبب المباشر في تغير أخلاقنا، فقد كان القانون الأخلاقي قديماً يقيد الصلة الجنسية بالزواج.. لأن النكاح يؤدي إلى الأبوة بحيث لا يمكن الفصل بينهما، ولم يكن الوالد مسؤولا عن ولده إلا بطريق الزواج.. أما اليوم فقد انحلت الرابطة بين الصلة الجنسية وبين التناسل، وخلقت موقفاً لم يكن آباؤنا يتوقعونه، لأن جميع العلاقات بين النساء والرجال آخذة في التغير نتيجة هذا العامل..).

- (.. غير أنه من المخجل أن نرضي في سرور نصف مليون فتاة أمريكية يقدمن أنفسهن ضحايا على مذبح الإباحية، وهي تعرض علينا في المسارح وكتب الأدب المكشوف، تلك التي تحاول كسب المال باستثارة الرغبة الجنسية في الرجال والنساء المحرومين من (حصن) الزواج ورعايته للصحة).

- (.. فكل رجل حين يؤجل الزواج يصاحب فتيات الشوارع ممن يتسكعن في ابتذال ظاهر، ويجد الرجل لإرضاء غرائزه الخاصة في هذه الفترة من التأجيل، نظاماً دوليّاً مجهزاً بأحدث التحسينات، ومنظماً بأسمى ضروب الإدارة العلمية، ويبدو أن العالم قد ابتدع كل طريقة يمكن تصورها لإثارة الرغبات وإشباعها..).

- (وأكبر الظن أن هذا التجدد في الإقبال على اللذة قد تعاون أكثر مما نظن مع هجوم دارون على المعتقدات الدينية، وحين اكتشف الشبان والفتيات أن الدين يشهّر بملاذهم التمسوا في العلم ألف سبب وسبب للتشهير بالدين..).

- (... ولا مفر من أن يأخذ الجسم في الثورة (الجنسية)، وأن تضعف القوة على ضبط النفس عما كان في الزمن القديم، وتصبح العفة التي كانت فضيلة موضعاً للسخرية، ويختفي الحياء الذي كان يضفي على الجمال جمالا، ويفاخر الرجال بتعداد خطاياهم، وتطالب النساء بحقها في مغامرات غير محدودة على قدم المساواة مع الرجال ويصبح الاتصال قبل الزواج أمراً مألوفاً، وتختفي البغايا (أي الزانيات بأجر) من الشوارع بمنافسة الهاويات (أي الزانيات بدافع الهوى) لا برقابة البوليس..)[6].

• ونقلت أخبار اليوم القاهرية في 24/01/1965م هذا الخبر: (خرجت النساء السويديات في مظاهرة عامة تشمل أنحاء السويد احتجاجاً على إطلاق الحريات الجنسية في السويد.. اشتركت في المظاهرات مائة ألف امرأة).

ونقلت كذلك أنه في شهر نيسان عام (1964) (أثيرت في السويد ضجة كبرى عندما وجه (140) طبيباً من الأطباء المرموقين مذكرة إلى الملك والبرلمان يطلبون فيها اتخاذ إجراءات للحد من الفوضى الجنسية التي تهدد حقّاً حيوية الأمة وصحتها، وطالب الأطباء بسّن قوانين ضد الانحلال الجنسي..).

- يكتب القاضي (بن لندسي) في كتابه (تمرد النشء الجديد): (أن الصبية في أمريكا قد أصبحوا يراهقون قبل الأوان، ومن السن الباكرة جداً يشتد فيهم الشعور الجنسي..). وبحث هذا القاضي عن أحوال /312/ صبية على سبيل النموذج، فعلم أن /255/ صبية منهن كن أدركن البلوغ فيما بين الحادية عشرة، والثالثة عشرة من سني أعمارهن، يوجد فيهن من أمارات الشهوة الجنسية، والمطالب الجسدية ما لا يكون عادة إلا في بنات الثامنة عشر فما فوق.

- ويذكر الدكتور (أديث هوكر) في كتابه (القوانين الجنسية): (أنه ليس من الغريب الشاذ حتى في الطبقات المثقفة أن بنات سبع أو ثماني سنين يخادن الصبية، وربما تلوثن معهم بالفاحشة..) وذكر أمثلة كثيرة على دعواه!!.

- ومما نشرته الصحف البريطانية أن مدرسة شابة في الخامسة والعشرين من عمرها كانت تدرس لمجموعة من الطلاب المراهقين ممارسة الجنس عمليا، وقد شوهدت وهي تخلع ثيابها قطعة قطعة أمام طلابها.. وهكذا حتى انتهت من عمليتها الإباحية الفاجرة!!.

- ونشرت صحيفة (الشرق الأوسط) اللندنية في عددها الصادر 15/07/1979 أن (75%) من الأزواج يخونون زوجاتهم في أوروبا، وأن نسبة أقل من المتزوجات يفعلن الشيء ذاته، وفي كثير من الحالات يعلم الزوج بخيانة زوجته، وتعلم الزوجة بخيانة زوجها، ومع هذا قد تستمر العلاقات الزوجية الشكلية دون أن يطرأ عليها أي انفصام!!.

أما العلاقات قبل الزواج فإن (80 إلى 85%) من الرجال البالغين لهم خليلات، وأن لكل واحد منهم خليلة واحدة فقط.. وأن ما بقي من أفراد المجتمع غير المتزوجين والذين ليس لهم خليلات من الزناة فهم ينتقلون من امرأة لأخرى اشباعاً لغرائزهم ووطرهم!!..

- ومما نشرته مجلة (الأمان) اللبنانية في عددها 30/11/1979 أن شاباً من شباب العرب المتفلتين ذهب إلى الدينمارك، وفي أحد المسارح هناك فوجئ بالفنانة (هكذا يسمونها)، وهي تخلع ثيابها قطعة قطعة.. حتى وقفت عارية تماماً في وسط المسرح.. ثم دعت كلبها ليقارف معها الفاحشة أمام الناس، ثم لم تلبث بعد ذلك أن طلبت من الحاضرين متحدية إياهم أن يفعلوا بها مثل ما فعل الكلب أمام الأضواء الباهرة، والموسيقى الصاخبة.. ورأى بأم عينيه أحد الأفارقة المخمورين وهو يصعد إلى خشبة المسرح يحاول دون جدوى أن يقلد الكلب في عمليته فلم يفلح!!.

- هل أتاكم حديث (لوتروكيه) رئيس الجمعية الوطنية في فرنسا؟ الرجل العجوز الذي اقتحم الرابعة والسبعين من عمره، فلم يمنعه وقار الشيخوخة أن يغوص إلى أذنيه في مستنقعات العهر، والفوضى الجنسية.. لقد اعترف شرطيه الخاص أن جند عدداً من الفتيات تترواح أعمارهن بين 14 – 18 سنة لإحياء حفلات عارية في مسكن حكومي بباريس، وفي بيوت أنيقة لشخصيات باريسية كبيرة.. وهي مشكلة لا تزال بين يدي القضاء الفرنسي!!..

- وجاء في تقارير (البوليس السري الأمريكي بشيكاغو)، وقد نشرت في ثلاثة عشر مجلداً ما يلي: (إن هذه الحرية الفاسدة، وحضارة الخنافس لم تفسد فقط نظام الأسرة في أمريكا، لكنها أيضاً قد جلبت لأمريكا ثقافة لا يمكن معالجتها بالبوليس والقضاء..).

- ومما نشرته صحيفة (الهيرالدتربيون) الأمريكية في عددها 29/06/1979 ملخصاً لأبحاث قام بها مجموعة من الاختصاصيين الأمريكيين حول ظاهرة غريبة ابتدأت في الانتشار في المجتمعات الغربية بصورة عامة، وفي المجتمع الأمريكي بصورة خاصة، وهي ظاهرة اقتراف الفاحشة مع المحرمات كالبنت والأخت..

ويقول الباحثون: (إن هذا الأمر لم يعد نادر الحدوث، وإنما هو لدرجة يصعب تصديقها، فهناك عائلة من كل عشر عائلات يمارس فيها هذا الشذوذ)!!..

هذا مع المحارم فكيف إذا اجتمع الشاب والشابة مع بعضهما في دراسة أو عمل أو وظيفة.. ولم يكن بينهما رابطة من نسب، ولا صلة من قرابة..؟ فلا شك أن اقترافهما للفاحشة يكون من باب أولى!!..

فهذه الوقائع التي سردناها عن واقع الأمم الغريبة وتجربتهم للاختلاط ما هو إلا غيض من فيض، ونقطة من بحر للانحرافات الجنسية والخلقية التي آلت إليها المجتمعات العالمية قاطبة كنتيجة أليمة للعنة التبرج والسفور والاختلاط في عصور الانتكاس والضلال.. علماً بأن الاختلاط عند الغربيين والشرقيين يبدأ من الروضة إلى الابتدائي إلى الإعدادي إلى الثانوي إلى الجامعي.. بل الاختلاط – كما نوهنا – شائع وموجود ومطبق في سائر حياتهم الاجتماعية على الإطلاق.

فهل يصدق عاقل ذو بصيرة – بعد الذي أوضحناه – أن الاختلاط بين الجنسين – كما يدعي دعاة الاختلاط اليوم – يحد من ثورة الغريزة، ويخفف من هياج الشهوة، ويجعل اجتماع الرجال بالنساء أمراً مألوفاً وعاديّاً؟

ومن طرائف ما ذكره الشيخ زاهد الكوثري رحمه الله في مقالاته: (أن سفير الدولة العثمانية في بلاد الإنكليز اجتمع مرة مع كبراء الدولة البريطانية، فقال له أحد الكبراء الموجودين: لماذا تصرون أن تبقى المرأة المسلمة في الشرق متخلفة، معزولة عن الرجال، محجوبة عن النور؟!! فقال له السفير العثماني: لأن نساءنا في الشرق لا يرغبن أن يلدن من غير أزواجهن، فخجل الرجل ولم يُحْرِ جواباً).

فبأي حديث بعد هذا يؤمنون؟

وفي الحديث عن الاختلاط ونتائجه أريد أن أضع بين يدي الآباء والمربين هذه الحقيقة: إن مخططات الاستعمار والصهيونية، والمذاهب المادية والإباحية.. تستهدف أول ما تستهدف إفساد المجتمع المسلم، وتهديم كيانه، وفصم عراه..

وذلك بتمزيق القيم الأخلاقية، والمفاهيم الدينية بين الشباب والشابات، وإشاعة الميوعة والانحلال في كل ناحية من نواحي المجتمع المسلم.. فالمرأة عند هؤلاء هي أول الأهداف في هذه الدعوة الإباحية، والميدان الماكر، فهي العنصر الضعيف والعاطفي لتنفيذ أي مخطط لدعوة إباحية، ومنهج استعماري..

- يقول أحد أقطاب المستعمرين: (كأس وغانية تفعلان في تحطيم الأمة المحمدية أكثر مما يفعله ألف مدفع، فأغرقوها في حب المادة والشهوات).

- ويقول كبير من كبراء الماسونية الفجرة: (يجب علينا أن نكسب المرأة، فأي يوم مدت إلينا يدها فزنا بالحرام، وتبدّد جيش المنتصرين للدين).

- وجاء في (بروتوكولات حكماء صهيون) ما يلي: (يجب أن نعمل لتنهار الأخلاق في كل مكان فتسهل سيطرتنا.. إن (فرويد) منا، وسيظل يعرض العلاقات الجنسية في ضوء الشمس لكي لا يبقى في نظر الشباب شيء مقدس، ويصبح همه الأكبر هو إرواء غريزته الجنسية، وعندئذ تنهار أخلاقه).

فالذين يدعون إلى اختلاط الأنثى بالذكر في بلاد الإسلام، ويريدون أن يكون شائعاً مطبقاً في سائر حياتنا الاجتماعية.. ما هم في الحقيقة إلا أداة دعاية وتنفيذ لمخططات أعداء الإسلام من أصحاب مذاهب مادية وإلحادية وإباحية ودعاة أفكار استعمارية وصهيونية وماسونية.. من حيث يعلمون أو لا يعلمون، ومن حيث يشعرون أو لا يشعرون.

فما على الآباء والمربين والمسؤولين إذن أن يجنّبوا الإناث عن الذكور في التعليم وغير التعليم حتى ينشأ البنات على الفضيلة والعفاف، ويسلم المجتمع من المفاسد والانحلال، ويتحقق للشباب والشابات لياقاتهم الطبية والنفسية.. وحتى تحرر الأمة الإسلامية كذلك من مخططات أعداء الإسلام في إفساد المرأة المسلمة..

وما أحسن ما قالته عائشة التيمورية في الافتخار بعلمها وعفافها وحجابها:

بيد العفاف أصون عِزّ حجابي

وبهمتي أسمو على أترابي

ما ضرّني أدبي وحسن تعلّمي

إلا بكوني زهرة الألباب

ما عاقني خجلي عن العليا ولا

سَدْل الخمار بلمّتي ونقابي

[1] وما والاه: أي أطاع الله.

[2] عن مجلة التمدن الإسلامي من مقال (التربية الإسلامية) للأستاذ محمود مهدي استالبولى ص 422.

[3] الحديث بطوله رواه البخاري.

[4] فيجوز في ديار الحرب أن نأخذ مال الكفار بأي وسيلة بشرط أن يكون برضاهم.

[5] اختصرت القصة وتصرفت فيها بعض التصرف.

[6] الجزء الأول من كتاب (منهاج الفلسفة): ص 6-134.

مسؤولية التوعية الفكرية

ومن المسؤوليات الكبرى التي جعلها الإسلام أمانة في عنق الآباء والمربين جميعاً توعية الولد فكريّاً منذ حداثة سنه، ونعومة أظفاره.. إلى أن يصل سن الرشد والنضج.. والمقصود بالتوعية الفكرية ارتباط الولد:

بالإسلام ديناً ودولة.. وبالقرآن العظيم نظاماً وتشريعاً.. وبالتاريخ الإسلامي عزاً ومجداً.. وبالثقافة الإسلامية العامة روحاً وفكراً..

وبالارتباط الحركي للدعوة الإسلامية اندفاعاً وحماسة..

إذن على المربين أن يُعرّفوا الولد منذ أن يعي ويميز على الحقائق التالية:

(أ) خلود هذا الإسلام، وصلاحيته لكل الأزمنة والأمكنة، لما يمتاز به من مقومات الشمول والخلود والتجدد والاستمرار.

(ب) آباؤنا الأولون ما وصلوا إلى ما وصلوا إليه من عز وقوة وحضارة.. إلا بفضل اعتزازهم بهذا الإسلام، وتطبيقهم لأنظمة القرآن.

(جـ) الكشف للولد عن المخططات التي يرسمها أعداء الإسلام:

المخططات الصهيونية الماكرة.

والمخططات الاستعمارية الغاشمة.

والمخططات الشيوعية الملحدة.

والمخططات الصليبية الحاقدة.

هذه المخططات التي تستهدف بجملتها محو العقيدة الإسلامية في الأرض، وغرس بذور الإلحاد في الجيل المسلم، وإشاعة الميوعة والانحلال في الأسرة المسلمة والمجتمع المسلم.. والهدف البعيد والقريب من ذلك إخماد روح المقاومة والجهاد في شباب الإسلام، واستغلال ثروات البلاد الإسلامية لمصالحهم الذاتية، ثم بالتالي طمس معالم الإسلام في كل أرجاء المجتمعات التي ينتمي أهلها إلى الإسلام!!.

(د) الكشف عن الحضارة الإسلامية التي كانت الدنيا بأسرها ترتشف من معينها حيناً من الدهر عبر التاريخ.

(هـ) وأخيراً يجب أن يعرف الولد (أننا أمة لم ندخل التاريخ بأبي جهل، وأبي لهب، وأُبيّ بن خلف.. ولكن دخلناه بالرسول العربي صلوات الله عليه وأبي بكر وعمر..

ولم نفتح الفتوح بحرب البسوس وداحس والغبراء، ولكن فتحناها ببدر والقادسية واليرموك..

ولم نحكم الدنيا بالمعلقات السبع ولكن حكمناها بالقرآن المجيد.

ولم نحمل إلى الناس رسالة اللات والعزّى، ولكن حملنا إليهم رسالة الإسلام، ومبادئ القرآن)[1].

والأصل في هذه التوعية الفكرية ما رواه الطبراني عن علي كرم الله وجهه مرفوعاً: "أدبوا أولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم، وحب آل بيته، وتلاوة القرآن..".

ولقد كان السلف الصالح يهتمون كل الاهتمام لهذه التوعية، ويوجبون تلقين الولد منذ الصغر تعليم القرآن الكريم، ومغازي الرسول صلى الله عليه وسلم، ومآثر الجدود والأمجاد..

وإليكم ما قالوه وأوصوا به في هذا الصدد:

• يقول سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: "كنا نُعلّم أولادنا مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نعلمهم السورة من القرآن الكريم".

• وأوصى الإمام الغزالي في إحيائه: "بتعليم الطفل القرآن الكريم، وأحاديث الأخبار، وحكايات الأبرار، ثم بعض الأحكام الدينية".

• وأشار ابن خلدون في مقدمته إلى أهمية تعليم القرآن الكريم للأطفال وتحفيظه، وأوضح أن تعليم القرآن الكريم هو أساس التعليم في جميع المناهج الدراسية في مختلف البلاد الإسلامية لأنه شعار من شعائر الدين الذي يؤدي إلى رسوخ الإيمان..

• وقد نصح هشام بن عبد الملك مؤدب ولده أن يعلمه كتاب الله، والشعر الجيد، والخطابة، وتاريخ الملاحم، ويُعْني بتعليمه الأخلاق، ويروضه على مخالطة الناس..

فهذه الأقوال وأقوال غيرها تعطينا صورة صادقة عن التوعية الكاملة التي كان عليها المجتمع المسلم في الماضي حكاماً ومحكومين، علماء وعامة، معلمين ومتعلمين!!..

ولكن ما السبيل إلى هذه التوعية؟

السبيل إليها يتصل بعدة وجوه:

1- التلقين الواعي.

2- القدوة الواعية.

3- المطالعة الواعية.

4- الرفقة الواعية.

• والمقصود من التلقين الواعي.. أن يلقن الولد من قبل أبويه ومربيه حقيقة الإسلام وما ينطوي عليه من مبادئ وتشريعات وأحكام، وأنه الدين الوحيد الذي له ملكة الخلود، ومقومات البقاء، وطبيعة الاستمرار إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وعلى المربي – ولا سيما الأب – أن يحرص على إفهام الولد أنْ لا عز إلا بالإسلام، ولا نصر إلا بتعاليم القرآن، ولا قوة ولا حضارة ولا نهوض إلا بشريعة المصطفى عليه الصلاة والسلام، وعليه كذلك أن يبصره بكل المخططات اليهودية، والاستعمارية، والشيوعية، والصليبية.. التي تستهدف القضاء على الإسلام، وتشويه حقائقه الناصعة، ومعالمه المشرقة.. وتستهدف كذلك إجتثثاث روح المقاومة والجهاد في نفوس المسلمين، وتربية الجيل الحاضر على الإلحاد والضلال والإباحية..

كما عليه أن يلقنه حضارة الإسلام الزاهية التي بقيت مئات السنين تشع على الإنسانية نور الحق والمدنية والعرفان، والتي ظلت أوروبا عبر القرون تستقي من معينها، وتستهدي بنورها وضيائها!!..

ولا شك أن الولد بفضل هذا التلقين الواعي المستمر يرتبط بالإسلام ديناً ودولة، وبالقرآن الكريم نظاماً وتشريعاً، وبالتاريخ الإسلامي اعتزازاً وقدوة، وبالعمل الحركي والجهادي اندفاعاً وإقداماً!!..

فما أحوج الأولاد إلى مثل هذا التوجيه السامي، والتلقين الواعي، والتربية الهادفة!!..

• والمقصود من القدوة الواعية: أن يرتبط الولد بمرشد مخلص واع فاهم للإسلام، مندفع له، مجاهد في سبيله، مطبق لحدوده، لا تأخذه في الله لومة لائم.

وآفة من يتصدون للإرشاد اليوم أنهم يعطون لتلاميذتهم ومريديهم الصورة المقلوبة المشوهة عن الإسلام إلا من رحم ربك وقليل ماهم.

فمنهم من يركز توجيهه وعنايته على إصلاح النفس وتزكيتها.. ويهمل واجب الأمر بالمعروف والني عن المنكر، والمناصحة للحكام، والوقوف أمام الظلم والظالمين..

ومنهم من يجعل جُلّ اهتمامه للمظاهر التي أمر الإسلام بها من لحية وجلباب ولباس رأس.. ويهمل جانب العمل الحركي، والتجمع الإسلامي لإقامة حكم الله في الأرض..

ومنهم من يولي كل عنايته بالعلم الشرعي، ويهمل جانب التوجيه الدعَوي، والتحرك الجهادي.. وهو يظن أنه ينصر الإسلام.. ومنهم.. ومنهم...

علماً بأن الإسلام كلُّ لا يتجزأ، فلا يجوز لمرشد ولا لعالم، ولا لمن يتخذه الناس قدوة أن يكتموا واجباً أمر الله به، أو أن يتغاضوا عن منكر نهى الله عنه.. لعموم قوله تبارك وتعالى:

{إنَّ الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بينّاه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون. إلا الذين تابوا وأصلحوا وبيّنوا فأولئك أتوبُ عليهم وأنا التواب الرحيم} البقرة: 159-160.

ولإنذار ما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام فيما رواه ابن ماجة عن أبي سعيد الخُدري: "من كتم علماً مما ينفع الله به الناس في أمر الدين ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار".

ومن ملامح انحراف بعض من يتصدون للإرشاد اليوم أنهم يدّعون العصمة لأنفسهم ويربطون الحق بأشخاصهم الفانية، غير مكترثين بما يحكم الشرع لهم أو عليهم، ظناً منهم أنهم وصلوا المرتبة التي تنزههم عن الخطأ، والمقام الذي يجنبهم الوقوع في الزلل.. فلا يجوز لأحد من الناس أن ينتقدهم إذا أخطأوا، ولا يصح لمريد أن يراجعهم إذا أمروا.. لوصولهم إلى مرتبة الحفظ والعصمة.. علماً بأن العصمة خاصة بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام!.. فهذا الإمام مالك رحمه الله وقف مرة أمام قبر الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: "ما منا إلا من رَدّ ورُدّ عليه إلا صاحب هذا القبر"، وأشار إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم.

ومن المواقف الخالدة التي كان يقفها العلماء الواعون المخلصون موقف عالم العصر ومرشده الشيخ (سعيد النورسي) التركي، والملقب بـ "بديع الزمان" رحمه الله وأجزل مثوبته، هذا الموقف يتلخص أنه حين أحس ذات مرة أن من بين طلابه ومريديه من يذهب في تقديسه وتظيمه حدّاً عظيماً، ويربط معالم الحق بشخصه الفاني، قال لهم موصياً وموجهاً وناصحاً: "إياكم أن تربطوا الحق الذي أدعوكم إليه بشخصي المذنب الفاني، ولكن عليكم أن تبادروا فتربطوه بينبوعه الأقدس: كتاب الله وسنّة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولتعلموا أنني لست أكثر من دلاّل على بضاعة الرحمن جل جلاله، ولتعلموا أنني غير معصوم، وقد يفرط مني ذنب أو يبدو مني انحراف، فيتشوّه مظهر الحق (الذي ربطتموه بي) بذلك الذنب أو الانحراف، فإما أن أكون بذلك قدوة للناس في هذا الانحراف، وارتكاب الآثام، أو صارفاً لهم عن الحق بما شوّهه واختلط به من انحرافي وآثامي".

فما على المربين إذن إلا أن يربطوا أولادهم بمرشد عالم واعٍ مخلص يعطيهم الإسلام منهاجاً شاملاً عامّاً سواء ما يتعلق في العقيدة والتشريع، أو ما يتصل بالدين والدولة، أو ما يرتبط بالتزكية والجهاد، أو ما يختص بالعبادة والسياسة..

ويعطيهم التلقين التربوي والإصلاح النفسي توجيهاً سليماً واعياً يربطهم بالحق والشرع وتوجيهات السلف.. لا بوجوده الفاني، وشخصه المذنب..

ولا شك أن الأولاد حين يرتبطون بالقدوة الواعية – بهذا الشكل الذي بيناه – فيتربون على التقوى والجهاد، وينشؤون على الإخبات لله، والجرأة في الحق، ويدرجون على التعبد في المحراب، وعلى مقارعة الأعداء في ميادين القتال، عندئذ يكونون من النمط الذي قال عنهم الشاعر الإسلامي:

شباب ذلّلوا سبل المعاني

وما عرفوا سوى الإسلام دينا

تعهدهم فأثبتهم نباتاً

كريماً طاب في الدنيا غصونا

إذا شهدوا الوغى كانوا كُماة

يدكّون المعاقل والحصونا

وإنْ جَنّ المساء فلا تراهم

من الإشفاق إلا ساجدينا

كذلك أخرج الإسلام قومي

شباباً مخلصاً حرّاً أمينا

وعلّمه الكرامة كيف تُبنى

فيأبى أن يُقيّد أو يهونا

وحين يكونون على هذه الشاكلة يتحقق على أيديهم كل عزة ونصر وسيادة للإسلام والمسلمين.

• والمقصود من المطالعة الواعية أن يضع المربي بين يدي الولد منذ أن يعقل ويميز مكتبة – ولو صغيرة – تشمل مجموعة من القصص الإسلامية تتكلم عن سيرة الأبطال، وحكايات الأبرار، وأخبار الصالحين..

وتشمل كذلك مجموعة من الكتب الفكرية تتحدث عن كل ما يتعلق بالنظم الإسلامية سواء كانت عقَديّة أو أخلاقية أو اقتصادية أو سياسية..

وعن كل ما يتعلق في توضيح المؤامرات التي تحيكها الصهيونية والماسونية والشيوعية والصليبية، والمذاهب المادية ضد الإسلام والمسلمين..

وتشمل أيضاً مجموعة من المجلات الإسلامية الواعية التي تعرض الإسلام، وتنقل الأخبار، وتعالج المشكلات، وتكتب المواضيع بعَرْض شيّق وأسلوب جذّاب..

وعلى المربي أن يختار للولد من هذه الكتب والمجلات والقصص ما يتناسب مع سِنّه وثقافته حتى تكون الفائدة أنفع، والثمرة التي يجنيها أجدى وأحسن.. تحقيقاً لإشارات الرسول صلوات الله وسلامه عليه فيما رواه البخاري عن علي كرم الله وجهه: "حدثوا الناس بما يعرفون..."، وفيما رواه الديلمي، والحسن بن سفيان عن ابن عباس رضي الله عنهما: "أمرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم".

ولا شك أن المربين حينما ينهجون بأولادهم هذا النهج، ويسلكون معهم هذه السبيل فإنهم يتثقفون بالثقافة الإسلامية الكاملة، ويدرجون على الوعي الناضج الصحيح.

• والمقصود من الرفقة الواعية أن يختار المربون لأولادهم رفقاء صالحين مأمونين متميزين عن غيرهم بالفهم الإسلامي الناضج، والوعي الفكري النابه، والثقافة الإسلامية الشاملة.

ولا شك أن الولد منذ أن يعقل ويدرك، حينما يصاحب البليدين ذهنياً وفكرياً فإنه يكتسب منهم البلادة، وحينما يخالط القاصرين عن إدراك حقيقة الإسلام ونظرته الكلية إلى الكون والحياة والإنسان فإنه يكتسب منهم القصور والمحدودية..

فلا يكفي أن يكون الرفيق صالحاً قانتاً مصلياً.. ولا أن يكون مثقفاً ذكياً عبقرياً.. بل ينبغي أن يجمع مع فضيلة الصلاح والتقوى فضيلة النضج العقلي، والوعي الاجتماعي والفهم الإسلامي.. حتى يكون رفيقاً سويّاً، وصاحباً ناضجاً تقيّاً..

وقد قالوا قديماً: (الصاحب ساحب).

وقال أهل المعرفة: لا تقل لي: من أنا؟ بل قل لي: من أصاحب؟ فتعرف من أنا.

وما أحسن ما قاله الشاعر:

عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه

فكل قرين بالمقارن يَقتدي

وما أصدق ما قاله عليه الصلاة والسلام فيما رواه الترمذي: "المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل".

فما على المربين إلا أن يهيئوا لأولادهم وهم في سن التمييز الرفقة الصالحة الواعية التي تُبصّرهم حقيقة الإسلام، وتعرفهم مبادئه الشاملة، وتعاليمه الخالدة، وتعطيهم الصورة الصادقة عن هذا الدين الذي حمل لواءه أبطال كرام، وجدود أمجاد..

فكانوا بحق خير أمة أخرجت للناس..

وأخيراً أزيد أن أهمس في أذن المربين والأولياء والآباء بهذه الحقيقة!!..

أليس من المؤسف المؤلم أن يصل شبابنا إلى سن التكليف ولم يعلموا أن الإسلام دين ودولة، ومصحف وسيف، وعبادة وسياسة.. وأنه الدين الوحيد الذي له ملكة الشمول والخلود والبقاء للزمن المتحضّر، والحياة المتطورة؟!..

أليس من المؤسف المؤلم أن يتعلم أبناؤنا في المدارس كل شيء عن رجالات الغرب، وفلاسفة الشرق، وعن أفكارهم وآرائهم، وتاريخ حياتهم، ومآثر أعمالهم.. ولم يعرفوا عن حياة أبطالنا وعظمائنا في التاريخ، وأخبار الفاتحين.. سوى النذر القليل؟!..

ثم أليس من العار والشنار أن يتخرج أولادنا من المدارس وقد مسختهم الثقافات الأجنبية، والمبادئ الغربية أو الشرقية.. حتى أصبح الكثير منهم أعداء لدينهم وتاريخهم وحضارتهم؟..

ثم بالتالي أليس مما يفتت القلب والكبد أن تنساق الفئة المؤمنة من الشباب وراء أدعياء الإرشاد يعطلون لهم تفكيرهم، ويقطعونهم من كل صلة ثقافية إسلامية واعية، ويمنعونهم من كل مشرد عالم مخلص، يوضح لهم حقيقة الإسلام ونظرته الكلية الشاملة؟!..

وأخيراً أليس من المخزي المؤسف أن يقتني أبناء هذا الجيل الكتب الإلحادية، والمجلات الخلاعية، والقصص الغرامية.. ولم يكن عندهم أدنى اهتمام بالكتب الفكرية التي توضح نظم الإسلام، وترد على شبهات الأعداء، وتعرفهم بمفاخر التاريخ؟!.

فما عليكم – أيها المربون والآباء – إلا أن تقوموا بواجب المسؤولية تجاه أفلاذ أكبادهم، وأن تسعوا جاهدين في تصحيح أفهامهم وأفكارهم إن كانت مشوبة بأفكار دخيلة، وآراء ضالة!!.. كما عليكم أن تلقنوهم صباح مساء الردّ على دسائس الملحدين والمبشرين، وافتراءات الماديين والمستشرقين..

وفي هذا – لا شك – توعية لأفكارهم، وصيانة لعقيدتهم من أن تتأثر بالدسائس المغرضة، والمبادئ الهدامة، والعقائد المنحرفة..

فإن نهجتم هذا النهج، وسلكتم هذه السبيل اعتز أبناؤكم بدينهم، وافتخروا بأمجادهم وتاريخهم، وما عرفوا سوى الإسلام عقيدة وشريعة، ومصحفاً وسيفاً، وديناً ودولة، وعبادة وسياسة.. وكانوا من الجيل الأول الذي قال عنهم الشاعر:

خلّفت جيلا من الأصحاب سيرتهم

تضوع بين الورى روْحاً وريْحانا

كانت فتوحهُمو بِرّاً ومرحمة

كانت سياستهم عدلا وإحسانا

لم يعرفوا الدين أوراداً ومسبحة

بل أُشْبِعُوا الدين محراباً وميدانا

[1] من خطبة للأستاذ عصام العطار حفظه الله وشفاه.

مسؤولية الصحة العقلية

ومن المسؤوليات التي جعلها الله أمانة في عنق الآباء والمربين جميعاً: الاعتناء بصحة عقول أبنائهم وتلامذتهم.. فما عليهم إلا أن يقدروها حق قدرها، ويرعوها حق رعايتها، حتى يبقى تفكيرهم سليماً، وذاكرتهم قوية، وأذهانهم صافية وعقولهم ناضجة..

ولكن ما هي حدود مسؤولية الآباء والمربين في صحة الأولاد العقلية؟

المسؤولية تتركز في تجنيبهم المفاسد المنتشرة في المجتمع هنا وهناك لما لها من تأثير على العقل والذاكرة والجسم الإنساني بشكل عام.

وقد أفضنا في الحديث عنها في فصل (مسؤولية التربية الجسمية) من هذا الكتاب، والآن نلخصها، ونشير إليها ليكون – كل من له في عنقه حق التربية – على بينة وهدى وذكرى.

مما أجمع عليه الأطباء، وحذر منه علماء الصحة أن المفاسد التي تؤثر على العقل والذاكرة، وتخمل الذهن، وتشلّ عملية التفكير في الإنسان، وتحدث أضراراً بالغة في الجسم هي ما يلي:

1- مفسدة تناول الخمور بشتّى أشكالها وأنواعها، فإنها تقتل الصحة وتورث الجنون..
2- مفسدة العادة السرية فإن الإدمان عليها يورث السل، ويضعف الذاكرة، ويسبب الخمول الذهني، والشرود العقلي..
3- مفسدة التدخين فإن من تأثيره على العقل: أن يهيج الأعصاب، ويؤثر على الذاكرة، ويضعف ملكة إحضار الذهن والتفكير..
4- مفسدة الإثارات الجنسية كمشاهدة الأفلام الخلاعية، والتمثيليات الماجنة، والصور العارية.. فإنها تعطل وظيفة العقل، وتسبب الشرود، وتقضي على ملكة الاستذكار الذهني.. فضلا عن الإلهاء، وإضاعة الوقت الثمين.

يقول الدكتور (أليكس كارليل) في كتابه (الإنسان ذلك المجهول): (عندما تتحرك الغريزة الجنسية لدى الإنسان تفرز غدده نوعاً من المادة التي تتسرب بالدم إلى دماغه وتخدّره فلا يعود قادراً على التفكير الصافي).

إلى غير ذلك من المفاسد الخطيرة الضارة التي تضر بعقول الأولاد، وتسبب لهم الآفات والأخطار..

والذي نخلص إليه بعد ما تقدم من بحوث هذا الفصل أن:

- الواجب التعليمي.

- والتوعية الفكرية.

- والصحة العقلية.

هي أبرز المسؤوليات في تربية الأولاد العقلية، فإن قصّر الآباء والمربون والمعلمون في القيام بهذه الواجبات، وفرطوا في هاتيك المسؤوليات.. فإن الله سبحانه سيحاسبهم على تقصيرهم، ويسألهم عن نتائج إهمالهم.. فيا خجلهم من الله إذا وقع عليهم الحق وكانوا من المفرّطين.

ويا ويلهم من مشهد يوم عظيم إذا كان جوابهم أمام رب العالمين:

{ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا. ربنا آتهم ضعفين من العذاب والْعنهم لعناً كبيراً} الأحزاب: 67-68.

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل فيما رواه ابن حبان: "إن الله سائل كل راع عما استرعاه: حَفِظَ أم ضيّع". اللهم اجعلنا ممّن يطيعون الله ورسوله، وممّن تبيض وجوههم يوم الحساب، وممّن أدّوا مسؤولية أولادهم وأهليهم خير أداء.. إنك خير مأمول، وأكرم مسؤول.

الفصل الخامس - مسؤولية التربية النفسية

تمهيد

المقصود بالتربية النفسية: تربية الولد منذ أن يعقل على الجرأة والصراحة، والشجاعة، والشعور بالكمال، وحب الخير للآخرين، والانضباط عند الغضب، والتحلي بكل الفضائل النفسية والخلقية على الإطلاق..

والهدف من هذه التربية تكوين شخصية الولد وتكاملها واتزانها.. حتى يستطيع – إذا بلغ سن التكليف – أن يقوم بالواجبات المكلف بها على أحسن وجه، وأنبل معنى.

وإذا كان الولد – منذ أن يولد – أمانة بيد مربّيه، فالإسلام يأمرهم ويحتم عليهم أن يغرسوا فيه منذ أن يفتح عينيه أصول الصحة النفسية التي تؤهله لأن يكون إنساناً ذا عقل ناضج، وتفكير سليم، وتصرّف متزّن، وإرادة مستعلية..

وكذلك عليهم أن يحرروا الولد من كل العوامل التي تغض من كرامته واعتباره، وتحطم من كيانه وشخصيته، والتي تجعله ينظر إلى الحياة نظرة حقد وكراهية وتشاؤم..

وأرى أن من أهم العوامل التي يجب على المربين أن يحرروا أولادهم وتلامذتهم منها هي الظواهر التالية:

1- ظاهرة الخجل

2- ظاهرة الخوف.

3- ظاهرة الشعور بالنقص

4- ظاهرة الحسد.

5- ظاهرة الغضب[1].

وإن شاء الله في هذا الفصل فسنستعرض كل ظاهرة على حدة بشيء من التفصيل، ثم نتطرق للعلاج على ضوء ما جاء في الإسلام، ثم نرشد إلى ظاهرة الفضيلة التي تحل محلها، والله الموفق وهو المستعان..

[1] اقترح بعض الإخوة أن أضيف هذه الظواهر (ظاهرة التسيب) "اللامبالاة"، و (ظاهرة التهور)، ولكن جاء الاقتراح أثناء تقديم هذا الكتاب للطبع، وإن شاء الله فستكون الإضافة في الطبعات القادمة إن وفق الله.

ظاهرة الخجل

من المعلوم أن ظاهرة الخجل من طبيعة الأطفال (ولعل أُوْلى أماراته تبدأ في سن الأربعة أشهر، وأما بعد كمال السنة فيصبح الخجل واضحاً في الطفل، إذ يدير وجهه أو يغمض عينيه أو يغطي وجهه بكفيه إن تحدث شخص غريب إليه)[1].

(وفي السنة الثالثة يشعر الطفل بالخجل عندما يذهب إلى دار غريبة، فهو قد يجلس هادئاً في حجر أمه أو إلى جانبها طوال الوقت لا ينبس ببنت شفة)[2].

وتلعب الوراثة دورها في شدة الخجل عند الأطفال، ولا ينكر ما للبيئة من أثر كبير في ازدياد الخجل أو تعديله، فإن الأطفال الذين يخالطون غيرهم، ويجتمعون معهم يكونون أقل خجلا من الأطفال الذين لا يخالطون ولا يجتمعون!!..

المعالجة لا تتم إلا أن نعوّد الأولاد على الاجتماع بالناس.. سواء جلب الأصدقاء إلى المنزل لهم بشكل دائم، أو مصاحبتهم لآبائهم في زيارة الأصدقاء والأقارب، أو الطلب منهم برفق ليتحدّثوا أمام غيرهم سواء كان المُتحَدّث إليهم كباراً أو صغاراً!!..

وهذا التعويد – لا شك – يضعف في نفوسهم ظاهرة الخجل، ويكسبهم الثقة بأنفسهم، ويدفعهم دائماً إلى أن يتكلموا بالحق لا يخشون في سبيل ذلك لومة لائم.

وهذه بعض الأمثلة التاريخية والأحاديث النبوية التي تعطي للمربين جميعاً القدوة الصالحة في تربية السلف الصالح أبناءهم على الجرأة، ومعالجة ظاهرة الخجل في نفوسهم:

(أ) روى البخاري وغيره عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما – وكان دون الحُلُم – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، فحدثوني ما هي؟ فوقع الناس في شجر البوادي، قال عبد الله: ووقع في نفسي أنها النخلة، فاستحييت، ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: هي النخلة".

وفي رواية: فأردت أن أقول: "هي النخلة" فإذا أنا أصغر القوم.

