بين العمل الفردي والعمل الجماعي

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
بين العمــــل الفردى والعمل الجماعى

بقلم/ الدكتور عبدالله ناصح علوان .. أستاذ الدراسات الاسلامية بجامعة الملك عبد العزيز بجــــــدة


ترجمة المؤلف رحمه الله

ولادته ونشأته :

ولد ـ رحمه الله ـ فى حى قاضى عسكر بمدينة حلب سنه 1928 فى أسرة متدينة معروفة بالتقى والصلاح تربى فى ظل والده الصالح الشيخ سعيد علوان ـ رحمه الله ـ وكان الناس فى حلب يقصدون سعيدا طلبا للتدواى فقد كان طبيبا وصيدليا يداوى الناس بالأعشاب والمراهم وكان لسانه لا يهدأ عن ذكر الله وقراءة القرآن وكان يدعو ربه أن يجعل من أبنائه العالم الحكيم والطبيب المسلم وقد استجاب الله لدعائه .

عندماانتهى فقيدنا من المرحلة الابتدائية وجهه والده عام 1943 الى درا سة العلم الشرعى فى الثانوية الشرعية وكانت تعرف فى ذلك الوقت بالخسروية نسبة الى بانيها خسرو باشا وكان يقوم بالتدريس فى تلك المدرسة علماء قل نظيرهم فى ذلك الزمن وفى هذا العصر أيضا علماء وهبوا حياتهم للعلم وأخلصوا فى عملهم وكانوا أساتذة المدرسة يعاملون طلابهم كأبناء لهم وكأخوة لهم وقد تأثر فقيدنا بالشيخ راغب الطباخ مؤرخ حلب ومحدثها صاحب كتاب " إعلام النبلاء 0بتاريخ حلب الشهباء " وتأثر ـ أيضا ـ بالدكتور الشيخ مصطفى السباعي ـ رحمه الله ـ .

انتسب فقيدنا الى جماعة الإخوان المسلمين فى بداية شبابه وعرف بين زملائه فى المدرسة بالجرأة فى الحق والشجاعة فى مواجهة الآحداث .. وبدت الشخصية القيادية فى تصرفاته وعرف فى المدرسة بالخطابة والقلم المعبر عن أحاسيس المسلمين وكان بيته فى قاضى عسكر منتدى ومجمعا لأصدقائه ولأسا تذته .

دراســـــته :

نال شهادة الثانوية الشرعية فى سنة 1949 وتوجيه من والده سافر الى مصر لاستكمال تحصيله فى علوم الشريعة الاسلامية.

شارك فى الأزهرونال شهادة كلية أصول الدين سنة 1952ثم نال شهادة تخصص التدريس سنة 1954وفى مصر كان له نشاط إسلامى واسع وزيارات متبادلة مع كبار رجال الدعوة الاسلامية فى مصر أمثال الشهيدين عبد القادر عودة وسيد قطب والأستاذ عبد البديع صقر ـ رحمهم الله وأسكنهم فسيح جناته ـ وكان الفقيد على صلة طيبة بالشيخ يوسف القرضاوي حيث كانا فى كلية واحدة .

وحين عم البلاء الاسلاميين فى مصر سنة 1954 ووقعت المحنة وأصاب الأذى فقيدنا فاعتقل وكان قد بقى له عدة مواد حتى يؤيديها ويتخرج من الجامعة فكان يؤتى به الى الفحص مقيد اليدين وحين انتهت الاختبارات اقتيد الى الطائرة لتنقله الى وطنه ولم تسمح له حكومة مصر ـ فى ذلك الوقت ـ أن يكمل دراسته ويحصل على شهادة الدكتوراة .

عمله فى التدريس ومجال الدعوة :

عين الشيخ عبد الله فى عام 1954 مدرسا لمادة التربية الاسلامية فى ثانويات حلب فكان خير مرب للأجيال غرس فى طلابه حب الإسلام والعمل على نصر شريعة الله .

كان لمادة الربيةالاسلامية فى سوريا حصة واحدة فى الأسبوع وكان طلبة الشهادات لا يختبرن فيها فسعى مع إخوان له على جعل حصتين فى الأسبوع لمادة التربية الاسلامية وإدخال تلك المادة فى امتحانات الشهادات فى سوريا .

فى تلك الفترة انتشرت بين صفوف الطلبة الأفكار القومية والمبادىء الإلحادية فتصدى فقيدنا بقوة لمروجى الأفكار الهدامة التى تشوه معالم الدين وكانت له مواقف مشهورة عرفها طلابه فى تلك الأيام .

كان الفقيد على علاقات اجتماعية جيدة يزور القريب والبعيد ويشارك فى أفراح الناس وأحزانهم كان شعله متدفقة بالحيوية . كان الشيخ مريبا ومعلما وواعظا فى المدرسة وكان يقوم بدور كبير فى بيوت الله لا يعرف الراحة بل يجهد نفسه بالعمل مع شعور بالرضا والسعادة .

كانت مساجد حلب تزخر بالشباب المسلم المتعطش لسماع كلمة صادقة عن هذا الدين وكانت المناسبات الدينية أعراسا لقلوب المسلمين فيهرعون الى المساجد لسماع كلمة الحق وكان شيخنا لا يتخلف ولا يعتذر عن أى دعوة توجه له لإلقاء كلمة فى مناسبة إسلامية أو حفلة خاصة ولم تقف الأمطار أو الحرارة الشديدة أمام جهد الشيخ فقد كان ينتقل من مسجد الى مسجد أو من قرية أو قرية متحدثا وخطيبا وداعيا الى الله .

واستطاع أن يشجع أصحاب الهمم على العمل فى المساجد حتى لا تفسد الجاهلية عقول الشباب وتجرفها فى تيارها فامتلأت المساجد بحلقات العلم من الشباب والأولاد .

أقام الشيخ دروسا دورية فى مسجد عمر بن عبد العزيز درس فيه الفقه والسيرة هذه الدروس كانت مدرسةلعدد كبير من الشباب الذى كان يسعى لفهم الإسلام والعمل بهديه وقد علم الكثيرمن الشباب الخطابة وإلقاء الدروس وكان يجلس أمامهم مصغيا وموجها ليستقيم لها البيان وتربى فى هذه المدرسة عدد كبير من الشباب بعضهم قضى نحبه وكان فى عمر الزهور أيام المحنة كان الشيخ على صلة طيبة مع علماء سوريا وكان ينتقل من مدينة الى مدينة داعيا الى توحيد كلمة العلماء وتماسك بنيانهم أمام الأعاصير التى تعصف بالمسلمين .

وحين أشتد البلاء خرج الشيخ من مدينة حلب سنة 1400هـ ـ 1979 م واقام عدة شهور فى الأردن ثم توجه الى السعودية حيث عمل أستاذا فى قسم الدراسات فى جامعة الملك عبد العزيز فى جده منذ1401هـ والى أن لقى ربه .

حصل على درجة الدكتوراة فى الشريعة ا لاسلامية من جامعة السند فى باكستان وكان موضوع دراسته فقه الدعوة والداعية وذلك فى عام 1404هـ

أخلاقه وصفاته :

كان جريئا فى الحق لا يخشى فى الحق لومة لائم كان فى كل فترات حياته مدافعا عن الإسلام موضحا الأخطاء داعيا الى التمسك بشرع الله وكان لا يهمه التهديد أو الوعيد من قبل أعداء الإسلام .

كان يدرك أن الأمانه تقتضى أن ينقل كلمة الحق الى أكبر مسؤول فى الدولة . منذ نشأته عرف بالكرم فكان بيته موئلا لخلانه ولطلابه وللمحبين يجدون عنده ما يسرهم من ابتسامة مشرقة الى كلمة هادفةالى موعظة وعبرة ينخلل ذلك كرم الضيافة .

كان يسعى الى تمتين روابط الصداقة مع إخوانه ومحبيه يسارع الى زيارتهم ومشاركتهم فى أفراحهم وأحزانهم إذا طلب منه المساعدة فى أمر ما فإنه لا يعتذر بل يسارع الى المساعدة ويعتبر هذا الموضوع موضوعا شخصيا له ويبذل كل طاقته ختى ينجزه .

كان يتضايق من تفرق الجماعات الاسلامية ويسعى لوحدة الكلمة والرأى ويحب الاعتدال فى الأمور ويرى أن الأمور يجب أن تناقش على ضوء الواقع والمعطيات التى يلمسها الانسان .

مـن صفاتـــــه: الاخلاص والصبر والتفاؤل والرضا بقضاء الله والسؤال عن أصدقائه وإخوانه المبعدين . كان متواضعا فى علمه ومتواضعا للناس حسن المعاملة مع الناس يحب الخير والنصح للمسلمين .

كتبه وآثاره العلميــــــة :

تربية الأولاد فى الإسلام فى مجلدين .

قصة الهداية ـ فى مجلدين .

التكافل الاجتماعى فى الإسلام .

صلاح الدين الأيوبى بطل حطين ومحرر القدس من الصليبيين .

سلسلة مدرسة الدعاة

هذه الدعوة ما طبيعتها .

الدعوة الاسلامية والانقاذ العالمى

وجوب تبليغ الدعوة

8ـفضل الدعوة والداعية .

صفات الداعية النفسية

10ـ روحانية الداعية

11ـ ثقافة الداعية

12ـ كيف يدعو الداعية ؟

13ـ مواقف الداعية التعبيرية

14ـ عقبات فى طريق الداعية

15 بين العمل الفردى والعمل الجماعى

سلسلة بحوث اسلامية :

16ـ إلى كل أب غيور مؤمن بالله .

17ـ فضائل رمضان وأحكامه .

18ـ حكم الإسلام فى التأمين.

19ـ تعددالزوجات والحكمة من تعدد زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم

20ـ أحكام الزكاة على المذاهب الأربعة

21ـ حكم الإسلام فى وسائل الاعلام .

22ـ شبهات وردود حول العقيدة وأصل الانسان .

23ـ عقبات الزواج وطرق معالجتها على ضوء الإسلام

24ـ آداب الخطبة والزواج وحقوق الزوجين فى الإسلام

25ـ مسئولية التربية الجنسية

26ـ إلى ورثة الانبياء .

27ـ تكوين الشخصية الانسانية فى نظر الإسلام .

28ـ معالم الحضارة الإسلامية وأثرها فى الحضارة الأوربية

29ـ نظام الرق فى الإسلام

30ـ الإسلام شريعة الزمان والمكان .

31ـ حرية الاعتقاد فى الشريعةالاسلامية

32ـ القومية فى ميزان الإسلام

33ـ دور الشباب فى حمل لواء الإسلام .

34ـ الإسلام والجنس

35ـ الإسلام والحب

36ـ حين يجد المؤمن حلاوة الايمان

37ـ ماذا عن الصحوة الإسلامية فى العصر الحديث

38ـ التعريف بالشريعة الإسلامية

39ـ حتى يعلم الشباب

40ـ الأخوة الاسلامية

مرضه ووفاتـــه :

منذ ثلاث سنوات أصيب بمرض فى الكبد إثر عودته من الباكستان وقد احتار الأطباء فى طبيعة هذا المرض ذبل عود الشيخ وتضائل جسمه وتناولته الأوجاع فى كل مكان وكان دائم التردد على العيادات الطبية طالبا المشورة والعلاج ولكن نفسه لم تهن ولم تضعف بل بقى عالى الهمة متوثب العزيمة محافظا على مهماته الدعوية سقوم بمسؤولياته الاجتماعية لا يعتذر عن قبول أية حفلة يدعى اليها وحين يطلب منه التحدث كان يتكلم وبنفعل وينسى حالته المرضية التى لاتسمح له بإرهاق نفسه .

المدة التى قضاها راقدا فى ا لمستشفى خلال هذه السنة تعتبر فتره طويلة فقد كان يخلع ثوب المستشفى ويلبس ثيابه ويذهب الى الجامعة لألقاء المحاضرات ثم يعود مرة أخرى الى المستشفى ليتلقى العلاج من الأطباء وبجوار سريره فى المستشفى ترتفع مجموعات من الكتب فهو يجد السعادة فى القراءة .

كان يضع الوسادةأمامه ويكتب فصولا من كتاب قد بدأه . كل الأطباء وكل الاصدقاء كانوا ينصحون الشيخ بالابتعاد عن القراءه والكتابة لكن النفس الشامخة تأبى أن تلقى القلم من يدها مهما اشتد الألم .

وفاتــــــه :

كانت الوفاة فى الساعة التاسعة والنصف صباح يوم السبت الخامس من شهر محرم عام 1408هـ الموافق 29/8/1987 فى جدة بمستشفى جامعة الملك عبد العزيز وقد شيع جثمانه يوم الأحد فى ا لسادس من محرم الموافق الثلاثين من آب ونقل من جدة الى مكة ودفن فيها حيث صلى عليه فى المسجد الحرام بعد صلاة العصر وقد شيع الفقيد عدد كبير من العلماء والدعاة والأخوة والشباب والطلاب وقد ألقى أحبة الفقيد الكلمات المعبرة عن حبهم ومصابهم فى فقيدهم العالم الذى أخلص فى دعوته وقدم للمكتبة الإسلامية الانتاج الوفير .

وبفقده ودع المسلمون فى بلاد الشام بل فى العالم الاسلامى رجلا من أفذاذ الرجال وعالما من كبار العلماء وداعية مجاهدا بذل حياته للدعوة الى الإسلام بحاله ومقاله وقلمه ولسانه .

اللهم اغفر له وارحمه وأكرم نزله وأسكنه فسيح جناتك واجمعنا معه فى مقعد صدق عند مليك مقتدر مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا .

الدعوة بين الفردية والجماعيه

مقـدمة

بعد : أن عرفت ـ أخى الداعية ـ طبيعة الدعوة الاسلامية وأظهر خصائصها ومزاياها على سائر الدعوات .

وبعد : أن اطلعت على دورها الكبير وأثرها العظيم فى رد المجتمعات الاسلاميةوأنقاذ البشرية من براثن التفسخ والالحاد والجرائم والانحلال ..

وبعــد : أن علمت مسئولية الأمة فى أفرادها وجماعاتها وعلمائها ودعاتها ورجالها ونسائها .. فى وجوب حمل الأمانة الدعوة الى الناس وفريضة نشرها فى العالمين ..

وبعــد : أن استشعرت فى قرارة وجدانك فضل من يتشرف بتبليغ الدعوة ة ومنزله من وفقه الله فى حمل لوائها ..

وبعد : أن تراءت لك مواصفات الداعية النفسية فى الاخلاص للدعوةوالصبر على محنها والجرأةو على تبليغها والتفاؤل فى تأييد الله لها ..

وبعد : أن اقتنعت معى أن الداعية لا يمكنه بحال أن يعطى ويصلح .. إلا أن يتمتع بروحانية فياضة مشرقة ويتحلى بسمت إيمانى جذاب ..

وبعد : أن أدركت أن الداعية هو أحق من من يتحلى بمبادىء الأخلاق الفاضلة وأولى من يتصف بمكارم صاحب الخلق العظيم ..

وبعد : أن تفهمت أن الثقافة الشاملة للداعية هى من أبرز معالم تكوينه ومن أظهر عوامل اعداده ومن أكمل ملامح شخصيته ..

وبعد : أن اعتقدت جازما أن الداعية لا يكون ناجحا وموفقا إلا أن يعرف كيف يبلغ ويدعو ؟ وكيف يبدأ وينتهى ؟ ويعلم كذلك المراحل التى ينبغى أن يعتمدها ويسير عليها ..

وبعد : أن تيقنت أن المواقف التعبيرية فى ميدان الدعوة هى من أهم ما ينبغى أن يقيم الداعية نفسه عليها وأن يتقن فى طور التكوين تعليمها وممارستها ..

وبعد : أن سلطنا الأضواء على كل عقبة تعترض مسيرتك على درب العمل الاسلامى وعرفت طرائق حلها وتذليلها ..

إذا اقتنعت معى ـ أخى الداعية ـ أن هذا كله أمر لازم لا بد منه فى تكوين الداعية وإعداده .. فعليك أن تقتنع أيضا أن من اللازم والضرورى أيضا أن يتعقل الداعية الفوارق بين الدعوة الفردية والدعوة الجماعية وأن يتفهم أيتهما أجدى وأنفع فى ا لوصول الى النصر وإشادة دعائم المجد وإقامة دولة الإسلام وأن يتفهم ضرورة انتماء المسلم الى جماعة إسلامية صالحة يعمل معها وينفذ أوامرها ويتلاحم مع قيادتها وقواعدها ..

النقاط التى سوف يأتى الحديث عنها :

بعد أن سلسلنا الخطوط العريضة لكافة مضامين الفصول التى جاء الحديث عنها فى سلسلة مدرسة الدعاة التى سبق من قبل ذكرها .. نشرع ـ بعون الله تعالى ـ فى تعداد النقاط لفصل " الدعوة بين الفردية والجماعية" الذى نحن فى صدد الكلام عنه والبحث فيه وعلى الله قصد السبيل ومنه نستمد العون والتوفيق فنقول :

1ـ ما المقصود من الدعوة الفردية والدعوة الجماعية ؟

2ـ ما هى أهم سلبياتهما وإيجابياتهما ؟

3ـ هل تكوين الجماعة الاسلامية فريضة شرعية ؟

4ـ ما هى مواصفات الجماعة الاسلامية المنقذة ؟

5ـ ما مقومات ا لجماعية فى استمرارية بقائها ؟

6ـ هل يجوز أن يعيش المسلم حرا طليقا بلا انتماء ؟

7ـ ما ثمرات العمل الجماعى فى المجتمعات الاسلامية ؟

8ـ وفى الختام أين أنتم يا شباب ؟

تلكم أهم النقاط التى سوف يأتى البحث فيها والكلام عنها .. وسوف ترى ـ أخى الداعية ـ أن الكثير من الشباب الاسلامى ممن يريدون معرفةالحقائق سوف يجدون الاجابة الشافية على تساؤلاتهم والحل الأمثل لسائر مشكلاتهم .. ولا سيما فى كل مشكلة أو تساؤل يرتبط بالعمل الجماعى ويتصل بالانتماء الحركى .. ليعرف الشاب على ضوء الحقيقة أين موقعه من العمل الاسلامى ؟ ويعلم ايضا عظم مسؤوليته عند الله إذا تخلى عن ا لعمل الجماعى وعاش وحده فريدا سائبا دون أن يرتبط بجماعة أو ينسق مع حركة .. تعمل لبناء عزة منيعة للإسلام وتسعى الى إقامة دولة راشدة للمسلمين !!..

وبعد هذا نستعين بالله ونمضى فى تفصيل كل نقطة من هذه النقاط التى سبق ذكرها والله الموفق والهادى الى سواء السبيل .

1- ما المقصود من الدعوة الفردية والدعوة الجماعية

نبدأ أولا فى بيان المقصود من الدعوة الفردية :

قبل أن نحدد المقصود منها يحسن أن نبين ماذا تتخذ الدعوة الفردية فى مجال الدعوة الىالله من أشكال ؟ :

من أشكالها : أن يقوم الداعية فردا فى جماعة تعمل للإسلام بالاتصال الفردى لكسب عناصر جديدة للجماعة التى ينتمى اليها ويرتبط معها لتعريفهم أولا بالدعوة الاسلامية وانتمائهم ثانيا الى الجماعة الدعوية .. ومن أشكالها : أن ينطلق المسلم فى مضمار الأمر بالمعروف والنهى عن امنكر ..سواء كان منتظما فى جماعة او غيرمنتظم ذلك لأن مسؤولية الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ..واجب شرعى على كل مسلم لا يسقطها عنه أى اعتبار من اعتبارات الفرديةأو الجماعية ..

ومن أشكالها : أن يقوم المسبلم بمفرده بمسؤؤلية الدعوة الى الله سواء كان عالما أو مثقفا أو موظفا .. دون أن يكون لواحد من هؤلاء أى ارتباط بدعوة جماعية أو أى اتصال بتنظيم دعوى .. أو بعبارة أخرى : أن يسير المسلم فى طريق الدعوة الى الإسلام فريدا متسيبا من أى حركة ؟ متفلتا من أى جماعة بلا استعانة بوسائل ولا تحديد لأهداف ولا انطلاقة نحو غاية ..وعلى ضوءما ذكرناه : أن الذى أقصده من أشكال الدعوة الفردية هو الشكل الآخير .

وهو : أن ينطلق المسلم فى ميدان الدعوة الى ا لله فريدا وحيدا دون أن يكون له أى ارتباط بحركة اسلامية أو يكون له أى اتصال بجماعة دعوية .

وهذا الذى أوضحناه ينطبق على الفرد الواحد المتسيب وبنطبق أيضا على فئه من المسلمين تعمل بمفردها وتمضى بمجموعة أفرادها فى طريق الدعوة الى الله .. دون أن يكون لها أى أرتباط أو تنسيق أو تعاون .. مع أية جماعة من جماعات المسلمين القائمة الممتدة حركتها فى أرجاء المجتمعات الاسلامية فى كل مكان !!..

وبعد الذى ذكرناه فى بيان المقصود من الدعوة الفردية وماالمراد منها وما ينطبق عليها على وجه الدقة ؟

نعرج ثانيا فى بيان المقصود من الدعوة الجماعية :

قبل أن نحدد المقصود منها يحسن أن نبين أيضا ماذا تتخذ الدعوة الجماعية فى مجال الدعوة الى الله من أشكال ؟

من أشكالها : أن تنبثق فى بيئه محلية فئة من المسلمين وقد كونت فيما بينهما جمعية دعوية إرشادية تكون من أولى مهاماتها تعليم الناس وإصلاحهم وتكون من أظهر أنظمتها الاستقلالية فى الدعوة والارشاد دون أن يكون لها أى ارتباط أو تنسيق مع أية جماعة من جماعات المسلمين لها فى العالم امتداد وفى الأقطار فروع .

ومن أشكالها : أن تقوم الدولة على افتتاح مراكز للدعوة والارشاد والتفقه والإفتاء والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر .. هذه المراكز لها مسؤولون ولها إدارات ولها أنظمة وتابعيتها للدوله تأتمر بأمرها وتنتهى بنهيها بل هذه المراكز ليس لها أى ارتباط أو صلة بأية جماعة إسلامية تنطلق من ذاتها وتتابع فى العالم مسيرتها .

ومن أشكالها : أن تقوم فى المجتمعات الاسلامية جماعة من المسلمين لها فى كل قطر من الأقطار فرع ولها فى كل بلد من البلاد هذه الجماعة قائمة على ا لتنظيم والتخطيط والارتباط والعمل الاسلامى الموحد هدفها الأول : التعرف بفكرة الدعوة الاسلامية وإقامة حكم الله فى الآرض وإعادة الخلافة الراشدة التى تضم تحت إمرتها البلاد والعباد .

وعلى ضوء ما ذكرناه : إن الذى أقصده من أشكال الدعوة الجماعية التى سبق ذكرها هو الشكل الأخير ويتلخص فى : أن تقوم فى المجتمعات الاسلامية جماعة من المسلمين لها فى العالم فى كل مكان امتداد وفروع .. هذه الجماعة قائمة على التنظيم والتخطيط والارتباط والعمل الاسلامى الموحد هدفها الأول: إقامة حكم الله فى الأرض وإعادةالخلافة الراشدة ورد المسلمين جميعا الى ا لله ..

وهذا الذى أوضحناه ينطبق أيضا على الفرد الذى انطلق فى الدعوة الفردية فى مكان ما بتكليف من قيادة الجماعة الواحدة ليقوم بدوره فى ا لتعريف والدعوة والاصلاح وينطبق كذلك على الجمعيات الدعوية والارشادية التى قامت الجماعةالاسلامية الواحدة على تأسيسها والاشراف عليها لتقوم بدورها فى الهداية والتبليغ والارشاد ..

وصفوة القول :

ـ إن المقصود بالدعوة الفردية هو : أن ينطلق فى ميدان الدعوة الى الله فرد أو مجموعة أفراد.. ليس لهم أى ارتباط أو تنسيق مع أية جماعة إسلامية وليس لهم فى الحياة من هدف أو غاية سوى التوعية والارشاد .

ـ وإن المقصود بالدعوة الجماعية هو : أن ينطلق فى مضمار الدعوة الاسلامية جماعة لها فى العالم امتداد وفروع وينضوى تحت إمرتها فرد أو أفراد أو جمعيات .. يعمل الكل لالإسلام ويجاهد الجميع فى سبيله هذه الجماعة تتابع مسيرتها الدعوية الى أن تصل الى هدفها الأسمى فى نصر مؤزر وفتح مبين .

2 ـ ماهى أهم سلبياتهما وإيجابياتهما ؟

مما لا يختلف فيه اثنان أن لكل من الدعوة الفردية والدعوة الجماعية سلبيات وايجابيات فمن الضرورى ـ أخى الداعية ـ أن تعرف شيئا عنها وأن تطلع بعين البصيرةعلى أظهر حقائقها حتى إذا وازنت بين الدعوتين وقارنت بين الاتجاهين .. جاء حكمك صائبا فى أيهما أجدى وأنفع فى نصر الإسلام وبناء صرح العزة للمسلمين .

أولا : ماهى أبرز سلبيات الدعوة الفردية وأظهر إيجابياتها ؟

ـ أما عن أبرز سلبيات الدعوة الفردية فأقول :

من أبرز سلبيات الدعوة الفردية على الاطلاق: أنها قليلة الأثر ضئيلة الثمرات محدودة النتائج .. بالرغم مما يبذله الوعاظ والخطباء والمرشدون .. من اهتمام وتحضير وتوعية واتصالات فردية وجماعية على حد سواء. ومما يدل على هذا كثرة الخطب والمواعظ والمحاضرات التى تلقى فى المجتمعات الاسلامية من أقصاها الى أقصاها على منابر الجمعة وقاعات المحاضرات وأوقات المواسم والمناسبات .. ويستمع اليها الملايين من المسلمين منذ سقوط الخلافة الاسلامية عام 1924 م حتى الآن .. هل غيرت منواقع المسلمين شيئا ؟ هل أعادت لهم كيانهم وأمجادهم ؟ هل أهابت بهم الى أن يتحولوا الى قوة متماسكة تستعيد فى نهاية المطاف العز المسلوب والكيان المفقود ؟ فإذا كان الجواب لا فالعمل الفردى إذن لا يحقق ثمرة ولا يوصل الى نتيجهفى بناء دولة راشدة يرنو اليها ويستشرف ولادتها الملايين من المسلمين .

والى هذا المعنى يشير الأستاذ الداعية " فتحى يكن " حفظه الله ـ حين قال : إن المراقب لما يجرى فى نطاق العمل الاسلامى يلاحظ أن مآل الجهود الفردية غير المرتبطة بتنظيم حركى كالتى يبذلها بعض الوعاظ والخطباء مآلها الى الضياع والهدد رغم كثرتها ذلك أن التنظيم الحركى من شأنه أن يستوعب الطاقات الفردية ويوجهها ويختزن القوى المتفرقة وينميها لتصبح على مر الزمن تيارا له أثره ومفعوله أما جهود الاصلاح الفردى فقد تتحطم إثر بعضها البعض لعجزها من مواجهة تحديات العصر ...

وثمة سلبية أخرى من سلبيات العمل الفردى تلوح للأعين ظواهرها فى صعيد العمل الاسلامى هذه السلبية تتلخص فى :أن الذين يتصدرون للدعوات الفردية فى المجتمعات الاسلامية فى كل مكان سواء كانوا علماء أو رجال فكر أو دعاة أصلاح .. هم عل الغالب مختلفون فيما بينهم وقد يصل هذا الخلاف أحيانا الى الكيد والتناحر والخصومة السافرة ..وهذا مما ينعكس آثاره على التلاميذ والأتباع .. فيؤدى ـ ولا شك ـ الى التحزب والتعصب والانقسام ..

وقد يكون سبب هذا التنازع والخلاف هو ما داخل أصحاب هذه الدعوات الفردية من آفات العجب أو الغرور أو الرياء أو الحسد أو الكبر .. فيكفى آفة واحدة منها أن تقصم ظهر صاحبها وأن تحلق له دينه !!..

وقد عانينا ـ والله ـ الكثير من أولئك الذين يتصدون للدعوة الفردية من علماء ودعاة وإرشاد ورجال إصلاح .. فبمجرد أن يتجمع عند أحدهم مجموعة من التلاميذ والأتباع ظن نفسه أنه الداعية الكبير أو المرشد الكامل الذى أصبح يشار اليه بالبنان بل يعتقد من قرارة وجدانه أنه مرشد الزمان الذى يترتب على كافة الفئات فى المجتمعات الاسلاميةأن يبايعوه مرشدا أو ينصبوه أميرا .. وإذا لم تفعل ذلك فإنها لم تعرف له قدره ولم تنزله منزلته لكونه فى المرتقى السامى والناس حوله دون !!

