النقراشي وعرض قضية مصر على مجلس الأمن 1947م.. وصفحات مجهولة

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
النقراشي وعرض قضية مصر على مجلس الأمن 1947 م.. وصفحات مجهولة


إخوان ويكي

مقدمة

احتلت مصر من قبل المحتل البريطاني في سبتمبر 1882م وظلت كذلك حتى الجلاء بعد ثورة يوليو، حيث استطاعت بريطانيا في هذه الفترة التي زادت عن السبعين عاما أن تسيطر على الحياة الاجتماعية وتفرض الطبقة الموالية لها على فئات الشعب المصري، كما سيطرت على الحياة الاقتصادية بأن ربطت الاقتصاد المصري باقتصادها مما سبب له انتكاسات كثيرة خلال مسيرته، وزاد الأمر بإفساح المجال للمتعاونين معهم للجلوس على كرسي الحكومة لتنفيذ أهداف المستعمر وأجندته الخاصة دون الظهور أمام الشعب المصر أو الرأى العام العالمي.

ما يزيد عن سبعين عاما لم يجرؤ زعيم سياسي على عمل أفعال تطالب المحتل بالرحيل اللهم إلا الزعيم مصطفى كامل ورفاقه، لكن من تداول على كرسي السلطة خلال رئاسة الحكومات أو الوزراء فجميعم أنساقوا خلف سراب المستعمر في محاولة لالهاء الشعب المصري وتخديره، فانهمكوا في مفاوضات صورية لم تخدم إلا المحتل فقط فكانت معاهدة 1936م التي ربط مصر عسكريا ببريطانيا بل جعلت الاقتصاد المصري في خدمة جنود بريطانيا

ثم كانت معاهدة صدقي بيفن أكتوبر 1946م، وغيرها من جولات المفاوضات التي كان يقوم بها الحزب الحاكم سواء حزب الوفد أو السعدي أو الأحرار الدستوريين أو غيره. لم يطالب رئيس حكومة مصرية ما بحشد الشعب لمحاربة المحتل البريطاني، أو رفع راية المقاومة أو الجهاد، أو السعي من خلال المؤسسات الدولية للضغط على المحتل لسحب قواته ومغادرة مصر.

والمرة الوحيدة التي حدثت وأن تقدم رئيس وزراء تحت الضغط والسخط الشعبي أساء تقديم الملف لكونه واحد من الذين وقعوا بالحروف الأولى على المفاوضات مع إنجلترا مما جعل مهمته في المجلس لذر التراب وتأدية واجب، وهذا ما فضحه أكثر سفير مصر في واشنطن والأمم المتحدة محمود حسن باشا.

ما خفى في عرض ملف مصر على مجلس الأمن

ظلت الهيئات المدنية والسياسية والإسلامية تضغط على الحكومات المتعاقبة في قطع المفاوضات وعرض القضية على عصبة الأمم تارة أو الأمم المتحدة التي خلفتها تارة أخرى. حتى كتب الأستاذ حسن البنا: فقد وصل الموقف فى الداخل والخارج إلى الحال التى تعلمونها دولتكم من الضيق والحرج، وأصبح من الحتم اللازم على كل غيور على مصلحة هذا البلد أن ينسى نفسه وحزبه ويذكر شيئا واحدا هو خير هذا الوطن والعمل السريع الحازم لعلاج هذا الحال.

ثم يطلب منه: أعلن - يا دولة الباشا - فشل المفاوضات، واقطعها فى عزة وكرامة، صارح البريطانيين بأنهم أحوج إلى صداقتنا منا إلى صداقتهم، وأننا نعرف الوسائل التى ننال بها حقوقنا كاملة غير منقوصة وأننا لم نؤثر سبيل المفاوضات إلا إقامة للحجة وإيثاراً للمسالمة وإعذارا إلى الله والناس.

ثم اطلب إلى الإنجليز جلاء قواتهم عن أرض الوادى فلا يليق بدولة عضو فى هيئة الأمم المتحدة، أن تحتل قواتها أرض دولة أخرى هى عضو فى الهيئة كذلك، كما هو نص القرار، وإلا كان وجودهم عدوانا مسلحا على سيادة الوطن، وخروجا على ميثاق هيئة الأمم، وتهديدا للأمن والسلام فى الشرق الأوسط.

فإن لم يفعلوا فتقدم بقضية الوطن إلى مجلس الأمن وإلى محكمة العدل وإلى كل مجمع دولى تأنس فيه ميلا إلى الإنصاف، ونفورا من الظلم والعدوان بعد الدراسة الكاملة. (1)

لكن النقراشي التي عاد لرئاسة مجلس الوزراء مرة ثانية خلفا لصدقي في ديسمبر 1946م لم يأت بنية لإخراج المستعمر بل قبول التفاوض معه لكي تستمر وزراته. غير أن الظروف كانت قد تغيرت بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية حيث زاد الشعور الوطني لدى الشعوب، وضعفت هيبته الدولة البريطانية، وظهرت قوى عظمى أخرى على حسابها متمثلة في أمريكا والاتحاد السوفيتي، وهو ما دفع بالشعب المصري للمطالبة بجلاء المحتل.

