الهيمنة التشريعية في الشريعة الإسلامية

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ١٤:١٧، ٢٢ أكتوبر ٢٠١١ للمستخدم Attea mostafa (نقاش | مساهمات)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الهيمنة التشريعية في الشريعة الإسلامية

أ.د/جابر قميحة

مقدمة

وأقصد بهذه السمة أن كل قاعدة من قواعد الشريعة الإسلامية لها طابعها الأخلاقي، ووراءها الدافع الإنساني سواء أكانت قاعدة من قواعد المعاملات أو من قواعد العبادات، أو من قواعد الحدود، وقبل أن نفصل القول في هذه السمة علينا أن نتذكر ونذكر أن الإسلام لا يعتبر الشكل والمظهر، اعتباره الجوهر والمخبر، ومن ثم كان للنية المكان الأول في تكييف الأعمال والحكم عليها:

عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه" ([1]).

يقول الدهلوي: اعلم أن النية روح والعبادة جسد، ولا حياة للجسد بدون الروح، والروح لها حياة بعد مفارقة البدن، ولكن لا يظهر آثار الحياة كاملة بدونه، ولذلك قال تعالى: (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ) ([2]).

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات" وشبه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في كثير من المواضع من صدقت نيته ـ ولم يتمكن من العمل لمانع ـ بمن عمل ذلك العمل كالمسافر والمريض لا يستطيعان وردًّا واظبًا عليه فيكتب لهما، وكصادق العزم في الإنفاق وهو مملق يكتب كأنه أنفق" ([3]).

فقيمة العمل إذن والحكم عليه.. يكون بالنية المصاحبة له، أي بالدافع أو الباعث الذي دفع صاحبه إليه: وقد سئل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء: أي ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" ([4]). ومن ناحية أخرى، قد يكون العمل في ظاهره طيبًا نافعًا للفرد والجماعة، وأمة المسلمين، ومع ذلك لا يسقط ثوابه فحسب، بل أكثر من ذلك يعتبره الإسلام على الرغم من ظاهره ونفعه رذيلة يأثم صاحبها، ويعاقب عليها، وليس أدل على ذلك من الحديث الجامع الذي روي عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أول الناس يقضي يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتي به فعرفه نعمه قال فما عملت فيها؟ قال قاتلت فيك حتى استشهد., قال كذبت. ولكنك قاتلت؛ لأن يقال جريء فقد قيل. ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن ، فأتى به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها؟ قال تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال قارئ ، فقد قيل ، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وسع الله عليه، واعطاه من أصناف المال كله، فأتى به فعرفه نعمه فعرفها، قال فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل يجب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك. قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال هو جواد ، فقد قيل . ثم أمر به فسحب على وجهه. ثم ألقي في النار" ([5])

وقد تصدق النية، ومع ذلك يتأدى العمل بصاحبه إلى نتيجة غالطة، ولكن يؤجر العامل على عمله هذا، فقد روي أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "إذا حكم الحاكم فاجتهد، ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" ([6]).

والمسلم يتجنب الشر، ويأتي من الخير ما يستطيع طمعًا في الجنة، وخوفًا من النار، وهذه النية في ذاتها، أو هذا الدافع في ذاته لا غبار عليه، فالمقابل الأخروي، قد وعد الله به الخيرين من المؤمنين في عشرات من الآيات:

(إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ) ([7]).

(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً) ([8]).

(فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) ([9]).

(إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا) ([10]).

وقد يكون للمؤمن من وراء العمل الصالح ـ غير الهدف الأخروي ـ هدف دنيوي عاجل، وهو توفيق الله له في الدنيا، وتوسيع باب الرزق وما شابه ذلك، وقد قال الله تعالى في محكم كتابه (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) ([11]).

وإذا كان هذا هو "مقام العامة" فهناك "مقام الخاصة" الذين يعبدون الله ـ لا طمعًا في جنته، ولا خوفًا من ناره ـ فهذه هي عبادة التجار ـ كما قالت السيدة رابعة العدوية ـ ولكنهم يعبدون الله حبًّا له، ورغبة في رضاه ، بغض النظر عن الثواب والعقاب.. عن الجنة والنار، وهم الصفوة ، كما نرى في قوله تعالى : (قُل إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) ([12]).

وقد صور الإمام الغزالي المقامين ، وحدد مكان كل منهما في قوله "الحقيقة ألا يراد بالعمل إلا وجه الله تعالى، وهو إشأرة إلى إخلاص الصديقين، وهو الإخلاص المطلق، فأما من يعمل لرجاء الجنة، وخوف النار، فهو مخلص بالإضافة إلى الحظوظ العاجلة، وإلا فهو في طلب حظ البطن والفرج، وإنما المطلوب الحق ـ لذوي الألباب ـ وجه الله تعالى فقط ([13]).

فالعمل إذن يوزن بميزان النية، والعمل يكتسب أو يعدم "قيمته الأخلاقية" تبعًا للدافع الذاتي، وهو ما يسمى بالنية. قال أبو سلمة: قلت لأبي سعيد الخدري: ما ترى فيما أحدث الناس من الملبس والمشرب والمركب والمطعم؟ فقال: يا ابن أخي: كل لله، واشرب لله، والبس لله، وكل شيء من ذلك دخله زهو أو مباهاة أو رياء أو سمعة فهو معصية أو سرف" ([14])

وقد أشرنا من قبل إلى أن "الهيمنة التشريعية" من أهم سمات القيم الإسلامية، بمعنى أن كل الأعمال، والتكاليف لا تأخذ صورتها السليمة ووجهها الصحيح، إلا إذا كان لها طابعها الأخلاقي الإنساني، وحققت أغراضها ومراميها الإنسانية التي تعد في ذاتها الحِكَم التي أرادها الشارع من وضعها.