فلنتصور كيف يكون حال المجتمع الاسلامى إذا وجد فى البلدة الواحدة بضع أفراد من العلماء أو المرشدين وهم بهذه العقليةوبهذا التفكير فإنه ولاشك ـ سوف يمنى بالتعصب والتشتت والانقسام ؟ !!..

من أظهر سلبيات الدعوة الفردية إذن أنها تورث فى أصحابها بعض الآفات النفسية من العجب أو الغرور أو الحسد وأحيانا قد تورثفيهم آفة الرياء أو الكبر ..التى تحلق الاخلاص وتحبط العمل الصالح .. هذا عدا عما تعكس هذه الآفات من آثار سيئه فى تمزق الصفوف والجدال العقيم والتعصب الذميم .. بين أبناء المجتمع الاسلامى عامة وتلاميذ أصحاب الدعوات الفردية خاصة وإن نسينا فلا ننسى سلبية التيئيس من العمل الاسلامى .. فالناس حين يجدون أن جهود الدعوات الفردية ذهبت أدراج الرياح هباء منثورا لكونها لم تحقق فى بناء العزة الاسلامية غاية ولم تصل فيما بذلت من جهد الى نتيجة وحين يجدون كذلك أن أصحاب هذه الدعوات مختصمون فيما بينهم .. يبنون أمجادا لذواتهم ويتعصبون لفكرهم وارائهم وحين يجدون ـ أيضا أنهم لا يجتمعون على ساحة العمل الاسلامى على عمل موحد ولا يلتقون على كلمة سواء . . حين يجد الناس كل هذا .. فإنه يعتريهم الياس ويتملكهم القنوط بل يصيبهم من التسيب والحيرة ما يدفعهم تقواه .. فإنه سرعان ما يستسلم لتلقين الشيخ وينقاد لأوامره وتوجيهاته .. اعتقادا منه أن الشيخ معصوم لا يخطىء وهاد لا يضل .. وهنا مكمن الخطأ ومبعث الداء ومصدر الانحراف .. ولو درى المريد قولة الامام مالك الخالدة حين قال " ما منا إلا من رد ورد عليه إلا صاحب هذا القبر " وأشار الى قبر النبى صلى الله عليه وسلم ولو درى قول النبى صلى الله عليه وسلم :" كل بنى آدم خطاء .. " 1 ولو درى توجيهه عليه الصلاة والسلام " من يرد الله به خيرا يفقهه فى الدين " 2 ..لو درى المريد كل هذا .. لما وقف من شيخه هذا الموقف المتعامى ولما تلقى عنه هذه الانحرافات الآثمة .

وصفوة القول : إن سلبيات الدعوة الفردية تتركز فى النقاط التالية :

إنها ضئيلة الأثر قليلة الثمرات محدودة النتائج ..

إنها تورث فى الدعاة وفى الأتباع ..التفرقة والتعصب وإثارة الأحقاد ..

إنها تنشر فى المسلمين ظاهرة التيئيس من العمل الاسلامى ..

إنها تلقى فى روع المريد أن الشيخ هاد لا يضل ومعصوم لا يخطىء ..

ثانيا : وأما عن أظهر إيجابيات الدعوة الفردية فهى كما يلى :

فمن إيجابياتها : أن كل من يرتبط بدعاتها من علماء أو مرشدين .. لا يمكن أن يحدث بينهم وبين تلامذتهم أو مريديهم أى خلاف أو انشقاق أو بغضاء .. لكون ظاهرة المحبة والثقة بين ا لجميع متبادلة ورابطة الولاء والبيعة متينه ..

ومن أيجابياتها : أن الفرد حين ينطلق فى ميدان الدعوة الى الله فإنه ينطلق بوحى من ذاته أو باندفاع من ضميره .. سواء كان يعمل ل لإسلام مستقلا بنفسه أو كان يعمل مع إنها تورث فى الدعاة وفى الأتباع ..التفرقة والتعصب وإثارة الأحقاد ..

إنها تنشر فى المسلمين ظاهرة التيئيس من العمل الاسلامى ..

إنها تلقى فى روع المريد أن الشيخ هاد لا يضل ومعصوم لا يخطىء ..

أمـا عن سلبيات الدعوة الجماعية فأقول :

لا بد لأية دعوة من الدعوات ـ مهما كانت شاملة فى مناهجها عظيمة فى أهدافها دقيقة فى أنظمتها متطورة فى وسائلها عالمية فى امتدادها ـ من سلبيات تعترضها وعقبات تقف دونها .. فما هى أظهر هذه السلبيات ؟ :

فمن سلبيات الدعوة الجماعية : أنها معرضة فى كل حين لضرب الحكومات اللادينية وملاحقة شبابها وتطويق دعاتها واضطهاد كل من ينتمى اليها .. ذلك لما تخشاه هذه الحكومات من أن تصل الدعوة الجماعية الى هدفها الأكبر فى تطبيق الشريعة الاسلامية على كل جوانب الحياة وإقامة حكم الله فى الارض وولادة دولة الإسلام .

ومن سلبياتها :أنها معرضة للانشقاق فى صفها والانقسام فى أعضائها والتمزق بين قادتها .. وذلك حين يستفحل الخلاف فى سير العمل وتتضارب الآراء فى وجهات النظر ويحتدم الجدل حول اختيار القادة.. وقد يكون من وراء هذا كله قوى معادية خفية تكرس فى العاملين ل لإسلام ظاهرة الانشقاق وتعمق بينهم هوة الانقسام وتوسع فى صفهم فجوة التمزق .. لتصل الى هدفها فى محاربة الجماعة نفسها بنفسها !!..

ومن سلبياتها: أنه يوجد فى بعض هذه الدعوات الجماعية من تؤخذ بالغرور ويعتريها العجب وتحكمها الأنانية فتظن أنها هى جماعة المسلمين الوحيدة التى يجب أن تنقاد الجماعات كلها لها وتنضوى تحت لوائها .. ولو كانت فى دعواها الفوقى الاستعلائى على غير هذا المستوى فى تصورها الاسلامى ومنهجها الحركى وهدفها السياسى !!..

ومن سلبياتها : أن كل فئه فى ا لمجتمع الاسلامى يمكنها أن تكون فيما بينها دعوة جماعية لها نظامها ومنهجها ولهاوسائلها وأهدافها ولها شعاراتها وورقة عملها.. وهذا معناه تعدد الجماعات ومعناه ـ أيضا ـ التناحر بين قيادات هذه الجماعات وأعضائها وزرع بذور الاتهام والعداوة والشحناء فيما بينها .. وهذا هو المشاهد فى عالم الحقيقة والواقع !! وما أحسن ما قاله بعضهم فى استجلاء واقع هذة الجماعات.

وما شكواى أو شكواك إلا ***** لفوضى فى المجامع وانقسام

ترى كلأ له أمل وسعى ***** وما لإثنين حولك من وئام

لكل جماعة فينا إمـــــام***** ولكن الجميع بلا إمــــام

ومن سلبياتها : أن يتعجل شباب الدعوةالجماعية النصر فيظنوا أن جماعتهم بلغت من القوة والامتداد والعدد والعده .. ما يؤهلها أن تحمل السلاح فى وجه أى حكومة لا دينية طاغية .

فيتورطون باشعال الثورة ويبدئون بالمجابهة والمقاومة .. ويستجرون الجماعة التى ينتمون اليها لخوض المعركة فيتورط فى اعلان الثورة ومبادرة المجابهة المتعجلون والقائد والمقود .. وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا وقد تجاوز الجميع طبيعة المرحلة وورقة العمل التى ينبغى أن يسيروا عليها والظروف العصبية التى هم فيها .. وما دروا بعملهم هذا .. سوف يدمرون البلاد ويشردون العباد ويقتلون الدعوة ويوصلون الأمة الى أسوأ النتائج وأقبح العواقب .. وهذا ما لا حظناه فعلا فى عالم الواقع حين تورطت لتعجل النصر جماعة تلكم أهم سلبيات الدعوة الجماعية ونلخصها فى النقاط التالية : ـ انها معرضة لضرب الحكومات اللادينية وملاحقة دعاتها واضطهاد شبابها ..

ـ انها معرضة لا نشقاق صفها وانقسام أعضائها وتناحر قادتها ..

ـ إنها معرضة لعجب قادتها وغرور أعضائها .. فتظن نفسها أنها جماعة المسلمين الوحيدة ..

ـ إنها من السهولة أن تتعدد ومن طبيعة ا لتعدد أن يتناحر ومن طبيعة التناحر أن يتعادى ..

ـ إنها قابلة للتورط فى استعجال النصر من قبل شبابها المتحمس وقادتها المستجرين ..

وأما عن إيجابيات الدعوة الجماعية فهى كالتالى :

قبل أن أشرعفى بيان إيجابيات الدعوة الجماعية أريد أن أوضح هذه الحقيقة: مهما كان للعمل الجماعى من مثالب وسلبيات فإن أيجابياته فى منطقية المنهج وسمو الهدف .. أكبر واعظم بل من السهولة بمكان ـ إن كان ا لمشرفون على الدعوة الجماعية على درجة عظيمة من التبصر والوعى وحصافة الرأى ـ أن يتجاوزوا أى سلبية تتعرض لها الجماعة وأن يتحاشوا أى مثلب يحدث خللا دعويا على مدى الأيام ..

ومن المؤكد يقينا أن الحركة الاسلامية المعاصرة قد مرت فى تجارب كثيرة فى أطوار العمل الاسلامى .. وأنها أخذت من هذه التجارب دروسا وعبرا .. فالسعيد من وعظ بغيره والعاقل من يأخذ من ماضيه لحاضره والمتبصر الواعى من يتعظ بالاحداث ويرسم للمستقبل ..

هل عرف عقلاء الدعوة الجماعية وقادتها هذه الحقيقة ؟

إذا عرفوا ذلك فليسيروا على بركة الله وليتجنبوا فى مسيرتهم الدعوية السلبيات والمثالب وليأخذو فى اندفاعهم الحركى بالايجابيات والمحاسن .. والله سبحانه لن يضيع أجر الواعين المتبصرين الذين يعتبرون من ماضيهم ويقاربون ويسددون فى حاضرهم ويرسمون المنهج الأفضل لمستقبلهم.

بعد ذكر هذه الحقيقة نعرج الى تبيان الايجابيات :

فمن إيجابيات الدعوة الجماعية أنها كثيرةالعطاء عظيمة النتائج سريعة الامتداد .. ذلك لأن أعضاءها المرتبطين بها منبثون فى أرجاء الأرض متغلغلون فى أنحاء البلاد .. فإن كانوا على ا لمستوى المطلوب من التحرك والحذر والحكمة والعزم والمتابعة فإنهم يستطيعون أن يبدلوا وجه الأرض وأن يغيروا مسار التاريخ وأن يستعيدوا أمجاد الإسلام من جديد ..

ومن أيجابيات الدعوة الجماعية أن كل من يعمل فى صفها ويجاهد فى سبيلها .. مرتبط أرتباطا عضويا بتنظيم حركى وقيادة إسلامية ..

ولا يخفى على كل ذى عقل وبصيرة ما للعمل الجماعى والتنظيم ا لدعوى من أثر كبير فى نشر الدعوة الاسلامية فى أوساط الشباب وصفوف الطلاب ومحيط العمال وبيئات الفلاحين ..وبكلمة أوجز : انتشارها وامتدادها فى أوساط الناس .. مع كل الفئات وعلى المستويات .. ذلك لأن الدعوة الجماعية تعتمد على الارتباط العضوى والتوجيه التربوى والاندفاع الدعوى والتركيز العقدى والتخطيط المستقبلى ..

ومن إيجابيات الدعوة الجماعية أنها تربط الأعضاء بالفكرة والمبدأ لا بالذوات والاشخاص ونظرتها الى أمير الجماعةأو قائدها نظرة أدب واحترام ومحبة لا نظرة تقديس وتعظيم وعصمة .. والقائد أو الأمير فى تصور القائمين على الدعوة الجماعية هو أنسان من البشر يخطىء ويصيب ويحسن ويسىء ويرد ويرد عليه ويبقى متوليا مقاليد الامارة ما دام على الحق وعلى صراط الله المستقيم .. فإن حاد عن الحق واتبع غير سبيل الصراط المستقيم .. فإنه يخلع من الامارةوتسلم الى من هو أرضى لله ولرسوله وللمؤمنين ..

ومن أيجابيات الدعوة الجماعية أنها ترتكز على مبدأ الشورى فأمير الجماعة وقيادتها ومجالسها الاستشارية لا يمكن أن تبت فى شأن القرارات الكبيرة التى ترفع من مستوى الدعوة وتحول مسيرتها الى الأفضل إلا أن يوافق الجميع أو الأكثر على كل قرار من قراراتها .. فلا استبدادية فى الآراء فى الدعوة الجماعية ولا تسلط فى ولاة أمورها ولا طبقية بين قاداتها وقاعدتها .

ولا يخفى ما فى تطبيق مبدأ الشورى من أثر كبير فى دفع الدعوة الجماعية الى ا لامام وفى أحكام مسيرتها وفىتطويرها دائما الى الأحسن .. وقديما قيل : " ما ندم من استخار وما خاب من استشار " وصدق الله العظيم القائل وأمرهم شورى بينهم).

ومن أيجابيات الدعوة الجماعية أنها تعتنى بتربية الفرد وتكوينه من جميع الجوانب :وتعنى به روحيا وجسميا وتعتنى به عقليا وخلقيا وتعتنى به نفسيا واجتماعيا وتعتنىبه سياسيا وجهاديا وتعتنى به دعويا وحركيا.

ولا يخفى فى هذا ا لاعتناء الكامل والتربية الشاملة والحياة والانسان .

ومن إيجابيات الدعوة الجماعية أنها تربى أفرادها على قيم خلقية رفيعة من الحب والتعاون والايثار والتكافل وعلى مثل أسلامية سامية من الصدق والأمانه والرحمة بالصغير والتأدب مع الكبير والاحسان الى الجار وإغاثة الملهوف وبر الوالدين ..

ومما تجدر الاشارة اليه أن المنتمين الى دعوات جماعية حين يتفاعلون مع هذه القيم ويتحققون بهذه المثل ويتربون على هاتيك الفضائل .. فإنه يظهر على ا لساحة الاسلامية نماذج من الجيل الربانى ونوعيات من الشباب الاسلامى إذا رآهم الناس رأوا الإسلام متجسدا فى سلوكهم وأخلاقهم متفاعلا فى أخذهم وعطائهم متأقلما فى حركاتهم وسائر تصرفاتهم ..

وهذه الظاهرة من الاعداد والتربية لا تتأتى فى الحقيقة إلا فى ظل الدعوات الجماعية الحركية الواعية التى تؤمن بالإسلام على أنه دين المدنية والحضارة والعطاء والتجدد والتطبيق والالتزام وأصول الحكم ومناهج الحياة ..

تلكم أهم إيجابيات الدعوة الجماعية ومزاياها قد أتينا على ذكرها لتبقى فى ذرى العلياء منارا ونبراسا لكل من يريد أن يتبصر الطريق ويتعرف على الحقيقة ويسير على النهج الصالح القويم .

أية الدعوتين أجدى فى نصر الإسلام ؟

لو وازنا بين ايجابيات الدعوتين : الفردية والجماعية لوجدنا أن إيجابيات الدعوة الجماعية فى المقام الأرفع بل لا يمكن أن تكون موازنة بين الدعوتين ولا مقارنة بين الاتجاهين بغض النظر عما يتوقع من العمل الجماعى من محاذير وسلبيات .. وسوف نتعرض للحديث عنها بعد قليل .

وسبق أن تكلمنا بالتفصيل عن إيجابيات الدعوة الجماعية وأفصحنا عن خصائصا ومزاياها .. وها نحن أولاء فى هذا المقام سوف نمر عليها بخطوطها العريضة وأفكارها ا لبارزة للتبصرة والذكرى :

ففى مجال التصور الاسلامى : فإن القائمين على الدعوة الجماعية يربون أفرادهم على التصور الاسلامى الشامل الذى يرسخ فى أذانهم أن الإسلام نظام حكم ومنهج حياة ومبعث حضارة ورسالة خلود وإشراقة هداية للانسانية جمعاء ..

وفى مجال التربية المتوازنة : فإن الدعوة الجماعية تربى أعضاءها على اسس تربوية سليمة تشمل : تربية الفرد عقيدة وروحا وتربيته جسما وخلقا وتربيته عقلا ونفسا وتربيته دعوة وجهادا .. وأقامت مبادىء هذه التربية على فكرة التوازن والتعادل دون خلل أو تقصير ..

وفى مجال الارتباط الحركى : فِإن الدعوة الجماعية توجه كل من ينتمى اليها أن يرتبطوابها ارتباطا عضويا حركيا تدفعهم الى الانطلاقة فى ميدان العمل الاسلامى بإخلاص وعزم ومضاء .. وتحركهم الى مسيرة الو صول الى بناء العزة الاسلامية بعقل وحكمة وموعية ..

وفى مجال الارتباط الروحى : فإن الدعوة الجماعية تربط أبناءها بالفكرة والمبدأ لا بالذوات والأشخاص ..ونظرتها الى الأمير أو الداعية أو العالم .. نظرة أدب واحترام .. لا نظرة تقديس وعصمة .. واعتقادها بأى كبير من كبراء الدعوة على أنه إنسان من البشر يخطىء ويصيب ويحسن ويسىء ويرد ويرد عليه .. وعلى هذه الفكرة والنظرة والاعتقاد تربى الدعوة الجماعية جنودها وأبناءها .

وفى مجال اتخاذ القرارات : فإن الدعوة الجماعية تعتمد فى البت بقراراتها على مبدأ الشورى ففى مجالسها القيادية أو الاستشارية أو الإدارية المحلية .. لا تبت بأى قرار من القرارات حتى يوافق عليه الأكثر أو الجميع لا استبدادية فى الآراء ولا تسلط فى الأشخاص ولا طبقة بين القيادة والقاعدة ..

وفى مجال التفاعل مع قيم الإسلام : فإن الدعوة الجماعية تركز فى تربية أعضائها على التفاعل بين نظريات القيم والمثل والمبادىء .. وبين التحقق بها وتطبيقها فى عالم الواقع فالصدق والأمانة والحب والتعاون والايثار والرحمة بالصغير واحترام الكبير وبر الوالدين وغيرها من نظريات القيم والمبادىء .. لا تكون شيئا حتى تصاغ سلوكا وتتجسد خلقا وتعاملا ..

وهذا ما تركز عليه ا لدعوة الجماعية كما ألمحنا وما هو واضح وملموس ـ كثير العطاء سريعة الانتشار عظيم النتائج ..ذلك لأن أعضاءها منبثون فى جنبات الأرض منتشرون فى أرجاء البلاد .. فبقدرتهم إن كانوا على المستوى الدعوى المطلوب أن يبدلوا وجه الأرض ويغيروا مسار التاريخ وأن يعيدوا لأمة الإسلام أصالتها فى الدين والدولة وضخامة الكيان .

وفى مجال النظرة المستقبلية لإقامة الدولة : فإن الدعوة الجماعية فى كل ما تبذله من جهود تربوية وما تستعين من وسائل دعوية وماغ تركز عليه من قضايا سياسية وما تسعى الى تحقيقة من قواعد شعبية ..من أولى أهدافها فى هذا كله إقامة الدولة الاسلامية التى تحكم بما أنزل الله وتجمع المسلمين تحت لوائها وتوحد كيانهم بالانتماء اليها..

تلكم أهم ما تجنيه الدعوة الجماعية من ثمرات وما ينتظر منها من ايجابيات وما تحرص على تحقيقة فى مجال التطبيقات والممارسات ..

ثم مــاذا عن سلبيات الدعوة الجماعية ؟

نعم إن للدعوة الجماعية سلبيات ومحاذير كما سبق ذكر ذلك :

ـ فمن سلبياتها أنها معرضة لضرب الحكومات اللادينية وملاحقتها ..

ـ ومن سلبياتها أنها تؤخذ بزهو العجب والغرور ..

ـ ومن سلبياتها أنها قابلة للتورط فى المواجهة واستعجال النصر ..

صحيح أن الدعوة الجماعية معرضة لمثل هذه المحاذير والسلبيات .. ولكن العقلاء فى الجماعة والقائمين على تربية أبنائها ..يستطيعون بحكمتهم وحسن تدبيرهم وسداد تكوينهم .. أن يتخطوا هذه المحاذير والسلبيات حتى لا يقع شباب الدعوة فى حبائلها ولا تنزلق أقدامهم فى مزالقها .

ففى تجاوزها لضرب الحكومات اللادينية : فباستطاعة قيادة الدعوة الجماعية أن تضع من الخطط المرحلية والوسائل الدعوية .. ما تستهدف البدء بالتكوين التربوى الى التبليغ الدعوى .. الى التجميع الشعبى .. الى التركيز على القاعدة الصلبة ..

وهذا كله يستدعى أن تسير الدعوة الاسلامية بصمت وهدوء وتعقل وحكمة .. دون استفزاز لحاكم أو استشارة لطاغية . وفى هذا وقاية للدعوة من أن تتعرض لاضطهاد أو ملاحقة ..

وفى تجاوزها لآفات الانشقاق والانقسام : فبقدرة القائمين على العمل الجماعى أن يحكموا أصول التربية والاعداد وأن يعالجوا أسباب الخلاف المستفحل خطره فى الجماعة وأن يبعدوا عن اجواء الجماعة فئة المندسين والمشوشين وأن يضعوا الرجل المناسب فى المكان المناسب الى غير ذلك من هذه المعالجات الوقائية والحلول الايجابية .

وفى هذا وقاية للجماعة من أن تتعرض لانشقاق أو تتورط فى انقسام .

وفى تجاوزها لآفات العجب والغرور : فبقدرة الدعاة التربويين فى الجماعة أن ينظروا بعمق فى الأمراض النفسية وأن يسبروا أغوارها فإن وجدوا أن الإصابة عامة وخطيرة ..فما عليهم إلا أن يكثفوا من حلقات التوجيه والتربية وأن يضاعفوا من دروس الايمان والإخلاص والتوعية .. كما عليهم أن يختاروا من البحوث والبرامج ما يتناسب مع طبيعة العلاج وما يتلائم مع واقع الاصلاح وما يستأصل شأفة هذه الأمراض ..

وفى هذا وقاية من أن تتعرض الجماعة لآفة من آفات النفوس أو مرض من أمراض القلوب .

وفى تجاوزها لآفة الحماس واستعجال النصر : فإن قيادة الجماعة ورجال الدعوة والاصلاح فيها حين يضعون فى تصور من ينتمى اليهم ويصبون فى أذهانهم وبؤرة شعورهم : إن تجربة المقاومة والاستعجال وظاهرة ا لتهور والحماس التى قام بها بضع عشرات من الشباب المندفع المتحمس هى التى دمرت ا لبلاد والعباد واستأصلت الدعوة والدعاة وأثارت على المسلمين أحقاد أهل البغى والالحاد وحين يهمسون فى أذن المتعجلين والمتحمسين من الشباب : إن الجماعة الاسلامية حين تكون فى مرحلة الضعف فلا يجوز لها شرعا أن تسير فى طريق المقاومة ومجابهة ا لأعداء .. وحسبها فى ذلك إنها تأست بالنبى صلى الله عليه وسلم فإنه حين كان فى مكة وهى المرحلة التى تسمى بمرحلة الضعف ـ لم يأذن للمتحمسين من أصحابه أن يميلفوا على أهل مكة بمقاومة أوقتال ..وإنما كان يأمرهم بالصبر والمصابرة ويحضم على التعقل والانضباط الى أن أتت مرحلة الهجرة ا لى المدينة وهى مرحلة التجمع والقوة وولادة الدولة ففى هذه المرحلة أذن له وللمسلمين بالمقاومة والجهاد .. وهذه التوعية والتجسيد للحقيقة إن أحكمت وسيدت كانت من أعظم العوامل فى كبح جماح الشباب وفى تطويق عواطفهم فى استعجال النصر . مما ذكرناه يتبين :

أن الدعوة الجماعية هى دائما فى مكان الصدارة بل هى فى المقام الأرفع لو وازناها مع الدعوات الفردية بل الفرق بين الفردية والجماعية كبير والبون بينهما شاسع . وإن كان للدعوة الجماعية سمة سلبيات أو محاذير فإن باستطاعة عقلاء الجماعة والقائمين عليها أن يطوقوها ويأخذوا بخناقها ويقتلوها فى مهدها .

وبذلك تسير الدعوة فى طريق الأمن والسلام دون أن تعترضها عقبة أو تحل بها كارثة أو تتعرض لمشكلة .. الى أن تصل الى النصر المؤزر والفتح المبين والله يقول الحق وهو يهدى الى سواء السبيل .

3ـ هل تكوين الجماعة الاسلامية فريضة شرعية ؟

لو ألقينا نظرة شاملة فاحصة على أحوال العالم الاسلامى فى كل مكان فماذا نرى ؟ نرى أن الفساد قد استشرى فى كل ناحية من نواحى الحياة والانحلال قد تحلل فى كل بقعة من بقاع المجتمعات الاسلامية وسخرت جميع الأسلحة لحرب الإسلام :

ففى الحكم والسياسة :

أقصى القرآن ا لكريم عن منصة الحكم وغيبت شريعة الله عن أنظمة الحياة وجزئت دولة الخلافة الى دويلات ونصب الحكام أنفسهم آلهة يشرعون للناس بما تمليه عليهم شياطينهم وتسول لهم أهواؤهم ..

(أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) صدق الله العظيم (الشورى : 21)

وقد أبتدأت هذه الجريمة النكراء فى العالم الاسلامى بمحمد على باشا الكبير حيث كلف رفاعه الطهطاوى الماسونى العميل بترجمة القانون الفرنسى وتطبيقه فى مصر عام 1863 م واتبع ذلك الغاء الخلافة الاسلامية وغياب الحكم الاسلامى عن أكثر بلاد الإسلام على يد اليهودى الخائن "اتاتورك " وتم ذلك عام 1924 م .

وفى الحياة الاجتماعية :

ادخلت المرأة كسلاح فى المعركة ضد الإسلام وزج بها فى جحيم الشقاوة تحت شعارات خادعة براقة بدعوة تحريرها من عصور الظلام ثم بيعت سلعة رخيصة وقدمت قربانا رخيصا على مذاهب شهوات اليهودية العالمية ودعاة الوجودية والاباحية .. لسحق هذا المخلوق الكريم.

فمن شعار تحرير المرأة الذى رفعه " قاسم أمين " الى اتحادات نسائية التى ابتدأتها " هدى شعراوي " واتبعتها " أمينة السعيد " .. والى دور الأزياء ومساحيق الوجه وعمليات جراحة الأنف والوجه من أجل استشراف الحسن والبهاء .. الى انتخاب ملكات الجمال ودخلت الصورة العارية التى تبثها أجهزة الاعلام المعركة لمحو آثار الانسانية فى أعماق الانسان ! وهذا ظاهر متحقق فيما تبثه السينما والتلفزيون والفيديو و الاذاعة والمجلة والصحيفة .. استعمل كل هذا فيما يسمونه أدبا وفنا وحرية .. لتدمير الانسان .

ومن وراء هذا كله الأخطبوط اليهودى ةالاستعمار الصليبى .. فهما لا يألوان جهدا لتدمير الجنس البشرى وذلك عن طريق انتشار الفاحشة واستفحال الرذيلة والادمان على الخمرة وذيوع الميوعة والانحلال .. والمرأة هى الضحية لتظل ترقص على انغام أولئك المتآمرين الغاوين من بروتوكولات يهود ومخططات الاستعمار وتبقى تكب على اقدام أولئك الشباب المحسوب على الإسلام ظلما وزورا وتترنح أمام ناظريهم وترتمى بين أيديهم تتملق رضاهم بتغيير الأزياء وإغراءات العرى وأشباع الوطر وفتنة الفاحشة !!

وفى المناهج والثقافة الفكرية :

فالمناهج والكتب الدراسية التى يجبر على اقتنائها وقراءتها والاختبار منها الأجيال المتعلمة من المسلمين فهذه المناهج والكتب مليئة بالدس والتشكيك والطعن بالاديان والدعوة الى الكفر والالحاد . ونستشهد على سبيل المثال ببعض ما جاء فيها :

ـ جاء فى كتاب " المجتمع " لصف الشهادة الثانوية لدولة عربية ينتمى أهلها للإسلام : " إن كل دعوة لانشاء كيانات سياسية على أسس دينية هى دعوة غبية " .

ـ وفى كتاب العلوم عرض لنظرية " دارون " على أنها حقيقة علمية ليتخذها المعلمون الملحدون ذريعة للتشكيك بالخالق المبدع علما بان العلم نسفها من القواعد والقاها فى سلة المهملات . ـ وفى كتب الأدب تركيز على حجاب المرأة المسلمة ووصمة بأنه من مظاهر التخلف والرجعية ونعته بانه من أكفان الحياة !!