كان النقراشي باشا قد دخل في جولة مفاوضات جديدة مع الإنجليز ولذا أصبح في موقف حرج فكيف وقع على التفاوض وكيف يتحرك صون مجلس الأمن ؟؟؟ كانت الظروف مواتية لعرض القضايا خاصة في عام 1946م وبعد تأسيس المنظمة مباشرة حيث كانت تسعى بالظهور القوي وتنفيذ بنودها في تمكين الشعوب من حريتها وهو ما تحقق لسوريا ولبنان وأندونيسيا.

لكن النقراشي ماطل في عرض القضية بحجة تشكيل لجنة أو انتخابات البرلمان أو الحراب الحزبي بينه وبين بقية الأحزاب، حتى كاد عام 1947 أن ينقضى حيث أخذ قراره بالسفر لعرض القضية والتي تحدد لها أول جلساتها في 5 أغسطس 1947م حيث فقدت مصر في هذا الوقت كل كروت الضغط، مثل تعاطف الرأى العام الأمريكي

والذي كان منشغل باستيلاء الاتحاد السوفيتي على شرق أوروبا، وأيضا تقارب الحكومة الأمريكية مع الحكومة البريطانية والتي رأت مصالحها معاها، تنافر الفرقاء المصريين حيث ذهب النقراشي دون دعم شعبي، بل إن النحاس باشا رئيس حزب الوفد أرسال برسالة لرئيس مجلس الأمن يطلعه أن النقراشي لا يمثل القضية المصرية في عرضها، ومن ثم عاد النقراشي بخفي حنين من المجلس حينما حكم بعودة بريطانيا ومصر إلى طاولة المفاوضات مرة ثانية.

لكن دعونا نطالع ما كتبه سفير مصر في واشنطن ةقت عرض القضية السفير محمود حسن والخفايا التي حملها هذا الملف يظهر فيه النقراشي بالمتواطئ مع المحتل الانجليزي ضد القضية المصرية.

فقد كتب السفير محمود حسن (والده "حسن باشا محمود" كان عميداً لكلية طب القاهرة والطبيب الشخصى للخديو، وجده "محمود حمدى" كان الكاتم الثانى لأسرار وزارة الداخلية ومحافظ القاهرة ووكيل الداخلية) مقالا في صحيفة المصري الوفدية في 13 ديسمبر 1949 يشرح فيه خفايا عرض النقراشي لقضية مصر

فكتب يقول:

إن من حق مواطني أن يطالبوني بما أعرفه في صدد قضيتنا ولكني رأيت أن الوقت لم يكن مناسبا وقتئذ لتلبيتهم لأن الجمهور عند عودتي لم يكن قد هدأ من أثر الصدمة التي أصابته بسبب فشلنا في مجلس الأمن حتى جاءت حوادث فلسطين ومأساتها في جمعية الأمم المتحدة واندفاعها بسببها إلى حرب أكدت الحكومة – رغم ملاحظاتي المتكررة أنها على أتم الاستعداد لها وهي في تأكيدها هذا لم تكن إلا منخدعة أو مخدوعة ..
ثم أعلنت الأحكام العرفية فقيدت الحريات وفرضت الرقابة على الصحف وقلت أقلام الكتاب ،فحال ذلك بيني وبين سد تفاصيل القضية المصرية ، رغم ما كنت أشعر به من حق الخاصة والعامة على ولا سيما والقضية ما زالت معلقة في مهب الرياح .. وقد يكون لذكر تفاصيلها نفع لمن يريد مخلصا أن يختط خطة سليمة ناجحة أو محتملة النجاح لحل هذه المسألة التي ما عقدتها إلا لنزاعات الحزبية والمآرب الشخصية ، والرغبة في الإعلان عن النفس ، واكتساب المجد الكاذب.
لقد أفادت سورية ولبنان وإيران من عرض قضاياها على مجلس الأمن منتهزة الفرص المناسبة ، منتفعة من اختلاف لدول الكبرى فيما بينها ، ومكتسبة بينها ، مكتسبة الدول إلى جانبها ... أما مصر فقد أهملت كل ذلك ، وركزت كل جهدها في مفاوضات طال أمدها كما لو كانت تعيش في عام 1936 .. وكان خليقا بها أن تعرف أن نتحاءها زاوية وحدها مع انجلترا في عزلة عن الدولة الأخرى لن تفترق بعدها إلا ونحن من الخاسرين.

ولعل فيما جاء على لسان وزارة الخارجية الإنجليزية في ختام فترة المفاوضات الأخيرة "أن هذا هو أقصي ما تستطيع أن تعطيه إنجلترا لمصر" ما يفيد أن انجلترا تنظر إلينا نظرها إلى المستجدي لأصحاب الحق .