وتتجلى هذه "الهيمنة التشريعية" للطوابع الأخلاقية الإسلامية في جوانب كثيرة جدًّا من التشريعات أهمها: العبادات والقواعد القانونية، وخاصة في مجال المعاملات والمدنيات، وسنحاول أن نلقي الضوء على هذه الجانبين:

أولاً: هادفية العبادات:

بنى الله ـ سبحانه وتعالى ـ الإسلام على خمس قواعد. الشهادتين وهما الركن الأول. أما الأركان الأربعة الباقية فتمثل ما يسمى بالعبادات وهي: إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً.

وهذه العبادات حددها لنا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كمًا وكيفًا: فالصلاة خمس منها الثنائية والثلاثية، والرباعية في أوقات محددة، وهي تؤدي بهيئة معينة حددها النبي عليه الصلاة السلام.

والزكاة أنواع منها: زكاة المال، وزكاة الفطر، وزكاة الحيوان ... إلخ.

والصوم شهر في العام هو شهر رمضان.

والحج مرة في العمر، في وقت محدد في العام بأركان وشروط معروفة.

والمسلم مطالب بأن يؤدي هذه العبادات ـ من الناحية الشكلية المظهرية ـ بالصورة التي تطلبها الإسلام، فليس له مثلاً أن يصلي الظهر ثلاث ركعات، وليس من حقه أن يصلي المغرب أربع ركعات، ولكننا نلاحظ بالنسبة لهذه التكاليف التعبدية أمرين:

الأول: أن القرآن لم يفصل أغلبها من ناحية الكم، والتوقيت، وما عرف بشأن تفصيلاتها إنما عرف من السنة بنوعيها: القولي والعملي.

الثاني: أن القرآن في حديثه عن هذه العبادات يحرص على أن يربطها دائمًا بأهدافها وقيمها الأخلاقية والإنسانية العليا، وقد رأينا من قبل أن المسلم قد يعذب بعمله "الصالح" إذا كان وراءه نية خبيثة غير صالحة، وهي قاعدة عامة تصدق على الجهاد والعلم والصدقة.. إلخ.

ولنقف قليلاً أمام المنطق القرآني. وهو يلفتنا لجوهر العبادة، والهدف النبيل الذي شُرعت من أجله:

فالصلاة: وهي عماد الدين ـ ذكرت في القرآن عشرات المرات، والعجيب أن التعبير عنها كان دائمًا "بالإقامة" لا "بالأداء".. القرآن يقول "أقيموا الصلاة" لا "أدوا الصلاة" ، ويتحدث عن المؤمنين بأنهم يقيمون الصلاة.

يقول الإمام محمد عبده في تفريقه الباهر بين الإقامة والأداء: إن الصلاة حددت بكيفية مخصوصة يقال لمن يؤديها بتلك الكيفية: إنه صلى، وإن كان عمله هذا خلوًا من معنى الصلاة وقوامهغا المقصود من الهيئة الظاهرة، فاحتيج إلى لفظ يدل على هذا المعنى الذي به قوام الصلاة، وهو ما عبر عنه القرآن بلفظ الإقامة، وقد قالوا: إن إقامة الصلاة عبارة من الإتيان بجميع حقوقها من كمال الطهارة، واستيفاء الأركان والسنن، وهو لا يعدو وصف الصورة الظاهرة، وإنما قوام الصلاة الذي يحصل بالإقامة هو التوجه إلى الله تعالى والخشوع الحقيقي له والإحساس بالحاجة إليه تعالى.

فإذا خلت صورة الصلاة من هذا المعنى لم يصدق على المصلي أنه أقام الصلاة، فإنه قد هدمها بإخلائها من عمادها ، وقتلها بسلبها روحها ([15]).

ولقد أبان القرآن الكريم عن جوهر الصلاة وغايتها في قوله تعالى: (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) ([16]).

فرسالة الصلاة هي إحياء النفس وتربية الضمير، وصقل القلب، وغرس التقوى في أعماق المؤمن: فإذا ما هم بمعصية كان لصلاته "صوت" قوي ينهاه ، و "سوط" لاهب يكبح جماح كل نازع خبيث.

أما إذا تخلت الصلاة، أو شاء صاحبها أن تتخلى عن رسالتها فهي الاستغفار الذي يحتاج إلى استغفار. وعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما: "من لم تأمره صلاته بالمعروف، وتنهه عن المنكر، لم يزدد بصلاته من الله إلا بعدًا". وعن الحسن ـ رحمه الله ـ "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء، والمنكر، فليست صلاته بصلاة وهي وبال عليه" ([17]).

ومن كرامة الصلاة أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ قرنها أكثر من مرة بخليقة من انبل الخلائق الإنسانية وهي الصبر:

(وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ) ([18]).

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) ([19]).

(يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) ([20]).

والمصلي الذي يحرص على صلاته، ويحافظ عليها يغرس الله في نفسه الطمأنينة فلا يعرف الهلع، أو الضعف، أو الاستسلام في حالة الضراء، وهو خير معطاه في السراء. استمع إلبى قوله تعالى: (إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلاَّ الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ) ([21]).