ـ وفى كتب التاريخ مسخ للحقائق التاريخية وتشويه لسيرة أبطال أبدعوا فى فتوحاتهم وسطروا آيات المجد والخلود فى جبين التاريخ لعظم مواقفهم وتضحياتهم .. هذا عدا عن تجسيد التاريخ الغربى والبطولات الأوربية بهالة من العظمة والأمجاد والتقليل من سيرة الآباء والجدود بصفحات معدودات لا تروى فكرا ولا تحرك مشاعر .

أما الثقافة الفكريةفيتولاها كتاب وشعراء وفنانون وأدباء .. ليقوموا بمهمة تخدير الشعوب والتشكيك بالتراث والتسبيح بحمد الطغاة ودعوة الجيل الى الولوج فى متاهات الرجس والدنس والجرى وراء الميوعة والانحلال .. حتى لا يحس الجيل بظلم ولا جور ولا ينتفض أمام مستبد أو طاغية ولا يتحرك لدعوة أو جهاد أو مثل أعلى ..

ورسالتهم المضلله هذه تتلخص :

ـ فى احلال العامية محل اللغة العربية الفصحى لتزول اللغة الفصحى التى هى لغة القرآن .

ـ فى شن الحرب على النحو العربى باعتباره صعبا فى زعمهم .

ـ فى توجيه الهدم الى الشعر العربى لنبذ القافية والوزن

ـ فى توجيه الطعن الى السنة النبوية للتشكيك بالاحاديث الصحيحة منها .

هذا عدا عن الهدم فى التاريخ الاسلامى وتفسيره ماديا وإثارة الشبهات حوله . وقد حمل لواء الحرب على الفصحى " أحمد لطفي " و" لويس عوض " و" سعيد عقل " و" عبد العزيز فهمي " ..

وحمل لواء الحرب على النحو العربى " طة حسين " و " أنيس فريحة "

وحمل لواء الحرب على الشعر العربى " نزار القباني " و " محمود درويش " و " سميح القاسم " .

وحمل لواء الحرب على السنة النبوية " أبو ريا " و" صالح أبو بكر " و" عبد الوارث كبير " ..

وحمل لواء الحرب على التاريخ الاسلامى " فيليب متى "

وجورجي زيدان " و " سلامة موسى " ..

الى غير ذلك من هؤلاء المضللين الأرجاس الذين باعوا أقلامهم للشيطان واتبعوا سبيل أسيادهم من المستشرقين والمستعمرين .

وفى وسائل الاعلام :

سخرت أجهزة التلفاز والاذاعة والمسارح الشعبية والمراكز الثقافية والصحف والمجلات والكتب الفكرية ..فى كثير من المجتمعات الاسلامية التى تحكمها اللادينية سخرت لأهداف ذميمة ألا وهى انحراف الأجيال المسلمة عن عقيدة الإسلام ومبادىء الإسلام وأخلاق الإسلام .. بل أكثر برامجها ومواضيعها ودعوتها ترمى الى هدر الشرف وتشجع على الخناوالزنى والسفور والاختلاط والخيانات الزوجية والمفاسد الاجتماعية .. وقليل من برامجها ومواضيعها ما تهدف الى علم وتوجه الى خير وتنبىء عن خير !!

والأنكى من ذلك والأشد أن هذه الوسائل الاعلامية تسخر أيضا للتسبيح بحمد الطغاة والتمجيد بهم والتبرير لجرائمهم .. وتسخر كذلك لتسليط الأضواء على الحركات الاسلامية فلا تتورع أبدا أن تتهم دعاتها وقادتها بالعماله للأجنبى وتصمهم بالتخلف والرجعية وترميهم بأنهم أداة تخريب وإجرام وخطر على الأمن والسلام والوحدة الوطنية .. وهكذا يفعلون .

وفى المجال الاقتصادى :

ابتزاز الأموال عن طريق المصارف والبنوك الربوية وإقامة شركات التأمين القائمة على الاستغلال وإنشاء الملاهى والمسارح الليلية لامتصاص الأموال عن طريق الجنس والخمر والانحلال والنظر الى المادة على أنها معبود من دون الله ..

والأ دهى من ذلك والأمر أن تفتح فى البلاد الاسلامية أسواق تجارية لمنتوجات الغرب الرأسمالى أو الشرق الشيوعى .. دونما تخطيط لمشروع مصنع أو العمل لتكوين شركة ..

وإذا وجد من أغنياء المسلمين من أقام مصنعا وطنيا أو سعى الى شركة إسلامية مساهمة ..فما يكون من حظهم فى نهاية المطاف إلا المصادرة والتأميم ..وهذا أمر واقع على الأخص فى المجتمعات الاسلامية التى تحكمها الاشتراكية أو الشيوعية!!

هذا عدا عن التضييق على أرباب الأسر فى أمر معايشهم وحجب المواد التموينية الأساسية عنهم وإذلال الشعب فى إلجائه الى الوقوف وراء الطابور ليحصل على بعض ما يحتاجه من مواد ضرورية وقد تبلغ زمنية الوقوف ساعات وساعات مع ما يتحمله الواقف من الحر أو البرد

وفى مخططات أعداء الإسلام :

كل القوى المعادية للإسلام والمتآمرة عليه من صليبية ويهودية وشيوعية وماسونية وتبشير واستعمار . واستشراق .. كل هذه القوى المعادية والمتآمرة متضافرة متعاونه متوحدة فى حرب الإسلام واستئصال العقيدة الربانيةمن نفوس المسلمين بل وسائلها فى التدمير والابادة والتشكيك والتضليل والتنصير والتبشير باقية مستمرة تحت بصر وسمع الحكومات اللادينية التى تحكم بلاد الإسلام .

ـ وكم سمعنا عن نشاط التبشير والتنصير فى اندونيسيا وشمال افريقيه و لبنان ؟ !..

ـ وكم سمعنا ورأينا عما وصل اليه اليهود من مخططات وأهداف فى احتلال الاراضى الفلسطينية واغتصاب المسجد الاقصى واغتصاب مرتفعات الجولان ؟ !..

ـ وكم سمعنا عما فعله الشيوعيون فى بخارى وتركستان المسلمة ويوغسلافيا والآن فى أفغانستان ...؟ وقد أبادوا من المسلمين الملايين !!.

ـ وكم سمعنا عما فعلة الصليبيون والمستعمرون قديما وحديثا فى بلاد الإسلام من تدمير واحتلال وإذلال للعباد وتجزئه للبلاد وتهيئه للعملاء وفصل الدين عن الدولة وواقع الحياة ؟ !..

وهكذا يخططون وينفذون !!..

هذا غيض من فيض مما آلت اليه المجتمعات الاسلامية بعد أن ألغيت الخلافة الاسلامية وغيبت الشريعة الربانية عن واقع الحياة وأصبحت السيادة للقانون والتشريع للبرلمان والحاكمية للحكومات العلمانية اللادينية .. وكان ذلك منذ عام 1924 م الى زماننا هذا .

فإذا كان هذا حال المجتمعات الاسلامية كما استعرضنا واقعها العام وأحوالها الراهنة وأوضاعها الأسيفة المريرة فالأمر يستوجب من الدعاة والعلماء والعاملين فى حقل الحركات الاسلامية أ، يجمعوا ويبذلوا جهدهم ويوحدوا صفهم .. ليثنطلقوا من جديد فى مضمار الدعوة الاسلامية وفى ميدان العمل الاسلامى عسى أن يعيدوا لأمة الإسلام دولتها الرائدة وخلافتها الراشدة وعزتها المنيعة ومكانتها المرموقة تحت الشمس لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ..على ضوء هذا المبدأ الذى اصله الفقهاء وعلماء الأصول : وجب على القائمين على الحركات الاسلامية المخلصة أن يعلموا أن بلاد الإسلام فى كل مكان يجب أن تكون محررة صافية إلا من مسلم صادق أو ذمى معاهد وما عداهم من مرتدين أو ملحدين أو شيوعيين أو اشتراكيين أو مستعمرين أو صهيونيين .. فلا يصح أن يقر لهم فى بلاد الإسلام قرار ويكون لهم فيها وجودواستقرار .

فالمؤمنون لا يتحققون بصفةالاعزة الاسلامية فى دار الإسلام وأرض المسلمين إلا أن يتحسسوا الحالة الأليمة التى وصلت اليها ا لمجتمعات الاسلامية فى كل مكان ثم يقوموا قومة رجل واحد فى التوعية وتبليغ الدعوة والالتفاف تحت قيادة واحدة والسعى الى تكوين جبهة واحدة حتى اذا وصلوا الى مرحلة القاعدة الاسلامية الصلبة وأصبحوا مهيئين لمجابهة أعداء الله طهروا أرض الإسلام من كل مرتد اثيم أو ملحد أفاك أو مستعمر غاشم أو شيوعى مجرم أو يهودى ماكر .. عندئذ يعلم أعداء الإسلام فى كل مكان أنه لا حياة لهم فى أرض الإسلام إلا باسلام أو ذمة !!

ومن يوم مافقدت الشخحصية الاسلامية صفة العزة والاستعلاء على ا لآخرين .. تفكك المجتمع الاسلامى من مشرقة الى مغربه وأصيب بالذلة والدمار والتخلف .. حتى استطاع اليهود بمعاونة الماسون فى بلاد الإسلام أن يقوضوا عرش الخلافة الاسلامية وأن يفتتوا الوحدة السياسية وأن يزرعوا فى أرض الإسلام الفساد واستطاع الباطنيون أن يسيطروا على بقعه من أرض الإسلام وأن يجعلوا أعزة أهلها أذلة واستطاع الشيوعيون أن يضعوا أيديهم على كثير من بلاد المسلمين وأن يذيقواأهلها القتل والتشريد والدمار واستطاع اللادينيون أن يتحكموا فى أقطار ينتسب أهلها الى الإسلام وأن يبعدوا الإسلام عن نظام الحكم ومناهج الحياة واستطاع النصارى أن يستولوا على أجمل البقاع فى بلاد الإسلام وان يجعلوها تحت حكمهم وسيطرتهم واستطاع اليهود أيضا أن يقيموا دولة فى فلسطين وأن يغتصبوا المسجد الأقصى وان يفعلوا بالمسلمين الأفاعيل !!..

وهذا فى الواقع لا يتأتى ـ كم ا ألمحنا ـ إلا أن يستشعر الجيل المسلم فى هذاالعصر معنى الواجب الذى كلفهم الشرع به ومعنى المسئولية التى حملهم الإسلام إياها فإقامة حكم الله فى ا لارض هو من أعظم المسئوليات وتحرير بلاد الإسلام من الالحاد والكفر والانحلال هو من أقدس الواجبات الا فالينهض الجيل الاسلامى اليوم بمسئوليته وليؤدى ما أ وجب عليه الإسلام : لأنه كما قال علماء الاصول :" ما لا يتحقق الواجب إلا به فهو واجب " وإن لا فإن الحساب عند الله عسير والوقوف عن السؤال رهيب .

النصوص التى تدل على التزام الجماعة

تحقيق الواجب فى اقامة حكم اسلامى وبناء دولة اسلامية واحدة .. لا يتأتى غلا ان ينتمى شباب الإسلام ورجال الدعوة الى ا لله .. الى جماعة اسلامية مخلصة تعمل للإسلام وتجاهد فى سبيله.. الى أن يأذن الله بالفتح والنصر ..

ولو استعرضنا نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية وما أ جمع عليه سلف الأمة لوجدناها تأمر أبناء الأمة الاسلامية وتلزمهم فى ان يكونوا فى ا لأمة جماعة اسلامية يلتف المسلمون حولها وينتمون اليها ويعملون معها ..

فى الحديث الذى رواه البخارى عن حذيفة بن اليمان رضى الله عنه قال : كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركنى ... قلت :

فهل بعد ذلك الخير من شر ؟ قال : " نعم دعاة على ابواب جهنم من أجابهم اليها قذفوه فيها " قلت : يارسول الله صفهم لنا قال : "هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا " قال حذيفة : فما تأمرنى إن أدركنى ذلك قال:" تلزم جماعة المسلمين وإمامهم ..." .

وروى الترمزى وابن مبارك عن ابن عمر رضى الله عنهما عن عمر الفاروق رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال :"عليكم بالجماعة فإن ا لشيطان مع الواحد وهو مع الاثنين أبعد من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة " .

وأخرج الترمزى عن ابن عباس رضى الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يد الله مع الجماعة " .

وأخرج الامام أحمد بسند صحيح عن ا لحارث الأشعرى رضى ا لله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " وأنا آمركم بخمس ، الله أمرنى بهن : بالجماعة ، والسمع ، والطاعة ، والهجرة ، و الجهاد فى سبيل الله فإن من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه الى ان يرجع وإن صلى وصام ؟ قال : وإن صلى وصام وزعم انه مسلم " !!..

وأخرج الامام أحمد بسند جيدعن معاذ بن جبل رضى الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن الشيطان ذئب الانسان كذئب الغنم يأخذ الشاة القاصية .. وإياكم والشعاب وعليكم بالجماعة والعامة " .

ج ـ أما ما أجمع عليه سلف الأمة فنقتطف هذه الأقوال :

أخرج الدارمى عن الخليفة الراشد عمر الفاروق رضى الله عنه قوله : لا اسلام إلا بجماعة ، ولا جماعة إلا بإمارة ولا إمارة إلا بطاعة .

وقال بن حزم فى الملل : أجمع أهل السنة والمرجئة والشيعة والخوارج .. على وجوب نصب الإمام .

ويقول بن القيم فى أعلام الموقعين فى هؤلاء الذين يتركون الدعوة الى الله ويعتزلون العمل الجماعى ويتخلون عن إقامة الحكم الاسلامى : .. هؤلاء فى نظر العلماء من أقل الناس دينا فأى دين ؟ وأى خير ؟ فيمن يرى محارم الله تنتهك وحدوده تضيع ودينه يترك وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يرغب عنها .. وهو بارد القلب ساكن اللسان شيطان أخرس ؟!! وهل بلية الدين إلا من هؤلاء الذين إذا سلمت لهم مآكلهم ورياستهم .. فلا مبالاة بما يجرى على الدين ؟ وهؤلاء مع سقوطهم من عين الله ومقت الله لهم .. قوبلوا فى الدنيا بأعظم بلية وهم لا يشعرون موت القلوب فإن القلب كلما كانت حياته أتم كان غضبه لله ورسوله أقوى وانتصاره لدين الله أكمل .. أهـ .

ـ فمن هذه النصوص يتبين أنه يجب على ا لمسلمين أن يكونوا فيما بينهم قيادة سياسية وجماعة اسلامية واحدة يحققون عن طريقها حكم الله فى الأرض ويقيمون بسببها خلافة اسلامية راشدة .. لأن معظم تكاليف هذا الدين جماعية والمسلم لا يستطيع بمفردهأن ينهض بها بنفسه لا يمكنه بحال أن يحقق للمسلمين عزا وللشعوب الاسلامية دولة .. إلا بالانتماء الى جماعة إسلامية رائدة مخلصة يتعاون معها ويعمل ويجاهد تحت قيادتها ..الى ان تصل الى هدفها الأكبر فى إقامة الحاكمية لله فى البلاد الاسلامية التى تحكمها حكومات لا دينية وتقودها قيادات استعمارية أو شيوعية أو اشتراكية !!.

وعلى هذا قال علماء الأصول ـ كما ألمحنا ـ : " ما لا يتحقق الواجب إلا به فهو واجب " فأعادة الخلافة الراشدة هو من أعظم الواجبات واسترجاع الحاكمية لله فى أرض الإسلام هو من أقدس الغايات .

ومن أبسط البديهيات أن ا لجماعة الاسلامية التى تؤدى هذه المسؤوليات وتحقق هذه الأهداف لا بد لها من أمير والأمير لا بد أن يبايع والبيعة للأمير تتطلب الطاعة والالتزام والطاعة يتولد منها العمل للإسلام و الجهاد فى سبيل الله و الجهاد ـ إن أحكم ـ يوصل المؤمنين الى الهدف الأكبر فى إعزاز دين الله وتمكين حكم الله فى الأرض !!..

من أجل هذا قال عليه الصلاةوالسلام ـ كما روى مسلم ـ : ومن مات ولم تكن فى عنقه بيعة مات ميتة جاهلية" ومن أجل هذا أمر عليه الصلاة والسلام المسلمين أنهم إذا كانوا فى سفر وكانوا ثلاثة وجب أن يؤمروا عليهم واحدا فكيف إذا كانوا أكثر وأكثر وكانوا عندهم القدرة والاستعداد فى وضع خطة كاملة مستتبعة الحلقات واضحةالأهداف .. فى تغيير واقع المسلمين المرير الى ما هو أفضل .. فإن إيجاد القيادة وتنصيب الأمير واجب عليهم من باب أولى !!..

ومن أجل هذا أمر النبى صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يسمعوا ويطيعوا ولو تأمر عليهم عبد حبشى وما ذاك إلا للانضباط وسير العمل وتماسك البناء وتحقيق الهدف فقد أخرج البخارى عن أنس رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى ا لله عليه وسلم " اسمعوا واطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشى " .

ومن أجل هذا أوجب الإسلام على كل من عقد البيعة للأمير وأعطى الطاعة له .. أن يكون وفيا لها مستمرا عليها الى أن يموت فلا يصح له نقضها والخروج عليها إلا إذا أمر بكفر بواح 1 فقد روى مسلم فى احدى رواياته " ومن مات وهو مفارق للجماعة فإنه يموت ميته جاهلية " .

ما الغرض من تأمير الأمير والبيعة ؟ وما الغاية من أعطائه السمع والطاعة ؟ وما الأخطار التى تترتب عن مفارقة المسلم للجماعة ؟

الغرض هو تماسك البناء وتلاحم القاعدة .. والغاية هى تحقيق الانضباط وسلامة السير فى العمل والخطر هو هبوب العاصفة وإحداث البلبلة والانقسام وهكذا حتى تظل الجماعة الاسلامية متلاحمة فى وحدتها متحققه فى انضباطها بعيدة كل البعد عن كل ما يمزقها ويشق عصاها ويشلها ..

صحيح أن كل ما استشهدنا به من أحاديث الامارة والبيعة والطاعة والتحذير من شق الجماعة .. منصب كله على ا لامامة الكبرى .. ولكن نقول : إن الامامة الكبرى غير موجودة حاليا فى المسلمين فالجماعة الاسلامية المخلصة التى تعمل جاهدة دائبة على ايجادها وإبرازها فى عالم الواقع هى أحق بأن يلتزمها المسلم ويعطى ا لبيعة والطاعة لأميرها .. بل ألأمير الذى اتفق على بيعته الكثير من العاملين للإسلام فى المجتمعات الاسلامية هو الذى ينوب مناب الامام الأكبر الى ان ينصب الامام عند قيام دولة المسلمين الواحدة واستعادة الخلافة الرائدة .. مما ذكرناه يتبين أن الأحق بالإمارة والبيعة والسمع والطاعة حاليا هو والأمير الذى تتفق على إمارته وبيعته الحركات الاسلامية الواعية فى كثير من بلاد الإسلام وكان بين قادة هذه الحركات جميعا تعاون وتنسيق وتفاهم وتخطيط ووحدة مناهج وهدف مع الأمير الأصل وهذا متحقق قائم والحمد لله . فلا عذر للمسلم أبدا فى أ ن يتسيب أو يعتزل او يتقاعس .. ما دام للمسلمين ـ كما نوهنا ـ إمارة وقيادة وجماعة يثقون بها ويعقدون الأمل عليها وترنوقلوبهم إليها وتتسع مع الزمن دائرتها وتنمو فى الشعوب قاعدتها . . وصفوة القول : إن وجود الجماعة الاسلامية ذات الوسائل والأهداف والحركية .. فى بلاد الإسلام فريضه شرعية وضرورة حتمية للأمور التالية : للحالة المتردية والأوضاع الأليمة .. التى وصلت إليها المجتمعات فى شرق البلاد الاسلامية وغربها وهذا ما يستدعى أن تكون هذه المجتمعات أكثر أنطلاقة وحركية وأمضى جهدا وعملا .. فى استعادة الوحدة والعزة والأمجاد والعمل بمنهجية الإسلام ..

لوجود المسلمين الذين إذا وجد من يستنهض هممهم ويستثير عزائمهم وينفخ روح التوعية والدعوة فيهم .. تحركوا للإسلام وبذلوا الجهد والمال وجاهدوا فى الله حق جهادة ..

للقاعدة الأصولية التى تقول : ما لا يتحقق الواجب إلا به فهو واجب وهى من القواعد التى تفرض على المسلمين أن يقيموا حكم الله فى الأرض .. لوفرة إمكانياتهم وكثرة عددهم وانتشار علمائهم ودعاتهم وإيجاد جماعتهم وقيادتهم ..

للنصوص الشرعية التى تلزم المسلمين ـ وعلى الأخص الشباب ـ الانتماء الى جماعة تركز على التربية وتلتزم الإسلام وتستهدف الحكم بما أنزل الله وتستعيد وحدة المسلمين .. فهل ما بعد ما ذكرناه حجة أو عذر لشباب الإسلام فى العزلة عن العمل الاسلامى والتخلى عن مسيرة الدعوة الى الله والقعود فى حظيرة اليائسين المثبطين ؟ !!

فى تقديرى أنه لا عذر لهم ولا حجة .. والله سبحانه مسائل الجميع فى يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون.

4ـ ما مواصفات الجماعة الاسلامية المنقذة ؟

وإذا كان لابد للمسلم أن ينتمى الى جماعة إسلامية ينضوى تحتها ويعطى ولاءه لها ويتكون عقديا وتربويا ونفسيا وجهاديا .. فى مدرستها ويعمل جاهدا مخلصا مثابرا مع قادتها وأعضائها .. فعليه أن يبحث واعيا فى مواصفات هذه الجماعة المنقذه الرائدة لتقوده الى مافيه صلاحه ومصلحته فى دينه ودنياه وآخرته وليكون لعمله معها شأن وأى شأن فى بناء عزة الأمة الاسلامية واستعادة أمجادها السياسية وتاريخها المشرق الوضىء وحضارتها الزاهية المعطاءة !

وأرى أن هذه المواصفات تتركز فى النقاط التالية :

1ـ أن تتخذ القرآن الكريم والسنة المطهرة والقياس والاجماع وقواعد الأصول والفقه وأقوال الأئمة الثقات مرجعا أساسيا فى تقنين القوانين وسن الأنظمة لإقامة المجتمع الاسلامى الفاضل .. ويندرج تحت هذا :

أن تتخذ الجماعة شعار " لا اله الآ الله " منهج حياة وهى أن تكون الألوهية لله وحده وأول مدلولاتها فى ا لحياة أن تكون الربوبية والحاكمية والسلطان والتشريع لله الواحد الأحد .

أن تحرص الجماعة فى مناهجها وفى تلقين أفرادها على إفراد الإله بالعبادة والطاعة وعلى الاعتقاد بأن الرب وحده الخالق الرازق المحيى المميت بيده ملكوت كل شىء وعلى الايمان بأن الله عز وجل واحد بأسمائه الحسنى وصفاته العليا المنزهة عن كل نقص وإثبات الصفات لله دون تعطيل ولا تمثيل ولا تأويل اقتداء بالسلف.

أن تقوم الجماعة بمسؤوليتها فى رد الأمة الاسلامية فى المشارق والمغارب الى مفهوم " لا اله الا الله " والعمل بمقتضياتها والسير على حقيقة منهجها .. لتستأنف الأمة حياة الإسلام والحكم بما أنزل الله واستعادة الخلافة الراشدة . ثم تقوم الأمة الاسلامية بدورها فى رد البشرية الى الله وبتعريفها بمفهوم لا اله الا الله ..

2ـ أن يكون لدى هذه الجماعة وضوح فى الوسائل والأهداف وأسلوب العمل .. لمواجه تحديات المؤامرات الخطيرة التى تحيكها اليهودية الماكرة والصليبية الحاقدة والشيوعية الملحدة وعملاؤهم فى الداخل ضد الدين ودعاته وأتباعه .. وذلك بكشف مخططاتها وتحذير أمة الإسلام من أن يقعوا فى شباكها وتحصين شباب الإسلام من أن تلفحهم لهيبها ويتأثروا بسمومها ومضاعفة جهود الدعاة والعاملين فى ا لجماعة فى استئصال آثارها وظواهرها من أرض الإسلام ..

3ـ أن تعنى الجماعة بتربية أفرادها إيمانيا وخلقيا وعقليا وتقوم على تكوينهم جسميا واجتماعيا ونفسيا .. وأن تعدهم منذ انتمائهم عسكريا وجهاديا وحركيا .. وأن تخلع عنهم رواسب الاوضاع الجاهلية عقيدة وفكرا وسلوكا وأن توصلهم بالله عز وجل عبادة ومراقبة ومحاسبة وأن تربطهم بأنظمة الإسلام منهجاوعملا وتطبيقا .

4ـ أن تتخذ الجماعة كل ما تستطيع من أسباب شرعية ووسائل مادية للإقامة دولة الإسلام فى أرض الإسلام وتنصيب الخليفة الراشد على المسلمين .. حتى إذا تم لها ذلك انطلقت مع أمة الإسلام فى رحاب العالم تحرر البشرية من تعسف الطغاة وبغى العتاه وتأليه المتألهين .. عسى أن تثوب البشرية الى الله ويظهر الإسلام على الدين كله ..

5ـ أن يكون لهذه الجماعة فروع ممتده ومنتشره فى العالم الاسلامى هنا وهناك تعمل بروح واحدة وتسير بفكر واحد وتسمع لقائد واحد وتنطلق نحو هدف واحد .. لتستطيع بتماسكها وقوتها ووحدتها أن تقوم بدورها فى الاصلاح والانقاذ والتغيير ..

6ـ أن يكون فى طاقة هذه الجماعة تأثيرات فكرية بالغه على المفاهيم المقلوبة والتصورات المعكوسة التى يموج فيها المجتمع الجاهلى حيث تستطيع أن تنقل هذا الفكر الاسلامى من فكر يستحى منه أبناؤه أن يعلنوه ويذيعوه الى فكر يعتزون به ويعجبون له ويدعون اليه ..

7ـ أن تحيى هذه الجماعة فى نفوس أبنائها بشكل خاص ونفوس المسلمين بشكل عام فكرة الجهاد فى سبيل الله وأن تهىء له مناخه الملائم ووسائله العملية لتحرير العالم الاسلامى من التبعية البغيضة للغرب أو الشرق وتحرير فلسطين ومسجدها الأقصى من براثن اليهودية الماكرة وتحرير المجتمعات الاسلامية من كل مستعمر غاشم وعميل خائن وطاغية أفاك .. وأن تقدم فى سبيل ذلك أفلاذ أكبادها وزهرة شبابها وخاصة رجالها كنماذج حية للتضحية والاستشهاد والفداء ..

8ـ أن يكون فى طبيعة دعوة هذه الجماعة تكامل وفى نظامها شمول وفى اهدافها وضوح حيث لا تقتصر على جانب من الإسلام دون جانب ولا تغلب واجبا على حساب واجب آخر فهى تعنى بالفرد كما تعنى بالاسرة وتهتم بالدولة كما تهتم بالمجتمع بل التوازن شعارها والتكامل طريقتها والشمولية منهجها وهداية البشرية هدفها ومسيرتها على درب العزة والنصر من أسمى أمنياتها ..

9ـأن يكون من منهج هذه الجماعة خطة عمل يكون من هدفها : تلاحم الحركات الاسلامية المخلصة فى ا لعالم الاسلامى تحت جبهة واحده وأن يكون بينها وبين هذه الحركات تعاون وتنسيق وترابط .. من أجل إعزاز دين الله وإقامة حكم الله فى الأرض ونشر رسالة الإسلام فى العالمين ..

10ـ أن تقتل هذه الجماعة روح اليأس والقنوط فى نفوس المسلمين وأن تبعث فيهم روح الأمل والتفاؤل فى اعادة الكيان الاسلامى واسترجاع بنائه الشامخ ..عسى أن يهب المسلمون من رقادهم وعسى أن يصحوا من ثباتهم وعسى أن تتحرك همومهم العالمية وعزائمهم الفتية ليطلوا على العالم الانسانى بعزة سامقة ومجد عريض وكيان متماسك مشيد .

11ـ أن يكون للجماعة فى تحقيق أهدافها منهج شامل وخطة عمل واضحه ونظرية فى التطبيق قائمة ..

حيث تركز على النقاط التالية :

أـ منهاج فكرى تربوى حركى جهادى يتدارس أفراد الجماعة من خلاله كل ما يفيد المسلم فى دينه ودنياه وآخرته ويسيرون على اسسه وتوجيهاته نحو مجد مؤثل وعز مشيد .