وفي رواية: "ورأيت أبا بكر وعمر ولا يتكلمان، فكرهت أن أتكلم، فلما قمنا حدثت أبي بما وقع في نفسي، فقال: لأن تكون قُلْتَها أحبّ إليّ من أن يكون لي حُمْرُ النّعَم".

(ب) وروى مسلم عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُتي بشراب، فشرب منه، وعن يمينه غلام، وعن يساره أشياخ (أي مسنّين).

فقال للغلام: "أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟".

فقال الغلام: لا والله، ولا أوثر بنصيبي منك أحداً.

(ج) وروى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما – وكان دون الحُلم – أنه قال: كان عمر رضي الله عنه يدخلني – أي في أيام خلافته – مع أشياخ بدر (أي في المشورة)، فكأنّ بضعهم وجد في نفسه (أي غضب)، فقال لِمَ يدخُل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟

فقال عمر: إنه من حيث قد علمتم[3]!!..

فدعاني ذات مرة، فأدخلني معهم، فما رأيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم.

قال: ما تقولون في قوله تعالى {إذا جاء نصر الله والفتح...}؟

فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئاً.

فقال لي: أكذلك تقول: يا ابن عباس؟

فقلت: لا.

قال: فما تقول؟

قلت: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه له، قال: {إذا جاء نصر الله والفتح...}، وذلك علامة أجلك {فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً}.

فقال عمر رضي الله عنه: ما أعلم منها إلا ما تقول.

(د) ومرّ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرة في طريق من طرق المدينة، وأطفال هناك يلعبون، وفيهم عبد الله بن الزبير وهو طفل يلعب، فهرب الأطفال هيبة من عمر، ووقف ابن الزبير ساكتاً لم يهرب.

فلما وصل إليه عمر قال له: لِمَ لم تهرب مع الصبيان؟

فقال على الفور: لست جانياً فأفِرَّ منك، وليس في الطريق ضيق فأوسّعَ لك.

إنه جواب جريء وسديد.

(هـ) ورأى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ولداً له في يوم عيد، وعليه ثوب خَلق – أي قديم – فدمعت عيناه، فرآه ولده، فقال: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟

قال: يا بني، أخشى أن ينكسر قلبك إذا رآك الصبيان بهذا الثوب الخَلق؟!!.

قال: يا أمير المؤمنين، إنما ينكسر قلب من أعدمه الله رضاه، أو عق أمه وأباه، وإني لأرجو أن يكون الله تعالى راضياً عني برضاك.

(و) ودخل على عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه في أول خلافته وفود المهنئين من كل جهة، فتقدم من وفد الحجازيين للكلام غلام صغير لم تبلغ سنّه إحدى عشر سنة.

فقال له عمر: ارجع أنت، وليتقدم من هو أسنّ منك!!.

فقال الغلام: أيّد الله أمير المؤمنين، المرء بأصغريه: قلبه ولسانه، فإذا منح الله العبد لساناً لافظاً، وقلباً حافظاً، فقد استحق الكلام، ولو أن الأمر – يا أمير المؤمنين – بالسنّ لكان في الأمة من هو أحق منك بمجلسك هذا!!..

فتعجب عمر من كلامه وأنشد:

تعلّم فليس المرء يولد عالماً

وليس أخو علم كمن هو جاهل

وإنّ كبير القوم لا علم عنده

صغير، إذا التفّت عليه المحافل

(ز) ومما تناقلته كتب الأدب أن صبيّاً تكلم بين يدي الخليفة المأمون فأحسن الجواب. فقال له المأمون: ابن مَنْ أنت؟ فقال الصبي: ابن الأدب يا أمير المؤمنين!!..

فقال المأمون: نعم النسب، وأنشد يقول:

كن ابن من شئت واكتسب أدباً

يُغنيك محمودُه عن النسب

إن الفتى من يقول: ها أنذا

ليس الفتى من يقول: كان أبي

(ح) ودخل المأمون مرة بيت الديوان فرأى غلاماً صغيراً على أذنه قلم.

فقال له: من أنت؟

قال: أنا الناشئ في دولتك، والمُتقلّب في نعمتك، والمؤمّل لخدمتك أنا الحسن ابن رجاء. فعجب المأمون من حسن إجابته، وقال: بالإحسان في البديهة تفاضلت العقول، ارفعوا هذا الغلام فوق مرتبته.

(ط) قحطت البادية في أيام (هشام بن عبد الملك)، فقدمت عليه العرب فهابوا أن يتكلموا وكان فيهم (درواس بن حبيب) وهو إذ ذاك صبي فوقعت عليه عين هشام، فقال لحاجبه: ما يشاء أحد يدخل عليّ إلا دخل حتى الصبيان؟!.

فقال الصبي: يا أمير المؤمنين! إنا أصابتنا سنون ثلاث: سنة أذابت الشحم، وسنة أكلت اللحم، وسنة نقّت العظم (أي أخرجت مخه) وفي أيديكم فضول أموال، فإن كانت لله ففرّقوها على عباده، وإن كانت لهم فعَلامَ تحبسونها عنهم؟، وإن كانت لكم فتصدّقوا بها عليهم، فإن الله يجزي المتصدقين، ولا يضيع أجر المحسنين.

فقال هشام: ما ترك لنا هذا الغلام في واحدة من الثلاث عذراً، فأمر للبوادي بمائة ألف درهم، وله بمائة ألف درهم.

فقال الصبي: ارددها يا أمير المؤمنين إلى جائزة العرب، فإني أخاف أن تعجز عن بلوغ كفايتهم.

فقال هشام: أما لك حاجة؟ قال الصبي: ما لي حاجة فيّ خاصة دون عامة المسلمين! فخرج الصبي وهو من أنبل القوم وأكرمهم.

فيؤخذ من هذه الأمثلة التي سردناها أن أبناء السلف كانوا يتربون على التحرر التام من ظاهرة الخجل، ومن بوادر الانكماش والانطوائية، وذلك بسبب تعويدهم على الجرأة، ومصاحبة الآباء لهم حضور المجالس العامة، وزيارة الأصدقاء، ثم بالتالي تشجيعهم على التحدث أمام الكبار، ثم دفع ذوي النباهة والفصاحة منهم لمخاطبة الخلفاء والأمراء، ثم استشارتهم في القضايا العامة، والمسائل العلمية في مجمع من المفكرين والعلماء.

وهذا كله مما ينمّي في الأولاد الجراءة الأدبية ويغرس في نفوسهم أنبل معاني الفهم والوعي، ويهيب بهم في أن يتدرجوا في مدارج الكمال وتكوين الشخصية، والنضج الفكري والاجتماعي..

فما على المربين اليوم – ولا سيما الآباء – إلا أن يأخذوا بقواعد هذه التربية الفاضلة حتى ينشأ الأولاد على الصراحة التامة، والجرأة الكاملة ضمن حدود الأدب والاحترام ومراعاة شعور الآخرين، وإنزال الناس منازلهم.. وإلا فإن الجرأة ستنقلب إلى وقاحة، والصراحة إلى قلة أدب مع الآخرين.

وعلينا أن نميز بين الحياء والخجل للفرق الواضح بينهما:

فالخجل – كما مر – هو انكماش الولد وانطواؤه وتجافيه عن ملاقاة الآخرين. أما الحياء فهو التزام الولد مناهج الفضيلة وآداب الإسلام.

فليس من الخجل في شيء أن نعوِّد الولد منذ نشأته على الاستحياء من اقتراف المنكر، وارتكاب المعصية.

وليس من الخجل في شيء حين نعود الولد على توقير الكبير، وغض البصر عن المحرمات، وكف الأذن أن تسترق سرّاً، أو تكتشف خبئاً.

وليس من الخجل في شيء حين نعوده على تنزيه اللسان بأن يخوض في باطل، وعلى فطم البطن عن تناول المحرمات، وعلى صرف الوقت في طاعة الله، وابتغاء مرضاته!!..

وهذا المعنى من الحياء هو ما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال – فيما رواه الترمذي - :"استحيوا من الله حق الحياء، قلنا: إنا نستحيي من الله يا رسول الله – والحمد الله – قال: ليس ذلك.. الاستحياء من الله حق الحياء: أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياء، وآثر الآخرة على الأولى، فمن فعل ذلك استحياء من الله حق الحياء".

وقال – فيما رواه الإمام أحمد - :"اللهم لا يدركني زمان لا يُتبَعُ فيه العليم، ولا يُستحيا فيه من الحليم".

وقال – فيما رواه الإمام مالك - :"إن لكل دين خُلُقاً، وخُلُق الإسلام الحياء".

[1] من كتاب المشكلات السلوكية عند الأطفال للدكتور نبيه الغبرة ص 153.

[2] من كتاب المشكلات السلوكية عند الأطفال للدكتور نبيه الغبرة ص 153.

[3] أي ممن خصه عليه الصلاة والسلام بالدعاء له: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل".

ظاهرة الخوف

ظاهرة الخوف حالة نفسية تعتري الصغار والكبار، والذكور والإناث.. وقد تكون هذه الظاهرة مستحبة إن كانت ضمن الحدود الطبيعية لدى الأطفال، لأنها تكون وسيلة في حماية الطفل من الحوادث، وتُجنّبه كثيراً من الأخطار..

ولكن إذا ازداد الخوف عن الحد المعتاد، وتجاوز حدود الطبيعة.. فإنه يسبب في الأطفال قلقاً نفسيّاً، فعنده يعتبر مشكلة نفسية يجب معالجتها والنظر فيها.

يقول المختصون بعلم نفس الأطفال: (إنّ الطفل في السنة الأولى قد يبدي علامات الخوف عند حدوث ضجة مفاجئة أو سقوط شيء بشكل مفاجئ أو ما شابه ذلك.. ويخاف الطفل من الأشخاص الغرباء اعتباراً من الشهر السادس تقريباً، وأما الطفل في سنته الثالثة فإنه يخاف أشياء كثيرة من الحيوانات والسيارات والمنحدرات والمياه وما شابه هذا..

وبوجه عام فإن الإناث أكثر إظهاراً للخوف من الذكور، كما تختلف شدته تبعاً لشدة تخيل الطفل، فكلما كان أكثر تخيلاً كان أكثر تخوّفاً)[1].

ولازدياد الخوف لدى الأطفال عوامل وأسباب، نذكر أهمها:

• تخويف الأم وليدها بالأشباح أو الظلام أو المخلوقات الغريبة.

• دلال الأم المفرط، وقلقها الزائد، وتحسسها الشديد.

• تربية الولد على العزلة والانطوائية والاحتماء بجدران المنزل.

• سرد القصص الخيالية التي تتصل بالجن والعفاريت.

... إلى غير ذلك من هذه العوامل والأسباب.

ولعلاج هذه الظاهرة في الأطفال يجب مراعاة الأمور التالية:

1- تنشئة الولد منذ نعومة أظفاره على الإيمان بالله، والعبادة له، والتسليم لجنابه في كل ما ينوب ويروع.. ولا شك أن الولد يُربّى على هذه المعاني الإيمانية، ويعوّد على هذه العبادات البدنية والروحية.. فإنه لا يخاف إذا ابتلى، ولا يهلع إذا أصيب.. وإلى هذا أرشد القرآن الكريم حين قال:

{إن الإنسان خُلق هلوعاً. إذا مسّه الشر جزوعاً. وإذا مسه الخير منوعاً. إلا المصلين الذين ههم على صلاتهم دائمون} المعارج: 23.

2- إعطاؤه حرية التصرف، وتحمل المسؤولية، وممارسة الأمور على قدر نموّه، ومراحل تطوره، ليدخل في عموم قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه البخاري "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته".

3- عدم إخافة الولد – ولا سيما عند البكاء – بالغول والضبع، والحرامي، والجني والعفريت.. ليتحرر الولد من شبح الخوف وينشأ على الشجاعة والإقدام.. ويدخل في عموم الخيرية التي وجه إليها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله – فيما رواه مسلم – :" المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف".

4- تمكين الطفل منذ أن يعقل بالخلطة العملية مع الآخرين، وإتاحة المجال له للالتقاء بهم، والتعرف عليهم، ليشعر الطفل من قرارة وجدانه أنه محل عطف ومحبة واحترام مع كل من يجتمع به، ويتعرف عليه، ليكون من عداد من عناهم الرسول صلوات الله وسلامه عليه بقوله – فيما رواه الحاكم والبيهقي - :"المؤمن آلف مألوف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف، وخير الناس أنفعهم للناس".

ومما ينصح به علماء النفس والتربية: (ولا بأس بأن نجعل الطفل أكثر تعرفاً للشيء الذي يخيفه، فإذا كان يخاف الظلام فلا بأس بأن نداعبه بإطفاء النور ثم إشعاله، وإن كان يخاف الماء فلا بأس بأن نسمح له بأن يلعب بقليل من الماء في إناء صغير أو ما شابهه، وإن كان يخاف من آله كهربائية كمكنسة كهربائية مثلاً فلا بأس بأن نعطيه أجزائها ليلعب بها ثم نسمح له بأن يلعب بها كاملة، وهكذا...)[2].

5- تلقينهم مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومواقف السلف البطولية، وتأديبهم على التخلّق بأخلاق العظماء من القواد والفاتحين، الصحابة والتابعين.. ليتطبّعوا على الشجاعة الفائقة، والبطولة النادرة، وحب الجهاد، وإعلاء كلمة الله.

ولنستمع إلى ما يقوله سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في هذا المعنى: "كنا نعلّم أولادنا مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نعلمهم السورة من القرآن".

وسبق أن ذكرنا وصية عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – للآباء في تعليم أولادهم مبادئ الفتوّة والفروسية، ووسائل الحرب والجهاد – حين قال: "علموا أولادكم الرماية والسباحة، ومروهم فليثبوا على الخيل وثباً".

وسبق أن ذكرنا كذلك في مبحث (مسؤولية التربية الإيمانية) الحديث الذي رواه الطبراني: "أدّبوا أولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم، وحب آل بيته، وتلاوة القرآن".. وما هذه التوجيهات من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابة الكرام من بعده.. إلا برهان قاطع على اهتمام الإسلام بتربية الأولاد على الشجاعة، وحثّهم على الإقدام.. ليكونوا في المستقبل جيل الإسلام الصاعد في إشادة صرح الإسلام الشامخ، ورفع منار العزة الإسلامية في العالمين..

وفي المناسبة نقتطف من سيرة أبناء الصحابة الكرام مواقف بطولية خالدة كان لها في التاريخ ذكر، وفي الأجيال قدوة.. وما زالت أخبارهم مضرب الأمثال، وسيرتهم مفخرة الأجيال، ومواقفهم أعجوبة التاريخ:

(أ) لما خرج المسلمون إلى أُحُد للقاء المشركين، استعرض النبي صلى الله عليه وسلم الجيش، فرأى فيه صغاراً لم يبلغوا الحُلم حشروا أنفسهم مع الرجال، ليكونوا مع المجاهدين في إعلاء كلمة الله، فأشفق عليهم النبي صلى الله عليه وسلم وردّ من استصغر منهم.

وكان فيمن ردّه عليه الصلاة والسلام رافع بن خديج، وسُمرة بن جُندب، ثم أجاز رافعاً لما قيل له: إنه رامٍ يحسن الرماية.

فبكى سمرة وقال لزوج أمه: أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم رافعاً وردّني مع أني أصرعه، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر، فأمرهما بالمصارعة، فكان الغالب سُمرة، فأجازه عليه الصلاة والسلام.

(ب) لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر رضي الله عنه إلى المدينه المنورة، وأقاما في غار ثور ثلاثة أيام، عملت عائشة وأسماء بنتا أبي بكر رضي الله عنهم في تهيئة الزاد لهما، وقطعت أسماء قطعة من نطاقها – وهو ما يشد به الوسط – فربطت به على فم وعاء الطعام الذي كانت تحمله، فسميت لذلك: "ذات النطاقين"، وعمل عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهما على نقل الأخبار، فلا يسمع من قريش أمراً يبيّونه من المكروه لهما إلا وعاه رضي الله عنه حتى يأتيهما في المساء بخبره، ويبقى عندهما بعض الوقت، ثم يخرج من عندهما بالسّحر، ويصبح مع قريش بمكة كأنه كان نائماً فيها، ومن المعلوم أن عائشة وعبد الله رضي الله عنهما لم يبلغا الحلم بعد.

وهذه شجاعة نادرة لم يقو عليها كثير من الرجال!!..

(ج) أخرج الشيخان عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: إني لواقف يوم بدر في الصف، فنظرت عن يميني وشمالي فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما.

فغمرني أحدهما فقال: يا عماه!!. أتعرف أبا جهل؟ فقلت: نعم، وما حاجتك إليه؟ قال: أُخبرت أنه يسبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي نفسي بيده، لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده (أي شخصي شخصه) حتى يموت الأعجل منا، فتعجبت لذلك، فغمرني الآخر فقال لي أيضاً مثلها، فلم ألبث أن نظرت إلى أبي جهل وهو يجول في الناس.

فقلت: ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذي تسألاني عنه، فابتداره بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبراه، فقال أيكما قتله؟

قال كل منهما: أنا قتلتُه، قال: هل مسحتما سيفيكما؟ قالا: لا.

قال: فنظر النبي صلى الله عليه وسلم في السيفين فقال: "كلاكما قتله؟ سَلَبه[3] لمعاذ بن عمرو بن الجموح" وكانا معاذ بن عفراء، ومعاذ بن عمرو بن الجموح.. رضي الله عنهما.

(د) وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي: أن امرأة دفعت إلى ابنها يوم أحُد السيف فلم يُطق حمله، فشدته على ساعده بسير مضفور، ثم أتت به النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله هذا ابني يقاتل عنك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أي بنيّ، احمل ها هنا، (أي اهجم ها هنا) فأصابته جراحة، فصُرع، فأُتي به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أي بنيّ، لعلك جزعت!! قال الولد: لا يا رسول الله!!..

(هـ) وأخرج ابن سعد في طبقاته، والبزار وابن الأثير في الإصابة عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: رأيت أخي عُمير بن أبي وقاص قبل أن يعرضنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر يتوارى، فقلت: مالك يا أخي؟ قال: إني أخاف أن يراني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيردّني، وأنا أحب الخروج لعل الله يرزقني الشهادة، قال: فعُرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم فردّه لصغره، فبكى فأجازه عليه الصلاة والسلام.

فكان سعد رضي الله عنه يقول: فكنت أعقد حمائل سيفه من صغره. فقتل وهو ابن ست عشرة سنة رضي الله عنه وأرضاه.

فيؤخذ من هذه الأمثلة التاريخية وغيرها.. أن أبناء الصحابة رضي الله عنهم، كانوا على جانب عظيم من الشجاعة الفائقة، والبطولة النادرة، والجهاد الجريء.. وما ذاك إلا بفضل التربية القويمة التي تلقوها من مدرسة النبوة، والبيت المسلم، والمجتمع المؤمن المجاهد الشجاع!!.. بل كانت الأمهات يدفعن بأولادهن غلى ساحات الفداء والجهاد.. ويوم يسمعن خبر النعي، ونبأ الاستشهاد تقول إحداهن قولتها الخالدة: (الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو من الله أن يجمعني وإياهم يوم القيامة في مقر رحمته).

وبالتالي كان الآباء يربّون أولادهم منذ الصغر على الفروسية والشجاعة والرجولة والإقدام واقتحام الأخطار والشدائد.. حتى إذا بلغوا سن الحركة والانطلاق – وهم لم يناهزوا الحلم بعد – مضوا في مواكب التحرير والجهاد وابتغاء الرزق دعاة صادقين، وأبطالا مجاهدين، وطلابا للكسب عاملين!!..

ونذكر على سبيل المثال موقفاً نبيلا لغلام مؤمن يسأل أباه أنْ يُمَكّنه ليجوبَ مناكِبَ الأرض ويسعى في أرجائها عسى أن يفتح لنفسه طريق المجد، ويصل إلى قمة السعادة والكرامة.. بل كان يخاطب أباه بأبيات من الشعر تفيض عزة وأنفة وإباء!!..

اقذف السرج على المُـ

ــهر وقرّطه اللجاما

ثم صبّ الدرع في رأ

سي وناولني الحساما

فمتى أطلب إن لم

أطلب الرزق غلاما

سأجوب الأرض أبغيــ

ـه حلالاً لا حراما

فلعل الظَّعن ينفي الفــ

ــقْر أو يُدني الحِماما.

ونشأ هذا الجيل الفريد على هذه الخصال، ودرجوا على هذه المكارم..

لأنهم تربوا منذ نعومة أظفارهم على الرماية والسباحة وركوب الخيل..

لأنهم لم يتربوا على الدلال المفرط، والانطوائية القاتلة.

لأنهم كانوا يشعرون بمسؤولياتهم، والثقة بأنفسهم..

لأنهم تعودوا على الاخشيشان، وألعاب الفروسية، وركوب متن الأسفار..

لأنهم أُدّبوا على أن يخالطوا من كان في سنهم من أبناء عمومتهم وعشيرتهم.

لأنهم كانوا يتلقنون سيرة الأبطال والشجعان، وأخبار الفاتحين والقواد..

إلى غير ذلك من هذه المكارم التي رضعوها، والتربية القويمة التي تلقنوها!!..

وهل يُنبت الخطيَّ إلا وشيجُه

وتُغرَس إلا في منابتها النخل

ويوم يمشي الآباء والمربون على هذا المنهج العظيم الذي مشى عليه جدودنا البواسل والأمجاد..

ويوم يتربى أولادنا على هذه الخصال، وهاتيك المكارم..

ويوم يأخذون بقواعد التربية الصحيحة في تحرير الأولاد من الخوف والجبن والخور..

يوم يفعلون كل هذا، يتحول الجيل يومئذ من القلق إلى الثقة، ومن الخوف إلى الشجاعة، ومن الخور إلى العزيمة، ومن الخنوع والذلّة إلى حقيقة العزة والكرامة..

ويكون متحققاً بقوله تبارك وتعالى: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكنّ المنافقين لا يعلمون} المنافقون: 08.

[1] من كتاب المشكلات السلوكية عند الأطفال للدكتور نبيه الغبرة ص 150.

[2] من كتاب المشكلات... ص 152 للدكتور نبيه الغبرة.

[3] السلب: ما يملكه المتقول كعدة للحرب ونحوها.

ظاهرة الشعور بالنقص

الشعور بالنقص حالة نفسية تعتري الأولاد لأسباب خَلْقية ومرضية، أوعوامل تربوية، أو ظروف اقتصادية..

وهذه الظاهرة هي من أخطر الظواهر النفسية في تعقيد الولد وانحرافه وتحوّله إلى حياة الرذيلة والشقاء والإجرام...

وإذا كنا نبحث في أسباب كل ظاهرة وعلاجها على ضوء الإسلام.. فعلينا أن نخصّ هذه الظاهرة بالتفصيل أسباباً وعلاجاً، لأهميتها وخطرها وآثارها..

عسى أن يولي الآباء والأمهات والمربون جميعاً اهتمامهم في اتخاذ الأسباب الوقائية، والوسائل العلاجية في تحرير الولد من كل مركبات النقص، والعُقد النفسية.. ليضمنوا لأولادهم تربية نفسية صحيحة، وتكويناً خلقيّاً سليماً!!..

والعوامل التي تسبب ظاهرة الشعور بالنقص في حياة الولد هي كما يأتي:

1- التحقير والإهانة
2- الدلال المفرط
3- المفاضلة بين الأولاد
4- العاهات الجسدية
5- اليُتْم
6- الفقر.

وإن شاء الله في هذا البحث فسنفند كل عامل بشيء من التفصيل، ثم نعرّج إلى ذكر العلاج على ضوء الإسلام، والله المستعان، ومنه نستمد التأييد والسداد.

o أما عامل التحقير والإهانة فهو من أقبح العوامل في انحرافات الولد النفسية، بل هو من أكبر العوامل في ترسيخ ظاهرة الشعور بالنقص لدى الأطفال.. فكثيراً ما نسمع أن الأم أوالأب (شهّر بالولد حين ينحرف أول مرة عن سنن الأخلاق الكريمة، فإذا كذب مرة ناديناه دائماً بالكذاب، وإذا لطم أخاه الصغير مرة واحدة ناديناه بالشرير، وإذا احتال على أخته الصغيرة فأخذ منها تفاحة كانت بيدها ناديناه بالمحتال، وإذا أخذ من جيب أبيه قلماً ناديناه بالسارق، وإذا طلبنا منه كاس ماء للشرب فأبى ناديناه بالكسول، وهكذا نشهّر به أمام إخوته وأهله من الزلّة الأولى...)[1].

ومن مظاهر التحقير والإهانة في بيئاتنا مناداة الولد بكلمات نابية، وعبارات قبيحة أمام الإخوة والأقارب، وفي بعض الأحيان أمام أصدقاء الولد، أو أمام غرباء ما سبق أن رآهم واجتمع بهم، وهذا – لا شك – مما يجعل الولد ينظر إلى نفسه أنه حقير مهين، ومن سقط المتاع لا قيمة له ولا اعتبار، وهذا – أيضاً – مما يولّد في نفسه العُقْد النفسية التي تدفعه إلى أن ينظر إلى الآخرين نظرة حقد وكراهية.. وأن ينطوي على نفسه فارّاً من أبناء الحياة، منهزماً من تكاليفها ومسؤولياتها!!..

ومن هنا نعلم أية جناية نجنيها على أبنائنا وبناتنا حين نزجّ بهم إلى الحياة في جو هذه التربية الفاسدة المليئة بالأخطاء والمعاملة القاسية.

فيكف نرجو من الأولاد طاعة وبراً، وتوقيراً واحتراماً، واتزاناً واستقامة.. ونحن قد غرسنا في نفوسهم وهم صغار بذور هذا الانحراف أوالعقوق أو التمرد..؟!

• جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يشكو إليه عقوق ابنه، فأحضر عمر الولد وأنّبه على عقوقه لأبيه، ونسيانه لحقوقه عليه، فقال الولد: يا أمير المؤمنين أليس للولد حقوق على أبيه؟ قال عمر: بلى! قال: فما هي يا أمير المؤمنين؟

قال عمر: أن ينتقي أمه، ويحسّن اسمه، ويعلمه الكتاب (القرآن).

قال الولد: يا أمير المؤمنين إن أبي لم يفعل شيئاً من ذلك، أما أمي فإنها زنجية كانت لمجوسي..، وقد سماني جُعَلاً (أي خنفساء)، ولم يعلّمني من الكتاب حرفاً واحداً.

فالتفت عمر إلى الرجل، وقال له: جئت إليّ تشكو عقوق ابنك وقد عَقَقْتَه قبل أن يعُفّك، وأسأت إليه قبل أن يسيء إليك.

• ومن طرائف ما ذُكر أن أباً عيّر ولده بأمه، وقال له: أتخالفني وأنت ابن أمَة؟ فقال الولد لأبيه إن أمي والله خير منك يا أبي!!.. قال الأب: لِمَ؟

قال الولد: لأنها أحسنت الاختيار فولدتني من حر، وأنت أسأت الاختيار فولدتني من أمَة!!..

ونحن لا نشك أن الكلمات النابية القبيحة التي تنزلق من الأب للولد لم تصدر إلا من غاية تأديبية إصلاحية.. لذنب كبير أو صغير وقع فيه وبدر منه!!.

ولكن المعالجة لارتكاب هذا الذنب لا تصلح بهذه الحالة الغضبية، والطريقة التعنيفية.. التي تترك آثاراً خطيرة في نفسية الولد وسلوكه الشخصي.. وبالتالي تجعل منه إنساناً يتطبع على لغة السبّ والشتائم، ويتخلق بأخلاق المنحرفين الحمقى.. ونكون بهذه المعاملة القاسية قد جنينا على الولد، وحطمناه نفسيّاً وخُلقيّاً من حيث نعلم أو لا نعلم، بدل أن نعدّه إنساناً متزناً عاقلاً سويّاً يمشي في دروب الحياة على نور العقل والاتزان والاستقامة والحق المبين..

ولكن ما هي معالجة الإسلام للولد إذا وقع منه خطأ أو صدرت هفوة؟

المعالجة الصحيحة أن ننبهه على خطئه برفق ولين، ونقنعه بالحجج الدامغة ، وأن الذي صدر منه لا يرضى به إنسان عاقل ذو فهم وبصيرة وفكر ناضج رزين..

فإن فهم واقتنع وصلنا إلى ما نريد في إصلاح خطئه ومعالجة انحرافه.. وإلا فالمعالجة ستكون بأسلوب آخر كما سيأتي بيانه في بحث (التربية بالعقوبة) في القسم الثالث من كتاب (تربية الأولاد في الإسلام) إن شاء الله.

وهذه الطريقة الرفيعة اللينة في التأديب هي طريقة الرسول صلوات الله وسلامه عليه.

وإليكم بعض النماذج في معاملته ولينه ووصاياه:

(أ) روى الإمام أحمد بإسناد جيد عن أبي أمامة أن غلاماً شابّاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله أتأذن لي في الزنى؟ فصاح الناس به.. فقال النبي صلى الله عليه وسلم قربوه.. ادنُ، فدنا حتى جلس بين يديه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أتحبه لأمك؟ قال: لا، جعلني الله فداك! قال: كذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم. أتحبه لابنتك؟ قال: لا، جعلني الله فداك! قال: كذلك الناس لا يحبونه لبناتهم. أتحبه لأختك؟ قال: لا، جعلني الله فداك! قال: كذلك الناس لا يحبونه لأخواتهم..

ثم ذكر له العمة والخالة.. وهو يقول في كل واحدة: لا، جعلني الله فداك!..

فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يدع على صدره، وقال: "اللهم طهر قلبه، واغفر ذنبه، وحصّن فرجه" فقام من بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس شيء أبغض عليه من الزنى.

(ب) وروى مسلم في صحيحه عن معاوية بن الحكم السّلمي رضي الله عنه قال: بينما أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم، فقلت له: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثُكْلَ أمّياه!! ما شأنكم تنظرون إليّ؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمّتونني سكتّ، فلما انتهى عليه الصلاة والسلام من صلاته دعاني، فبأبي هو وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، فوالله ما كهرني، ولا ضربني، ولا شتمني.. لكن قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن.

(ج) وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بال أعرابي في المسجد، فقام الناس إليه ليقعوا فيه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "دعوه وأريقوا على بوله سجْلاً[2] من ماء، فإنما بُعثتُم ميسّرين، ولم تبعثوا مُعسّرين".

ومن وصاياه عليه الصلاة والسلام في الرفق واللين:

- روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله".

- وروى مسلم عن عائشة كذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه".

- وروى مسلم عن جرير بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من يُحرَم الرفق يُحرَم الخير كله".

فالذي نخلص إليه بعد ما تقدم أن تحقير الولد وتعنيفه بشكل مستمر دائم – ولا سيما أمام الحاضرين – هو من أكبر العوامل في ترسيخ ظاهرة الشعور بالنقص.. ومن أعظم الأسباب في انحرافات الولد النفسية والخلقية.. وخير علاج لهذه الظاهرة هو تنبيه الولد على خطئه إذا أخطأ برفق ولين مع تبيان الحجج التي يقتنع بها في اجتناب الخطأ.. وعلى المربي إن أراد زجر الولد وتوبيخه ألا يكون ذلك أمام الحاضرين، كما يجب أن يسلك معه في بادئ الأمر الأسلوب الحسن في إصلاحه وتقويم اعوجاجه، وهذه الطريقة هي طريقة الرسول عليه الصلاة والسلام في الإصلاح والتربية وتقويم الاعوجاج..

o أما عامل الدلال المفرط فهو فهو أيضاً من العوامل الخطيرة في انحراف الولد النفسي والخُلقي.. لما يؤول في الغالب إلى استشعاره بمركّب النقص، ونظرته الحاقدة إلى الحياة.. ومن نتائجه في الأحوال العادية الخجل، والخنوع، وفقدان الرجولة والشجاعة، وضعف الثقة بالنفس، والتدرج نحو الميوعة، والتخلف عن الأقران..

أما كون الدلال المفرط يولد في نفس الطفل ظاهرة الشعور بالنقص، والنظرة الحاقدة إلى الحياة فللاعتبارات التالية:

يرى الناس يتقدمون وهو في ذيل القافلة.

يرى الناس في إقدام وشجاعة وهو في خوف وجبن.

يرى الناس في حركة وعراك ومجاهدة.. وهو في صمت وسكون وجمود..

يرى الناس في تلاق واجتماع وهو في انطوائية وعزلة..

يرى الناس يسمون للمصاعب.. وهو في بكاء وجزع إذا أصابته أدنى مصيبة..

فولدٌ هذا شأنه، وهذه حاله.. هل يكون إنساناً سويّاً؟ وهل يكون عضواً نافعاً للمجتمع؟ وهل تكون نظرته إلى الحياة نظرة أمل وتفاؤل؟ وهل يكون إنساناً ذا شخصية استقلالية يثق بنفسه، ويعتمد عليها؟

فإذا كان الجواب لا !!..

فلماذا يغالي الأبوان في تدليل الولد؟ ولماذا يدلّعانه هذا الدَّلع؟ ولماذا يتعلقان به هذا التعلق الزائد؟ ولا سيما الأم، فإن عندها من الرعاية المفرطة لوليدها أو من الوسوسة إذا صح التعبير.. ما يدفعها إلى أن تُفرِط في احتضان ابنها وتدليله بشكل يخرجها عن المألوف وحدود الاعتدال..

وهذه ظاهرة خطيرة نراها في كثير من الأمهات اللواتي لا يعرفن قواعد التربية الإسلامية في تربية الولد:

• فمن مظاهر هذه التربية الخاطئة عند الأم عدم السماح للولد بأن يقوم بالأعمال التي أصبح قادراً عليها اعتقاداً منها أن هذه المعاملة من قبيل الشفقة والرحمة للولد..

• ومن مظاهر هذه التربية الخاطئة احتضان الولد بشكل دائم، فهي لا تسمح لنفسها – إن كانت فارغة – أن تتركه أبداً سواء أكان الاحتضان له مبرّراته أم لم يكن.

• ومن مظاهر هذه التربية الخاطئة أن لا تترك الأم ولدها يغيب عن ناظريها لحظة واحدة مخافة أن يصاب بسوء.

• ومن مظاهرها أيضاً عدم محاسبتها لولدها حينما يفسد أثاث المنزل، أو عندما يتسلق المنضدة، أو عندما يسوّد الجدار بقلمه..

وتزداد مظاهر التدليل المفرط في نفس الأبوين سوءاً عندما يرزقان الطفل بعد سنوات كثيرة، أو أنجبت الأم هذا الطفل بعد عدة اجهاضات مستمرة، أو كان الطفل ذكراً بعد عدة إناث، أو إن شُفي الطفل من مرض شديد هدد حياته بالخطر المحدق..

ولكن ما العلاج الذي وضعه الإسلام للتخفيف من هذه الظاهرة؟

1- تعميق عقيدة القضاء والقدر في نفس الأبوين، حتى يعتقدا أن ما يصيب أولادهم من صحة أو مرض، أو ما يعرض لهم من نعمة أو شقاء، أو ما يقدر الله عليهم من نسل أو عقم، أو يبتليهم به من غنى أو فقر.. كل ذلك بمشيئة الله سبحانه، وبقضائه وقدره..

- قال تعالى: {ما أصابَ من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير. لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور} الحديد: 22-23.

- وقال جل جلاله: {لله مُلك السموات والأرض يخلُق ما يشاء يَهبُ لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور، أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً ويجعل من يشاء عقيماً إنه عليم قدير} الشورى: 50.

- وقال عز من قائل: {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين. الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون. أولئك عليهم صلواتٌ من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون} البقرة: 155-157.

2- التدرج في تأديب الولد، فإن كان ينفع مع الولد النصح والوعظ فلا يجوز للمربي أن يلجأ إلى الهجر، وإن كان ينفع الهجر فلا يجوز له أن يلجأ إلى الضرب.. وإذا عجز المربي عن إصلاح الولد وتقويم اعوجاجه بعد أن اتخذ كل الوسائل التأديبية والزجرية فعندئذ يلجأ إلى الضرب غير المبرِّح.

وإن شاء الله فسيكون البحث وافيّاً مستفيضاً في مبحث (التربية بالعقوبة) في فصل (وسائل التربية المؤثرة في الطفل) في القسم الثالث من كتاب (تربية الأولاد في الإسلام).

3- تربية الولد منذ نعومة أظفاره على الاخشيشان، والثقة بالنفس، وتحمل المسؤولية، والجرأة الأدبية... حتى يشعر الولد بكيانه ووجوده، وحتى يتحسس بواجبه ومسؤوليته..

- أما أن تكون التربية للولد قائمة على الاخشيشان فللحديث الذي رواه الإمام أحمد وأبو نعيم عن معاذ بن جبل رضي الله عنه مرفوعاً: "إياكم والتنعّم فإن عباد الله ليسوا بالمتنعِّمين".

- وأما أن تكون التربية قائمة على الثقة بالنفس وتحمل المسؤولية فلعموم الحديث الذي سبق ذكره: "كلكم راع وكل راع مسؤول عن رعيته"، فهو يشمل الصغير والكبير، والمرأة والرجل، والحاكم والمحكوم..

ولتوجيه عمر رضي الله عنه فيما رواه البيهقي: "علموا أولادكم السباحة والرماية، ومروهم فليثبوا على ظهور الخيل وثباً".. ومن المعلوم أن الولد – وهو صغير – حين يتعلم كيف يسبح؟ وكيف يرمي؟ وكيف يركب الخيل؟ يكون قد وثق بنفسه، وشعر بوجوده وشخصيته، وبالتالي تدرج على تحمل المشاق والمسؤوليات..

- وأما أن تكون التربية قائمة على الجُرأة الأدبية فلحديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه: "بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الطاعة في المنشط والمكره في العسر واليسر.. وعلى أن نقول الحق أينما كنا لا نخشى في الله لومة لائم..". ولا شك أن هذه المبايعة تشمل الصغار والكبار، والرجال والنساء..

وسبق أن ذكرنا في فصل (مسؤولية التربية الجسمية) أهم الوصايا النبوية، وأبرز التعاليم الإسلامية في تربية أجسام الأولاد.. وكلها – لا شك – تعويد لهم على الثقة بالنفس، وتحمل الأمانة والمسؤولية وإشعار للواحد منهم أنه إنسان ذو شخصية وكرامة وكيان!!..

4- الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم وهو صغير إلى أن ترعرع شاباً إلى أن بعثه الله نبيّاً لأن الله سبحانه أدّبه فأحسن تأديبه، وشمله برعايته، وصنعه على عينه..

وها نحن أولاء سنسرد بعض النماذج في كل مراحل حياته – ولا سيما سن الطفولة والشباب – لتكون للمربين هداية ونبراساً، وللأجيال المؤمنة قدوة وأسوة:

- كان عليه الصلاة والسلام في صغره يرعى الغنم، يقول صلى الله عليه وسلم عن نفسه فيما رواه البخاري: "ما بعث الله نبيّاً إلا رعى الغنم، فقال أصحابه: وأنت؟! فقال: نعم كنت أرعاها على قراريط[3] لأهل مكة".

- وكان صلى الله عليه وسلم في صغره يلعب مع الغلمان.. روى ابن كثير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لقد رأيتني في غلمان من قريش ننقل الحجارة لبعض ما يلعب الغلمان، كلنا قد تعرّى وأخذ إزاره، وجعله على رقبته يحمل عليه الحجارة، فإني لأقبل معهم كذلك وأدبر إذ لكمنى لاكم – ما أراه – لكمة وجيعة، ثم قال: شدّ عليك إزارك، قال: فأخذته فشددته عليّ، ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتي، وإزاري عليّ من بين أصحابي".

- وكان صلى الله عليه وسلم يقوم بعملية البناء. روى البخاري ومسلم: "ولما شبّ صلى الله عليه وسلم وبنيت الكعبة ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل الحجارة مع أشراف قريش لبنائها، فقال العباس لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعل إزارك على عاتقك من الحجارة، ففعل فخرّ إلى الأرض، وطمحت عيناه إلى السماء، ثم قام، فقال: "إزاري، إزاري"، فشدّ عليه إزاره، وقال "إني نهيتُ أن أمشي عرياناً"، وهذا دليل عصمته قبل النبوة.

- وكان صلى الله عليه وسلم يخرج للسفر والتجارة، وقد ثبت أنه عليه الصلاة والسلام سافر مرتين: مرة قبل البلوغ مع عمه أبي طالب، والمرة الثانية بعد البلوغ بتوجيه خديجة رضي الله عنها.

- وكان صلى الله عليه وسلم في صباه ذا جرأة متناهية ذكرت كتب السّيَر أنه عليه الصلاة والسلام استُحلف باللات والعزّى وهو صبيّ، فقال للمستحلف: لا تسألني بهما شيئاً، فوالله ما بغضت شيئاً بُغضي لهما.

- وكان صلى الله عليه وسلم قد شارك في الحرب وهو دون الحلم، فمما ذكرته كتب السير أنه كان عليه الصلاة والسلام يُنْبِل على أعمامه في حرب الفجار.

- وكان صلى الله عليه وسلم ذا رأي وحصافة، فاحتُكم إليه وهو شاب، فمما تناقلته كتب السير أن قريشاً حكّمته في وضع الحجر الأسود، ولقد أعجبت برأيه وحكمه وحصافته!!..

ويكفيه صلوات الله وسلامه عليه فخراً وشرفاً أن يتربى – وهو اليتيم الصغير – على خير ما تتحلى به النفوس من كريم الخصال، وحميد الصفات، وجميل العادات.. فلم يسجد لصنم ولم يشارك الجاهلية في مفاسدها، ولم يذق شيئاً من لحوم قرابينها.

ولا عجب أن ينسب ذلك إلى ربه الذي أحاطه بعنايته، وصنعه على عينه، وتولى تأديبه فقال عليه الصلاة والسلام: "أدبني ربي فأحسن تأديبي" رواه العسكري.

فهذه اللمحات الخاطفة عن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم في طفولته، وعن عصمته وأخلاقه في شبابه.. مشاعل هداية في تبيان المنهج التربوي الذي يجب أن يسلكه المربون مع أبنائهم.. ولا شك أنه عليه الصلاة والسلام قدوة صالحة في طفولته وشبابه، وفي رجولته وكهولته، فأولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده.

والذي نخلص إليه بعدما تقدم أن ظاهرة الدلال المُفرط هي من أكبر العوامل في انحراف الولد النفسي، لكونها تؤدّي في كثير من الأحيان إلى مركب الشعور بالنقص في حياة الطفولة وبعدها.

فما على الأبوين – ولا سيما الأم – إلا أن يمشوا على السنن التي وضعها الإسلام في تربية الأولاد.

والتي منها الاعتدال في محبة الولد، والتعلق به، والتسليم لله في كل ما ينوب ويروع.

والتي منها أن يكون التأديب للولد في سن التمييز على حسب ما تقتضيه مصلحة التربية بالعقوبة.

والتي منها أن تكون التربية للولد قائمة على أسس الاخشيشان، والاعتماد على النفس، وتحمل المسؤولية، وتنمية الجرأة الأدبية.

والتي منها التأسي بشخصية النبي صلى الله عليه وسلم الطفل باعتبار أنه قدوة قبل النبوة وبعدها.

ويوم يسير المربون على هذه السنن، ويلتزمون هذه القواعد يكونون قد حرّروا من لهم عليهم حق التربية من العوامل التي تؤدي إلى تحطيم الشخصية، وهدر الكرامة الإنسانية، ويكونون كذلك قد رفعوا من مستوى الولد النفسي والأخلاقي والعقلي، وأصبح في الحياة إنساناً سوياً!!..

o أما عامل المفاضلة بين الأولاد فهو كذلك من أعظم العوامل في انحراف الولد النفسي سواء أكانت المفاضلة في العطاء أم في المعاملة أم في المحبة؟..

وهذه الظاهرة لها أسوأ النتائج في انحرافات الولد السلوكية والنفسية.. لأنها تولد الحسد والكراهية، وتسبّب الخوف والحياء، والانطواء والبكاء.. وتورث حب الاعتداء والمشاجرة والعصيان.. وتؤدي إلى المخاوف الليلية، والإصابات العصبية، ومركبات الشعور بالنقص..

وكم كان المربي الأول صلوات الله وسلامه عليه حكيماً، ومربيّاً اجتماعياً عظيماً حين أمر الآباء أن يتقوا الله ويعدلوا بين أولادهم؟!.

- روى ابن حبّان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "رحم الله والداً أعان ولده على برّه".

- وروى الطبراني وغيره: "ساووا بين أولادكم في العطية".

- وروى البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما أن أباه أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني نحلتُ ابني هذا – أي أعطيته – غلاماً كان لي.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكُلَّ ولدك نحلْتَه مثل هذا؟ فقال: لا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأرجعه.

وفي رواية: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفعلت هذا بولدك كلهم؟ قال: لا. قال عليه الصلاة والسلام: "اتقوا الله واعدلوا في أولادكم". فرجع أبي فردّ تلك الصدقة.

وفي رواية: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا بشير، ألك ولد سوى هذا؟ قال: نعم. قال: أكلهم وهبت له مثل هذا؟ قال: لا. قال: فلا تُشهِدني إذن فإني لا أشهد على جور – أي ظلم – ثم قال: أيسرّك أن يكونوا إليك في البر سواء؟ قال: بلى. قال: فلا إذن.

- وروى أنس أن رجلا كان عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاء ابن له فقبّله وأجلسه على فخذه، وجاءت ابنة له فأجلسها بين يديه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا سويت بينهما؟".

فيؤخذ من هذه التوجيهات النبوية الكريمة مبدأ تحقيق العدل، والمساواة والمحبة.. فيما بين الأولاد.. دون أن يكون لعنصر التفريق أو التمييز مكان بينهم.

نعم! .. قد يكون لعدم محبة الطفل، والعناية به أسباب ظاهرة:

كأن يكون الطفل من الجنس غير المرغوب فيه جهلاً لكونه أنثى.

أو يكون قليل الحظ من الجمال أو الذكاء.

أو يكون مصاباً بعاهات جسمية ظاهرة. أو .. أو ...

ولكن كل هذه الأسباب الخَلْقية والخُلقية لا تعد مبررات – في نظر الشرع لكراهية الولد، وتفضيل إخوته عليه.

وكم يكون الأبوان ظالمين وجائرين حينما ينهجان مع الولد هذا النهج السيء، ويعاملانه هذه المعاملة القاسية؟

ما ذنب الطفل إن ولد في الحياة وهو أنثى؟

وما جريمته إن كان دميم الوجه؟

وما جريرته إن لم يخلق على ذكاء فارط؟

وما الذي جناه إن كان بطبعه كثير الحركة والتنقل والمشاغبة؟

وما مسؤوليته إذا قُدِّر له – وهو صغير – أن يصاب بعاهات جسدية ظاهرة؟

فإذا كان المربون حريصين على سلامة أبنائهم من العقد النفسية، ومركبات الشعور بالنقص، وآفات القلوب من حقد وحسد وفساد طوّية.. فليس أمامهم من سبيل سوى أن ينفذوا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم القائل: "اتقوا الله واعدلوا في أولادكم"، وأن يرضوا بما قسمه الله لهم من معطيات البنين أو البنات.. وعليهم كذلك أن يسعوا جهدهم في إشعار أولادهم جميعاً روح المحبة والأخوة والتسامح والمساواة.. حتى ينعموا في ظلال العدل الشامل، والنظرة الرحيمة، والعطف الصادق، والمعاملة العادلة..

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل في الحديث الذي رواه ابن حبان: "رحم الله والداً أعان ولده على بِرّه".

o أما عامل العاهات الجسدية فهو أيضاً من العوامل الكبيرة في انحراف الولد النفسي، لما يؤول في الغالب إلى الشعور بالنقص، والنظرة الحاقدة إلى الحياة..

فالولد حين يصاب – منذ الصغر – بعاهة جسدية كالعور، أو الصمم، أوالعته، أو التهتهة ونقص النطق.. فينبغي أن يلقى ممن يعيشون حوله من أب وأم وإخوة وأقرباء وجيران وأصدقاء وأهل.. كل رعاية وعطف ومحبة، وأخلاق سمحة رضية، وتعاطف حسن جميل.. تحقيقاً لقوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه الترمذي وأبو داود: "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء"، وقوله فيما رواه الترمذي وابن حبان: "أكَملُ المؤمنين إيماناً أحسنهم خُلقاً".

ولكن حين يخاطب المصاب بعاهة العور يا أعور، وبعاهة الصمم يا أطرش، وبعاهة العُته يا أجدَب، وبعاهة نقص النطق يا أخرس..

فمن البديهي أن تتولّد لدى الولد الواعي المميز مركبات الشعور بالنقص وآفات العُقد النفسية.. فلا عجب أن نراه في حالة يُرثى لها من الصراع النفسي، والحقد الاجتماعي، والنظرة المتشائمة للحياة..

لهذا وجب على المربين أن يعالجوا مشكلة عاهات أبنائهم بالأسلوب الحكيم، والتربية الصالحة، والمعاملة الرحيمة، والمراقبة التامة.. على أساس أن قيمة الإنسان في دينه وأخلاقه لا في شكله ومظهره..

• فأول خطوات هذه المعالجة أن ينظروا إليهم نظرة حب ورحمة، وأن يخصوهم بالعناية والرعاية، وأن يشعروهم أنهم متميزون عن غيرهم بالذكاء والمواهب، والعلم والخبرة، والنشاط والحيوية.. فهذه النظرة إليهم، والإشعار لهم يزيل في نفوسهم آفة الشعور بالنقص، بل يندفعون بكليتهم – بكل ثقة واطمئنان – نحو العمل البنّاء، والإنتاج المثمر.

• وثاني خطوات هذه المعالجة أن يقوم المربون بواجب النصح والتحذير لكل من كان حول المصاب من خلطاء سواء أكانوا أقارب أم أباعد؟ حيث يحذرونهم مغبة التحقير والإهانة، ونتائج الاستهزاء والسخرية، وما تتركه من أثر سيء في نفوسهم، وما تحدثه من مضاعفات أليمة في أعماق أحاسيسهم ومشاعرهم..

وعلى المربين حين يوجهون وينصحون، أن يبينوا لكل من يجتمع بالمصاب منهج المربي الأول صلوات الله عليه في دعوته الكبرى إلى وحدة اجتماعية متينة متراصة تقوم دعائمها على الصفاء والمحبة، وتتركز أسسها على التوقير والاحترام..

وهذه أسس منهجه عليه الصلاة والسلام في تحذيراته من كل ما يمس الكرامة الإنسانية، ويحطم الشخصية المسلمة، ويمزق الوحدة الاجتماعية المتراصة..

- فمن تحذيراته عليه الصلاة والسلام من آفات اللسان قوله فيما رواه البخاري: "وإن العبد ليتكلم بالكلمة لا يُلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم"، وقوله: "إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزلّ إلى النار أبعد مما بين المشرق والمغرب".

- ومن تحذيراته صلى الله عليه وسلم من التحقير بالشماتة قوله فيما رواه الترمذي: "لا تظهر الشماتة لأخيك، فيرحمه الله ويبتليك".

- ومن تحذيراته صلى الله عليه وسلم من التحقير بالإشارة توجيهه لعائشة رضي الله عنها فيما رواه أبو داود والترمذي، قالت عائشة: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: حسبك من صفيّة كذا وكذا (تشير أنها قصيرة) فقال عليه الصلاة والسلام: "لقد قلت كلمة لو مُزِجت بماء البحر لَمَزجتْه[4]".

وتندرج هذه التحذيرات كلها تحت قوله تبارك وتعالى:

{يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قومٌ من قومٍ عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكنّ خيراً منهن، ولا تَلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسمُ الفسوق بعد الإيمان، ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون} الحجرات: 11.

• وثالث خطوات هذه المعالجة أن يهيئ المربون لأولادهم المصابين رُفقَة من الأصحاب حسنة آدابهم، مرضية عاداتهم.. حيث يجتمعون بهم، ويلعبون معهم، ويتبادلون أحاديث المحبة فيما بينهم.. ليشعروا في أعماق وجدانهم محبة للناس لهم، واهتمامهم بهم وعطفهم وعليهم. يقول ابن سينا – في عرض تنمية شخصية الطفل، وإشباع غريزة حب الاجتماع في نفسه - :"أن يكون مع الصبي في مكتبه صِبْيَة حسنة آدابهم، مرضية عاداتهم لأن الصبي عن الصبي ألقن، وهو عنه آخذ، وبه أنس".

ويقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الترمذي في نوادره: "عُرامة[5] الصبي في صغره زيادة في عقله في كبره".

والذي نخلص إليه بعدما تقدم أن المربي لا يعدم وسيلة في معالجة مشكلة العاهة الجسدية في ولده المصاب سواء ما يتعلق بنظرة الحب والرحمة، أو تخصيصه بالعناية والرعاية، أو تحذير البيئة التي يعيش فيها من الهزء والتحقير والإهانة، أو إعداد الرفقة الصالحة التي يجتمع بها، ويلتقي معها.. وبهذا يكون قد أزال من نفسه عقدة الشعور بالنقص، وهيّأه ليكون عضواً نافعاً في المجتمع، يبني بساعديه صرح الحضارة، ويشيد بعزمه مجد أمته ومستقبل بلاده..

o أما عامل اليتم فهو عامل خطير في انحراف الولد النفسي، ولا سيما إذا وُجد اليتيم في بيئة لا ترعاه، ولا تكفكف أحزانه، ولا تنظر إليه بعين العطف والرحمة والمحبة..

والإسلام اهتم بشأن اليتيم الاهتمام البالغ من ناحية تربيته ومعاملته، وضمان معيشته.. حتى ينشأ عضواً نافعاً في المجتمع، ينهض بواجباته، ويقوم بمسؤولياته، ويؤدي ماله وما عليه على أحسن وجه وأنبل معنى..

فمن اهتمام القرآن الكريم بشأن اليتيم أمْره بعدم قهره، والحط من شأنه وكرامته..

- {فأما اليتيم فلا تقهر} الضحى: 09.

- {أرأيت الذي يُكذّب بالدين. فذلك الذي يدعُّ[6] اليتيم} الماعون: 01-02.

ومن اهتمام الرسول صلى الله عليه وسلم بشأنه حضه على كفالته، وأمْره بوجوب رعايته، وبشارته الأوصياء – إن أحسنوا الوصاية – أنهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم في الجنة:

- روى الترمذي أنه عليه الصلاة والسلام قال: "أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين"، وأشار بأصبعيه – يعني السبابة والوسطى - .

- وروى الإمام أحمد وابن حبان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من وضع يده على رأس يتيم رحمة، كتب الله له بكل شعرة مرت على يده حسنة".

- وروى النسائي بإسناد جيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اللهم إني أحرّج حقّ الضعيفين: اليتيم والمرأة"، ومعنى أحرّج: ألحق الحرج والإثم بمن ضيّع حقهما.

ورعاية اليتيم وكفالته واجبة في الأصل على ذوي الأرحام والأقرباء، فعلى هؤلاء إن أرادوا أن يعالجوا أحوال اليتامى النفسية والخلقية.. فما عليهم إلا أن يخصوهم بمزيد من الرحمة والعطف والعناية، وأن يشعروهم أنهم كأولادهم حبّاً ومعاملة وملاطفة..

وفي حال عدم وجود الأوصياء من الأقارب والأرحام فعلى الدولة المسلمة أن ترعاهم وتتولى أمرهم، وتشرف على تربيتهم وتوجيههم، وترفع من كيانهم وقَدْرهم في الحياة..

فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم – باعتبار أنه الممثل الأول للدولة الإسلامية في المدينة – كان يخصّ اليتيم بمزيد من العطف والمعاملة والرحمة، فقد روت السيدة عائشة – رضي الله عنها – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: رأى يتيماً يوم عيد، فلاطفه، وبشّ له، وأحسن إليه، وأخذه إلى بيته، وقال له:

"أما ترضى أن أكون لك أباً، وتكن عائشة لك أمّاً؟".

وكذلك يجب على الدولة أن ترعى اللقيط، وتقوم على أمره وكفالته في حين وجوده والعثور عليه، كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين جاءه رجل بلقيط، فقال له: "نفقته علينا وهو حرّ".

وبهذه المعاملة الحسنة التي ينهجها الإسلام في معاملة كل من اللقيط واليتيم يكون قد قدّم للمجتمع الإسلامي مواطنين صالحين ينهضون بواجباتهم، ويضطلعون بمسؤولياتهم، فلا يشعرون بنقص، ولا يتيهون في لجة الهواجس والأفكار والتصورات المنحرفة..

o أما عامل الفقر فهو عامل كبير في انحراف الولد النفسي، ويقوى جانب هذا الانحراف فيه حين يفتح عينيه ويرى أباه في ضائقة، وأسرته في بؤس وحرمان.. ويزداد الأمر لديه سوءاً حين يرى بعض أقربائه أو أبناء جيرانه، أو رفاقه في المدرسة.. وهم في أحسن حال، وأبهى زينة، وأكمل نعمة.. وهو كئيب حزين لا يكاد يجد اللقمة التي تشبعه، والثوب الذي يستره..

فولدٌ هذه حاله ماذا ننتظر منه أن يكون نفسيّاً؟ حتماً سينظر إلى المجتمع نظرات الحقد والكراهية.. وحتماً سيصاب بأمراض من مركبات النقص، والعُقد النفسية.. وحتماً سيتبدل أمله إلى يأس، وتفاؤله إلى تشاؤم.. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل – فيما رواه أحمد بن منيع والبيهقي - :"كاد الفقر أن يكون كفراً".. بل كان عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله من الفقر في دعائه، فقد روى النسائي وابن حبان عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعاً أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر".

والإسلام عالج مشكلة الفقر بأمرين أساسيين:

الأول: احترامه الكرامة الإنسانية.

الثاني: سَنّه لمبادئ التكافل الاجتماعي.

• أما احترامه الكرامة الإنسانية فلأنه سوّى بين جميع الأجناس والألوان والطبقات في الاعتبار والكرامة الإنسانية، وإذا كان لا بد من المفاضلة فلتكن بالتقوى والإنتاج والعمل الصالح..

والمبدأ الذي طبعه الإسلام في ضمير الزمان إلى يوم القيامة قوله تعالى:

{يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ أو أنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم} الحجرات: 13.

ولأنه لم ينظر إلى الصور والأجسام، وإنما جعل النظرة إلى القلوب والأعمال، فقد روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة: "... إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسامكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم".

ولأنه رفع من قدر الضعفاء والفقراء، واعتبر إغضابهم وتحقيرهم إغضاباً للرب سبحانه، فقد روى مسلم أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر، فقالوا: ما أخذت سيوف الله من عدوّ الله مأخذها، فقال أبو بكر رضي الله عنه: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟ فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: "يا أبا بكر لعلك أغضبتهم، لئن كنت أغضبتهم، لقد أغضبت ربك"، فأتاهم فقال: يا أخوتاه أأغضبتكم؟ قالوا: لا، يغفر الله لك يا أخي...!".

• وأما سنّه لمبادئ التكافل الاجتماعي فلا شك أن الإسلام سن من مبادئ التكافل في حل مشكلة الفقر ما يعتبر من أرقى وأسمى ما وصل إليه الجهد البشري في العصر الحديث.

وإليكم بعض هذه اللمحات في معالجة الإسلام لمشكلة الفقر في المجتمع:

• أنه شرع بيت مال للزكاة تتولاه الدولة المسلمة، وجعل مصارفه على المستحقين من الفقراء، والمساكين وأبناء السبيل، والمديونين، وتحرير الأرقاء.. قال تعالى:

{إنما الصدقات للفقراء، والمساكين، والعاملين عليها، والمؤلفة قُلوبهم، وفي الرقاب، والغارمين، وفي سبيل الله، وابن السبيل، فريضةً من الله، والله عليمٌ حكيم} التوبة: 60.

وروى الطبراني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إنّ الله فرض على أغنياء المسلمين في أموالهم بقدر الذي يسع فقراءهم، ولن يجهد الفقراء إذا جاعوا وعروا إلا بما يصنع أغنياؤهم، ألا وإن الله يحاسبهم حساباً شديداً، ويعذبهم عذاباً أليماً".

• أنه لم يعتبر المسلم مسلماً إذا بات شبعان، وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به، فقد روى البزار والطبراني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما آمن بي مَن بات شبعان، وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به". بل اعتبر إسعافه وإدخال السرور عليه من أحسن القربات، وأفضل الأعمال، فقد روى الطبراني في الأوسط عن عمر رضي الله عنه مرفوعاً: "أفضل الأعمال إدخال السرور على المؤمن: كسوتَ عورتَه، أو أشبعت جوعته، أو قضيت له حاجة".

• أنه جعل إسعاف الجائع والمحروم في وقت الشدة من أهم الواجبات، فقد روى البخاري عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما: أن أصحاب الصُفّة كانوا أناساً فقراء، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من كان عنده طعان اثنين فليذهب بثالث، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس أو سادس".

وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من كان معه فضل ظهر (أي مركوب) فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له"، فذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصناف المال ما ذكره حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل.

• أنه أوجب على الحاكم أن يهيئ سبيل العمل لكل من كان قادراً عليه، فقد روى أبو داود والنسائي والترمذي: "أن رجلا من الأنصار جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عطاء، فقال له: أما في بيتك شيء؟ قال: بلى يا رسول الله، حِلْس نلبس بعضه ونبسط بعضه، وقعب نشرب فيه الماء، قال: ائتني بهما، فأتاه بهما، فأخذهما عليه الصلاة والسلام وقال: من يشتري مني هذين؟ قال رجل: أنا آخذهما بدرهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يزيد على درهم: قال رجل أنا آخذهما بدرهمين، فأعطاهما إياه، فأخذ الدرهمين فأعطاهما الأنصاري، وقال: اشتر بأحدهما طعاماً فانبذْه إلى أهلك، واشترِ بالآخر قدّوماً فأتني به، فأتاه به، فشد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عوداً بيده، ثم قال: اذهب واحتطب وبع، ولا أرينّك خمشة عشر يوماً، ففعل، فجاء وقد أصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوباً وبعضها طعاماً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا خير من أن تجيء والمسألة نكتة في وجهك يوم القيامة".

• إنه سنّ قانون التعويض العائلي لكل مولود يولد في الإسلام سواء أكان المولود ابناً لحاكم أو موظف أم كان ابناً لعامل أو سوقة.. فقد روى أبو عبيد في كتابه (الأموال) (عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يفرض لكل مولود عطاء إلى عطاء أبيه يقدر (بمائه درهم)، وكلما نما الولد زاد العطاء، وقد جرى عليه من بعده عثمان وعلي والخلفاء..).

هذا عدا عن التربية الوجدانية التي يغرس الإسلام جذورها في قلوب المسلمين، وفي أعماق مشاعرهم، وحنايا ضمائرهم.. ليندفع الجميع إلى تحقيق التعاون، والتكافل، والإيثار عن رغبة وإيمان، وطواعية واختيار..

والواقع التاريخي أكبر شاهد على ما نقول.. وإليكم بعض النماذج في تكافل المجتمع المسلم، وفي تعاطفه وتراحمه وتعاونه:

1- قال محمد بن إسحاق: "كان أناس بالمدينة يعيشون ولا يدرون من أين يعيشون؟ ومن يعطيهم؟ فلما مات زين العابدين بن الحسين فقدوا ذلك فعرفوا أنه هو الذي كان يأتيهم بالليل بما يأتيهم به، ولما مات وجدوا في ظهره وأكتافه أثر حمل الجراب (أي الكيس) إلى بيوت الأرامل والمساكين".

2- وكان الليث بن سعد ذا غلّة سنوية تزيد على سبعين ألف دينار يتصدق بها كلها حتى قالوا إنه لم تجب عليه زكاة قط، واشترى مرة داراً بيعت بالمزاد، فذهب وكيله يتسلمها فوجد فيها أيتاماً وأطفالاً صغاراً، سألوه بالله أن يترك لهم الدار، فلما بلغ ذلك الليث أرسل إليهم أن الدار لكم، ومعها ما يصلحكم كل يوم.

3- وكان عبد الله بن المبارك الإمام الكبير المحدّث كثير الصدقات، تبلغ صدقاته في السنة أكثر من مائة ألف دينار، خرج مرة إلى الحج مع أصحابه، فاجتاز ببعض البلاد فمات طائر، فأمر بإلقائه على مزْبَلَة هناك، وسار أصحابه أمامه، وتخلف هو وراءهم، فلما مر بالمزبلة إذا جارية قد خرجت من دار قريبة منها، فأخذت ذلك الطائر الميت، فلما سألها لم فعلت ذلك، أخبرته أنها وأخاها فقيران لا يعلم بهما أحد، ولا يجدان شيئاً، فأمر ابن المبارك بردّ الأحمال وقال لوكيله: كم معك من النفقة؟ قال: ألف دينار، فقال له: عُدّ منها عشرين ديناراً تكفينا إلى "مرو" وأعطها الباقي فهذا أفضل من حجنا في هذا العام، ثم رجع فلم يحج[7].

ويوم تتضافر جهود الدولة، وجهود المجتمع، وجهود الأفراد في حل مشكلة الفقر، لا يبقى في المجتمع الإسلامي فقير ولا محتاج، وتنعم الأمة الإسلامية بظلال الأمن، والرفاهية، والتكافل والاستقرار.. ويتحرر أبناء المجتمع من كل العوامل الإجرامية، والانحرافات النفسية.. ونرى بأم أعيننا راية العزة الإسلامية ترفرف في علياء المجد والكرامة، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.

[1] من كتاب (أخلاقنا الاجتماعية) للمرحوم الدكتور مصطفى السباعي ص 159.

[2] السجل: الدلو في البئر.

[3] المراد بالقيراط جزء من الدرهم (عمله عصر النبوة).

[4] أي خالطته مخالطة يتغير بها طعمه أو ريحه لشدة نتنها وقبحها.

[5] عرامة الصبي: أن انطلاقته وحيويته وقوة الاجتماع مع غيره.

[6] أي يزجره وينهره.

[7] ومن أراد المزيد في معالجة الإسلام للفقر فليرجع إلى كتابنا (التكافل الاجتماعي في الإسلام) فإن فيه ما يشفي الغليل.

ظاهرة الحسد

الحسد هو تمني زوال النعمة عن الغير، وهو ظاهرة اجتماعية خطيرة، إن لم يعالجها المربون في أطفالهم ستؤدي حتماً إلى أسوأ النتائج، وأخطر الآثار..

وقد لا تكون ظاهرة الحسد واضحة لأول وهلة بالنسبة للأهل، فيظنون أن أولادهم لا يتوقع منهم الحسد، ولا يشعرون به، ولا يقعون فيه.. لذا وجب على كل من يقوم بمسؤولية التربية أن يعالج الحسد بالحكمة والتربية القويمة حيث لا يؤدي إلى مشاكل صعبة، ونتائج وخيمة، ومضاعفات نفسية أليمة.

وقبل أن أتعرض للوقاية والعلاج في استئصال هذه الظاهرة يحسن أن أتعرض للأسباب التي تؤجج نار الغيرة والحسد في نفوس الأطفال.

وأرى أن هذه الأسباب تتركز في الأمور التالية:

• خوف الطفل أن يفقد بين أهله بعض امتيازاته كالمحبة والعطف، وكونه شخصاً مراداً، ولا سيما عند مقام مولود جديد يتصور أنه سيزاحمه في هذه المحبة والعطف.

• المقارنة السيئة بين الأولاد كوصف أحدهم بالذكاء، والآخر بالغباوة..

• الاهتمام بأحد الأولاد دون الآخرين، كولد يُحمل ويُداعب ويُعطى.. وآخر يُزجر ويُهمل ويُحرم...

• الإغضاء والتسامح عن ولد محبوب يؤذي ويسيء، والترصد بالعقاب لولد آخر تصدر منه أدنى إساءة.

• وجود الولد في بيئة غنية مترفة وهو في فقر شديد، وحالة من العيش سيئة.

إلى غير ذلك من الأسباب التي تؤدي إلى أسوأ الآثار في شخصية الطفل وربما يصاب بآفة من مركب النقص، أوالأنانية القاتلة، أو الحقد الاجتماعي.. عدا عن إصابته بمضاعفات نفسية كالقلق والتمرد، وعدم الثقة بالنفس..

والإسلام قد عالج ظاهرة الحسد بمبادئ تربوية حكيمة لو أخذ المربون بأسبابها اليوم لنشأ الأولاد على التوادد والإيثار، والمحبة، والصفاء.. ولأضمروا كل تعاون، وخير، وتعاطف بالنسبة للآخرين..

وأرى أن هذه المبادئ التربوية لعلاج ظاهرة الحسد تتجسّد في الأمور التالية:

1- إشعار الطفل بالمحبة:

وهذا ما كان عليه الصلاة والسلام يفعله، ويأمر أصحابه به، ويحضهم عليه ويراقب تنفيذه هنا وهناك.

وإليكم بعض الأمثلة:

- روى الترمذي وغيره عن عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنهما أنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب فجاء الحسن والحسين رضي الله عنهما، وعليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم فحملهما، ووضعهما بين يديه، ثم قال: "صدق الله عز وجل {إنما أموالكم وأولادكم فتنة...} الأنفال: 28، نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران، فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما".

- وكان عليه الصلاة والسلام يداعب الحسن والحسين رضي الله عنهما، فيمشي على يديه وركبتيه، ويتعلقان به من الجانبين، فيمشي بهما، ويقول: "نعم الجمل جملكما، ونِعم العِدْلان أنتما".

- وروى البخاري في الأدب المفرد عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أتقبّلون صبيانكم فما نقبّلهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أو أملك، أن نزع الله من قلبك الرحمة"؟.

- وروى البخاري في أدبه كذلك عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: جاءت امرأة إلى عائشة رضي الله عنها، فأعطتها ثلاث تمرات، فأعطت كل صبي لها تمرة، وأمسكت لنفسها تمرة، فأكل الصبيان التمرتين، ونظرا إلى أمهما، فعمدت الأم إلى التمرة فشقتها فأعطت كل صبي نصف تمرة، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته عائشة، فقال: وما يعجبك من ذلك؟ لقد رحمها الله برحمتها صبيّيْها!!..

وينبغي ألا يغرب عن البال أن الأخذ بالاحتياطات اللازمة للحيلولة دون اشتداد الحسد عند مقدم طفل جديد من أهم ما ينبغي أن يعتني به المربون ولا سيما الأم.

هذه الاحتياطات يجب أن تبدأ قبل عدة أشهر من الولادة كتغيير سرير الطفل الأكبر، إو إرساله إلى الروضة.. ولا بأس بالسماح للأخ الكبير بالمساعدة في شؤون الطفل الجديد عند إلباسه، أو تغسيله، أو إطعامه، ولا بأس كذلك بالسماح له بأن يلاعب أو يداعب أخاه الصغير ولكن مع شيء من المراقبة مخافة إيذائه، وعندما تحمل الأم الوليد لإرضاعه، فيستحسن من الأب أن يداعب أخاه الأكبر، إويحادثه ويلاطفه ليشعره بالمحبة والعطف والاهتمام..

والمقصود على العموم إشعار الأخ الأكبر بأنه محبوب، وأنه المراد، وأنه محل العطف والعناية كأخيه الوليد سواء بسواء.

وهذا ما كان يوجه إليه المربي الأعظم صلوات الله وسلامه عليه في الأحاديث التي مر ذكرها، وسبق تعدادها..

ألا فلينهج المربون طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في إشعار الطفل بالمحبة إن أرادوا تكوين شخصيات أطفالهم على الحب والتعاون والإيثار، وتحريرهم من الحقد والأثرة والأنانية.

2- تحقيق العدل بين الأولاد:

فمن المعروف بداهة أن المربين حين يسوّون بين الأولاد في المعاملة، ويحققون العدل بينهم في العطاء تتلاشى ظاهرة الحسد في نفوسهم، وتزول آفات الضغائن والأحقاد من قلوبهم، بل يعيش الأبناء مع إخوتهم ومربيهم في تفاهم تام، ومحبة متبادلة، بل ترفرف على البيت أجنحة المودة، والإخلاص، والصفاء...

فلا عجب أن نرى المعلم الأول، والمربي الأكبر صلوات الله وسلامه عليه، وهو يحض الآباء والمربين على تحقيق مبدأ العدل بين الإخوة، بل كان عليه الصلاة والسلام يستنكر كل الإنكار على الذين لا يحققون عدلا ولا رحمة بين أولادهم، ولا يسوّون بينهم في القسمة والعطاء!!.. وإليكم طرفاً من توجيهاته واستنكاراته، ليعرف من يريد أن يعرف حرص الرسول صلوات الله وسلامه عليه على التربية القويمة، والإصلاح الاجتماعي!!..

سبق أن ذكرنا في معالجة ظاهرة الشعور بالنقص عند الأولاد هذه الأحاديث، والآن نكرر إعادتها زيادة في الفائدة:

- "ساووا بين أولادكم في العطية" الطبراني.

- وروى أنس أن رجلا كان عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاء ابن له فقبّله وأجلسه على فخذه، وجاءت ابنة له فأجلسها بين يديه، فقال صلى الله عليه وسلم للرجل: "ألا سوّيت بينهما؟".

- وروى البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما أن أباه أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني نحلت ابني هذا – أي أعطيته – غلاماً كان لي.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكلّ ولدك نحلتَه مثل هذا؟ فقال: لا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأرجعه.

وفي رواية: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا بشير، ألك ولد سوى هذا؟ فقال: نعم، قال: أكلّهم وهبت لهم مثل هذا؟ قال: لا.

قال: فلا تُشهدني إذن، فإني لا أشهد على جور – أي ظلم - ، ثم قال: أيسرّك أن يكونوا إليك في البر سواء؟ قال: بلى. قال: فلا إذن.

3- إزالة الأسباب التي تؤدي إلى الحسد:

فعلى المربي أن يكون حكيماً في تربية الولد، وذلك باتباع أنجع الوسائل في إزالة ظاهرة الحسد من نفسه:

فإذا كان مجيء الوليد الجديد يشعره فقدان محبة أبويه وعطفهما.. فعلى الأبوين أن يسعيا جهدهما في إشعاره أن هذه المحبة باقية على مدى الأيام.

وإذا كان رميُ الأبوين له بالغباوة، والألفاظ القارعة.. يؤجج في صدره نيران الحقد والحسد.. فعلى الأبوين أن ينزّها ألسنتهما عن التقريع المؤلم، والكلمات الجارحة..

وإذا كان تفضيل أحد الأولاد عليه في معاملة أو عطاء.. يغيظه ويولّد في نفسه ظاهرة الحسد.. فعلى الأبوين أن يحققا بين الأولاد العدل والمساواة..

وهكذا يجب على المربين والآباء والأمهات أن يكونوا حذرين كل الحذر من أن يتعرض الولد لآفة من هذه الآفات النفسية وعلى رأسها الحسد.. حتى تكتمل شخصيته، وينشأ إنساناً سوياً في ظلال التربية الصالحة..

وبما أن للحسد آفات نفسية وآثاراً اجتماعية، حذر عليه الصلاة والسلام منه ونهى عنه.. وإليكم طائفة من تحذيراته وأقواله:

- روى أبو داود عن أبي هريرة مرفوعاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب".

- وأخرج الطبراني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يزال الناس بخير ما لم يتحاسدوا"، وأخرج كذلك: "ليس مني ذو حسد".

- وأخرج الديلمي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الحسد يفسد الإيمان كما يفسد الصبر[1] العسل". فما أحوج الآباء والمربين إلى هذه المبادئ التربوية في معالجة الحسد عند الأولاد.. ولا شك أنهم إذا التزموها، وأخذوا بتوجيهاتها.. نشأ الأولاد على خير ما ينشؤون من الصفاء والإخلاص!!..

[1] الصبر: مادة مُرّة المذاق كالعلقم.

ظاهرة الغضب

الغضب هو حالة نفسية، وظاهرة انفعالية يحس بها الطفل في الأيام الأولى من حياته، وتصحبه في جميع مراحل العمر إلى الممات.

وما دامت ظاهرة الغضب خُلقاً متأصلاً في الإنسان منذ ولادته، فمن الخطأ أن نعد الغضب من الظواهر المستقبحة، والحالات الانفعالية السيئة.. لأن الله سبحانه لما خلق الإنسان، وركب فيه الغرائز، والميول، والمشاعر.. كان ذلك لحكمة بالغة، ومصلحة اجتماعية ظاهرة.

فمن فائدة الغضب:

المحافظة على النفس، والمحافظة على الدين، والمحافظة على العرض، والمحافظة على الوطن الإسلامي من كيد المعتدين، ومؤامرات المستعمرين..

ولولا هذه الظاهرة التي أودعها الله في الإنسان لما ثار المسلم وغضب إذا انتهكت محارم الله، أو امتهن دينه، أو أراد عدو أن يغتصب أرضه، ويستولي على بلاده..

وهذا لا شك من الغضب المحمود الذي كان مصاحباً لفعله عليه الصلاة والسلام في بعض الحالات:

فقد ثبت في الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام قد جاءه من يشفع في حدّ من حدود الله فغضب، وظهرت على وجهه أسارير الغضب، وقال قولته الخالدة: "إنما أهلك الذين من قبلكم أنه إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيمُ الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها".

وأخرج الطبراني عن أنس – رضي الله عنه – أنه قال: "ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم انتقم لنفسه من شيء إلا إذا انتهكت لله حرمة، فإن انتهكت لله حرمة كان أشد الناس غضباً، وما عُرِض عليه أمران إلا اختار أيسرهما ما لم يكن فيه سخط الله، فإن كان فيه لله سخط كان أبعد الناس منه".

وإذا كان كثير من علماء الاجتماع والتربية عدّوا الغضب من الرذائل الممقوتة، والعادات المذمومة.. فإنما يقصدون من وراء ذلك الغضب المذموم الذي يؤدي إلى أسوأ الآثار، وأوخم العواقب.. وذلك حين الانفعال والغضب من أجل المصالح الشخصية، والبواعث الأنانية.. ولا يخفى ما في هذا الغضب من تمزيق للوحدة، وتصديع للجماعة، واستئصال لمعاني الأخوة، والمحبة والصفاء.. في ربوع المجتمع.

فلا عجب أن يهتّم رسول الإسلام صلوات الله وسلامه عليه لظاهرة الغضب، وأن يمتدح الذين يكظمون الغيظ، ويملكون أنفسهم عند الغضب.

- أخرج البخاري أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أوصني، قال: "لا تغضب"، فردّد مراراً، قال: "لا تغضب".

- وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن ابن عمر – رضي الله عنهما – أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: ما يساعدني من غضب الله عز وجل؟ قال: "لا تغضب".

- وأخرج البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من كظم غيظاً وهو يستطيع أن ينفذه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيّره في أي الحور العين شاء".

- وروى البخاري ومسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما تعدّون الصُّرَعَة فيكم؟ قالوا: الذي لا تصرعه الرجال، قال: لا ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب".

ولا غرابة أيضاً أن يأمر القرآن العظيم المؤمنين والمؤمنات بكظم الغيظ، والدفع بالتي هي أحسن، والإعراض عن الجاهلين.. حتى يتحقق للمجتمع مودته، ويتم للمسلمين تآلفهم:

- {ولا تستوي الحسنةُ ولا السيئةُ ادفع بالتي هي أحسنُ، فإذا الذي بينك وبينهُ عداوةٌ كأنه وليّ حميم} فصلت: 34.

- {وعبادُ الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً} الفرقان: 63.

- {الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين} آل عمران: 134.

- {وإذا ما غضبوا هم يغفرون} الشورى: 37.

وإذا كان لظاهرة الغضب المذموم آثار سيئة على شخصية الإنسان، وعقله، واتزانه.. وعواقب وخيمة على وحدة المجتمع وترابطه، وتماسكه.. فما على المربين إلا أن يهتموا بعلاج هذه الظاهرة منذ نعومة أظفار الولد إلى أن يصل مرحلة التمييز، إلى أن يتدرج إلى سن المراهقة.

وإن خير علاج تقدمه لمعالجة ظاهرة الغضب في الولد تجنيبه دواعي الغضب وأسبابه حتى لا يصبح له خُلقاً وعادة، وصدق من قال: "درهم وقاية خير من قنطار علاج".

• فإذا كان من دواعي الغضب وأسبابه الجوع، فعلى المربي أن يسعى إلى إطعام الولد في الوقت المخصص، لأن إهمال غذائه يؤدي إلى أمراض جسمية، وانفعالات نفسية.. وكم يكون المربي آثماً إذا ضيع من يعيل؟، روى أبو داود وغيره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كفى بالمرء إثماً أن يضيّع من يقوت".

• وإذا كان من دواعي الغضب وأسبابه المرض، فعلى المربي أن يسعى إلى معالجة الولد طبيّاً، وإعداده صحيّاً.. امتثالا لتوجيهاته صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم وأحمد: "لكل داء دواء، فإذا أصاب الدواء الداء برأ بإذن الله عز وجل".

• وإذا كان من دواعي الغضب وأسبابه تقريع الولد وإهانته بدون موجب، فعلى المربي أن ينزه لسانه عن كلمات التحقير والإهانة.. حتى لا تترسخ في نفس الولد الآفات النفسية، والانفعالات الغضبية.. ولا شك أن هذا من حسن التربية، والإعانة على البر.. فقد روى ابن ماجة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أدبوا أولادكم وأحسنوا أدبهم"، ويقول أيضاً فيما رواه ابن حبان: "رحم الله والداً أعان ولده على برّه".

• وإذا كان من دواعي الغضب وأسبابه محاكاة الولد لأبويه في ظاهرة الغضب، فعلى الأبوين أن يعطيا الولد القدوة الصالحة في الحِلْم، والأناة، وضبط النفس عند الغضب.. تحقيقاً لقوله تبارك وتعالى:

{والكاظمين الغيظَ والعافين عن الناس والله يُحب المحسنين}، وتنفيذاً لوصية الرسول صلى الله عليه وسلم القائل في الحديث الذي مر ذكره: "... ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب".

• وإذا كان من دواعي الغضب وأسبابه لدى الولد الدلال المُفرط والتّنعم البالغ، فعلى المربين أن يكونوا معتدلين في محبة الأولاد، وأن يكونوا طبيعيين في الرحمة بهم والإنفاق عليهم تحقيقاً لما ينسب إلى علي كرم الله وجهه: "أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وابغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما"... وتطبيقاً لما حذر منه عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام أحمد... "إياكم والتنعم فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين".

• وإذا كان من دواعي الغضب وأسبابه الهزء والسخرية والتنابز بالألقاب، فعلى المربين أن يجتنبوا هذه المسببات الغضبية.. حتى لا تتأصل ظاهرة الغضب في نفسية الولد..

وما أعظم تربية القرآن الكريم حين نهى عن السخرية، وسوء الظن، والتجسس، والتنابز بالألقاب.. حين قال في سورة الحجرات:

{يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قومٌ من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم، ولا نساءٌ من نساءٍ عسى أن يكنّ خيراً منهنّ، ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان، ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون} الحجرات: 11.

ومن العلاج الناجع في معالجة الغضب لدى الطفل تعويده على المنهج النبوي في تسكين الغضب..

وإليكم مراحل هذا المنهج:

1- تغيير العادة التي يكون عليها الغضبان:

روى الإمام أحمد وغيره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب.. وإلا فليضطجع".

2- اللجوء إلى الوضوء في حالة الغضب:

أخرج أبو داود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خُلق من نار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ".

3- اللجوء إلى السكوت في حالة الغضب:

روى الإمام أحمد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا غضب أحدكم فليسكت".

4- التعوذ بالله من الشيطان الرجيم:

جاء في الصحيحين أنه استبّ رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم وأحدهما يسب صاحبه مغضباً قد احمرّ وجهه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إني لأعلم كلمة، لو قالها لذهب عنه ما يجد... لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم".

هذه هي أهم الوصايا التي وجه إليها رسول الإسلام صلوات الله وسلامه عليه في تسكين الغضب، والتخفيف من حدته.

فما على الآباء والمربين إلا أن يؤدبوا أولادهم وتلامذتهم عليها، عسى أن يعتادوا الحلم والأناة، وضبط النفس عند الغضب.

وأخيراً على المربين أن يقبّحوا لأطفالهم ظاهرة الغضب، كأن يُرُوهم حالة إنسان غضبان كيف تتسع عيناه، وتنتفخ أوداجه، وتتغير ملامحه، ويحمرّ وجهه، ويرتفع صوته.. ولا شك أن إظهار هذه الصورة الحسية لدى الطفل أدعى للزجر والاعتبار..

وكذلك عليهم أن يحذّروهم آفات الغضب، وأخطاره البالغة، وعواقبه الوخيمة..

فهذا التقبيح والتجسيد والتحذير لظاهرة الغضب هي الطريقة التي كان ينهجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في تربية المجتمع، ومعالجة النفوس، فقد روى الإمام أحمد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ألا إن الغضب جمرة تتوقد في قلب ابن آدم، ألا ترون إلى انتفاخ أوداجه، واحمرار عينيه؟ فمن أحس من ذلك شيئاً فالأرض الأرض....".

والذي نخلص إليه بعدما تقدم أن المربين حين يجنبون أولادهم منذ الصغر دواعي الغضب وأسبابه، وحينما يأخذون بالمنهج النبوي في معالجة الغضب وتسكينه، وحينما يقبّحون لأطفالهم ظاهرة الغضب تجسيداً وتحذيراً.. فإن الأولاد – لا شك – ينشؤون على الحلم، والأناة، والاتزان العقلي، وضبط النفس.. بل يعطون الصورة الصادقة عن أخلاق المسلم، وسلوكه السويّ في الحياة!!..

وحين يحرر المربون أبناءهم وطلابهم، ومن لهم حق التربية عليهم:

من ظاهرة الخجل.. ومن ظاهرة الخوف.. ومن ظاهرة الشعور بالنقص.. ومن ظاهرة الحسد.. ومن ظاهرة الغضب..

يكونون قد غرسوا في أنفسهم الأصول النفسية النبيلة التي تتحقق:

بالثبات والجرأة الأدبية.. وبالشجاعة والإقدام.. وبالشعور بالواجب والكمال.. وبالإيثار والمحبة.. وبالحلم والأناة..

بل يكونون بهذه التخلية والتحلية قد أعدوا أولاداً ليكونوا شباب الغد، ورجال المستقبل.. يواجهون الحياة بابتسامة متفائلة، وعزيمة جبارة، وهمة قعساء، وأخلاق سمحة كريمة..

فما أحوجنا إلى مربين يعرفون طريقة الإسلام في التربية النفسية، ومنهج الرسول صلوات الله وسلامه عليه في الإصلاح.. ليؤدوا ما عليهم من واجب ومسؤوليات.. عسى أن نجد أبناء الجيل وقد اكتملت شخصياتهم، وصلحت سريرتهم، وسمت أخلاقهم، وتحررت من الآفات النفسية نفوسهم وقلوبهم.. وما ذلك على الله بعزيز إن جاهد المصلحون، وقام بمسؤولياتهم المربون!!..

الفصل السادس - مسؤولية التربية الاجتماعية

تمهيد

المقصود بالتربية الاجتماعية: تأديب الولد منذ نعومة أظفاره على التزام آداب اجتماعية فاضلة، وأصول نفسية نبيلة.. تنبع من العقيدة الإسلامية الخالدة، والشعور الإيماني العميق، ليظهر الولد في المجتمع على خير ما يظهر به من حسن التعامل، والأدب، والاتزان، والعقل الناضج، والتصرف الحكيم...

ولا شك أن هذه المسؤولية من أهم المسؤوليات في إعداد الولد لدى المربين والآباء، بل هي حصيلة كل تربية سبق ذكره سواء أكانت التربية إيمانية أم خلقية أم نفسية.. لكونها الظاهرة السلوكية والوجدانية التي تربي الولد على أداء الحقوق، والتزام الآداب، والرقابة الاجتماعية، والاتزان العقلي، وحسن السياسة والتعامل مع الآخرين.

ومن الثابت تجربة وواقعاً أن سلامة المجتمع، وقوة بنيانه وتماسكه.. مرتبطتان بسلامة أفراده وإعدادهم.. ومن هنا كانت عناية الإسلام بتربية الأولاد اجتماعياً، وسلوكياً.. حتى إذا تربّوا وتكوّنوا وأصبحوا يتقلّبون على مسرح الحياة أعطوا الصورة الصادقة عن الإنسان الانضباطي المّتزن العاقل الحكيم..

فما على المربين إلا أن يشمروا عن ساعد الجد والعزيمة، ليقوموا بمسؤولياتهم الكبرى في التربية الاجتماعية على وجهها الصحيح عسى أن يساهموا في مجتمع إسلامي أفضل تقوم ركائزه على الإيمان، والأخلاق، والتربية الاجتماعية الفاضلة، والقيم الإسلامية الرفيعة.. وما ذلك على الله بعزيز.

وإذا كان لكل تربية وسائل يسيرون عليها، فما هي الوسائل العملية التي تؤدي إلى تربية اجتماعية فاضلة؟

الوسائل – في نظري – تتركز في أمور أربعة:

1- غرس الأصول النفسية النبيلة.
2- مراعاة حقوق الآخرين.
3- التزام الآداب الاجتماعية العامة.
4- المراقبة والنقد الاجتماعي.

غرس الأصول النفسية

أقام الإسلام قواعد التربية الفاضلة في نفوس الأفراد صغاراً وكباراً.. رجالا ونساء.. شيباً وشباناً.. على أصول نفسية نبيلة ثابتة، وقواعد تربوية باقية.. لا يتم تكوين الشخصية الإسلامية إلا بها، ولا تتكامل إلا بتحقيقها، وهي في الوقت نفسه قيم إنسانية خالدة.. ولغرس هذه الأصول النفسية في نفسيات الأفراد والجماعات أصدر الإسلام توجيهاته القيمة.. ووصاياه الرشيدة.. لتتم التربية الاجتماعية على أنبل معنى.. وأكمل غاية.. حتى ينشأ المجتمع على التعاون المثمر، والترابط الوثيق، والأدب الرفيع، والمحبة المتبادلة، والنقد الذاتي البنّاء..

وإليكم أهم هذه الأصول التي يسعى الإسلام لغرسها:

1- التقوى:

هي نتيجة حتمية، وثمرة طبيعية للشعور الإيماني العميق الذي يتصل بمراقبة الله عز وجل والخشية منه، والخوف من غضبه وعقابه، والطمع بعفوه وثوابه.. وهي – كما عرّفها العلماء – أن لا يراك الله حيث نهاك، وأن لا يفقدك حيث أمرك.. أو هي – كما قال البعض: "اتقاء عذاب الله سبحانه بصالح العمل، والخشية من الله تعالى في السر والعلن..".

من هنا كان اهتمام القرآن الكريم بفضيلة التقوى والأمر بها، والحض عليها في كثير من آيات البينات، حتى أن القارئ لا يمر على قراءة صفحة أو صفحات من القرآن الكريم إلا ويجد لفظة التقوى منسابة في الذكر الحكيم هنا وهناك.

ومن هنا كان اهتمام الصحابة الكرام والسلف الصالح بالتقوى، والتحقّق بها، والاجتهاد لها، والسؤال عنها.. فقد ورد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل أُبيّ ابن كعب عن التقوى، فقال له: (أما سلكت طريقاً ذا شوك، قال: بلى! قال: فما عملت؟ قال: شمرت واجتهدت، قال: فذلك التقوى).

(فذلك التقوى.. حساسية في الضمير، وشفافية في الشعور، وخشية مستمرة، وحذر دائم، وتوقٍّ لأشواك الطريق.. طريق الحياة.. الذي تتجاذبه أشواك الرغائب والشهوات، وأشواك المطامع والمطامح، وأشواك المخاوف والهواجس، وأشواك الرجاء الكاذب فيمن لا يملك رجاء، والخوف الكاذب ممن لا يملك نفعاً ولا ضرّاً، وعشرات غيرها من الأشواك..)[1].

وتقوى الله – فضلا عن أنها تملأ قلب المؤمن بخشية الله، والمراقبة له – هي منبع الفضائل الاجتماعية كلها، والسبيل الوحيد في اتقاء المفاسد والشرور والآثام والأشواك.. بل هي الوسيلة الأولى التي توجد في الفرد وعيه الكامل لمجتمعه، ولكل من يلتقي معهم من أبناء الحياة.

ولعل في تكرار الرسول صلى الله عليه وسلم قوله "التقوى ههنا" ثلاث مرات – كما سيأتي – ما يؤكد أهمية هذا الأصل النفسي في التربية الاجتماعية، ولا سيما في النهي عن مساس الكرامة، والإضرار بالناس.

وهذه بعض النماذج عن أثر التقوى في سلوك الفرد ومعاملته:

(أ) يروي الغزالي في إحيائه أنه كان عند يونس بن عبيد حُلَل مختلفة الأثمان، منها ضرب قيمة كل حلة منه أربعمائة درهم، وضرب كل حلة مائتان، فمر إلى الصلاة، وخلّف ابن أخيه في الدكان، فجاء أعرابي وطلب حلَّة بأربعمائة فعرض عليه من حلل المائتين، فاستحسنها ورضيها، فاشتراها – أي بأربعمائة درهم – فمشى بها وهي على يديه فاستقبله يونس، فعرف حلّته، فقال للأعرابي: بكم اشتريت؟ فقال: بأربعمائة فقال: لا تساوي أكثر من مائتين فارجع حتى تردها، فقال هذه تساوي في بلدنا خمسمائة وأنا ارتضيها، فقال له يونس: انصرف معي فإن النصح في الدين خير من الدنيا بما فيها. ثم رده إلى الدكان ورد عليه مائتي درهم، وخاصم ابن أخيه في ذلك وقاتله. وقال: أما استحييت؟ أما اتقيت الله؟ ترْبح مثل الثمن وتترك النصح للمسلمين؟ فقال: والله ما أخذها إلا وهو راضٍ بها، قال: فهلا رضيت له ما ترضاه لنفسك!!..

(ب) وقال عبد الله بن دينار: خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى مكة فعّرسنا في بعض الطريق، فانحدر بنا راعٍ من الجبل، فقال له:

يا راعي، بعني شاة من هذه الغنم. فقال: إني مملوك.

فقال له – اختباراً - : قل لسيدك أكلها الذئب. فقال الراعي: فأين الله؟ فبكى عمر رضي الله عنه ثم غدا مع المملوك، فاشتراه من مولاه وأعتقه، وقال: أعتَقَتْك في الدنيا هذه الكلمة، وأرجو أن تعتقك في الآخرة.

(ج) وكثير من الناس يعرفون قصة الأم مع ابنتها: الأم تريد أن تخلط اللبن طمعاً في زيادة الربح، والبنت تذكرها بمنع أمير المؤمنين.

الأم تقول: أين نحن من أمير المؤمنين؟ إنه لا يرانا.. وترد الابنة بالجواب المفحم: إن كان أمير المؤمنين لا يرانا فرب أمير المؤمنين يرانا!!..

فعلى فضيلة التقوى والمراقبة لله يجب أن ننشِّئ أبناءنا!!

2- الإخوة:

هي رابطة نفسية تورث الشعور العميق بالعاطفة والمحبة والاحترام.. مع كل من تربطه وإياه من أواصر العقيدة الإسلامية، ووشائج الإيمان والتقوى.. فهذا الشعور الأخوي الصادق يولد في نفس المسلم أصدق العواطف النبيلة في اتخاذ مواقف إيجابية من التعاون، والإيثار، والرحمة، والعفو عند المقدرة.. واتخاذ مواقف سلبية من الابتعاد عن كل ما يضر بالناس في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم والمساس بكراماتهم.. ولقد حث الإسلام على هذه الأخوة في الله، وبيّن مقتضياتها وملتزماتها في كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية:

- قال تعالى: {إنما المؤمنون إخوة} الحجرات: 10.

- وقال أيضاً: {سنشُدُّ عَضُدَكَ بأخيك} القصص: 35.

- وقال كذلك: {واذكروا نعمةَ الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً} آل عمران: 103.

- وقال عليه الصلاة والسلام – فيما رواه مسلم – :"المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسلمه ولا يخذله ولا يحقره.. بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه. التقوى ههنا (ثلاث مرات)، ويشير إلى صدره...".

- وأخرج البخاري ومسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه..".

- وأخرج مسلم وأحمد: "مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم، وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".

- وروى مسلم في صحيحه: "إن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلّي يوم لا ظلّ إلا ظلّي".

وكان من نتيجة هذه الأخوة والمحبة في الله أن تعامل أفراد المجتمع الإسلامي عبر التاريخ، وخلال العصور على أحسن ما تعامل الناس مواساةً وإيثاراً وتعاوناً وتكافلاً..

وإليكم بعض النماذج:

(أ) روى الحاكم في المستدرك أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه بعث بثمانين ألف درهم إلى عائشة رضي الله عنها، وكانت صائمة، وعليها ثوب خلَق، فوزعت هذا المال من ساعتها على الفقراء والمساكين.. ولم تُبقِ منه شيئاً، فقالت لها خادمتها: يا أم المؤمنين ما استطعت أن تشتري لنا لحماً بدرهم تفطرين عليه فقالت: يا بنيّة لو ذكرتني لفعلت.

(ب) وروى الطبراني في الكبير أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أخذ أربعمائة دينار، فجعلها في صرة ثم قال لغلامه: اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجراح ثم تَشَاغَلْ في البيت ساعة حتى تنظر ما يصنع، فذهب بها الغلام إليه.. فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك، فقال أبو عبيدة: وصل الله عمر ورحمه، ثم قال: تعاليْ يا جارية، اذهبي بهذه السبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان.. حتى أنفذها، ورجع الغلام إلى عمر فأخبره، فوجده قد أعد مثلها لمعاذ بن جبل، فقال: اذهب بها إلى معاذ وتشاغل في البيت حتى تنظر ماذا يصنع، فذهب بها إليه، فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في حاجتك، فقال: رحمه الله ووصله، تعاليْ يا جاريه، اذهبي إلى بيت فلان بكذا، اذهبي إلى بيت فلان بكذا.. فاطلعت امرأة هي امرأة معاذ وقالت: نحن والله مساكين فأعطنا، فلم يبق في الخرقة إلا ديناران فرمى بهما إليها، ورجع الغلام إلى عمر فأخبره، فسرّ بذلك فقال: "إنهم إخوة بعضهم من بعض".

(ج) وفي عهد عمر – رضي الله عنه – أصاب الناس قحط وشدة، وكانت قافلة من الشام مكونة من ألف جمل عليها أصناف الطعام واللباس قد حلت لعثمان رضي الله عنه، فتراكض التجار عليه يطلبون أن يبيعهم هذه القافلة، فقال لهم: كم تعطونني ربحاً؟ قالوا خمسة في المائة، قال: إني وجدت من يعطيني أكثر، فقالوا ما نعلم في التجار من يدفع أكثر من هذا الربح؟ فقال لهم عثمان: إني وجدت من يعطيني على الدرهم سبعمائة فأكثر، إني وجدت الله يقول:

{مثلُ الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبّةٍ أنبتت سبعَ سنابل في كُلّ سنبلة مائة حبة، والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم} البقرة: 261.

أشهدكم – يا معشر التجار – أن القافلة وما فيها من بُرّ، ودقيق، وزيت، وسمن.. وهبتها لفقراء المدينة، وإنها صدقة على المسلمين.

روى البخاري في الأدب المفرد عن ابن عمر رضي الله عنهما: "لقد أتى علينا زمان وما أحد أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم".

فعلى خلق الأخوة والمحبة يجب أن ننشّئ أبناءنا!!.

3- الرحمة:

هي رقة في القلب، وحساسية في الضمير، وإرهاف في الشعور.. تستهدف الرأفة بالآخرين، والتألم لهم، والعطف عليهم، وكفكفة دموع أحزانهم وآلامهم.. وهي التي تهيب بالمؤمن أن ينفر من الإيذاء، وينبو عن الجريمة، ويصبح مصدر خير وبر وسلام للناس أجمعين.

ولقد جعل رسول الإسلام صلوات الله وسلامه عليه رحمة الناس بعضهم بعضاً لرحمة الله إياهم، فقد أخرج الترمذي وأبو داود وأحمد عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء".

وحَكَمَ صلى الله عليه وسلم على العارين من الرحمة بأنهم هم الأشقياء، فقد روى الترمذي وأبو داود وغيرهما عنه – عليه الصلاة والسلام – أنه قال: "لا تُنْزعُ الرحمة إلا من شقي".

ورحمة المؤمن لا تقتصر على إخوانه المؤمنين، وإنما هو ينبوع يفيض بالرحمة على الناس جميعاً، وقد قال رسول الإسلام صلوات الله وسلامه عليه لأصحابه مرة – فيما رواه الطبراني - :"لن تؤمنوا حتى تَرحموا، قالوا: يا رسول الله، كلنا رحيم، قال: إنه ليس برحمة أحدكم صاحبه، ولكنها رحمة العامة".

بل هي رحمة تتجاوز الإنسان الناطق إلى الحيوان الأعجم..

فالمؤمن وحده هو الذي يرحمه، ويتقي الله فيه، ويعلم أن الله سبحانه سيحاسبه ويسأله إذا قصّر في حقّه أو تسبب في إيذائه، وقد أعلن النبي صلى الله عليه وسلم أن الجنة فتحت أبوابها لبغيّ سقت كلبّاً فغفر الله لها، وأن النار فتحت أبوابها لامرأة حبست هرة حتى ماتت، فلا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض.

ورأى عمر رضي الله عنه رجلا يسحب شاة برجلها ليذبحها فقال له: (ويلك قُدْها إلى الموت قوداً جميلا).

وإليكم بعض النماذج من آثار الرحمة في المجتمع الإسلامي:

(أ) يروي المؤرخون أن عمرو بن العاص في فتح مصر نزلت حمامة بفسطاطه (أي خيمته) فاتخذت من أعلاه عشّاً، وحين أراد عمرو الرحيل رآها، فلم يشأ أن يهيجها بتقويضه الفسطاط، فتركه وتكاثر العمران من حوله، فكانت مدينة "الفسطاط".

(ب) وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي كان معروفاً في الجاهلية بالشدة والقسوة.. فلما فجَّرَ الإسلام ينابيع الرحمة في قلبه.. كان يرى نفسه مسؤولا أمام الله عن بغلة عثرت بأقصى العراق لأنه لم يعبّد لها الطريق.

(ج) وهذا أبو بكر رضي الله عنه يودّع جيش أسامة بن زيد ويوصيهم قائلا: (لا تقتلوا امرأة ولا شيخاً ولا طفلا، ولا تعقروا نخلا، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، وستجدون رجالا فرغّوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم وما أفرغوا أنفسهم له..).

(د) ومن الأمثلة "الوقف الخيري عند المسلمين".

1- وقف الكلاب الضالة حيث توضع في أماكن مخصوصة للرعاية استنفاداً لها من عذاب الجوع، حتى تستريح بالموت أو الاقتناء.
2- وقف الأعراس: حيث يستعير الفقراء من وقف الحلي والزينة في مناسبات الأعراس والأفراح. وبهذا يتيسر للفقير أن يظهر يوم الفرح بحلة رائقة، وبمظهر جميل، فيكتمل شعوره، وينجبر خاطره..
3- وقف مؤنس المرضى والغرباء: وذلك بتعيين من كان رخيم الصوت، حسن الأداء، ليرتلوا الأناشيد الفكاهية، والقصائد الشعرية طول الليل، بحيث يرتل كل منهم ساعة حتى مطلع الفجر سعياً وراء التحفيف عن المريض الذي ليس له من يخفف عنه، وإيناس الغريب الذي ليس له من يؤنسه.
4- وقف الزبادي: فكل خادم كسرت آنيته، وتعرض لغضب مخدومه، له أن يذهب إلى إدارة الوقف، فيترك الإناء المكسور، ويأخذ إناءً جديداً بدلا منه، وبهذا ينجو من الغضب أوالعقاب..

هذا عدا عن وقف إطعام الجائع، وسقاية الظمآن، وكسوة العاري، وإيواء الغريب، ومعالجة المريض، وتعليم الجاهل، ودفن الميت، وكفالة اليتيم، وإغاثة الملهوف، ومواساة العاجز..

ولا شك أن هذه الأوقاف والمبرات ودور العلم وغيرها ما هي إلا أثر من آثار نوازع حب الخير، وعاطفة الرحمة التي أودعها الله في قلوب المؤمنين الرحماء، ونفوس المسلمين الأتقياء.. وهي مفخرة من مفاخر حضارتنا في التاريخ!!..

فعلى هذه المعاني النبيلة من الرحمة يجب أن ننشّئ أبناءنا!!..

4- الإيثار:

وهو شعور نفسي يترتب عليه تفضيل الإنسان غيره على نفسه في الخيرات والمصالح الشخصية النافعة:

والإيثار خلق نبيل إذا قصد به وجه الله تعالى كان من أول الأصول النفسية على صدق الإيمان، وصفاء السريرة، وطهارة النفس.. وهو في الوقت نفسه دعامة كبيرة من دعائم التكافل الاجتماعي، وتحقيق الخير لبني الإنسان.

وحسبنا أن القرآن الكريم سجل للأنصار – وهم جمهور المجتمع الإسلامي فيها – هذه الصور الراقية من صور الإخاء والمواساة والإيثار والنبل والتعاطف.. فقال:

{والذين تبوّؤوا الدارً والإيمان من قبلهم يُحبون من هاجرَ إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجةً مما أوتوا، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن يوقَ شحّ نفسه فأولئك هم المفلحون} الحشر: 09.

هذا الإيثار الطوعي، والتعاطف الاجتماعي الذي تجلى في أخلاق الأنصار لن تجد له مثيلا في تاريخ البشرية، وفي أخبار الأمم..

لقد شارك الأنصار إخوانهم المهاجرين الذين اضطهدوا في دينهم، وأُخرجوا من ديارهم، وأضحوا لا يملكون شيئاً من متاع الحياة وزينتها.. لقد كان الأنصاري يؤاخي المهاجر ويناصره، بل ويؤثره على نفسه في كثير من حظوظ الحياة. وإذا مات أحدهما ورثه الآخر..

وإليكم بعض الصور من مظاهر الإيثار في المجتمع الإسلامي الأول:

(أ) ذكر الغزالي في الإحياء عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أهُدي إلى رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس شاة فقال: فلان أحوج إليه مني، فبعث به إليه، فبعث هو أيضاً إلى آخر يراه أحوج منه، فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى رجع إلى الأول بعد أن تداوله سبعة.

(ب) وهذه زينب بنت جحش الأسدية أم المؤمنين التي كانت تلقّب "بأم المساكين" لإيثارها ومواساتها.

فقد روى ابن سعد في طبقاته أن برزة بنت باتع حدثت أنه لما خرج العطاء أرسل عمر بن الخطاب رضي الله عنه نصيبها منه، فلما دخل عليها حامل المال، قالت: غفر الله لعمر! غيري من أخواتي كان أقوى على قسم هذا مني، فقالوا: هذا كله لك، قالت: سبحان الله! واستترت منه بثوب ثم قالت: صبّوه واطرحوا عليه ثوباً.

قالت راوية القصة: ثم قالت لي: أدخلي يدك فاقبضي منه قبضة فاذهبي بها إلى بني فلان، وبني فلان من أهل رَحمها وأيتامها، فقسمت حتى بقيت منه بقية تحت الثوب، فقالت لها برزة بنت باتع: غفر الله لك يا أم المؤمنين، والله لقد كان لنا في هذا حق فقالت: فلكم ما تحت الثوب.. قالت: فكشفنا الثوب فوجدنا خمسة وثمانين درهماً.

وقبل قليل روينا خبر عائشة رضي الله عنها التي وزعت عطاءها الذي بلغ ثمانين ألف درهم على الفقراء والمساكين ولم تُبْقِ لنفسها درهما تفطر عليه، ولو ذكرتها الخادمة لفعلت، فنسيت نفسها في سبيل إسعاد غيرها.

(ج) ومن عجائب الإيثار ما ذكره العدوي – كما روى القرطبي – حين قال: (انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لي – ومعي شيء من الماء – وأنا أقول: إن كان به رمق سقيته، فإذا أنا به، فقلت: أسقيك؟ فأشار برأسه أنْ نعم، فإذا برجل يقول: آه... آه! فأشار إليّ ابن عمي أن انطلق إليه، فإذا هو هشام بن العاص، فقلت: أسقيك؟ فأشار أنْ نعم، فسمع أخر يقول: آه... آه! فأشار هشام أن انطلق إليه فإذا هو قد مات، فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات، فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات) ولم يشرب أحد الماء لإيثار كل واحد منهم صاحبه.

فعلى هذه المعاني الكريمة من الإيثار والتضحية ونكران الذات يجب أن ننشّئ أبناءنا!!...

5- العفو:

هو شعور نفسي نبيل يترتب عليه التسامح والتنازل عن الحق مهما كان المعتدي ظالماً وجائزاً.. بشرط أن يكون المعتدَى عليه قادراً على الانتقام، وأن لا يكون الاعتداء على كرامة الدين، ومقدسات الإسلام.. وإلاّ.. كان العفو ذلة ومهانة واستسلاماً وخضوعاً.. والعفو بهذا المعنى وبهذه الشروط شيمة خلقية أصيلة تدل على إيمان راسخ، وأدب إسلامي رفيع.. فلا عجب أن نرى القرآن العظيم يأمر به، ويحض عليه في أكثر من آية في كتاب الله عز وجل:

- {وأن تعفو أقربُ للتقوى، ولا تنسوُوا الفضلَ بينكم...} البقرة: 237.

- {ولا تستوي الحسنةُ ولا السيئةُ ادفع بالتي هي أحسنُ فإذا الذي بينك وبينه عداوةٌ كأنه وليٌّ حميم} فصلت: 34.

- {وعبادُ الرحمن الذين يمشونَ على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً} الفرقان: 63.

- {والكاظمين الغيظَ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين} آل عمران: 134.

ومن المعلوم بداهة أن نفسية المؤمن حينما تكون متخلقة بأخلاق الحلم والعفو والتسامح.. فإنه يكون مثلا يُحتذى في الملاطفة وسموّ الخلق، ولين الجانب، وحسن المعشر.. بل يكون كالملَك يمشي على الأرض نُبلاً وطُهراً وصفاء!!...

وإليكم بعض الصور والنماذج في الحلم والعفو والسماحة في سيرة السلف عبر التاريخ:

(أ) قال عبد الله بن طاهر: كنت عند المأمون يوماً، فنادى بالخادم: يا غلام، فلم يجبه أحد، ثم نادى ثانياً وصاح: يا غلام، فدخل غلام تركي وهو يقول: أما ينبغي للغلام أن يأكل ويشرب؟ كلما خرجنا من عندك تصيح: يا غلام، يا غلام، إلى كم يا غلام؟!.. فنكس المأمون رأسه طويلا – فما شككت في أن يأمرني بضرب عنقه – ثم نظر إليّ، فقال: يا عبد الله، إن الرجل إذا حسنتْ أخلاقه، ساءت أخلاق خدمه، وإنا لا نستطيع أن نسيء أخلاقنا لنحسن أخلاق خدمنا..!!.

(ب) ومما يروي أن زين العابدين بن الحسين رضي الله عنهما استدعى غلاماً له، وناداه مرتين فلم يُجبه، فقال له زين العابدين: أما سمعت ندائي؟! فقال: بلى، قد سمعت، قال: فما حملك على ترك إجابتي؟ قال: أمِنْت منك، وعرفت طهارة أخلاقك فتكاسلت، فقال: الحمد لله الذي أمِنَ مني غلامي!..

ومما يروى عنه أيضاً أنه خرج مرة إلى المسجد فسبه رجل، فقصده غلمانه ليضربوه ويؤذونه، فنهاهم زين العابدين، وقال لهم: كفّوا أيديكم عنه، ثم التفت إلى ذلك الرجل وقال: يا هذا، أنا أكثر مما تقول، ومالا تعرفه مني أكثر مما عرفته، فإن كان لك حاجة في ذكره ذكرته لك، فخجل الرجل واستحيا، فخلع زين العابدين قميصه، وأمر له بألف درهم، فمضى الرجل وهو يقول: أشهد أن هذا الشاب ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومما يروى عنه كذلك أن غلامه كان يصب له الماء بإبريق مصنوع من خزف (من طين) فوقع الإبريق على رجل زين العابدين فانكسر، وجرحت رجله، فقال الغلام على الفور – يا سيدي – يقول الله تعالى: {والكاظمين الغيظ}، فقال زين العابدين: لقد كظمت غيظي.. ويقول: {والعافين عن الناس}، فقال: لقد عفوت عنك، ويقول: {والله يحب المحسنين}، فقال زين العابدين: أنت حر لوجه الله!!..

(ج) وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما قدم عُيَيْنَة بن حصين نزل على ابن أخيه الحرّ بن قيس، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر إذ كان القراء أصحاب مجلس أمير المؤمنين ومشاورته، كهولا كانوا أو شباناً..

فقال عيينة: أستأذن لي على أمير المؤمنين، فاستأذن له فلما دخل قال: هيه يا ابن الخطاب فوالله ما تعطينا الجزل (أي الكثير)، ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى همّ أن يوقع به.

فقال الحرّ: يا أمير المؤمنين، إن الله يقول لنبيه: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين}، وإن هذا من الجاهلين، فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقّافاً عند كتاب الله عز وجل[2]!!..

(د) ومما جاء في أسباب النزول أن قريباً لأبي بكر رضي الله عنه اسمه (مسطح) كان يعيش على إحسان أبي بكر وكفالته، لم يتورّع عن الخبط في عرض السيدة عائشة لما شيّع عليها المنافقون ما شيَّعوا في حادثة الإفك، فنسي مسطح بذلك حق الإسلام، وحق القرابة، وحق التكافل.. ومما أثار حفيظة أبي بكر رضي الله عنه، جعله يحلف أن يهجر قريبه هذا، ولا يصله، فنزل قوله تعالى:

{ولا يأتلِ[3] أولوا الفضل منكم والسّعةِ أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله، وليعفوا وليصفحوا ألا تحبّون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم} النور: 22.

فعفا أبو بكر رضي الله عنه وصفح، وعاد إلى عطائه الأول قائلا: إني أحب أن يغفر الله لي...!

وما هذا الخلق العظيم من العفو والصفح والتسامح والحِلم.. إلا بفضل ما اقتبسوه تأسياً من أخلاق الداعية الأول صلوات الله وسلامه عليه، وبفضل ما امتثلوه من توجيهاته الكريمة عليه الصلاة والسلام.. حتى تسموا أخلاقهم على أخلاق السوقة والعبيد، وتتميز مكارمهم من مكارم الخاصة والعامة..

روى أبو داود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من كظم غيظاً وهو يستطيع أن ينفذه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيّره في أي الحور العين شاء".

وروى الطبراني عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أنبئكم بما يشرف الله بن البنيان، ويرفع الدرجات"؟، قالوا: نعم يا رسول الله، قال: "تحلم على من جهل عليك، وتعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك".

فعلى الراغبين هذه الفضائل من الحلم والتسامح والعفو يجب أن ننشّئ أبناءنا!!

6- الجرأة:

هي قوة نفسية رائعة يستمدها المؤمن من الإيمان بالواحد الأحد الذي يعتقده، ومن الحق الذي يعتنقه، ومن الخلود الذي يوقن به، ومن القدر الذي يستسلم إليه، ومن المسؤولية التي يستشعر بها، ومن التربية التي يُنَشّأ عليها..

وعلى قدر نصيب المؤمن من الإيمان بالله الذي لا يغلب، وبالحق الذي لا يخذل، وبالقدر الذي لا يتحول، وبالمسؤولية التي لا تكل، وبالتربية التي لا تملّ.. بقدر هذا كله يكون نصيبه من قوة الشجاعة والجرأة، وقول كلمة الحق..

ونرى هذا بارزاً في شخصية أبي بكر رضي الله عنه الذي كان أرجح المؤمنين إيماناً بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد تمثّل إيمانه في مواقف جعلت عمر القوي الشديد يقول عنه: (والله لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان هذه الأمة لرجح إيمان أبي بكر..).

موقفه يوم تُوفي الرسول صلوات الله وسلامه عليه فذهل المسلمون، وأخرجتهم الفجيعة عن وعيهم ورشدهم، حتى روي أن عمر قال: من قال إنّ محمداً مات ضربت عنقه بسيفي هذا !. هناك وقف أبو بكر رضي الله عنه يؤذن في الناس بصوت جهير ويقول: "من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت"، وتلا قوله تبارك وتعالى:

{وما محمد إلا رسول قد خَلت من قبله الرسل، أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين} آل عمران: 144.

وموقفه بعد ذلك، يوم تردّد المسلمون في إنفاذ جيش أسامة الذي جهزه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الشام قبل مرض موته، فقد طلبوا من أبي بكر أن يوقف مسير هذا الجيش، بسبب أن الغد مليء بالأحداث والاحتمالات، ولا يدري أحد ماذا يفعل العرب في القبائل والقرى إذا علموا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مات.. ولكن أبا بكر أجابهم في حزم عازم، وقال: "والذي نفس أبي بكر يده، لو ظننت أن السباع تحتطفني لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما كنت أحلّ عقدة عقدها رسول الله بيده، ولو لم يبق في القرى غيري لأنفذته..".

وموقفه رضي الله عنه في حرب المرتدين ومانعي الزكاة في الوقت الذي برزت فيه قرون العصبية الجاهلية كأنها قرون الشياطين.. وكان المسلمون – بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم – كالغنم في الليلة المطيرة، كما وصفتهم السيدة عائشة رضي الله عنها، وحتى لا قال بعض المسلمين لأبي بكر: يا خليفة رسول الله، لا طاقة لك بحرب العرب جميعاً.. الزم بيتك، وأغلق بابك، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين.. ولكن هذا الرجل الخاشع البكاّء، الرقيق كالنسيم، اللّين كالحرير، الرحيم كقلب الأم ينقلب في لحظات إلى رجل ثائر كالبحر، زائر كالليث، يصيح في وجه عمر: أجبّارٌ في الجاهلية، وخوّار في الإسلام؟ لقد تمّ الوحي واكتمل.. أفينقص الدين وأنا حي؟ والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه، والله لأقاتلنهم ما استمسك السيف بيدي، فما كان من عمر رضي الله عنه إلا أن قال: لقد شرح الله صدر أبي بكر للقتال فعلمت أنه الحق[4].

ومن هنا كانت فضيلة الجرأة بالحق من أعظم الجهاد لما روى أبو داود والترمذي وابن ماجة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر".

ومن هنا كان الذي يستشهد في سبيل كلمة الحق سيد الشهداء لما روي عن الحاكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله".

ومن هنا كان صلى الله عليه وسلم يأخذ العهد من أصحابه على أن يقولوا بالحق أينما كانوا.. فقد روى مسلم في صحيحه عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه قال: "بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنْشَط والمكْره، وعلى أثَرَةٍ علينا، وعلى ألا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم".

ومن هنا كان امتداح الله سبحانه للذين يبلغون رسالات ربهم ولا يخشون أحداً إلا الله، قال تعالى: {الذين يبلِّغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله وكفى بالله حسيباً} الأحزاب: 39.

ولو أردنا أن نتصفح سِفْر رجال الإسلام في التاريخ لرأيناه سفراً حافلا بالأمجاد والبطولات، زاخراً بالجرأة الأدبية في سبيل الحق والإسلام..

وإليكم بعض الأمثلة الحية من مواقفهم البطولية:

(أ) من مواقف العز بن عبد السلام أنه قال مرة لسلطان مصر (نجم الدين أيوب)، وكان في مجلس حافل برجال الدولة: يا أيوب!.. ما حجتك عند الله إذا قال لك: ألم أبوِّئ لك ملك مصر ثم تُبيح الخمور؟ فقال: هل جرى هذا؟ فقال: نعم. الحانة الفلانية يباع فيها الخمور، وتستباح فيها المنكرات، وأنت تتقلب في نعمة هذه المملكة، فقال: هذا أنا ماعملتُه. هذا من زمان أبي، فقال العز بن عبد السلام: أنت من الذين يقولون:

{إنا وجدنا آباءنا على أمة[5] وإنا على آثارهم مقتدون} الزخرف: 13.

فرسم السلطان بإبطال تلك الحانة وإغلاقها..

(ب) كان سلمة بن دينار المكنىّ بأبي حازم يدخل على معاوية، فيقول: السلام عليك أيها الأجير، فإذا حاولوا أن يقولوا لأبي حازم قل: السلام عليك أيها الأمير، أبى عليهم ذلك، ثم التفت إلى معاوية فقال له: (إنما أنت أجير هذه الأمة، أستأجرك ربك لرعايتها).

(ج) وإليكم هذه المحاورة التي جرت بينه وبين سليمان بن عبد الملك:

قال سليمان: يا أبا حازم مالنا نكره الموت؟. قال: لأنكم خربتم آخرتكم، وعمرتم الدنيا، فكرهتم أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب.

قال سليمان: فكيف القدوم غداً على الله؟. قال: أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله، وأما المسيء فكالعبد الآبق يقدم على مولاه.

قال سليمان: أي القول أعدل؟. فقال: قول الحق عند من تخافه أو ترجوه.

قال سليمان: فأي المؤمنين أكْيَس؟ (أي أعقل)؟. قال: رجل عمل بطاعة الله، ودلّ الناس عليها.

قال سليمان: فأيّ المؤمنين أحمق؟. قال: رجل انحطّ في هوى أخيه وهو ظالم، فباع آخرته بدنيا غيره.

قال سليمان: هل لك يا أبا حازم أن تصحبنا؟ فتصيب منا، ونصيب منك. قال: أعوذ بالله!..

قال سليمان: ولِمَ ذاك؟. قال: أخشى أن أركن إليكم قليلا، فيذيقني الله ضعف الحياة، وضعف الممات.

قال له سليمان وقد قام ليذهب: أوصنى يا أبا حازم.. فقال: سأوصيك وأوجز: عظّم ربك، ونزّهه أن يراك حيث نهاك، أو يفقدك حيث أمرك)!!..

فعلى هذه الفضيلة من الثبات والجرأة في الحق يجب أن ننشّئ أولادنا!!..

تلكم هي أهم الأصول النفسية التي يسعى الإسلام جهده إلى غرسها في نفس المؤمن، وكلها تتضافر في تكوين الشخصية المسلمة، وكلها تشير إلى أن الإسلام في تحقيق التربية الاجتماعية لدى الأفراد يجب أن يبدأ من نقطة بناء الفرد بناء صحيحاً، وأن أي تربية أو تكوين لا يقوم على هذه الأصول النفسية التي وضع قواعدها الإسلام فإن التربية تكون فاشلة وأن ارتباط الفرد بالمجتمع يكون أوهن من بيت العنكبوت.

لذا وجب على الآباء والمربين جميعاً وعلى الأمهات بشكل خاص:

أن يرسِّخوا في نفوس أطفالهم عقيدة الإيمان والتقوى، وفضيلة الأخوة والمحبة، ومعاني الرحمة والإيثار والحلم.. وخلق الإقدام والجرأة في الحق.. وغيرها من الأصول النفسية النبيلة.. حتى إذا شبّ الأولاد عن الطوق، وبلغوا السنّ التي تؤهلهم أن يخوضوا خضم الحياة.. أدوا ما عليهم من واجبات ومسؤوليات دون تواكل أو تردد أو قنوط.. ثم بالتالي قاموا بكل الالتزامات نحو الآخرين دون إهمال لحق أو تقصير في الواجب.. بل كانت معاملاتهم وآدابهم وأخلاقهم الاجتماعية على أحسن ما رأى الناس، وأسمى مما يتصوره الخيال.

وأي نظام في التربية لا يقوم على هذه الأصول النفسية، والأسس التربوية، يكون كمن رأى شجرة بدأ يدب فيها الاصفرار والذبول فأخذ يعالجها من أوراقها، ولم يلتفت إلى إصلاح الجذر الذي إذا صلح صلحت الشجرة كلها..

وبعبارة أوضح أن الذي يقوم بمسؤولية التربية الاجتماعية إذا لم يَبْنِ تربيته على هذه الأصول الثابتة كان كمن يرقم على ماء، وينفخ في رماد، ويصرخ في واد دون فائدة أو جدوى..

[1] من كتاب الظلال لسيد قطب رحمه الله ج 1 ص 40.

[2] رواه البخاري.

[3] ولا يأتل: ولا يحلف.

[4] من كتاب (الإيمان والحياة) للأستاذ يوسف القرضاوي ص 274 مع شيء من التصرف.

[5] أمة: طريقة ودين.

مراعاة حقوق الآخرين - حق الأبوين

سبق أن ذكرنا في مبحث "غرس الأصول النفسية النبيلة" أن الإسلام أقام قواعد التربية الفاضلة على أصول نفسية تتصل بالعقيدة، وترتبط بالتقوى.. لتتم التربية الاجتماعية لدى الفرد على أنبل معنى، وأكمل غاية.. حتى ينشأ المجتمع على التعاون المثمر، والترابط الوثيق، والأدب العالي، والمحبة المتبادلة، والنقد الذاتي البنّاء..

وكنا ألمحنا إلى أن من أميز الأصول التي يجب أن يقوم التعامل الاجتماعي على أساسها هي: عقيدة الإيمان والتقوى، وفضيلة الأخوة والمحبة، ومبادئ الرحمة والإيثار والحلم.. وخُلق الإقدام والجرأة في الحق..

وكنا أكدنا أن المربين جميعاً إذا لم يرسخوا هذه الأصول النفسية في نفوس أطفالهم منذ الصغر.. فإنهم – ولا شك – سيسيرون في المجتمع في طريق الشذوذ والانحراف.. بل يكونون أداة هدم وإجرام وتخريب لكيان المجتمع وتماسكه.. وإذا شبّوا على هذا الفساد والانحراف.. لا ينفع معهم توجيه ولا تربية ولا إصلاح!!..

فالذي نخلص إليه بعد هذه التقدمة أن مراعاة حقوق المجتمع متلازمة كل التلازم مع الأصول النفسية النبيلة، بل بعبارة أوضح أن الأصول النفسية معنى، وأن مراعاة حقوق المجتمع مظهر، وإن شئت فقل: الأولى روح، والثانية جسم، فلا يمكن استغناء الأولى عن الثانية بحال.. وإلا كان الخلل والفوضى والاضطراب..

ولكن ما هي أهم هذه الحقوق الاجتماعية التي يجب أن نرشد الولد إليها، وننشئه عليها، ونأمره بها.. حتى يعتاد عليها ويقوم بأدائها خير قيام؟..

أهم هذه الحقوق هي:

1- حق الأبوين.
2- حق الأرحام.


3- حق المعلم.
4- حق الرفيق.
5- حق الكبير.

ولنتكلم عن كل حق من هذه الحقوق بشيء من التفصيل، ليقوم المربي على غرسها وترسيخها في الولد منذ نشأته وعلى الله التكلان، وهو المستعان:

1- حق الأبوين:

إن من أهم ما يجب أن يحرص المربي عليه تعريف الولد بحق والديه عليه، وذلك ببرّهما وطاعتهما والإحسان إليهما والقيام بخدمتهما، ورعاية شيخوختهما، وعدم رفع الصوت فوق صوتهما، والدعاء لهما بعد مماتهما.. إلى غير ذلك من هذه الحقوق الواجبة، والآداب الأبوية اللازمة..

وهذه طائفة من وصايا النبي صلى الله عليه وسلم في برّ الوالدين، فعلى الآباء والمربين أن يعلّموها أولادهم منذ الصغر حتى يأخذوا بها، ويعملوا على إرشاداتها.

(أ) رضى الله في رضاهما: روى البخاري (في الأدب المفرد) عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: "ما من مسلم له والدان مسلمان يصبح إليهما محتسباً إلا فتح الله له بابين – يعني من الجنة – وإن كان واحداً فواحد، وإن غضب أحدهما لم يرض الله عنه حتى يرضى عنه، قيل: وإن ظلماه؟ قال: وإن ظلماه".

- وجاء في سبُل السلام – عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "رضى الله في رضى الوالدين، وسخط الله في سخط الوالدين".

(ب) برهما مقدم على الجهاد في سبيل الله: روى البخاري عن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – قال: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: أجاهد، قال: "لك أبوان"؟ قال نعم، قال: ففيهما فجاهد.

- وروى أحمد والنسائي عن معاوية بن جاهمة السلمي أن جاهمة رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أردت الغزو وجئت أستشيرك، فقال: "هل لك من أم"؟ قال نعم، قال: "الزمها فإن الجنة عند رجليها".

- وروى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما – قال: أقبل رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من الله، قال: "فهل من والديك أحد حيّ"؟ قال: بل كلاهما قال: فتبتغي الأجر من الله؟ قال نعم، قال: "فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما".

(ج) من البر الدعاء لهما بعد مماتهما وإكرام صديقهما: امتثالا لأمر الله تبارك وتعالى: {واخفضْ لهما جناح الذّل من الرحمة وقل ربّ ارحمهما كما ربياني صغيراً} الإسراء: 24.

- وروى البخاري في (الأدب المفرد) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "ترفع للميت بعد موته درجته فيقول: أيّ ربيّ أي شيء هذا؟ فيقول له: ولدك استغفر لك".

- وروى أبو داود وابن ماجة والحاكم عن مالك بن ربيعة قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل من بني سلمة، فقال: يا رسول الله هل بقي علي من برّ أبوي شيء أبرّهما به بعد وفاتهما؟ قال: نعم، "الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما".

هذا عبد الله بن عمر بن الخطاب – رضي الله عنهما – يضرب لنا المثل الصالح في الولد الصالح البار، ويروي لنا عبد الله بن دينار ذلك فيقول: - كما روى مسلم في صحيحه – أن عبد الله بن عمر لقيه رجل بطريق مكة فسلم عليه عبد الله، وحمله على حمار كان يركبه، وأعطاه عمامة كانت على رأسه، قال ابن دينار: فقلنا له: أصلحك الله إنهم الأعراب، وإنهم يرضون باليسير، فقال عبد الله: إن أبا هذا كان ودّاً لعمر بن الخطاب، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن أبرّ البر صلة الرجل أهل ودّ أبيه".

- وجاء في (مجمع الزوائد) عن أنس – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من البر أن تصل صديق أبيك".

(د) تقديم الأم بالبرّ على الأب: لما روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، من أحق بحسن صحابتي؟ قال: "أمك. قال ثم مَنْ؟ قال: أمك. قال: ثم مَنْ، قال: أمك. قال ثم مَنْ؟ قال: أبوك".

- وروى ابن كثير في تفسيره عن سليمان بن بريدة عن أبيه أن رجلا كان في الطواف حاملاً أمه يطوف بها، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم هل أديت حقها؟ قال: "لا، ولا بزفرة[1] واحدة".

وجاء في (مجمع الزوائد) عن بريدة أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني حملتُ أمي على عنقي فرسخين في رمضاء شديدة لو ألقيت فيها بضعة لحم لنضجت فهل أديت شكرها؟ فقال: "لعله أن يكون لطلقة واحدة".

والإسلام قدم الأم بالبر على الأب لسببين:

الأول: أن الأم تعاني بحمل الولد وولادته وإرضاعه والقيام على أمره وتربيته أكثر مما يعانيه الأب، وجاء ذلك صريحاً في قوله تبارك وتعالى:

{ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمّه وهْناً على وهنٍ وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إليَّ المصير} لقمان: 14.

وقبل قليل سمعنا قول الرجل الذي قال للرسول صلى الله عليه وسلم إني حملت أمي على عنقي.. فهل أديت شكرها؟ وسمعنا – جوابه عليه الصلاة والسلام - :"لعله أن يكون لطلقة واحدة".

ومن طرائف ما يذكر في هذا أن رجلا سمع أعرابيا حاملا أمه في الطواف وهو يقول:

إني لها مطية لا أذعر[2]

إذا الركاب[3] نفرت لا أنفر

ما حملَتْ وأرضعتني أكثرُ

الله ربي ذو الجلال أكبرُ

ثم التفت إلى ابن عباس وقال: أتراني قضيت حقّها؟

قال: لا والله ولا طلقة من طلقاتها.

الثاني: أن الأم – بما جُبلت عليه من عاطفة وحب وحنان – أكثر رحمة وعناية واهتماماً من الأب .. فالولد قد يتساهل في حق أمه عليه لما يرى من ظواهر عطفها ورحمتها وحنانها.. لهذا جاءت الشريعة الغراء موصية الولد بأن يكون أكثر برّاً بها، وطاعة لها.. حتى لا يتساهل في حقها، ولا يتغاضى عن برها واحترامها وإكرامها..

وما يؤكد حنان الأم وشفقتها أن الولد مهما كان عاقّاً لها، مستهزئاً بها، معرضاً عنها.. فإنها تنسى كل شيء حين يصاب بمصيبة، أو تحل عليه كارثة..

ذكر أبو الليث السمرقندي عن أنس – رضي الله عنه - :"أن شابّاً كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسمى علقمة، فمرض واشتد مرضه، فقيل له: قل لا إله إلا الله فلم ينطق لسانه، فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم: فقال: هل له أبوان؟ فقيل: أما أبوه فقد مات، وله أم كبيرة، فأرسل إليها، فجاءت، فسألها عن حاله فقالت: يا رسول الله كان يصلي كذا وكذا، وكان يصوم كذا وكذا، وكان يتصدق بجملة دراهم ما ندري ما وزنها وما عددها؟ قال: فما حالك وحاله؟ قالت: يا رسول الله أنا عليه ساخطة واجدَة، قال لها: ولمَ ذلك؟ قالت: كان يؤثر عليّ امرأته ويطيعها في الأشياء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سخط أمه حجب لسانه عن شهادة أن لا إله إلا الله".

ثم قال: يا بلال، انطلق واجمع حطباً كثيراً حتى أحرقه بالنار، فقالت يا رسول الله! ابني وثمرة فؤادي تحرقه بالنار، بين يدي؟! وكيف يحتمل قلبي ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يسرّك أن يغفر الله له فارضي عنه؟ فوالذي نفسي بيده لا ينتفع بصلاته ولا بصدقته ما دمتِ ساخطة، فرفعت يدها وقالت: أُشهِد الله تعالى في سمائه، وأنت يا رسول الله ومن حضر أني قد رضيت عنه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا بلال، انطلق فانظر هل يستطيع علقمة أن يقول: لا إله إلا الله فلعل أمه قد تكلمت بما ليس في قلبها حياء من رسول الله، فانطلق بلال، فلما انتهى إلى الباب سمعه يقول: لا إله إلا الله ومات من يومه وغُسّل وكفن، وصلّى النبي عليه الصلاة والسلام عليه، ثم قام على شفير القبر، وقال: يا معشر المهاجرين والأنصار من فَضَّل زوجته على أمه فعليه لعنة الله، ولا يقبل منه صرف[4]

ولا عَدل[5]" وروى الحديث بلفظ آخر الطبراني وأحمد.. لهذين السببين كان بر الأم مقدماً على بر الأب..

ألا فليعلم المربون هذا، ليقوموا بمهمتهم الكبرى في تلقين الولد حقيقة البر، والعطف على الأم، والعناية بها، والقيام بحقها!!..

(هـ) آداب البر بالأبوين: على المربين أن يلقنوا الأولاد هذه الآداب السلوكية مع آبائهم وأمهاتهم وهي مرتبة كما يلي: ألا يمشوا أمامهم، وألا ينادوهم بأسمائهم، وألا يجلسوا قبلهم، وألا يتضجروا من نصائحهم، وألا يأكلوا من طعام ينظرون إليه، وألا يَرقُوا مكاناً عالياً فوقهم، وألا يخالفوا أمرهم..

والأصل في مراعاة هذه الآداب قوله تبارك وتعالى:

{وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً، إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفٍّ[6] ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً، واخفض لهما جناح الذلّ من الرحمة وقل ربّ ارحمهما كما ربياني صغيراً} الإسراء: 23-24.

وقوله عليه الصلاة والسلام:

- "ما برّ أباه من سدّد إليه الطرق بالغضب" (مجمع الزوائد ج: 8).

- عن عائشة رضي الله عنها قالت: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل ومعه شيخ فقال له: يا هذا! من هذا الذي معك؟ قال: أبي، قال: فلا تمش أمامه، ولا تجلس قبله، وتَدْعُهُ باسمه، ولا تستسب له (مجمع الزوائد ج: 8).

وهذه طائفة من أخبار السلف في التزام هذه الآداب مع آبائهم:

• ذكر صاحب عيون الأخبار هذا الخبر: قيل لعمر بن زيد: كيف برّ ابنك بك؟ قال: ما مشيت نهاراً قط إلاّ وهو خلفي، ولا ليلا إلاّ مشى أمامي، ولا رقى سطحاً وأنا تحته.

• وذكر صاحب (مجمع الزوائد) هذه القصة: عن أبي غسان الضبيّ قال: خرجت أمشي مع أبي بظهر الحرة، فلقيني أبو هريرة فقال: من هذا؟ قلت: أبي، قال: لا تمش بين يدي أبيك ولكن امش خلفه أو إلى جانبه، ولا تدع أحداً يحول بينك وبينه، ولا تمش فوق أجّار (سطح) أبيك. ولا تأكل عَرْقاً [7] قد نظر أبوك إليه لعلّه اشتهاه.

• ومما جاء في (عيون الأخبار): قال المأمون رحمه الله: لم أر أحداً أبرّ نم الفضل بن يحيى بأبيه، بلغ من بره أن يحيى كان لا يتوضأ إلا بماء مسخن، وهما في السجن، فمنعهما السجان من إدخال الحطب في ليلة باردة. فقام الفضل – حيث أخذ أبوه يحيى مضجعه – إلى قمقم كان يسخن فيه الماء، فملأه ثم أدناه من نار المصباح، فلم يزل قائماً وهو في يده حتى أصبح. فعل كل هذا برّاً بأبيه ليتوضأ بالماء الساخن.

• وحضر صالح العباسي مجلس المنصور مرة، وكان يحدثه، ويكثر من قوله: (أبي رحمه الله)، فقال له حاجبه الربيع: لا تكثر من الترحم على أبيك بحضرة أمير المؤمنين، فقال: لا ألومك فإنك لم تذق حلاوة الآباء، فتبسم المنصور وقال: هذا جزاء من تعرض لبني هاشم.

• وروى ابن حبان في صحيحه: أن رجلا أتى أبا الدرداء، فقال: إن أبي لم يزل بي حتى زوّجني، وإنه الآن يأمرني بطلاقها؟ قال: ما أنا الذي آمرك أن تَعُقّ والديك، ولا بالذي آمرك أن تطلّق امرأتك غير أنك إن شئت حدثتك بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعته يقول: "الوالد أوسط أبواب الجنة، فحافظ على ذلك الباب إن شئت أو دَعْ"[8]. قال: فأحسب عطاء قال: فطلّقها.

وفي رواية ابن ماجة والترمذي أن رجلا أتى أبا الدرداء فقال: ان لي امرأة، وإن أمي تأمرني بطلاقها؟، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الوالد أوسط أبواب الجنة، فإن شئت فأضعْ هذا الباب أو احفظه.

• وروى ابن ماجة وابن حبان في صحيحه عن ابن عمر – رضي الله عنهما – قال: كان تحتي امرأة أحبها، وكان عمر يكرهها، فقال لي: طلقها فأبيت، فأتى عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "طلقها".

(و) التحذير من العقوق: العقوق معناه العصيان والمخالفة وعدم أداء الحقوق.. فمن العقوق أن ينظر الولد إلى أبيه نظرة شزر عند الغضب، ومن العقوق أن يعتبر الولد نفسه مساوياً لأبيه.

ومن العقوق أن يتعاظم الولد عن تقبيل يديْ والديه، أو لا ينهض لهما احتراماً وإجلالاً.

ومن العقوق أن يستحوذ الغرور على الولد فيستحي أن يعُرّف بأبيه لا سيما إذا كان الولد في مركز اجتماعي مرموق.

ومن العقوق ألا يقوم الولد بحق النفقة على أبويه الفقيرين فيضطرهما إلى إقامة الدعوى عليه ليلزمه القاضي بالإنفاق عليهما.

ومن أكبر العقوق أن يتأفف الولد من أبويه ويتضجر منهما ويعلو صوته عليهما، ويقرّعهما بكلمات مؤذية جارحة، ويجلب الإهانة لهما، والمسبة لشخصهما.

فلا عجب أن يحذّر عليه الصلاة والسلام من العقوق، وأن يبين ما للعاق من الإثم والوزر وحبوط العمل، والانتقام في العاجلة والآجلة:

- روى البخاري ومسلم عن أبي بكر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر (ثلاثاً)؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس، فقال: ألا وقول الزور وشهادة الزور.. فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت (رحمة به وإشفاقاً عليه)".

- وروى أحمد والنسائي والبزار والحاكم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاثة حرّم الله تبارك وتعالى عليهم الجنة: "مُدمن الخمر، والعاق لوالديه، والدّيوث الذي يُقّر الخبث في أهله".

- وروى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من الكبائر شتم الرجل والديه، قال: يا رسول الله! وهل يشتم الرجل والديه! قال: نعم يسبّ أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه".

- وروى أحمد وغيره عن معاذ بن جبل – رضي الله عنه – قال: أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشر كلمات، قال: "لا تشرك بالله شيئاً وإن قتلت وحرّقت، ولا تعُقّنّ والديك وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك...".

- وروى الحاكم والأصبهاني عن أبي بكرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل الذنوب يؤخر الله ما شاء إلى يوم القيامة إلا عقوق الوالدين، فإن الله يعجّله لصاحبه في الحياة قبل الممات".

- وسبق أن ذكرنا حديث علقمة في بحث (تقديم الأم على الأب في البر) فارجع إليه لترى نتيجة من يعق والديه.

- وروى الأصبهاني وغيره عن أبي العباس الأصم عن العوّام بن حوشب رضي الله عنه قال: نزلت مرة حيّاً، وإلى جانب ذلك الحي مقبرة، فلما كان بعد العصر انشق منها قبر فخرج رجل رأسه رأس حمار، وجسده جسد إنسان، فنهق ثلاث نهقات، ثم انطبق عليه القبر، فإذا عجوز تغزل شعراً أو صوفاً، فقالت امرأة: ترى تلك العجوز؟ قلت: مالها؟ قالت: تلك أم هذا، قلت: وما كانت قصته؟ قالت: كان يشرب الخمر فإذا راح تقول له أمه: يا بنيّ اتق الله إلى متى تشرب هذه الخمر، فيقول لها: إنما أنت تنهقين كما ينهق الحمار، قالت: فمات بعد العصر، قالت: فهو ينشق عنه القبر بعد العصر كل يوم، فينهق ثلاث نهقات ثم ينطبق عليه القبر.

هذه هي أهم الأسس التي يجب على المربي أن ينشّئ ولده عليها، ويلقنه إياها حتى يتدرج الولد على البر، ويفهم منذ نعومة أظفاره حق الأبوين..

وإذا كان الولد منذ الصغر يقوم بهذا الحق على الوجه الصحيح الذي يريده الإسلام، فإن قيامه بالحقوق الأخرى من أرحام وجيران ومعلمين.. يكون أرغب وآكد.. لأن فضيلة بر الوالدين هي منبع الفضائل الاجتماعية جميعاً، فمن السهل على الولد الذي تَربّى على البر واحترام الأبوين.. أن يتربى على احترام الجار، واحترام الكبير، واحترام المعلّم، واحترام الناس جميعاً..

لهذا كله – كان تركيزي في البحث على الوالدين أكثر من أي حق من الحقوق الاجتماعية التي سيأتي التفصيل عنها.. ذلك لأن فضيلة البر بالأبوين هي أُسّ الفضائل جميعاً، بل هي منطلق لكل حق في هذا الوجود!!...

فاستنتاجاً مما ذُكر بين يدي المربي أهم التوجيهات التي يجب أن يلقن عليها الولد:

1- إطاعة الأم والأب في كل ما يأمران به الولد إلا المعصية.
2- مخاطبتهما بلطف وأدب.
3- النهوض لهما إذا دخلا عليه.
4- تقبيل يديهما صباحاً ومساء وفي المناسبات.
5- المحافظة على سمعتهما وشرفهما ومالهما.
6- إكرامهما وإعطاؤهما كل ما يطلبان.
7- مشاورتهما في كل الأعمال والأمور.
8- الإكثار من الدعاءس والاستغفار لهما.
9- إذا كان عندهما ضيف فالجلوس بقرب الباب، ومراقبة نظراتهما لعلهما يأمران بشيء خِفْية.
10- العمل على ما يسرهما من غير أن يأمرا الولد به.
11- عدم رفع الصوت عالياً أمامهما.
12- عدم مقاطعتهما أثناء الكلام.
13- عدم الخروج من الدار إذا لم يأذنا.
14- عدم ازعاجهما إذا كانا نائمين.
15- عدم تفضيل الزوجة والولد عليهما.
16- عدم لومهما إذا عملا عملاً لا يعجبك.
17- عدم الضحك بحضرتهما إذا لم يكن ثمّة موجب للضحك.
18- عدم تناول الطعام مما يليهما.
19- عدم مد اليد إلى الطعام قبلهما.
20- عدم النوم والاضطجاع وهما جالسان إلا إذا أذنا بذلك.
21- عدم مد الرجلين أمامهما.
22- عدم الدخول قبلهما، أو المشي أمامهما.
23- تلبية ندائهما بسرعة في حال ندائهما.
24- إكرام أصحابهما في حياتهما وبعد موتهما.
25- عدم مصاحبة إنسان غير بارّ بوالديه.

الدعاء لهما ولا سيما بعد الموت فإنهما ينتفعان به، والإكثار من قوله تعالى: {رب ارحمهما كما ربياني صغيراً} الإسراء: 24.

[1] يقصد التوجع الذي تلاقيه الأم أثناء الحمل والولادة.

[2] لا أذعر: لا أفزع.

[3] الركاب: الإبل.

[4] الصرف: التوبة.

[5] العدل: الفدية.

[6] أفّ: كلمة تضجر وتأفف.

[7] العَرق: العظم إذا أخذ عنه معظم اللحم.

[8] دع: أي اترك وتجنب.

مراعاة حقوق الآخرين - حق الأرحام

الأرحام هم من ترتبط بهم – أيها الإنسان – بصلة القرابة والنسب، وهم على الترتيب التالي: الآباء والأمهات، والأجداد الجدات، والإخوة والأخوات، والأعمام والعمات، وأولاد الأخ، وأولاد الأخت، والأخوال والخالات، ثم من يليهم من الأقرباء، الأقرب فالأقرب..

وهؤلاء سمّوا في الشرع أرحاماً لسببين:

الأول: لاشتقاق الرحم من اسم الرحمن، وهذا ما أكده النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عن الله عز وجل: (أنا الله، وأنا الرحمن.. خلقت الرحم، وشققت لهما اسماً من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعتُه).

ولا يخفى ما في الاشتقاق من باعث إلى الرحمة، ومن دافع إلى العطف والحنان نحو من له حق الصلة من ذوي القرابة والنسب.

الثاني: لانحدار القرابة من الأصل الذي ينتمي إليه الإنسان، وهذا ما عناه النبي صلى الله عليه وسلم في توجيهاته الكريمة في وجوب الصلة، والتحذير من القطيعة..

وهذا – لا شك – مما يحرك عاطفة القرابة من أعماقها، ويثير في الحنايا مشاعر أخوية ما أسماها!!..

فما على المربين إذن – بعد تبيان هذه الحقائق – إلا أن يشمروا عن ساعد الجد والعمل، ليُبَصِّروا الولد منذ سن الوعي والتمييز بحقوق القرابة والرحم.. لتنمو في نفسية الولد نزعة التطلع إلى الاجتماع بالآخرين، وتتأصل في ذاتيته محبة من تربطه وإياهم رابطة النسب.. حتى إذا بلغ الولد سن الرشد والنُّضج العقلي قام بواجب العطف والإحسان لهم، واحترم كبيرهم، ورحم صغيرهم، كفكف دموع الحزن عن مصابهم، ومدّ يد العون والإحسان إلى مكروبهم وفقيرهم.. وهذا لا يتأتى إلا بتأديب الولد على هذه الخصال، وتعويده على هاتيك الفضائل والمكارم.

فلا عجب حين نتلو كتاب الله عز وجل أن نمرّ على الآيات التي تحض على صلة الرحم، وتأمر بالإحسان إلى ذوي القربى..

وإليكم – أيها المربون – طاقة من هذه الآيات:

- {واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً} النساء: 07.

- {وآتِ ذا القربى حقَّهُ والمسكين وابن السبيل ولا تبذّر تبيذيراً} الإسراء: 26.

- {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى...} النساء: 36.

وبالمقابل.. القرآن الكريم يحذر من قطيعة الرحم، ويعتبر هذه القطيعة بغياً وإفساداً في الأرض يستحق صاحبها اللعنة وسوء الدار، قال تعالى:

- {والذين ينقضون عهدَ الله من بعد ميثاقه، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار} الرعد: 25.

- وقال أيضاً: {فهل عسيتم إن توليتم أن تُفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم. أولئك الذين لعنهم اله فأصمّهم وأعمى أبصارهم} محمد: 22-23.

فإذا كانت هذه نهاية ومصير من يقف من رحِمِه هذا الموقف الظالم المعادي.. فما على المربين إلا أن يُبيِّنوا لمن كان لهم عليهم حق التربية مغبة القطيعة، وما يترتب عليها من نتائج وخيمة لا تحمد عقباها، كما عليهم أن يبصروهم بالثمرات التي يجنونها من صلتهم للرحم، وقيامهم بحق القرابة..

وإليكم – أيها المربون – أفضل الثمرات في صلة الرحم، أرشد إليها المربِّي الأول صلوات الله وسلامه عليه عسى أن تُعلموها أولادكم، وتلقنوها لمن كان له حق التربية عليكم.

• صلة الرحم شعار الإيمان بالله واليوم الآخر لما روى الشيخان عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رَحِمَه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت".

• صلة الرحم تزيد في العمر، وتوسع في الرزق لما روى الشيخان عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أحبّ أن يبسط له في رزقه ويُنْسَأ له في أثره (يزاد في عمره) فليصل رحمه".

• صلة الرحم تدفع عن الواصل ميتة السوء لما روى أبو يعلى عن أنس – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم سمعه يقول: "إن الصدقة وصلة الرحم يزيد الله بهما في العمر، ويدفع بهما ميتة المكروه والمحذور".

• صلة الرحم تعمر الديار وتثمر الأموال لما روى الطبراني والحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله ليعمّر بالقوم الديار، ويثمّر لهم الأموال، وما نظر إليهم منذ خلقهم بغضاً لهم، قيل: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: بصلتهم الرحم".

• صلة الرحم تغفر الذنب وتكفّر الخطايا لما روى ابن حبان والحاكم عن ابن عمر – رضي الله عنهما – قال: "أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال: إني أذنبت ذنباً عظيماً فهل لي من توبة؟ فقال: هل لك من أم؟ قال: لا، قال: فهل لك من خالة؟ قال: نعم، قال: فبرِّها".

• صلة الرحم تيُسر سبيل الحساب وتدخل صاحبها الجنة لما روى البزار والطبراني والحاكم عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث من كنّ فيه حاسبه الله حساباً يسيراً وأدخله الجنة برحمته، قالوا: وما هي يا رسول الله بأبي أنت وأمي؟ قال: تعطي من حرمك، وتصل من قطعك، وتعفو عمن ظلمك، فإذا فعلت ذلك يدخلك الله الجنة".

وروى الشيخان عن جبير بن مطعم – رضي الله عنه - ، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يدخل الجنة قاطع رحم".

• صلة الرحم ترفع الواصل إلى الدرجات العلى يوم القيامة لما روى البزار والطبراني عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أدلكم على ما يرفع الله به الدرجات؟ قالوا: نعم يا رسول الله. قال: تحلُم على من جهل عليك، وتعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك".

فحينما يضع المربي بين يدي الولد هذه الفضائل التي يحظى بها مِنْ رحمه.. فلا شك أن الولد يندفع بكليته إلى محبة أقربائه، وصلة أرحامه، فيعرف لهم فضلهم، ويؤدي إليهم حقهم، ويشاركهم في آلامهم وأفراحهم، ويفرّج عن مكروبهم وفقيرهم.. وهذا لعمري غاية البر، ومنتهى الصلة... فما أحوجنا إلى مربين يعلّمون الأولاد هذه الحقائق، ويرشدونهم إلى هاتيك المكارم والخصال!!..

مراعاة حقوق الآخرين - حق الجار

ومن الحقوق التي يجب أن يهتم المربون لها، ويعتنوا بها حق الجار.. ولكن من هو الجار؟ هو كل مجاور لك عن اليمين والشمال، والفوق والتحت.. إلى أربعين داراً.. فكل هؤلاء جيرانك، لهم عليك حقوق، وعليهم لك واجبات.. وهذا المعنى للجوار مستفاد من الحديث الذي رواه الطبراني عن كعب بن مالك رضي الله عنه قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل فقال: يا رسول الله إني نزلت في محلّة بني فلان، وإن أشدهم إليّ أذى أقربهم لي جواراً، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر وعليّاً – رضي الله عنهم – يأتون المسجد، فيقومون على بابه، فيصيحون: ألا إن أربعين داراً جار، ولا يدخل الجنة من خاف جاره بوائقه (شروره).

وحقوق الجار – في نظر الإسلام – ترجع إلى أربعة أصول: هي ألا يُلْحِق الرجل بجاره أذى، وأن يحميه ممن يريده بسوء، وأن يعامله بإحسان، وأن يقابل جفاءه بالحلم والصفح..

(أ) كف الأذى عن الجار:

والأذى أنواع منها: الزنى، والسرقة، والسباب، والشتائم، ورمي الأوساخ.. وأخطرها الزنى، والسرقة، وانتهاك الحرمة، وهذا مما أكده رسول الإسلام – صلوات الله وسلامه عليه – لما كان يوجه أصحابه إلى أكرم الخصال وينهاهم عن أقبح الفعال.. روى الإمام أحمد والطبراني عن المقداد بن الأسود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "ما تقولون في الزنى؟ قالوا: حرام حرمه الله ورسوله فهو حرام إلى يوم القيامة، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأن يزني الرجل بعشرة نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره، قال: ما تقولون في السرقة؟ قالوا: حرمها الله ورسوله فهي حرام إلى يوم القيامة، قال: لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من جاره".

أما أذى اليد وأذى اللسان فيدخل في مضمون قوله عليه الصلاة والسلام: "والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل: مَنْ يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه (شروره)" رواه الشيخان.

ويروى عن عبد الملك بن مروان قال: لمؤدّب ولده: إذا روّيتهم شعراً فلا تروّهم إلا مثل قول (العُجيَر السلولي):

يبين الجار حين يبين عني

ولم تأنس إليّ كلاب جاري

وتظعن جارتي من جنب بيتي

ولم تستر بستر من جدار

وتأمن أن أطالع حين آتي

عليها وهي واضعة الخمار

كذلك هدي آبائي قديماً

توارثه النجار عن النجار

ويشبه قول حاتم الطائي في الحفاظ على عرض الجار:

إذا ما بتّ أختل[1] عرس جاري

ليُخْفِيني الظلام فما خفيتُ

أأفضح جارتي وأخون جاري

فلا والله أفعل ما حييتُ

وكذلك قول عنترة:

وأغض طرفي إن بدت لي جارتي

حتى يُواري جارتي مأواها

ومما يؤدي الجار: النظر إليه بعين الاحتقار، مثلما يفعل من لم يتربوا تربية فاضلة إذ يزرون جارهم الفقير، ويحتقرون ابن حيّهم المسكين، قال حسان بن ثابت رضي الله عنه:

فما أحد منا بمُهْدٍ لجاره

أذاة ولا مُزْرٍ به وهو عائد

لأنا نرى حقَّ الجوار أمانة

ويحفظه منا الكريم المعاهد

(ب) حماية الجار:

حماية الجار، وكف الظلم عنه أثر من آثار طهارة النفس، بل مكرمة من أنبل المكارم الخلُقية في نظر الإسلام، ومما ينبه لشرف همة الرجل نهوضه لإنقاذ جاره من مصيبة نالته، أو بلاء حلّ به، وكانت حماية الجار من أشهر مفاخر العرب التي ملأت أشعارهم، وسطرتها دواوينهم.

قال حسان بن ثابت رضي الله عنه:

ولا ضيفنا عند القرى بمدفّع

وما جارنا في النائبات بمُسْلَمِ

وقال أيضاً:

يواسون مولاهُمُ في الغِنا

ويحمون جارَهم إنْ ظُلمْ

وقال حسان بن نشية:

أبوا أن يُبيحوا جارهَم لعدوِّهم

وقد ثار نقعُ الموتِ حتى تكوثرا

وكان لأبي حنيفة جار بالكوفة إذا انصرف من عمله يرفع صوته في بيته منشداً:

أضاعوني وأيَّ فَتىً أضاعوا

ليومِ كَريهةٍ وسِدادِ ثَغْرٍ

فيسمع أبو حنيفة غناءه بهذا البيت، فاتفق أن أخذ الحرس في ليلة من الليالي هذا الجار وحبسوه، ففقد أبو حنيفة صوته تلك الليلة، وسأل عنه في الغد فأخبروه بحبسه، فركب إلى (الأمير عيسى بن موسى) وطلب منه إطلاق الجار، فأطلقه في الحال، فلما خرج الفتى دعا به أبو حنيفة، وقاله له سرّاً: فهل أضعناك يا فتى؟ قال: لا، ولكن أحسنتَ وتكرمتَ، أحسن الله جزاءك، وأنشد:

وما ضرّنا أنّا قليل وجارُنا

عزيز وجارُ الأكثرين ذليل

والأصل في حماية الجار، ودفع الظلم عنه، وعدم خذلانه ما رواه الشيخان عن ابن عمر – رضي الله عنهما – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يُسلمه (يخذله)، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرّج عن مسلم كرْبة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة".

(ج) الإحسان إلى الجار:

لا يكفي المرء في حسن الجوار أن يكف أذاه عن الجار، أو يدفع عنه بيده أو جاهه يداً طاغية، بل يدخل في حسن الجوار أن يجامله بنحو التعزية عند المصيبة، والتهنئة عند الفرح، والعيادة عند المرض، والبداءة بالسلام، وإرشاده إلى ما ينفعه بعلمه ونصحه من أمر دينه ودنياه.. وعلى العموم أن يواصله بما استطاع من إكرام..

والأصل في هذا الإحسان ما رواه الخرائطي والطبراني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عند جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أغلق بابه دون جاره مخافة على أهله وماله، فليس ذلك بمؤمن، وليس بمؤمن من لم يأمن جاره بوائقه، أتدري ما حق الجار؟: إذا استعانك أعنته، وإذا استقرضك أقرضته، وإذا افتقر عدت عليه، وإذا مرض عدته، وإذا أصابه خير هنأته، وإذا أصابته مصيبة عزَّيته، وإذا مات اتبعت جنازته، ولا تستطل عليه بالبنيان فتحجب عنه الريح إلا بإذنه، ولا تؤذه بقُتار ريح قِدرك إلا أن تغرف له منها، وإن اشتريت فاكهة فاهد له، فإن لم تفعل فأدْخِلها سرّاً، ولا يخرج بها ولد ليغيظ بها ولده".

وقد عدّ رسول الله صلى الله عليه وسلم إكرام الجار في خصال الإيمان فقال: "من كان يؤمن بالله واليوم والآخر فليكرم جاره". الشيخان.

وقال تعالى: {وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنُبِ[2] والصّاحب بالجنْب[3] وابن السبيل} النساء: 36.

ومما يؤكد هذه الحقوق للجار القريب، والجار البعيد.. ما رواه الطبراني عن جابر رضي الله عنه: "الجيرانُ ثلاثة: جار له حق: وهو المشرك، وجار له حقان: وهو المسلم: له حق الجوار وحق الإسلام، وجار له ثلاثة حقوق: مسلم له رحم، فله حق الجوار وحق الإسلام والرحم".

قال مجاهد: كنت عند عبد الله بن عمر، وغلام له يسلخ شاة، فقال: يا غلام إذا سلخت فابدأ بجارنا اليهودي – حتى قال ذلك مراراً – لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما زال جبريل عليه السلام يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورِّثه" البخاري ومسلم.

والمتأدبون بأدب القرآن يحافظون على حقوق الجار حق الرعاية؟ قالت عائشة رضي الله عنها: "لا تبالي المرأة إذا نزلت بين بيتين من الأنصار صالحين إلا أن تنزل بين أبويها".

ومن الإحسان إلى الجار: بذل ما يطلبه من نحو النار والملح والماء، وإعارته ما اعتاد الناس استعارته من أمتعة البيت، وحاجات المنزل.. كالقدر، والصفحة، والسكين، والقدوم، والغربال.. وحمل كثير من المفسرين الماعون في قوله تعالى: {ويمنعون الماعون} على هذه الأدوات ونحوها، ذلك أن منعها دليل لؤم الطبيعة، ودناءة النفس، قال مهيار:

لجارهم من دارهم مثلُ مالَهم

على راحةٍ من عيشهم ولُغُوبِ

وكان العرب يضربون المثل في حسن الجوار بأبي دؤاد، وهو كعب بن أمامة فيقولون: "جار كجار أبي دؤاد" وكان أبو دؤاد هذا إن هلك لجاره بعير أو شاة أخلفها عليه، وإذا مات الجار أعطى أهله مقدار ديّته من ماله.

قال الخوارزمي في (مفيد العلوم): كان لعبد الله بن المبارك جار يهودي، فأراد أن يبيع داره فقيل له: بكم تبيع؟ قال: بألفين، فقيل له: لا تساوي إلا ألفاً، قال: صدقتم، ولكن ألف للدار، وألف لجوار عبد الله بن المبارك، فأخبر ابن المبارك بذلك فدعاه فأعطاه ثمن الدار، وقال: لا تبعها. ولولا ما لقيه اليهودي من ابن المبارك من حسن الخلق، وكريم المعاملة لما وقف من بيع الدار هذا الموقف!!..

(د) احتمال أذى الجار:

للمرء فضل في أن يكف عن جاره الأذى، وله الفضل في أن يجيره ويدفع عنه يد السوء، وله فضل في أن يواصله بالإحسان جهده، وهناك فضل رابع هو أن يتجاوز عن أخطائه، ويتغاضى عن هفواته، ويتلقى كثيراً من إساءاته بالصفح والحلم، ولا سيما إساءة صدرت من غير قصد، أو إساءة ندم عليها، وجاء معتذراً منها، قال الحريري في مقاماته: (وأراعي الجار ولو جار).

ولا شك أن الذي يحلم على من جَهِل عليه، ويحسن إلى من أساء إليه، ويعفو عمن ظلمه يكون في أعلى مراتب الكرامة، وفي أرفع منازل السعادة يوم القيامة..

- روى البزار والطبراني عن عبادة بن الصامت – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أدلكم على ما يرفع الله به الدرجات؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: تحلُم على من جهل عليك، وتعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك".

وكثيراً ما يكون الصفح عن المذنب، والعفو عن المسيء، دواء لسوء خلُقه، وتقويماً لانحرافه واعوجاجه، فيعود الجفاء إلى إلْفَة، والمناوأة إلى مسالمة، والبغضاء إلى محبة...، وصدق الله العظيم القائل في محكم تنزيله:

{ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسنُ، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليٌّ حميم} فصلت: 34.

ومن المسلّم به عند علماء التربية والأخلاق أن التسرع إلى دفع السيئة بمثلها أو بأشد منها دون نظر إلى ما يترتب عليها من الأثر السيء، والنتائج الوخيمة دليل واضح على ضيق الصدر، والعجز عن كبح جماح الغضب.. وإنما يتفاضل الناس في الأخلاق والسيادة على قدر تدبّرهم للعواقب، وتبصرهم للنتائج، وإسكاتهم لثورة الانفعال إذا طغت.. ومن هنا كان الذي يملك نفسه عند الغضب من أقوى الأقوياء، ومن أعظم الأبطال في نظر النبي العظيم صلوات الله وسلامه عليه[4].

تلكم أهم الأصول في حقوق الجوار، وأميز الأسس في معاملة الجار.. فما على المربين إلا أن يسعوا جهدهم في تخليق الولد – منذ التمييز – على فضيلة حسن الجوار، ومراعاة حقوق الجار.. حتى إذا بلغ السن التي تؤهله لأن يتعامل مع الآخرين، ويساكنهم، ويكون بجوارهم.. كف الأذى عنهم، وحماهم من كل ظلم وإعتداء، وواصلهم بالبر والإحسان، واحتمل منهم كل ما يلقاه من إساءة وأذى..

وتخليق الولد على هذه الأصول الأربعة في حقوق الجوار لا يتم إلا بشيئين:

الأول: تلقينها شفويّاً في المناسبات وغير المناسبات..
الثاني: تطبيقها عمليّاً مع من كان من سنه من أبناء الجيران..

ولا شك أن الولد حينما يتخلق على هذه الخصال الكريمة منذ الصغر تنمو في نفسه نزعة التطلع إلى الاجتماع بالآخرين، بل يصبح إنساناً اجتماعيّاً بكل ما في هذه الكلمة من معنى، بل تتلاشى من نفسيته آفات العزلة والانكماش والانطوائية.. فيثبت وجوده حيثما كان، ويبرز شخصيته أينما وجد.. وما ذاك إلا بفضل التربية الاجتماعية التي تخلّق بها، وتدرّج عليها، وسلك وسائلها وأسبابها.. ألا فلينتبه المربون إلى الأسس التي تنمي شخصية الولد، وتجعله من أماجد الناس وفضلائهم!!..

[1] أختل: أرقب العرس من حيث لا يشعرون.

[2] الجار البعيد الذي لا يمت إليك بقرابة.

[3] من يرافقك في نحو سفر أو تعلم أو صناعة.

[4] في الحديث: "ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب".

مراعاة حقوق الآخرين - حق المعلم

ومن الحقوق الاجتماعية الهامة التي يجب أن ينتبه المربون لها، ويذكّروا بها، ويُلحوا عليها.. تربية الولد على احترام المعلم، وتوقيره، والقيام بحقه.. حتى يتنشأ الولد على الأدب الاجتماعي الرفيع تجاه من له عليه حق التعليم والتوجيه والتربية، ولا سيما إن كان المعلم يتصف بالصلاح، ويتّسم بالتقوى، ويتميز بمكارم الأخلاق..

ولقد وضع نبي الإسلام صلوات الله وسلامه عليه أمام المربين وصايا كريمة، وتوجيهات سامية في إكرام العلماء، وإجلال المعلمين، ليعلم الناس لهم فضلهم، وليقوم من كان له شرف التّلمذة بحقهم، ويلتزم التلاميذ الأدب معهم..

وإليكم هذه الطاقة العطرة من الوصايا والتوجيهات:

- روى أحمد والطبراني والحاكم عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ليس من أمتي من لم يُجِلّ كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا (حقه)".

- وروى الطبراني في (الأوسط) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تعلموا العلم، وتعلموا للعلم السكينة والوقار، وتواضعوا لمن تعلّمون منه".

- وروى الطبراني في (الكبير) عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث لا يستخف بهم إلا منافق: ذو الشيبة في الإسلام، وذو العلم، وإمام مُقْسط".

- روى الإمام أحمد عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اللهم لا يدركني زمان، لا يُتْبَع فيه العليم[1]، ولا يستحيا فيه من الحليم، قلوبهم قلوب الأعاجم، وألسنتهم ألسنة العرب".

- وروى البخاري عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم "كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحُد (يعني في القبر)، ثم يقول: أيهما أكثر أخذاً للقرآن؟ فإذا أشير إلى أحدهما قدّمه في اللحد".

ونستخلص من مجموعة هذه الوصايا الأمور التالية:

• على المتعلم أن يتواضع لمعلمه، ولا يخرج عن رأيه وتوجيهه، بل يكون معه كالمريض مع الطبيب الماهر، فيشاوره فيما يقصده، ويتحرى رضاه فيما يعتمده، بل عليه أن يعلم أن ذله لمعلمه عزّ، وخضوعه له فخر، وتواضعه له رفعة.

ومما يقال: "إن الشافعي – رضي الله عنه – عوتب على تواضعه للعلماء، فقال:

أهين لهم نفسي فهمْ يُكرِمونَها

ولن تُكْرَمَ النفس التي لا تُهينُها

وأخذ ابن عباس رضي الله عنه مع جلالة قدره، وعلو منزلته بركاب زيد بن ثابت الأنصاري، وقال: "هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا".

وقال الإمام أحمد بن حنبل لخلف الأحمر: "لا أقعد إلا بين يديك، أمرنا أن نتواضع لمن نتعلم منه".

وقال الإمام الغزالي: "لا ينال العلم إلا بالتواضع، وإلقاء السمع...".

• وعلى المتعلم أن ينظر إلى معلمه بعين الإجلال، ويعتقد فيه درجة الكمال فإن ذلك أقرب إلى الاستفادة منه، والنفع به.

وكان الإمام الشافعي رحمه الله يقول: (كنت أُصفِّح الورقة بين يدي مالك صفحاً رقيقاً هيبة لئلا يسمع وقعها).

وقال الربيع: (والله ما اجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إليّ هيبة له).

وحضر أحد أولاد الخليفة المهدي عند شُريك، فاستند إلى الحائط، وسأله عن حديث فلم يلتفت إليه شُريك، ثم عاد، فعاد شُريك بمثل ذلك، قال ابن الخليفة: تستخف بأولاد الخلفاء هذا الاستخفاف؟ قال: لا، ولكن العلم أجلّ عند الله من أن أضيعه[2].

وينبغي ألا يخاطب معلمه بتاء الخطاب أو كافه، بل يناديه بقوله: يا سيدي، ويا معلمي، ويا أستاذي.. وكذلك لا يذكر اسم معلمه في غيبته إلا مقروناً بما يُشعِر السامع بإجلاله وتوقيره كقوله: قال معلمنا الفاضل كذا، أو قال أستاذنا فلان كذا.. أو قال مرشدنا الفلاني كذا...

• وعلى المتعلم أن يعرف لمعلمه حقه، ولا ينسى له فضله، قال شعبة: (كنت إذا سمعت من الرجل الحديث كنت له عبداً ما يحيا)، وقال: (ما سمعت من أحد شيئاً إلا واختلفت[3] إليه أكثر ما سمعت منه).

ورحم الله شوقي حيث قال:

قم للمُعلِّم وَفّهِ التبْجيلا

كاد المعلِّمُ أن يكونَ رسولا

أَعَلِمتَ أشرفَ أو أجلّ مِنَ الذي

يبني ويُنشِئُ أنفُساً وعقولاً

وينبغي للولد المتعلم أن يدعو لأستاذه مدة حياته، ويرعى ذريته وأقاربه وأهل ودّه بعد وفاته، ويعتمد زيارة قبره، والاستغفار له، والصدقة عنه في كل فرصة سانحة، ويراعي في العلم والدين والأخلاق عادته، ويقتدي بحركاته وسكناته، ويتأدب بآدابه باعتباره الأسوة الحسنة، والقدوة الصالحة..

• وعلى المتعلم أن يصبر على سوء خلق معلمه وجفوته.. ولا يصده عن ذلك ملازمته والاستفادة منه، ويبدأ هو عند جفوة المعلم وغضبه بالاعتذار والتوبة مما وقع منه، وينسب موجب الغضب إليه، ويجعل العتب عليه، فإن ذلك أبقى لمودة أستاذه، وأحفظ لقلبه، وأنفع للطالب في دينه ودنياه وآخرته..

ومما ينقل عن بعض السلف: (من لم يصبر على التعليم، بقي عمره في عماية الجهالة، ومن صبر عليه آل أمره إلى عز الدنيا والآخرة).

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: "ذَللْت طالباً فعززتُ مطلوباً".

وقال الشافعي رحمه الله: قيل لسفيان بن عيينة، إن قوماً يأتونك من أقطار الأرض تغضب عليهم يوشك أن يذهبوا أو يتركوك، فقال للقائل: (هم حمقى إذا هم تركوا ما ينفعهم لسوء خلقي).

ولبعضهم قوله:

إن المعلم والطبيب كلاهما

لا ينصحان[4] إذا هما لم يُكرما

فاصبرْ لدائك إن جفوتَ طبيبه

واصبرْ لجهلك إن جفوتَ معلماً

• وعلى المتعلم أن يجلس بين يدي معلمه جلسة الأدب بسكون وتواضع واحترام.. مصغياً إلى أستاذه، ناظراً إليه، مُقْبلاً بكليته عليه، غير ناظر إلى يمينه أو شماله أو فوقه أو قدامه بغير حاجة...

وعلى المتعلم كذلك أن يكون متجنباً في حضرة معلمه كل ما يخل بالوقار، وينافي الأدب والحياء، فلا ينبغي أن ينظر إليه، ولا يضطرب لضجة يسمعها أو يلتفت إليها ولا سيما عند إلقاء درسه.. ولا يعبث بيديه أو رجليه أو غيرهما من أعضائه، ولا يعبث بيده في أنفه أو يستخرج منه شيئاً، ولا يفتح فاه ولا يقرع سنه ولا يضرف الأرض براحته أو يخط عليها بأصابعه، ولا يشبّك بيديه أو يلعب بإزاره، ولا يكثر كلامه من غير حاجة، ولا يحكي ما يضحك لغير عجب ولا لعجب رافعاً صوته في الضحك، فإن غلبه تبسم تبسماً بغير صوت البتّة، ولا يكثر التنحنح من غير حاجة إليه، ولا يبصق ولا يتنخّم ما أمكنه، فإن اضطر إلى إخراج النخامة من فيه يأخذ بمنديل أو ورقة تستعمل لذلك، وإذا اضطر للعطاس خفّض صوت عطاسه جهده، وستر وجهه بمنديل أو نحوه، وإذا تثاءب ستر فاه بيده بعد ردّه جهده، ومما قاله علي كرَّم الله وجهه في تبيان حق العالم على المتعلم:

(من حق العالم عليك أن تسلم على القوم عامة، وتخصه بالتحية، وأن تجلس أمامه، ولا تشيرنّ عنده بيديك، ولا تغمز بعينك غيره ولا تقولنّ: قال فلان خلاف قوله، ولا تغتابنّ عنده أحداً، ولا تطلبنّ عثرته، وإن زلَّ قبلت معذرته، وعليك أن توقره لله تعالى، وإن كانت له حاجة سبقت القوم إلى خدمته، ولا تسارر أحداً في مجلسه، ولا تأخذ بثوبه، ولا تلحّ عليه إذا كسل، ولا تشبع من طول صحبته، فإنما هو كالنخلة تنتظر متى يسقط عليك منها شيء..).

ولقد جمع رضي الله عنه في هذه الوصية ما فيه الكفاية، وما يشفي الغليل!!..

• وعلى المتعلم ألا يدخل على معلمه في الفصل أو البيت أو المكان المخصص له إلا باستئذان سواء كان المعلم وحده أو كان مع غيره، فإن استأذن ولم يأذن له انصرف ولا يكرر الاستئذان، وإن شك في علم المعلم به فلا يزيد في الاستئذان فوق ثلاث مرات، وليكن طرق الباب خفيفاً بأدب بأظفار الأصابع ثم بالحلقة ثم بالجرس قليلاً.. فإن كان الموضع بعيداً عن الباب فلا بأس برفع ما يُسْمِع لضرورة الأمر..

وينبغي أن يدخل على المعلم كامل الهيئة، متطهر البدن، نظيف الثياب.. لا سيما إن كان يقصد مجلس العلم، فإنه مجلس ذكر، واجتماع عبادة..

وينبغي أن يدخل على المعلم، وقلبه فارغ من الشواغل، ونفسه صافية من الأحوال النفسية.. ليعي ما يقول، وينشرح صدره لما يسمعه..، وإذا حضر مكان المعلم فلم يجده جالساً انتظره كيلا يفوّت على نفسه درسه، ولا يطرق عليه ليخرج إليه، وإن كان نائماً صبر حتى يستيقظ أو ينصرف ثم يعود…

فقد رُوي أن ابن عباس – رضي الله عنهما – كان يجلس في طلب العلم على باب زيد ابن ثابت حتى يستيقظ، فيقال له: ألا نوقظه لك؟، فيقول: لا، وربما طال مقامه وقرعته الشمس، وكذلك كان السلف يفعلون.

• وعلى المتعلم إذا سمع المعلم يذكر دليلاً لحكم، أو فائدة مستغربة، أو يحكي حكاية أو ينشد شعراً.. وهو يحفظ ذلك أصغى إليه إصغاء مستفيد له في الحال، متعطش إليه فرح به كأنه لم يسمعه قط.

قال عطاء: (إني لأسمع الحديث من الرجل وأنا أعلم به منه، فأريه من نفسي أني لا أحسن منه شيئاً)، وعنه قال: (إن الشاب ليتحدث بحديث فأسمع له كأني لم أسمعه، ولقد سمعته قبل أن يولد).

وقال أبو تمام في صفات الصديق وآداب الصداقة:

مَنْ لي بإنسان إذا أغضبتُه

وجهلتُ كان الحلم ردَّ جوابه

وإذا طربتُ إلى المُدَام شربت من

أخلاقه وسكرتُ من آدابه

وتراه يصغي للحديث بسمعه

وبقلبه ولعله أدرى به

هذا مما يُستحب في معاملة الصديق للصديق، ومعاملة المعلم أولى وأوجب. ولا ينبغي لطالب العلم أن يكرر سؤال ما يعلمه، ولا استفهام ما يفهمه فإنه يضيع الوقت، وربما أضجر المعلم، قال الزهري: (إعادة الحديث أشد من نقل الصخر).

وينبغي ألاّ يُقْصِّر في الإصغاء والفهم أو يشتغل ذهنه بفكر أو حديث ثم يستعيد المعلم ما قاله لأن ذلك إساءة أدب، بل يكون مصغياً لكلامه، حاضر الذهن من أول مرة.

وإذا لم يسمع كلام المعلم لبعده أو لم يفهمه بعد الإصغاء إليه، فله أن يسأل المعلم إعادته وتفهيمه بعد بيان عذره بسؤال لطيف.

تلكم أهم الآداب التي يجب أن يتلقنها الولد من معلميه ومربيه، وهي آداب تربوية نبيلة، وحقوق اجتماعية كريمة…

ومن المعلوم أن الولد حينما يفتح عينيه على تلقين هذه الآداب، ويتربَّى منذ نعومة أظفاره على التخلق بهاتيك الحقوق.. فلا شك أن الولد أدى ما عليه من حقوق تجاه من كانوا له سبباً في العلم، والتربية، والأخلاق، وتكوين الشخصية..

ومما لا جدال فيه أن التركيز من قِبَل المعلمين والمربين في إعداد الولد خلقياً يجب أن يكون مقدماً على تكوينه العلمي والثقافي، لأن التحلي بالمكارم – كما يقولون – مقدم على تعليم المسائل..

لهذا كان السلف الصالح رضوان الله عليهم يهتمون بأدب أطفالهم وتلامذتهم أكثر مما يهتمون في تلقينهم العلم، وتزويدهم المعرفة..

قال الحبيب بن الشهيد لابنه: (يا بني اصحب الفقهاء والعلماء، وتعلم منهم، وخذ من أدبهم، فإن ذلك أحب إليّ من كثير من الحديث).

وقال مخلّد بن الحسين لابن المبارك: (نحن إلى كثير من الأدب أحوج إلى كثير من الأحاديث).

وقال بعض السلف لابنه: (يا بني لأن تعلم باباً من الأدب أحب إليّ من أن تعلم سبعين باباً من أبواب العلم).

وقال سفيان بن عيينة: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الميزان الأكبر، وعليه تعرض الأشياء على خُلُقه وسيرته وهديه.. فما وافقها فهو الحق، وما خالفها فهو الباطل).

وقال ابن سيرين: (كانوا يتعلمون الهدي[5] كما يتعلمون العلم).

ومما يجب التنبيه له أن هذه الآداب التي يجب التزامها هي في حق المعلمين، الأتقياء في أنفسهم، الأوفياء لدينهم، الذين يرجون لله وقاراً، ويؤمنون بالإسلام عقيدة وشريعة، وبالقرآن منهاجاً ودستوراً.. هؤلاء يجب أن يلقن الولد احترامهم، وأن يعرف فضلهم، وأن يؤدي لهم حقهم.. ما داموا على الهدى والصراط المستقيم..

أما المعلمون الملحدون، والمربون اللادينيون فهؤلاء ليس لهم في القلوب إجلال، ولا في النفوس احترام.. لكونهم أهدروا إنسانيتهم بالإلحاد، وأسقطوا اعتبارهم ومهابتهم بالكفر والضلال..

فعلى الأب أن يغضب لله، حين يعلم أن معلماً ملحداً يلقن ولده مبادئ الكفر، ومفاهيم الزيغ والإلحاد.. بل عليه أن يقيم الدنيا ويقعدها، وأن تغلي في عروقه حمية الإسلام.. تجاه هذه الشراذم الباغية، والحثالات العميلة الخائنة.. حتى يرى هذه الجراثيم البشرية قبعت في جحورها، وتوارت في أوكارها.. فما عاد يرتفع لهم رأس، أو ينطق لهم لسان!!..

{بل نقذِفُ بالحقِّ على الباطلِ فيدمغه فإذا هو زاهقٌ ولكم الويل مما تصفون} الأنبياء: 18.

ورحم الله من قال:

إن عادت العقرب عُدْنا لها

وكانتِ النعلُ لها حاضرة

ولا يكفي الأب أن يغضب لله في الوقوف أمام معلم ملحد، ومربٍّ ضال خائن.. بل عليه أن يغرس في ولده خلق الجرأة الأدبية، والمجاهرة بالحق.. لينشأ الولد على مقاومة أعداء الإسلام مهما كان لهم من القوة والتسلط والنفوذ..

وحينما يعلم أعداء الله والإسلام من معلمين وغير معلمين.. أن الأمة لهم بالمرصاد، وأن الاستنكار والمواجهة لأفعالهم وأقوالهم منبعث من الكبار والصغار!!..

هل يتجرأ أحد منهم على أن يجهر بإلحاد؟

هل يستطيع مجرم من هؤلاء أن يتهجم على الإسلام؟

هل نسمع أو نرى أن عدواً تطاول على ذات الله، أو طعن بشخصية الرسول عليه الصلاة والسلام؟ حتماً الجواب، لا!!..

إذن فما على الآباء إلا أن يفهموا هذه الحقيقة، وأن يؤدوا ما عليهم من واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يقفوا في وجه كل عميل خائن وأن يُخَلّقوا أولادهم بخلق الجرأة والمجابهة.. حتى لا يتمادى العُملاء، ولا يخرج من جحورهم الأعداء والجبناء، وحتى تبقى دائماً العزة لله ولرسوله وللمؤمنين.. ورحم الله امرءاً أراهم من نفسه قوة، ومن جهاده عزة، ومن جرأته قولة حق!!..

[1] يتعوذ من زمن يعرض فيه الناس على العالم الفقيه.

[2] لكونه مستنداً غير متأدب بجلسته في حلقة العلم.

[3] ترددت إليه للخدمة.

[4] ليس ذلك على إطلاقه لأن بعض المعلمين والأطباء يعملون لوجه الله، لا يريدون من وراء عملهم جزاء ولا شكوراً.

[5] الهدي: أي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وسيرة السلف.

مراعاة حقوق الآخرين - حق الرفيق

من الأمور الهامة التي يجب أن يلحظها المربون في الولد اختيار الرفيق المؤمن، والجليس الصالح.. لما له من تأثير كبير في استقامة الولد، وصلاح أمره، وتقويم لي من أنا؟ بل قل لي من تصاحب، تعرفني مَن أنا!!).

ورحم الله الشاعر الذي يقول:

عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه

فكل قرين بالمُقارن يقتدي

ولنستمع إلى المُربي الأول عليه أفضل الصلاة والتسليم كيف يوجه الآباء والمربين في اختيار الرفقة الصالحة لأولادهم، ومن لهم حق التربية عليهم.

- روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مثل الجليس الصالح، والجليس السوء كمثل حامل المسك، ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يُحذِيَك[1]، أو تشتري منه، أو تجد مه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، أو تجد منه ريحاً منتنة".

- وروى أبو داود والترمذي عنه عليه الصلاة والسلام: "لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي".

- وروى ابن عساكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إياك وقرين السوء فإنك به تُعرف".

- وروى الترمذي وأبو داود عنه عليه الصلاة والسلام "المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل".

من هذا كله وجب على المربي أن ينتقي للولد – ولا سيما بعد أن يبلغ سن التمييز – أن ينتقي له الزمرة الصالحة من الرفقاء من سنه، يختلط بهم، ويلهو معهم، ويدرس وإياهم، ويتفقدهم بالزيارة، ويعودهم إذا مرضوا، ويقدم لهم الهدية إذا نجحوا، ويذكرهم إذا نسوا، ويعينهم إذا احتاجوا.. وهذا – لا شك – ينمي في الولد النزعة الاجتماعية التي فُطر عليها، ويجعل منه في المستقبل رجلاً متوازناً سوياً يؤدي حق المجتمع على الوجه الصحيح الذي يرضي الله عز وجل، ويأمر به الإسلام!!..

ولكن ما هي أهم حقوق المصاحبة التي يجب على المربين أن يرسخوها في الولد؟

الحقوق هي كما يلي:

(أ) السلام[2] إذا لقيه:

لما روى الشيخان عن عبد الله عن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما – أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الإسلام خير؟ قال: "تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف".

وروى مسلم عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم".

(ب) عيادته إذا مرض:

لما روى البخاري عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "عودوا المريض، وأطعموا الجائع، وفكّوا العاني (الأسير)".

وروى الشيخان عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس".

(ج) تشميته إذا عطس:

لما روى البخاري عن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله، وليقل له أخوه أو صاحبه: يرحمك الله، فإذا قال له يرحمك الله، فليقل: يهديكم الله يصلح بالكم".

(د) زيارته في الله:

لما روى ابن ماجة والترمذي.. عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من عاد مريضاً أو زار أخاً في الله ناداه منادٍ بأن طبْتَ وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلاً".

وروى مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أن رجلاً زار أخاً له في الله في قرية أخرى، فأرصد الله تعالى له على مدرجته (الطريق) ملكاً فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخاً لي في هذه القرية، قال: هل لك من نعمة تربُّها عليه (تقوم بها)؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله تعالى، قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه".

(هـ) إعانته وقت الشدة:

لما روى الشيخان عن ابن عمر – رضي الله عنهما – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسْلِمهُ (لا يترك نُصرَتَه)، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرّج عن مسلم كربة فرّج الله عنه كربة من كُرَبِ يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة".

(و) إجابة دعوته إذا دعاه:

لما روى الشيخان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس".

(ز) التهنئة بالشهور والأعياد مما اعتاده الناس:

لما روى الديلمي عن ابن عباس – رضي الله عنهما - :"من لقي أخاه عند الانصراف من الجمعة فليقل تقبل الله منا ومنك".

وروى صاحب المقاصد عن خالد بن معد أنه لقي واثلة بن الأسقع في يوم العيد فقال له: تقبل الله منا ومنك، فقال له واثلة: مثل ذلك.

وجا في الصحيحين أن طلحة قام لكعب بن مالك وهنأه بتوبة الله عليه.

وروى صاحب (الجامع الكبير) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم: "أتدرون ما حق الجار (ويدخل الرفيق)؟ إن استعان بك أعنته، وإن استقرضك أقرضته، وإن أصابه خير هنأته، وإن أصابته مصيبة عزيته...".

(ح) المهاداة في المواسم والمناسبات:

لما روى الطبراني في (الأوسط) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "تهادوا تحابوا"، وللطبراني في (الأوسط) عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا نساء المؤمنين تهادين ولو فرسن[3] شاة فإنه ينبت المودة، ويذهب الضغائن"، وللديلمي عن أنس مرفوعاً: (عليكم بالهدايا فإنها تورث المودة، وتذهب بالضغائن)، وأخرج الإمام مالك في الموطأ (تصافحوا يذهب الغِلّ (الحقد)، وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء).

ومما يتفرع عن حق الرفيق المؤمن الدائم حق الرفيق المؤقت، وهو الذي يصحبك في سفر أو دراسة أو وظيفة.. وهو الذي عبر عنه القرآن الكريم حين قال: {والصاحب بالجنب}. هذا الرفيق ينبغي أن ينال ممن جاوره كل عطف ورعاية وإكرام، وتعاون وإيثار، ولين جانب، وكرم أخلاق. وهذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم – وهو القدوة الصالحة – كان يعطي لأمته الأسوة الحسنة في ملاطفة أصحابه في السفر والحضر، والسلم والحرب، والحلّ والترحال..

أسند الطبري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معه رجل من أصحابه وهما على راحلتين، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم غيْضة (مجتمع شجر)، فقطع قضيبين أحدهما معوج، فخرج وأعطى لصاحبه القويم (أي الجيد منه)، فقال الرجل: كنت يا رسول الله أحق بهذا! فقال: كلا يا فلان إن كل صاحب يصحب آخر فإنه مسؤول عن صحابته ولو ساعة من نهار".

وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: (للسفر مروءة وللحضر مروءة، فأما المروءة في السفر فبذل الزاد، وقلة الخلاف على الأصحاب، وكثرة المزاح في غير مساخط الله، وأما المروءة في الحضر فالإدمان إلى المساجد، وتلاوة القرآن، وكثرة الإخوان في الله عز وجل".

ومما ينسب لبعض بني أسد قولهم:

إذا ما رفيقى لم يكن خلف ناقتي

له مركب فضلا فلا حمِلَت رجِلْي

ولم يك من زادي له شطرُ مِزودي

فلا كنت ذا زادٍ ولا كنتُ ذا فضلِ

شريكان فيما نحن فيه وقد أرى

عليّ له فضلا بما نال من فضلي

تلكم – أيها المربون – أهم الأسس والقواعد في تلقين الولد منذ أن يفتح عينيه – حق الرفيق، واحترام الصديق.. وهي من أعظم العوامل في تنمية النزعة الاجتماعية، وتقوية ظاهرة المحبة في الله لدى الولد، هذه النزعة حينما تقوم على أسس المحبة والإخلاص، والوفاء والإيثار، والبذل والتعاون.. فإن دعائم التكافل والسلام والاستقرار تترسخ في المجتمع المسلم، وإن مبادئ العدل والإخاء والمساواة.. تنتشر في ربوع الأرض، وأطراف المعمورة.. لماذا؟ لأن الفرد المسلم أعطى لكل ذي بصيرة النموذج الحي عن الإسلام في سلوكه وأخلاقه، وملاطفته ومعاملته.. فما أحوج المجتمع الإسلامي إلى مربين أفاضل، وآباء أكارم.. يغرسون في الولد منذ نشأته هذه الأسس من التربية الفاضلة، والأخلاق القويمة.. حتى ينشأ الولد على كريم الخصال، ويترعرع على أفضل المكارم، وإنكار الذات!!..

[1] يحذيك: يعطيك.

[2] وكيفية السلام وآدابه ستأتي في مبحث "التزام الآداب الاجتماعية" إن شاء الله.

[3] فرسن: ظلف الشاة (أي المقدم).

مراعاة حقوق الآخرين - حق الكبير

الكبير هو من كان أكبر منك سناً، وأكثر منك علماً، وأرفع تقوى وديناً، وأسمى جاهاً وكرامة ومنزلة..

فهؤلاء إن كانوا مخلصين لدينهم، معتزين بشريعة ربهم.. فيجب على الناس أن يعرفوا لهم فضلهم، ويؤدوا لهم حقهم، ويقوموا بواجب احترامهم.. امتثالاً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم الذي عرَّف المجتمع فضلهم، وأوجب على الناس حقهم..

وإليكم طاقة عطرة من توجيهاته الكريمة في توقير الكبير:

- روى الترمذي عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أكرمَ شابٌّ شيخاً لسنّه إلا قيّض الله (أي قدّر) له من يكرمه عند سنّه".

- وروى أبو داود والترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهم قال: "ليس منّا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف حق كبيرنا".

- وروى أبو داود عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن العالي فيه والجافي عنه (أي التارك له)، وإكرام ذي السلطان المقسط (العادل)".

- وروى أبو داود عن ميمون بن أبي شبيب رحمه الله أن عائشة رضي الله عنها مرّ بها سائل فأعطته كِسْرة (قطعة خبز)، ومر بها رجل عليه ثياب وهيئة فأقعدته فأكل فقيل لها في ذلك؟ فقالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنزلوا الناس منازلهم" وفي رواية: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نُنْزِل الناس منازلهم).

- وروى مسلم عن ابن عمر – رضي الله عنهما – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أراني في المنام أتسوَّك بسواك فجاءني رجلان أحدهما أكبر من الآخر، فناولت السواك الأصغر (منهما)، فقيل لي: كبّر فدفعته إلى الأكبر منهما".

ونستخلص من مجموعة هذه الأحاديث الصحيحة الأمور التالية:

(أ) إنزال الكبير منزلته اللائقة به:

كأن يستشار في الأمور، ويقدم في المجلس، ويبدأ به بالضيافة.. تحقيقاً لقوله عليه الصلاة والسلام: "أنزلوا الناس منازلهم". ومما يؤكد هذا ما رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح عن شهاب بن عبّاد أنه سمع بعض وفد عبد القيس وهم يقولون: قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاشتدّ فرحهم، فلما انتهينا إلى القوم أوسعوا لنا، فقعدنا، فرحب بنا النبي صلى الله عليه وسلم، ودعانا، ثم نظر إلينا، فقال: من سيدكم وزعيمكم؟ فأشرنا جميعنا إلى المنذر بن عائذ.. فلما دنا منه المنذر أوسع القوم له حتى انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم.. فقعد عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرحب به وألطفه، وسأله عن بلادهم.. إلى آخر الحديث...

ومن الأمور المسلم بها والمجمع عليها لدى أهل الحديث أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يبدؤون بالضيافة الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم من كان على يمينه، فظل هذا الفعل سنة متبعة من هديه عليه الصلاة والسلام.

(ب) البدء بالكبير بالأمور كلها:

كأن يتقدم الكبير على الصغير في صلاة الجماعة، وفي التحدث إلى الناس، وفي الأخذ والعطاء عند التعامل.. لما روى مسلم عن أبي مسعود قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: (استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم لِيَليني منكم أولو الأحلام والنُّهى (هم الرجال البالغون) ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم).

وروى الشيخان عن أبي يحيى الأنصاري قال: انطلق عبد الله بن سهل ومحيّصة ابن مسعود إلى خيبر وهي يومئذ صُلح، فتفرقا فأتى محيّصة إلى عبد الله وهو يتشحّط في دمه قتيلاً ثم قدم المدينة، فانطلق عبد الرحمن بن سهل ومحيّصة وحويّصة ابنا مسعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذهب عبد الرحمن يتكلم، فقال – عليه الصلاة والسلام - :"كبّر كبّر" (أي يتكلم الأكبر سناً)، وهو – أي عبد الرحمن - أحدث[1] القوم.. إلى آخر الحديث وسبق أن ذكرنا قبل قليل حديث السواك، وأنه عليه الصلاة والسلام أمر في المنام أن يناوله إلى الرجل الأكبر.

(ج) الترهيب من استخفاف الصغير من الكبير:

كأن يهزأ منه، ويسخر عليه، ويوجه كلاماً سيئاً إليه، ويسيء الأدب في حضرته، وينهر في وجهه.. لما روى الطبراني في الكبير عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ثلاث لا يستخف بهم إلا منافق: ذو الشيبة في الإسلام، وذو العلم، وإمام مقسط".

ويتفرع عن هذه المعاني في توقير الكبير فضائل اجتماعية شرعية ترتبط بالاحترام، فعلى المربين أن يُخلّقوا أولادهم عليها، ويأمروهم بها:

(أ) الحياء:

وهو خُلُق يبعث على ترك القبيح، ويمنع من التقصير في حق الكبير، ويدفع إلى إعطاء ذي الحق حقه...

لهذا (كان الحياء خيرا كله) كما روى الشيخان عن عمران بن حصين.

ومما يدل على فضيلة الحياء ما رواه الطبراني عن عائشة – رضي الله عنها – قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عائشة: "لو كان الحياء رجلاً لكان رجلاً صالحاً، ولو كان الفحش رجلاً لكان رجل سَوْء".

وروى ابن ماجة والترمذي عن أنس – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما كان الفحش في شيء إلا شانه، وما كان الحياء في شيء إلا زانه".

وروى مالك وابن ماجة عن زيد بن طلحة بن ركانة يرفعه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن لكل دين خلُقاً، وخلق الإسلام الحياء".

وروى البخاري ومسلم عنه عليه الصلاة والسلام: ".. والحياء شعبة من الإيمان".

فلا عجب بعد هذا التوجيه النبوي في فضيلة الحياء أن يتخلق أبناء الصحابة بهذا الخلق الرفيع، وأن تظهر بوادره أمام من يكبرهم سناً، ويعلوهم منزلة..

روى الشيخان عن أبي سعيد – رضي الله عنه قال - : (لقد كنت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم غلاماً فكنت أحفظ عنه فما يمنعني من القول إلا أن ههنا رجالاً هم أسنّ مني).

(ب) القيام للقادم:

القيام للقادم كالضيف أو المسافر أو العالم أو الكبير.. أدب اجتماعي نبيل يجب أن يؤمر الولد به، ويتخلق عليه للأدلة التالية:

(أ) روى البخاري وأبو داود والترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت: "ما رأيت أحداً أشبه سمتاً ودلاً وهديا برسول الله صلى الله عليه وسلم – في قيامها وقعودها – من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وكانت إذا دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم قام إليها فقبلها وأجلسها في مجلسه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل عليها قامت من مجلسها وقبلته وأجلسته في مجلسها".

(ب) وروى النسائي وأبو داود عن أبي هريرة – رضي الله عنه - :"كان النبي صلى الله عليه وسلم يحدثنا فإذا قام قمنا قياماً حتى نراه دخل إلى بعض أزواجه".

(ج) وروى أبو داود عن عمر بن السائب أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالساً فأقبل أبوه من الرضاعة فوضع له بعض ثوبه فقعد عليه، ثم أقبلت أمه فوضع لها شق ثوبه من الجانب الآخر فجلست عليه، ثم أقبل أخوه من الرضاعة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجلسه بين يديه.

(د) وروى الشيخان أن سعد بن معاذ لما دنا إلى المسجد قال النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار: "قوموا إلى سيدكم أو خَيْركم".

(هـ) ومن الأحاديث الصحيحة الثابتة الدالة على جواز القيام ما جاء في حديث كعب ابن مالك المتفق عليه، وهو يقص خبر تخلّفه عن غزوة تبوك قال: فانطلقت أتأمّم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلقاني الناس فوجاً فوجاً يهنئوني بالتوبة، ويقولون: لتَهْنِك توبة الله عليك، حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم حوله الناس، فقام إليّ طلحة بن عُبيد الله رضي الله عنه يهرول حتى صافحني وهنأني..

وقد استدل أهل العلم والاجتهاد من مجموع هذه الأحاديث وغيرها على جواز القيام لأهل العلم والفضل في المواسم والمناسبات.

وأما ما ثبت أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن القيام فمحمول على من قصد القيام لذاته، واستشرفه وتطلّع إليه، ومحمول كذلك على تقليد صفة خاصة من القيام، فيها معنى الكِبْر، والتعظيم كان ينتهجها الأعاجم في تعظيم بعضهم بعضاً كأن يقعد المعظّم مكرماً مبجلاً والناس حوله واقفون.

(ج) تقبيل يد الكبير:

ومن الآداب الاجتماعية التي ينبغي أن يعتادها الولد، ويحرص المُربِّي على تلقينها والتخلق بها أدب تقبيل يد الكبير، لما لهذا الأدب الاجتماعي من أثر كبير في تعليم الولد التواضع والاحترام وخفض الجناح وإنزال الناس منازلهم..

ومما يدل على هذا حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وعمل الصحابة، واجتهاد الأئمة:

(أ) أخرج أحمد والبخاري في (الأدب الصغير)، وأبو داود، وابن الأعرابي عن زارع وكان في وفد (عبد القيس) قال: لما قدمنا المدينة جعلنا نتبادر من رواحلنا، فنقبِّل يد النبي صلى الله عليه وسلم ورجله.

(ب) وروى البخاري في الأدب المفرد عن الوازع بن عامر قال: قدمنا، فقيل ذلك رسول الله، فأخذنا بيده ورجليه نقبلها.

(ج) وأخرج ابن عساكر عن أبي عمار: أن زيد بن ثابت قُرِّبت له دابة ليركبها فأخذ ابن عساكر بركابها، فقال زيد: تنحّ يا ابن عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هكذا أمرنا أن نفعل بكبرائها وعلمائنا، فقال زيد: أرني يدك! فأخرج يده فقبلها فقال: هكذا أُمرنا أن نفعل بأهل بيت نبيّنا!!..

(د) وروى البخاري في الأدب المفرد عن صهيب قال: رأيت عليّاً يقبّل يد العباس ورجليه.

(هـ) وأخرج الحافظ أبو بكر المقريّ عن أبي مالك الأشجعي قال: قلت لابن أخي أوفى ناولني يدك التي بايعت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فناولنيها فقبّلتها.

هذا غيض من فيض مما ثبت في تقبيل يد أهل العلم والفضل.. فما على المربين إلا أن يعوّدوا أطفالهم على هذا الخلق الكريم، والأدب الرفيع.. حتى ينشؤوا على التواضع الجمّ، والأخلاق العالية الندية.. في احترامهم الكبار، وتوقيرهم العلماء، وتعاملهم مع الآخرين..

ولكن على المربين أن ينتبهوا في تخليق الولد على القيام والتقبيل إلى أمرين هامين:

الأول: ألاَّ يُغالوا[2] في ذلك، لما للمغالاة من تغاض عن المساوئ، ومجافاة للحق، وانتكاس لحقيقة الاحترام، وتحطيم لشخصية الولد النفسية.

الثاني: ألاَّ يزيدوا عن الحد الذي أمر به الشرع الإسلامي كالانحناء أثناء القيام، أوالركوع أثناء التقبيل.

تلكم أهم الأسس التي وضعها الإسلام في مراعاة حقوق الآخرين، فما على المربين إلا أن ينشِّئوا الأولاد عليها، ويلقنوهم إياها، ويرشدوهم إليها، حتى يتدرج الولد على احترام الكبير، وإكرام ذي الشيبة.. وحتى يفهم منذ نعومة أظفاره حق من يَكبرُه سناً، وأدب من يفوقه علماً وفضلاً ومنزلة..

ولا شك أن المُربي حين يضع بين يدي الجيل هذه القواعد في تخليق الولد على احترام الآخرين، والتأدب معهم، والإحسان إليهم.. فالولد يندفع بكليته إلى توقير ذوي الفضل.. وإجلال ذي الشيبة.. وهذا لعمري غاية الأدب. ومنتهى التوقير والاحترام. فما أحوجنا إلى مربين أكارم. ومعلمين أفاضل.. يفهمون حقائق التربية في الإسلام، ثم ينطلقون جادِّين عازمين إلى تعويد هذا الجيل هاتيك المكارم، وتخليقهم على هذه الفضائل، وتأديبهم على هذه الخصال!!.. فإن هم انطلقوا في هذه السبيل.. وصمموا على تنفيذ هذا المنهج وصلت الأمة الإسلامية إلى الذروة في الخُلق الاجتماعي النبيل. والأدب الإسلامي الرفيع.. وعندئذ يفرح المؤمنون بالجيل الناشئ، والمجتمع الفاضل، والاستقرار المنشود..

[1] أي أصغرهم سناً.

[2] المغالاة: هو الإفراط في القيام والتقبيل عن الحد المعتاد المتعارف عليه.

التزام الآداب الاجتماعية العامة - أدب الطعام والشراب

ومن القواعد التي وضعها الإسلام في تربية الولد اجتماعياً تعويده منذ نعومة أظفاره على آداب اجتماعية عامة، وتخليقه على مبادئ تربوية هامة.. حتى إذا شب الولد عن الطوق، وتدرّج في سني الطفولة. وأصبح يدرك حقائق الأشياء.. كان تعامله مع الآخرين في غاية البر والإحسان. وكان سلوكه في المجتمع في منتهى المحبة والملاطفة، ومكارم الأخلاق..

ولا شك أن هذه الآداب الاجتماعية التي سأفصِّل عنها في هذا المبحث.. مرتبطة كل الارتباط ببحث: (غرس الأصول النفسية) الذي فصلنا عنه في أول هذا الفصل. لأن التعامل الاجتماعي. أو التزام الآداب العامة حينما يقوم على عقيدة الإيمان والتقوى، ومبادئ الأخوة والرحمة، ومكارم الإيثار والحلم.. فإن تربية الولد الاجتماعية تبلغ مراتبها العالية، وغاياتها المثلى.. بل يظهر الولد في سلوكه وأخلاقه وتعامله في المجتمع على أحسن ما يظهر به إنسان سويّ، وعاقل ذكي، وامرؤ حكيم، ورجل متوازن..

وهذا ما حرص عليه الإسلام في وضع المناهج التربوية لتكوين الولد خُلُقياً، وإعداده سلوكياً واجتماعياً.

وإذا كنا نضع لكل مبحث في التربية الاجتماعية خطوطاً عريضة توضح للمربين السبيل، وتنير لهم الطريق.

فإن الخطوط العريضة الهامة لهذا المبحث هي كما يلي:

1- أدب الطعام والشراب.

2- أدب السلام.

3- أدب الاستئذان.

4- أدب المجلس.

5- أدب الحديث.

6- أدب المزاح.

7- أدب التهنئة.

8- أدب عيادة المريض.

9- أدب التعزية.

10- أدب العطاس والتثاؤب.

وإن شاء الله فسأتكلم عن كل أدب من هذه الآداب الاجتماعية بشيء من التفصيل، ليقوم المربي على غرسها وتعميقها في الولد، وعلى الله التكلان، وهو المستعان:

1- أدب الطعام والشراب:

للطعام آداب على المربي أن يعلمها الولد، ويرشده إليها، ويلاحظه في أمر تطبيقها، وهي على الترتيب التالي:

(أ‌) غسل اليدين قبل الطعام وبعده:

لما روى أبو داود والترمذي عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده".

(ب‌) التسمية في أوله والحمد في آخره:

لما روى أبو داود والترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله تعالى، فإن نسي أن يذكر اسم الله تعالى في أوله فليقل: باسم الله أوله وأخره".

وروى الإمام أحمد وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أكل وشرب قال: (الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين).

(ج) ألاّ يعيب طعاماً قدم إليه:

لما روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "ما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاماً قط: إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه".

(د) أن يأكل بيمينه ومما يليه:

لما روى مسلم عن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنهما قال: كنتُ غلاماً في حجر[1] رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت يدي تطيش في الصحفَة (تتحرك في الإناء)، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا غلام سَمِّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك".

(هـ) ألا يأكل متكئاً:

لما فيه من الضرر الصحي وظواهر الكِبر، روى البخاري عن أبي جحيفة وهب بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا آكل متكئاً".

وروى مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً مُقْعِياً[2] يأكل تمراً".

(و) يستحب التحدث على الطعام:

لما روى مسلم عن جابر رضي الله عنه "أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل أهله الأُدُم، فقالوا: ما عندنا إلا خلّ، فدعا به فجعل يأكل منه ويقول: نعم الأُدُم الخل، نعم الأدم الخل".

وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يتحدث إلى أصحابه وهو يأكل على المائدة في أكثر من مناسبة.

(ز) يستحب أن يدعو لمضيفه إذا فرغ من الطعام:

لما روى أبو داود والترمذي عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى سعد بن عبادة، فجاء بخبز زيت[3] فأكل، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة".

(ح) ألاّ يبدأ بالطعام ويوجد من هو أكبر منه:

لما روى مسلم في صحيحه عن حذيفة رضي الله عنه قال: "كنا إذا حضرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاماً لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيضع يده".

(ط) ألاّ يستهتر بالنعمة:

لما روى مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أكل طعاماً لَعِقَ أصابعه الثلاث. وقال إذا سقطت لقمة أحدكم فليأخذها ولْيُمِطْ عنها الأذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان. وأمرنا أن نسلُت القصعة، وقال: (إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة).

أما آداب الشراب فهو كما يلي:

(أ) استحباب التسمية والحمد والشرب ثلاثا:

لما روى الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تشربوا واحداً كشرب البعير. ولكن اشربوا مثنى وثلاث، وسمّوا إذا أنتم شربتم، واحمدَوا إذا أنتم رفعتم". أي انتهيتم من الشرب.

(ب) كراهية الشرب من فم السقاء:

لما روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُشْرَب مِنْ فيّ السقاء أو القربة (أي فمها)". لمنافاة الشرب للذوق الاجتماعي، ومخافة أن يكون قد وقع في الماء ما يضر بالصحة.

(ج) كراهية النفخ في الشراب:

لما روى الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يُتَنَفَّس في الإناء أو يُنفخ فيه". ولا يخفى ما في هذا النفخ والتنفس من الأضرار الصحّية، والمنافاة للآداب الاجتماعية..

(د) استحباب الشرب والأكل في حال الجلوس:

لما روى مسلم عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم "أنه نهى أن يشرب الرجل قائماً، قال قتادة: فقلنا لأنس: فالأكل؟ قال: ذلك أشر". وفي رواية لمسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يشربن أحد منكم قائماً، فمن نسيَ فليستقئ" (أي يتقيأ).

وما صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه شرب قائماً فلبيان الجواز، كأن يكون الشارب في حالة يكون الشرب فيها قائماً أفضل من الشرب جالساً كشربه عليه الصلاة والسلام من ماء زمزم قائماً تحقيقاً لمبدأ: "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر".

(هـ) النهي عن الشرب من آنية الذهب والفضة:

لما روى الشيخان عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الذي يشرب في آنية الفضة فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم". وفي رواية لمسلم: "من شرب في إناء من ذهب أو فضة فإنما يجرجر في بطنه ناراً من جهنم لما لاستعمال هذه الآنية من مظهر الكبر والاستعلاء، وجرح كرامة الفقير".

(و) النهي عن امتلاء المعدة في الأكل والشرب:

لما روى الإمام أحمد والترمذي وغيرهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما ملأ آدمي وعاء شراً من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا بد فاعلا، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنَفَسِهِ".

فعلى المربين أن يتقيدوا بهذه الآداب، وأن يعلّموها أولادهم.. ليعتادوها في حياتهم الاجتماعية، وفي تعاملهم مع الناس.

[1] أي تحت نظره.

[2] المقعي: هوالذي يلصق إليتيه بالأرض وينصب ساقيه.

[3] عند أحمد والطبراني: فقرب إليه زبيباً وهو الصواب، قال الحافظ: وما الزيت إلا تصحيفاً عن الزّبيب.

التزام الآداب الاجتماعية العامة - أدب السلام

للسلام آداب، فعلى المربي أن يرسخها في الولد، ويعوده إياها، وهي مرتبة كما يلي:

(أ) أن يعلمه أن الشرع أمر بالسلام:

أمر الله به في قرآنه حين قال:

{يا أيها الذين آمنوا لا تدخُلوا بُيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها}. النور: 27.

{فإذا دَخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة} النور: 61.

وأمر به عليه الصلاة والسلام في تأديبه لأمته: روى الشيخان عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الإسلام خير؟ قال: "تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف".

وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا. ولا تؤمنوا حتى تحابّوا. أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم".

(ب) أن يعلمه كيفية السلام:

وهو أن يقول المبتدئ بالسلام: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"، ويقول المجيب بصيغة الجمع: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته" ولو كان المسلِّم عليه واحداً.

وهذا التعليم لكيفية السلام مستفاد من الأحاديث الصحيحة: روى أبو داود والترمذي عن عمران بن الحصين رضي الله عنهما قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليكم. فرد عليه ثم جلس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "عشر"، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فرد عليه فجلس، فقال: "عشرون" ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد عليه فجلس، فقال: "ثلاثون".

وروى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا جبريل يقرأ عليك السلام"، قالت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته.

(ج) أن يعلمه أدب السلام:

وهو تسليم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير، والصغير على الكبير، لما روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير". وفي رواية البخاري: "يسلم الصغير على الكبير".

(د) أن ينهاه عن السلام الذي فيه تشبّه بالأجانب:

لما روى الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس منا من تشبّه بغيرنا. ولا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى، فإن تسليم اليهود الإشارة بالأصابع، وتسليم النصارى الإشارة بالأكفّ"، وفي هذا النهي تمييز لخصائص هذه الأمة الإسلامية عن غيرها من الأمم الأخرى في آدابها الاجتماعية، ومزاياها السلوكية والأخلاقية.

(هـ) على المربي أن يبدأ الأولاد بالسلام:

تعليماً منه وتعويداً، اقتداء بالمربي الأول عليه الصلاة والسلام حيث كان يسلم على الصبيان إذا مر بهم، روى الشيخان عن أنس رضي الله عنه "أنه مرّ على الصبيان فسلم عليهم، وقال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله"، وفي رواية لمسلم: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ على غلمان فسلم عليهم". وفي رواية أبي داود: "أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ على غلمان يلعبون فسلم عليهم". وفي رواية ابن السنّي قال لهم: "السلام عليكم يا صبيان".

(و) أن يعلمه أن يرد على غير المسلم بلفظ "وعليكم":

لما روى الشيخان عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم". كما عليه أن يعلمه ألا يبدأ أهل الكفر بالسلام لحديث مسلم "لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام...".

(ز) أن يعلمه أن الابتداء بالسلام سنة، والردّ واجب:

لما روى ابن السني عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من أجاب السلام فهو له، ومن لم يُجِب فليس منا".

وروى الترمذي عن أبي أمامة قيل: يا رسول الله، الرجلان يلتقيان أيهما يبدأ بالسلام؟ قال: "أولاهما بالله تعالى"، وفي رواية أبي داود: "إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام".

وعلى المربي أن يعلم الولد أن هناك أحوالاً خاصة يكره فيها السلام: من هذه الأحوال: المتوضئ، ومَن في الحمام، ومن يأكل، ومن يقاتل، وعلى تالٍ للقرآن، وذاكر لله، وملبٍّ في الحج، وخطيب في الجمعة أو غيرها، وواعظ في مسجد أو غيره، ومقرر فقه، ومشتغل في درس، وباحث في علم، ومؤذن أو مقيم للصلاة، ومن على حاجته، أو مشتغل بالقضاء أو ما شاكل ذلك.. فمن سلَّم في حالة لا يُسْتَحبّ فيها السلام لم يستحق المسَلَّم جواباً.

فعلى المربين أن يتقيدوا بآداب السلام ويعلِّموها أولادهم. ليعتادوها في حياتهم الاجتماعية، وفي تعاملهم مع الناس.

التزام الآداب الاجتماعية العامة - أدب الاستئذان

وللاستئذان آداب فعلى المربي أن يرسخها في الولد، ويعلمها إياه امتثالاً لقوله تبارك وتعالى:

{يا أيها الذين آمنوا ليسْتَأذِنكُم الذين مَلَكَتْ أيمانكم والذين لم يبلُغوا الحُلُمَ منكم ثلاث مراتٍ من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاثُ عوراتٍ لكم ليس عليكم ولا عليهم جناحٌ بعدهُنّ طوافون عليكم بعضكم على بعض كذلك يُبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم، وإذا بلغ الأطفالُ منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم..} النور: 58-59.

يأمر الله سبحانه المربين في هذا النص القرآني أن يرشدوا أطفالهم الذين لم يبلغوا سن البلوغ إلى أن يستأذنوا على أهليهم في ثلاثة أحوال:

الأول: من قبل صلاة الفجر لأن الناس إذ ذاك يكونون نياماً في فرشهم.
الثاني: وقت الظهيرة (أي القيلولة) لأن الإنسان قد يضع ثيابه في تلك الحال مع أهله.
الثالث: من بعد صلاة العشاء لأنه وقت نوم وراحة.

وشرع الاستئذان في هذه الأوقات الثلاثة لما يخشى أن يكون الرجل أو المرأة في حالة لا يحب أن يطلع عليها أحد من أولاده الصغار.

أما إذا بلغ الأطفال سن البلوغ والرشد فعليهم أن يستأذنوا في هذه الأوقات الثلاثة وفي غيرها امتثالاً لقوله تبارك وتعالى:

{وإذا بلغَ الأطفالُ منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم} النور: 59.

ولا يخفى ما في هذه اللفتات القرآنية من اهتمام الإسلام في تربية الولد اجتماعياً وتكوينه سلوكيّاً وخلقيّاً.. حتى إذا بلغ سن الشباب كان النموذج الحي عن الإنسان الكامل في أدبه وخلقه.. وتصرفه واتزانه..

وللاستئذان آداب أخرى وهي مرتبة كما يلي:

(أ) أن يسلم ثم يستأذن:

لما روى أبو داود أن رجلاً من بني عامر استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في بيت فقال: أألج؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخادمه: "اخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان. فقل له: قل: السلام عليكم. أأدخل؟ فسمعه الرجل فقال: السلام عليكم. أأدخل؟ فأذن له النبي صلى الله عليه وسلم فدخل".

(ب) أن يعلن عن اسمه أو صفته أو كنيته:

لما جاء في الصحيحين في حديث الإسراء المشهور قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثم صعد جبريل إلى السماء الدنيا فاستفتح (قرع الباب)، فقيل من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومَنْ معك؟ قال: محمد. ثم صعد بي إلى السماء الثانية والثالثة وسائرهن. ويقال في باب كل سماء مَنْ هذا؟ فيقول: جبريل".

- وفي الصحيحين عن أبي موسى لما جلس النبي صلى الله عليه وسلم على بئر البستان، وجاء أبو بكر فاستأذن، فقال أبو موسى من؟ قال: أبو بكر ثم جاء عمر فاستأذن، فقال: من؟ قال: عمر، ثم عثمان كذلك.

- وفي الصحيحين عن جابر رضي الله عنه قال: "أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فدققت الباب فقال: مَنْ ذا؟ فقلت: أنا، فقال عليه الصلاة والسلام: أنا أنا؟ كأنه يكرهها".

(ج) أن يستأذن ثلاث مرات:

لما في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الاستئذان ثلاث، فإن أذِن لك وإلا فارجع".

ويحسن أن يكون بين استئذان المرة الأولى والثانية انتظار مقدار أربع ركعات مظنّة أن يكون المستأذن عليه في صلاة أو في قضاء حاجة...

(د) أن لا يدق الباب بعنف:

ولا سيما إن كان رب المنزل أباه أو أستاذه أو ذا فضل.. أخرج البخاري في (الأدب المفرد) عن أنس رضي الله عنه "أن أبواب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تقرع بالأصابع". وكان السلف يقرعون أبواب أشياخهم بالأظافر. وهذا يدل على مبالغتهم في الاحترام والأدب. وهو حسن لمن قرُب محله من بابه، وأما من بعُد عن الباب فيقرع بحسب ما يحصل به المقصود. وأما إذا كان على الباب جرس كما جرى العرف اليوم. فيقرع المستأذن بقرعة خفيفة لطيفة لتدل على لطفه وكرم أخلاقه وحسن معاملته.

(هـ) أن يتحول عن الباب عند الاستئذان:

مظنة وقوف امرأة أجنبية أثناء فتح الباب، والاستئذان شرع من أجل النظر، وهذا ما أكده عليه الصلاة والسلام لأصحابه حين قال – كما روى الشيخان - : "إنما جعل الاستئذان من أجل البصر".

وروى الطبراني عن عبد الله بن بسر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تأتوا البيوت من أبوابها ولكن ائتوها من جوانبها فاستأذنوا. فإن أذن لكم فادخلوا وإلا فارجعوا". وروى أبو داود "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر ويقول: السلام عليكم، السلام عليكم".

وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من اطلع في بيت قوم فقد حلّ لهم أن يفقؤوا عينه". وفي رواية للنسائي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "من اطلع في بيت قوم ففقؤوا عينه فلا ديّة ولا قصاص".

(و) أن يرجع إذا قال له رب المنزل ارجع:

لقوله تبارك وتعالى:

{يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون، فإن لم تجدوا فيها أحداً فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم} النور: 27-28.

وعلى المستأذن ألا يجد في ذلك حرجاً ولا غضاضة لامتثاله أمر الله سبحانه في الرجوع. قال قتادة: قال بعض المهاجرين: لقد طلبت عمري كله هذه الآية، فما أدركتها أن أستأذن على بعض إخواني فيقول لي: ارجع، فأرجع وأنا مغتبط.

هذه أهم القواعد التي وضعها الإسلام في آداب الاستئذان، فما على المربين إلا أن يتقيدوا بها، ويعلّموها أولادهم، ليعتادوها في حياتهم الاجتماعية، وفي تعاملهم مع الناس.

التزام الآداب الاجتماعية العامة - أدب المجلس

للمجلس آداب، فعلى المربي أن يعلِّمها الولد، ويرشده إليها، ويلاحظه عند تطبيقها، وهي مرتبة كما يلي:

(أ) أن يصافح من يلتقي به في المجلس:

لما روى ابن السني وأبو داود عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: "إذا التقى المسلمان، فتصافحا وحمدا الله تعالى، واستغفرا غفر الله عز وجل لهما".

وروى الترمذي وابن ماجة وغيرهما عن البراء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غُفِرَ لهما قبل أن يتفرقا".

وفي الموطأ للإمام مالك عن عطاء الخرساني قال: "قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تصافحوا يذهب الغِلّ (الحقد)، وتهادوْا تحابّوا وتذهب الشحناء".

(ب) أن يجلس في المكان الذي يخصصه له رب المنزل:

لكون رب المنزل أعرف بالمكان الذي يجلس فيه ضيفه.. وهو صاحب الحق في ذلك، وقد قيل قديماً: "أهل مكة أدرى بشعابها" وقيل حديثاً: "وربّ البيت أدرى بالذي فيه"، وهذا يتفق مع قوله تبارك وتعالى:

{فإن لم تجدوا فيها أحداً فلا تدخلُوها حتى يؤذن لكم، وإن قيلّ لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم} النور: 28.

فالضيف – كما قررت الآية – رهن إشارة مضيفه في كل شيء حتى الرجوع، ويتفق مع قوله عليه الصلاة والسلام: "ومن دخل دار قوم فليجلس حيث أمروه فإن القوم أعلم بعورة دارهم". مجمع الزوائد.

(ج) أن يجلس في محاذاة الناس لا في وسطهم:

وهذا أدب اجتماعي كريم لأنه إذا جلس في الوسط استدبر بعض الناس بظهره فيؤذيهم بذلك ويسبونه ويلعنونه.

روى أبو داود بإسناد حسن عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (لعن من جلس في وسط الحَلْقَة)، وروى الترمذي عن أبي مِجْلَز "أن رجلا قعد وسط حلقة فقال حذيفة: ملعون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم من جلس وسط الحلقة".

وهذا محمول إن كان في المجلس سعة، وأما إن كان في المجلس ضيق واضطر الناس أن يجلسوا في السوط فلا إثم ولا حرج لقوله تبارك وتعالى: {وما جَعَل عليكم في الدين من حرج}.

(د) أن لا يجلس بين اثنين إلا بإذنهما:

لما رواه الترمذي وأبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل لرجل أن يفرق بين اثنين إلا بإذنهما"، وفي رواية لأبي داود: (لا يجلس بين رجلين إلا بإذنهما).

(هـ) أن يجلس القادم حيث ينتهي به المجلس:

لما روى أبو داود والترمذي عن جابر بن سمرة رضي الله عنهما قال: "كنا إذا أتينا النبي صلى الله عليه وسلم جلس أحدنا حيث ينتهي".

وهذا محمول إن كان القادم رجلاً عادياً، أما إن كان ذا قدر من علم.. أو من منزلة من جاه.. فلا بأس من الحاضرين أو ربّ المنزل أن يضعوه في المكان المناسب لقوله عليه الصلاة والسلام: "أنزلوا الناس منازلهم"، وسبق أن ذكرنا[1] أن وفد عبد القيس حينما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم كيف رحب بهم، وأوسع لهم، وقرب زعيمهم المنذر بن عائذ إليه، وأقعده عليه الصلاة والسلام على يمينه بعد أن رحّب به وألطفه.

(و) ألا يتسارّ اثنان في حضرة ثالث في المجلس:

لما روى الشيخان عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى[2] اثنان دون الثالث من أجل أن ذلك يحزنه".. والعلة في النهي أن الثالث يظن الظنون، ويحزن لعدم الاكتراث به، أما إذا تناجى اثنان دون اثنين أو أكثر فإنه يجوز إن لم يورث ذلك شبهة.

(ز) من خرج من مجلسه لحاجة ثم رجع إليه فهو أحق به:

لما روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قام أحدكم من مجلس ثم رجع إليه فهو أحق به".

(ح) أن يستأذن قبل انصرافه من المجلس:

لقوله عليه الصلاة والسلام – كما روى الشيخان - : "إنما جعل الاستئذان من أجل البصر"، وهذا يشمل استئذان الدخول، واستئذان الانصراف.. وهذا غاية ما حرص عليه الإسلام في الحفاظ على حرمة البيوت. وصيانة الأعراض والحرمات..

(ط) أن يقرأ دعاء كفارة المجلس:

لما روى الحاكم عن أبي برزة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يقوم من المجلس قال: "سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك"، فقال رجل يا رسول الله: إنك لتقول قولا ما كنت تقوله فيما مضى؟ قال: "ذلك كفارة لما يكون في المجلس". هذه أهم القواعد التي وضعها الإسلام في آداب المجلس، فما على المربين إلا أن يلتزموها، ويتقيدوا بها، ويعلّموها أولادهم، ليعتادوها في حياتهم الاجتماعية، وفي تعاملهم مع الناس.

[1] ذكرنا ذلك في مبحث "حق الكبير" فارجع إليه ص 321.

[2] يتناجى اثنان: يتكلمان سرّاً.

التزام الآداب الاجتماعية العامة - أدب الحديث

ومن الآداب الاجتماعية الهامة التي ينبغي على المربين أن يُعيروها اهتمامهم تعويد الولد منذ الصغر على أدب الكلام، وأسلوب الحديث. وأصول الحوار.. حتى إذا ترعرع الولد، وبلغ سن البلوغ عرف كيف يُحدّث الناس، وكيف يستمع منهم، وعلم كيف يحاورهم ويدخل السرور عليهم.

وهذه جملة آداب من أدب الحديث نسردها لتكون للمربين تبصرة وذكرى:

(أ) التكلم باللغة العربية الفصحى:

لكون اللغة العربية هي لغة القرآن الكريم، ولغة نبينا عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، ولغة الرعيل الأول من أصحابه الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، ولغة من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

فمن الجحود لهذه اللغة أن نعدل عنها، ونتكلم بلغة عامية لا تمت إلى العربية بصلة ولا بنسب، وزينة الإنسان فصاحة لسانه، وجمال الرجل حلاوة منطقه..

روى الحاكم في مستدركه عن علي بن الحسين رضي الله عنهما قال: أقبل العباس رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه حُلّتان، وله ضفيرتان، وهو أبيض، فلما رآه تبسم، فقال العباس: يا رسول الله ما أضحكك؟ أضحك الله سنّك، فقال: "أعجبني جمال عمّ النبي" صلى الله عليه وسلم، فقال العباس: ما الجمال؟ قال: "اللسان"، وعند العسكري: ما الجمال في الرجل؟ قال: "فصاحة لسانه".

روى الشيرازي والديلمي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قلنا: يا رسول الله ما رأينا أفصح منك؟ قال: "إن الله لم يخلقني لحّاناً، اختار لي خير الكلام: كتابه القرآن".

(ب) التمهل بالكلام أثناء الحديث:

ومن أدب الحديث التمهل في الكلام حتى يفهم المستمع المراد منه، ويعقل مَن في المجلس مغزى الحديث ويتدبروه، وهذا ما كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم تعليماً لأمته، روى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها: "وما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسرد الحديث كسردكم هذا، يحدث حديثاً لو عدّه العادّ لأحصاه" وزاد الإسماعيلي في روايته "إنما كان حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فهما تفهمه القلوب".

وروى أبو داود عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان كلامه صلى الله عليه وسلم فصلا يفهمه كُلُّ من سمعه".

(ج) النهي عن التكلف في الفصاحة:

ومن أدب الحديث الابتعاد عن التنطّع في الكلام، والتكلف في فصاحة اللسان، لما روى أبو داود والترمذي بالسند الجيد عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله عز وجل يُبغض البليغ من الرجال: الذي يتخلل بلسانه كما تتخلّل البقر بلسانها"[1].

وفي الصحيحين عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم "كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً حتى تُفهم عنه، وإذا أتى على قوم سلّم عليهم.. وكان صلى الله عليه وسلم يتكلم بكلام فصل لا هزْرَ[2] ولا نَزْر، ويكره الثرثرة في الكلام والتشدّق به (أي التكلف)".

(د) المخاطبة على قدر الفهم:

ومن أدب الحديث أن يتحدث المتكلم بأسلوب يناسب ثقافة القوم، ويتفق مع عقولهم وأفهامهم وأعمارهم، لقوله عليه الصلاة والسلام: "أُمرنا معاشر الأنبياء أن نُحدث الناس على قدر عقولهم"[3].

وفي صحيح البخاري عن عليّ موقوفاً: "حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يُكذّب الله ورسوله".

وفي مقدمة صحيح مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "ما أنت بمحدّث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة".

وللديلمي عن ابن عباس رضي الله عنهما رفعه: "لا تحدثوا أمتي من أحاديثي إلا ما تحمّله عقولهم، فيكون فتنة عليهم".

(هـ) التحدث بما لا يُخل ولا يُمل:

ومن أدب الحديث إعطاء الحديث حقه حيث لا يصل الأمر إلى الاختصار المخلّ، ولا إلى التطوال الممِلّ، ليكون الحديث أوقع في نفوس السامعين، وأشوق إلى قلوبهم.. روى مسلم عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: كنت أصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم، فكانت صلاته قصداً، وخطبته قصداً (أي وسطاً). وروى الإمام أحمد وأبو داود من حديث حكيم بن حازم رضي الله عنه قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة، فقام متوكئاً على عصا – أو قوس – فحمد الله وأثنى عليه، فكانت كلمات خفيفات طيبات مباركات.

وفي الصحيحين: (كان ابن مسعود يذكرنا في كل خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن لوددت أنك ذكّرتنا كل يوم، فقال: إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملّكم، وإني أتخوّلكم (أتعهدكم) بالموعظة، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوّلنا مخافة السآمة علينا).

ولا بأس بالاستشهاد بشواهد الشعر، وطرائف الحكمة، لقول علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه: (إنّ القلوب تملّ كما تملّ الأبدان، فابتغوا لها طرائف الحكمة).

(و) الإصغاء التام إلى المتحدث:

ومن أدب الحديث الإِصغاء التام إلى المتحدث، ليَعي السامع ما يقول، ويستوعب ما يحدث.. فكان الصحابة حينما يحدثهم النبي صلى الله عليه وسلم بحديث كأنّ على رؤوسهم الطير من فرط المهابة، وشدة الاهتمام.

وفي مقابل هذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يُصغي كل الإصغاء إلى من يحدثه أو يسأله، بل يقبل عليه بكليته ويلاطفه، روى أبو داود عن أنس رضي الله عنه قال: ما رأيت رجلا التقم أُذّن النبي صلى الله عليه وسلم – يعني يكلّمه سراً – فينحّي رأسه عنه (أي يرفعه عنه) حتى يكون الرجل هو الذي يُنحّي رأسه، وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيد رجل فترك يده، حتى يكون الرجل هو الذي يدع يده.

(ز) إقبال المتحدث على الجلساء جميعاً:

ومن أدب الحديث أن يقبل المتحدث بنظراته وتوجيهاته على الجلساء جميعاً، حيث يشعر كل فرد منهم أنه يريده ويخصّه.

روى الطبراني بإسناد حسن عن عمرو بن العاص قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل بوجهه وحديثه على شرّ القوم، يتألفه بذلك. وكان يقبل بوجهه وحديثه عليّ حتى ظننت أني خير القوم، فقلت يا رسول الله: أنا خير أم أبو بكر، فقال: أبو بكر، قلت يا رسول الله: أنا خير أم عمر؟ قال: عمر، قلت يا رسول الله: أنا خير أم عثمان؟ قال: عثمان، فلما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم صدّ عني، فودِدْت أني لم أكن سألته.

(ح) مباسطة الجلساء أثناء التحدث وبعده:

ومن أدب الحديث مباسطة المتحدث جلساءه أثناء الحديث وبعده، حتى لا يشعروا بالسأم، ولا ينتابهم الملل أثناء الحديث.

روى الإمام أحمد عن أم الدرداء رضي الله عنها قالت: كان أبو الدرداء إذا حدّث حديثاً تبسّم، فقلت: لا، يقول الناس: إنك أحمق – أي بسبب تبسمك في كلامك – فقال أبو الدرداء: ما رأيت أو سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدّث حديثاً إلا تبسّم، فكان أبو الدرداء إذا حدث حديثاً تبسم اتباعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك.

وروى مسلم عن سماك بن حرب قال: قلت لجابر بن سمرة رضي الله عنه: أكنت تجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال جابر: نعم كثيراً. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقوم من مصلاّه الذي فيه يصلي الصبح حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت قام، وكانوا يتحدثون – والرسول جالس – فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون، ويتبسم صلى الله عليه وسلم. هذه أهم القواعد التي وضعها الإسلام في آداب الحديث، فما على المربين إلا أن يأخذوا بها، ويعلموها أبناءهم ليعتادوها في حياتهم الاجتماعية وفي تعاملهم مع الناس.

[1] قال في النهاية: "هو الذي يتشدق في الكلام، ويفخم به لسانه ويلفه كما تلف البقرة الكلأ بلسانها لفا" أ. هـ.

[2] الهزر والنزر: الكثير والقليل.

[3] رواه الديلمي بسند ضعيف وله شواهد كثيرة مما رفع الحديث إلى مرتبة الحسن لغيره، ارجع إلى كتاب "كشف الخفاء" للعجلوني لفظ "أمرنا".

التزام الآداب الاجتماعية العامة - أدب المزاح

ما أجمل المسلم في الحياة حينما يجمع مع الجدّ – الذي يسعى إليه – روح الدعابة، وفكاهة الحديث، وعذوبة المنطق، وطرافة الحكمة!!...

وما أحسنه وأكرمه حينما يملك القلوب بجاذبية حديثه، ويأسر النفوس بلطيف معشره، وكريم مداعبته!!.. ذلك لأن الإسلام بمبادئه السمحة يأمر المسلم أن يكون ألفاً بسّاماً مرحاً خلوقاً، كريم الخصال، حميد الفعال، حسن المعشر.. حتى إذا خالط الناس، واجتمع بهم، رغبوا به، وانجذبوا إليه، والتفوا حوله.. وهذا غاية ما يحرص عليه الإسلام في تربية الأفراد، وتكوين المجتمعات، وهداية الناس..

ولكن هل للمسلم أن ينطلق في المرح والمداعبة والمزاح كما يشاء وحيث أراد أم لهذا آداب وضوابط؟

نعم للمزاح والمداعبة آداب وضوابط وهي مرتبة كما يلي:

(أ) عدم الإكثار منه والإفراط فيه:

لما روى البخاري في (الأدب المفرد) والبيهقي عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لست من دَدٍ. ولا الدّدُ مني" أي: لست من أهل اللعب واللهو، ولا هما مني.

لأن الإكثار من المزاح، والإفراط في المرح والمداعبة يخرج المسلم عن مهمته الأساسية التي خلق من أجلها ألا وهي عبادة الله، وإقامة حكم الله في الأرض، وتكوين المجتمع الصالح.. والصحابة الكرام الذين تربوا في مدرسة النبوة كانوا يتمازحون فيما بينهم ولكن إذا جدّ الجد كانوا هم الرجال، روى البخاري في (الأدب المفرد): (كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يتبادحون (يترامون) بالبطيخ، فإذا كانت الحقائق كانوا هم الرجال).

وفي الإكثار من المزاح كذلك إماتة للقلب، وتوريث للعداوة، وتجريئ للصغير على الكبير، وقد قال عمر رضي الله عنه: (من كثر ضحكه قلّت هيبته، ومن مزح استُخِفَّ به).

(ب) عدم الأذى فيه والإساءة لأحد:

فالمزاح مندوب إليه بين الأهل والأقرباء، والإخوان والأصدقاء بشرط ألا يكون فيه أذى لأحد، أو استخفاف بمخلوق، أو حزن للغير..

وإليكم طرفاً من هديه عليه الصلاة والسلام في نهيه الأصحاب عن المزاح الذي فيه إساءة:

- في (سنن أبي داود) (والترمذي): عن عبد الله بن السائب عن أبيه عن جده أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يأخذنّ أحدكم متاع أخيه لاعباً ولا جاداً، ومن أخذ عصا أخيه فليردّها".

- وروى أبو داود عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يسيرون مع النبي صلى الله عليه وسلم، فنام رجل منهم، فانطلق بعضهم إلى حبل معه فأخذه، ففزع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يحلّ لمسلم أن يروّع مسلماً".

- وفي يوم الخندق كان زيد بن ثابت رضي الله عنه ينقل التراب مع المسلمين فنعس، فجاء عمارة بن حزم فأخذ سلاحه، وهو لا يشعر، فنهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك.

- وروى البزار والطبراني وابن حبان عن عامر بن ربيعة رضي الله عنه أن رجلا أخذ نعل رجل، فغيّبها وهو يمزح، فذُكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تروّعوا المسلم، فإن روعة المسلم ظلم عظيم".

فما بالك بالذي يستهزئ مازحاً، ويغتاب مازحاً، ويحقّر مازحاً. وينتهك حرمة الدين مازحاً، فإن آثم وواقع في الحرام من حيث يعلم أو لا يعلم؟!!..

(ج) تجنب الكذب وقول الزور:

كثير ممن يتصدرون المجالس ويمزحون يلفقون القصص المضحكة. والحكايات المثيرة لإضحاك الناس، ومباسطتهم، وإدخال السرور عليهم.. ولا شك أن هذه التلفيقات من الكذب أوالزور.. وهي مما نهى الإسلام عنه، وهدّد الرسول عليه الصلاة والسلام من يفعلها، روى أبو داود والترمذي والنسائي والبيهقي عن بُهز بن حكيم عن أبيه عن جده رضي الله عنهم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ويل للذي يحدث بالحديث ليضحك به القوم فيكذبَ ويل له، ويل له".

- وروى أحمد وأبو داود عن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كبُرتْ خيانة أن تحُدّث أخاك حديثاً هو لك مصدّق، وأنت له كاذب".

- وروى أحمد والطبراني عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن العبُد الإيمان كله حتى يترك الكذب في المَزاحة، والمِراء (الجدال) وإن كان صادقاً".

ومن البدع الشائعة في بلادنا بدعة العادة الفاشية بين الناس المسماة بـ (كذبة نيسان).. وهي بدعة قبيحة ممقوتة ذميمة أخذناها عن الغربيين وليست من أخلاقنا الإسلامية، وتقاليدنا الصالحة.. ولا شك أنها من الكذب المحرم، والزّور السافر، والمزاح الباطل..

وإذا كان عليه الصلاة والسلام يعطي أصحابه القدوة الصالحة في كل شيء فإليكم نماذج من مزاحه صلى الله عليه وسلم، لنعرف كيف كان يمزح ولا يقول إلا حقاً:

- روى الترمذي عن أنس رضي الله عنه أن رجلا من أهل البادية كان اسمه زاهراً، وكان يُهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم هدية من البادية، فيجهّزه النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج إلى البادية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن زاهراً بادِيَتُنّا ونحن حاضروه". وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحبه، وكان زاهرا رجلا دميماً، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبيع متاعه، فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصره، فقال زاهر: مَنْ هذا؟ أرسلني، فالتفت زاهر فعرف النبي صلى الله عليه وسلم فجعل لا يألو ما ألصق ظهره بصدر النبي صلى الله عليه وسلم حين عرفه، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من يشتري هذا العبد؟"، فقال: يا رسول الله والله تجدنُي كاسداً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لكن عند الله لست بكاسد أو قال: أنت عند الله غالٍ".

- وفي (سنن أبي داود) عن عوف بن مالك الأشجعي قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، وهو في قبة من أدم (من جلد) – صغيرة – فسلّمت فردّ، وقال: (ادخُلْ) فقلت: أكلّي يا رسول الله؟ قال: "كلُّك" فدخلت.

- وروى الترمذي وأحمد عن أنس رضي الله عنه أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم يستحمله – أي يطلب منه دابة – فقال له صلى الله عليه وسلم: "إني حاملك على ولد الناقة" (ظن الصغير) فقال: يا رسول الله ما أصنع بولد الناقة؟ فقال: (وهل يلد الإبل إلا النوق)؟.

- وروى ابن بكار عن زيد بن أسلم أن امرأة يقال لها أم أيمن الحبشية، جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إنّ زوجي يدعوك، فقال: (من هو؟ أهو الذي بعينيه بياض؟) فقالت: ما بعينيه بياض، فقال: (بلى بعينيه بياض)، فقالت: لا والله، فقال صلى الله عليه وسلم: "ما من أحد إلا بعينيه بياض". ويقصد البياض المحيط بحدقة العين).

- وروى الترمذي عن الحسن البصري رضي الله عنه قال: أتت عجوز إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله ادعُ الله أن يدخلني الجنة، فقال: "يا أم فلان إن الجنة لا يدخلها عجوز" قال: فولّت – أي ذهبت – وهي تبكي، فقال صلى الله عليه وسلم: "أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز، إن الله تعالى يقول:

{إنّا أنشأناهن إنشاءً. فجعلناهُنّ أبكاراً. عُرُباً أتْراباً} الواقعة: 35-37.

ويقصد أنها تدخل الجنة وهي شابة.

فما على المربين إلا أن يأخذوا بهدي النبي عليه الصلاة والسلام في أدب المزاح، ويعلّموه أبناءهم، ليعتادوا عليها في حياتهم الاجتماعية، وفي تعاملهم مع الناس.

التزام الآداب الاجتماعية العامة - أدب التهنئة

ومن الآداب الاجتماعية التي يجب مراعاتها في إعداد الولد تربوياً. وتكوينه اجتماعياً.. تعويده على أدب التهنئة، وتعريفه على كيفيتها وأصولها. لتنمو في شخصيته نزعة حب الاجتماع، وتتوثق روابط المحبة والأخوة مع من يصلهم، ويلتقي معهم، ويرتبط بهم.. وإذا كانت المناسبات التي يعتادها الناس في التهاني كثيرة.. فعلى المربين بشكل عام، والآباء بشكل خاص أن يصحبوا تلامذتهم وأولادهم إلى من يقدمون إليه أحرّ التهاني بمناسبة سعيدة، أو فرح ميمون.. حتى تنطبع الحالة والكيفية في قلوبهم وذاكرتهم.. فتصبح في نفوسهم مع الأيام خلقاً وعادة..

وإذا كان لا بد من أي عمل صالح يقوم به المسلم في الحياة من ثمرة يجنيها، ومن مثوبة عند الله ينالها.. فإن تهنئة المسلم، وملاطفته، وإدخال السرور عليه هو من أعظم القربات في نظر الإسلام، وأحب الأعمال إلى الله بعد الفرائض، بل هو من موجبات المغفرة، والطريق إلى الجنة.

- روى الطبراني في (الصغير) عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لقي أخاه بما يحب لِيَسُرّه بذلك سرّه الله عز وجل يوم القيامة".

- وروى الطبراني في (الكبير) عن الحسن بن علي رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن من موجبات المغفرة إدخالك السرور على أخيك المسلم".

- وروى الطبراني في (الأوسط والكبير) عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن أحب الأعمال إلى الله تعالى بعد الفرائض إدخال السرور علىالمسلم".

- وروى الطبراني عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أدخل على أهل بيت من المسلمين سروراً لم يرض الله له ثواباً دون الجنة".

وللتهنئة آداب نلخصها فيما يلي:

(أ) إظهار الفرح والاهتمام في مناسبة التهنئة:

لما جاء في الصحيحين في قصة توبة كعب بن مالك رضي الله عنه، قال كعب: "سمعت صوت صارخ يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر، فذهب الناس يبشروننا، وانطلقت أتأمم (أقصد) رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقاني الناس فوجاً يهنئونني بالتوبة، ويقولون: (ليِهْنِك توبة الله تعالى عليك) حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم حوله الناس، فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، وكان كعب لا ينساها لطلحة، قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال – وهو يبرق وجهه من السرور - :"أبشر بخير يومٍ مرّ عليك منذ ولدتك أمك"[1].

(ب) التلفظ في المناسبة بعبارات لطيفة وأدعية مأثورة:

السنة النبوية أرشدتنا إلى كلمات بالتهنئة لطيفة، وجمل من الدعاء رقيقة وطريفة، على المسلم أن يتعلمها، ويحسن أداءها، ليقوم على تطبيقها في الوقت المناسب، ولا بأس أن نأتي على بعض هذه الطرائف والكلمات التي أرشد النبي عليه الصلاة والسلام إليها، وأثِرتْ عن أصحابه الكرام والسلف الصالح:

1- تهنئة من وُلد له مولود:

يستحب أن يقال له: "بورك لك بالموهوب، وشكرت الواهب، ورزقت برّه، وبلغ أشدّه".

ويُستَحب أن يردّ المُهّنَّئ فيقول: "بارك الله لك، وبارك عليك، ورزقك الله مثله".

وهذه العبارات مروية عن سيدنا الحسين بن علي، والإمام الحسن البصري رضي الله عنهم.

2- تهنئة لمن قَدِم من سفر:

يستحب أن يقال له: "الحمد لله الذي سلّمك، وجمع الشمل بك وأكرمك"، مروي عن السلف.

3- تهنئة لمن قدم من الجهاد:

يستحب أن يقال له: "الحمد لله الذي نصرك، وأعزك وأكرمك". لما روى مسلم والنسائي وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزو، فلما دخل استقبلته فأخذت بيده فقلت: "الحمد لله الذي نصرك، وأعزك وأكرمك"، ولا بأس أن يقال له كذلك: "الحمد لله الذي سلّمك، وجمع الشمل بك وأكرمك".

4- تهنئة لمن قدم من حج:

يستحب أن يقال له: "قَبِل الله حجّك، وغفر ذنبك، وأخلف نفقتك"، لما روى ابن السني عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "جاء غلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني أريد الحج، فمشى معه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا غلام، زوّدك الله التقوى، ووجّهك في الخير، وكفاك الهمّ"، فلما رجع الغلام على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا غلام قبل الله حجّك، وغفر ذنبك، وأخلف نفقتك".

5- تهنئة عقد النكاح:

يستحب أن يقال لكل من الزوجين بعد النكاح: (بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خير)، لما روى أبو داود والترمذي وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفّاً الإنسان (أي إذا تزوّج). قال: بارك الله لك وبارك عليك وجمع بينكما في خير".

ويكره أن يقال له: (بالرِّفأ[2] والبنين)، لأن ذلك من تهاني الجاهلية، روى أحمد والنسائي وغيرهما عن عقيل بن أبي طالب أنه تزوج امرأة من جشم، فدخل عليه القوم: فقالوا: بالرفاء والبنين، فقال: لا تفعلوا ذلك، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، قالوا: فما نقول يا أبا زيد؟ قال: قولوا: "بارك الله لكم، وبارك عليكم" إنا كذلك كنا نؤمر.

6- التهنئة بالعيد:

يستحب أن يقول المسلم للمسلم بعد صلاة العيد: "تقبل الله منا ومنك". قال في (المقاصد) مروي في العيد: أن خالد بن معدان لقي واثلة بن الأسقع في يوم عيد فقال له: "تقبل الله منا ومنك"، فقال له مثل ذلك، وأسنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

7- تهنئة من صنع إليه معروفاً:

يستحب أن يقال لمن صنع إليه معروفاً: "بارك الله لك في أهلك ومالك، وجزاك الله خيراً" لما روى النسائي وابن ماجة عن عبد الله بن أبي ربيعة قال: استقرض النبي صلى الله عليه وسلم مني أربعين ألفا فجاءه مال فدفعه إليّ وقال: "بارك الله في أهلك ومالك، إنما جزاء المُسْلف (المقرض) الحمد والثناء".

وروى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ صُنع إليه معروف فقال لفاعله: (جزاك الله خيراً)، فقد بلغ في الثناء".

والأفضل في حق المهنِّئ أن يتقيد بالمأثور، وإذا أحب أن يزيد بتعابير من عنده فيها رقة ولطافة، ودعاء.. فله ذلك بشرط ألا تكون هذه التعابير مقتبسة من أصل أجنبي، ومأخوذة من تقليد جاهلي لتتسم بالتميز العقيدي. والأصلة الإسلامية...

(ج) تستحب المهاداة مع التهنئة:

ومن الأمور المستحبة في التهنئة تقديم الهدية لأهل المولود أوالقادم من سفر أو الذي دخل ليلة الزفاف أو غيرها من المناسبات، للأحاديث التي تحض على المهاداة وترغب فيها:

- روى الطبراني والعسكري عن عائشة رضي الله عنها مرفوعاً: "تهادوا وهاجروا تورثوا أبناءكم مجداً، وأقيلوا الكرام عثراتهم".

- وللطبراني في (الأوسط) عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا نساء المؤمنين تهادين ولو فرسن[3] شاة فإنه ينبت المودة، ويذهب الضغائن).

- وروى البخاري في (الأدب المفرد) وأحمد.. عن أبي هريرة مرفوعاً: "تهادوا فإن الهدية تذهب وَحَرَ[4] الصدر".

- وللديلمي عن أنس مرفوعاً: "عليكم بالهدايا فإنها تورث المودة. وتذهب الضغائن".

- وروى الطبراني في (الأوسط) عن عائشة مرفوعاً: "تهادوا تحابوا".

فإذا كانت هذه الأحاديث تؤكد ظاهرة المهاداة بين أبناء المجتمع في غير المناسبات.. فتأكيدها المهاداة في مناسبات التهنئة والأفراح أظهر وأبلغ.. لما لهذه المهاداة من أثر بليغ في تماسك الأمة، ووحدة الجماعة، وزرع بذور المحبة أو الإخاء والصفاء في تربية المجتمع المسلم، والشعب المؤمن.. فما على المربين إلا أن يرسّخوا آدب التهنئة في أُسَرهم وأولادهم، حتى يعتادوها في حياتهم الاجتماعية، وفي تعاملهم مع الناس..

[1] تتلخص قصة كعب أنه تخلف عن عزوة تبوك من غير عذر، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بمقاطعته خمسين يوماً، وبعد الخمسين تزلت الآيات في توبته وتوبة صاحبيه، وكان ما كان من أمر التهنئة. ارجع إلى رياض الصالحين تجد القصة بتمامها في باب "التوبة".

[2] الرفاء: بكسر الراء وبالمد: وهو الاجتماع.

[3] فرسن شاة: ظلف شاة (أي المقدم).

[4] وحر الصدر: غشه وحقده.

التزام الآداب الاجتماعية العامة - أدب عيادة المريض

ومن الآداب الاجتماعية الهامة التي على المربين أن يعيروها اهتمامهم، ويعوّدوها أطفالهم أدب عيادة المريض، لتتأصّل في نفس الطفل منذ نعومة أظفاره ظاهرة المشاركة الوجدانية، وظاهرة التحسس بآلام الآخرين، ولا يخفى أن هذه الظاهرة إذا تمت وتعمّقت في نفوس الصغار منذ نشأتهم درجوا على الحب والإيثار والتعاطف.. بل تصبح هذه المعاني في نفوسهم خُلقاً وعادة.. فلا يقصرون في حق ولا يتقاعسون عن واجب.. بل يشاركون أبناء المجتمع في سرَّائهم وضرَّائهم، ويتحسسون آمالهم وآلامهم، ويقاسمونهم أفراحهم وأحزانهم.. وهذا لعمري غاية ما يحرص عليه الإسلام في تكوين المجتمع، وتربية الأفراد.. على خصال الخير، ومبادئ الفضيلة والأخلاق..

من أجل هذا كله أمر الإسلام بعيادة المريض.. بل جعل هذه العيادة من حق المسلم على المسلم.

- روى الشيخان عن البراء بن عازب رضي الله عنهما: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإبرار المقسم، ونصرة المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام".

- وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس".

ومن أجل هذا كان الصحابة رضوان الله عليهم يتسابقون إلى الخيرات والتي منها عيادة المريض ليحظوا بالجنة في مقعد صدق عند مليك مقتدر. روى البخاري في (الأدب المفرد) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أصبح اليوم منكم صائماً؟ قال أبو بكر: أنا، قال: من عاد منكم اليوم مريضاً؟ قال أبو بكر: أنا، قال من شهد منكم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا، قال: من أطعم اليوم منكم مسكيناً؟ قال أبو بكر: أنا"، قال (مروان) أحد رواة الحديث: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما اجتمعت هذه الخصال في رجل إلا دخل الجنة".

ولعيادة المريض آداب نرتبها فيما يلي:

(أ) المسارعة إلى عيادته:

لقوله عليه الصلاة والسلام: "إذا مرض فعده"، فينبغي أن تكون العيادة – كما دل عليه الحديث – من أول المَرَض.

ولكن هناك أحاديث تدل على أن العيادة بعد ثلاثة أيام، فمن هذه الأحاديث:

ما رواه ابن ماجة والبيهقي قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يعود مريضاً إلا بعد ثلاث".

وروى الطبراني في (الأوسط) عن ابن عباس رضي الله عنهما: "العيادة بعد ثلاثٍ سُنّة".

ومما يروى عن الأعمش: "كنا نقعد في المجلس فإذا فقدنا الرجل ثلاثة أيام سألنا عنه فإن كان مريضاً عدناه"، وللتوفيق بين هذه الأحاديث أقول: إذا كان المرض خطيراً فالمسارعة مطلوبة، وأما إذا كان عاديّاً فبعد ثلاثة أيام لما ورد.

(ب) تخفيف العيادة أو إطالتها على حسب المريض:

فإن كان المريض في حالة خطيرة يحتاج إلى من يتعهده ويقوم على أمره – ولا سيما النساء – فالعيادة ينبغي أن تكون خفيفة للغاية، وإن كان المريض في حالة مرضية، يستأنس بالذين يجلسون معه، ويتحدثون إليه فلا بأس بالإطالة المعتدلة.. أما الدخول على المريض فالأفضل أن يكون يوماً بعد يوم إن كانت حالة المريض حسنة، للحديث الذي رواه البزار والبيهقي والطبراني والحاكم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "زُرْ غِبّاً[1] تزدد حبّاً".

وما أحسن قول ابن دريد:

عليكَ بإغباب[2] الزيارة إنها

إذا كثرتْ كانت إلى الهجر مسلكا

فإني رأيت الغيثَ يُسأم دائباً

ويُسأل بالأيدي إذا هو أمسكا

(ج) الدعاء للمريض عند الدخول عليه:

روى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعود أهله يمسح بيده اليمنى ويقول: "اللهم ربَ الناس، أذهب البأس (المرض)، اشفِ أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً".

وروى أبو داود والترمذي والحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من عاد مريضاً لم يحضره أجله فقال عنده سبع مرات: "أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك" إلا عافاه الله من هذا المرض.

(د) تذكير المريض بوضع يده على موضع الألم والدعاء لنفسه بالمأثور:

لما روى مسلم عن أبي عبد الله عثمان بن أبي العاص أن شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعاً يجده في جسده، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ضع يدك على الذي يألم من جسدك وقل: بسم الله – ثلاثاً – وقل سبع مرات: أعوذ بعزة الله وقدرته من شرِّ ما أجد وأحاذر".

(هـ) استحباب سؤال أهل المريض عن حاله:

لما روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجعه الذي تُوفي فيه عليه الصلاة والسلام، فقال الناس: يا أبا الحسن كيف أصبح رسول الله؟ قال: "أصبح بحمد الله بارئاً".

(و) استحباب قعود العائد عند رأس المريض:

لما روى البخاري في (الأدب المفرد) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا عاد المريض جلس عند رأسه ثم قال سبع مرات: "أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك" فإن كان في أجله تأخير عُوفي من وجعه.

(ز) استحباب تطييب نفس المريض بالشفاء والعمر الطويل:

لما روى الترمذي وابن ماجة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دخلتم على مريض فنفّسوا له في أجله (بطول العمر)، فإن ذلك لا يردّ شيئاً، ويطيّب نفسه"، ويقال له: (لا بأس طهور إن شاء الله) كما جاء في حديث ابن عباس.

(ح) استحباب طلب العوّاد الدعاء من المريض:

لما روى ابن ماجة وابن السني عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دخلت على مريض فمره فليدع لك، فإن دعاءه كدعاء الملائكة".

(ط) تذكيره بلا إله إلا الله إن كان في حال الاحتضار:

لما روى مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله".

وروى أبو داود والحاكم عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ كان أخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة". هذه أهم الآداب التي شرعها الإسلام في عيادة المريض، فعلى المربين أن يقوموا على تنفيذها، ويعلّموها أبناءهم حتى يعتادوها في حياتهم الاجتماعية، وفي تعاملهم مع الناس!!...

[1] غبا: الغب الزيارة فترة بعد فترة، وقيل أسبوعا بعد أسبوع.

[2] بإغباب: بإقلال.

التزام الآداب الاجتماعية العامة - أدب التعزية

من الآداب الاجتماعية التي يجب على المربين أن يعتنوا بها ويهتموا لها أدب التعزية لمن مات لهم ميت أو فقدوا عزيزاً غالياً.. ومعنى التعزية تصبير أهل الميت بكلمات لطيفة أو بعبارات مأثورة تسلي المصاب، وتخفف حزنه. وتهوِّن عليه المصيبة، والتعزية مستحبة ولو كان ذميّاً، لما روى ابن ماجة والبيهقي عن عمرو بن حزم – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من مؤمن يعزّي أخاه بمصيبته إلا كساه الله عز وجل من حُلل الكرامة".

وروى الترمذي والبيهقي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ عزّى مصاباً فله مثل أجره".

وينبغي أن تكون التعزية لجميع أهل الميت وأقاربه الكبار والصغار، والرجال والنساء[1]... سواء أكان ذلك قبل الدفن أو بعده إلى ثلاثة أيام، إلا إذا كان المعزِّي أو المعزَّي غائباً فلا بأس بالتعزية بعد الثلاث.

وللتعزية آداب أهمها:

(أ) التلفظ بالمأثور إن أمكن:

يقول الإمام النووي في كتابه (الأذكار): وأحسن ما يعزّى به، ما روينا في صحيحي البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: "أرسلت إحدى بنات النبي صلى الله عليه وسلم إليه تدعوه وتخبره أن صبيّاً لها في الموت، فقال لمن أرسلته: ارجع إليها فأخبرها (أن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى)، فمرها فلتصبر ولتحتسب...".

ويقول الإمام النووي: وأما لفظ التعزية فلا حجر فيه، فبأي لفظ عزّاه حصلت، واستحب أصحابنا أن يقول في تعزية المسلم للمسلم: "أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وغفر لميتك"، وفي تعزية المسلم بالكافر: "أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك"، وفي تعزية الكافر بالمسلم: "أحسن الله عزاءك، وغفر لمتيك"، وفي تعزية الكافر بالكافر: "أخلف الله عليك".

(ب) استحباب صنع الطعام لأهل الميت:

استحب الشرع الإسلامي صنع الطعام لأهل الميت لأنه من البر والإحسان وتقوية الصلات الاجتماعية، ولأن أهل الميت مشغولون بصاحبهم.. ومكلومون بمصابهم، روى أبو داود وابن ماجة والترمذي عن عبد الله بن جعفر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اصنعوا لآل جعفر طعاماً[2]، فإنه قد أتاهم أمر يشغلهم".

واتفق الأئمة على كراهة صنع أهل الميت طعاماً للناس يجتمعون عليه، لحديث جرير قال: "كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت، وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة"[3].

وأما ما يفعله الناس اليوم من صنع طعام، أو تقديم ضيافة أثناء التعزية فمن البدع السيئة التي ما أنزل الله بها من سلطان، وعلى المعزّي أن يرفض أيا ضيافة تقدم إليه لكونها تتنافى مع الهدي النبوي، والأدب الإسلامي.

(ج) إظهار التأسي لمن يواسيهم ويعزيهم:

وذلك بالتخشع عند الإنصات إلى القرآن الكريم، والتحدث بأحاديث تتفق مع المصيبة، والتلفظ بألفاظ التعزية المأثورة، والمروية عن السلف، إلى غير ذلك مما يتفق مع هول المناسبة، وترتبط بالتعزية...

أما أن يبتسم، أو يضحك، أو يلغو بكلام باطل، أو يخوض في أحاديث غير مناسبة، أو يأتي بنكات مضحكة.. فيكون قد أساء في حضرة من يُعزّيه، ووقع في الإثم من حيث يعلم أو لا يعلم.

فالترحم على الميت، وإظهار الحزن عليه، وتعداد مآثره.. هو أفضل ما يعزّى به أهل الميت، وهكذا كان السلف يفعلون، وعلى هذا المنهج يواسون ويُعزّون: روى أبو داود والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما حديثاً طويلاً قال فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة رضي الله عنها: "ما أخرجك يا فاطمة من بيتك، قالت: أتيت أهل هذا البيت، فترحمت إليهم ميتهم أو عزّيتهم به".

(د) النصح بالمعروف عند رؤية المنكر:

قد يفاجأ المعزِّي بوجود بدع ومنكرات في المكان الذي تكون فيه التعزية، كتصدير صورة الميت، أو تدخين الناس والقارئ يقرأ، أو عزف موسيقى حزينة، أو تقديم ضيافة إلى المعزّين، أو غير ذلك من المنكرات المنهيّ عنها في الدين، فما هو موقفه منها، بل ما هو الواجب الذي يحتمه عليه الإسلام؟

الواجب عليه أن يكون جريئاً بالحق ناصحاً بالمعروف لا تأخذه في الله لومة لائم.. ولا يمنعه هول المناسبة في أن يتكلم الحق، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ولا يمنعه خشية الناس أن ينصح ويقول، ويأمر وينهى، فالله سبحانه أحق أن يخشاه.

روى ابن ماجة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يحقّرنّ أحدكم نفسه، قالوا: يا رسول الله: وكيف يحقِّر أحدنا نفسه؟ قال: يرى أن عليه مقالا ثم لا يقول فيه، فيقول الله عز وجل يوم القيامة: ما منعك أن تقول فيّ كذا وكذا؟ فيقول: خشية الناس، فيقول: فإيايَ كنتَ أحقَّ أن تخشى.

والنبي صلى الله عليه وسلم لما كان يبايع أصحابه يبايعهم على السمع والطاعة والنصح لكل مسلم، روى الشيخان عن جرير رضي الله عنه قال: "بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة والنصح لكل مسلم".

وقد أنذر النبي صلى الله عليه وسلم الذي يقدرون أن يغيّروا المنكر ولا يغيّرونه، أنذرهم بعقاب من الله قبل أن يموتوا، روى أبو داود عن جرير بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من رجل يكون في قوم يُعمَل فيهم بالمعاصي يقدرون أن يُغيروا عليه، ولا يُغيرن إلا أصابهم الله منه بعقاب قبل أن يموتوا".

ولا شك أن الأمر بالمعروف ينبغي أن يكون بالرفق واللين، والموعظة الحسنة والأسلوب المناسب الحكيم.. عسى أن تفتح للموعظة قلوب، وتتأثر بها نفوس.. ورُبَّ كلمة لينة رفيقة حكيمة مخلصة بدَّلت السامع إلى إنسان آخر، فأصبح من زمرة عباد الله الصالحين المؤمنين، وصدق الله العظيم القائل: {ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمةِ والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} النحل: 125. هذه أهم القواعد التي وضعها الإسلام في أدب التعزية، فما على المربين إلا أن يرشدوا إليها أبناءهم حتى يعتادوها في حياتهم الاجتماعية وفي تعاملهم مع الناس!!..

[1] استثنى العلماء المرأة الشابة فقالوا: لا يعزيها إلا محارمها.

[2] أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهذا بعد أن أعلم آل جعفر بمقتل جعفر بن أبي طالب في غزوة تبوك.

[3] استثنى الفقهاء من يحضر من أماكن بعيدة للتعزية، ولا يمكن لأهل الميت إلا أن يضيفوه.

التزام الآداب الاجتماعية العامة - أدب العطاس والتثاؤب

ومن الآداب الاجتماعية التي أمر الإسلام بها وحض عليها أدب العطاس، وأدب التثاؤب، فعلى المربين أن يعوّدوها أبناءهم، ويعيروها اهتمامهم.. ليظهر الأولاد في المجتمع بمظهر لائق كريم بالتزامهوم هذه الآداب، وتحققهم بهاتيك الأخلاق.

ولكن ما هو أدب العطاس الذي أرشد إليه نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام؟

(أ) التقيد بألفاظ الحمد والرحمة والهداية كما ثبت في السنة:

لما روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا عطس أحدُكم فليقل: الحمد لله، وليقل له أخوه أو صاحبه: يرحمك الله، فإذا قال له، يرحمك الله، فليقل: يهديكم الله ويصلح بالكم"، وفي رواية أبي داود والترمذي فليقل: (يغفر الله لنا ولكم).

فنستنتج من هذه الأحاديث الأمور التالية:

يقول العاطس: (الحمد لله) أو (الحمد لله رب العالمين) أو (الحمد لله على كل حال)[1].

ويقول له صاحبه: "يرحمك الله".

ويجيب العاطس: (يهديكم الله ويصلح بالكم)، أو (يغفر الله لنا ولكم).

وعلى المسلم أن يتقيد بهذه الكلمات لأنها مأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

(ب) لا يُشَمَّت العاطس إذا لم يحمد الله:

لما روى مسلم عن أبي موسى رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمّتوه، فإذا لم يحمد الله فلا تشمتوه".

وروى الشيخان عن أنس رضي الله عنه قال: "عطس رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم فشمَّت أحدهما ولم يُشمِّت الآخر، فقال الذي لم يشمته: عطس فلان فشمّته وعطست فلم تشمتني؟ فقال عليه الصلاة والسلام: "هذا حَمِد الله، وأنت لم تحمد الله".

ولا بأس أن يُذكر بعض الحاضرين بالحمد، ليتذكر العاطس حمد الله بعد عطاسه.

(ج) وضع اليد أو المنديل على الفم والتخفيض من الصوت ما أمكن:

لما روى أبو داود والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عطس وضع يده أو ثوبه على فمه، وخفّض – أو غضّ – بها صوته".

وروى ابن السني عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله عز وجل يكره رفع الصوت والتثاؤب والعطاس".

(د) التشميت إلى ثلاث مرات:

إذا تكرر العطاس من إنسان بشكل متتابع، فمن السنة أن يشمّته إلى أن يبلغ ثلاث مرات. لما روى مسلم وأبو داود والترمذي عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه: "عطس رجل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا شاهد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يرحمك الله، ثم عطس الثانية أو الثالثة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يرحمك الله، هذا رجل مزكوم" أي مصاب بالزكام (الرشح).

ولا يشمّت بعد ثلاث مرات لما روى ابن السني عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا عطس أحدكم فليشمّته جليسه، وإذا زاد عن ثلاثة فهو مزكوم، ولا يشمّت بعد ثلاث".

واستحب كثير من العلماء أن يدعو له جليسه بالعافية والسلامة بعد ثلاث مرات، ولا يكون من باب التشميت.

(هـ) يُشَمَّت غير المسلم بيهديكم الله:

لما روى أبو داود والترمذي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كان اليهود يتعاطسون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجون أن يقول لهم: "يرحمكم الله"، فيقول: "يهديكم الله ويصلح بالكم".

(و) لا تُشمّت المرأة الشابة الأجنبية:

ذهب أكثر أهل العلم والاجتهاد أنه "يكره كراهة تحريم أن يشمّت الرجلُ المرأة الأجنبية إذا عطست ولا يكره ذلك للعجوز".

كرهوا ذلك للشابة سدّاً للذريعة، وقطعاً لدابر الفتنة.

قال ابن الجوزي: وقد روينا عن أحمد بن حنبل رضي الله عنه "أنه كان عنده رجل من العُبّاد، فعطست امرأة الإمام أحمد، فقال لها العابد: يرحمك الله، فقال الإمام أحمد: عابد جاهل". ويقصد أنه جاهل بكراهية تشميت المرأة الأجنبية.

أما أدب التثاؤب فهو كما يلي:

(أ) ردّ التثاؤب ما استطاع:

لما روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله تعالى يحب العطاس، ويكره التثاؤب، فإذاعطس أحدكم وحمد الله تعالى، كان حقاً على كل مسلم سمعه أن يقول له: يرحمك الله، وأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع، فإن أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشيطان".

(ب) وضع اليد على الفم إذا ملكه التثاؤب:

لما روى مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فِيه (فمه) فإن الشيطان يدخل"، وذهب كثير من أهل العلم والاجتهاد إلى استحباب وضع اليد على الفم عند التثاؤب في الصلاة أو خارجها.

(ج) يكره رفع الصوت عند التثاؤب:

لما روى مسلم وأحمد والترمذي.. عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب، فإذا تثاءب أحدكم فلا يقل: هاه هاه، فإن ذلك من الشيطان يضحك منه".

وروى ابن السني عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله عز وجل يكره رفع الصوت بالتثاؤب والعطاس".

فائدة:

مما يروى عن السلف أن من ملكه التثاؤب وتخيّل بذاكرته أنه عليه الصلاة والسلام لم يتثاءب قط يذهب عنه التثاؤب بإذن الله.

هذه أهم القواعد التي وضعها الإسلام في أدب العطاس والتثاؤب، فما على المربين إلا أن يحرصوا على تطبيقها في أسرهم وبين أولادهم وأهليهم، حتى يعتادوها في حياتهم الاجتماعية وفي تعاملهم مع الناس!!..

تلكم أظهر القواعد والأسس في أدب الاجتماع، وفي أصول التعامل واللقاء.. وكم يحظى المسلم بالاحترام، ويكون محل تقدير وإجلال، حينما يطبق هذه الآداب عملياً، ويظهر فيها اجتماعياً، ويحققها سلوكياً..

وكم تبلغ قمة المُثُل والأخلاق حينما يعرف المسلم الأدب في طعامه وشرابه، وفي سلامه واستئذانه، وفي مجالسته وحديثه، وفي طرائفه ومزاحه، وفي تهنئته وتعزيته، وفي عطاسه وتثاؤبه..؟ وفي آداب أوجبها الإسلام على الصغير والكبير، والمرأة والرجل، والحاكم والمحكوم، والأمير والسوقة، والعالم والعامّي.. لتظهر في الوجود الإنساني معالم المجتمع الفاضل متجسدة في المسلمين على اختلاف أجناسهم ولغاتهم، وتباين ألوانهم وثقافاتهم..

وقد تجسدت هذه الآداب في المجتمع الإسلامي حقبة من الزمن لمّا كان للمسلمين دولة وكيان، وحكومة وسلطان.. ولماّ كان الخليفة المسلم يفرض هذه الآداب فرضاً، ويراقب من يقوم على تطبيقها أو يقصر فيها.. ولماّ كان المجتمع الإسلامي متكافلا متضامناً في النصح والتناصح، والرقابة والنقد الاجتماعي، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. وكان الناس في هذه الحقبة يدخلون في الإسلام أفواجاً وجماعات.. لأنهم كانوا حينما ينظرون إلى المسلمين يرون الإسلام متجسداً في أدبهم وأخلاقهم، متمثلاً في سلوكهم ومعاملتهم، متحققاً في أخذهم وعطائهم.. فمن الطبيعي أن يدخل الناس في عدل الإسلام، وأن يؤمنوا برسالته عن طواعية واختيار، وهذه هي أخلاق المسلمين وآدابهم الاجتماعية!!..

وأنه لا يصلح آخر هذه الأمة بما صَلُحَ عليه أولها.. فما على المربين اليوم إلا أن يشحذوا هممهم، ويجمّعوا قواهم، ويطلقوا نشاطهم وعزائمهم في تربية هذا الجيل المسلم الناشئ على هذه الآداب الاجتماعية الفاضلة، وأن يبدؤوا معهم منذ الصغر، لتكون الثمرات أفضل، والنتائج أحسن، والله سبحانه سيثيبهم خيراً، ويدّخر لهم يوم القيامة أجراً إذا هم قاموا بهذه المسؤولية، وأدوا ما عليهم من واجب، والله يجزي العاملين الصادقين المخلصين، ولا يضيع أجر من أحسن عملا.

وفي الختام أحب أن أشير إلى مسألتين هامتين:

(أ) هذه الآداب الاجتماعية – التي سبق ذكرها – لم يعتن بها دين أو عقيدة أو مجتمع كالإسلام والمسلمين.

(ب) هذه الآداب تدل على أن الإسلام دين اجتماعي جاء لإصلاح المجتمعات الإنسانية لا ديناً فرديا ولا تشريعاً كهنوتيا.. كما أنه ليس حبراً على ورق أو كتاباً على الرّف..

{هذا خَلْقُ الله فأروني ماذا خَلَقَ الذين من دونه بل الظالمون في ضلالٍ مبين} لقمان: 11.

[1] كما جاء في بعض الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم ارجع إلى كتاب "الأذكار" للنووي "تشميت العاطس وحكم التثاؤب".

المراقبة والنقد الاجتماعي - حراسة الرأي العام وظيفة اجتماعية

ومن المبادئ الاجتماعية الهامة في تكوين الولد سلوكياً، وتربيته اجتماعياً.. تعويد الولد منذ نعومة أظفاره على رقابة المجتمع، والنقد الاجتماعي البنّاء لكل من يعايشهم، وينتمي إليهم، ويلتقي معهم، والنصح لكل إنسان يُرى منه شذوذا أو انحرافاً.

وبالاختصار تعويد الولد منذ نشأته على واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو من قواعد الإسلام الأساسية في حراسة الرأي العام، وفي محاربة الفساد والانحراف، وفي الحفاظ على قيم الأمة ومُثُلها وأخلاقها..

فما أحوجنا إلى مربين جادين وواعين يغرسون في الطفل منذ أن يفتح عينيه خلق الجرأة والشجاعة وقوله الحق.. حتى إذا بلغ الولد السن التي تؤهله في أن ينقد، وأن ينصح، وأن يقول.. قام بواجب النصح، ومسؤولية النقد خير قيام، بل انطلق في مضمار الدعوة إلى الله، وفي تبليغ رسالة الإسلام. وفي تقويم الاعوجاج والانحراف.. دون أن يأخذه في الله لومة لائم، ودون أن يصده عن إعلان كلمة الحق مستبد أو ظالم.

ولكن ما هي الأصول والمراحل في تكوين الولد على النقد الاجتماعي. وحراسة الرأي العام؟

الآن أضع بين يدي المربين جميعاً أهم هذه الأصول والمراحل حتى يقوموا بمسؤوليتهم بواجب التربية والإعداد والتكوين:

1- حراسة الرأي العام وظيفة اجتماعية:

فرض الإسلام حراسة الرأي العام الذي يتمثل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على مجموع الأمة على اختلاف أصنافها وأنواعها دون أن يكون بينها تفريق أو تمييز، فرضها على الحكام والعلماء، على الخاصة والعامة، على الرجال والنساء، على الشيب والشباب، على الصغار والكبار، على الموظفين والعمال.. على الكل على حد سواء، واعتبر هذه المهمة وظيفة اجتماعية لا يُعفى منها أي إنسان، كل على حسب حاله، وحسب طاقته، وحسب إيمانه..

والأصل في هذا قوله تبارك وتعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} آل عمران: 110.

وقوله تبارك وتعالى في وظيفة المؤمنين الاجتماعية: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم} التوبة: 71.

والنبي صلوات الله وسلامه عليه حين كان يأخذ البيعة من أصحابه، ومن كل من ينتمي إلى جماعة المسلمين.. كان عليه الصلاة والسلام يعاهدهم على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره.. وعلى أن يقولوا بالحقّ أينما كانوا ولا يخافون في الله لومة لائم..

روى الشيخان عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: "بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثَرةٍ علينا (الإيثار)، وألاّ ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان، وعلى أن نقول بالحق أينما كُنّا، لا نخاف في الله لومة لائم".

وقد مثّل لهم عليه الصلاة والسلام رقابة المجتمع للفرد، ورقابة الفرد للمجتمع بمثال السفينة، ليؤكد لكل مسلم وظيفته الاجتماعية في الرقابة والنقد الاجتماعي، والأخذ على يد الظالم، حتى تسلم للأمة عقيدتها وأخلاقها، ويتحقق لها كيانها ووجودها، وتكون دائماً في مأمن من عبث العابثين، واستبداد الطغاة الظالمين.

روى البخاري والترمذي عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا (اقترعوا) على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقَوْا من الماء مبرّوا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً، ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا وهلكوا جميعاً، وإنْ أخذوا على أيديهم نجوْا ونجوا جميعاً".

- ومما يؤكد وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على جميع أبناء الأمة الإسلامية، وأنه وظيفة اجتماعية على كل فرد مسلم استحقاق بني إسرائيل لعنة الله لعدم تناهيهم عن المنكر، ولا يستحق الإنسان لعنة الله إلا إذا ترك أمراً واجباً في عنقه، فدلت آية: {لُعِنَ الذين كفروا من بني إسرائيل..} على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل مسلمٍ رجالا ونساء، شيباً وشباناً، صغاراً وكباراً.. ويدل على هذا الوجوب أيضاً قوله عليه الصلاة والسل