لكنا وبكل أسف لم نلجأ إلى مجلس الأمن إلا بعد أن أمضت (وقعت) الحكومة – بالأحرف الأولي – مشروع اتفاقية مع الحكومة الإنجليزية فأصبحنا في وضع شاذ وأكثر منه شذوذا أن يتولي الدفاع عن قضيتنا رجال قبلوا هذا المشروع ودعوا إليه ودافعوا عنه بل وخاصموا غيرهم من أجله .

إن الحكومة القائمة في ذلك الوقت لم تكن جادة في الالتجاء إلى الهيئة الدولية ، بل هي اضطرت إلى ذلك تحت ضغط المعارضة والرأي العام الذي أشعرها بأنها لن تستطيع البقاء في الحكم وهي واقفة ذلك الموقف السلبي الذي كانت تفقه بعد المفاوضات .

وليس أدل على ذلك من أنها أخذت تسوف وتؤجل – تارة تحت ستار السعي في اختيار أشخاص ممثليها أو اختيار الهيئة المختصة – وأخرى في انتظار انتهاء الدورة البرلمانية – حتى كان صيف سنة 1947 رأت أن تتحرك بعد أن ضيعت الفرصة تلو الفرصة فلا هي نجحت في ضم الصفوف في الداخل ولا هي طرحت القضية في الوقت المناسب بل لعل الوقت الذي أتت فيه إلى نيويورك كان أبعد الظروف ملاءمة. لقد أرسلت إلى النقراشي باشا الكثير من الخطابات أوضح فيها الشروط والظروف المناسبة لعرض القضية وأن هذا الوقت ليس مناسبا.

وكان آخر خطاب مني بعد ما وصلت إلى شبه اليأس وتغيرت الظروف ، حيث عرضت قضية فلسطين على هيئة الأمم وصاحب عرضها دعاية واسعة لصالح اليهود ضد العرب وضد مصر ، والتجاء الأمير عبد الكريم لمصر وما في ذلك من إثارة خواطر الفرنسيين، ثم الانقلاب الذي حدث في المجر وما صحبه من شعور متزايد بضرورة التضامن والتكاتف بين الولايات المتحدة وبريطانيا إزاء الخطر الروسي المتفاقم.

ومع ذلك أصر النقراشي باشا على المجئ إلى نيويورك وتمسك ببقائي في منصبي مع ما طلبته من إعفائي ..فرحت أستشير ذوي الرأي فيما يجب اتخاذه من التدابير واقترحت استشارة محام ذي خبرة دولية فوافقت الوزارة على هذا الطلب فرأيت أن ألجأ إلى أكبر مكتب في العاصمة ، وهو المكتب الذي تولي مسألتي إيران واليونان عند عرضهما على مجلس الأمن وكان هذا المحامي يعرفني حيث كنت ممثل مصر في مجلس الأمن عند هاتين القضيتين فرحب بي وطالب إلى أن أزوده بالمعلومات اللازمة عن قضيتنا ووعدني بالرد في أقرب فرصة ..

وراح بدوره يدرس القضية وظروفها وملابساتها ،ثم اتصل بي ليبدي جوابه بأحاطني علما بأن مكتبهم يري بعد الاتصالات العديدة وبعد جس نبض الرأي العام بالعاصمة ونيويورك بأن عرض القضية في القريب العاجل هو أسوأ الأوقات اختيارا وأن قضيتنا يجب لتوافر نجاحها أن يكون بجانبها الرأي العام الأمريكي ولكن الوقت الحاضر غير مناسب لذلك إذ كب البيئات بجانبها الرأي العام الأمريكي

ولكن الوقت الحاضر غير مناسب لذلك إذ كل البيئات متخوفة من الاتحاد السوفييتي واتجاهه نحو المجر وبلغاريا إلخ .. فعرض القضية ليس فقط بعيدا عن المصلحة فحسب بل هو مضر لمصر . وإن مكتب المحامي على كل حال لا يقبل التوكيل في هذه القضية في الوقت الحاضر ..ومع كل هذا فقد أصر النقراشي باشا على عرض القضية في ذلك الوقت وأن يكون هو وحده المتقدم بها إلى المجلس. (2)

كلمة أخيرة

كان واضحا وجليا أن السشياسيين والحزبيين الذين برزوا على الساحة تحت ظل المستعمر لم يكونوا مؤهلين لتحرير البلاد من المستعمر، ولولا رضى المحتل عنهم ما كان تولى أحدهم مجلس الوزراء مما يضعف مكانتهم ودورهم الذي كان في جله دور الموظف الذي يسير الأعمال.

المراجع

  1. حسن البنا: من الإخوان إلى رئيس الحكومة ضرورة قطع المفاوضات والالتجاء إلى مجلس الأمن، جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (206)، السنة الأولى، 13 صفر سنة 1366 ه - 5 يناير 1947م، صـ(1).
  2. محمود عبدالحليم: الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ، جـ2، دار الدعوة، 1999.