ب ـ منهاج سليم ورائد فى تربية الجماعة يربط الافراد ربطا منسجما محكما تتحقق فيه الأخوة والولاء والانسجام ويعمق روح الثقة والطاعة بين القيادة والقاعدة ويكفل لهذه الجماعة مناعة قويه ضد الاضطرابات والشقاق والانقسام .

جـ ـ خطة رشيدة للعمل وتخطيط مناسب للتنفيذ تنسجم مع طبيعة المرحلة وتتفق مع مصلحة الدعوة .. وبدون هذه الخطة والتخطيط تتحطم الجماعة وتتبعثرعلى صخرة الواقع الملىء بالاحداث والمفاجآت والمؤامرات .

د ـ نظرية صالحة للتطبيق تأخذ بيد الفرد من طور الى طور وتتدرج به من مرحلة الى مرحلة وتشبع تطلعاته وطموحاته وتجيب على تساؤلاته وأشكالاته وتحل سائر أخطاؤه ومشكلاته وترفع من مستواه العقلى والنفسى والحركى .

12 ـ أن تركز الجماعة على الناحيه العملية التطبيقية على الناحية الفكرية النظرية .. حتى لا يتحول الإسلام الى ترف فكرى وتصور ذهنى وفلسفة عقلية وجدلية .. ذلك أن الإسلام عقيدة وعمل وتزكيه وجهاد .. " ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل " كما قال الصادق المصدوق عليه ا لصلاة والسلام .

على ضوء هذا العرض الاجمالى لمواصفات الجماعة الرائدة فى المناهج والأنظمة والخطط والوسائل والأهداف يمكن للمسلم الواعى والشاب الحصيف أن يوازن بعين البصيرة والواقع بين هذه الجماعات الاسلامية الحاضرة من خلال فكرها ومناهجها وواقعها ونظرتها الشمولية الى الكون والحياة والانسان ..

فإذا وجد الشاب هذه الجماعة التى تختص بهذه المواصفات وتتميز بهذه الخصائص .. وجيب عليه شرعا أن ينتمى اليها ويعمل معها ويكثر سوادها ويوسع من قاعدتها .. حتى يتم فى نهاية المطاف لهذا الدين أنتصاره ولهذا الإسلام تمكينه وامتداده .. ونريد أن نمن على الذين استضعفوا فى الارض ونجعلهم أئمه ونجعلهم الوارثين " القصص : 5 .

وعلى تباشير الصحوة الاسلامية التى اطلت برأسها على العالم الاسلامى منذ منتصف القرن الرابع الهجرى وجدت الجماعة الاسلامية التى تتصف بالمواصفات التى ذكرها والحمد لله .

هذه الجماعة اصبحت يعرفها القاصى والدانى ويذكرها الخاصة والعامة ويعترف بقوتها وامتدادها الأصدقاء والأعداء وهى منتشره بفروعها فى العالم الاسلامى فى كل مكان وهى التى يعقد عليها المسلمون الأمل فى إقامة دولة الإسلام وهى التى تلتزم منهج السلف من أهل السنة والجماعة وهى التى تعنى بالفرد والأسرة والمجتمع عقيدة وعبادة وخلقا وتعاملا وجهادا على أسس الشريعةالربانية وهى التى ينادى شبابها بالاسلام دينا ودولة ومصحفا وسيفا وتزكية وجهادا وعبادة وتشريعا وهى ا لتى يرفع أعضاؤها فى كل مكان شعار الله غايتنا والرسول قدوتنا والقرآن منهجنا و الجهاد سبيلنا والموت فى سبيل الله أسمى أمانينا وهى التى تطالب الحكومات العلمانية بالحكم بما أنزل الله واستئناف حياة الإسلام ولالتخلق بخلق القرآن . والأمل فى المسلمين اليوم منعقد وقائم بأنه لابد إن شاء الله ان تأتى اللحظة التى تكون فيها الحركات ا لاسلامية المخلصة فى ا لعالم الاسلامى منضمة تحت راية واحدة ومنصهرة فى بوتقه واحدة وتقودها جبه واحدة وتسعى جهدها لتحقيق غاية واحدة .. فعلى يديها ـ بتوفيق الله ـ تقوم الخلافة الراشدة ويقوم المسلمون بدورهم فى انقاذ العالم وهداية البشرية .. وما ذلك على الله بعزيز .

اقول التفاؤل قائم والأمل منعقد لأن رسول الانسانية صلوات الله وسلامه عليه بشرأمته بأنه لآ بد أن تنبثق منها جماعة عبر القرون ظاهرة على الحق تكافح وتجاهد الى أن يرث الله الأرض ومن عليها . روى الشيخان عنه صلى الله عليه وسلم : " لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتى أمر الله " .

ومما يدل عليه الحديث النبوى الشريف أن هذه الطائفة التى عناها النبى صلى ا لله عليه وسلم قائمة وموجودة فى عصرنا اليوم وأنها رفعت الراية التى ينبغى أن ينضوى تحتها المسلمون وفتحت المدرسة التربوية الدعوية التى ينتمى اليها المسلمون ووضحت معالم الغاية التى يتوجه اليها المسلمون .. والمسلم النابه الحصيف والشاب الكيس الفطن لا بد أن يكون عرف من هى ؟ وقرأ الكثيرعن أعمالها وجهادها واطلع على معالم أفكارها ومنهجها وتعرف على كبار دعاتها وقادتها وسمع عن انتشارها وامتدادها .

إذن كان الأمر كذلك فلا عذر لمسلم بعد أن علم هذا كله أن يقعد أو يتسيب أو يتواكل ..بل يجب عليه أن ينتمى الى عضوية هذه الجماعة ليدفع بعجلة العمل الاسلامى الى الامام ويوسع من دائرة القاعدة التى تضم الالاف والآلاف من شباب الإسلام فإذا فعل ذلك فيكون قد ساهم فى بناء العزة الاسلامية السامقة واستعادة الأمجاد التاريخية الغابرة وإقامة الدولة الاسلامية الواسعة العريضة فى العالمين ..

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .

5 ـ ما مقومات الدعوة الجماعية للحفاظ على بقائها ؟

الدعوة الجماعية المنقذة الهادية لا بد لها من مقومات تحفظ لها كيانها وتعيد لها أصالتها وتدفع بعجلتها نحو الامتداد والعزة والبقاء ..

وأرى أن هذه المقومات تتركز فى النقاط التالية :

1ـ الفهـــــم :

لابد ان يلقن دعاة الدعوة الجماعية أفراد جماعتهم حقيقة الإسلام ليصبح عندهم الفهم الواضح فى مسائل الشريعة وفى خصائص الدعوة وفى التصور الصحيح لهذا الدين ..

أما الفهم فى مسائل الشريعة فتتركز :

ـ أن يفهم شباب الدعوة أن الإسلام عقيدة وعمل ودين ودولة ونظام حكم ومنهج حياة ومبعث حضارة وعامل أمن واستقرار ..

ـ وأن يفهموا أن الكتاب والسنة والقياس والاجماع مصادر أساسية لإستنباط الأحكام .

ـ وأن يفهموا أن الطريق الى فهم القرآن الكريم لغة العرب وأن الطريق الى معرفة ا لسنة رجال الحديث الثقات ..

ـ وأن يفهموا أن الايمان الصادق والعبادة ا لصحيحة نور يقذفه الله فى قلب من يشاء من عباده وأن الالهام والخواطر والرؤى ليست من أدلة الأحكام .

ـ وان يفهموا ان التمائم والكهانة والودع وادعاء معرفة الغيب منكر يجب أن يزول وأن رأى الامام ونائبه معمول به مالم يصدم بنص .

ـ وأن يفهموا أن كل واحد يأخذ من كلامه ويرد الا المعصوم صلى الله عليه وسلم .

ـ وأن يفهموا أن على كل مسلم لم يبلغ درجة الفهم والنظر والاستنباط فى أدلة الاحكام أن يتبع إماما من أئمة الدين الثقات .

ـ وأن يفهموا أن الخلاف الفقهى لا يكون سببا للتفرقة فى الدين ..

ـ وأن يفهموا أن آيات ا لصفات وأحاديثها يجب أن يؤمنوا بها كما جاءت من غير تأويل ولا تعطيل .

ـ وأن يفهموا أن كل بدعة فى ا لدين بالزيادة فيه أو النقص منه ضلاله تجب محاربتها وأن الآولياء والصالحين هم الذين آمنوا وكانوا يتقون وأنهم لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا فضلا على أن يهبوا أشياء من ذلك لغيرهم .

ـ وأن يفهموا أن زيارة القبور للرجال سنة مشروعة بالكيفية المأثورة ولكن تشييدها أو الاستعانة بأصحابها منكر كبير يجب محاربتها ..

أما الفهم فى خصائص الدعوة فتتركز : أن يفهم شباب ا لدعوة أن الدعوة الاسلامية تختص بهذه الخصائص :

أ ـ انها تختص بالربانية ومعنى الربانية انها ليست من صنع البشر ولا من عمل انسان وانما هى تنزيل من حكيم حميد .

ب ـ وانها تختص بالعالمية ومعناها أن الرسالة حين نزلت لم تنزل للعرب خاصة وإنما نزلت للبشرية كافة لتعمل بهديها وتسير على منهجها .

جـ ـ وانها تختص بالشمول ومعناه أن الدعوة شملت جميع نواحى ا لحياة سواء ما يتعلق بالعقائد والعبادات والآخلاق والمعاملات أو ما يتعلق بالقوانين العامة من مسائل مدنية وأمور جنائية وأحوال شخصية ونظم أجتماعية أو مايتعلق بأسس الحكم ومبادىء الاقتصاد وركائز المجتمع الفاضل ..

د ـ وانه تختص بالعطاء والتجدد ومعناه ان الشريعة نزلت تفى بحاجات الزمن المتطور وتواكب حضارة العصور المتقلبه وليسما المبادىء والقواعد التى تتصل بأحكام المعاملات والمسائل الدستورية والنظم الاقتصادية والقضايا المدنية والعلاقات الدولية..

هـ ـ وأنها توفق بين المادية والروحية وذلك فى نظرة الإسلام الى الحياة على أنها وحدة متكاملة توظف المسلم على أن يؤدى حق ربه وحق نفسه وحق غيره بكل بدقة وأمانة وتوازن واعتدال .. حيث لا يغلب حقا على حق ولا يؤدى واجبا ويهمل آخر فلا يترهبن ولا يحرم على نفسه الطيبات ولا ينصرف بكليته الى الآخرة .. وإنما يعطى للروح حقها وللنفس حظها وللفطرة أشواقها وللجسمية رغائبها .. وبهذا يكون قد لاءم بين المادة والروح ووفق بين الدنيا والآخرة وواكب بين العبادة والحياة .. الىغير ذلك من هذه الخصائص التى سبق ذكرها والتفصيل عنها فى الفصل الآول من فصول مدرسة الدعاة فارجع اليه ـ أخى المسلم ـ تجد ما يشفى الغليل إن شاء الله .

أما الفهم فى التصور الصحيح لهذا الدين فاقول :

أن يفهم شباب الإسلام أنه يجب على ا لمسلمين فى العالم أن يتصلوا بكتاب الله ويتفهموه ويسترشدوه ليوقنوا من قرارة وجدانهم أن الإسلام هو هذا المعنى الكلى الشامل وأنه يجب أن يهمن على كل شئون الحياة وأن تصطبغ جميعها به وأن تنزل على حكمه وتعاليمة ..

وهذا الإسلام يجعل الحكومة ركنا من أركانه ويعتمد على التنفيذ كما يعتمد على الارشاد والحكم كما هو معلوم هو من العقائد والأصول لا من الفقهيات والفروع .. وأن هؤلاء الذين يفصلون بين الدين والسياسة ليسوا من الإسلام فى شىء ذلك لأن المسلمين الصادقين الواعين لا يعرفون الفصل بينهما لكونهم موقنين أن هذا الفصل هو كمن يفصل بين رأسه وجسمه فإذا انفصل الرأس عن الجسد هل يبقى فى الجسد المفصول بقية حياه ؟ كذلك لا يبقى فى المسلمين إذا فصلوا الإسلام عن الحكم والدين عن السياسة " بقية عزة وكيان وأمجاد بل يعيشون فى ا لحياة أذنابا كالعبيد ويمون أيديهم الى ا لدول الكبرى يستجدون ويسترحمون .

يقول الشهيد سيد قطب فى كتابه " معالم في الطريق " : والقاعدة الأساسية التى يقوم عليها الإسلام على مدار التناريخ البشرى هى قاعدة "لااله الا الله " أى افراده بها سبحانه أعتقادا فى الضمير وعبادة فى الشعائر والشريعة فى واقع الحياة ومعنى تقرير هذه القاعدة من الناحية النظرية أن تعودالحياة البشرية كلها الى الله لا يقفضون هم فى أى شىء من شؤونها ولا فى أى جانب من جوانبها من عند انفسهم بل لا بد لهم أن يرجعوا الى حكم الله فيها ليتبعوه .

2ـ التربيــــــة :

أعنى بالتربية أن يحرص دعاة الدعوة الجماعية على أن يكونوا أعضاء جماعتهم على مبادىء من التربية الاسلامية الفاضلة التى تتجسد فى التربية الروحية والتربية ا لخلقية والتربية النفسية والتربية الإجتماعية و التربية على الطاعة والجندية ...

هذه التربية عامل كبير فى بناء الشخصية المسلمة وفى وقايتها وتحصينها من أن تهتز للعوادى ومن أن تتزعزع أمام النكبات ومن أن تتأثر بمؤثرات الجاهلية ومن أن تستسلم للتمزق والشقاق .. ومن المعلوم يقينا أن أعضاء الجماعة إذا تربوا على الايمان والتزموا مبادىء الإسلام وتحققوا بألطاف الربانية وتخلقوا بأخلاق القرآن وتآخوا فى الله وتوادوا وتعاطفوا وتراحموا وتعاونوا فيما بينهم فلا تجد قوة فى الارض تمزق صفهم وتفتت وحدتهم وتوقع بينهم .. ومن المسلمات لدى رجال الدعوة والاصلاح والتربية أن المسلم إذا نشأ على مبادىء التربية الاسلامية الفاضلة ثم نزل ميدان المجتمع ورآه الناس رأو الإسلام متجسدا فى تعامله ورأوا القرآن مترجما فى سلوكه وأخلاقه بل يعطى لمن حوله القدوة الصالحة فى حالة قبل قاله وفى فعله قبل لسانه .

ومما لا يتجادل فيه اثنان أن أعضاء الجماعة إذا كانوا على هذا المستوى العظيم من التربية الربانية والخلق الرفيع ثم قاموا بدورهم فى مجال الدعوة والتبليغ فإنه يكونون أعظم تأثيرا فى الناس وأقوى تفاعلا معهم وأرجى إصلاحا لهم . ومما تجدر الاشاره اليه أن الدعوة الجماعية إذا ضعفت قدرتها على تربية أفرادها ستصاب بنيتها بالعلل والأسقام والتصدع والشقاق والآفات النفسية بل يداخلها حب الذات والانتصار للنفس والمطامع الشخصية وأحيانا يدب فى نفسية من ينتمى اليها شهوة الرآسة والجاه والطموحات الذاتية وآفة المراءاة والعجب والغرور ..

وهذه الآفات إن استحكمت واستفحلت فى جسم الجماعة فإنها ترمى بها فى متاهات الرياء ومزالق السقوط فلا بد أن يقع الجميع فى هوة المتساقطين الهالكين ..

ومما ألفت الآنظار اليه ان الدعوة الجماعية الرائدة ينبغى أن لا تقتصر فى التربية الاسلامية الشاملة على تربيةشبابها وأعضائها الناشئين .. بل ينبغى أن يشترك فى مدرستها جميع أفراد الجماعة سواء كانوا جنودا أو قياديين أعضاء أو مسؤولين .. فهؤلاء جميعا يجب أن تنظم لهم جلسات روحية وتربوية وتوعوية توصلهم بالله وتذكرهم بالاخلاص وتأمرهم بالمحاسبة وتعودهم على الطاعة والجندية وتؤدبهم على الرحمة للصغير والأدب مع الكبير وتوجههم أن يلتزموا منهج الإسلام عقيدة وعملا وأن يراقبوا الله سرا وجهرا .. وتهيب بهم أن يثبتوا على الربانية الخالصة والتربية الفاضلة .. وبهذا تتعمق مراقبتهم وخشيتهم وتكتمل فى ا لحياة إنسانياتهم وشخصيتهم بل يكونون أنموذجا حيا ومثلا فريداً.

ومما يجب أن يفهمه دعاة الدعوة الجماعية جيدا أن التربية فى الجماعة لا يتحقق غرضها ولا تؤتى فى المجتمع أكلها ولا تقطف أمة الإسلام ثمارها إلا أن تمر فى أطوار ثلاثة :

الطور الأول ـ إعداد المنهج المتكامل :

المنهج لا يكون سليما ولا يحقق غرضا حتى يكون شاملا متكاملا فى بناء الشخصيةالمسلمة من جميع جوانبها سواءكانت فكرية أو إيمانية أو خلقية أو نفسية أو اجتماعية أو حركية وحتى يستمد روحه وتؤخذ معالمه من القرآن الكريم والسنة المطهرة والسيرة النبوية الرائدة وهدى الرعيل الآول وتاريخ الإسلام المجيد ..

هذا المنهج الذى نعنيه هو نفس المنهج الذى أخرج من متاهات الجاهلية خير أمة أخرجت للناس والذى يملك أن يخرج فى كل زمان ومكان الجيل القائم علىا لحق المجاهد فى سبيل الله المنقذ للإنسانية الممدن للأمم المكرم للإنسان الصانع للتاريخ المشيد للحضارة .. فإذا كان المنهج على هذا المستوى المطلوب من التكامل والاستمداد من التراث الأصيل .. فإنه ينفخ روح العزة والقوة فى الجيل المسلم ويبعث روح النهضة والأمل فى نفوس الشباب ويهيب بأمة الإسلام أن تأخذ مكانها ومكانتها تحت الشمس ..

الطور الثانى ـ إعطاء القدوة الحسنة :

القدوة الحسنة عامل أساسى فى استمرارية الدعوة وفى نجاح عملية التربية وفى استجابة الناس لدعوة الدعاة والثقة بهم والتأثر بكلامهم .. فلا يكفى للداعية المربى أن يكون فقيها عالما أو خطيبا لا معا أو إداريا حازما أو سياسيا محنكا.. بل لابد أن يكون قبل هذا برا تقيا عابدا ورعا عفيفا كريما حليما .. عاملا بعلمه جريئا فى مواقفه أنموذجا حيا فى سلوكه وأخلاقه .. فإن لم يكن على هذه المواصفات من القدوة منع الرشد وحجب الهدى وأعدم الأثر وأوقف مسيرة الدعوة وأجهض عملية التربية ..

الطور الثالث ـ تهيئة مناخ البيئة :

إن السبيل الى تكوين شخصية إسلامية مثالية فذة فى ظل تربية اسلامية فاضلة هو أن يتهيأ لشباب الدعوة مناخ طيب وبيئة صالحة .. هذا المناخ يبدأ فى عناية الأبوين فى تربية الولد على الإسلام ومنهج القرآن .. وهذا ما يسمى بمناخ البيت ثم يأتى دور الأستاذة المربين الفضلاء الذين يأخذ عنهم الولد العلم ويتلقن مبادىء الأخلاق وهذا ما يسمى بمناخ المدرسة ثم يأتى دور العالم المرشد الذى يأتم الولد وراءه ويتفقه من دروسه ويستمع الى توجيهاته ومواعظه وهذا ما يسمى بمناخ المسجد ثم يأتى دور الرفقة الصالحة الذين إن نسى ذكروه وإن ذكر أعانوه .. وهذا ما يسميى بمناخ الصحبة ثم يأتى دور الدعاة الذين ارتبط بهم وتلقى عنهم والتزم منهجهم ونفذ عهدهم .. وهذا ما يسمى بمناخ الجماعة الصالحة .. والأجواء .

وهكذا حين تتعاون هذه المناخات والأجواء مع بعضها وتنسق فيما بينها وتتفاعل مخلصة فى صياغة شخصية الإسلام وتكوين شاب الدعوة فإن المسلم يتنشأ على الإسلام ويتخلق بأخلاق القرآن ويصبح أنموذجا حيا حين يمشى فى الناس ..

فعلى الجماعة أن تهىء لمن ينتمى اليها ما تستطيعه من تهيئه هذه الأجواء الصالحة إن أرادت لدعوتها البقاء ولحركتها الامتداد والازدهار ..

3ـ الشــورى :

الجماعة الاسلامية التى تحترم نفسها والتى تسير فى طريق سالك مأمون والتى تريد أن يكون لها فى بلاد الإسلام امتداد وفى عالم الدعوات استمرارية وبقاء .. هى ا لتى تأخذ بقاعدة الشورى التى سنها الإسلام وأمر بها القرآن قال تعالى : وأمرهم شورى بينهم . وقال فى آية أخرى : وشاورهم فى الأمر . ومما أجمع عليه أهل الحجى والأفهام النيرة فى أهمية الشورى :

ـ أن النبى صلى ا لله عليه وسلم طبق عمليا فى حياته السلمية والحربية هذا المبدأ الكريم ونهج خلفاؤه من بعده وهم جميعا قدوة .

ـ وأن الله سبحانه جعل هذا المبدأ فى كتابه الكريم منهجا لكل المسلمين فى كل أمر من أمور هم.

ـ ولأن الشورى فى ذاتها خلق إنسانى أصيل والإسلام يزكى الأخلاق الانسانية الأصيله .

ـ ولكون الشورى طريقا مأمونا الى عصمة الرأى من الخطأ ووسيلة موفقة لاستكمال البنية التربوية والحركية من النقص .

ـ ولكن الشورى كذلك سبيلا لمنع القيادات من الفردية المتحكمة والاستبدادية المتنفذه

ـ ولأن الشورى حين يقوم على تطبيقها القياديون فى الجماعة فإنهم يطبعون أفرادهم على ألأخذ بمبدأ الشورى ويشعرونهم بشخصيتهم حين يستشارون وحين يستشيرون .

ـ ولأن الشورى سبيل واضح وطريقة مثلى للاستفادة من أهل الخبره والاختصاص ..

ـ ولأن الشورى حاجز منبيع من أن تتحكم فى الجماعة سلطة يحكمها الهوى وتسيرها ا لمصالح وتدفع بالجماعة الى المهالك ..إلى غير ذلك من ضروب الحكمة والأهمية التى تنبثق عن مبدأ الشورى وهى فى جملتها لا تخفى على كل ذى وعى وبصيره وإذا كانت الشورى فى هذه الأهمية فلا بد للجماعة من مجلس شورى يرسم لها خط سيرها ويحفظ لها مستقبلها من عوادى الأيام ويرتقى بها الى أفضل المثل والقيم ..

ولكن مـاهى شـروط عضو مجلس الشورى ؟

1ـ العدالة المتمثلة بالتقوى والأمانه والصدق ..

2ـ العلم بالكتاب والسنة وما يؤدى إليهما من استنباط الأحكام ومعرفة الحلال والحرام ..

3ـ العقل الرزين والرأى السديد وسلوك طريق الاتزان والحكمة ..

4ـ العلم والخبرة والاختصاص فى الجانب المستشار فيه

5ـ النباهة والذكاء والقدرة على مواجهة المفاجآت

6ـ ممارسة الأعمال القيادية أو الشورية أو الإدارية ..التى كان قد مارسها من قبل .

ومن هنا ندرك أن الشورى حق لأهلها ممن توفرت فيهم صفاتها وقد عبر عن ذلك عمر الفاروق رضى ا لله عنه حين وقف أمامه أعرابى يبدى رأيه فى قضية لا يعرفها وغير مختص بها وذلك بمخاطبته له : " اجلس انما أنت من الأعراب " .

هل مبدأ الأغلبية فى المجالس الشورية هو المتبع ؟

إن الأدلةالمستنبطه من السنة ومن فعل الأئمة .. تؤكد أن رأى الأكثرية من أهل الشورى هو المرجح وأنه ملزم للأقلية فى المجلس ولو كان الرأى مخالفا للأمير أو للقيادة ..

وإليكم باقة من الأدلة :

أ ـ أخرج ابن ماجه بسند جيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن أمتى لا تجتمع على ضلال فإذا رأيتم اختلافا فعليكم بالسواد الأعظم " .

ب ـ أخرج أحمد والترمزى عن أبى ذر رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : " اثنان خير من واحد وثلاثة خير من اثنين وأربعة خير من ثلاثة فعليكم بالجماعة فإن الله عز وجل لن يجمع أمتى إلا على هدى " .

ج ـ أخرج أحمد عن النبى صلى الله عليه وسلم قال لأبى بكر وعمر رضى الله عنهما : " لو أنكما اتفقتما على أمر واحد ما عصيتكما فى مشورة أبدا " .

د ـ ونزوله صلى ا لله عليه وسلم على رأى الأكثرية فى الخروج الى خارج المدينه لملاقاة قريش فى معركة أحد يعرفه الكثير .

هـ ـ أبو بكر رضى الله عنه شاور الصحابة فى محاربة أهل الردة ونزل على رأى الأكثرية وكذلك جمعه رضى الله عنه القرآن الكريم كان على رأى الأكثرية من الصحابة رضى الله عنهم .

وـ وعندما طعن عمر رضى الله عنه كان قد رشح السته للتشاور فى اختيار من يخلفه على أمر المسلمين وجعل حكم الإختيار للأكثرية .

وعلماء الأمة سلفا وخلفا فهموا من هذه الأدلة أن مبدأ الأكثرية فى المجالس الشورية هو المتبع : ـ ذكر الطبرى فى تفسيره لقوله تعالى : وشاورهم فى الأمر  : " يتشاورون بينهم ثم يصدرون عما اجتمع عليه ملؤهم " .

ـ وقال الامام الغزالى فى إحيائه ج 1 /ص : 230 : " فإن اختلفوا كان النظر الى الأكثرية " . ـ وقال الامام الماوردى فى الأحكام السلطانية ص: 101:" إذا اختلف أهل المسجد فى اختبار إمام عمل على قول الأكثرية " .

ـ وجعل الشهيد عبد القادر عودة فى كتابه التشريع الجنائى " ج 1 /ص : 38 الأخذ بالأغلبية من قواعد الشورى التى لا تقبل التعديل أو التبديل لوجود النصوص التى تدعمها أخذه صلى الله عليه وسلم برأى الأغلبية فى ا لخروج الى خارج المدينة يوم أحد على الرغم من أن راية صلوات الله وسلامه عليه هو البقاء فى ا لمدينة والقواعد الفقهية والحديثة تعتبر مبدأ الأغلبية هو الأرجح والمتبع :

ـ فالقاعدة الفقهية المعروفة بالجمهور أو الجمهور قالوا : كذا .. فإنها تعد ترجيحا للأمر المختلف فيه برأى الأكثرية ..

ـ وكذلك القواعد الحديثية التى تقول : إن كثرة الرواة للحديث تجعله متواترا أو مشهورا .. وكثرة الطرق للحديث ترفع الحديث من الضعف الى ا لقوة واعتبروا مخالفة الثقة للثقات شذوذا .

فمن هذه الوفرة الوافرة من الأدلة يتبين أن رأى الأكثرية من أهل الشورى هو المرجح للأخذ به وأنه ملزم للمخالفين ولو كانوا قادة ..

وأما ما يحتج به البعض أن رأى الأكثرية ليس ملزما للقائد وأن له أن يعمل برأية بعد الاستشارة ولو خالفه الجمهور .. فإن احتجاجهم هذا مبنى على مااتخذه أبو بكر رضى ا لله عنه من مواقف يوم الردة ويوم إصراره على توليه أسامة فقد عمل أبو بكر رضى الله عنه ـ على حد زعمهم برأيه ـ وخالف رأى الجمهور .

أقول : فإن احتجاجهم لا ينهض دليلا على ما ذهبوا اليه على عدم الأخذ برأى الأغلبيه وأبو بكر رضى الله عنه لم يبال برأى الأكثرية يوم الردة لوجود النص وذلك فى الحديث المتواتر :"أمرت أ ن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسو ل الله وأن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله " .

وأما فى قضية إصراره على توليه أسامة على الجيش على الرغم من وجود المعارضة الشديده .. فقد كانت التولية أصلا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلايحق لأبى بكر رضى الله عنه أن يعزل من ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يحق لأحد أن يعارض فى ذلك .