فالهلع والجزع من صفات الإنسان الذي خوى قلبه من يقين الإيمان. واستثناء المصلين من هذه النوعية من البشر يمنحهم ـ بمفهوم المخالفة ـ عكس هذه الصفات . ويلاحظ كذلك أن الآيات نصت على "ديمومة الصلاة" ، وهي خصيصة تعطي صفة الاستقرار والاستطراد، فهي صلاة لا يقطعها الترك والإهمال والكسل، وهي صلة بالله مستمرة غير منقطعة.. وقد كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا عمل شيئًا من العبادة أثبته ـ أي داوم عليه ـ وكان يقول: "وإن أحب الأعمال إلى الله ما دام وإن قل" ([22]).

وإلى هذا المفهوم الجوهري الإنساني للعبادة.. كان القرآن يلفت أنظار المسلمين دائمًا: فالعبرة بجواهر الأشياء لا بقشورها وفروعها. وحينما أراد أهل الكتاب أن يشدوا المسلمين إلى معركة فرعية، بخوضهم في مسألة القبلة وتحولها من بيت المقدس إلى الكعبة، وخاض معهم بعض المسلمين هذا المخاض ـ حينئذ نزل القرآن ليرد المسلمين إلى النهج الصحيح الذي كاد ينحرف بهم عن الجوهر الصادق إلى المظهر الذي لا تتأسس عليه العقائد، ولا تبني عليه قواعد.

(لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) ([23]).

إن القرآن يوجه نظر المسلمين إلى المضمون الإنساني للعمل.. إنه يقول للمسلم: اصدق النية، وتقدم واثق العزيمة، وأد العمل بقدر ما تستطيع لله والناس والمجتمع، أما الذين يهدرون طاقاتهم وجدهم في قشور الأشياء ومظاهرها فليسوا من الحق ولا من البر في شيء.

إن الإسلام يفتح مفهوم البر ليتسع لكل عمل إنساني، ويتسع هذا المفهوم حتى يكاد يكون مرادفًا "للإنسانية" بجانبها القولي والفعلي . "فالبر كل عمل يفعله الإنسان قضية لانقياده للملأ الأعلى، واضمحلاله في تلقي الإلهام من الله، وصيرورته فانيًا في مراد الحق، وكل عمل يجازى عليه خيرًا في الدنيا أو الآخرة، وكل عمل يصلح الارتفاقات التي بنى عليها نظام الإنسان، وكل عمل يفيد حالة الانقياد ويدفع الحجب.

والإثم كل عمل يفعله الإنسان قضية لانقياده للشيطان وصيرورته فانيا في مراده ،وكل عمل يجازى عليه شرًا في الدنيا أو الآخرة، وكل عمل يفسد الارتفاقات، وكل عمل يفيد هيئة مضادة للانقياد ويؤكد الحجب ([24]).

2 ـ والصوم لا يقصد به الإجاعة والإظماء، فالامتناع عن الطعام والشراب في نهار رمضان هو المظهر الحسي المباشر للصوم، ولكن الصوم ليس "عقابًا" يفرض على المؤمن، إنما هو "تربية" علوية لها جانبها الاجتماعي وجانبها النفسي وجانبها الإنساني العام ، مما لا يتسع هذا المقام لتفصيل القول فيه. وقد قيل لنبي الله يوسف "مالك تجوع وأنت على خزائن الأرض؟ قال: أخاف أن أشبع فأنسى الجائع" ([25]).

فالصوم إذن ليس التزامًا بالجوع والعطش المقصودين لذاتهما، ولكنه التزام خلقي يتخذ من الجوع، والعطش، وسيلة موصلة إلى الخير.. يوسف يجوع لا حُبًّا في الجوع لذاته، ولكن ليذكر آلام الجائعين.. والمسلم يجوع ويعطش ليذكر آلام الجوعى والعطشى.

إن من جوامع الكلم قوله صلى الله عليه وسلم: "الصيام جنة" ، والجنة بضم الجيم هي كل ما وقى ([26]). فهو وقاية للإنسان من النهم والبطنة وأمراض البدن، والمعدة، كما أثبت الأطباء بالشواهد الجازمة.

وهووقاية للإنسان من التطلعات الشهوانية، ومن السقوط، والانحراف، والإساءة إلى الآخرين. فالالتزام الخلقي للصائم يقتضيه ألا يرفث ولا يجهل ، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم ([27]).

والإنسان تحكمه عاداته، ويصل به الأمر إلى أن يصبح مجموعة من العادات، وتتحكم فيه العادات إلى درجة يصبح معها كأنه آلة من الآلات تسير على نسق معين وتؤدي أعمالاً محدودة، فيبتعد كل الابتعاد عن المرونة التي تفرق بينه وبين الآلات.

والإنسان الذي تحكمه عاداته يصبح عبدًا لها، ويتخلى عن شيم الأحرار الذين يعملون في حرية واختيار. وفرض الله الصيام ليحرر الإنسان من هذه العبودية، فإن الصيام يقلب العادات رأسًا على عقب، ويعلم الإنسان نوعًا من المرونة حتى لا يتصرف تصرف الآلة ([28]).

وصفوة القول أن قيمة العبادات ليست في كونها حركات تؤدى وشعائر تؤتى، وإنما قيمتها أن تكون منهج حياة يشمل كل الحياة، قيمتها أن تكون خطة سلوك وخطة عمل، وخطة فكر، وخطة شعور، قائمة كلها على منهج واضح يتبين فيه ـ في كل خطة ـ ما ينبغي وما لا ينبغي أن يكون ([29]).

ويطول بنا المقام لو رحنا نستقرئ القيم النفسية، والروحية، والدروس العملية في الزكاة والحج. ويكفينا أن نقول إن كل هذه العبادات استطاعت بحق أن تربي جيلاً من المسلمين فتح مشارق الأرض ومغاربها، ونشر كلمة الله في أرجاء المعمورة، وكأن لسان حالهم يقول (صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ) ([30]).

ثانيًا: أخلاقية القواعد وبناؤها على أساس إنساني:

وصف القرآن النبي ـ عليه الصلاة السلام ـ بأنه على خلق عظيم، ولخص النبي جوهر رسالته في قوله "إنما بعثت لأمم مكارم الأخلاق" واتساقًا مع هذا الجوهر العظيم في شخصية الرسول، وشخصية الرسالة كانت كل التكاليف الإسلامية ـ كما ذكرنا أكثر من مرة ـ ذات مضامين أخلاقية سامية، وأهداف إنسانية نبيلة، "فالشريعة الإسلامية" تعتبر من أبرز القوانين التي لا تقيم حدودًا فاصلة بين القاعدة القانونية والقاعدة الأخلاقية، فالنظم القانونية الإسلامية لا تغلق أبوابها في وجه القواعد الأخلاقية بحيث تستطيع هذه المبادئ أن تتسرب بسهولة إلى الكيان القانوني ([31]).

ومظاهر الهيمنة الأخلاقية على القواعد القانونية الإسلامية كثيرة جدًّا في فقه المعاملات بخاصة، نجتزئ منها بما يأتي:

1 ـ نظرية التعسف في استعمال الحق:

فالنظرية الإسلامية في الحق ترى أن استعماله يجب أن يعتمد على القيم الإنسانية العليا مثل العدل، والمساواة، والإحسان، واتباع المعروف، وتجنب الطغيان والفساد، وعلى عدد من القواعد الشرعية العامة التي أقرتها الشريعة قصدًا إلى إيجاد مجتمع مثالي متكامل سليم صالح.

وبناء على ذلك يجب أن يكون استعمال الحقوق سبيلاً إلى تحقيق المصالح وجلبها، وإلى دفع المفاسد وتجنبها. سبيلاً يقوم النظر فيه إلى المجتمع أولاً ، وإلى الفرد ثانيًا ، باعتباره جزءًا منه. فإذا كان في استعمال المالك حقه ضرر بغيره وجب أن يوازن بين مصلحته المشروعة التي أرادها والمضرة التي تترتب على استعمال له، فإن رجحت مصلحة المالك سلم له حقه، وإن رجحت مضرة غيره قيد حقه بما يدفع المضرة.

ويبدو من النظر في أقوال الفقهاء أن ما يترتب على استعمال المالك لحقه من الضرر بغيره قد يكون ضررًا محقق الوقوع، وقد يكون ضررًا يغلب على الظن وقوعه، وقد يكون ضررًا لا يغلب على الظن وقوعه، ثم هو مع ذلك قد يكون ضررًا كثيرًا، وقد يكون قليلاً. وقد يكون ضررًا مقصودًا، قصد إليه من أراد من الملاك استعمال حقه، وقد يكون غير مقصود لم تتجه إليه إرادة المالك المستعمل لحقه. وعندما تتعارض المصالح والمفاسد في هذه الأحوال يجب مراعاة تطبيق القواعد الشرعية الآتية:

ـ الضرر يزال.

ـ يتحمل الضرر الأخف لدفع الضرر الأشد.

ـ يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام، ويجب تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.

ـ دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح.

ـ الضرورات تبيح المحظورات ([32]).

وثمة ضوابط ومعايير تجعل استعمال المالك لحقه تعسفًا، وهذه المعاير هي:

ـ إذا لم يقصد المستعمل لحقه سوى الإضرار بغيره.

ـ إذا كانت مصلحته التي يبتغيها من استعماله حقه تتعارض مع مصلحة عامة، أو مصلحة خاصة تفوقها بحيث ترى مصلحة قليلة الأهمية. ولا تتناسب ألبتة مع ما يصيب غيره من ضرر عظيم بسببها، ولم يكن ذلك الضرر نادر الوقوع.

ـ إذا كانت المصلحة التي يبتغيها المالك من استعمال حقه يؤدي إلى الإضرار بغيره ضررًا فاحشًا بينًا، وكان في استطاعته تحقيق مصلحته بطريق آخر لا يؤدي إلى هذا الضرر.

ـ إذا كان الضرر المترتب على الاستعمال عظيمًا محتمل الوقوع وليس بالأمر النادر.

ـ إذا كان المالك على علم بترتب الضرر الفاحش، وكان في استعماله لحقه مترفها لا يلحقه ضرر من تركه وأقدم مع ذلك عليه ([33]).

وفي مجال الحديث عن التطبيقات العملية لنظرية التعسف في استعمال الحق تحدث الفقهاء عن حق الجوار، وقالوا: إن للجار على جاره من الحقوق الأدبية والخلقية ما يجعله ملزمًا بالمحافظة على أمواله وحقوقه. وعلى ذلك فليس للجار أن يتخذ من داره مصنعًا تنبعث منه رائحة كريهة، أو يحدث صوتًا مزعجًا أو هزات قد توهن الجدران وتقلق السكان، أو يفتح نافذة على ملك جاره، أو يقيم بناء يمنع الضوء والهواء عن جاره.

لكن هل يمنع الإنسان من هذا قضاء أم ديانة؟

المتقدمون من الأحناف ومعهم الشافعي وأحمد على أن القياس لا يمنع المالك من التصرف في ملكه كيف شاء، وحق الجار عليه لا يحد من تصرفه في ملكه: فله أن يتخذ منه مصنعًا، أو متجرًا، أو مسكنًا، وله أن يحفر فيها ما يشاء من حفر، وآبار إلى غير ذلك من سائر التصرفات، ولا يمنع ذلك بقوة القضاء، لكن من الناحية الخلقية فإنه يجب عليه أن يحافظ على إحساس جاره، وشعوره ويعمل على راحته وإكرامه، فإن خالف فلا سلطان لأحد عليه في الدنيا، وحسابه على ذلك عند الله.

والمتأخرون من الأحناف ومعهم الإمام مالك تخلفوا عن القياس في هذا الحكم، واستحسنوا أن يلزم الجار بالامتناع عن عمل فيه إيذاء وإضرار ببناء جاره أو راحته، وخصوصًا أن الناس ساءت أخلاقهم وتركوا ما أمرهم به الدين من مراعاة الجار، فوجب إلزامهم بهذا قضاء وإلزامه بنتيجة فعله وإزالة ما ينتج عنه الضرر ([34]).

ومن تطبيقات نظرية التعسف على الدائن ـ وهو صاحب حق لا ينكر ـ أن عليه أن يمهل المدين إذا كان المدين معسرًا استجابة لقوله تعالى: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) ([35]).

يروى أن رجلاً أصيب في عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في ثمار ابتاعها فكثر دينه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تصدقوا عليه" فتصدق الناس عليه فلم يبلغ وفاء دينه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك" ([36]).

فالشريعة الإسلامية تقتضي الرفق بالمدين عند التنفيذ على أمواله، لذلك نجد صاحب مرشد الحيران يقرر في م 164 أنه "إذا كان المالك مديونًا دينًا ثابتًا عليه شرعًا يجوز نزع ملكية الزائد عن حوائجه الضرورية المحتاج إليها في الحال، ومنها مسكنه الضروري إذا لم يكن له مال من جنس ما عليه من الدين الشرعي، ويباع قضاء إذا امتنع عن بيعه بنفسه لقضاء دينه من ثمنه، ويبدأ في البيع بالأيسر فالأيسر بقدر الدين" ([37]).

بل إن الإسلام ذهب في هذا السبيل إلى حد أنه يجيز نزع الملكية من صاحبها إذا أساء استخدام حقه فيها، ولم يكن ثمة وسيلة أخرى لمنعه من ذلك. وقد طبق الرسول ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ هذا المبدأ تطبيقًا عمليًا على سمرة بن جندب: فقد كان لسمرة نخل في بستان رجل من الأنصار، فكان سمرة يكثر من دخول البستان هو وأهله، فيؤذي ذلك صاحب البستان فشكاه إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فاستدعى سمرة وقال له: "بعه نخلك" فأبى. فقال "قاطعه" فأبى. فقال: "هبه، ولك مثله في الجنة" فأبى، فقال عليه السلام: "أنت مضار" أي تبتغي ضرر غيرك، ثم قال لمالك البستان "اذهب فاخلع نخله" ([38]).

وكان للضحاك بن خليفة الأنصاري أرض لا يصل إليها الماء إلا إذا مر ببستان لمحمد بن مسلمة، فأبى ابن مسلمة أن يدع الماء يجري بأرضه، فشكاه الضحاك إلى عمر بن الخطاب، فاستدعى عمر محمد بن مسلمة، وقال له: أعليك ضرر أن يمر الماء ببستانك؟ قال: لا، فقال له: "والله لو لم أجد له ممرًا إلا على بطنك لأمررته" ([39]).

ومن هذا القبيل أن الإسلام لا يبيح للمالك تعطيل ملكه إن كان في ذلك التعطيل إضرار بالصالح العام، فقد جاء في الأثر أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد أقطع بلال بن الحارث المزني "العقيق" وهي أرض قرب المدينة، فلم يستطع عمارتها كلها . ولما تولى عمر بن الخطاب الخلافة قال "يا بلال إنك استقطعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أرضًا طويلة عريضة فأقطعك إياها، وإن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يكن يمنع شيئًا يُسأله ، وأنت لا تطيق ما في يديك". فقال "أجل" قال عمر "فانظر ما قويت عليه منها فامسكه، وما لم تقو عليه فادفعه إلينا نقسمه بين المسلمين" فقال الرجل " لا أفعل والله شىء أقطعنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم " فقال عمر" والله لتفعلن" . وأخذ منه ما عجز عن عمارته فقسمه بين المسلمين ([40]).

ويروى عن عمر قوله "من كانت له أرض ثم تركها ثلاث سنوات لا يعمرها، فعمرها قوم آخرون فهم أحق بها" ([41]).

2 ـ نظرية الضرورة:

يعتبر رفع الحرج أصلاً من أصول الشريعة الإسلامية، ويعني بالحرج تحمل المرء مشقة زائدة عن المشقة المعتادة في التكاليف وذلك مرفوع عن المكلفين لأمرين:

الأول: أن المكلف مطالب بأعمال متنوعة لا بد له من القيام بها، فإذا تجاوز حد الاعتدال من ناحية فقد تعرض للانقطاع أو التقصير في ناحية أخرى، وتوجه إليه اللوم على ذلك، كمن يكثر من العبادة حتى يقصر في حق الزوجة والولد، ويهمل السعي في طلب الرزق.

والثاني: أن تحميل النفس من التكاليف ما يشق يبغضها إليها، ويؤدي بها إلى الانقطاع عن التكاليف جملة، ومن أجل هذا جعل الله الشريعة سهلة محببة إلى قلوب المؤمنين ([42]).

قالت عائشة ـ رضي الله عنها ـ ما خير رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه ([43]).

لذلك كانت نظرية الضرورة لونًا من ألوان التيسير على الناس ودفع الحرج عنهم، وهي تعتبر تطبيقًا مهمًا للاتجاه الأخلاقي الذي يسود التشريع الإسلامي. فهي تسود في كثير من المبادئ القانونية الإسلامية، وتعتمد على كثير من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، وقد عبر الفقهاء عن هذه المبادئ بتعبيرات مختلفة منها: لا ضرر ولا ضرار، المشقة تجلب التيسير، الضرورات تبيح المحظورات، الضرر يدفع بقدر الإمكان([44]).

فالضرورة تلجئ الإنسان إلى الاضطرار، والاضطرار عند علماء الشريعة هو الإلجاء إلى الفعل من الإنسان أو غيره، فهو يشمل الإكراه الذي يكون الدافع فيه على الفعل من الإنسان، ويشمل غيره، وهو ما يكون الدافع فيه على الفعل القوة الطبيعية.

وهذان النوعان يتساويان في أن كلا منهما يبيح المحظور تمشيًا مع قاعدة الضرورات تبيح المحظورات. والأحناف يقسمون الإكراه من ناحية إباحة الفعل، والترخيص فيه إلى ثلاثة أقسام:

الأول: نوع يبيح الفعل كأكل الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وشرب الخمر، إذا كان الإكراه تامًا لأن هذه الأشياء مما يباح عند الاضطرار.

الثاني: لا يبيح الفعل لكنه يمنع المؤاخذة ، وهو إجراء كلمة الكفر على اللسان مع اطمئنان القلب بالإيمان إذا كان الإكراه تامًا، وهو يحرم في نفسه مع ثبوت الرخصة المانعة من المسئولية؛ لأن كلمة الكفر مما لا يحتمل الإباحة بحال، فكانت الحرمة قائمة إلا أنه سقطت المؤاخذة لعذر الإكراه.

الثالث: لا يبيح الفعل ولا يرخص فيه: كقتل المسلم بغير حق، أو قطع عضو من أعضائه ولو كان الإكراه تامًا؛ لأن قتل المسلم بغير حق لا يحتمل الإباحة ([45]).

ولنظرية الضرورة تطبيقات متعددة من أهمها: التطبيقات المتعلقة بعقد الإيجار: من ذلك إنقاص الأجرة في حالة هلاك الزرع في العين المؤجرة ، كمن يستأجر حمامًا في قرية، ثم يهجر الناس تلك القرية، وقد رجع العذر للمؤجر كمن يضطر لبيع عين مؤجرة ليوفي من ثمنها دينًا عليه إذا لم تكن لديه وسيلة أخرى يستطيع بمقتضاها وفاء ذلك الدين، وقد يرجع العذر للمستأجر كانتقاله من حرفة إلى أخرى أو إفلاسه... ([46]).

وقد وضع الفقهاء "للحالة" حتى تكون من قبيل حالات الضرورة شروطًا أربعة هي:

ـ أن تكون الضرورة ملجئة ، بحيث يجد الفاعل نفسه أو غيره في حالة يخشى منها تلف النفس أو الأعضاء.

ـ أن تكون الضرورة قائمة لا منتظرة: فليس للجائع أن يأكل الميتة قبل أن يجوع جوعًا يخشى منه.

ـ ألا يكون لدفع الضرورة إلا ارتكاب المحرم، فإذا أمكن دفع الضرورة بفعل مباح امتنع دفعها بفعل محرم: فالجائع الذي يستطيع شراء الطعام ليس له أن يحتج بحالة الضرورة إذا سرق طعامًا.

ـ أن تدفع الضرورة بالقدر اللازم لدفعها. فليس للجائع المضطر إلى أكل الميتة أن يأكل منها إلا بقدر ذهاب الهلكة عنه ([47]).

ونظرية الضرورة في الشريعة الإسلامية تتمشى مع أحدث النظريات القانونية التي ظهرت في الفقه الحديث في هذا الصدد، وقد عبر عن ذلك الفقيه الفرنسي لايبير بقوله: "تعتبر نظرية الضرورة في الفقه الإسلامي أشد ما تكون جزما وشمولاً عن فكرة يوجد أساسها في القانون الدولي العام في نظرية الظروف المتغيرة، وفي القضاء الإداري الفرنسي في نظرية الظروف الطارئة، وفي القضاء الإنجليزي فيما أدخله من المرونة على نظرية استحالة تنفيذ الالتزام تحت ضغط الظروف الاقتصادية التي نشأت بسبب الحروب، وفي القضاء الدستوري الأمريكي في نظرية الحوادث المفاجئة ([48]).

ونظرية الحوادث أو الظروف الطارئة التي أشرنا إليها، والتي تجد أصلها في نظرية الضرورة الإسلامية ـ نظرية الحوادث الطارئة تعبر عنها الفقرة الثانية من المادة 147 من القانون المدني المصري. تقول الفقرة الأولى من هذه المادة "العقد شريعة المتعاقدين" فلا يجوز نقضه ولا تعديله إلا باتفاق الطرفين أو للأسباب التي يقررها القانون.

وتنص الفقرة الثانية ـ وهي شاهدنا هنا ـ "ومع ذلك إذا طرأت حوادث استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها، وترتب على حدوثها أن تنفيذ الالتزام التعاقدي ـ وإن لم يصبح مستحيلاً ـ صار مرهقًا للمدين بحيث يهدده بخسارة فادحة ـ جاز للقاضي ـ تبعًا للظروف وبعد الموازنة بين مصلحة الطرفين ـ أن يرد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول، ويقع باطلاً كل اتفاق على خلاف ذلك".

وتتلخص فكرة هذه النظرية أن هناك عقودًا يتراخى فيها التنفيذ إلى أجل أو إلى آجال، ويحصل عند حلول أجل التنفيذ أن تكون الظروف الاقتصادية قد تغيرت بسبب حادث لم يكن متوقعًا، فيصبح تنفيذ الالتزام شاقًا على المدين. ومرهقًا له إلى الحد الذي يجعله مهددًا بخسارة فادحة، الأمر الذي يجيز للقاضي أن يتدخل ليوزع تبعة هذا الحادث على عاتق الطرفين.

ومثال ذلك أن يتعهد شخص بتوريد سلعة ثم يحدث قبل حلول ميعاد التوريد أن يرتفع ثمن هذه السلعة إلى ثمانية أضعاف ثمنها وقت العقد، وذلك بسبب قيام حرب فجائية أدت إلى تعذر ورود السلعة من الخارج فيصبح هذا الشخص مهددًا بخسارة جسيمة تجاوز الحد المألوف في مثل هذه الحالة . وحينئذ يجوز للقاضي أن يعدل التزام المدين بحيث يقف به عند الحدود المعقولة ([49]).

وواضح أن الفقرة الأولى من المادة المذكورة تعبر عن القاعدة العامة في العقود . أما الفقرة الثانية فتمثل الاستثناء الوارد على هذه القاعدة، وهو استثناء يعتمد أول ما يعتمد على قواعد العدالة التي توجب مراعاة الظروف.

وشبيهة بالشروط التي اشترطها فقهاء المسلمين في حالة الضرورة كانت الشروط التي اشترطها فقهاء القانون في الحادث الطارئ حتى ينتج أثره القانوني، فاشترطوا في هذا الحادث من حيث طبيعته ومنشئه:

ـ أن يكون اسثنائيًا.. أي نادر الوقوع كزلزال أو حرب أو وباء.

ـ أن يكون عاما كالأحداث السابقة لا خاصًا بالمدين كمرضه أو موت ابنه.

ـ ألا يكون متوقعًا وقت إبرام العقد.

ـ أن يستحيل تحاشي وقوعه.

ويشترط في هذا الحادث الاستثنائي من حيث نتيجته .. أن يترتب عليه جعل الوفاء مرهقًا للمدين إرهاقًا يهدده بخسارة فادحة، ويقدر الإرهاق تقديرًا موضوعيًا لا شخصيًا ، أي يعول في تقدير الإرهاق على مدى اختلال التوازن الاقتصادي بين التزامات الطرفين بقطع النظر عن ثروة المدين ([50]).

فالنظريتان: نظرية التعسف في استعمال الحق، ونظرية الضرورة اللتان تركتا بصماتهما واضحة في نظرية القوة القاهرة ونظرية الظروف الطارئة استقتا من منبع أصيل، هو "الإنسانية" ، والإنسانية هي القيمة العليا التي تجعل العدل فوق القوة، والروح فوق الحرفية والرحمة فوق القانون.. فالقانون في الإسلام وسيلة لا غاية.. وحتى القانون ـ بهذا التحديد ـ تتقدم عليه نوازع الرحمة، والعفو، والأمان، والإعذار: حينما جاء ماعز إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مقرًا بالزنى رده النبي عدة مرات ، وكان "يستجوبه" استجواب الرءوف الرحيم الذي يفتح أمام المتهم ألف باب وباب للتراجع "لعلك باشرتها.. لعلك فاخذتها.. لعلك .. لعلك" ولكن ماعزًا يصر على أنه ارتكب الزنى الموجب للحد.. لأنه يحرص على حد قوله أن "يتطهر بالحد" . نعم فالخطيئة لم تقتل فيه عنصر الطهر النادم، أو الندم الطهور.

ورجم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الغامدية بعد أن ردها كذلك عدة مرات حتى وضعت حملها.. ثم حتى فطمت طفلها الذي جاءت به من سفاح.. واشترك خالد بن الوليد في رجمها، وسبها خالد؛ لأن دمًا منها أصاب وجهه، فغضب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقال: "مهلاً يا خالد. فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة، لو تابها صاحب مكس لغفر له" . ثم أمر بها فصلى عليها ودفنت ([51]).

وفي عهد عمر يسجل المسلمون انتصارًا حاسمًا في "تُسْتُر" ببلاد فارس، ولكن عمر لم يفرح للنصر بقدر ما حزن حينما علم أن المسلمين قتلوا في تستر مسلمًا ارتد عن الإسلام ـ قال عمر والحزن يعتصر قلبه "فهلا أدخلتموه بيتًا، وأغلقتم عليه، وأطعمتموه كل يوم رغيفًا، فاستتبتموه" فإن تاب وإلا قتلتموه؟ . ثم قال "اللهم إني لم أشهد ، ولم آمر، ولم أرض إذ بلغني" ([52]).

وللعلماء كلام إنساني كثير في الحدود: منه أن الحد لا يجب على جاهل بالتحريم لأنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ سأل الزاني عن حكم الزنى. فقال "أتيت منها حرامًا ما يأتي الرجل من أهله حلالاً" . وأن الحد لا يقام على الحامل، وأنها إذا ولدت الصبي أمهلت حتى ترضعه وتفطمه، وأن الإمام لا يجب عليه أن يبتدئ بالرجم، وأنه لا يجوز سب أهل المعاصي، إذا تابوا . وأنه يصلى على من قتل في حد الزنى. وأن المقر إذا استقال في أثناء الحد، وفر ترك ولم يتم عليه الحد فقيل؛ لأنه رجوع، وقيل؛ لأنه توبة قبل تكميل الحد، فلا يقام عليه كما لو تاب قبل الشروع فيه ([53]).

وأخيرًا وقبل أن نترك هذا الفصل علينا أن ننتبه إلى ملمح قرآني قوي يدور في فلك الهيمنة التشريعية للأخلاق في الأحكام، والأعمال، والتكاليف، وأعني بهذا الملمح القرآني "الحضور الرباني" أو "حضور اسم الله" في الأوامر والنواهي، والأحكام، والقصص، والأخبار، والمعاملات، ومظاهر الطبيعة والعقاب، والنعيم.. الخ: ففي أول آية قرآنية (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ...) رُبطت القراءة، أو العلم باسم الرب الخالق الباني ؛ للإيحاء بأن العلم يجب أن يكون ذا هدف إنساني في بناء نبيل كما أشرنا من قبل.

والمداينة أمر لا تخلو منه حياة الأفراد والمجتمعات، بل هي أصل من أصول الاقتصاد حاليًا في العلاقات المصرفية على مستوى الأمة الواحدة بأفرادها في علاقاتها الاقتصادية.

وآية المداينة هي أطول آية في القرآن، وأكثرها تفصيلا " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" ([54])، ومع أن الآية تتعلق بالتعامل المادي البحت .. إلا أن القرآن يذكر المتعاملين باسم الله ويهز في نفوسهم وجدان التقوى وحياة الضمير "... واتقوا الله ويعلمكم الله"، "... فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه.. والله بما تعلمون عليم".

التذكير بالتقوى، والعدل، واسم الله.. كلها أمور تحول بين الإنسان وغعرام المادة وجاذبيتها القوية: فلا يسقط في حمأة الشيطان بالغش أو الكذب في الكتابة أو الشهادة أو الإملاء.

وآيات الربا والميراث والوصية والقتال والزواج.. الخ تنحو هذا المنحى وتتخذ نفس الاتجاه. وكلها تحرص الحرص كله على تربية الوجدان الأخلاقي في الإنسان.

[1])) البخاري 1 / 21 (كتاب الإيمان).

[2])) الحج: 37.

[3])) حجة الله البالغة 2 / 83.

[4])) صحيح مسلم 4 / 567 (كتاب الإمارة).

[5])) صحيح مسلم 4 / 568 (كتاب الإمارة).

[6])) صحيح مسلم 4 / 568 (كتاب الاعتصام).

[7])) التوبة: 111.

[8])) الكهف: 107.

[9])) البقرة: 24.

[10])) الكهف: 29.

[11])) الأعراف: 86.

[12])) الأنعام: 162 ـ 163.

[13])) الإحياء 8 / 1359.

[14])) الإحياء 11 / 1967.

[15])) تفسير المنار 1 / 128.

[16])) العنكبوت 45.

[17])) انظر الكشاف 3 / 207.

[18])) البقرة: 45.

[19])) البقرة: 153.

[20])) لقمان: 17.

[21])) المعارج 19 ـ 23. هلوعًا: سريع الخوف شديد الحرص، جزوعًا: كثير الجزع، والأسى، منوعًا: كثير المنع والإمساك. http://ikhwanwiki.com/skins/common/images/ar/button_link.png [22])) [سيد قطب]: الظلال 6 / 3699.

[23])) البقرة: 177، البر: هو جميع الطاعات، وأعمال الخير، في الرقاب: في تحريرها من الرق أو الأسر، البأساء: الفقر ونحوه، الضراء: السقم ونحوه. حين البأس: وقت مجاهدة العدو.

[24]))) الدهلوي: حجة الله البالغة 1 / 58.

[25]span>)) الشفا 1 / 299.

[26])) القاموس المحيط فصل الجيم باب النون (4 / 210).

[27])) انظر البخاري 3 / 31 (كتاب الصوم).

[28])) عبد الحليم محمود: أسرار في 83.

[29])) محمد قطب: منهج التربية الإسلامية 36.

[30])) البقرة 138، صبغة الله: تطهير الله النفوس بالإيمان.

[31])) أبو طالب: مبادئ تاريخ القانون 410.

[32])) انظر على الخفيف: الملكية في الشريعة الإسلامية ص 100 وما بعدها.

[33])) السابق 104.

[34])) انظر: سلام مدكور: الفقه الإسلامي 219.

[35])) البقرة 280، عسرة: ضيق الحال لانعدام المال، فنظرة: فإمهال وتأخير.

[36])) القطربي: 2 / 1180.

[37])) أبو طالب: السابق 411.

[38])) انظر د. علي عبد الواحد وافي: حقوق الإنسان في الإسلام 71.

[39])) السابق 72.

[40])) السابق 73، وانظر كذلك أبا يوسف في الخراج 132.

[41])) أبو يوسف: الخراج 131.

[42])) انر حسب الله: أصول التشريع الإسلامي 248 ـ 249.

[43])) البخاري: 8 / 37 (كتاب الأدب).

[44])) أبو طالب: السابق 412.

[45])) راجع سلام مدكور: نظرية الإباحة عند الأصوليين والفقهاء 388 ـ 391.

[46])) أبو طالب: السابق 412.

[47])) انظر: عودة "التشريع الجنائي الإسلامي" القسم العام 577.

[48])) أبو طالب: السابق 412.

[49])) عبد المنعم الصدة: مصادر الالتزام 331 ـ 332.

[50])) راجع في تفصيل ذلك: سليمان مرقص: موجز أصول الالتزامات (355 ـ 362).

[51])) زاد المعاد 3 / 206 (والمكس: النقص والظلم).

[52])) الطنطاويان: سيرة عمر بن الخطاب 351.

[53])) زاد المعاد السابق نفس الصفحة.

[54])) البقرة 282.

المصدر:رابطة أدباء الشام