ومن المعلوم تاريخا أن أبا بكر رضى الله عنه أقنع جبهة المعارضة على الأخذ برأيه بعد ما أحتج به من نصوص قاطعة .. حتى أن عمر رضى الله عنه الذى حمل لواء المعارضة يوم أصر أبو بكر رضى الله عنه على قتال مانعى الزكاة واستمع إلى ما احتج به أبو بكر من نصوص تراجع عن معارضته وقال لأبى بكر : " فوالله ماهو إلا أن رأيت أن الله شرح صدر أبى بكر للقتال فعرفت أنه الحق " .

ومما ذكرناه يتبين أن ما احتج المعارضون على فكرة عدم الأخذ برأى الأكثرية وأن الشورى غير ملزمة .. لا ينهض دليلا على أحتجاجهم لأن أبا بكر رضى ا لله عنه ـ كما أسلفنا ـ عمل بالنص وأن النص ـ كما هو معلوم مقدم على القياس والاجماع وأنه كما يقول علماء الأصول : " لا مجال للإجتهاد فى مورد النص " وينبغى أن لا يغرب عن البال أن مجلس الشورى فى الإسلام له مهمة أساسية فى ظل الدعوة الجماعية فمن مهمته : البحث فى المسائل التربوية والتكوينية وبناء الشخصية الاسلامية .. وكذلك البحث فى الشؤون الدعوية والحركية والتنظيمية .. وأيضا البحث فى القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية ..

كل هذه الآمور وغيرها تبحث فى ضوء الكتاب والسنة حيث لا يتجاوز البحث والقرار فيه الاطار الاسلامى العام ولا يتعدى المقاصد الشرعيةالمعلومة .. وأن علىا لمجلس الشورى أن يؤلف من رجال الجماعة المتخصصين فى ا لفقه الاسلامى لجنة فتوى يكون من وظيفتها الأساسية النظر فى القضايا الشرعيه المنصوص عنها والمستجده والتصديق عليها حيث لا تخرج أبدا عن المصادر التشريعيه المعروفة وقواعد الأصول المعلومة وأقوال الأئمة المجتهدين الأعلام .. ولا شك أن قادة الدعوة الجماعية فى كل زمان ومكان إذا نهجوا هذا النهج واتبعوا هذه الأصول .. فإنهم يكونون فىحصانة ومأمن من أن يصدروا فى قراراتهم عن هوى أو أن يخرجوا فى بحوثهم عن النصوص أو أن يحيدوا فى مواقفهم عن سنن الإسلام ..

هذا عدا عن تعميق المحبة لهم وتجديد الثقة بهم واستجابة الناس لدعوتهم ودفع الدعوة الاسلامية الى الأمام لتتابع مسيرتها نحو الامتداد والقوة والنصر .

4ـ التخطيــط :

المقصود من التخطيط : أن لا تدع الدعوة الجماعية نفسها للظروف والمصادفات تسيرها سيرا عشوائيا اعتباطيا تتفاجأ بما لا تريده وتريد أن تصلح بما لا تستطيعه وأن تنظر الى الواقع فترى ـ متألمة ـ شراع السفينه الدعوية سار فى غير مساره واتجه فى غير اتجاهه .

والمقصود منه أيضا : أن تسير الدعوة فى خط واضح المعالم محدد المراحل معلوم الوسائل بين الأهداف .. لا تعترضها عثرة ولا تقف دونها عقبة ولا تتعرض للعواصف والأنواء .

والمقصود منه كذلك : تفكير الجماعة الهادىءونظرتها العميقة البعيدة فى كل عمل تريد أن تقدم عليه حيث تعلم كيف تبدأ ؟ وكيف تنتهى ؟ وكيف تستفيد من ماضيها لحاضرها ؟ وكيف تخطط فى حاضرها لمستقبلها ؟ وكيف تصل فى نهاية المطاف الى الغاية المرجوة والهدف المطلوب ؟ والمتأمل فى سيرة النبى صلى ا لله عليه وسلم يرى أن مراحلها وخطواتها لم تمض ارتجالا ولم تتم اعتباطا .. بل مضت بعد بعد تدبير وتمت بعد تخطيط يسدده عند الاقتضاء ..

وهذا ما نراه واضحا فى تخطيط النبى صلى ا لله عليه وسلم لاقامة الدولة الاسلامية فى ا لمدينه بعد أن تيقن عليه الصلاة والسلام أن مكة لم تعد أرضا خصبة لنشر الدعوة وتثبيت أركان المجتمع الفاضل .. ولما كان يجده صلوات الله وسلامه عليه من صدود وأعراض من قومه وعشيرته ولما كانت تفعله قريش فيه وفى اصحابه من تنكيل واضطهاد وضغوط ومقاطعة وتآمر !!

واليكم معالم هذا التخطيط وهو فى مكة:

أ ـ هجرة أصحابه الأولى الى الحبشة لعرض الدعوة وكسب المؤيدين والمناصرين ..

ب ـ اتصاله بالوفود سرا فى موسم الحج وعرض الإسلام عليهم وطلب المناصرة منهم ..

ج ـ بيعةالانصار للرسول صلى الله عليه وسلم فى بيعة العقبة الأولى والثانية على أ ن يمنعوه مما يمنعون منه أموالهم ونساءهم ..

د ـ إرسال الدعاة الى المدينه لينشروا الإسلام فى كل بيت وفى عامة القبائل ..

هـ ـ أمره لأصحابه بالهجرة الى المدينه سرا لينضموا الى المسلمين فى مهجرهم الجديد ..

و ـ هجرته صلى الله عليه وسلم الىا لمدينه مع صاحبه أبى بكر رضى الله عنه سرا ليتولى رئاسة الدولة ويقيم دعائم المجتمع الفاضل ..

فبمراحل التخطيط وخطواته تم للرسول صلى الله عليه وسلم ما خطط ووصل الى ما أراد فالدولة الاسلامية ولدت والمجتمع الاسلامى تحقق بعد أن دخل الرسول المدينه فى استقبال رائع وموكب مهيب وحفاوة فريدة وإن نسينا فلا ننسى موقفه صلى الله عليه وسلم فى الفترة المكية التى سميت بمرحلة الضعف والاضهاد والملاحقة .. فإنه صلوات الله وسلامه عليه فى هذه المرحلة لم يأذن لأحد من أصحابه بقتال أو مجابهة أو أستفزاز .. لأن طبيعة المرحلة تقتضى ذلك وإن هذا من برامج الخطة للمستقبل بأن يحافظ على حياة أصحابه وأن ينقلهم الى مهجر جديد ليعدهم ل الجهاد فى سبيل الله حين يكون للمسلمين مركز قوة ومعالم دولة ومناخ أرض يقفون عليها وينطلقون منها ..

وهذا يدل على سياسة الرسول صلوات الله وسلامه عليه الرائعة وحصافته النادرة ونظرته البعيدة وتخطيطه الذكى الفريد .. حيث كان يعطى لكل مرحلة حقها بما يتناسب مع الضعف أو القوة وما تقتضيه طبيعة المرحلة وهكذا يفعل عظماء الرجال وعباقرة القادة وجهابذة السياسيين ..

ألا فليتأس قادة العمل الاسلامى فى كل مكان بنبيهم صلوات الله عليه وسلم فى أ خذه بسنن النصر ومنطقية العمل ومرحلية التخطيط وطبيعة المرحلة إن أرادوا لدعوتهم الامتداد ولإسلامهم الانتصار ولأمتهم العزة والأمجاد ..

ومن القضايا الهامة التى أوجه الأنظار اليهاأن القوى الدولية والاستعمارية كلها تقوم على ا لتخطيط لإضعاف المسلمين والتآمر على عقيدة الإسلام ف الصهيونية تخطط والصليبية تخطط والشيوعية تخططط والاستعمار يخطط والعقائد الباطنية تخطط ودعاة التبشير والتنصير يخططون وذلك لأحكام السيطرة على الأقطار الاسلامية وتسييرها فى طريق اللادينية الآثمةأو الردة الممقوته أو الانحلال البغيض .. ومع ذلك فإن الملتزمين ل الإسلام والداعين إليه لا زالوا بين اتجاهين :

الأول ـ اتجاه لا يرى ضرورة العمل على وضع خطة شاملة والسير فى مرحلية هادفة وإنما ينبغى أن تسير الدعوة على عفويتها من التبليغ والارشاد فى هداية الناس وإصلاحهم على ضوء الكتاب والسنة علما وعملا دون الحاجة إلى أمر آخر .

الثانى : ـ اتجاه يرى أن وضع الخطط جزء من الأخذ بالأسباب وضرب من السنن فى مواجهة الأعداء وطريق سالك فى الوصول الى العزة والسيادة ..

ولا شك أن الاتجاه الثانى هو الاتجاه الشرعى الصحيح لكونه :

ـ يدخل فى قاعدة قوله تعالى وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة

ـ ويدخل فى نطاق الوسائل المشروعة للوصول الى الأهداف المشروعة ..

ـ ويدخل فى نطاق السنن التى رسمها النبى صلى الله عليه وسلم لأمته فى سلمه وحربه وفى أمره بأخذها بعالم الأسباب ليستطيع المسلمون أن يواجهوا بها ا لطواغيت والأعداء ..

ـ ويدخل فى المنهجية التى خطها الرعيل الأول ومن تبعهم بإحسان للوصول الى السيادة والمجد فى مواقفهم السياسية وبراعتهم العسكرية وحنكتهم القيادية وتخطيطاتهم المستقبلية وتفهمهم لطبائع الظروف وحقيقة الواقع .

ـويدخل فى منطقية المعقول والمنقول الذين تضافرا وتعانقا فى دعوة القادة والدعاة ورجال الاصلاح ..الى الأخذ بالاسباب وتعاطى سنن النصر .. الى أن تتم للمسلمين عزتهم وتتحقق لهم فى كل مكان وزمان سيادتهم فليس ـ بعد ما استدللنا به ـ فى الرد على أصحاب الاتجاه الاول أى عذر أو حجة فى ترك التخطيط أو عدم الآخذ بمنهجيه المرحلية والتنظيم .. ألا فاليعلم أولوا الآلباب حقيقة ذلك ؟ !!

التخطيط الذى نريده للدعوة الجماعية ـ كما يقول الاستاذ القرضاوي ـ يتناول عدة أمور :

1ـ تحديد الاهداف التى تسعى الحركة الاسلامية الى تحقيقها مرتبة حسب الاولوية مع وجوب التمييز بين الاهداف القريبة والاهداف البعيدة ومع الفارق بين الاهداف الثابتة والاهداف المرحلية.

2 ـ تحديد الوسائل الى هذه الاهداف سواء أكانت وسائل ثقافية وفكرية أم وسائل عملية وتربوية أو وسائل توعية ودعوية أم وسائل سياسية وإدارية أم وسائل عسكرية وجهادية .. أم غير ذلك من الوسائل الأخرى ..

هذه الوسائل من شروطها أن تكون مشروعه وأن تكون مرنه قابلة للتطوير والتغيير .. 3ـ تحديد المراحل فى التدرج فى الخطوات وذلك أن تكون مرتبة على حسب الأولويات حيث لا تنتقل الدعوة الجماعية الى مرحلة حتى تنتهى من التى قبلها ..وهكذا تنتقل بهدوء واتزان من مرحلة الى أخرى حتى تصل فى نهاية المطاف الى السيادة والمجد . ولا بأس أن تتطور هذه المراحل وان يعدل فيها إذا الظروف والاحوال فالعوامل المتحكمة فى سير الاحداث كثيرة والظروف تختلف من مجتمع لاخر وتتبدل من زمن لاخر ..

4ـ تحديد المواقف : موقف الحركة الاسلامية من الاديان الأخرى وموقفها من الأحزاب السياسية اللادينية وموقفها من الانتخابات البرلمانية وموقفها من الاحلاف مع الحكومات العلمانية أو غيرها من المواقف التى تمليها الظروف وتقتضيها طبيعة المرحلة .

وينبغى أن يتسم هذا التحديد بوضوح الرؤية وسعة الآفق والبعد عن الممؤثرات العارضة .. ولا بد أن يتم ذلك بعد دراسة فاحصة وتحاور هادف وتداول نزيه .. هذا مع الاستعانة بمتخصصين بفقهاء الشريعة وجهابذة السياسة .. ممن يتفهمون قضايا الاسلإم وأحوال المسلمين ..

حيث يجمعهم لقاء جامع مع قادة الجماعة فلا بد أن يصدروا بعد ذلك عن رأى واحد بعد تحاور وتدارس والله سبحانه لا يجمع من أخلص من رجال الإسلام على ضلاله وإنما يسددهم ويلهمهم الحق والرشاد.

5ـ التنظيم :

التنظيم معناه ان تقوم الجماعة ا لاسلامية على التنظيم فى جميع شئونها وأعمالها .. وهذا الشرط عنصر جوهرى وأساسى للوصول الى الهدف وبدونه يتعذر على الجماعة النجاح والتوفيق وتصبح أعمالها بمثابة أعمال فردية مبعثرة لاتسمن ولا تغنى ولا تنتج ولا تعطى .. وإن أخذت طابع العمل الجماعى فى الظاهر .

ولا يمكن للتنظيم أن يؤتى أكله ويشق طريقة .. حتى توجد القيادة المسئولة والجندية المطيعة والنظام الاساسى الذى ينظم العلاقات بين القيادة والقاعدة ويحدد المسئوليات والواجبات لكل فرد ويبين الوسائل والاهداف وجميع ما تحتاج اليه الحركة فى تسيير أعمالها وإدارة أجهزتها وتماسك بنائها ووحداتها ..

وإنه من الضرورى جدا أقامة تنظيم حركى للإسلام بنفس الأسلوب والنهج الذى أعتمده الرسول صلى الله عليه وسلم حين كان يهىء للدولة الاسلامية فى مكة وبعد أن ولدت وقامت فى المدينة فالرسول صلوات الله وسلامه عليه فى هاتين الفترتين لم يعتمد العمل الفردى المسيب وإنما حرص من أول يوم على أقامة تنظيم حركى جماعى مرتبط بقيادته وممتثل لأوامره .. بل كان عليه الصلاة والسلام يختار عناصر التنظيم اختيارا وينتقى أفراده انتقاء ليدفع بعجلة المسيرة الدعوية والحركة الاسلامية إلى الامام ..ليكون لها فى مستقبل الآيام شأن وتكون فى نظر العالم كله ملء السمع والبصر .

وحرص النبى صلى الله عليه وسلم على التنظيم يبدو ذلك من خلال تصرفاته فى اختيار أمير أو قائد على رأس كل مجموعة أو سرية ولو كانوا ثلاثة وكان يؤكد ذلك بوصاياه :" اسمعوا وأطيعوا ولو تأمر عليكم عبد حبشى " " إذا كنتم ثلاثة فأمروا أحدكم"..

هذا الحرص كله ولو كان فى أبسط الآمور وأصغرها فكيف إذا كبرت وتضخمت تشعبت كما هو الحال اليوم؟

ماهى أهم معالم التنظيم ؟

أولا ـ أن تحرص الجماعة على أن يتم أمر تعيين قائدها وقيادتها على أساس الكفاءه والخبرة والتفرغ وهذا لا يتأتى إلا أن تتصف القيادة بمواصفات روحية وتربوية عالية وخبرات سياسية وحركية ناضجة واطلاعات ثقافية وعلمية شاملة وقدرات نفسية وصحية ظاهرة وطاقات عقلية وخلقية فريده .. باعتبارهم وراث النبوة ورثوا منهم القدوة والعلم والدعوة والكياسة والآخلاق العظيمة الرائدة ..

ثانيا ـ أن تحرص قيادة الحركة على ايجاد مناهج تربوية شاملة يراعى فيها فارق السن وتفاوت الثقافة وطبيعة الجنسين من الذكور والاناث كما ينبغى عليهما أن تحرص على توحيد الفكر الاسلامى منهجا وافتاء وتصورا..

ثالثا ـ أن تهتم الجماعة بتأهيل الدعاة للعمل الاسلامى روحيا ونفسيا وخلقيا وعلميا وسياسيا ودعويا .. حيث تنظم لهم برامج نظرية وعملية وحلقات دعوية وحركية .. يتعلمون منها أصول الانضباط والطاعة .. ومواقف التعبير فى التحدث والمحاضرة والخطابة والكتابة ..

رابعا ـ أن تحرص الدعوة الجماعية على أن يكون الجهاز الادارى لديها قويا متينا متماسكا .. وهذا لا يتحقق إلا أن يوضع الفرد فى الجماعة فى المكان المناسب وأن يوظف الآعضاء العاملون كافة فى العمل ا لدعوى وأن يحاسب كل تسلم مسؤولية فى العمل الدعوى والحركى بما أنجز من أعمال وأن يكون الجهاز قادر على حل مشكلة كل عضو فى الجماعة مهما عظمت وأن يقف بحزم وحسم من مثيرى الفتن ومحدثى الانقسامات.. خامسا ـ أن تبذل قيادة الجماعة قصارى جهدها فى تنظيم ورقة عمل حركية مستتبعة المراحل مستكملة الحلقات .. فعلى ضوئها تعلم القيادة كيف تبتدىء ؟ وكيف تنتهى ؟ وتعلم أيضا إلى أين وصلت ؟ وماذا أنجزت ؟ وإلى متى تصل الى الهدف المنشود ؟

وهذه الورقة قابلة للتعديل والتطوير على حسب الواقع والظروف وعلى حسب ما عليه الجماعة من اليسر والشدة والأمن والضغوط ..وهى أيضا من أ سس التنظيم ومقومات الحركة ودعائم نجاح العمل الاسلامى فى الوصول الى أهدافه ومراميه ..

ـ وأخيرا على قيادة الجماعة أن تعلم جيدا أن كثرة الاقتراحات التنظيمية والحلول الايجابية .. لا تكفى ولا تجدى حتى تتحول إلى واقع عملى يراه الناس مجسدا فى سير الحركة وتماسك بنائها والوصول الى أهدافها ..

وكم سمعنا عن دراسات مثالية فى التنظيم الحركى والمسيرة الدعوية .. كتبها كبار الدعاة فى العالم الاسلامى فبقيت حبرا على ورق .. وتراكم عليها غبار السنين فى مكاتب ا لمحفوظات ؟ لماذا لكونها لم تتحول ولم تترجم الى عمل ولم تأخذ موقعها فى مجال التنفيذ والتطبيق ؟ !!

وسيدالدعاة صلوات الله وسلامه عليه ـ كما يقول الشهيد سيد قطب ـ كان هدفه الأول أن يصنع رجالا لا أن يلقى مواعظ وأن يصوغ ضمائر لا أن يدبج خطبا وأن يبنى أمة لا أن يقيم فلسفة ..

أما الفكرة ذاتها فقد تكفل بها القرآن الكريم وكان عمل محمد صلى الله عليه وسلم أن يحول ا لفكرة المجردة الى رجال تلمسهم الأيدى وتراهم العيون .. .

وهكذا ينبغى أن تكون المسيرة فى الدعوات وأن تأخذ الدعوة الاسلامية مركزها ومكانتها من التنفيذ والتطبيق فعلى الدعاة الذين يعملون فى الحقل الاسلامى أن ينظروا بعين الواقع والبصيرة الى سير حركتهم ويراجعوا بعزم وصدق ورقة أعمالهم ويسبروا باستيعاب وعمق سائر تنظيماتهم ومناهجهم ويدركوا جيدا الأخطار التى تحيط بهم وتكتنفهم .. فإن وجدوا سير ا لحركة ضعيفا وورقة العمل غير موجودة أو مهملة والتنظيم لا يأخذ موقعه من التطبيق والمناهج لا يعمل بها فى عالم الواقع .. فعليهم أن يستدركوا ذلك وأن يعقدوا ا لنية ويشحذوا العزم .. ليسيروا من جديد نحو عمل أفضل ومسيرة آمنة لا عوج فيها ولا التواء .. فإن لم يستدركوا النقص ويتلافوا الأمر ويسدوا الثغرة .. فليرتقبوا الانهيار والدمار لدعوتهم والتلاشى والزوال لحركتهم .. فإن الله سبحانه وتعالى لا ينصر قوما إلا بصدق نياتهم ومطابقة أفعالهم لأقوالهم وأخذهم بسنن النصر وأسباب العزة .. وصدق الله العظيم القائل : إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم .

وقبل أن أختم مقوم التنظيم للدعوة الجماعية أريد أن أضيف وأذكر إلى ماسبق ذكره أن ضخامة التحدى الذى يواجهه الإسلام ودعاته من قبل أعدائه على الصعيدين : الداخلى والخارجى .. يفرض على الحركات الاسلامية أن تكون أ عظم تنظيما وأعمق تخطيطا وأقوى مشسيرة وحركية ..حتى تستطيع أن تواجه التحدى بتحد آخر مثله وأن تقابل المحاربة بمحاربة أحكم وأشد .. علما أن أعداء الإسلام أينما وجدوا لهم عشرات التنظيمات السرية والعلنية وعدد كبير من الواجهات التى ظاهرها الرحمة وباطنها من قبلها العذاب لحرب الإسلام والمسلمين .. وأيضا فإن أعداء الإسلام يملكون من الاسباب المادية كما وكيفا ما لايحصى ويسخرون كل التقنيات الحديثة فى محاربة الحركات الاسلامية المخلصة والعقيدة الاسلامية بالذات تخطيطا وتنظيما .. وفوق هذا كله فإن أعداء الإسلام ـ كما يقول الاستاذ فتحي يكن ـ يتحركون ويتآمرون ويخططون من مواقع عالمية ومن معسكرات دولية ومن تنظيمات يهودية وماسونية .. ويأخذون حريتهم فى المجتمعات الاسلامية وأحينا تمكن لوجودهم وتآمرهم الحكومات العلمانية اللادينية .. فهل بعد هذا كله يعقل أ ن تكون المواجهة الاسلامية لأعداء الله قاصرة عاجزة غير مبنية على تخطيط وغير قائمة على تنظيم وغير متواكبة مع العصر ؟ !!.

6ـ التكامل :

التكامل معناه : أن تتبنى قيادة الجماعة مبادىء الإسلام على أنها مبادىء شاملة متكاملة فى كل ما يتعلق بشؤون الحكم والسياسة والاجتماع والاقتصاد والقضاء وسائر مناهج الحياة .. بل ينبغى أن يهيمن الإسلام على حياة المسلمين وأن يصطبغوا جميعا به وأن ينمزلوا على حكمه وأن يستمدوا أسباب عزتهم وبقائهم من تعاليمه وهديه ..

وأن نظرة عميقة فاحصة فى عصر ا لنبوة يجد الشمولية بينة واضحة على كل صعيد وفى كل الجوانب يجد ذلك فى أ طار تنظيم واحد وفكر واحد وقيادة واحدة ..

فالرسول صلوات الله وسلامه عليه كان يرعى ويتابع العمل الاسلامى فى شتى جوانبه ففى نطاق التربية والتعليم كان مربيا ومعلما وفى نطاق الحكم والسياسه كان سياسيا وحاكما وفى نطاق الجهاد والقيادة كان مجاهدا وقائدا وفى نطاق القضاء والفصل بين الخصومات كان قاضيا وفاصلا وفى نطاق العبادة والانقطاع الى الله كانم عابدا ومتبتلا وفى نطاق التنظيم والتخطيط كان منظما ومخططا .. وهكذ ا فى كل جانب من جوانب الحياة ..

هذه التكاملية والشمولية ليست خاصة فى قدوته وأفعاله عليه الصلاة والسلام وإنما هى واضحة وبينة ايضا فى المنهج الاسلامى الذى تنزل وإنما هى واضحة وبينة ايضا فى المنهج الاسلامى الذى تنزل عليه لتكون للانسانيه هدى ورحمة .

ـ وإليكم هذه الشموله والتكامل فى هذا المنهج التشريعى الرائد :

ففى نظام العقيدة : فإنه نظام يدعو إلى الايمان بالله الواحد الأحد وينزه الرب جل جلاله من الشرك والشبيه والمماثلة .. ويحرر العقل الإنسانى من البدع والخرافة والوثنية .. ويولد فى أعماق ا لضمير شعور المراقبه الإلهية وأحاسيس التقوى فى السر والعلن ..

وفى نظام العبادة : فإنه نظام ينظم علاقات الانسان بربه ويعمق الشعور بالمراقبه بخالقه .. مما يعتبر منهجا قويما رائدا للتربية الروحية التى إن تأصلت وأحكمت كانت قادرة على حفظ الأفراد والجماعات من مزالق الانحراف والشذوذ والفساد وقادرة كذلك على وقاية المجتمعات الاسلامية من الالحاد والتفسخ والانهيار..وحياة الأسرة وفى كل ماله علاقة بحقوق المجتمع والتعامل مع الناس .. ويرسم للمسلم المنهج الأقوم فى حسن الخلق وجمال الأدب وضبط النفس عند الغضب ..

وفى نطاق الاقتصاد : فإنه نظام يضع القواعد والأصول لحياة اقتصادية كريمة تتحقق فيها العداله الاجتماعية المثلى ويجنب المجتمع كل أسباب التحكم والسيطرة والاستغلال ووسائل الكسب غير المشروع .. وما شابه ذلك من معضلات الاقتصاد واستغلال الجشعين من أصحاب الأهواء والمطامع ..

وفى نطاق الاجتماع : فإنه نظام يبنى العلاقات الاجتماعية على أسس عقائدية وخلقية وحقوقية ..ويجنب المجتمع من كل مات يتصل بالمصالح الشخصية وكل ما يرتبط بموبقات حب الذات والأثرة والأنانية .. وكل ما له مساس بالتعصبات العشائرية والعرقية ..

وفى نظام السياسة : فإنه نظام يضع الأسس السليمة لقيام الدولة الاسلامية وبناء هيكلها وأجهزتها وعلاقة حاكمها بمحكومها وأبعاد سياستها مع غيرها وحمايتها من الغزو .

وفى نطاق الأخلاق : فإنه نظام ينظم العلاقات السلوكية والآداب الاجتماعية فى كل ماله صله بحياة الفرد والعدوان .. إلى غير ذلك من هذه الشؤون السياسية والقضايا الادارية ..

وفى نظام الجندية : فإنه نظام يعرض القواعد الأساسية التى تقوم على حماية الديار ودفع العار وإعلاء كلمة الله فلا الأرض .. وذلك بوسائل دفاعية وتقنيات حربية وإعدادات تدريبية .. بما يتفق مع روح العصر وما يتواكب مع الحرب الحديثة ..

وفى نظام القضاء : فانه نظام يقوم على العدل المطلق الذى لا يفرق بين ضعيف وقوى وفقير وغنى وعامة وخاصة .. فالكل أمام الحق سواء بغض النظر عن اختلاف الدين واللغة والجنس واللون ..

وفى نظام العقوبات : فإنه نظام يقوم على الحدود والتعزيزات التى تستهدف حفظ الكليات الخمس : حفظ الدين وحفظ النفس وحفظ العقل وحفظ العرض وحفظ المال .. ليتم للفرد أمنه وللمجتمع استقراره وللدولة هيبتها وهيمنتها ..

وفى نظام الحسبة : فإنه نظام يقوم على الأمر بالمعروف والنهى عن ا لمنكر والاشراف على تطبيق أنظمة الاسلإم وتحقيق مصالح الأمة والأخذ على يد العابثين المائعين ودفع الأذى والشر عن المجتمع وحراسة الأخلاق الاسلامية من أهل البغى والفساد ..

إن هذه النظم مالتى ألمحنا عنها وغيرها مما تدلل دلاله واضحة على أن الإسلام دين التكامل والشمول ورسالة العطاء والتجدد وعقيدة الأصالة والخلود .. من يوم أن تنزلت إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها..

هذه النظم تفرض على قيادات الدعوة الجماعية قيام عمل إسلامى متكامل شامل قادر على أستيعاب هذه الجوانب المختلفة من مناهج الحياة .. وهذا ما فهمه مؤسس الدعوة فى هذه القرن الامام الشهيد حسن البنا ـ رحمه الله ـ حيث يقول فى الأصل الأول من الأصول العشرين : الإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعا فهو دولة ووطن أو حكومة وأمة وهو خلق وقوة أو رحمة وعدالة وهو ثقافة وقانون أو علم وقضاء وهو مادة وثروة أو كسب وغنى وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء .. أهـ.

فتكامل التآمر والتحدى من قبل أعداء الإسلام يفرض على الحركة الاسلامية فى العصر الحديث التكامل فى كل شىء حتى تستطيع الحركة أن تقابل هذا التآمر وتواجه هذا التحدى بما هو أعظم منه وأكبر وأشد وأضخم انطلاقا من قوله تبارك و تعالى : { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم } وتنفيذا لأمره جل جلاله :{ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنه ويكون الدين كله لله } فلا يجوز شرعا أن تكون المواجهة لأعداء الله من منظور الإسلام جزئية فردية غير متكاملة ولا شاملة ولا كلية والله يقول الحق وهو يهدى السبيل .

7ـ التوازن :

التوازن معناه : أن يؤدى المسلم فى الحياة كل ذى حق حقه دون أن يكون تغليب حق على حق ودون أن يكون إهمال واجب على حساب واجب آخر فالحقوق فى الإسلام كثيرة والواجبات ـ كما يقولون ـ أكثر من الأوقات فينبغى أن تسير هذه الحقوق وأن تؤدى هذه الواجبات متعادلة فى أدائها متوازنة فى سيرها بكل دقة وأمانه وإخلاص على أساس أنها وحدة متكاملة بين حق الانسان لربه وحقه لنفسه وحقه لمجتمعه وحقه لدعوته .. وبهذا يتسنى للمسلم الملتزم أن يمارس الحياة الواقعية العملية بكل جوانبها على ا سس من المبادىء الاسلامية توافق الفطرة وتتلاءم مع رسالة الحياة .

والتوازن الذى نعنيه فى هذا المجال هو ثلاثة أقسام :

الأول : التوازن بين المادة والروح .

الثانى : التوازن بين الفرد والمجتمع .

الثالث : التوازن بين مصلحة الفرد ومصلحة الإسلام ..

فالتوازن بين المادة والروح :

هو أن الإسلام لا يقر للمسلم الحرمان ولا الترهبن ولا العزلة الاجتماعية وفى الوقت نفسه لا يقر له أن ينهمك بكليته فى ا لحياة المادية الدنيوية وينسى ربه والدار الآخرة .. بل يهيب أن يتوازن مع هذا وذاك يؤدى فى آن واحد حق دينه ونفسه ودنياه ..

والقرآن ا لكريم قد رسم للمسلم المنهج القويم فى التوازن بين المادة والروح فى كثير من ألايات التى تلامس الوجدان وتحرك المشاعر .. قبل أن تخاطب عقل الانسان :

ـ ففى تذكيره بأداء حق الله بالعبادة فى غمرة الاعمال الدنيوية يقول : رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار النور : 37 ـ وفى تذكيره بأداء حق النفس فى التكسب وابتغاء الرزق فى غمرة النفحات المسجدية يقول : ( فإذا قضيت الصلاة فانتشروا فى الأرض وابتغوا من فضل الله .. ) الجمعه 10 .

ومن الأصول التى وضعها القرآن والإسلام فى هذه الموازنة :

ـ ابتغاء الدار الآخرة مع الأخذ بحظوظ الدنيا :( وابتغ فيما أتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا ) القصص 77 .

ـ الاستنكار على من يحرم على نفسه الزينة والطيبات  : ( قل من حرم زينة الله التى أخرج لعبادة والطيبات من الرزق قل هى للذين آمنوا فى الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة) الاعراف 32 .

استنكار الرسول صلى الله عليه وسلم على من انصرفوا بكليتهم للعبادة واعتزلوا النساء : أنتم الذين قلتم كذا وكذا ؟ أما والله إنى لأخشاكم لله وأتقاكم له لكنى أصوم وأفطر وأصلى وأرقد وأتزوج لالنساء فمن رغب عن سنتى فليس منى " .

من هذه النصوص يتبين أن هذا الإسلام العظيم هو دين الفطرة والوسطية والاعتدال .. يضع الأسس الثابته والمبادىء الواقعية المتلائمة فى بناء الشخصية الانسانية واكتمالها لتنهض برسالتها فى الحياة على أكمل وجه .

والتوازن بين الفرد والمجتمع :

يعد خصيصة فريدة فى التشريع الاسلامى فالتشريع يؤكد وجود الكيان الشخصى للفرد ويعتبره أمام ربه وأمام نفسه وأمام مجتمعه .. مسؤولا .. قال تعالى :( وقفوهم إنهم مؤولون ) الصافات 24 وقال جل جلاله :( ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا ) الاسراء36

ـوفيما يتعلق بشعور الفردفى مراعاة الصالح العام وفى العمل الدائب على الارتقاء نحو الأفضل وفى الاستمرار بأداء وظيفة أجتماعية للحفاظ على بنية الكيان الاسلامى ..فالتشريع الربانى يركز حول هذا ويلح عليه ويأمر به قال سبحانه :( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم) التوبة 71.

وقد مثل عليه الصلاة والسلام مسؤولية الفرد تجاه المجتمع ومسؤولية المجتمع تجاه الفرد بمثل السفينه ليؤكد فى تمثيله هذا وظيفة ا لفرد المسلم والمجتمع المسلم تجاه شذوذ الشاذين وانحراف المنحرفين حتى تسلم للأمة عقيدتها وأخلاقها ويبقى لها فى ا لوجود كيانها وسيادتها ..وحتى تكون دائما فى مأمن وفى حصانه من عبث العابثين وفساد المفسدين ..روى البخارى والترمزى عن النعمان بن بشير رضى الله عنهما عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : " مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا اقترعوا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين فى أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا : لو أنا خرقنا فى نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا " . وفيما يرتبط بشعور الفرد نحو المجتمع بشيبه وشبانه وصغاره وكباره وعامته وخحاصه .. فإن الإسلام يطالب المسلم أن يؤدى واجبه نحو الآخرين ويقوم بمسؤوليته فى أداء الحقوق لهم ..

وحقوق المجتمع فى الإسلام كثيرة : تيدأ هذه الحقوق بأدائه حق الأهل والأولاد .. الى حق الأبوين الى حق الآرحام ..الى حق الجار .. الى حق المعلم .. الى حق الرفيق ..الى حق الكبير.. الى حق الصغير.. الى حق الفقير .. الى حق الأرملة واليتيم والمسكين .. كما يطالبه أن يلتزم الآداب الاجتماعية العامة مع من يتعايش معهم اجتماعيا ويلتقى معهم شخصيا ..

هذه الآداب تبدأ بالتزامه أدب الطعام .. الى أدب السلام الى أ دب الاستئذان .. الى أدب المجلس ..الى أدب الحديث .. الى أدب المزاح .. الى أدب التهنئه ..الى أدب التعزية ..

وصفوة القول : إن الإسلام بتشريعه الشامل المتكامل يقرر حق الفرد كما يقرر حق الجماعة ويقيم نوعا م ن التناسق والتوازن والانسجام بين كل منهما ويعمق الارتباطات على أ ساس متين وثيق فيما بينهما .. لتسير الحياة الاجتماعية على أحسن مايرام من التعاون والتكافل والمحبة والايثار ..

والتوازن بين مصلحة الفرد ومصلحة الإسلام : هو من أشرف الأعمال وأقدسها فى نظر الإسلام كماهو من المقومات الأساسية فى أقامة الدولة وبناء العزة وإيجاد الكيان .. وبدون هذا التوازن والتعادل .. فأمة الإسلام تنحدر حتما نحو التخلف والتمزق والضياع ..

فالمسلم الواعى الحصيف هو الذى يوفق بين مصلحة نفسه ومصلحة مجتمعه ومصلحة دعوته .. حيث يؤدى كل حق فى حينه ويوفق كل مصلحة مع أختها ويقوم بتنفيذ كل مسؤولية فى وقتها .. وهكذا تسير هذه الحقوق وتتأمن هذه المصالح وتؤدى هذه المسؤوليات .. بل تسير مع بعضها جنبا الى جنب على أ ساس أنها وحدة متكامله دون أن يعتريها خلل أو إهمال أو انفصام ..

وهنا يرد هذا السؤال : إذا أصبح ثمة تعارض بين مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع أو مصلحة الدعوة والجهاد فأيهما يقدم ؟

من القواعد العامة التى قررها علماء الأصول قاعدة : " يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام " فبناء على هذه القاعدة إذا كان للفرد مصلحة شخصية فى أى نوع من أنواع المصالح واحتاجت الأمة الى ما يخص مصلحته فى مصالحها العامة فمصلحة الأمة مقدمة على مصلحة الفرد ولو تسبب من ذلك ضررله ما دامت المصلحه التى انتزعت منه دفعت عن الأمة كثيرا من الاضرار والأخطار ..

من الأمثله التى نستشهد بها على ذلك : أن بلاد الإسلام إذا أصبحت مهدده بأخطار العدو أو وقعت بها كوارث عامة كالفيضانات أو المجاعات أو الزلازل .. ولم يكن فى خزانة الدولة ما يكفى لشراء السلاح والانفاق على الجيش وسد المجاعات واسعاف المنكوبين ..وجب على الدولة ا، تأخذ من أموال الميسورين بقدر ما يدفع الخطر ويحقق المصلحة .

يقول الامام الغزالى فى كتابه " المستصفى " ج1ص: 303 : وإذا خلت أيدى الجنود من الآموال ولم يكن من مال المصالح أى خزينة الدوله ما يفى بنفقات العسكر وخيف من ذلك دخول العدو بلاد الإسلام أو ثوران الفتنه من قبل أهل الشر .. جاز للأمام أنم يوظف على ألاغنياء مقدار كفاية الجند لأنا نعلم أنه إذا تعارض شران أو ضرران قصد الشرع دفع أشد الضررين وأعظم الشرين أهـ.

ـ ويقول الامام مالك كما جاء فى كتاب " جامع أحكام القرآن " ج2ص223 : يجب على الناس فداء أسراهم وإن استغرق ذلك أموالهم أهـ

ـ ويقول الامام الشاطبى فى كتابه الاعتصام " ج2ص:104 : إنا إذا قررنا إماما مطاعا مفتقرا إلى تكثير الجنود لسد حاجة الثغور وحماية الملك المتسع الأقطار وخلا بيت المال وارتفعت حاجات الجند الى ما لا يكفيهم فلإمام إذا كان عدلا أن يوظف على الأغنياء ما يراه كافيا فى الحال .. أهـ

مما نقلناه عن أئمة المسلمين الأعلام ندرك جيدا ماذا يقصد من القاعدة الأصولية التى تقول : " يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام " أو بتعبير آخر : "يجب دفع الضرر الأعلى بتحمل الأدنى " .

أما أيهما يقدم إذا تعارضت مصلحة الفرد مع مصلحة الإسلام والجهاد ؟ .. فأقول وبالله المستعان : إن القرآن الكريم أجاب على هذا التساؤل بأوضح بيان وأجمل تعبير .. قال جل جلاله :( قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب اليكم من الله ورسوله وجهاد فى سبيله فتربصوا حتى يأتى الله بأمره والله لا يهدى القوم الفاسقين ) التوبه : 24 .

فهذه الآية تقرر : أن مصلحة الدعوة و الإسلام و الجهاد فوق كل مصلحة دنيوية ومنفعة شخصية ومشاعر نسبية ووطنية وأسرية .. بل تقرر الآية أن المسلم يعد فاسقا خارجا عن طاعة الله إذا لم يؤثر الجهاد فى سبيل الإسلام على كل ما هو غال ورخيص فى الحياة .. ذلك لأن إقامة المجتمع الاسلامى وتثبيت أركان الدولة الاسلامية وهداية الانسانية التائهة الى نور ا لحق والهدى .. هو من أوجب الواجبات بل هو غاية الغايات بل هو من أسمى الأهداف والأمنيات فى نظرالإسلام .. وهذا صريح فى موقف ربعي ابن عامر حين وقف أمام رستم فى حرب القادسية ليقول له " ابتعثنا الله لنخرج الناس من عبادة العباد الى عبادة الله ومن ضيق الدنيا ا لى سعتها ومن جور الأديان الى عدل الإسلام "

أما إيثار مصلحة ا لدعوة و الجهاد على كل مصلحة شخصية فى الحياة فاليكم بعض هذه النماذج :

ـ فهذا حنظلة بن أبى عامر الصحابى الجليل الذى تزوج ليلة الجمعه وفى صباح ذلك اليوم حين سمع منادى الجهاد ينادى : " حى على الجهاد " لبس درعه وتقلد سيفة وامتطى جواده .. ثم سار الى القتال فى غزوة أ_حد فقاتل قتال الأبطال حتى سقط شهيدا فى سبيل الله .. فلم يمنعه العرس ولا العروس ليلة زفافه أن يؤثر مصلحة الجهاد على حظوظه النفسية وأشواقه القلبية .

ـ وهذا أبو خيثمة رضى الله عنه عندما رجع من سفر الى اهله فى يوم حار بعد أن خرج النى صلى الله عليه وسلم الى تبوك وجد امرأتين له فى عريشين أى خيمتين لهما فى بستان .. قد رشت كل منهما عريشها وبردت له ماء فيه وهيأت له طعاما فلما دخل قام على باب العريش فنظر الى امرأتيه وما صنعتا له فقال : " رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الشمس والريح والحر وأبو خيثمة فى ظل بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء فى ماله مقيم ؟ .. ما هذا بالنصف ؟ فخرج فى طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أدركه حين نزل تبوك فلم يمنعه الظل البارد والطعام الطيب والزوجتان الحسناوتان أن يؤثر مصلحة الجهاد على حظوظه النفسية وأشواقه القلبية ..

وهكذا كان الرعيل الآول من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم بإحسان يؤثرون مصلحة الدعوة و الإسلام و الجهاد .. على كل حظ نفسى وميل قلبى ومصلحة شخصية .ز وبهذا قامت دولتهم واتسعت فتوحاتهم وأصبحت الدنيا تحت حكمهم وسلطانهم ..

وصفوة القول : إن التوازن معناه أن يؤدى المسلم كل ذى حق حقه فى ا لحياة دون أن يهمل حقا على حساب حق آخر ولا يمكن للمسلم أن يكون متوازنا حتى يتوازن مع حظوظ نفسه وفطرته ويتوازن مع مجتمعه ويتوازن مع دعوته ..

والتوازن بمعناه التكاملى هو من أعظم المقومات فى بناء الشخصية الاسلامية وتثبيت دعائم أركان الدوله الربانية واستعادة الأمجاد السياسية لأمة الإسلام .

8ـ الثقة :

الثقة معناها : هى شعور قوى ينبعث من الذات الانسانية يدفع صاحبه الى الايمان بالفكرة بلا تردد والى المضى فى العمل بلا تواكل والى السعى الى ا لهدف بلا قنوط .. وبناء على هذا وجب على رجل الدعوة أن يثق بالدعوة التى يدعو الناس اليها على أ نها حق ويثق بالجماعة التى ينتمى اليها على أنها خير ويثق بالغاية التى ينشدها على أنها واقع .. فعندئذ نقول : إن رجل الدعوة يتحلى بالثقة الكاملة ويتمتع باليقين الفريد ..

ماذا نعنى بالثقة بالدعوة على أ نها حق ؟

نعنى أن يؤمن شباب الدعوة من قرارة وجدانهم على أ ن الإسلام دين الحق الذى لا يقبل الله غيره أنزله الله عز وجل ليكون للبشرية نظام حكم ورسالة خلود ومبعث حضارة ومنهج حياة .. ونعنى بالثقة كذلك أن يثقوا على أن هذه الدعوة شاملة متكاملة فى كل ما تحتاجه البشرية فى مجالات حياتها وفى بناء حاضرها ومستقبلها .. وسبق أن تكلمنا فى بحث التكامل لمقومات الدعوة الجماعية عن الشمولية والتكاملية لهذا التشريع بما فيه الكفاية ..

وها نحن أولاء نمر بها مرور الكرام الماحا وتذكيرا ليعلم كل من ينتمى الى هذه الدعوة أن هذا الإسلام العظيم هو الدين الوحيد الذى له ملكة الهضم لأطوار الحياة المختلفة وأنه ما تنزل إلا من أجل سعادة البشرية وأمنها واستقرارها فى كل زمان ومكان إلى أ ن يرث الله الأرض ومن عليها .. فنحن حين تحدثنا عن التكاملية فى أنظمة التشريع ذكرنا أ نه نظام عقيدة كما أنه نظام سياسة وأنه نظام عباده كما انه نظام اقتصاد وانه نظام اخلاق كما انه نظام اجتماع وانه نظام قضاء كما انه نظام جندية وانه نظام حسبة كما انه نظام عقوبات .

كل ذلك فى أنظمة دقيقة محكمة وفى تشريعات ربانية خالدة .. تعطى ولا تأخذ وتجمع ولا تفرق وتؤلف ولا تبدد وتبنى ولا تهدم تنزيل من حكيم حميد .

ونعنى بالثقة أيضا أن يؤمن المنتمون لدعوة الإسلام بأن الدعوة الاسلامية ذات خصائص ومزايا مما يؤهلها أن تكون شريعة الخلود والحياة الى يوم الدين .

وسبق أن تكلمنا عن خصائص هذه الدعوة فى ا لفصل الأول من سلسلة مدرسة الدعاة تحت عنوان : " هذه الدعوة

ما طبيعتها ؟ " وبينا أن دعوة تحمل فى طياتها مزايا الربانية والعالمية والشمول وتحمل فى انظمتها خصائص العدل والتجدد والبساطة وتحمل فى طبيعتها ظواهر الأصالة والهيمنة والثبات لهى دعوة تستحق البقاء وتستأهل الخلود وتضىء للدنيا أنوار الحق والحضارة والعرفان وترفع فى سماء البشرية منارات الهدى والعلم والمدنية وتسطر فى ضمير الزمن آيات المجد والعظمة والخلود .. وهى جديرة أن يحملها الدعاة الى الدنيا يعرفون بها ويدعون اليها وينشرونها فى ربوع الأرض وأفاق المعمورة وبلاد العالمين .


وماذا نعنى بالثقة بالجماعة على أنها خير ؟

نعنى أن شباب الإسلام إذا انتموا الى الحركة الاسلامية وأعطوها ولاءها والتزموا عهد البيعة لأميرها وارتضوا المسيرة فى مواكب العاملين المخلصين لتحقيق أهدافها فهذا مما يدلل على أنهم واثقون بالحركة وواثقون باميرها وقيادتها وواثقون بمسيرتها الى هدفها وغايتها ..

فإذا كان الأمر كذلك فعليهم أن يبقوا على هذه الثقة والاعتقاد متعاونين متضامنين متكافلين على درب العزة والمجد الى أن يأذن الله بالفتح والنصر ..

نعم إذا انحرفت الجماعة عن المنهج الاسلامى الذى رسمه الله لها وقام الدليل على ظهور بوادر خيانه وعماله من قيادتها وانعطفت بالهدف الخير الى هدف آخر لا يتلاقى مع مصلحة الدعوة والإسلام ففى هذه الحالة جاز لجنود الحركة أن يتحللوا من قسمهم ,ان يتبرؤوا من قيادتهم وأن يخلعوا بيعة أميرهم ..وأن يسعوا جهدهم فى تصحيح المسار ورد الجماعة إلى أصالة المنهج والغاية ..

أما إذا كان المسار صحيحا والمناهج قويمة والهدف واضحا وأصيلا والعزم على أقامة العزة الاسلامية متينا وقويا .. فلا يجوز لأحد من شباب الدعوة أن يتحلل من بيعة وأن يتبرأ من قيادة وأن ينسحب من جماعة .. وإذا وجد شباب الإسلام من الجماعة التى ينتمون اليها ثمة خطأ أو اعوجاج أو خلل .. فبإمكانهم أن يقوموا بدورهم فى النقد الذاتى البناء ليصححوا الخطأ ويقوموا الاعوجاج ويسدوا الخلل .. عملا بقوله عليه الصلاة والسلام : " الدين النصيحة.. " وهذا هو الإسلام .

ولا يمكن للحركة الاسلامية أن تقوم على رجليها وأن تسير على درب العزة والمجد الى غايتها .. حتى تتعمق بين القيادة والجنود مشاعر الثقة وأن تزداد على مدى الأيام تثبيتا وتمكينا وأن يرى ا لجنود آثار التماسك والصلابة فى القواعد والبناء ..

ولكن ماهى عوامل تعميق الثقة بين القيادة والجنود ؟

أولا ـ أن يستشعر جنود الدعوة أن أمير الجماعة وأعضاء القيادة على المستوى اللائق من الكفاءة والخبرة والقدوة والنباهة والقدرة على ممارسة العمل القيادى والورع والتقوى والعلم والحزم والاخلاص والصدق والأمانة والسهر على مصالح الدعوة والإسلام ..

ثانيا: أن يحس كل عضو فى ا لجماعة أنه وضع فى الموقع المناسب فى العمل الذى كلف به فى أ جهزة الحركة ليقوم بدوره وأداء مسؤوليته فى دفع عجلة الدعوة الاسلامية الى الأمام لتصل فى نهاية المطاف الى العز والنصر .

ثالثا ـ أن يجد رجل الدعوة المناهج فى الجماعة متكاملة شاملة روحيا وتربويا وعلميا وعسكريا .. ليوقن من قرارة وجدانه أنه تكون التكوين الكامل وتربى التربية الاسلامية الشاملة وتهيأ فعلا ليكون رجل جهاد وجندى دعوة وعضو عمل وحركة ..

رابعا ـ أن يوقن الشاب الدعوى أن كل ألأعضاء العاملين فى الجماعة قد وظفوا فى الأجهزة الادارية والأعمال الدعوية ليؤدوا وظيفتهم على ا لوجه الأكمل فى بناء الحركة والعمل الجماعى على أ ساس سليم ودعائم متينة ..

خامسا ـ أن يعلم كل من أنتمى للجماعة أنه مسؤول عن العمل الذى كلف به وأنه سوف يحاسب على تقصيره وإهماله وأنه سوف يشكر وتعلو مرتبته الدعوية بسبب إخلاصه وحركيته وإحسانه ..

سادسا ـ أن يرى جنود العمل الاسلامى أن قيادة الجماعة وسائر أجهزتها قادرة على حل مشكلة كل عضو ينتسب الى الحركة الاسلامية مهما عظمت ويرؤها أيضا أنها وقفت بحزم وشدة من مثيرى الفتن ومحدثى البلبلة والانشقاقات ..

وكم يرتاح عضو الجماعة نفسيا وتتعمق ثقته قلبيا .. حين تحرص قيادة العمل الاسلامى على أن تأخذ بالعوامل التى تقوى الثقة فى جنودها وتزرع بذور الحب المتبادل بينها وبين أعضائها وتشعر كل من ينتمى إليها أنها على مستوى الرعاية والاهتمام ؟ !..

ماذا نعنى بالثقة بالغاية على أنها واقع ؟

نعنى أن يثق المسلم فى كل مكان أن هذا الإسلام العظيم مهما أصابه من محن ومرت به أحداث وغاب عن الحكم فترة من الزمان .. لا بد أن ينتصر ويمكن الله له فى الأرض ويعود أقوى مما كان عزة وقوة وانتشارا وتحكيما ..وهذه هى الثقة بالغاية التى تسعى الحركات الاسلامية اليها ، ونحن لو استعرضنا النصوص فى الكتاب والسنة لوجدنا أن الانتصار لهذا الدين قائم وأن السيادة للمسلمين متحققه ذلك لأن هذه النصوص تركز حول أمرين :

الأول ـ النصر مرهون بنصر المسلمين لله :

فالنصوص فى هذا المجال كثيرة ومستفيضة ونحن نقتطف طاقة منها للتبصرة والذكرى :

ـ قال تعالى : وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم فى الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذى ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدوننى لا يشركون بى شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون النور : 55

ـ وقال سبحانه :( ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز الذين إن مكناهم فى ألأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاةوأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور) الحج 41 .

ـ وقال جل جلاله :( يا ا يها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم )محمد 7 .

فهذه النصوصوغيرها تؤكد تأكيدا جازما أن السيادة فى الدنيا والاستخلاف فيها والتمكين فى أرجائها مرهون بنصر المسلمين وذلك بالايمان به والتزام منهجه والأخذ بأسباب النصر ..

فأمة الإسلام إذا كانت على هذا ا لمستوى .. فيجعل الله منهم أئمة ويجعلهم الوارثين ويجعلهم أسياد الأرض وحكام الدنيا لا محاله .

الثانى ـ البشارة النبوية أن العزة للمسلمين مهما كبت وغابت لا بد أن تعود :

واليكم هذه البشارات :

روى الدارمى وأحمد وابن أبى شيبة .. عن أبى قبيل قال : كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاص وسئل أى المدينتين تفتح أولا القسطنطينية استانبول أم رومية فدعا عبد الله بصندوق له حلق قال : فأخرج كتابا فقال عبد الله : بينما نحن حول رسول الله صلى ا لله عليه وسلم نكتب إذ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أى المدينتين تفتح أولا ؟ قال : مدينة هرقل يعنى القسطنطينية .

وقد تحقق الفتح الأول على يد الخليفة العثمانى " محمد الفاتح " رحمه الله عام 1453م أى بعد 800سنة تقريبا من إخبار النبى صلى الله عليه وسلم وسوف يتحقق الفتح الثانى وهو مدينة " روما " بإذنه تعالى وعسى أن يكون قريبا .

ـ وروى الامام أحمد والبزار والطيالسى .. قا ل الهيثمى : " ورجاله رجال الصحيح " عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال :" إن اول دينكم نبوة ورحمة وتكون فيكم ما شاء الله ان تكون ثم يرفعها الله جل جلاله ثم تكون خلافة على منهاج النبوة تكون فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله جل جلاله ثم تكون ملكا عاضا فيكم ما شاء الله أن يكون ثم يرفعه الله جل جلاله ثم يكون ملكا جبريا فيكون ماشاء الله أن يكون ثم يرفعه الله جل جلاله ثم يكون خلافةعلى منهاج النبوة تعمل بسنة النبى صلى ا لله عليه وسلم ويلقى الإسلام بجيرانه فى الأرض يرضى عنها ساكن السماء وساكن الأرض لا تدع السماء من قطر إلا صبته مدرارا ولا تدعه الأرض من نباتها ولا بركاتها شيئا إلا أخرجته " .

فالذى يبدومن الحديث أن ا لملك العاض قد انتهى على وجه العموم بانتهاء الدوله العثمانية والآن جاء دور الملك الجبرى الذى توصل أصحابه الى الحكم بدون رضى الأمة ..

ولكن دلائل الصحوة الاسلامية تبشر بأن ذلك لن يطول أبدا وسيأتى اليوم الذى تكون فيه الخلافة على منهاج النبوة .. ولعل ذلك يكون قريبا .

ـ وروى الشيخان عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود حتى يختبىء اليهود من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر والشجر : يامسلم هذا يهودى خلفى تعال فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود فالبشارة النبويه فى هذا الحديث ذات شقين : الأول : أن اليهود سيكون تجمعهم فى بقعه واحدة .

الثانى : المسلمون يتسلطون عليهم ويعملون بهم السيف قتلا وتنكيلا ..

فتحقيق الشق الأول ألا وهو سيل التجمع الذى تفعله إسرائيل فى فلسطين .. وسوف يتحقق الشق الثانى فى حرب قادمة يحمل لواءها المسلمون الصادقون المخلصون .. وسوف يكون هلاك اليهود على أيديهم بإذن الله تعالى بعد حين .

ولا شك أن المسلم الحق يوقن بمضمون هذه النصوص ويثق بهذه البشارات .. لكونها صدرت ممن لا ينطق عن الهوى ورويت عن الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه ..

فالغاية التى يسعى إليها رجل الداعية ألا وهى نصر الإسلام وإقامة دولته .. لابد أنتتحقق بعونه تعالى مهما رأينا من أوضاع المجتمعات الاسلامية وتمزق صفها وشتات وحدتها .. ومنأصدق من الله قيلا ؟ ! .. ومن أوثق من النبى صلى الله عليه وسلم حديثا ؟. وصفوة القول : إن الثقة بمعناها الدعوى ومضمونها الحركى أن يثق كل من ينتمى الىا لحركة الاسلامية بالدعوة التى يدعو الناس اليها على أنها حق ويثق بالجماعة التى ينتسب اليها على أنها خير ويثق بالغاية التى ينشدها على أنها واقع ..

فبهذه المعانى للثقة يمضى شباب الدعوة فى مسيرتهم ويرفعون فى سماء العزة لواء دعوتهم ويحققون لأمتهم النصر الأكبر والفتح المبين ..


تلكم أهم مقومات الدعوة الجماعية فى إثبات وجودها واستمرارية مسيرتها والحفاظ على بقائها ودفع عجلتها الى الأمام للوصول الى النصر ..

وبدون هذه المقومات لا يمكن للدعوة الجماعية أن تنهض برسالة وأن تستمر فى مسيرة وأن تحقق فى الوجود غاية ذلك لأن هذه المقومات الآنفة الذكر هى بمثابة الروح للجسم والمحرك للآله والشريان للحياة فإذا كان الجسم لا يعيش بلا روح والآله لا تتحرك بدون محرك والحياة لا تقوم بدون شريان .. فكذلك فإن الدعوة الجماعية لا تقوم على رجليها ولا يكتب لها بقاؤها وامتدادها ولا تسير على درب العزة والمجد .. حتى تعمل بهذه المقومات وتأخذ بهاتيك السنن والأسباب ..

فبمقوم " الفهم " يلقن شباب الدعوة الاسلامية ومنسوبيها الفهم الصحيح لخصائص الدعوة ومسائل الشريعة والتصور الحقيقى عن الإسلام ..

وبمقوم " التربية " يربى الشباب على اسس قويمة من التربية الاسلامية الشاملة التى تتجسد بنوعيات من التربية الروحية والخلقية والنفسية والاجتماعية .. والتربية على الطاعة والجندية وفى سائر المجالات التى تتضمن مفاهيم التربية ..

بمقوم " الشورى " تسير الحركة الاسلامية فى طريق مأمون وتتجنب الهفوات والأخطاء ويكون تخطيطها للحاضر والمستقبل على مراحل ناضجه وورقة عمل راشدة ..

وبمقوم " التخطيط " تتبصر الجماعة فى مسيرتها الخطة المحكمة الواضحة المعالم المحدده المراحل المعلومة الوسائل البينة الأهداف .. فى بناء حاضرها ومستقبلها وتوفير العزة الاسلامية لأمة الإسلام ..

وبمقوم "التنظيم " تستطيع الدعوة الجماعية أن تبرز على الساحة الأمير الكفء والقيادة ا لرشيدة وأن تنظم العلاقة بين القمة والقاعدة وأن تحدد مسؤولية كل عضو فى الحركة وأن تضع من الوسائل فى كل ما تحتاجه فى تسيير أعمالها وإدارة أجهزتها وتماسك وحداتها ..

وبمقوم " التكامل " تتبنى قيادة الجماعة مبادىء الإسلام على انها مبادىء شاملة متكاملة فى كل ما يتعلق بأنظمة الحكم و السياسة والاجتماع والاقتصاد والقضاء وسائر مناهج الحياة .. كل ذلك حتى يهيمن الإسلام على حياة المسلمين التى يعلمها كل من ينتمى الى الحركة الاسلامية فى كل مكان من ناحية ولأننا تطرقنا لها فى أكثر من موضع فى فصول هذا الكتاب من ناحية أخرى .

ـ والذى نخلص إليه بعد ما تقدم :

ان مقومات الدعوة الجماعية هى للدعوة عصب الحياة وقلبها النابض وجهازها المحرك وروحها الوثاب فبدونها ينهزم الدعاة وتتلاشى الدعوات وتراوح الحركة الاسلامية فى أرضها ويموت العمل الاسلامى فى مهده ..

فعلى قيادات الحركة الاسلامية أن تعى هذه الحقائق إذا أرادت لدعوتها الانتشار ولمسيرتها الانتصار ولمستقبلها العزة .. والله سبحانه مع الذين يلتزمون شرعه ويسيرون على منهجه وكان حقا علينا نصر المؤمنين .

6- هل يجوز أن يعيش المسلم حرا طليقا بلا انتماء ؟

يتساءل بعض الشباب : ما المانع أن نبقى فى أنفسنا صلحاء أتقياء نعمل بقدر المستطاع لدعوتنا دون أن ننتمى الى جماعة أو تنظيم فى سلك العاملين ل الإسلام ؟

وتحتج هذه الزمرة المتقوقعه على نفسها بحجج واهية على دعم دعواها :

من هذه الحجج : ماذا تستطيع الجماعات أن تعمل وأنم تغير والحكومات اللادينية على بلاد الإسلام تتآمر على أنظمة الإسلام وقيم الإسلام .. وتلاحق الاسلاميين بالاعتقال والتنكيل والبطش والتقتيل ؟

من هذه الحجج : الى أية جماعة من الجماعات ننتمى والجماعات الاسلامية فى البلد الواحد كثيرة ومتعدده وأنظمتها فى الوسائل والغايات متنوعه ومختلفة وتناحرها فيما بينها واتهامها لبعضها قائم ومستفحل ؟

من هذه الحجج : مالفائدة من العمل الجماعى أو الانتماء الى الحركات الاسلامية والمسلمون اليوم فى عصر الفساد والفتن والرسول صلوات الله وسلامه عليه أمر أمته بالعزلة عند وقوع الفتن وفساد الزمان وكثرة الهرج والانتصار للهوى ؟

لو تأملنا فى هذه الحجج التى يطلقها دعاة التسيب من العمل الاسلامى لوجدناها حججا واهية لا تمت الى روح الحقيقة بصلة أو سبب ولا يمكن بحال أن يتخذها المتسيبون مبررا لتلك العمل الجماعى والتنظيم الحركى .. فى سبيل عزة الإسلام ..

فادعاؤهم أن الاسلاميين يتعرضون فى ظل الحكومات اللادينيه للبطش والتنكيل .

أقول : أن من السنن فى طبيعة الدعوات الربانية _أن يتعرض دعاتها سواء أكانوا أنبياء أو مصلحين .. للبلاء العظيم والزلزلة الجسيمة والمحنة الشديدة .. ذلك لأن صراع الحق مع الباطل قديم ومعلوم وفى سيرة الأنبياء عليهم السلام وسيرة نبينا صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام وسيرة سلفنا الصالح .. أكبر شاهد وأعظم قدوة .. على ما نقول !!

وحسبنا أن نستشهد بالآيات القرآنية التى تنم عن حقيقة الابتلاء وضروب المحنه لكل من يقول ربى الله أمام حاكم ملحد وطاغوت كافر .. والتى تؤكد أن الصبر والمصابرة على هذا كله هو سبيل الى الجنة .. قال سبحانه  :( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب) البقرة : 214 .

وصدق الله العظيم القائل :( وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود . وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ) البروج : 7ـ8 .

ومن حكمة تعرض المؤمنين لأصناف الإضهاد وضروب المحنة حتى يميز الله طيبهم من خبيثهم والله سبحانه لا يطلع أحدا على غيبه فلا يقول لمن أسلم وآمن سلفا أنت طيب وأنت خبيث ولكنه سبحانه يدخل جميع المؤمنين فى اختبارات وابتلاءات يتميز بها الطيب من الخبيث ويعرف الصالح من الطالح .. وبهذا تقوم الحجة على من لج وابتعد وانطوى .. ويتمحص من صابر وصبر وثبت !!..

وفى هذا .. يقول جل جلاله ( ما كان الله ليذر المؤمنين على ما انتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان ا لله ليطلعكم على الغيب ) آل عمران : 179 .

فمن الطبيعى إذن أن يتعرض العاملون فى مضمار الدعوة الى الإسلام للبطش والمحنة والتنكيل .. ما دام للباطل وزن وثقل فى بلاد الإسلام .. وما دام للحكومات اللادينية نفوذ وسيطرة على مقدرات المسلمين .. وما دام الوقوع فى الإ ضطهاد والشدة من سنن الأنبياء والمصلحين فى كل زمان ومكان .. وادعاؤهم أن الجماعات الاسلامية كثيرة ومتناحرة ومتنوعه .. فلا فائدة من الانخراط فيها والانتماء اليها ..

أقول : نعم ما يتصوره هؤلاء .. عن أوضاع الجماعات الاسلامية وتباين فكرها ومناهجها وظاهرة تنابزها وتناحرها .. أمر واقع لا ينكره إلا مكابر .. ولكن هل يفضى هذا التصور والواقع الى ا لانطوائية واليأس وهل يصح للشباب المسلم أن ينصرفوا الى العزلة ويتركوا العمل فى سبيل الله ؟

لا يجوز لهم شرعا أن يتسيبوا ويعتزلوا ويقعدوا مع القاعدين

وذلك للأسباب التالية :

أولا : لأن الله سبحانه أمرنا بالاعتصام بحبله وعدم التفرق فى دينه .. فلا يعقل أبدا أن يأمرنا الله بأمر وينهانا عن نهى .. ويصعب تحقيقه فى عالم الواقع ..

فلقد كانت القبائل قبل الإسلام تقتلها الفرقة وتمزقها العصبية فأصبحت بعد أن هداها الله الى الإسلام أمه واحدة تسمع وتطيع لقيادة واحدة وتعمل وتجاهد لغاية واحدة ..

ثانيا : لأن هناك أسبابا أساسية للفرقة والخلاف .. فيمكن للجماعات أن تزيل فيما بينها هذه الأسباب سواء كانت فكرية .. او منهجية أو نفسية.. ليعود اليها صفاؤها ووحدتها تحت مظلة العمل الاسلامى و الجهاد فى سبيل الله .

ثالثا : لأن التاريخ الاسلامى برهن أنه كان يقع بين المسلمين عبر العصور خلافات سياسية واستشارات عصبية فتعود وحدة المسلمين أقوى ما تكون من الارتباط والتماسك وأعظم شاهد على ما نقول : ما حصل بين الأوس والخزرج وما وقع بين على و معاوية .. ومع كل هذا التأم الصف واجتمع الشمل وتصافت النفوس .. وعاد الجميع عباد الله إخوانا .. يعملون ل الإسلام ويجاهدون فى سبيله .

رابعا : لأ ن الجماعات وإن تعددت فيمكن أن يتخير الشباب المسلم الجماعة الاسلامية التى لها فروعها وامتدادها وقوتها فى العالم الاسلامى .. والتى شملت أنظمتها ومناهجها الإسلام كله .. والتى تسعى فى وسائلها وأوراق عملها الى مجد للإسلام مؤثل والى دولة للمسلمين رائدة .. ويمكنهم بعد التخير والاصطفاء أن ينخرطوا فيها وينتموا اليها ويجاهدوا تحت مظلتها ..

بعد الذى بيناه لا عذر لأولئك ولا حجة أن يتقوقعوا ويعتزلوا ويعيشوا على هامش الدعوة و الجهاد .

وادعاؤهم أن المسلمين اليوم أصبحوا فى عصر الفساد والفتن والأهواء والهرج .. فما عليهم إلا أن يعتزلوا العمل ويتجنبوا الفتن ويعيشوا فى مواقعهم آمنين ..

أقول : هذا الادعاء مرفوض واقعا ومردود شرعا ولا ينهض حجة مهما أذاعوا به وروجوه !!..

أما أنه مرفوض واقعا فلظاهرة الصحوة الاسلامية التى عمت البلاد والعباد فهل يقول عاقل : إن الواجب على جيل الصحوة أن يعتزل مجتمعات المسلمين وأن ينطوى على نفسه فى جحور القاعدين وأن يتتبع شعف الجبال ومواقع القطر .. يفر بدينه من الفتن وأن يبقى على ذلك حتى يدركه الموت ؟ .. لا أظن شابا عاقلا واعيا ذا نظرات ثاقبة بعيدة .. يقول بذلك .

ـ وأما أنه مردود شرعا فلأن أحاديث الفتن 1 التى تأمر بالعزلة والقعود فى آخر الزمان فإنها لا تنطبق على زماننا هذا بحال ذلك لأن المسلمين اليوم كثيرون يبلغون الألف مليون عددا وهم يمارسون حريتهم فى أداء الشعائر والتزام شرائع الإسلام .. ثم هم بالتالى فى كثير من المجتمعات الاسلامية يمارسون حريتهم الدعوية وأحيانا السياسية وفى كثير من الأحيان يمارسون حريتهم فى تنظيم الحركى ثم أصبح لهم جماعة قوية لها فروعها وامتداها ووسائلها وأهدافها ولها تنظيمها ومناهجها ومراحلها فى ا لعمل وخطواتها فى ا لحركة .. وهى موجودة بمرشدها وقيادتها والحمد لله .. يعرفها القاصى والدانى من المسلمين فى المشارق والمغارب .. ويستطيع شباب الاسلإم فى العالم الاسلامى فى كل مكان أن ينتموا اليها ويكثروا سوادها وينتظموا فى صفها ويجاهدوا مع أبنائها وأعضائها .. سواء كان ذلك كله .. سرا أو جهرا لتحقيق الهدف الأكبر فى حاكمية الإسلام وبناء المجد والعزة للمسلمين .نعم حين يأتى على المسلم زمان تعددت فيه الفرق الضالة واستحكمت .. وتشعبت بين أهل العقائد الزائغة واستفحلت ..وأصبح لا يوجد على الأرض الاسلامية من يقول : الله .. الله .. وتعذرت فى ا لناس الهداية واندثرت فىالمجتمعات القيم والأخلاق وغاب المصلحون والدعاة عن أداء رسالتهم وتدفق سيل الكفر والالحاد لتنفيذ كفرهم وإلحادهم ..

ففى مثل هذه الأحوال يعتزل المسلم هذه الفرق ويفر بدينه من الفتن وينتظر قيام الساعة .. أما فى غير هذه الأحوال فلا عذر لمسلم فى ترك العمل الاسلامى بل ينبغى أن يقوم بدوره فى ا لاصلاح والتغيير والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ويمضى على درب الدعوة و الجهاد حتى ترتفع راية الحق ويظهر الدين على الدين كله .

وصفوة القول :

إن الادعاءات والحجج التى تعلل بها دعاة العزلة والانطوائية فى التخلى عن العمل الاسلامى لا تنهض حجة لهم بل ظاهرة الصحوة ترفضها والنصوص الشرعية من آيات الجهاد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وإظهار الدين على الدين كله تردها ..

فما على الشباب المنطوى القاعد إلا أن يثوبوا الى رشدهم ويحاكموا القضايا بعين عقولهم وبصائرهم .. وعليهم أن يعلموا أن سكوتهم عن الحق وقعودهم عن العمل وتسيبهم عن الانتماء هو فرحة للعدو بل يطعمه فى تنفيذ مخططاته ومؤامراته على أرض الإسلام !!

ألا فليعقل شباب الإسلام هذه المعانى .. ولينخرطوا فى العمل الاسلامى .. فإن ذلك كبت للعدو وفرحة للمؤمنين فى سيرهم على درب العزة والنصر؟..

وهناك شباب صالح تقى يريدون أن يعرفوا حكم الإسلام فى الذين يعملون ل الإسلام بلا انتماء الى جماعة ولا انتظام الى حركة .. هل يبرؤهم ذلك عند الله ؟

هذا الصنف من الشباب من خلال تساؤلهم فى الانتماء أو عدمه .. يطلقون هذا السؤال ليتبصروا الحقيقة ويعلموها فإن تبينوها وجدتهم أول المنتظمين العاملين .. ولكن قبل أن أجيب على هذا التساؤل أريد أن أهمس فى أذن الشباب هذه الهمسات :

ـ هل يستطيع الشباب بمفردهم مهما عملوا أن يقيموا دولة ل الإسلام ويشيدوا صرح عزة للمسلمين ؟

ـ هل يدرون الغاية التى خلقوا منأجلها والرسالة المكلفون بأدائها وحملها ؟

ـ هل يريدون أن تبقى الحاكمية للطواغيت و السياسة بيد اللادينيين ؟

ـ هل يعلمون مخططات أعداء الإسلام فى الخارج والداخل فى تدمير العقيدة الاسلامية وإبادة اهلها ؟

ـ هل يروق لهم أن تنجرف المجتمعات الاسلامية فى تيار الميوعة وأن تنحدر فى مزالق الانحراف ؟

ـ هل يطمئنون أن تظل مجتمعات المسلمين ممزقة والأمة الاسلامية متردية وبلاد الإسلام تحت وطأة القهر والتسلط ذليلة مهينة ؟

بماذا يجيبون على هذه التساؤلات ؟

فى تقديرى أن الاجابة سوف تكون على الشكل التالى :

لا نستطيع حتما بجهودنا الشخصية وأعمالنا الفردية أن نقيم فى العالم دولة الإسلام وفى المسلمين صرح العزة .

نحن نعلم أن الغاية التى خلقنا من أجلها والرسالة المكلفين فى حملها هى :

ـ الصلاة والنسك .. والمحيا والممات .. لله رب العالمين

ـ الخضوع والانقياد لمنهج الله الثابت وصراطه المستقيم ..

ـ إعطاء الولاء الخالص لله ولرسوله وللمؤمنين .

ـ رفض المبادىء والتصورات التى لا تنبثق من رساله الإسلام .

وأما الرسالة المكلفون بحملها :

ـ فإنها حمل الرساله الاسلامية الى ا لدنيا وتحرير البشرية من رجس المادية والوثنية والجاهلية .. الى نور الحق والتوحيد والعرفان ..

ـ وانها المهمة الكبرى فى إخراج الناس من عبادة العباد الى عبادة الله ومن ضيق الدنيا الى سعتها ومن جور الأديان الى عدل الإسلام .

نرفض حتما أن تبقى الحاكمية فى العالم الاسلامى للطواغيت و السياسة بيد اللادينيه .

عندنا التصور الكامل عن مخططات أعداء الإسلام فى تدميرالعقيدة الاسلامية وإبادة أهلها من المسلمين .

كم نتألم نفسيا .. أن تنجرف المجتمعات الاسلامية فى تيار الانحلال وأن تنزلق فى مزالق الانحراف

كم نغتاظ قلبيا .. أن تظل مجتمعات المسلمين ممزقة والأمة الاسلامية متردية وبلاد الإسلام تحت وطأة القهر والتسلط ذليلة مهينة ؟

فإذا كانت هذه حقيقة إجاباتهم عن هذه التساؤلات .. فما هو العمل الذى يجب أن ينتهجه الشباب فى مواجه هذا كله .. وفى إقامة حياة إسلامية رائدة ؟ .

سبق أن تكلمنا أن من سلبيات الدعوة الفردية أنها قليلة الأثر ضئيلة الثمرات محدودة النتائج .. بالرغم مما يبذله الوعاظ والخطباء والمرشدون .. من اهتمام وتحضير وتوعية وإقناع واتصال دائم بالناس .. بل لا يمكن عن طريق الفردية أن يصل الشباب ـ مهما بذلوا وكابدوا ـ الى إقامة دولة للمسلمين راشدة وبناء عزة ل الإسلام سامقة !!

فالعمل إذن فى مجابهة الأوضاع ومحاربة الطواغيت والوقوف أمام تيار الفساد والوصول الى النصر .. هو أن ينتهج الشباب المسلم سبيل العمل الجماعى ويسلكوا طريق التنظيم الحركى ويعملوا بشكل دائب ومركز ل الإسلام ذلك لأن الدعوة الجماعية متعاونه متماسكة متحدة .. لها نشاطها وحركتها .. ولها وسائلها وأهدافها .. ولها مناهجها وخطوات عملها .. ولها قوتها وامتدادها .. ولها فروعها وتكثير قاعدتها .. ولها شمولها وتكاملها .. ولها تربيتها لأعضائها والمنتمين اليها .. ولها صبرها وثباتها ..ولها استمراريتها الدائمة على درب العزة والنصر .. الى غير ذلك من هذه الخصائص والمزايا ..

وهنا يرد هذاا لسؤال :

إذا كانت الدعوة الجماعية بهذه الخصائص والمزايا فما هو حكم الشرع فى انتماء الفرد المسلم إليها ؟

سبق أن تكلمنا فى بحث مضى أنه يجب على المسلمين عامة أن يكونوا فيما بينهم جماعة إسلامية حركية يعملون تحت مظلتها وينضوون تحت لوائها .. وبينا أن تكوين هذه الجماعة هو فريضة شرعية وضرورة حتمية .. وقد أستشهدنا بنصوص الشريعة وقواعدها على صحة ما تقول . والآن أريد أن أتكلم عن موضوع آخر متداخل لحد ما .. مع الموضوع السابق هذا الموضوع متعلق ببيان حكم الشرع فى أنتماء الفرد المسلم إلى الدعوة الجماعية أو بعبارة أخرى : هل يجوز للمسلم شخصيا أن يتخلى عن الارتباط الحركى والدعوة الجماعية ؟ فإذا كان لا يجوز ماهو الدليل الشرعى على عدم الجواز ؟

ربما يجد القارىء أن بعض الأدلة التى سوف نستشهد بها هى نفس الأدلة التى استشهدنا بها فى البحث السابق ولكن الجديد الذى سوف يجده أن توجيهنا للأدلة هى أكثر استنتاجا وتعليلا فى كل ما له ارتباط بالحكم الشرعى فى قضية الانتماء الفردى أو عدمه .

وإليكم سرد هذه الأدلة معلله وموجهه :

أـ روى مسلم عنه عليه الصلاة والسلام : " ومن مات ولم تكن فى عنقه بيعة مات ميتة جاهلية " هذا الحديث يوجه كل مسلم الى أن يبايع إماما للمسلمين يحكمهم ويقوم على شؤونهم وعند غيابه فعلى ا لمسلم أن يبايع الأمير الذى اتفقت على بيعته كثير من المسلمين فى العالم الاسلامى لكونه ينوب منابة ويقوم مقامه .. وتظل هذه البيعة قائمة الى أن ينصب حاكم عام للمسلمين ويكون إماما عليهم عند قيام دولتهم الراشدة ووحدتهم الشاملة .

ومما يوجه اليه الحديث أيضا أن الذى يموت ولم يبايع ميته جاهلية أى يموت وقد خلع من عنقه ربقة الإسلام فالحكم الشرعى الذى نستنتجه أن التزام الجماعة أمر واجب وإذا لم يلتزم المسلم بها فإنه يبوء بالاثم ويتخبط فى ظلمات الجاهلية

ب ـ وفى أحدى روايات مسلم : " ومن مات وهو مفارق للجماعة فإنه يموت ميتة جاهلية " .

هذا الحديث يوجه أن الذى ينقض البيعة ويفارق الجماعة ويتخلى عن الدعوة الجماعية ويعتزل التنظيم الحركى .. فإنه حين يموت على الجاهلية وعلى غير المنهج الذى رسمه الإسلام !!..

فالحكم الشرعى الذى نستنتجه من الحديث أن الانخراط فى سلك الدعوة الجماعية والبيعة لأميرها هو من الواجبات وأن الذى يتخلى عنها يبوء بالاثم وينقض عرى الإسلام .

جـ ـ وأخرج الامام أحمد بسند صحيح عنه صلوات الله وسلامه عليه : " وأنا آمركم بخمس الله أمرنى بهن بالجماعة والسمع والطاعة والهجرة و الجهاد فى سبيل الله فإن من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه الى ا، يرجع وإن صام وصلى ؟ قال : وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم " !!! هذا الحديث يوجه أن الذى يخرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم ..

فالحكم الشرعى الذى نستنتجه من الحديث أن ألتزام الجماعة أمر واجب وأن اللتخلى عنها يخرج المتخلين من الإسلام ويدخلهم فى دائرة الإثم مهما زعموا أنهم مسلمون .

د ـ أما الأحاديث التى تأمر الفرد المسلم بالتزام الجماعة فإنها كثيرة :

من هذه الأحاديث : ما رواه الترمزى وابن مبارك عنه صلى الله عليه وسلم : " عليكم بالجماعة فإن الشيطان مع الواحد وهو مع الإثنين أبعد من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة "

من هذه الأحاديث : حديث حذيفة الذى رواه البخارى " ....تلزم جماعة المسلمين وإمامهم .."

منهذه الأحاديث : ما رواه أحمد بسند جيد عنه عليه الصلاة والسلام : " إن الشيطان ذئب الانسان كذئب الغنم يأخذ الشاة القاصية .. وإياكم والشعاب وعليكم بالجماعة والعامة .

هذه الأحاديث توجه بجملتها الى انتظام الفرد المسلم فى سلك الجماعة الاسلامية الرائدة وهذا الانتظارهو من أظهر الواجبات فى نظر الإسلام لكونه سبيلا الى الجنة ولكون الشيطان مع الواحد الذى مع الواحد الذى لا ينتمى الى جماعة ولا يرتبط بحركة .. ولكن الذئب يأكل يأكل من الغنم القاصية ويتخطف الشياه الناشزة واحدة بعد واحدة ..

فلماذا يقول شباب الإسلام بهذه النصوص التى تحذر من مفارقة الجماعة وتندد بالعزلة وتخرج المتخلين السائبين عن الإسلام .. والتى تأمر كل مسلم بالانتماء الى الجماعة والارتباط بالعمل الجماعى لاعلاء كلمة الله واعزاز دين الله ؟ فحتما يقولون بعد أن تبين لهم الحق :

إن الانتماء واجب شرعا وإن التخلى عن الانتماء للدعوة الجماعية يبوء بالاثم ويتسم بالجاهلية ويخلع من عنقه ربقة الإسلام !!

هـ ـ هذا عدا عن القاعدة الشرعية التى تقول : " ما لا يتحقق الواجب إلا به فهو واجب " .

وسبق أنم فصلنا فى هذه القاعدة وبينا المراد منها والآن نذكر ما فصلنا فيه باختصار :

على كل فرد يدين بالإسلام أن يستشعر فى قرارة وجدانه ما وصلت اليه المجتمعات الاسلامية من تفرق وتمزق واحتكام الى غير شريعة الله .. وهذا ممايوجب عليه أن يسعى جهده فى ردها الى ا لله واستعادة أمجادها المسلوبة وعزتها المفقودة وكيانها المنهار .. وأن يبذل أقصى ما يستطيع فى جعل حياة المسلمين حياةاسلامية لها ذاتيتها وأصالتها وذكرها فى العالمين .. وهذا لا يتأتى إلا أن ينتمى المسلم بشخصه الى جماعة إسلامية رائدة يعمل معها وينضوى تحت رايتها ويتابع مسيرتها وخطواتها .. الى أن تصل الى نصر مؤزر وفتح مبين ..

وأن فعل هذا كله هو من أعظم المسؤوليات واوجب الواجبات .. فإذا تخلى المسلم عن هذه المسؤوليه واستنكف عن أداء هذا الواجب .. فمعنى ذلك أنه مكن لأعداء الله أن تكون لهم الهيمنة والقوة والسيطرة .. على المجتمعات الاسلامية فى كل مكان !!

ولا شك أنه باء بالاثم واتسم بالجاهلية وخلع من عنقه ربقة الإسلام .. لكونه تخلى عن مسؤوليته واستنكف عن أداء واجبه وقبع فى جحر القاعدين المثبطين !!

وعلى كل مسلم ينتمى الى هذا الإسلام العظيم أن يعلم أن تكاليف هذا الدين جماعية متعاونة فالمسلم لا يستطيع بمفرده أبدا أن ينهض بهذه التكاليف وأن يحقق ما تهدف اليه الحركة الاسلامية من مجد مؤثل وعز تليد ودولة راشده!!

فلا بد أن يعمل مع جماعة وأن ينتمى الى حركة وأن يبقى مثابرا مجاهدا على درب العز والمجد حتى يأذن الله له بالفرج والنصر المؤزر المبين ..وما ذلك على الله بعزيز .

فهل عرف أبناء الإسلام مسؤوليتهم فى بناء العزة ل الإسلام ؟ وهل استشعروا واجبهم فى إقامة الدولة الواحدة للمسلمين ؟ وهل علموا أن تخليهم عن الانتماء الى ا لدعوة الجماعية وأن استنكافهم عن الارتباط بالحركة الاسلامية يوقعهم فى الاثم ويخرجهم من الإسلام ويدخلهم فى حظيرة الجاهلية !!

إذا علموا هذا واستشعروه أدركوا أنه لا يجوز لهم شرعا أن يعيشوا فى الحياة أحرارا بلا انتماء طلقاء بلا ارتباط متسيبين بلا جماعة .. والله يقول الحق وهو يهدى الى سواء السبيل ..

ماذا يجنيه المتحللون من الارتباط الحركى على أنفسهم ودعوتهم وأمتهم ؟

فى الحقيقة أنه فى تحللهم من الارتباط الحركى والعمل الاسلامى .. يجنون المآسى والدواهى ويزرعون المصائب والنوائب ويبثون فى كل صعيد العزلة والانطوائية ويتركون المجال لأعداء الله فى أن ينتشروا فى بلاد الإسلام الكفر والفسوق والعصيان ..

هذا على وجه العموم أما على وجه الخصوص : فإن الذى يجنونه على أنفسهم :

1ـ فإنهم معرضون فى أغلب الأحيان للتفلت والانحراف والتحلل .. لكونهم حين ينطلقون فى ا لحياة ينطلقون بلا ضابط ولا سائل ولا رقيب ..

وكم سمعنا عن شباب حين كانوا مرتبطين بالحركة الاسلامية كانوا أفضل التاس تدينا وأقومهم أخلاقا وأكرمهم سمعه .. فلما تفلتوا وتخلوا .. انقلبوا على أعقابهم وقد خسروا الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين ؟ !!

2ـ وإنهم يفقدون أصالة التربية الاسلامية الشاملة التى يجب أن ينشأوا عليها ويتكونوا على أسسهاومبادئها ذلك لأنهم فقدوا من يربيهم وينشؤهم ويقوم على حل مشكلاتهم ورعايةمصالحهم وشؤونهم ..

وكم سمعنا عن شباب لم يتربوا فى محاضن الدعوة ولم يتنشأوا فى مدارس الحركةالاسلامية كيف فقدوا توازنهم وتميعوا فى شخصيتهم وساروا فى طريق الشذوذ والانحراف ؟

3ـ وإنهم يعيشون هملا بلا غاية ويسيرون كطحالب ليل بلا هدى ولا مثل أعلى .. ليس لهم منهم سوى أشباع بطونهم وإمتاع نفوسهم والانطلاقة وراء شهواتهم وملذاتهم .. فلا يكترثون لحدث ل الإسلام يقع ولا يهتمون لكارثة للمسلمين حدثت ..

هؤلاء النمط من الشباب كثيرون فهم موجودون فى كل _أرض ومنتشرون على كل صعيد .. لكونهم لم يجدوا من يحتضنهم ويربيهم ويرعى مصالحهم ويحل لهم مشكلاتهم !!

4ـ وإنهم محدودو الثقافة قليلوالمعرفة ضعيفوالادراك .. لكونهم لم يتعلموا العلوم الشرعية ولم يتلقنوا أصول السياسة ولم يهتموا بشؤون المسلمين ولم يكترثوا بكل جديد له علاقة بالطب والعلوم والحضارة الحديثة .

من يلقنهم ويعلمهم وقد اختاروا لأنفسهم المعيشة على هامش الحياة والانعتاق عن مدارس الدعوة والتحرر من العمل الاسلامى ؟ ..

5ـ إنهم من القابلية للاجرام بمكان .. حيث منهؤلاء يظهر القتلة وسفاكوا الدماء .. ومنهم يظهر تجار الأعراض والحرمات .. ومنهم يظهر مدمنوا الخمر والمخدرات .. ومنهم يظهر الغارقون فى ا لجنس والشهوات .. ومنهم يظهر المختلسون والسارقون للأموال ..ومنهم يظهر المضللون وأهل الزيغ والالحاد .. ومنهم يظهر الاباحيون وأهل الخنافس والفساد .. ومنهم ومنهم ...

فلو كان هؤلاء .. منتمين الى جماعة راشدة ومترعرعين فى بيئه صالحةومتربين فى مدارس العلماء والدعاة .. لما انحرفوا عن طريق الإسلام ولما تنكبوا عن سبيل الحق ولما حادوا عن هدى الشريعة وماذا بعد الحق إلا الضلال ؟!!.

ولا أقول : إن كل من لم ينتم الى الحركة الاسلامية هو ضال مضل وفاسق منحرف .. قد يوجد من هؤلاء الذين لم ينتظموا ولم ينتموا .. على مستوى كبير من الدين والخلق والتربية والثقافة والوعى والفهم وقوة الشخصية ونبل الهدف .. ولكن نجد على العموم أن الذين لا ينتمون ولا ينتظمون فى أنحرافهم وشذوذهم وجرائمهم وفسادهم وفسوقهم وعصيانهم .. أكثر بكثير وبتفاوت كبير من الذين ينتمون ويتربون فى رحاب الدعوة ويتوجهون ..

وهذا مانلمسه ونشاهده فىعالم الحقيقة والواقع .. ذلك لأن للتكوين والتربية أعظم الأثر فى اكتمال الجيل المسلم دينيا وخلقيا وفى تنشئتهم تربويا ودعويا .ز ولا ينكر ذلك إلا مكابر ومعاند !!.. هل أدرك شباب الإسلام ما يجنونه على أنفسهم حين يتخلون عن العمل الجماعى ويستنكفون عن الارتباط الحركى ويسيرون فى الحياة بلا غاية ولا مثل أعلى ؟ !!

وإن الذى يجنونه على دعوتهم :

الكثير والكثير ولكن قبل أن أتطرق الى التفاصيل يحسن أن أتعرض لهذه الحقيقة :

من أظهر خصائص الدعوة الاسلامية ـ كما سبق ذكر ذلك ـ أنها تتصف بخصيصة الأصالة والخلود فى كل ما يتصل بنصوصها ومصادرها .. دون أن يعتريها تحريف أو يطرأ عليها تبديل ..

فالقرآن الكريم الذى هو المصدرالأول لدعوة الإسلام قد تكفل الله حفظه وبقاءه الى أن يرث الله الأرض ومن عليها لقوله جل جلاله : إنا نحن نزلنا الذكروإنا له لحافظون ومن أصدق من الله قيلا ؟

وها هو ذا القرآن الكريم قد مضى على نزوله أربعةعشر قرنا فالقرآن هو القرآن فى لفظه ومعناه وأصالته وأدائه .. بالرغم من محاولات أعداء الإسلام فى النيل منه والتحريف فيه !!..

والسنة النبوية التى هى المكملة للقرآن والمفسرة له والتى تعتبر المصدر الثانى لدعوة الإسلام .. قد هيأ الله لها علماء أثباتا أفذاذا ورجالا محدثين فطاحل .. لم يشهدالتاريخ أنبةمنهم فى معرفة أحوال السند والمتن وأصول الدراية والرواية .. حتى وصلت السنة إلينا نقية خالصة من كل شائبة وبود كل إنسان حين يرجع الى مصادر السنة ومراجع الجرح والتعديل .. يعلم تخريج أى حديث منحيث صحته أو ضعفه وسنده أو متنه وتعديله أو تجريحه .. وما ذلك إلا بجهود الرواة الثقات والمحدثين الأثبات الذين حرروا السنة من وضعها وميزوها منضعفها وأثبتوا لنا صحتها وحسنها .

وبالاختصار : لا يستطيع أحد كائنا منكان أن يحرف فى القرآن الكريم حرفا أو يلصق بالسنة النبوية ماليس منها حديثا لاتصافهما بالاصالة والخلود ولحفظ الله إياها الى يوم الدين .

بعد ذكر هذه الحقيقة نعرج الى ذكر المتسيبين عن الدعوة فيما يجنونه على دعوتهم :

فمن معالم هذه الجناية أن الشباب إذا استنكفوا عن العمل الدعوى والنشاط الحركى .. فإن الدعوةالاسلامية تبقى متراوحه فى أرضها جامدة فى مكانها .. لا تشق لنفسها طريقا ولا تصل فى سيرها الى غاية ..

ومن معالمها أن مبادىء هذه الدعوة وأنظمتها التشريعية تبقى غائبه عن حاكميتها معطله عن أداء وظيفتها بعيدة كل البعد عن أخذ المسلمين بهديها .. ومن معالمها أنالقوانين الوضعية تبقى هىالحاكمه والنافذة والمستعلية على مبادىء الدعوة وأنظمة الإسلام ..

ومن معالمها أن المعتقدات اللادينية والدعوات الاباحية والتيارات الإلحادية .. تجد مرتعا خصبا فى أخلاقية الجيل وأفكار الشباب ..

ومن معالمها أن أعداء الإسلام يأخذون حريتهم ويقومون بدورهم فى تشويه حقائق الدعوة وفى ا لدس على أنظمة الشريعة وفى الافتراء على نبى الإسلام ..

هل أدرك شباب الإسلام ما يجنونه على دعوتهم حين يتخلون عن العمل الجماعى ويستنكفونعن الارتباط الحركى ويسيرون فى ا لحياة بلا غاية ولا مثل أعلى ؟ !!

وإن الذى يجنونه على أمتهم :

أنهم يمكنون للحكم العلمانى اللآدينى أن يفرض سيطرته ونفوذه على بلاد الإسلام وأن يحكم الأمة الاسلامية بقوانين وضعية ودساتير أجنبية ما أنزل الله بها من سلطان وأنهم يمكنون للفساد والانحلال أن يستشرى ويتغلغل فى أوساط الشباب والشابات ..

وأنهم يمكنون للمتآمرين من أعداء الله أن ينفذوا مخططاتهم فى ا لفكر الاسلامى والانقلاب الأخلاقى والسيطرة على بلاد الإسلام ..

وأنهم يكونون سببا فى أن تبقى أمة الإسلام فى مؤخرة الأمم وأن تنحاز لتبعية الشرق أو الغرب . وأن تنجر الى أحلاف ومعسكرات وأن تحيا حياة الذل والاستعباد .. وأنهم يخمدون فى الأمة الاسلامية جذوة الايمان ومشاعر العزة وروح الأمل وحساسية الغيرة وتوقد العزيمة وتوثب الأقدام ..

هل أدرك شباب الإسلام ما يجنونه على أمتهم وبلادهم حين يتخلون عن العمل الجماعى ويستنكفون عن الارتباط الحركى ويسيرون فى الحياة بلا غاية ولا مثل أعلى ؟ !!

من كل ما ذكرناه فى هذا البحث يتبين أن كل ما احتج به المتسيبون عن العمل الاسلامى والمتحللون من الارتباط الحركى من حجج وما تعللوا به من تعليلات .. لا تنهض حجة لهم ولا يسلم العقل بتعليلاتهم بل ظاهرة الصحوة الاسلامية تردها والنصوص الشرعية ترفضها والواقع الاسلامى يستهجنها !!

بناء على هذا لا يجوز لهم شرعا أن يعيشوا فى الحياة بلا انتماء متسيبين بلا جماعة .. وكم يجنون على أنفسهم وعلى دعوتهم وعلى أمتهم وبلادهم .. من جنايات مهلكة ومن مصائب أليمة ومن آثار وخيمة ، وإذا بقى الشباب مصرين على تخليهم وعزلتهم .ز فإنهم كما دلت عليه النصوص ـ يبوؤون بالاثم ويتسمون بالجاهلية ويخلعون من أعناقهم ربقة الإسلام !!..

فما على الشباب المنطوى القاعد إلا أن يثوبوا الى الهدى والرشدوينقادوا الى ما يمليه عليهم الدين والشرع وينتظموا فى سلك العاملين المخلصين .. عسى أن يصلوا جميعا الى نصر مؤزر وفتح مبين والله من وراء القصد فهو يقول الحق ويهدى ا لى سواء السبيل .

7ـ ـ ما ثمرات العمل الجماعى فى المجتمعات الاسلامية ؟

إن من يتأمل فى الحركاتا لاسلامية الجماعية التى انبثقت فى العالم الاسلامى فى القرن الرابع عشر الهجرى يجد أنها أعطت أفضل النتائج وأينع الثمرات .. بل آثارها على المجتمعات الاسلامية حقيقة واقعة تلمسها الأيدى وتراها العيون .

واليكم أهم آثارها وثمراتها :


1- ولادة الصحوة :

على أعقاب إلغاء الخلافة الاسلامية عام /1924 غاب الحكم الاسلامى عن بلاد الإسلام واتجهت الحكومات القائمة الى علمنة البلاد فأبعدت التشريع عنالحياة وفصلت الدين عن ا لدولة وفتتت الوحدة الاسلامية القائمة الى دويلات وأصبح مصير المجتمعات الاسلامية بيد الدول الكبرى يستغلون خيراتها ويسيطرون على مواردها ويجعلون على أرضها قواعد ومعسكرات لتأمين مصالحها ويجعلون أيضا من بلاد الإسلام أسواقا تجارية لترويج فكان من نتيجة ذلك أن أطلت الصحوة الاسلامية على العالم الاسلامى وتغلغلت فى القطاعات الطلابية والعمالية والنسائية .. فحيثما سار المسلم يجد الشباب الملتزم بالدعوة وأينما توجه يجد الجيل الذى يعطى ولاءه ل الإسلام وأينما التفت يجد المظهر الشرعى المتميز والسلوك الاسلامى الرائد !!

2- إعطاء التصور :

الحركة الاسلامية فى العصر الحديث أعطت للجيل المسلم التصور الصحيح عن الإسلام هذا التصور يتجسد فى حاكمية الإسلام وخصائص الدعوة ومواكبه هذا الدين العظيم للحضارة وإيفائه بحاجات البشرية فى كل زمان ومكان الى أن يرث الله الأرض ومن عليها ..

فأصبح الكثير من شباب الإسلام الواعى يؤمنون من قراره وجدانهم أن هذا الإسلام العظيم هو المعنى الكلى الشامل فى كل ما يتصل بالحياة وأنه يجب أن تصطبغ الأمة به وأن تنزل على حكمه وتعاليمه .. وهو أقوى وأقدر من أى تشريع .. عطاء للحلول ومسايرة للزمن ومواكبة للتطور ومن مصداقية هذا التصور أن الجماهير المسلمة أصبحت تقر بأن الإسلام يجعل الحكومة ركنا من أركانه ويعتمد على ا لتنفيذ كما يعتمد على التوجيه .. ذلك لأن الحكم فى الإسلام هو من العقائد والأصول لا من الفقهيات والفروع .

ومما يدل على هذا خروج المسيرات الجماهيرية الهادرة فى كثير من المجتمعات الاسلامية تطالب الحكومات العلمانية بالحكم بما أنزل الله والعودة الى أصالة الإسلام .. إيمانا منها أنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح عليه أولها .. وأن التجربة التاريخية فى تطبيقات الشريعة الاسلامية التى مرت عليها أمة الإسلام خلال القرون هى من أعظم الشواهد فى صلاحية هذا الدين العظيم وأن الوحدة السياسية الكبرى التى قامت تحت لواء الخلافة والتى كان لها هيمنتها على الأرض ونفوذها على العالم عبر التاريخ هى من أكبر البراهين فى أن العقيدة الاسلامية تصنع المعجزات والأعاجيب . فلا عجب أن الصحوة الاسلامية قد قامت وأن وأن نسمع عن المسيرات الجماهيرية قد خرجت .. وما ذاك إلا نتيجة التصور الصحيح عن الإسلام والقناعة الايمانية التى تولدت فى عقل الجيل المسلم وقلبه فى أن الإسلام هو دين الحق وأن الله لا يقبل من المسلمين غيره وأنه العامل الأكبر فى توثب هذه الأمة لتأخذ موقعها فى قيادة البشرية وهداية الانسانية وبناء العزة الاسلامية وإظهار الدين الاسلامى على الدين كله !!


3ـ إثراء الفكر :

من ثمرات الدعوة الجماعية فى هذا العصر أنها أغنت المكتبة الاسلامية بأنواع من الدراسات والبحوث وأصناف من المؤلفات والتحقيقات .. فى كل المجالات وعلى أعلى المستويات .. سواء ما كان منها فكريا أو تشريعيا أو تربويا أو دعويا أو نفسيا أو نقديا أو حركيا ..

فقد أخرجت الحركة الاسلامية من تحت يدها نماذج فريدة من الكتاب والباحثين قدموا لأبناء الجيل المعاصر مئات ومئات من الكتب الفكرية والمؤلفات الاسلامية .. عالجت النظير ..حيث يعبون جميعا من سلسبيل ما بحثوا ويرتشفون من معين ما أنتجوا ويتفاعلون مع حقائق ما كتبوا ويستجيبون لأفكار ما وجهوا..

وما من مسلم فى واقعنا المعاصر يزور بيتا ملتزما بالإسلام إلا ويجد فى شرفات مكتبته مئات من الكتب الفكرية والتشريعية والتربوية والحركية .. أنتجتها أقلام هؤلاء المشاهير الاعلام !!

وإن نسينا فلا ننسى ظاهرة الترجمة الى اللغات الأخرى لأكثر هذه الكتب التى تتناول الفكر الدعوى والعمل الحركى .. والتى توضح فكرة الإسلام الكلية عن الكون والحياة والانسان .. والتى تعرى الجاهلية الحديثة بانحلالها وكفرها ومساوئها ..

هذه الظاهرة للترجمة إن دلت على شىء فإنما تدل على أن العالم الاسلامى بكافة لغاته وأجناسه وألوانه .. متعطش للقراءه الفكرية والتربوية والدعوية .. ومتلهف على أ ن يعب منها ويرتوى من معينها ما استطاع الى ذلك سبيلا .

ومما يؤكد ظاهرة الاقبال على الكتاب الاسلامى الذى هو انتاج مؤلفين اسلاميين وإبداع كتاب حركيين دعويين ومن تصنيف علماء عاملين مخلصين .. إن أى معرض من معارض الكتب الاسلامية حين يقام فى أى بلد اسلامى أو أوربى ؟ .. فنجد أن الشباب المسلم قد خفوا سراعا لزيارة المعرض واقتناء الجديد من الكتب للاطلاع عليها والاستفادة منها ..

اليس يدل هذا على أن المكتبة الاسلامية أصبحت ثرية غنية وأن الجيل المسلم الواعى هو العمدة الأساسية فى اقتنائها والتزود منها والاقبال الزائد عليها ؟ .. والفضل كل الفضل للحركة الاسلامية التى أنجبت على صعيد العالم الاسلامى هؤلاء الكتاب المبدعين الأعلام.

4ـ تصحيح المفاهيم :

ومن ثمرات الدعوة الجماعية فى عالمنا المعاصر أنها استطاعت خلال نصف قرن من الزمان أن تصحح كثيرا من المفاهيم المقلوبة والأفكار المعكوسه التى كانت سائده فى اوساط الناس وعنصر الشباب .. فاستطاعت الحركة الاسلامية أنتقلب مفهوم أن الدين قاصر على ا لايمان ومحصور فى العبادة وقائم على مبادىء الأخلاق .. الى مفهوم أن الدين يشمل العقيدة والعبادة والسلوك وأنظمة المجتمع وأصول الحكم ومناهج الحياة .. وأنه كل لا يتجزأ فلا يحل ألأخذ ببعضه وإهمال البعض الآخر ..

واستطاعت أن تبدل مفهوم الاستسلام الى الطواغيت البشرية المستعلية الى مفهوم النقد الذاتى البناء والجهر بكلمة الحق والمطالبة بحاكمية الإسلام ..

واستطاعت أن تغير مفهوم العزلة والانطوائية والاسترخاء للحياة .. الىمفهوم التحرك ل الإسلام ومتابعة المسيرة الدعوية والعمل الدائب لآعلاء كلمة الله..

واستطاعت أن تحول مفهوم العمل الفردى ل الإسلام الى مفهوم عمل جماعى يقوم على أرتباط دعوى وتنظيم حركى .. هدفه البعيد استعادة الدولة الواحدة والخلافة الرائدة للمسلمين . واستطاعت أن تنمى فى المسلمين عقيدة السلف بعد أن داخل عقيدة الكثير منهم البدع والخرافات وخالطها الأضاليل والانحرافات ..

واستطاعت أن توسع من مفاهيم الجاهلية والعبودية والطاغوت والألوهية والحاكمية .. بعد أن كانت قاصرة على مفاهيم ضيقة ومعان محدودة .. بل ألفت الكتب التى توضح معالمها وتوسع من معانيها وتفصل المراد منها .. وما كتبه الشيخ أبو الأعلى المودودى فى مصطلحاته والشهيد سيد قطب فى ظلاله ومعالمه .. أكبر شاهد على ما نقول .

واستطاعت أن تبرهن على أن العمل الجهادى فى محاربة أهل البغى والالحاد من الطواغيت البشرية .. أمر ممكن إن أخلصت النيات وتوحدت الجهود وأخذ بالسنن .. بعد أن كان الاعتقاد سائد فى المسلمين أن هذا أمر صعب ومستحيل دونه خرط القتاد وما المقاومة الأفغانية فى مجاهدة الحكم الشيوعى عنا ببعيد ؟ ..

الى غير ذلك من هذه المفهيم التى صوبت والأفكار التى صححت والأعراف التى بدلت .. وما ذلك إلا بفضل الحركة الاسلامية والدعوة الجماعية .. التى كان لها أكبر الأثر فى رد المسلمين إلى أصالة عقيدتهم وحقائق دينهم .. لتظل دائما على الهدى والحق والصراط المستقيم..

5ـ ابراز الشخصية :

ومن ثمرات الدعوة الجماعية فى واقعنا اليوم إبراز الشخصية الاسلامية من جميع جوانبها وتميزها على غيرها من جميع نواحيها فقد اصبحنا نرى فى هذا العصر شبابا وشابات قد تميزت شخصيتهم على سائر الناس فى كل شىء .. فحين يراهم الناس يرون الإسلام متجسدا فى عقيدتهم فى عبادتهم فى سلوكهم فى مظهرهم فى توازنهم وما ذاك إلا لأنهم التزموا الإسلام عن أيمان وقناعة وأخذوا بتعاليمه عن طواعية واختيار .. فلا يرون إمامه غير إمامة القرآن ولا هديا غير هدى محمد عليه ا لصلاة والسلام ففى مجال العقيدة استشعروا مراقبة الله عز وجل وخشيته فى السر والعلن والمتقلب والمثوى .. اعتقادا منهم أن الله سبحانه معهم يسمعهم ويراهم ويعلم سرهم ونجواهم ويعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور ووضعوا نصب أعينهم قوله سبحانه : الذى يراك حين تقوم وتقلبك فى الساجدين .

وفى مجال العبادة أدوا ما عليهم من مهمات ووظائف خاشعين مخبتين طائعين راغبين اعتقادا منهم أنهم خلقوا فى هذه الحياة لغاية العبودية لله والاستسلام لجنابه فى كل ما ينوب ويروع .. ووضعوا فى مخيلتهم قوله تعالى : وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون .

وفى مجال السلوك والأخلاق رأى الناس فى أشخاصهم غير الذى عرفوه وعهدوه رأوا فيهم الصدق متمثلا فى أقوالهم وأفعالهم .. رأوا فيهم الأمانة متحققا فى أخذهم وعطائهم .. رأوا فيهم الوفاء متأصلا فى عقودهم .. رأوا فيهم السماحة منعكسة فى مرآة لطفهم وحلمهم .

وفى مجال الزى والتميز بالمظهر رأى الناس فيما يتميزون به من حسن الهندام وجمال المظهروإرخاء اللحية وتكوين الذاتية وإعداد الشخصية والبعد عن التشبيه والتخنث ومخالفة أهل الفسوق والعصيان .. الدلائل الصادقة التى تدل على اسلاميتهم وتنبىء عن هويتهم وتشير الى شخصيتهم .

وفى مجال التوازن فى أداء الحقوق رأى الناس فى نطاق حياتهم العملية عجبا رأوهم يؤدون كل ذى حق حقه فى الحياة .. يؤدون حق الله وحق أنفسهم وحق أهليهم وحق مجتمعهم وحق دعوتهم .. دون أن يغلبوا حقا على حساب حق أخر ودون أن يميزوا بين مسؤولية وأخرى ..

وما هذا التعدد فى جوانب الشخصية الاسلامية الذى نلمس أثارة فى حياة أبناء الدعوة وفى سائر تصرفاتهم ومعاملاتهم .. إلا دلاله صادقة على ان ا لحركة الاسلامية قامت بدورها وأدت رسالتها فى بناء الشخصية المسلمة واكتمال تربيتها وتكوينها وتهيئتها لتكون القدوة الصالحة فى الناس.. وهذا ولا شك ـ من ثمرات الدعوة الجماعية وآثارها فى مجال التغيير والاصلاح والتربية وأعداد الأمة الاسلامية الفذة المتميزة التى يرتضيها الإسلام.

6ـ إظهار العزة :

ومن ثمرات الدعوة الجماعية فى واقعنا المعاصر أنها عمقت فى شباب الأمة الاسلامية وشابت الإسلام بدأت تتحسس من أعماق وجدانها أن هذا الإسلام العظيم هو المنقذالوحيد لما تعانيه البلاد الاسلامية من تفكك وتمزق وضياع ..وما تنحدر اليه فى مهاوى الميوعة والمجون والانحلال .. وهو أيضا صمام الامان للانسانيةكلهالما تعانيه من إلحاد وإباحية وفساد .. وما اندفعت فيه من صراع عقائدى ومن تناقض سياسى ومن سيطرة على مواقع النفوذ!!..

وفى الختام :أين أنتم ياشباب ؟

بعد أن تبينلنا أن العمل الفردى ضائع لا قيمة له مبتور لا أصل له ولا فروع عليل لا يمكن أن يشفى داءولا أن يعطى دواء قاصرلا يحيط سعة بالثغور المفتوحة فى ديار المسلمين .

وبعد أن عرفنا من سلبياته ما وضح معه أنه لا يسمع آمالنا ولا يمكن أن يعين على درب العزة فى مسيرة قافلة الدعوة .. بل يثبطها ويصد عن المضى فى ركابها وينفرعنهاا بمجرد الانحراف عن جماعتها وإمامتها ..

وبعد أن ثبت لدينا أن أراجيف الانعزاليين واهية :

ـ فهم إنخافوا ضرب الحكومات وتطبيق الأحكام التعسفية عليهم فأينيذهبون من محاكمة الله لهم يوم يسألهم عن أعمالهم وأعمارهم بماذا أفنوها ؟ وعن الأمة لم ضيعوها ؟

ـ وهم إن برروا انعزالهم بانقسام الجماعةالواحدة .. فإن هذه سنة الله فى خلقة وأنهم بانفرادهم عنها لن يزيدوا الأمة إلا بلبلة وضياعا ـ وهم إن عللوا ابتعادهم عن الجماعة بسبب ظاهرة الغرور فى بعض أعضائها .. وبانتاجهم منهج العجب بما يفعلون ..فإن أبتعادهم عن إخوانهم لن يعيدهم الى طريق الصواب بل إن كون هؤلاء من إخوان الدعوةورفقاء الطريق مما يجعل للنصح سبيلا ويفسح للهداية طريقا ويجعل للوعظ تأثيرا .

فقواد الجماعات هم من البشر ولم يعصموا لكونهم قوادا ولكنهم مع ذلك من أرفع مستويات البشر لأنهم نصبوا حياتهم لنصرة الدين وكرسوا جهودهم للمضى فى طريق بناء الأمة المنشودة فهم لذلك أطوع الناس للنصيحة وأوعاهم للكلمة الصادقة والاشارة الهادفة وإن الناصح والموجه الذى يعايش مسيرة القافلة مغاير تماما لمن ينصح ويوجه وهو فى برجه العاجى يتمطى ويتثاءب . إن العاملين فى حقل الإسلام كثير وهم من الجدية والجندية والاخلاص والتفانى مما لا يدع للشك أدنى مكان .

غيرأن الواقع المحاصر الذى يحيونه والتشتيت والتفرق الذى يعانونه فى كل اقطار الأرض والمواجهة العالمية التى يزداد توترها يوما بعد يوم .

كل ذلك إضافة الى التثبيط لدعوتهم وجماعتهم من الأفراد الناشزين بحسن نية أو غيرها .

كل ذلك مما يؤخر النهوض بأعباء الخلافة من جديد فإلى متى يامعشر الشباب .. تنهلون من السواقى وتتركون النهر الأم وكلما تشعبت السواقى تعكر الماء وحمل معه من الزبد ما يذهبه جفاء .

الى متى تفلسفون انصرافكم عن العمل الجماعى المنظم تحت لواء الجماعة الاسلامية الواحدة وقد أوجدها الله بالرغم من تضافر القوى العالمية وتآمرها الذى لا يمكنها من تحقيق كامل شروطها إلا أنها موجودة وتؤتى أكلها ـ ولله الحمد ـ فى كل حين .. وتسعى حثيثة لبناء الفرد المسلم وتكوين الأسرة المسلمة وتشييد المجتمع المسلم ..

أين أنتم ياشباب الإسلام .. بعدما عرفتم أنه " ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب والواجبات أكثر من الأوقات وواجبات شباب المسلمين مضيعة كأوقاتهم المهدورة .

ياشباب .. لا عاصم لكم اليوم من الأمر إلا الله فقد اجتاح العدو ديارنا وعقولنا وأبناءنا وانتم تستنزهون عن المعمعه بربوة وتتمسكون من الغرق بقشة !! هيهات هيهات ..

فالبدار البدار ..

أين التسيب وإن عللتموه ضياع لا عذر لكم فيه ..

وهيهات أن ينبت الضياع بقلا .. إنه لن تجنى الأمة من وراءه إلا الشوك وشوك لا يحيط وردا بل يحيط شوكا وأغلظ منه .

يامعشر الشباب .. قد أجتمعت لديكم أسباب جعلت مصير الأمة مرتبط بأخذكم بهذه الاسباب وهذه جماعة المسلمين قد باتت فى وقت لا غنيمة فيه .. فمن أقبل إليها فلله ومن بايع وعاهد فلله .

لا يرتجى جاهاوقد صيرالطغاة أعزة أهلها أسرى أو قتلى أو مشردين .

ولا ينبغى منصبا وصاحب الكلمة فيها لا يناله من المنصب إلا التعب والوصب . ولا يرتجى مالا ومبدؤه يفرض عليه أن يضع كل ماله فى سبيل الله .

ألا فلتعلم مدارس الدعاة أن خير جيل تخرج من هذه المدارس هو الجيل الذى رباه رسول الله صلى ا لله عليه وسلم ملتزما هذا الجيل كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم شريعة وعملا وقانونا وعبادة .. ومن سار على نهجه الى يوم الدين غير شاذ عن الطريق ولو كثرت أشواكه وغير ناشز عن الجماعة مهما عصفت الأيام وغير مخذل عن صفوفها مهما كان فى ذلك اعتذاره ..

والله أسأل أن يهدينا سواء السبيل وأن يلهمنا السداد والرشاد فى القول والعمل وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين "