المشكلة الطائفية في مصر

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
لجنة الدفاع عن الثقافة القومية المشكلة الطائفية في مصر

تقديم د. لطيفة الزيات

تمهيد

تهدي لجنة الدفاع عن الثقافة القومية ( هذا العمل ) للمفكر اللبناني العربي الكبير حسين مروة الذي سقط ،فيمن سقط شهيداً للفكر والعقيدة، ونتيجة لمحاولة تسييد الفكر الواحد باستخدام القوة المسلحة، وقد مضى حسين مروة، فيمن مضوا، وترك للمثقفين العرب كتاباته زاداً في حرب يتأتى أن يشنوها ضد التعصب بأنواعه اتشح بقناع الدين أم لم يتشح وضد مصادرة حرية الفكر والعقيدة أياً كانت طبيعة المصادرة، وأيا تعددت مصادرها، حكومية كانت أم غير حكومية.

يضم هذا الكتاب عدة دراسات قدمها عدد من أبرز المثقفين المصريين من مختلف الاتجاهات في الندوة التي نظمتها لجنة الدفاع عن الثقافة القومية في شهري مايو ويونيه عام 1987 عن المشكلة الطائفية في مصر ، وقد واظب على حضور الندوة عدد غفير من أبرز المهتمين بالموضوع من مثقفي مختلف الأجيال ، وشاركوا مشاركة جادة وفعالة في إغناء مختلف القضايا التي أثارتها الدراسات وأضافوا إليها بعرض قضايا جديدة لم تتطرق لها . ولذلك تضمن هذا الكتاب ملخصاً لأهم القضايا التي طرحها المشتركون في النقاش .

وقد حرصت لجنة الدفاع عن الثقافة القومية على الأعداد مسبقاً لندوة المشكلة الطائفية في مصر إعداداً علمياً سليماً يتناول جذور المشكلة الطائفية من كافة الزوايا، يرسي نموذجاً لتناول المشكلة مستقبلاً كمشكلة متعددة الأبعاد تحتاج دائماً وأبداً إلى المزيد من الدراسة ومزيد من الاجتهاد واليقظة للمستجدات .

وعقدت اللجنة اجتماعاً تمهيدياً لإرساء المحاور الرئيسية لعلاج المشكلة الطائفية، واستضافت عدداً كبيراً من المتخصصين بهدف إشراكهم معها في التخطيط، وكان من بين من شارك في هذا التخطيط إلى جانب أعضاء اللجنة الأساتذة سمير أمين، فوزي منصور، أبو سيف يوسف، صادق سعد، فايق فريد وميلاد حنا.

وتم في هذا الاجتماع التمهيدي إرساء المحاور الرئيسية للندوة على النحو الذي يوجزه الدكتور عبد العظيم أنيس عضو اللجنة في دراسته الافتتاحية مدخل عام لدراسة المشكلة الطائفية في مصر .

وقد استهدفت اللجنة التأصيل للمشكلة الطائفية في مصر وتوصيفها طبقياً واجتماعياً وثقافياً ورصد العوامل الداخلية والخارجية التي تتلاقى على إثارتها، صادرة عن الإيمان بضرورة الإقرار بجذور المشكلة الطائفية كما هي، وعلى حقيقتها، لا كما نتمنى أن تكون عليه، هذا إن أردنا أن نتصدى للمشكلة وأن نتجاوزها بسلام.

وكان المحور الأول الذي صدرت عنه دراسات الندوة هو التسليم بأن نوعاً من التفرقة بين عنصري الأمة، مختلفاً من حقبة إلى أخرى، قد ساد على طيلة تاريخ مصر الحديث، متمثلاً في وجود أو غيبة بعض التشريعات، وفي وجود أو غيبة بعض الممارسات، ومن ثم التسليم بوجود جذور حقيقية في الواقع المصري قد تكون مسئولة جزئياً عن شعور جانب من أقباط مصر بانعدام المساواة في حقوق المواطنة.

ومن ثم ركز الدكتور عاصم الدسوقي على تأصيل المشكلة تاريخياً وعلى رصد هذه التجاوزات في دراسته : المشكلة الطائفية في تاريخ مصر الحديث ، وتطرقت بعض الدراسات الأخرى بدورها لذات الموضوع.

ويعالج المحور الثاني من محاور الندور ظاهرة الطائفية كظاهرة ذات جوهر اجتماعي سياسي متعدد الجوانب ، وكظاهرة لها جذورها الداخلية والخارجية معاً، وإن تقنعت بالدين .

وهي ظاهرة ترتبط داخلياً بمصالح أشد قوى اليمين جموداً وتخلفاً، وبالأيديولوجية السائدة التي يفرزها هذا اليمين. وهي ترتبط خارجياً بالامبريالية العالمية والأمريكية، كما ترتبط أيضاً بالنظم الرجعية النفطية وخاصة السعودية.

وظاهرة الطائفية والأمر كذلك ظاهرة مناهضة للمشروع القومي الساعي إلى التنمية والتحرر من التبعية بألوانها. وتندرج معظم دراسات الندوة في هذا المحور، وإن تعددت الزوايا التي تعرض لها، واختلفت نقاط التوكيد التي تتمحور حولها.

وتدور دراسة الأستاذ الدكتور فؤاد مرسي حول:الفتنة الطائفية والقوى الخارجية محيطة بالموضوع من مختلف جوانبه ومبرزة للعلاقات المشبوهة بين شركات توظيف الأموال " الإسلامية " والمصالح الأمريكية المالية المشبوهة بدورها.

كما يتطرق الدكتور فؤاد مرسي إلى الجمعيات الدينية الإسلامية وعلاقاتها بالسعودية وإيران. وتسلم كل الدراسات المقدمة بأهمية المخطط الإمبريالي الصهيوني والنفطي في تفريخ التحزب الديني،وإن تمحور في كل من هذه الدراسات حول عامل محدد يندرج في ذات المحور.

ويركز الأستاذ الدكتور فوزي منصور على دراسة المشكلة الطائفية وقضية الديمقراطية،ويقدم الأستاذ أحمد صادق سعد دراسة أثارت الكثير من الجدل حول الثقافة الدينية الشعبية تحت عنوان المنطلقات الثقافية للمشكلة الطائفية في تاريخ مصر الحديث.

ويتناول الأستاذ خليل عبد الكريم بالدراسة تاريخ الإسلام السياسي والمشكلة الطائفية مبدياً لوجهة نظره في الموضوع. وحول موضوع الدولة والاستخدام التبريري للدين تدور الدراسة الإعلامية التي تقدمت بها الأستاذ الدكتورة عواطف عبد الرحمن حول الصحافة الدينية والمشكلة الطائفية .

وكان المحور الثالث الذي انطلقت من الندوة هو الإقرار بأن مشكلة الفتنة الطائفية على قدمها،هي مشكلة تتخذ أبعاداً جديدة في ظل نمو العلاقات الرأسمالية في مصر وتطورها بالارتباط برأس المال العالمي وخاصة في فترة الانفتاح في السبعينات.

وقد تطرقت لهذا المحور معظم الدراسات،سواء بطريق مباشرة أو غير مباشرة،وتضمن العرض اختلافاً في الآراء ، تجلى أيضاً في المناقشات،وترتب عذا الاختلاف على توصيف كل لطبيعة الطبقة البورجوازية في مصر ونشأتها وتطورها مع ثورة 1919،ومدى نجاح هذه الورة في إتمام مهامها الليبرالية العلمانية من عدمه. كما ترتب الخلاف أيضاً على الاختلاف في توصيف فترة الناصرية في علاقتها بالمشكلة الطائفية ومدى نجاحها من عدمه.

وتجمع معظم الدراسات على أن فترة حكم السادات قد شهدت قمة التطرف الديني وتأجج المشكلة الطائفية، وترجع هذه الحقيقة إلى سياسة الانفتاح الاقتصادي وإلى الأيديولوجية اللاعقلانية التي صاحبتها وبررت لها، وإلى استخدام السادات للجماعات الدينية لحرف الصراع الطبقي وضرب قوى اليسار وإلى خلق السلطة الحاكمة للمناخ الثقافي والفكري الهابط الملائم لتفاقم المشكلة الطائفية والذي مازلنا نعاني منه إلى الآن.

وتذهب معظم الدراسات إلى أن من شأن غيبة المشروع القومي وجود الفراغ الذي يدفع إلى التحزب الديني وإلى نمو الجماعات الدينية.وتفرق هذه الدراسات بالتالي تفريقاً حاداً بين الفترة الناصرية التي توفر لها مشروعها القومي للتحرر والتنمية موحداً بين عنصري الأمة وفترة حكم السادات بما سادها من انحطاط اقتصادي وثقافي لاعقلاني .

وفي دراسته مالعدلة لاحقاً عن المشكلة الطائفية والأوضاع الطبقية، يتصدى الأستاذ أبو سيف يوسف لما ورد في بعض الدراسات الأخرى وفي النقاش بشأن الفترة الناصرية . ويبرز الأستاذ أبو سيف يوسف الفوارق الاقتصادية والاجتماعية بين العهد الناصري والساداتي، ويبرئ الأيديولوجية الناصرية من شبهة توظيف الاختلاف في المعتقد الديني، يرسي كطرح تقدمي للدين في إطار التحرر الوطني والتنمية .

ويورد الأستاذ يوسف أبو سيف هذا التفريق في إطار مسألة اصطلاح الطائفية ذاته، ومدى انطباقه على طبيعة التاريخ الاجتماعي في المجتمع المصري، مشككاً في إمكانية إدراج هذا المجتمع في المجتمعات التي تسودها الطائفية كالهند ولبنان . وبعد فلا يمكن أن يلم هذا التقديم بمختلف القضايا التي تطرقت إليها الدراسات والمناقشات .

ويسعد لجنة الدفاع عن الثقافة القومية أن تنشر الدراسات والنقاشات كما هي مغتنية بالتنوع والاختلاف، مرسية لآفاق جديدة في المشكلة الطائفية، وفاتحة المجال لآفاق أرحب وأوسع، وتدين لجنة الدفاع عن الثقافة القومية بأمق الشكر لكل من ساهم في هذه الدراسات، وشارك في النقاش، وجعل إخراج هذا الكتاب إلى خير الوجود ممكناً .

مدخل عام إلى المشكلة الطائفية

د.عبد العظيم أنيس

إذا كانت ثمة حاجة إلى أن نثبت أهمية بحث المشكلة الطائفية في مصر على أوسع نطاق على الرأي العام، وما تركته هذه المسألة من آثار فكرية ونفسية لدى طلائع هذه الأمة من المثقفين، فقد يكفي أن نشير إلى عدد من الكتب والدراسات والندوات التي ظهرت، أو نُظِمت، حول هذا الموضوع في السنوات الأخيرة، وعدها لا يقاس بما صدر حول هذا الموضوع من قبل .

ففي السنوات الخمس الأخيرة فقط صدر: الكتاب الموسوعي لطارق البشري " المسلمون والأقباط في إطار الجامعة الوطنية " ، وكتاب د. وليم سليمان " المسيحية والإسلام على أرض مصر " ، وكتاب د.مصطفى الفقي " الأقباط في السياسة المصرية " ، وكتاب د.ميلاد حنا " نعم أقباط ، لكن مصريون " ، وكتاب فهمي هويدي "مواطنون لا ذمِّيون " ، والكتاب الهام الذي صدر مؤخراً للدكتور نادية رمسيس فرح في الولايات المتحدة بعنوان "الصراع الديني في مصر " ..

وهذه الكتب تتعلق بالكامل ببحث قضية العلاقة بين المسلمين والأقباط من المصريين.ويمكن أن نضيف إليها عدداً آخر من الكتب اتلي تبحث هذه القضية ضمن قضايا أخرى ،مثل قضية الديمقراطية ،أو قضية تطبيق الشريعة الإسلامية، أو قضية النضال الوطني ضد الاستعمار في العصر الحديث .

ومن الواضح أن هذه الكتب قد ظهرت كردّ فعل للأحداث الطائفية التي جرت في السنوات العشر الأخيرة، التي استهدفت الإساءة إلى الوحدة الوطنية التي تجمع في إطارها الأقباط والمسلمين، فهي تعبير إذن عن قلق أوساط عديدة في الرأي العام من أن تتدهور أوضاع الوحدة الوطنية إلى ما هو أسوأ مما حدث ، خصوصاً أننا نعرف أن قوى خارجية كثيرة تتربص بهذه الوحدة ، وتتمنى الإجهاز عليها .

وفي مقدمة هذه القوى الخارجية بطبيعة الحال إسرائيل التي لم تخْفِ في وثائق منشورة عن استراتيجيتها للثمانينيات، طموحها إلى تكوّن دولة قبطية في الوجه القبلي ودولة إسلامية في الوجه البحري .

كما تلعب الولايات المتحدة دوراً آخر في هذا الموضوع، ربما أكثر ذكاءً وحذراً من دور إسرائيل، لكننا نكون واهمين إذا لم ندرك أن إذكاء نار الصراع الطائفي في العالم الثالث هو أحد أدوات السياسة الامبريالية .

وعلى هؤلاء الذين لا يوافقون على حقيقة وجود دور للقوى الخارجية في تلك المشكلة أن يتذكروا أن للولايات المتحدة أجهزة تعمل ليل نهار لبحث نقاط الضعف في مسيرة كل شعب من الشعوب وكيفية استغلالها في سعي الولايات المتحدة للسيطرة على مقدرات هذا الشعب وتوجيهه في إطار المشروع الإمبريالي الأميركي للسيطرة على العالم الثالث .

ولهؤلاء الذين يشكّون أو يشكّكون في هذا أن يتذكروا استقبال كارتر للبابا شنودة وحديثه عن الأقباط الثمانية ملايين في مصر، ولو راجعوا كتاب " لعبة الأمم " لضابط المخابرات الأمريكي مايلز كوبلاد لوجدوا حديثاً صريحاً عن الاجتماعات التي تمت في أجهزة المخابرات الأمريكية، في أواخر الأربعينيات ، بهدف تحديد أفضل السبل لإحلال النفوذ الأمريكي محل البريطاني أو الفرنسي في الوطن العربي .

ومن الأفكار التي طرحت ونوقشت باستفاضة، فكرة البحث عن رجل دين مسلم يقوم بالدور الديماجوجي الذي قام به رجل الدين المسيحي " بيلي جراهام " في الولايات المتحدة بهدف تعبئة شعور الرأي العالم الديني العربي ضد " الشيوعية والإلحاد " ، وتمّ بالفعل اختيار رجل دين عراقي لا يذكر اسمه للطواف بالعالم العربي لهذا الغرض ، ثم ، وهذا هو الأخطر ، طرحت المخابرات المركزية فكرة إحياء الخلافة الإسلامية من جديد ، ورشح ملك العراق،فيصل ،لكي يكون خليفة المسلمين لولا أن ثورة عبد الكريم قاسم قد وضعت هذه المخطات على الرف بعد ذلك .

إن فكرة إحياء الخلافة،التي تبدو،على السطح،مسألة دينية،هي أبعد ما تكون عن ذلك . وإذا كانت الولايات المتحدة تسعى الآن لإحيائها كحاجز ضد انتشار الفكر اليساري واتساع نفوذ المعسكر الاشتراكي ، فإن تاريخنا الحديث في مصر يوضح أن بريطانيا العظمى حاولت في مصر المحاولة نفسها ، إذ شجعت الملك فؤاد ،ـ في قمة انتصار الحركة الوطنية بقيادة الوفد خلال العشرينات ـ على تحريك قضية الخلافة.

وقامت قيادة الأزهر ـ لمصالحها الخاصة ـ بالعمل بأوامر الملك والإعداد لمؤتمر الخلافة ، واستغلّت فكرة الجامعة الإسلامية لضرب الجامعة الوطنية ، التي كانت قد حققت أول انتصاراتها بثورة 1919 ودستور 1923 وبدء الحياة النيابية الحقيقية .

فلما مات الملك فؤاد ولم يتحقق مشروع الخلافة التي كانت دولة الاحتلال تؤازره ، حاول شيخ الأزهر في وزارة الوفد التي جاءت بعد معاهدة 1936 أن يفرض تتويج الملك الجديد في حفل ديني يقام في القلعة ، حيث يقلّد الأزهر الملك المتوّج سيف جده الأكبر محمد علي ، ثم يؤمّ الملك المصلين في الأزهر تعبيراً عن مكانته الدينية كولي للأمر وإمام للمسلمين يجمع بين السلطتين الزمنية والدينية.

ولقد قاوم قادة الوفد مثل هذه الاقتراحات ، وقال النحاس ( رئيس الوزراء ورئيس الوفد ) إن هذه الاقتراحات تقحم الدين فيما ليس من شئونه ، وتخلق سلطة دينية خاصة بجانب السلطة المدنية . لكننا لا نستطيع أن نغفل أن هذا المشروع كان محل رضا ودعم دولة الاحتلال .

لقد ذكرتُ هذا لأوضح أن الامبريالية الأوروبية أولاً ثم الأمريكية بعد ذلك ( وإسرائيل ) معنية تماماً بالإساءة إلى وحدتنا الوطنية والاستفادة من تلك الإساءة وفق مبدأ " فرق تسد " وإن كان هذا بالطبع لا يعني أنه لا توجد قوى وعوامل داخلية تلعب دوراً رئيسياً في الإساءة إلى الوحدة الوطنية وتأجيج نار التوتر الطائفي .

إن هذه القوى بالقطع موجودة ، وهي ذات دور رئيسي في هذا الميدان. نحن نسلّم بذلك ونفهمه ، لكن ذلك لا يعني أن نغمض أعيننا لحظة عن القوى الخارجية صاحبة المصلحة في إذكاء نار الفتنة وجني ثمارها ، حتى لا نعطيها هذه الفرصة .

إننا نحس بطبيعة الحال بظلال التباينات في فهم الرأي العام ومثقفيه لهذه المشكلة وجذورها الحقيقية ، ونستشعر أن قسماً من المتصدرين للمناقشة يلجأون إلى التهوين من المشكلة بادّعاء أنها ظاهرة طارئة لا تلبث أن تختفي ، وأن مصر على طول تاريخها لم تعرف هذه المشكلة الطائفية ... إلى آخر ما يقال في هذا الميدان .

وقد يكفي أن أشير إلى مقال لشيخ الأزهر في العدد الأخير من مجلة " الهلال " ( الذي ينحو هذا المنحى بالذات ، مع أنه من المفترض أن يكون شيخ الأزهر أكثر معرفة من ذلك ) .ثم هناك أيضاً من يعالج هذه القضية ، وكأنها قضية صراع حقيقي بين الإسلام والمسيحية، مع أنها في رأينا أبعد ما يمكن عن ذلك .

إن كثيراً من الظواهر الاجتماعية الاقتصادية السياسية يمكن أن تغلّف بغلالة دينية لأسباب خاصة تتعلق بالظروف التي تنمو فيها هذه الظاهرة . والعميان فقط هم الذين لا يستطيعون أن يروا ما وراء هذه الغلالة الدينية من أسباب وجذور اجتماعية للظاهرة محل الدراسة .

ونحن من الذين يرون أن المسألة الطائفية في مصر هي قضية اجتماعية سياسية في الأساس ، وقد نضيف إلى ذلك بعض الجذور الثقافية التي تساهم فيها، لكننا نرى أن الوقائع الأساسية تناقض الادّعاء بأنها مشكلة دينية .

فإذا قبلنا منطق من يدّعون أنها مسألة دينية ، لكان علينا أن نصدق أن الحروب الصليبية كانت حروباً دينية حقاً ، مع أننا نعرف أنها كانت أول هجمة أوروبية على المشرق العربي بدوافع اقتصادية في الأساس ، وأنها حملات موّلتها مراكز مالية محدودة في أوروبا بأمل نهب المشرق العربي ووضع قاعدة استيطانية دائمة فيه ، وأن الصليب لم يكن إلا تكئة ملائمة لتعبئة الجيوش الأوروبية ضد شعوب المشرق ، لا أكثر ولا أقل .

وفي تاريخ مصر الحديث لم تشتعل المسألة الطائفية في مصر إلا وكان من السهل أن ترى القوى الاجتماعية السياسية الداخلية صاحبة المصلحة في إشعال التوتر الطائفي ، والقوى الاجتماعية السياسية صاحبة المصلحة في إطفاء هذه النار .

ومهما كانت الوقائع على طول تاريخ مصر الحديث ، فسوف نجد دائماً أن هذه القوى الاجتماعية والسياسية التي عملت على إشعال هذه النار هي القصر بشكل عام ، أي المؤسسة الملكية وبعض كبار ورجال الأزهر ، وأحزاب الأقلية ، خصوصاً حزب الأحرار الدستوريين وجماعات الإسلام السياسي ، خصوصاً جماعة الإخوان المسلمين .

وهؤلاء جميعاً كانوا في فترة من الفترات صنائع القصر ومحل رضا الدولة المحتلّة ، أعني بريطانيا . وبمعنى آخر فإن القوى التي عملت على إذكاء نار الفتن الطائفية هي أشدّ قوى اليمين الاجتماعي تخلفاً وجموداً ، بينما كانت القوى المعادية لهذا التوجه هي قوى البرجوازية الصاعدة التي ناضلت دائماً من أجل الدفاع عن فكرة " الجامعة الوطنية " ، أي المشروع القومي ، ومن أجل الدفاع عن الدستور والديمقراطية البرلمانية ، والتي تمثّلت آنذاك في الوفد .

ومن هنا كانت الملاحظة الأساسية التي أبرزها كل الكتاب الذين تناولوا هذه المشكلة في السنوات الأخيرة : أعني أن المشكلة الطائفية تهدأ أو تختفي كلما كان هناك مشروع قومي للدفاع الوطني ضد الأجنبي ، وللبناء الداخلي ، قادر على تعبئة الشعب حوله .

أليس هذا بالضبط ما كان في ثورة 1919 الوطنية ؟ ألم يكن رجال الإكليروس القبطي يخطبون في الأزهر ورجال الدين من أمثال الشيخ محمد عبد المطلب والشيخ أحمد أمين يخطبون في الكنائس ؟ ألم يعد سعد زغلول من منفاه في سبتمبر 1923 وقال للشعب في أول خطاب له في القاهرة رداً على الأحرار الدستوريين الذين حاولوا في غيبته بعث نيران التوتر الطائفي :

" أُحْسُوا التراب في وجوههم، فرصاص الإنجليز لم يميز بين قبطي ومسلم من أبناء مصر " ؟ ألم يفعل الشعب هذا الذي طلبه سعد بالأغلبية الكاحة التي تحققت للوفد في أول مجلس نيابي رغم مؤامرات القصر والإنجليز ؟

ألم يطالب عمال العنابر في هذا المناخ بجعل سبعة يناير عيداً قومياً للمصريين جميعاً ؟ وقاد عاطف بركات الاحتفال بعيد النيروز ( بداية السنة القبطية )، كما قاد مرقص حنا الاحتفال ببداية السنة الهجرية ؟وفي المرحلة الناصرية توارت أيضاً الفتنة الطائفية في إطار مشروع وطني تنموي ونضال عارم ضد الامبريالية الأمريكية وبينها إسرائيل .

وليس معنى هذا أن كل أقباط مصر كانوا راضين في ظل المرحلة الناصرية ، فرغم الأخطاء من جانب السلطة هنا وهناك ، فإن الفرز تمّ على أساس اجتماعي وليس على أساس طائفي .

وفي الغالب الأعم كانت قوى اليمين في الوسط القبطي التي تضرّرت مصالحها بحركة التأميمات هي المعادية لنظام عبد الناصر ، وقد اشتركت في هذا الموف مع قوى المسلمين من كبار الإقطاعيين والرأسماليين الذين تضرروا من هذه السياسات .

ولقد كان قيام عبد الناصر بوضع حجر الأساس لكاتدرائية البطرية بالعباسية بمثابة تأكيد للتقاليد الوطنية العريقة التي عرفتها مصر الحديثة . هذا بينما اشتعلت الفتنة الطائفية، بل الفتن الطائفية، في عصر الانفتاح وكامب ديفيد والتبعية للولايات المتحدة ، وفقدان المشروع الوطني للتنمية .

ولعبت بعض أجهزة الدولة الإدارية والأيديولوجية دوراً صريحاً في إذكاء هذه الفتنة كما هو واضح لمن يتابع ما كان يحدث أيام السادات، بل وتصريحاته هو نفسه . وفي هذا العهد ـ العهد الساداتي ـ وصلت إلى حد المصادمات المسلحة والقتلى من الطرفين وإحراق الكنائس ومحلات الأقباط التجارية أو نهبها، وعزل البطريرك ونفيه إلى الدير والقبض على العشرات من كبار رجال الإكليروس .

ومع أن الأمور اليوم لا تصل إلى هذا الحدّ ، فإن القوى الداخلية التي لعبت الدور الأساس خلال أيام السادات مازالت طليقة تمارس دورها في إحراق الكنائس ونهب محلات الأقباط التجارية أو حرقها في صعيد مصر وفي كفر الشيخ كما حدث منذ شهر واحد .

إن هذه التوترات المتصلة وعجز السلطة الحالية عن مواجهة الموقف بالإجراءات الصحيحة اجتماعياً وسياسياً وإدارياً هي الباعث الأول لمجموعات ضخمة من المثقفين من كافة التيارات والاتجاهات لإدانة هذا الوضع وللتباحث في ما يمكن عمله للقضاء على نيران هذا التوتر الطائفي وإخمادها .

وفي هذا الإطار اجتمعت لجنة الدفاع عن الثقافة القومية عدة مرات للنظر في ما يجب عمله، وكان شعورنا أن من الضروري أن نقدّم مساهمة في رفع وعي الرأي العام بهذه المشكلة إلى مستويات تعلو على المساهمات السطحية في هذا الميدان .

فالمطلوب ونحن نعمِّق الوعي بالمشكلة وأبعادها الحقيقية أن نبحث في الجذور الاجتماعية والثقافية لها، وأن نلقي ـ في أقل القليل ـ بعض الضوء الذي ينير للرأي العام طريق النضال ضد الفتنة الطائفية .

ومن هنا جاء حرصنا على أن نجمع دراسات هذه الندوات في نهاية الأمر في كتاب نضعه في يد الرأي العام مساهمة متواضعة منا في هذا الميدان .

ونحن في حقيقة الأمر ننطلق من عدد من المحاور يحسن أن نشير إلى بعضها هنا :

أولاً : إن المشكلة الطائفية ذات تاريخ قديم وتاريخ حديث أيضاً . وتصوير الأمور على أن العلاقات بين المسلمين والأقباط كانت على خير ما يرام على طول التاريخ هو أمر ينافي حقائق هذا التاريخ، فضلاً عن أنه تصوير ضارّ بقضية الوعي بأبعاد هذه المشكلة .

فالواقع والحقيقي هو أن أقباط مصر عانوا من التفرقة وانعدام المساواة فترات طويلة من حياتهم، مع أنهم جزء أصيل من شعب مصر لا يمكن تفريقهم عن المسلمين لا في اللغة أو السمات أو العادات أو الثقافة.مع ذلك ، فحتى عهد سعيد وعام 1855 كان الأقباط محرومين من دخول الجيش، وكانوا يدفعون الجزية .

ثانياً : إن المشكلة الطائفية جوهرها ليست مسألة دينية، إلا أن الدين يستثمر فيها لأغراض دنيوية لكن المسألة الطائفية ذات جوهر سياسي، وإن من المهم أن يرى الرأي العام هذه الحقيقة، لأن الصراع على أساس طائفي ديني يستهدف ضرب مشروع " الجامعة الوطنية " للمصريين، الذي هو الابن الشرعي لمصر الحديثة، كما يستهدف طمس الصراع الطبقي لمصلحة الفئات والشرائح الاجتماعية التي تستفيد من هذا الطمس .

ثالثاً : إن المشكلة الطائفية ـ مع قدمها ـ تأخذ أبعاداً جديدة في مصر الحديثة منذ دخول العلاقات الرأسمالية إلى البلاد ونمو هذه العلاقات ، كما تأخذ أبعاداً جديدة منذ الانفتاح . وهذه النقطة بالذات هي نطة في غاية الأهمية ، وقلّما تجد عناية من الباحثين الذين يتعرضون لهذا الموضوع اسمحوا لي بأن أفسّر ما أعنيه هنا .

إن مفهوم " الجامعة الوطنية " ، أو المشروع الومي إن شئتم، هو مفهوم يعود إلى السنوات المائة والخمسين الأخيرة .وهذا المفهوم لم ينشأ ولم ينْم في القرون الوسطى في مصر، بل ارتبط بمصر الحديثة، وكان معبراً عن المتطلبات الحقيقية لدخول العلاقات الرأسمالية خلال الاتصال بأوروبا الطامعة بالاستيلاء على ثرواتنا .

إلا أنها أفرزت نقضيها، أعني الطبقة الرأسمالية المحلة التي تطلعت إلى تأكيد سيطرتها على السوق الوطني، وما يرتبط بذلك من نمو وأفكار وممارسات تتناقض تماماً مع أفكار وممارسات وقواعد العمل في المجتمع الاقتصادي الراكد .

لقد نشأت هذه الطبقة من ورثة ملاّك الأبعاديات والشفالك على عهد محد علي، وتدعمت بعد الحرب الأهلية الأمريكية لزيادة الطلب على القطن المصري طويل التيلة، وهو محصول رأسمالي موجّه خارجياً بكل معنى الكلمة. ثم جاء قانون المقابلة وملكية الأراضي الزراعية فأصبح مركزها ثابتاً .

من هنا نشأ مفهوم " الجامعة الوطنية " على حساب مفهوم " الجامعة الإسلامية " الذي كان سائداً منذ قرون طويلة .ولقد كان من متطلبات هذا المشروع الوطني : الاستقلال والدستور ، وتبلور كل هذا في ثورة 1919 ، وفي طرح القضاء على مخلفات المجتمع الإقطاعي من مثل سيادة التعليم الديني ممثلاً بالأزهر ومدارس الكنيسة، وفي الدعوة إلى الأوقاف الأهلية ، إسلامية وقبطية، كنظام مناقش لمتطلبات النظام الرأسمالي.

وفي الدعوة إلى توحيد القضاء الذي استمر زمناً طويلاً موزّعا ما بين قضاء شرعي أو مجالس ملية وقضاء مدني وفْق التقنينات الفرنسية المرتبطة بالثورة الفرنسية ( قانون نابليون ) فضلاً عن الامتيازات القضائية الأجنبية .

ولقد كانت متطلبات المشروع الوطني الناشئ عن تغلغل العلاقات الرأسمالية هي التي طرحت كنْسَ أشياء قديمة من المجتمع القديم ، وقد قام الوفد ببعض هذه الإصلاحات عندما كانت له الوزارة ، ثم أنجز عبد الناصر خطوات أبعد مدى في هذا المضمار .

من هنا يمكن أن نرى بوضوح أن إشعال نار الصراع الطائفي في مصر الحديثة إنما استهدف أولاً مشروع " الجامعة الوطنية " ، وتلك سمة حديثة لم تكن مطروحة في مصر ما قبل العصر الحديث .

أما القوى الداخلية الأساسية التي استخدمت لضرب مشروع " الجامعة الوطنية " فهي قوى الإسلام السياسي بعد ثورة 1919 ، أي بعد نهوض الجامعة الوطنية وتثبيته ، وتمّ هذا لحساب أشدّ قوى اليمين تخلفاً في مصر ولمصلحة دولة الاحتلال .

إن مفارقات هذا الوضع هو أن مشروع " الجامعة الإسلامية " على يد الأفغاني وتلاميذه قد بدأ قبل ثورة 1919 كمشروع إيجابي لمواجهة القوى الأجنبية والنفوذ الأجنبي .والرواد الإسلاميون الأوائل كانوا يعون خطر الاستعمار الأوروبي من ناحية، ويعون إشكالية المشروع الحضاري الحديث من ناحية أخرى .

ولهذا لجأوا إلى محاولة خلق توازن بين " التحديث " والمحافظة على " الهوية " في مواجهة التحدي الأوروبي ، وقد فتح محمد عبده لهذا باباً في الاجتهاد العظيم .إن هذا هو الدور الإيجابي نفسه الذي لعبه مشروع الإسلامي السياسي، أو لنقُل " الجامعة الإسلامية " في المغرب العربي عموماً، وفي الجزائر خصوصاً، في مجتمعات شديدة التخلف اقتصادياًَ وفي ظل مشروع استيطاني أو إيطالي في المغرب، وما ارتبط بذلك من محاولة القضاء على اللغة القومية وإحلال الفرنسية أو الإيطالية محلّها .

أما في مصر وبعد ثورة 1919 بالذات ، أي بعد أن تأكد مشروع " الجامعة الوطنية " وتعمَّد بدماء المسلمين والأقباط ، فقد بدأ مشروع " الجامعة الإسلامية " يتحول إلى مشروع يميني محافظ واحتياطي لسلطان القصر وكبار الإقطاعيين .

ولم يتورّع عن محاولة استثمار " المسألة الطائفية لمصلحة تلك القوى نفسها وبالتعاون معها. وكان أول ما فكر فيه وعمل من أجله ـ عن طريق النظام الخاص، أي عن طريق الجهاز السري المسلح ـ هو الاستيلاء على السلطة ، وآخر ما يخطر في باله هو مقاومة الاستعمار الأجنبي .

ولا شك في أن تاريخ جماعة الإخوان المسلمين حافل بالوقائع التي تؤكد هذا، ابتداء من كتابات طارق البشري إلى الدراسة الهامة للدكتور رؤوف عباس بعنوان " الإخوان المسلمون والإنجليز " والتي نُشرت في مجلة " فكر " عدد ديسمبر 1985 .

لقد عادى الإخوان المسلمون – ولايزالون – الفكر القومي ( أنظر مقالة المرشد العام حامد أبو النصر في " الأهرام " حديثاً ودعوا إلى إقامة الخلافة ، وقالوا بأن الإسلام دين وجنسية ، وحتى في القضايا الدينية وقفوا مع الجمو لا الاجتهاد .

وعلى طول تاريخهم لعب الإخوان الدور الرئيسي في تأجيج الصراع الطائفي . فإذا نظّم وزير المعارف الوفدي عام 1937 تدريس الدين المسيحي للتلاميذ الأقباط بالمدراس الأميرية في فصول ( صفوف ) خاصة ، قالوا إن هذا تبشير وذبح للإسلام .

وهاجموا الدكتور محمد حسنين هيكل وزير المعارف لزيارته جمعية الشبان المسيحيين ووعده بمساعدتها .وكذلك هاجموا الشيخ مصطفى عبد الرازق لزيارته الجمعية، وبهي الدين بركات للسبب نفسه ولما ورد على لسانه من تمنّيه النجاح للجمعية .

وعندما أوغل شيخ الأزهر المراغي في الهجوم على الأقباط في خطاب ألقاه بمناسبة عيد الأضحى عام 1938 وتحدث فيه عن " الثعالب " الذين ركن الإسلام إلى مودتهم وهم يدعون إلى غير هذه المودة .. كانت صحيفة الإخوان المسلمين متجاوبة مع الشيخ المراغي .

وشدّدت الجريدة النكير على الوفد وعلى مكرم عبيد وعلى تطاول الثعالب على المسلمين وقالت إن خطة الوفد هي محاربة المسلمين وهدم الإخوان مادام المسيطر عليه هو " وليم مكرم عبيد المصري الإنجليزي والمسلم المسيحي وحبيب المسلمين اللدود " !

واستدلت المجلة على تآمر الوفد على الإسلام بما استهدفته الحكومة من إلغاء المجالس الدينية وتحويل اختصاص المحاكم الشرعية إلى المحاكم الأهلية وتعليم الديانة المسيحية للأقباط في المدارس ، " ثم جاءت مسألة الحفلة الدينية لمبايعة جلالة الملك فاروق – حفظه الله وأبقاه ذخراً للإسلام والمسلمين – فمانع الوفد إقامتها وهدّد فاروق بالاستقالة واستعدى الإنجليز لوقف الدروس الدينية التي بدأ في إلقائها فضيلة الشيخ الأكبر " .

وقد تظن أن دور الإخوان في إذكاء الصراع الطائفي قد اقتصر على المقالات في صحيفتهم، وهذا ليس صحيحاً.ففي المذكرة الرسمية التي وضعها وكيل الداخلية بمناسبة صدور أمر حلّ جماعة الإخوان في ديسمبر 1945 بعد اغتيالهم رئيس الوزراء النقراشي، أشارت المذكرة إلى قيام الجماعة بحرق كنيسة الزقازيق في 27 مارس 1947 وحرق الكنيسة القبطية بالجدرة بالإسكندرية بعد ذلك، وإحراق ترام شبرا عام 1946.

أما عن الاجتماعات الواسعة بين الإنجليز وقادة الإخوان فلن أدخل في تفاصيلها، مكتفياً بالإشارة إلى دراسة الدكتور رؤوف عباس التي سبق التنويه بها، وهي دراة موثّقة من مصادر مختلفة بما في ذلك وثائق وزارة الخارجية البريطانية التي أفرج عنها مؤخراً.

وكلها تؤكد أن الإخوان كانوا يفضلون التفاهم مع الإنجليز، وأنهم كانوا يعتبرون رسالتهم الأساسية محاربة الشيوعية، وأنهم كانوا مستعدّين لعقد اتفاق رأي لتنظيم استخدام قاعدة قناة السويس.

وإذا عدنا إلى بعض جوانب القضية الطائفية في الزمن الحديث ، فربما كان من المهم أن نشير إلى الفترة 19081911 كفترة توتر طائفي عنيف .ومع أن بعض المؤرخين يشير إلى بدايات جو الشقاق بمقال نشرته صحيفة " مصر " القبطية في مايو 1908 تهاجم جميع من وطأت أقدامهم مصر منذ بدء الإسلام سواء أكانوا عرباً أم أتراكاً أم فرنسيين أم إنجليز.

كما هاجمت فكرة الجامعة الإسلامية على أساس أنه لا دين مع الوطن ولا وطن مع الدين، مع ذلك كله يصرّ سلامة موسى على أن الشيخ عبد الله جاويش ، عضو الحزب الوطني ، هو المسئول عن الحوار الطائفي المتعصب في الصحافة المصرية .

فالذي حصل أن الشيخ جاويش كتب سلسلة مقالات في صحيفة " اللواء " حمل فيها بشدة وفحش على أقباط مصر بعنوان " الإسلام غريب في داره " ردّاً على مقالات صحيفة " مصر " .

وكان لمقالاته وقع شديد على الأقباط . ولقد أصدرت اللجنة الإدارية للحزب الوطني بياناً تتبرأ فيه من مقالات الشيخ جاويش . وأوغل الشيخ على يوسف في مهاجمة أقباط مصر في صحيفة " المؤيد " التي شاركت باستفاضة في هذا الشقاق العلني، كما ساهم في هذه الحملة الشيخ محمد رشيد رضا تلميذ الإمام محمد عبده .

وقد أدّى تداعي هذه الحملة إلى المؤتمر القبطي في أسيوط. ومع أن فكرة المؤتمر نشأت قبل اغتيال بطرس باشا غالي على يد الورداني عام 1910 ، وكان الأصل في هذا المؤتمر بحث الخلافات بين المجلس الملّلي ورجال الكنيسة ، فإن هذه الحملات الصحفية واغتيال بطرس غالي قد أعطت المؤتمر صبغة أخرى . وقد ردّ بعض المسلمين على هذا المؤتمر بمؤتمر آخر سموه المؤتمر المصري .

لقد تحدّدت مطالب الأقباط التي تجلّت في مؤتمر أسيوط في إقرار مبدأ المساواة في الوظائف العامة وتمثيل الأقليات في الهيئات النيابية وتوزيع ضريبة الـ 5% التي تجمعها مجالس المديريات لما يضمن استفادة الأقباط منها في تعليم أطفالهم وتقرير يوم الأحد يوم عطلة أسبوعية .

والحقيقة أن الأحداث التي أدت إلى المؤتمر القبطي كانت هي الأسباب المباشرة، لكن المناخ العام، كان أن سلطات الاحتلال عاملت الأقباط بتحفظ شديد – على عكس ما يظن البعض – ولم تعتمد عليهم أجهزة الدولة وإنما اعتمدت على موازنة المسيحيين من الشوام .

وكانت سلطات الاحتلال تعتقد أنها يمكن أن تعتمد على ولاء المسيحيين الشوام لها باعتبار أنهم ليسوا جزءاً من مواطني مصر ، فضلاً عن أن تدعيم الصلة بهم ذو ارتباط أصيل بمشروعات لندن في تصفية الوجود التركي بالشام والحلول محله ، الأمر الذي تمّ بالفعل خلال الحرب العالمية الأولى .

والحقيقة أن أقباط مصر واجهوا الاحتلال البريطاني بتحفظ ، وقد وقّع بطريرك الأقباط بيان الثورة العراقية بعزل الخديوي توفيق .وربما كان من المفيد هنا أن نستشهد بما كتبه كرومر في كتاب " مصر الحديثة " عن الأقباط عندما تساءل : " ما هو موف أقباط مصر تجاه المصلح الإنجليزي ؟ " .

ويقول كرومر مجيباً على السؤال : " ومن أقدر على محالفة الإنجليزي من الجماعة التي ترتبط به برباط الدين والتي قاست من اضطهاد المسلمين ؟ " .إلى أن يقول : " إن هذه الحجة تبدو صحيحة . ولكن مادمنا نتعامل مع الشرق غير المنطقي فيجب ألا نندهش إذا وجدناها خاطئة . فالحقيقة أن القبطي لم يكن ذا مشاعر شديدة الصداقة للمصلح الإنجليزي " .

والغريب أيضاً أن معظم العناصر القبطية التي قادت اجتماعات المؤتمر القبطي والعناصر المسلمة التي قادت المؤتمر المصري ( الإسلامي ) هي التي التقت بعد ذلك في ثورة 1919 كقيادة للوفد ، ومنها عناصر قبطية ومسلمة أثبتت جدارة فائقة في النضال وطني وفي الدفاع عن الدستور بعد ذلك .

فمن العناصر التي برزت في قيادة المؤتمر القبطي سينوت حنا وبشرى حنا ، ومنا لعانصر التي برزت في المؤتمر الآخر أحمد لطفي السيد وفتح الله بركات وعلي شعراوي وعبد الستار الباسل وعبد اللطيف المبكاتي وعلي الشمسي.

وكما يقول طارق البشري فإن كلاً من الطرفين كان يصدر عن أرضية فكرية واحدة تاريخياً وتكويناً نفسياً، ولم يتمادَ أحد من الأقباط إلى حد الدعوة إلى " قومية قبطية " إلا النزر اليسير، وكان الطابع العام للجدل في المؤتمرين هو طابع العتاب والمجاملة، وكان للعقلاء في أوساط الأقباط والمسلمين بالغ الأثر في أن تأتي قرارات المؤتمرين متوازنة بل مؤكدة على فكرة الجامعة الوطنية للمصريين جميعاً، مما جعل البعض في تعليقه على المؤتمرين يقول أنه إذا كان من الحق أن هذه الخصومة كانت قمة العنف في النزاع الذي ينذر بتصدّع الجامعة المصرية، فمن الحق أيضاً أنها كانت في الوقت نفسه الميلاد الحقيقي لفكرة الوطنية المصرية .

لقد كانت فكرة " الجامعة الوطنية " في آنذاك حديثة نسبياً، بدت براعمها في ثورة عرابي التي ضُربت وانتهت بالاحتلال، وكان ردّ فعل هذه الهزيمة نشوء مفهوم " الجامعة الإسلامية " على يد الأفغاني ومحمد عبده، وهو المفهوم النقيض ، وإن كان قد لعب آنذاك دوراً إيجابياً في تعبئة الشعر ضد التدخل والاحتلال الأجنبيين .

لكن آفة هذا المفهوم هو أنه عزل جزء من الشعب – الأقباط – عن بقية الصراع الوطني والديمقراطية .وفي ظل انتشار هذا المفهوم كان المؤتمر القبطي ثم المؤتمر الآخر. ثم جاءت ثورة 1919 لتكون بمثابة البلورة النهائية لمفهوم " الجامعة الوطنية " في مصر .

والغريب أن بعض من كانوا يحكمون مصر ، سواء القصر أم الإنجليز ، لم يستطيعوا أن يدركوا حقيقة ما كان يتحرك في أحشاء هذا الوطن من إرهاصات جديدة وعلامات فارقة .

فظل القصر يسعى إلى مشروع الخلافة الإسلامية بكافة السبل، وظل الإنجليز حتى عام 1922 عاجزين عن أن يروا ما تشهده مصر من علامات أمة جديدة جديرة بالاستقلال الوطني والحياة الديمقراطية .كتب كرومر، بعد أن غادر مصر ، إلى المعتمد البريطاني كتشنر في تاريخ مقارب لتكوين الجمعية التشريعية فيقول ما نصّـه :

" بالنسبة لأي تمثيل حقيقي للشعب المصري، تمثيل يمكن إلى درجة ما أن يحلّ محل الحكم الشخصي ، فإن من المحتمل أن يكون أكثر الأشياء حكمة في هذه الفترة، هو أن تُترك المسألة برمّتها .. إن التمثيل المصري بالمعنى الذي يستعمل فيه هذا التعبير هو محض سخافة .

ويرجع ذلك إلى سبب طبيعي وكافٍ وهو أن المصريين ليسوا أمة، وأنه بقدر ما يستطيع المرء أن يتنبأ فلا يبدو أنهم سيكوّنون أمة في أية ظروف خلال مدى حياة أي شخص يعيش الآن، وإنما هم تراكم عشوائي من عدد منا لعناصر المتنوعة والمولدة " .

ثم جاء أول اختبار لقوة الوحدة الوطنية بعد الثورة من خلال مناقشات لجنة الدستور بعد صدور تصريح 28 فبراير 1922 بشأن تمثيل الأقباط في المجالس النيابية والمجالس المحلية بنسبة تمثيلهم السكان .

ومن المفيد أن نذكّر اليوم بهذا لأن ثمة أصواتاً تقليدية ومحافظة في أوساط الأقباط – داخل الكنيسة وخارجها – تنادي بمثل هذا الرأي اليوم .. ففي جانب وقف داخل اللجنة توفيق دوس ومطران الإسكندرية وفهمي قلّيني يؤيدون فكرة التمثيل الطائفي، وكانوا في ذلك ممثلين للقوى الاجتماعية المتخلفة .

وفي الجانب الآخر خارج اللجنة وفت الأغلبية الساحقة من مثقفي الأقباط أبناء الطبقة البرجوازية يعارضون ، وكان على رأس هؤلاء ويصا واصف ، الرجل الذي وصفته صحيفة قبطية أيام 1911 بأنه يهوذا الأسخريوطي لأنه رفض الاشتراك في المؤتمر القبطي ، وسينوت حنا وسلامة موسى وسلامة ميخائيل وعزيز ميرهم وعشرات آخرون .

وقال سلامة موسى إن تمثيل الأقليات لا يفيد الأقباط لأن النظام البرلماني هو الحكم بالأكثرية . وقال ويصا واصف : " إن مصر لا تعرف أكثرية وأقلية .والقول بأن القبط أقلية هو حكم عليهم بأنهم أجانب .ولن يكون في مصر إلا أحزاب سياسية بمعناها العصري ، يكون فيها الأقباط مبعثرين " .

فلما سُئل عن المؤتمر القبطي الذي انعقد في عام 1911،وهو المؤتمر الذي قاطعه ويصا واصف قال : " إن هذا المؤتمر لم يكن إلا غلطة سياسية لن يتكرر وقوعها ".وقال عزيز ميرهم : " لو أن إعداد الدستور قد جرى على يد جمعية وطنية منتخبة ، لما سمعنا عن مثل هذه الترهات .

لكن اللجنة بها عناصر رجعية بعيدة عن الآراء الحرة ".إلى أن قال : " إن هذه القوانين كانت في الماضي دينية محضة، ثم تطوّر الجزء الغالب منها إلى مدنية بحكم الضرورة، ولم يندم أحد على ذلك .إن الأكثرية والأقليات الموجودة الآن لن تلبث أن تزول كما زالت آثارها في الغرب . وستحل محلها جماعات سياسية واقتصادية تخرج مها الأحزاب .

ومن الواجب على الدساتير أن تساعد هذا التطور لا أن تقاومه " .وقد حسمت المناقشات بشأن تمثيل الأقباط بالرفض الجماهيري الواسع مع المصريين عامة والأقباط خاصة، ورفضتها أغلبية كبيرة في لجنة الدستور .

وبعد إقرار الدستور وبدء الانتخابات، بدأت محاولات الدس الطائفي وافتعال الفتن الطائفية تطلّ برأسها مرتبطة دائماً بالمعركة الانتخابية وانتصار الوفد، حزب الجامعة الوطنية والقوى الوطنية الصاعدة، ذلك الانتصار الذي كان يثير رعب قوى القصر وأحزاب الأقلية والإنجليز ، والتي لجأت إلى تحويل الصراع السياسي إلى صراع طائفي بأمل التأثير في نتائجه .

ولقد لعب حزب الأحرار الدستوريين في أول معركة انتخابية بعد إقرار الدستور دوراً محزناً في تأجيج هذا الصراع الطائفي، رغم كونه الحزب الذي أتى من صلب حزب الأمة صاحب شعار " مصر للمصريين " .

وكان الدافع في نغمة الهجوم على الأقباط هو في الحقيقة أن مرشحي حزب الوفد – أقباطاً ومسلمين – كانوا من الأفندية الذين ينافسون " أصحاب المصالح الحقيقية " من باشوات الأحرار وكبار الملاّك .

وعندما خطب سلامة ميخائيل بأحد المساجد مهاجماً حملة الأحرار الطائفية كتبت جريدة " السياسة " تقول إنها تكره أن يعتلي سلامي ميخائيل منبر رسول الله ! ولقد اتبع الوفد سياسة تأكيد " الجامعة الوطنية " في معاركه الانتخابية بترشيح ممثلين له في أماكن ليس له عصبيات عائلية أو قبلية .

فويصا واصف رُشح بالمطرية ( الدقهلية ) مع أنه من أبناء الصعيد، وراغب اسكندر رُشح في دائرة أشمون ضد عيسوي باشا زايد حيث عصبيته هناك، وبطرس حكيم في دائرة مراغة بلد الشيخ المراغي، وغالي إبراهيم ( بحيرة ) وهو ليس من أهالي الدائرة التي هي موطن لقبائل بدو حديثة التوطين .

وفي كل هذه الدوائر اكتسح الوفد، وشجع كل مرشحيه من الأقباط وعددهم ستة عشر مرشحاً من بين مائتي نائب وفدي في أول مجلس نيابي يتكون من 214 نائباً ، وكان نواب حزب الأحرار ستة لا غير .

ولقد استمر الهجوم دائما على الوفد باعتبار أن الأقباط يسيطرون على قيادته، وظل هذا هو الموقف خلال العشرينات والثلاثينات إلى لحظة انشقاق مكرم عبيد على الحزب في عام 1934، واستغل القصر الأزهر وطلبة الأزهر في هذا المضمار ، كما لعب حزب " مصر الفتاة " دوراً محزناً في هذا الميدان في الثلاثينات، وإن كان قد تراجع عن هذا الموقف بعد ذلك .

أما جماعة الإخوان المسلمين قد كانت دائماً في طليعة القوى السياسية الساعية إلى إشعال نار الفتنة الطائفية باسم الدفاع عن الإسلام .وإذا كانت ثمة إغراء بالاستطراد إلى التفاصيل، فيحسن أن أتوقف عند هذا الحدّ تاركاً لمحاضرة الأسبوع القادم عن " المشكلة الطائفية في تاريخ مصر الحديث " للدكتور عاصم الدسوقي مهمة بحث هذا الموضوع في أبعاده المختلفة .

وقد يكفي الآن أن أشير إلى التطورات الحديثة في السبعينيات والثمانينيات للمشكلة الطائفية فأقول إن هذه المسألة قد أخذت أبعاداً في عهد الانفتاح لم تأخذها إطلاقا من قبل على طول تاريخ مصر، الأمر الذي يوضح جسامة وخطورة المشكلة في سياقها الحديث .

في أوائل السبعينيات مات كل من الزعيم الوطني جمال عبد الناصر والبابا كيرلس السادس ، وانتُخب السادات في أكتوبر 1970 رئيساً للجمهورية والبطريرك شنودة الثالث عام 1971 رئيساً للكنيسة القبطية . وهذان الحدثان الكبيران كانا نقطة تحوّل في القضية الطائفية وفي العلاقة بين الدولة والكنيسة كذلك .

ولقد حاول السادات ونجح في تغيير توجهات النظام السياسية والاجتماعية والداخلية وعلاقاته الخارجية، وتبلور كل هذا في ما عرف بسياسة الانفتاح التي كانت في الحقيقة سياسة التبعية للولايات المتحدة ، واستيعاب الاقتصاد المصري كجزء تابع من الاقتصاد الرأسمالي المعاش ، وإزاحة القوى الاجتماعية التي كانت تقود المرحلة الناصرية وذلك لمصلحة كبار ملاّك الأراضي وكبار التجار والجماعات الطفيلية التي كانت متوازية في المرحلة الناصرية انتظاراً للظتها الحاسمة في الانقضاض .

ولقد جرى شيئان هامان في تلك المرحلة كانا بمثابة إرهاصات للصراع الطائفي خلال الانفتاح : أولهما الإفراج عن قيادات وعناصر الإخوان التي كانت معتلقة خلال المرحلة الناصرية، وثانيهما النص في الدستور على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع. وكان للأمرين صلتهما الواضحة بسياق الأحداث التي وقعت بعد ذلك .

ومن أول هذه الأحداث توزيع منشورات على نطاق واسع في مارس 1971 بالإسكندرية تدّعي أن البابا شنودة يقوم بحملة تبشيرية لتحويل المسلمين إلى مسيحيين .وبعد ذلك بفترة وجيزة حاول أشخاص مجهولون حرق كنيسة في الخانكة ، وفي الأحد التالي للحداث قام بعض الأقباط من القاهرة يقودهم عدد من رجال الدين بالذهاب إلى موقع الكنيسة بالخانكة حيث صلّوا هناك.

وفي المساء عندما علم المسلمون المحلّيون بهذا في الجامع تظاهروا في الشارع محتجين على ذلك. وقد ادعى البعض أن شخصاً يظن أنه من الأقباط قد أطلق النار في الهواء، وبهذه الحجة قام المتظاهرون بحرق منزله ومنزل أقباط آخرين ونهب محلاتهم .ومنذ عام 1972 تزايدت نشاطات جماعات إسلامية مختلفة، واتسم جزء من هذه النشاطات بإشعال نار الفتنة الطائفية .

ولقد حاولت إحدى هذه الجماعات الاستيلاء على الكلية الفنية العسكرية (جماعة حزب التحرير الإسلامي)، واختطفت أفراد من حزب التكفير والهجرة وزير الأوقاف الشيخ الذهبي وقتلوه .

وفي هذا السياق حدثت مصادمات واسعة في يناير 1977 بين المسلمين والأقباط في الصعيد ، خصوصاً في أسيوط وسمالوط .ثم استمرت واتصلت هذه المصادمات حتى اليوم، فهناك أحداث المنيا وأسيوط في مارس 1979 جرت محاولة لحرق كنيسة أبو زعبل في هذه الفترة نفسها .

وفي مارس 1979 جرت محاولة لحرق كنيسة قصريات الريحان بالقاهرة، وشهد يوم 6 يناير 1980 انفجار عدد من القنابل في عدة كنائس بالإسكندرية.ولقد فاقم من هذه الأوضاع تقديم الحكومة مشروع قانون للبرلمان، وهو ما عرف بقانون الردّة الذي يجيز عقوبة الإعدام لمن يتحولون عن الإسلام إلى دين آخر أو إلى " الإلحاد " .

ولقد ردّت الكنيسة على ذلك بالدعوة إلى الصيام لكل الأقباط لمدة خمسة أيام، وتظاهر الأقباط المهاجرون في الولايات المتحدة وكندا واستراليا احتجاجاً على مشروع هذا القانون .

وفي هذا الجو المتوتر لعب السادات دور مشعل النيران بتوجيه عدد من الاتهامات علناً إلى البابا شنودة، فألهب بذلك – عن قصد – المشاعر على الجانبين ، حتى حدثت أحداث الزاوية الحمراء بالقاهرة في يونيو 1981، وهي أحداث اتصل فيها العنف الطائفي الرهيب ثلاثة أيام وانتهت إلى 17 قتيلاً منهم تسعة من الأقباط وسبعة من المسلمين وواحد مجهول، وإلى 112 جريحاً وتدمير 171 مكان عام وخاص تدميراً كلياً أو جزئياً .

ولقد كانت أحداث الزاوية الحمراء بمثابة الإرهاصات الأولى لم تمّ بعد ذلك حيث حاول السادات أن يلصق بأحزاب المعارضة والكنيسة ورجال الدين الإسلامي مسئولية انفجار الأحداث الطائفية، وتمّ اعتقالهم على هذا الأساس في أوائل سبتمبر 1981 .وفي أكتوبر 1981 قامت إحدى هذه الجماعات الإسلامية ( الجهاد ) باغتيال السادات نفسه .

والذي لا شك فيه هو أن نظام الساداتوالسادات شخصياً – وجهاز دولته قد لعبت دوراً رئيسياً في إشعال نيران الصراع الطائفي وفي الإبقاء على هذه النيران مشتعلة، ليس فقط بافتعال معارك مع الكنيسة وبالتسامح وسعة الصدر اللذين وجهت بهما الجماعات الإسلامية زمناً طويلاً باعتبارها قوى تقف في وجه اليسار والمعارضة في الجامعة والنقابات، وإنما أيضاً في الدور الذي لعبه الحزب الوطني الديمقراطي في كارثة الزاوية الحمراء بالذات ، وفي تخلّي وزير الداخلية آنذاك عن مسئوليته في المحافظة على الأمن والنظام، وذلك لمصلحة الجماعات المشعلة للنيران .

ولقد كان السادات ورجاله يتصورون أنهم بهذا يدعمون سلطة القوى الجديدة التي استولت على الحكم بعد المرحلة الناصرية، ويؤكدون دورهم تحت ستار حماية الإسلام، ويحرفون الصراع من منطلقات الوطنية إلى منطلقات طائفية غير مثمرة. حتى جاءت الطلقة النقيضة من جانب إحدى هذه الجماعات بالذات في 7 أكتوبر 1981 .

والآن ،وبعد أن انتهى حكم السادات مازالت المشكلة الطائفية قائمة كما هي، ولعل الأحداث الأخيرة التي جرت منذ أسابيع في بني سويف والمنيا وسوهاج وكفر الشيخ تكوّن دليلاً ناصعاً على أن كل العوامل التي تلد هذه الصراعات الطائفية مازالت قائمة .

ولعل المفيد في ختام هذا المدخل العام لسلسلة الندوات التي تنظمها لجنة الدفاع عن الثقافة القومية عن هذا الموضوع خلال الأسابيع المقبلة – أقول لعله من المفيد أن أشير إلى بعض الجذور المطروحة المتصلة بهذه المشكلة، والتي بدون فهمها يستحيل علينا أن نتفهم بعمق حقيقة هذه الظاهرة وتالياً طرق مواجهتها .

ولقد أشرنا من قبل إلى قناعتنا بأن ظاهرة الصراع الطائفي ليست في الأساس ظاهرة دينية، وإن كان الدين يُستغل فيها كقناع، وبأن هذه الظاهرة هي في حقيقتها ذات جذور اجتماعية وثقافية .

وإذا كان بعض المشاركين سوف يتولّون في الندوات القادمة التعرض بالتفصيل لهذه العوامل، إنه أنه يحسن أن نشير إلى بعض هذه الجذور الاجتماعية والثقافية الواردة ضمن هذه الظاهرة .

لقد اشرت قبل قليل إلى أن ظاهرة الصراع الطائفي التي تجلّت في أواخر القرن وخلال العشرينيات وما بعدها والتي لعبت فيها أحزاب الأقلية والقصر وبعض كبار رجال الأزهر وجماعة الإخوان المسلمين ، وتبلورت في محاولات إحياء الخلافة.

والتي استفادت منها دولة الاحتلال، قُصد بها في الأساس ضرب وزعزعة مشروع " الجامعة الوطنية " في مصر الذي كان قد تأكد بثورة 1919 بقيادة الوفد ، وما صاحبه من انتزاع الدستور ، كما قصد بها طمس الصراع الطبقي لمصلحة السراي وكبار الملاك والرأسماليين .

وقد استمر هذا الصراع وضمن آلياته بعض الوقائع بأمل الاستفادة منها في تأجيج نيران الفتنة . من هذا حقيقة أن نسبة التعليم في أوساط الأقباط كانت أعلى منها في أوساط المسلمين وأن العلاقات الرأسمالية عندما بدأت تزحف إلى مصر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر كامتداد للنمو الرأسمالي الأوروبي قد استفاد منها بعض عناصر الأقباط ، سواء تلك التي تحولت إلى البروتستيانتية أم التي أبقت على ولائها للكنيسة القبطية .

ولقد لعب بعض هذه العناصر – كما يشير كثير من المراجع – دوراً هاماً في توسيع الأنشطة المرتبطة بالنمو الرأسمالي المحتشد حول زراعة القطن بالذات، ومعاصر قصب السكر، ومعاصر زيت بذرة القطن والتسليف لحساب المحصول وتصديره والدخول في مشروعات تجارية عديدة جنباً إلى جانب النشاط الزراعي .

وفي هذا السياق تحوّل بعض هؤلاء المزارعين أو التجار إلى أعمال المقاولات في الأشغال العامة . فمكرم عبيد نفّذ هو وشقيق له أعمال الإنشاءات في خط السكك الحديدية بين نجع حمادي والأقصر ، وعند إتمام المشروع قلّده الوالي " الوسام المجيدي " وأنعم عليه بالبكوية .

ومن أسماء العائلات التي برزت في هذا المجال – وفق كتاب طارق البشري – ويصا وخياط وأبو طاقية في تجارة الأقمشة والماشية والغلال .وبسبب العلاقات بين أفراد هذه العائلات والجالية الأجنبية، أصبح بعض القيادات القبطية في الصعيد وكلاء قناصل لدول أوروبية في أسيوط قبل ثورة 1919 .

وعندما ذهب متري حنا لمقابلة وكيل وزارة الداخلية عام 1911 مستأذناً في عقد المؤتمر القبطي ، وبدا أن الحكومة تعترض .قال لوكيل الوزارة إنه إذا أرادت الحكومة منع المؤتمر فسوف نُرغَم على الاحتماء بأعلام الدول التي يتبعها فريق منا. وكان هذا القول إشارة إلى أن بعض أعضاء المؤتمر يتمتع بحماية الدول الأجنبية بوصفهم وكلاء لقنصلياتهم في الصعيد .

وعندما ذهب وفد من أعيان الأقباط للتفاوض مع سعد زغلول على دخول قيادة الوفد عام 1918 رحّب سعد زغلول بذلك وطلب منهم ترشيح واحد منهم لذلك ، فرشحوا واصف بطرس غالي ، لكن سعد زغلول كان ميّالاً إلى ويصاً واصف الذي كان حاضراً الاجتماع ، واعتذر ويصا واصف ، وكان من الدواعي التي أبداها أنه قنصل فخري للولايات المتحدة في أسيوط .لقد أردت بهذا الإشارة إلى بعض آليات الصراع الطائفي القديمة وبعض جذوره .غير أن الوضع في السنين الأخيرة ذو طبيعة مختلفة عن الأوضاع والجذور القديمة .

فالحاصل أن هذا الصراع في السنوات الأخيرة وثيق الصلة التطورات التي حدثت في الاقتصاد المصري والسياسة المصرية في الانتقال من المرحلة الناصرية إلى المرحلة الساداتية ، من المشروع القومي المعادي للإمبريالية والقائم على أساس التنمية المستقلة والبعد العربي للنضال ... إلى مشروع التبعية والانفتاح والتسليم بالمشروع الصهيوني .

وقد اقتضى هذا الانتقال إعادة تركيب الاقتصاد المصري بما يسمح باستيعابه ضمن النظام الرأسمالي العالمي وتوسيع الفوارق الداخلية بين الطبقات الاجتماعية وضرب مصالح العمال والفلاحين ودفعها إلى الخلف وتأكيد سيطرة شرائح اجتماعية جديدة ذات توجهات طفيلية مرتبطة بالمصالح الغربية .

ومن شأن هذا التغيرات البالغة بالفئات الحاكمة إلى البحث عن أيديولوجية مغايرة لأيديولوجية النظام المصري ذات الطبيعة المعادية للإمبريالية ، ذات التوجهات الاشتراكية، ولقد وجدت الفئات الحاكمة الجديدة ذات الارتباط الوثيق بالغرب وبالمصالح الخليجية في أيديولوجية الإسلام السياسي منفذاً لها وأسلوباً لتدعيم موقفها في مواجهة الأرضيةا لفكرية الناصرية، ذات التأييد الشعبي ، والطبقات الأخرى .

وفي هذا الإطار والسياق التاريخي يمكن فهم ظاهرة الصراع الطائفي كأحد نواتج أزمة التحول الجديد الذي بدأ في مصر منذ سياسة الانفتاح .لا أريد أن أطيل أكثر من هذا لأن المجال سيكون واعاً لمناقشة كثير من جوانب هذه الظاهرة ، ولأنني مكلف فقط بتقديم مدخل عام لموضوع الدراسة ، من دون ادعاء أننا نحتكر الحقيقة التي نأمل جميعاً في الوصول إليها من خلال الحوار ، والسلام .

جذور المسألة الطائفية في مصر الحديثة

د.عاصم الدسوقي

ليس هذا بحثاً في العلاقات بين المسلمين والمسيحيين في مصر على مر التاريخ منذ تجاورت العقيدتان ، كما أنه ليس بحثاً عن مظاهر التضامن بين طوائف الأمة الواحدة، فذلك حديث مكرر ومعاد .

وإنما هو بحث في جذور المسألة الطائفية أو الفتنة الطائفية، منذ بدأ الشعور بوجود فرو بين المسلمين والمسيحيين تعطي للمسلمين – وهم الأغلبية – شعوراً بالتعالي والتمايز على المسيحيين؛

وذلك اعتماداً على أن الإسلام جاء خاتمة للأديان وأنه دين الدولة الرسمي .كما أنه ليس تعاطفاً وعطفاً على المسيحيين من منظور فوقي، وإنما هو بحث في أسباب غيبة حقوق المواطنة الكاملة بين الجميع .

والعودة إلى الماضي شيء على درجة كبيرة من الأهمية لفهم الحاضر والتخطيط للمستقبل . وعلينا في هذه الحالة أن نتعرف على أسباب الفتنة : هل هي ذاتية تتعلق بطبيعة الأشياء الثابتة المطلقة، أم هي غير ذاتية وتتعلق بالظروف الموضوعية المتغيرة والنسبية وغير المطلقة. ومن واقع الأسباب المكتشفة تبدأ المواجهة والعلاج .

وفي البحث عن الأسباب نحن أمام فرضيتين لقراءة تاريخ مصر:فرضية تقول بوحدة وتآخي وتآلف واندماج عنصري الأمة كقاعدة ثابتة، وأن ما خلا ذلك يدخل في باب الاستثناء.

وفرضية عكسية تقول بوجود تفرقة كقاعدة وبأن ما خلا ذلك يدخل في باب الاستثناء.وقارئ التاريخ على أساس إحدى الفرضيتين سوف يجد أدلة وشواهد وتفاصيل تثبت فرضيته التي تنتهي بقانون يحكم كل العلاقات .

أما قراءة التاريخ على أساس الفرضية الأولى ( وجود وحدة وتآخي وتآلف .. ) فلن تفسر اشتعال نار الفتنة بين آونة وأخرى، وتطور مظاهر التعبير عنها من الجدال النظري بين مثقفي العقيدتين إلى الاعتداء على الأرواح والحرمات بأيدي المتهوسين .

كما لا يفيد في التعليل القول بوجود أصابع أجنبية خفية وراء الحوادث، لأن هذه الأصابع ما كانت لتنشط لولا وجود ما يشجعها على العبث من أمور غير سوية قلقة .

ولقد درج أصحاب هذ الفرضية على وصف حوادث الفتنة الطائفية دوماً بأنها حوادث الفتنة الطائفية دوماً بأنها مؤسفة وعارضة، مع استحضار شعار ثورة 1919 الخاص بوحدة الهلال والصليب، والإشارة إلى مظاهر التآخي التي تبدو في الاجتماعات التي تنظم رسمياً للتغلب على واقع الفتنة واستيعابها. وهذه القراءة تمثل غالباً وجهة النظر الإسلامية ( الأغلبية ) وبعدها تعود الأمور إلى سيرتها الأولى .

أما قراءة التاريخ على أساس الفرضية الثانية ( وجود تفرقة ) فلابد وأن تفسر اشتعال نار الفتنة، وهي تركز أساساً على مظاهر التفرقة والشعور بعدم المساواة في الحقوق بين عنصري الأمة .

وبداهة فهذه القراءة تعتبر رد فعل للقراءة الأولى ، وتعبر عن الأقلية المسيحية والأقلية المسلمة غير المتعصبة، وتلتقي مع القراءة الأولى في استحضار شعار ثورة 1919 كلما جد الخطب .

والحق أن هذه القراءة ( الثانية ) – في تقديري – أصلح القراءات التي تبحث عن أسباب الفتنة الطائفية وصولاً للمعالجة والمواجهة ، طالما أن حوادث الفتنة لم تنقطع ولا يبدو أنها سوف تنقطع ما بقيت السياسات التي تشعلها من آن لآخر .

وثمة أسئلة تفرض نفسها عند البحث عن الأسباب من نوع : ما هي علاقة الدين بالوطنية.. ومن الذي ربط بين الوطنية الواحدة والدين الواحد.. ومن الذي جعل من الصفة الجغرافية صفة دينية ..

وهل حقيقة أن الإنجليز كانوا وراء إثارة الشقاق باحتضانهم المسيحيين ، كمنهج استشراقي استعماري ، دون أن تساعد الأعراف القائمة في البلاد على نجاح تلك السياسة .

وإذا كان ذلك حقيقياً فهل يجب أن نتغافل عن السياسة العثمانية في بلورة الفروق الطائفية ، مما استدعى القوى الأوروبية إلى التدخل لحماية الأقليات بدعوى حماية المسيحية ؟ على كل حال .. إن العودة إلى التاريخ تؤدي إلى إنعاش الذاكرة ، وإلى تصويب ما وقر في الأذهان من أخطاء .

كما أن استخدام العقل وليس العاطفة يساعد على وضع الأمور في نصابها الصحيح وفرض روح التسامح بين الجميع ، ودفع عجلة المواطنة قدماً إلى الأمام بكل ما تعنيه من مساواة في الحقوق . وليس هذا بغريب أو ببعيد على بلد كمصر التي نجحت في تمصير كل ما وفد إليها من عقائد وأفكار .

والآن .. سوف نحاول تتبع الوقائع التي صنعت الشعور الطائفي ومن ثم الفتنة الطائفية بين المسيحيين والمسلمين .واسترداد وقائع التاريخ يفرض علينا العودة الفتح العربي لمصر (القرن السابع) حين حمل العرب الفاتحون معهم العقيدة الإسلامية والحق أن المصادر التاريخية لا تشير إلى قيام فتنة طائفية في تلك الأيام المبكرة من الفتح ، على عكس ما كان بين الرومان ومسيحيي مصر في الفترة السابقة عليه .

ولكن يمكن القول بشكل عام إن وجود حكم إسلامي وأغلبية إسلامية ، تتزايد يوماً بعد يوم وتتولى أمور السياسة والإدارة ، لابد وأن يترك ظلالاً وشوائب على العلاقات .

وعلى هذا سوف نبدأ من عصر محمد علي (1805 – 1848) على أساس أن هذا العصر يمثل علامة فارقة بين عصرين بالنسبة للوضع الطائفي وبالنسبة للتعامل مع غير المسلمين ( أهل الذمة )، ومن حيث تمهيد الطريق للمواطنة التامة .

كان للأقباط دور تقليدي في إدارة الشئون المالية لما اشتهروا به من تخصص في الحسابات وتقدير الضرائب وجبايتها، فكان منهم قياسوا الأرض والنساخون والصيارفة والوازنون وكتبة الحسابات .وكان المماليك يعهدون إليهم بإدارة أموالهم الخاصة . أيام الحملة الفرنسية (1798 – 1801) تقلدوا وظائف تنطوي على مسئوليات مهمة .

وعندما تولى محمد على حكم البلاد احتفظ الأقباط بهذه المهام التقليدية، بل زادت مسئولياتهم التنفيذية بحكم زيادة نفوذ دولة محمد علي واضطلاعها بمسئوليات جسام في بناء المشروعات . فكان منهم مستشارو الحاكم نفسه ( محمد علي ) وبعض كبار الموظفين ، بل لقد أمر الباشا بإصلاح وترميم الكنائس على نفقة الدولة ، واهتم بأمر التعليم في الكتاتيب القبطية .

ولم يجند محمد علي الأقباط في الجيش إجبارياً ، وبالتالي لم يكن لهم نصيب في البعثات التي أرسلها إلى أوروبا من 1826 حيث كانت البعثات ذات أغراض عسكرية وليست مدنية ، باستثناء بعثة إبراهيم السبكي لفرنسا في 1845 في أواخر عصر محمد علي لدراسة الطب البيطري وفق رواية ايريس حبيب المصري في كتابها " قصة الكنيسة القبطية " .

وربما لا يعد هذا موقفاً لمحمد علي من المسيحية كديانة ؛ لأن بعثاته تضمنت مسيحيين غير مصريين وأرمن ، وذلك وفق رواية الأمير عمر طوسون في كتابه : " الجيش المصري " .

وعندما فرض محمد علي نظام " العونة " الذي يعني إسهام الفلاحين إجباراً في شق الترع والمصارف والقنوات وبناء الجسور وتقويتها اتقاء الفيضان ، استثنى منها سبع فئات ، من بينهم العلماء والفقهاء والذين يتلقون العلم بالمساجد والمدارس وخدمة المساجد والأضرحة والقسس والرهبان والحاخامات وخدم الكنائس والمعابد وسائر الأديان .

ثلاث شهادات رسمية لأجانب

وأمامنا ثلاث شهادات رسمية لأجانب عن وضع الأقباط في مصر في عصر محمد علي:

وأولى هذه الشهادات تقرير دوهاميل القنصل العام لروسيا في مصر في عهد القيصر نيقولا ، والذي جاء لمصر في 1834 ورفع تقريراً لحكومته في يوليو 1837 جاء فيه : أما الأقباط سكان البلاد الأوائل الذين ظلوا على ولائهم للنصرانية فيكادون يشتغلون جميعاً مظفين في المصالح ، كتاباً ومحاسبين ، ومنهم من تفرغ للزراعة .

وإن كانوا قد احتفظوا بسلامة عقيدتهم الدينية ، إلا أن لغتهم انمدجت في لغة الفاتحين حتى أصبح من غير الممكن العثور على من يفهم منهم اللغة التي كتبت بها كتبهم المقدسة .

وثاني هذه الشهادات ما أورده جون بورنج المبعوث الإنجليزي في تقريره للخارجية البريطانية في مارس 1839 حيث يقول : لا ريب أن نفوذ القبط آخذ في الازدياد، وقد يكون لهم في قابل الأيام أثر غير ضئيل في تاريخ مصر .

وقد مرت بهم قرون ذاقوا فيها ألواناً من قسوة الألم ومرارة الاضطهاد. وكان الأتراك يعتبرونهم طائفة المنبوذين في الشعب المصري . وحالياً يستخدم عدد كبير منهم في المصالح العامة .

وأما اضطهاد المسلمين للقبط فقد زال أو كاد. وفي المسيحيين ما في المسلمين من روح المحافظة ولا فرق بين الطائفتين في أسلوب الحياة المنزلية فالحجاب مضروب على نسائهم سواء أكانت راجعة إلى أصل إسلامي أم أصل مسيحي .

ونحن عنوان " المسيحيون في أمان " قال جون بورنج في تقريره : ليس هناك في الوقت الحاضر من يتعرض لأقل مضايقة بسبب عقيدته الدينية.ويؤدي القبط شعائرهم الدينية في حرية تامة ، ويبدي ولاة الأمور استعدادهم لتلبية النداء على الفور عند أية بادرة من بوادر التدخل في طقوس المسيحيين ، ويذكر بورنج أنه لما أبلغ محمد علي دهشته من أن الحجاج الذاهبين إلى مكة يستعملون بواخر الكفار التي تمخر عباب البحر الأحمر ، أجاب الباشا ضاحكاً : إن الثرآن لم ترد فيه كلمة واحدة ضد هذه البواخر .

وثالث هذه الشهادات تقرير اللورد باتريك كامبل إلى الخارجية البريطانية أيضاً في يوليو 1840 ، حيث أشار إلى أن الأقباط يشغلون مناصب في خدمة الباشاويؤدي لهم الحرس ومن إليهم نفس ما يؤدونه من تحية وتبجيل لنظرائهم الأتراك والحقيقة أنه لا يوجد بلد أكثر تسامحاً من مصر .

وفي عهد سعيد باشا ، وفي عام 1855 صدر قرار بتجنيد المسيحيين في الجيش وإلغاء الجزية المفروضة عليهم ( كأهل ذمة ) .وفي أغسطس 1880 ( عهد توفيق ) وقبيل الاحتلال البريطاني وخلال المواجهة مع القوى الأجنبية، صدر قانون القرعة العسكرية بتكليف كل مصري بالخدمة العسكرية بدون تمييز ديني أو اجتماعي وإعفاء رجال الدين الإسلامي والمسيحي من التجنيد .

وعند إنشاء أول مجلس نيابي مصري على عهد إسماعيل في 1866 كان من حق كل شخص بلغ الخامسة والعشرين من عمره ترشيح نفسه للمجلس دون شروط سوى أن يكون أميناً ومخلصاً ومولوداً في مصر .

ويذكر لإسماعيل أنه أرسل الأقباط في بعثات خارجية، وأنه تبرع للبطريركية القبطية ببعض التفاتيش الزراعية لتنفق منها على تثقيف فقهاء الدين بها ؛ وأنه أمر ممثلي الحكومة في الأقاليم باستقبال البطريرك في طوافه بالبلاد استقبالاً لاقئاً .

ثم جاء الاحتلال البريطاني .. وبدأت السلطات البريطانية تمارس في مصر لعبة الطوائف التي لعبتها في الهند وأدت أغراضها في الصراع الطائفي تحت شعار " فرق تسد " . فأخذت الفرقة تدب في الصفوف ، وأخذ كل فريق يتنبه إلى ذاته الدينية ، وأخذ الانتماء إلى الأرض والوطن يسقط ليعلو عليه الانتماء إلى العقيدة .

واحتمى كُـلٌّ في عقيدته مؤمناً بأن حماية ذاته وعقيدته لا يتأتى إلا بالهجوم على العقائد الأخرى . وساد اعتقاد بين المسيحيين بأن الرابطة الدينية المشتركة بينهم وبين الإنجليز والأجانب بشكل عام أقوى من رابطة الوطنية ، فاندفع نفر منهم يصانع الإنجليز ويظاهرهم . وأصبح التنافر يجري مجرى الأعراف .

وقد ترفق مع هذا حركة الجامعة الإسلامية ، وتأكيد الرابطة العثمانية على لسان مصطفى كامل وجريدة اللواء وكتابها ، وفي طليعتهم الشيخ عبد العزيز جاويش ، فتعمت الطائفية مهما كان حسن النوايا .

وقامت صحيفة مصر التي كان يصدرها تادرس المنقبادي خلال المدة من 1908 – 1911 بحملة عنيفة لإثارة التفرقة ، وكانت الصحيفة مشهورة بأنها تظاهر الاحتلال البريطاني .

وكتب قرياقص ميخائيل مراسل صحيفة الوطن بالإسكندرية كتابه عن مطالب الأقباط عام 1910 ، ناهيك عن المؤتمرين القبطي والإسلامي ( مارس ومايو 1911 ) .

ولقد أسفرت هذه الأمور عن إيحاء بريطاني بمراعاة تمثيل الأقباط كحل للمشكلة . فبدت بريطانيا كحامية للأقباط . واتخذت الأمور شكلاً قانونياً عند إنشاء الجمعية التشريعية في 1913 حين تقرر التمثيل الطائفي فيها .

وكانت مشروعات برونييت في الإصلاح السياسي التي قدمها في أواسط نوفمبر1918 والتي أثارت الوطنيين تقوم على تقدير الأساس الطائفي .

وبلغت هذه السياسة قمتها في تصريح فبراير 1922 عندما احتفظت إنجلترا لنفسها بحق حماية الأقليات رغم وحدة الأمة في ثورة 1919 . فبدا الأمر وكأن إنجلترا تريد أن تحتفظ لنفسها بحق التدخل والاستمرار في مصر لعرقلة المسيرة الوطنية بعد الاستقلال .

ومع بدايات عمل اللجنة العامة لوضع دستور 1923 ، ترددت شائعات قوية وخاصة في الأقاليم مفادها أن وزارة عبد الخالق ثروت وزعت أمراً سرياً على المصالح الحكومية يقضي بملاحظة أن تكون نسبة الموظفي الأقباط إلى المسلمين عند التعيين 1 : 12 وقيل وقتها إن ذلك من اقتراح الإنجليز .

وخلال عمل اللجننة قدم الشيخ محمد بخيت مفتي الديار المصرية وعضو اللجنة اقتراحاً بأن يتضمن الدستور مادة تنص على أن دين الدولة هو الإسلام ، فدعا هذا الاقتراح صحيفة الوطن إلى الاحتجاج بقولها إن هذا عامل من عوامل التفريق : " كنا في غنى عنه لأنه إذا كانت أغلبية البلاد من المسلمين ففيها عدد وافر من غير المسلمين " .

ونوقشت مسألة تمثيل الأقليات الدينية ، ولكن رفضت الاقتراحات المقدمة في هذا الشأن رغم ما يل على لسان توفيق دوس من أن النص على تمثيل الأقباط يبطل تحت تحفظ حماية الأقليات الوارد بتصريح فبراير 1922 .

ثم صدر دستور 1923 خالياً من أي حكم يتعلق بالتمثيل النسبي للأقليات ومتضمناً كافة الأحكام الخاصة بكفالة المساواة في الحقوق للمصريين جميعاً بصرف النظر عن الدين أو الجنس أو اللغة أو غيرها ، مع حرية الاعتاد الديني وحرية ممارسة الشعائر الدينية .

فكان ذلك انتصاراً واضحاً لوحدة صفوف الأمة في ثورة 1919 ضد الإنجليز والتي مثلها الوفد بتجميعه لكل الفئات والشرائح . ورغم هذا ففي مصر يوجد فرق بين القانون وبين التطبيق والممارسة . والقانون كبيت العنكبوت تقع في حبائله الهوام الصغيرة وتعصف به الهوام الكبيرة.

في تلك الأثناء جاءت على ساحة العمل السياسي في مصر عوامل أسهمت في الانقضاض على روح الدستور وح المواطنة . فقد ألغي كمال أتاتورك الخلافة كنظام حكم في تركيا عام 1924 ، وتطلع الملك فؤاد إلى المنصب ، وظهر معارضون ومؤيدون ، بين علمانيين لا يرون الخلافة كنظام حكم أصولاً إسلامية ، وإسلاميين يرون في الإسلام ديناً ودولة .

وعى حين اقتصر نشاط العلمانيين في هذا المجال على التبشير بأفكارهم وتصوراتهم في الصحافة والندوات ، قام الإسلاميون فوق هذا بتشكيل الجمعيات الإسلامية التي تأخذ شكل الدين وتسعى للعمل السياسي.وكان في مقدمة هذه الجمعيات جمعية الشبان المسلمين في 1927 ثم جماعة الإخوان المسلمين في 1928 وجماعة أنصار السنة المحمدية . الخ .

وشد من أزر تيار الجمعيات الإسلامية قيام القصر الملكي وأحزاب الأقلية باستخدامه بحثاً عن قواعد شعبية ولضرب الوفد الذي أقام شرعيته فيما أقام على أساس وحدة الأمة والديمقراطية والمواطنة التامة ، فكانت البذور الأولى لتسييس الإسلام في مصر المعاصرة .

وهكذا .. لم تكد البلاد تفيق من آثار ثورة 1919 وتتطلع إلى الأمام في ظل الاستقلال والدستور حتى أطلت رؤوس التفنة مرة أخرى لتعيد الأمور إلى ما قبل عصر محمد علي وإلى عهد الاحتلال ..

ففي العشرينات والثلاثينيات ، وتراجعا عن التقليد الذي وضعه سعد زغلول أثناء توليه وزارة المعارف (1907) ، كان المعلمون الأقباط في مدارس الحكومة لا يرقون إلى وظائف نظار المدارس .

فترتب على ذلك أن أصبح قدامى المدرسين من الأقباط مرءوسين لنظار من تلامذتهم ، وكذلك الحال فيما يتعلق بشغل الوظائف العليا عامة.وكان تدريس الدين المسيحي للطلاب المسيحيين بالمدارس إحدى المشكلات التي أثارت الشعور الطائفي . فقد طالب الأقباط بإدخال تدريس الديانة المسيحية للتلاميذ الأقباط أيام دانلوب المستشار الإنجليزي فرفض.

فلما تولى سعد زغلول نظارة المعارف (1907) قرر إدخال هذه المادة بالمدارس الابتدائية ، كما أضيف منهج تعليم المبادئ المسيحية في مدرسة المعلمين العليا . وعندما صدر قانون المدارس الابتدائية والثانوية في 1928 تقرر أن تكون مادة الدين عامة ( إسلامي ومسيحي ) دون تأدية امتحان فيها مع التوصية بإجراء مسابقات وتوزيع جوائر على المتفوقين .

وعلى هذا لم تكن هناك مشكلة ذات بال بالنسبة للمرحلة الابتدائية والثانوية. ولكن المشكلة بدت واضحة في مرحلة التعليم الأولى ( قبل ابتدائي ) . وكانت مدارس هذه المرحلة قد أنشئت بمبادرات من مجالس المديريات والمحافظات وتفتح أبوابها للجميع ( مسلمون وأقباط ) .

غير أن هذه المدارس كانت تدرس الدين الإسلامي وحده رغم وجود تلاميذ من الأقباط في صفوفها ، فبدا ألأمر وكأنه حرمان للأقباط من تعلم شئون دينهم ، الأمر الذي دعا صحيفة مصر في 1928 إلى إثارة هذه المسألة .

وفي عام 1933 ( وزارة إسماعيل صدقي ) صدر قانون بجعل التعليم الأولي إلزامياً للجميع حاملاً في طياته ما يثير التفرقة حين لم يجعل مادة الدين عامة كما هو الحال بالنسبة للمرحلة الابتدائية والثانوية كما سبقت الإشارة ( عام 1928 ) ، وإنما أشار صراحة إلى تدريس الدين الإسلامي وإعفاء الأطفال غير المسلمين من حضور هذه الدروس .

وبناء على هذا انصرف كثير من الأقباط عن إرسال أولادهم إلى هذه المدارس ، وبدأوا في المقابل يشجعون الجمعيات الخيرية القبطية على إنشاء المدارس لتعليم الأطفال كبديل ، بل لقد عقدت الجمعيات القبطية مؤتمراً في 1934 لدراسة إدخال مادتي تاريخ الكنيسة واللغة القبطية في مناهج مدارس الجمعيات ، والمطالبة بإدخال مادة الدين المسيحي في مناهج المدارس الإلزامية للتلاميذ المسيحيين .

وفي البلاد التي لم تكن الحكومة قد أنشأت فيها مدرسة إلزامية كان المسيحيون يرسلون أولادهم لمدارس الجميعة الخيرية القبطية ولم تكن هناك مشكلة . لكن المشكلة بدت واضحة عندما توسعت الحكومة في إنشاء المدارس الإلزامية ، وفرضت غرامة على الأب الذي لا يرسل أولاده إليها .

فأصبح الآباء المسيحيون في مأزق حيث بدا واضحاً أمامهم أن الحكومة تجبر المسيحيين على تعلم الدين الإسلامي ، حتى في مواد لا تتعلق بالدين مثل نصوص المحفوظات ، الأمر الذي دعا مثقفاً مثل سلامة موسى إلى أن يصف هذا القانون بأنه " كسر قلوب الأقباط وملأهم حنقاً وحرمهم من نحو 35 ألف وظيفة هي وظائف المعلمين بالمدارس الإلزامية .. " .

في تلك الأثناء يكتب حسن البنا (1935) سلسلة مقالات بعنوان " في مناهج التعليم " يطالب فيها بجعل القرآن والدين الإسلامي مادة أساسية يؤدى عنها امتحان وذلك خلافاً لما تقرر في 1928 ، ومهاجماً تعليم الدين المسيحي .

وفي نفس الوقت الذي أثيرت فيه أزمة التعليم الإلزامي ولم تحل بعد ، تصدر وزارة الداخلية في فبراير 1934 بياناً بشروط عشرة للتصريح ببناء الكنائس وصفها الأقباط بالقيود العشرة ، أهم ما فيها بالنسبة للحساسية والشعور الطائفي شروط بعد الكنيسة المراد إنشائها عن المساجد والأضرحة الموجودة بالناحية ، وألا تكون وسط أماكن المسلمين ، وصرف النظر عن إقامتها إذا كانت هناك أخرى بناحية قريبة .

وقبل ذلك بقليل ( في عام 1931 ) كانت وزارة العدل قد أصدرت منشوراً يقضي بأن تكون الشهادات الطبية المقبولة في القضايا الشرعية من طبيب مسلم ولا تقبل من طبيب مسيحي. وقامت الوزارة بتوزيع عقود زواج مطبوعة على المحاكم الشرعية خصصت لزواج غير المسلمين ، فاستقر في ذهن الأقباط أن الغرض من ذلك تحويل الزواج المسيحي إلى زواج مدني .

وأصبحت الشئون الدينية للأقباط تابعة لوكالة الشئون الدينية برئاسة مجلس الوزراء التي يرأسها عادة أحد الشيوخ المسلمين . كما حدث تعديل لشروط القبول بمدرسة الصيارف لتقتصر على حملة تجهيزية دار العلوم أو كفاءة التعليم الأولى أو شهادة الثانوية الأزهرية أو دبلوم التجارة المتوسطة ، فأصبحت المدرسة بهذا الوضع – في تصور الأقباط – مقصورة على المسلمين تقريباً وكأنها كما يقول سلامة موسى " فرع من الأزهر وكأن من يتخرج منها سيؤدي عملاً دينياً وليس عملاً حسابياً .. " .

ثم جاءت الأربعينيات لتدفع بعجلة الطائفية إلى الأمام ولتعمق الشعور الطائفي رغم أن القضية الوطنية كانت أكثر إلحاحاً، ورغم بروز مشكلة فلسطين التي تم اغتصابها على يد الصهيونية .

وكانت كل من القضية الوطنية و الجامعة العربية والقضية الفلسطينية كفيلة بتوحد الأمة ، إلا أن تفتت القوى السياسية واختلافها بشأن معالجة القضية المصرية دولياً ومحلياً ، ومعالجة القضية الفلسطينية من الزاوية الإسلامية كان كفيلاً بخنق أمل الوحدة الوطنية .

وازداد استقطاب القصر الملكي للتيار الإسلامي حتى أن جماعة مصر الفتاة ( التي أنشأت في 1933 ) والتي كانت تضم في صفوفها أقباطاً ومسلمين ، مالبثت أن سبحت مع الموجة الإسلامية منذ أواخر 1937 مع تولي الملك فاروق سلطاته الدستورية، رافعة شعار زعامة مصر للإسلام ، مما أدى إلى خروج الأقباط منها ، ثم قام أحمد حسين بتغيير اسم الجمعية إلى الحزب الوطني الإسلامي في 1940 داعياً إلى الخلافة الإسلامية ومطالباً بتعديل كافة التشريعات على مقتضى الشريعة الإسلامية .

وارتفعت نغمة الإخوان المسلمون الطائفية عندما كانت تطالب في بياناتها كافة المسلمين بالحرص على عدم التعامل مع غير المسلمين : احرص على القرش فلا يقع في يد غير إسلامية مهما كانت الأحوال ولا تأكل ولا تلبس إلا من صنع وطنك الإسلامي ، والتأكيد على باستمرار على أن دستور الجماعة هو : الإسلام أو الجزية أو السيف . حتى إذا ما بدأ تعبئة الجهود ضد الصهيونية في فلسطين طافت مظاهرات الإخوان المسلمين قائلة : اليوم يوم الصهيونية وغداً يوم النصرانية .

والحال كذلك .. لم يكن من قبيل المصادفة أن يتبلور في مطلع الأربعينيات تيار الأمة القبطية الذي تزعمته جريدة مصر والذي دعا أصحابه إلى المحافظة على اللغة والتقاليد القبطية ، وتوطيد الرابطة الطائفية ، وتدعيم كيان الأقباط كشعب له ماض مجيد يرغب في الاحتفاظ بمقومات الارتقاء ، بل لقد وزع أنصار هذا التيار منشورات باسم جماعة الأمة القبطية في أواخر الأربعينيات تطالب بالحكم الذاتي للأقباط.

ولقد أبدى هذا التيار استياءه من بعض السياسات الإدارية التي رآها مجحفة بخصوصية الأقباط مثل : حق وزارة الشئون الاجتماعية في الإشراف المالي على الكنائس بفتوى من مجلس الدولة ( عام 1948 ) لمراقبة التبرعات والنذور ؛

وحرمان وزارة الشئون الاجتماعية الجمعيات الطائفية المسيحية من الإعانات بحجة أنها تتصر في خدماتها على أفراد الطائفية وليس للعموم ؛ وندب مدير مسلم للمتحف القبطي ( مارس 1950 ) مع مخالفة ذلك للمرسوم بقانون رقم 14 لسنة 1931 الخاص بإلحاق المتحف بأملاك الدولة العامة وكان تابعاً للبطريركية وعلى أن يعين المدير بقرار وزاري ويختار من بين ثلاثة أشخاص على الأقل يرشحهم البطريرك ؛ وتقرير كتاب " عبقرية عمر " لعباس محمود العقاد على المدارس الحرة القبطية .

كما عبر هذا التيار عن استيائه من المظاهرات والمواكب والهتافات التي تعقب حوادث إشهار الإسلام من بعض المسيحيين كأنه إشهار بغية التحلل من زيجة أو الهروب من نفقة .

كذلك الحال فيما يتعلق باستغلال الدين علناً في الانتخابات التي أجريت لمجلس نواب 1950 في جميع الدوائر التي رشح فيها أقباط ، وكانت النتية نجاح 10 من 50 قبطياً من إجمالي 319 نائب للمجلس ، وهي نسبة سجلت تدهوراً في عضوية الأقباط بالمجلس منذ انتخابات 1924 حيث نقصت من 10% إلى 3% .

ولا أدل على ذلك من أن مدير المستشفى الأهلي بأبو قرقاص ( د.زغيب ميخائيل ) يكتب مؤلفاً في ديسمبر 1950 بعنوان : فرق تسد – الوحدة الوطنية والأخلاق القومية ، يقول فيه إن الوحدة الوطنية التي ظهرت في 1919 نكصت على عقبيها لأننا لم نعد نهتف يحيا الصليب مع الهلال ولم نرى بعين بصيرة تعانق الهلال والصليب على الأعلام خفاقة مرفوعة ، ويقدم للكتاب سلامة موسى تقديما مقروناً بالمرارة والألم ومتمنياً أن ينسى ما جاء به .

ثم قامت ثورة يوليو 1952 وألغت النظام الملكي الذي كان يستقطب العناصر الإسلامية ، وتخلصت من الإنجليز الذين كانوا ينفخون في نار الطائفية ، وفتح الباب واسعاً أمام الإصلاح السياسي والإداري بما يعيد الوحدة إلى الصفوف .

من ذلك توحيد المحاكم وإلغاء المحاكم الشرعية والمجالس الملية ونظام الوقف الأهلي (1955) ؛ وإلغاء كثير من المدارس التبشيرية والأجنبية وإخضاع الباقي لرقابة الدولة ؛ وتحقيق قدر كبير من المساواة في فرص التعليم والعمل بالتوسع في مجانية التعليم وفي الالتحاق بالجامعة عن طريق مكتب التنسيق ؛

وإلحاق الخريجين بالوظائف المختلفة عن طريق ديوان الموظفين ثم القوى العاملة ؛ وترقية العاملين بالحكومة والقطاع العام بالأقدمية المطلقة حتى الوظائف الوسطى ؛ والتخفيف من الشروط العشرة لبناء الكنائس حين وافق جمال عبد الناصر على طلب البابا كيرلس ( تولى كرسي البابوية في 1959 ) ببناء 25 كنية سنوية يحدد أماكنها البطريرك ؛

واستصدار مبدأ دستوري يمنح رئيس الجمهورية حق تعيين عشرة أعضاء بمجلس الأمة نظراً لأن الانتخابات لا تدفع بالأقباط إلى المجلس . وقد استخدم هذا المبدأ في تعيين الأقباط فساد الاعتقاد بين الأقباط بأن ممارسة الحياة السياسية بالنسبة لهم منحة من الحاكم .

ودخلت البلاد في عهد جمال عبد الناصر في معارك التنمية ، وبناء القطاع العام ، وتعبئة الجهود ضد الاستعمار العالمي والصهيونية ، ونحو تحقيق حلم الوحدة العربية ، فانحسرت الذات الطائفية وذابت في نسيج الوطن من أجعل رفعته وكرامته .

فلما جاء السادات إلى الحكم ورفع شعار العلم والإيمان ليستخدم ضد اليسار بكل فصائله ، وكان شعاراً سياسياً بحتاً . غير أن الجماعات الإسلامية التي أخرجت من القمقم وظفت الشعار في إطار تسييس الإسلام.

وقد استمدت قوة مادية إضافية من البلاد النفطية في المنطقة تغلغلت بمقتضاها في البرامج الإعلامية ( إذاعة وتليفزيون وصحافة ) بل واخترقت النقابات المهنية والاتحادات الطلابية لتدفعها في طريق التعصب والطائفية من جديد ، وهي منظمات يجمع أصحابها العمل الواحد بصرف النظر عن الدين ، بل ووجدت لها داخل هيئة التدري بالجامعات المصرية أنصاراً ، على حين أن الجامعة من اسمها جامعة الأفكار .. كل الأفكار المتعارضة قبل المتعانقة .

وعلى هذا لم يكن غريباً أن نسمع أو نقرأ الدعوات نحو أسلمة العلوم أو تقرير مقر عام بالجامعة باسم الثقافة الإسلامية ، أو إنشاء جمعية طبية إسلامية داخل نقابة الأطباء التي أقسم أعضاؤها قسم أبوقراط ، ووصل التدهور بالصفحة الدينية " للأهرام " حداً لأن تنشر سؤالاً ورد إليها بشأن مدى مشروعية أن يأخذ المسلم دم مسيحي في حالة العملية الجراحية ونقل الدم ، وبدلاً من تخيف السائل تجيب الجريدة بالحكمة القائلة : الضرورات تبيح المحظورات . وغير ذلك كثير مما يعلمه الجميه وليس خافياً على المعاصرين .

سيداتي وسادتي ..

لقد حان الوقت لإعادة النظر في هذه الزاوية وتصويب المسار لأن الوطن يحتاج إلى كل السواعد وكل الكفاءات ولا يصح أن تكون العقيدة فيصلاً في الأخذ والعطاء . وإذا كانت أغلبية المصريين من المسلمين فهذا لا يعني أن تُقهر الأقلية .

وإذا كان الدستور ينص على أن دين الدولة الإسلام ، فإن الدستور ينص أيضاً على أن المواطنين متساوون . وفي كل بلادا لعالم المتقدمة أثبتت الدلائل على أن التفكير الديني يجنح إلى السلم ويميل إلى الاقتصار على رسالته الأصلية من حيث إقامة معنى ومغزى للوجود الإنساني في الكون ولا ينبغي أن تكون مصر بدعاً بين البلاد المتقدمة .

بعض المنطلقات الثقافية للنزاعات الطائفية

أحمد صادق سعد

إن الأحداث الأخيرة للنزاع الطائفي – بل جميع الأحداث المتشابهة التي وقعت في تاريخ مصر المعاصر – لا يمكن أن تفيد إلا أعداء الوطن والشعب ، أعداء تقدم مصر وازدهارها. ومن هنا قد يكون من السهل بالتالي أن توجه أصابع الاتهام إل الاستعمار الأجنبي والرجعية، اللذين لهما مصلحة كبيرة في هذا التدهور، وما علينا إلا البحث عن الأدلة .

ولكني أرجو ألا يشغلنا هذا أكثر من اللازم. فلو حصلنا على تلك الأدلة، لاستطعنا أن نقوّي بها حملتنا على أعداء الوطن والشعب . وهذا حسن ، غير أنه ليس كل شيء ، وليس بالشيء الأساسي في تقديري .

فالمسألة الجوهرية هي لماذا وكيف ينجح هؤلاء الأعداء ، وللوطن والشعب تاريخ وتراث طويل مجيد من النضال ضدهم ؟ وقد نجد في الإجابة عن هذا السؤال الأخير ما يحمّلنا بعض المسئولية – نحن الذسن نرفع لواء التقدم والاشتراكية – وما يجعلنا ننقد أنفسها ونصحح سياستنا .

عناصر في التربة الثقافية المصرية

أول وجه من أوجه النقد الذاتي أننا التقدميين المصريين ، والحركة الثقافية الوطنية عموماً منذ الأربعينيات الماضية على الأقل – رسمنا صورة للثقافة المصرية تطابق تمنياتنا الذهنية ، وبالاعتماد على أعمال النخبة ، ولم ننتبه إلى أن أوضاع القهر والاستغلال والبؤس والجهل والأمية والأمراض الجسدية والعقلية المتفشية منذ مئات القرون في مصر ، زرعت أيضاً جذور الخرافات في شعبنا . في نفس الوقت فإن النضال المستمر ضد تلك الظروف روى زهور الحكمة والمعرفة والعلم والفلسفة الطليعية في هذا الشعب المجيد .

وإذ نحن مضطرون إلى حصر المسألة في موضوع النزاع الطائفي ، فتكفينا الإشارة إلى بعض الأمثال العامية التي ترمي غير المسلمين لا بأن مصيرهم النار في الآخرة فقط ، وإنما أيضاً بالرذائل الخلقية العديدة في الحياة الدنيا كالمكر والكذي والقذارة والمدارة ، في أسلوب يتضمن أنهم أبعد البشر عن المثل العليا ، وأن بينهم وبين المسلمين فاصلاً كامناً ليس من المستحيل أن يتحول – في حالة وجود ظروف معينة مناسبة لذلك – إلى هوة من العداء والتعصب .

أو لعلنا أخذنا تلك الأمثال من باب التندر والتنكيت البريء مثلما يقال عن الصعايدة ، غافلين أن هنا أيضاً شرخاً قد يتسبب يوماً في كوارث للوحدة القومية والإقليمية المصرية . فليس من الصدف فيما نعتقد أن بعض المشاريع المشبوهة – الصهيونية وغيرها – تخطط مثلاُ لفصل أجزاء من الوجه القبلي عن الوجه البحري في كانتونات لها ذاتيتها ...

لقد ورثت ثقافتنا هذه البذور الفكرية الطائفية من مجتمعات مضت ، مع ما ورثته من تراث كامل متنوع فيه آثار مسيرة مصر التاريخية الطويلة ، بما كان يها ليس فقط من فترات انتصار ونجاح وتقدم وبناء ، ولكن أيضاً من فترات أخرى – ولعلها متداخلة مع الأولى – من هزيمة وإخفاق وتراجع وهدم .

وبصورة خاصة ، ورثنا بعض المفاهيم الطائفية التقسيمية من الأيام التي لم تكن فيها الطوائف دينية فقط بل ومهنية وحرفية وعسكرية ومحلية وإقليمية .. ، لأن ذلك كان الوضع الطبيعي للهيكل الاجتماعي كله ، ليس في مصر فقط بل في الإمبراطورية العثمانية جميعاً . كما كانت أوضاع مشابهة سائدة أيضاً في سائر العالم في عهود شتى .

لقد كانت الطوائف المختلفة منظمة في إدارات شبه ذاتية ، والصراع الاجتماعي يجري – بدرجات مختلفة وحب الظروف – متزاوجاً بالأشكال والمجاري الطائفية كقاعدة عامة .

المهم ، فيما يتعلق بموضوعنا ، أن المساواة في الحقوق والواجبات ، والمساواة في المواطنية خاصة ، كانت مفهوماً غائباً في تلك الأوقات الماضية ، لا في مصر فقط بل في الأقطار الأخرى أيضاً . وكانت تفرض على كل طائفة أنواع معينة من الضرائب والإتاوات تختص بها .

وتجدر الإشارة هنا إلى جزية الرأس وغيرها التي كانت تدفعها الطوائف غير المسلمة ، والشروط المختلفة التي كانت بين الحين والحين تقيد بها في الملبس والركوب والسلوك الاجتماعي وحمل السلاح والالتزامات القانونية والشخصية الخ .

وإلى جانب هذا ، إذ خاضت مصر النضالات المستمرة ضد الغزو الأجنبي ، فالحقيقة – أن عدداً كبيراً من الحملات الخارجية المهاجمة كان من جنود ودول يحملون عقائد مختلفة عن عقيدة المصريين ، بحيث أن الأمور الواقعة مزجت بين الهجوم العسكري والهجوم الديني ، وبين المقاومة المسلحة والمقاومة الدينية ، وما ترتب على ذلك من تداخل وثيق بين الحفاظ على الهوية والحفاظ على الدين .

وقبل أن يحمل الاستعمار الإنجليزي عصاه ويرحل في الخمسينيات ، كان الاستعمار الصهيوني أقام وطناً يهودياً في بلاد ثاني الحرمين .

إن هذا الوجه الديني للفكر الاجتماعي – هذا الوجه الذي مازال باقياً حتى اليوم في أمور مختلفة ويصعَد أو يهبط حسب الفترات والظروف – وجد تسجيلاً له في العلوم الدينية الإسلامية ، ومنها علم الفقه ، وخاصة في أبواب معينة منه أو " كتب " تتعلق بالجهاد ، والتي تناقش فيها قواعد الدفاع عن الإسلام ومعاملة أهل الكتاب وشروط القتال أو التعاهد معهم ، طبقاً للممارسات المعتادة في العصور الماضية .

والاختلافات هنا غير جوهرية على العموم بين المذاهب الأربعة التي تقرّ بكل بشكل أو بآخر ، تلك الممارسات الاجتماعية والسياسية التي كانت سائدة حتى الماضي القريب وبقيت فيه آثار وتقننها بمعنى أنها تقدم لها الأساس الإيماني الذي تنبع منه ، فتحيطها بنوع من التقدي .

وبصورة مباشرة أو غير مباشرة ، وبدرجات مختلفة من النقاء ، وعلى مستويات متباينة من " العصرنة " أو " التراثية " ، وبأساليب تتراوح بين العقلية والنقلية ، يحدث نوع من التغذية المرتدة – ولو جزئية – من الأسس الفكرية الفقهية هذه إلى عشرات الملايين من أفراد الشعب المنظمين الجمعيات الشرعية والطرق الصوفية ومستمعي الإذاعة ومشاهدي التليفزيون وطلاب الجامعات الأزهرية وغيرها ، الأمر الذي يؤكد ويعمق بعض المفاهيم التي سبقت الإشارة إليها .

وهذا بالإضافة إلى التربية التقليدية الأسرية التي تعتبر المصدر الأساسي للمعلومات والمفاهيم التي تستوعبها الغالبية الساحقة من الشعب .

نظرة إلى ثقافة الماضي القريب

نشأ جيلي وتلقى تربيته في أوج المعهد الليبرالي البرجوازي ، الذي تولى فيه " الوفد " قيادة الحركة الوطنية . وكان الطرح الوفدي الأساسي علمانياً في أغلب ذلك العهد ، إذ كانت البرجوازية المصرية لم تزل حينذاك تتحرك بدوافع العقلانية والاستنارة الغربية .

ولم ننتبه حينذاك إلى استمرار بعض الهيئات والمؤسسات الدينية السابقة ، وظهور أخرى عديدة – منها جوانب من مصر الفتاة وشباب محمد والإخوان المسلمون – إلا من حيث الدلالة السياسية المباشرة لتوازنات القوى في النزاع بين الديمقراطية والرجعية.

لم نلتفت مثلاً إلى أن بعض تلك الهيئات كان له جمهور واسع من المستمعين وعدد كبير من المنخرطين ، وإلى مغزى ذلك من ناحية الأسس الثقافية المشتركة مما يثبت وجود تيار " إتمامي " – أي غير علماني – في صفوف الجماهير الشعبية له شأن لا يستهان به .

وإذا كانت البرجوازية الليبرالية بذلك الضعف الظاهر الذي تتبدى به اليوم ، فليس هذا يرجع فقط إلى انحدار طموح هذه الطبقة إلى القناعة بما يتنازل لها الاستعمار من فئات ، بل يعود أيضاً إلى الضربة الفكرية التي تلقتها على يد النظام الناصري ، وهي ضربة أصابت – بدرجات – العلمانية أيضاً.

فلقد استعان هذا النظام ببعض المقولات الإسلامية يساند بها صراعه ضد الصهيونية والامبريالية الأجنبية والبرجوازية الكبيرة القديمة ، ودخل عدد من التحالفات المؤقتة ولكن المتتالية مع السعودية والإخوان والأصوليين والدول الإسلامية ، واعتمد على حجج دينية لبناء هيكله الفكرة ( مثل الاشتراكية العربية وغير الملحدة الخ ) .

ولعل الأهم من هذا كله في نظرنا ما احتوى ذلك الهيكل الفكري من التأكيد على مسخ الفكر الطبقي في النظرة إلى الجبهة الداخلية وإنكار التمايزات الجوهرية الطبقية بين مركبات " اتحاد قوى الشعب العامل " في نفس الوقت الذي كان يُبرز التمايز بين هذه القوى ككل وبين الجبهة الرجعية الاستعمارية .

وإذا لم يُقضَ على النزاع الاجتماعي كحقيقة موضوعية في مصر ، فلم يترتب على تلك العملية الفكرية إلا أن اكتسبت قوة جديدة للمعايير البديلة الجاهزة لأنها موروثة ، أي المعايير الدينية الطائفية للتمايزات الاجتماعية ، الأمر الذي تلقى دفعة كبيرة بعد ذلك بسياسة السادات .

وتجدر الملاحظة في هذا الصدد أنه في فترة السياسة الليبرالية البرجوازية كانت أحكام الجهاد والجزية تحتل مكاناً صغيراً أو كانت غائبة في كتب الفقه الجديدة .

أما بعد السبعينيات ، فقد عادت بقوة واتسعت المساحة المخصصة لهذه الموضوعات بصورة ملحوظة، وكثيراً ما شغلت مجلدات كاملة، وهي إشارة لا إلى أن ثمة توجيهاً للأنظار إلى آنية مكافحة الكفار فقط ، بل أيضاً إلى أن هذا الموضوع له صدى في جمهور موجود .

الفكر الديني لدى الشعب

من بين مالم ننتبه إليه ، الفارق بين الفكر الديني لدى القيادة الوفدية ولدى الشعب . لقد كان الأول علمانياً بمعنى الفصل بين الدين والدولة ، وبرز هذا في الشعار الوطني لذلك الحين " الدين لله والوطن للجميع " .

وليس من شك في أن انقياد الجماهير الشعبية خلف الوفد تضمن – جزئياً على الأقل – الموافقة على هذا الطرح أو قُل عدم معاداته بصورة مباشرة حادة. ولكن الأمر في ظني لم يعين في الوقت نفسه الانطباق التام بين المفكرين ، بدليل هبوط جماهيرية الوفد في فترات تالية لصالح الأصوليين .

وتوضح الدراسات الكثيرة في مجالات الأدب والفن والثقافة والاجتماع والفكر السياسي – وكذلك عدد من الدراسات الميدانية – أن الاتجاه الغالب في الفكر الديني الشعبي إتمامي بمعنى أنه يدرك الدين على أنه مفهوم شامل ، يغطي الدنيا والآخرة ، الشعائر والعلاقات الاجتماعية ، القيم الأخلاقية والمواقف من الدولة والنظام السياسي والنظرة إليها ، حقـاً ، إن فئات وشرائح من البرجوازية العليا ومن الطبقة العمالية – وخاصة الصناعية الحديثة – وكذلك مجموعات من المهمشين ، تخرج عن هذه الدائرة الفكرية ، وتدخل بدرجات مختلفة في أنواع من العلمانية . ولكن الكتلة الكبيرة من الفئات الشعبية الأخرى أقرب إلى الإتمامية .

منذ أكثر من مائة سنة ، أشار ماركس إلى أن جميع الحركات السياسية في الشرق تأخذ الشكل الديني . وقد يكون هذا الإطلاق غير صحيح اليوم ، ولكن الفكرة تُلقى أضواء هامة على موضوعنا . ولا يدخل في إطاره الآن محاولة البحث عن أسباب تلك الظاهرة التي تجسد تفسيرها الأساسي في بنية المجتمع القائم في الماضي والتي لاتزال لها آثار هامة في بلادنا اليوم .

في هذه النقطة بعض النواحي الهامة بالنسبة لموضوعنا . لعلها الأولى أن النظرة الإتمامية إلى الإسلام – أي اعتباره مظلة شاملة لكل شيء في السماوات والأرض – تنطوي على عنصر الاعتزاز بالنفس وعلى دافع للمقاومة المعنوية للذل .فهو يشبه نوعاً من الدرع يمكن أن يكون واقياً من الضربات النافذة الممزقة الآتية من المستغل والطاغية أو العدو الأجنبي .

وهو أمر من الأهمية البالغة بالنسبة للفقير الذي في قاع المجتمع ويجد نفسه عارياً من السلاح المادي والتنظيمي في وجه القهر الساحق . حقاً ، بين الاعتزاز بالنفس وبالكرامة الشخصية والجماعية وبين التعالي المتعصب إزاء أصحاب الأديان الأخرى شعرة ، شعرة تُخترق بسهولة إذا دخل الصراع في نطاق الأخلاقيات ودون مضمون وتوجيه طبقيين .

ولكن المؤكد أنه ، بالنسبة إلى مصر وأغلب البلاد أيضاً ، كان المفهوم الشعبي للدين أحد المركّبات الحيوية – بجانب مركبات ثقافية أخرى مثل اللغة والتراث الثقافي والفن والتقاليد الاجتماعية ، وهذا كله في ارتباط مشترك ، في حزمة واحدة – التي امتزجت بالدوافع الاقتصادية والسياية الحافزة إلى مقاومة السيطرة الأجنبية ، وإلى النضال من أجل الاستقلال والمحافظة على الكيان الوطني هنا كان لذكريات الجهاد - كفريضة من الفرائض الخمس – دور في تحفيز القومي الوطني في وجه الامبريالية ، وفي إعطاء حدة مشحوذة لفصل المقاومة المصرية في فترات كثيرة .

وبالمثل ، نلتفت إلى دور المفهوم الشعبي للدين في الصراع الطبقي من حيث أنه يعطيه أشكالاً خاصة في أحوال معينة . وقديماً ، كان الفارابي يتصور المدينة الفاضلة على هيئة طوباوية إسلامية .

وفي القرن التاسع عشر حاول الفلاحون القضاء على الظلم والجور والقضاء على الامتيازات الطبقية وإقامة التسوية الكاملة في مقاومة التحول الرأسمالي بحركات مهدوية مسلحة تفهم الثورة كعملية قيامية لا تبقي على شيء من المجتمع القائم ، ويتعاون فيها المسيح ابن مريم والمهدي المنتظر أحمد بن عبد الله في إرساء دعائم السلام والحب الأبديين في عالم كله مسلم بعد الانتصار في حرب خارقة ضد الكفار .

لقد كانت فترة التحول إلى الرأسمالية عبارة عن أزمة شديدة للطبقات الشعبية المصرية ، فوقفت فئات منها تقاومها بأن صبّت أهدافها في شكل آمال جذرية شاملة . ومنذ الأربعينيات والخمسينيات ، دخلت بلادنا أزمة أخرى ، هي أزمة التحول إلى الاشتراكية ، وهي أشد هولاً وتمزيقاً وفظاعة من جميع النواحي من تلك في القرن الماضي .

وتعاني الكتل الشعبية الواسعة هذه الأزمة بطريقة تجعلها تشترك في صراعها من جهة وتغذيها من جهة أخرى في نفس الوقت . هي طريقة السعي إلى حل جذري بالعودة إلى الماضي ، حل فيه عنصر طوباوي وإن كان من الممكن أن يجد سبيله إلى التنفيذ العملي بصورة جزئية ولفترة عابرة .

يتفق هذا مع أن تظهر هنا وهناك ، بين الحين والآخر ، حركات مهدوية أخرى بمختلف الأحجام ، ومجموعات بهائية وأدعياء النبوة ، تصلنا أخبارها باهتة في الصحافة وأحكام محاكم الجنح على أنصارها باعتبارهم " دجالين " .

هنا أيضاً شعرة رفيعة بين ما في الطوباويات الدينية الشعبية من عنصر نضالي بقي وبين ما قد يوجد فيها أيضاً – في الوقت نفسه – من نزعة إلى مصارعة أي مختلف ، ولكنا نود القول إن هذه الظاهرة ، إذ تستمر وتتكرر على فترات ممتدة ، إنما تعكس انتشار البحث عن تغيير جذري وقلب هذا المجتمع العفن .

لقد كانت الإصلاحات الناصرية من علامات هذه الأزمة . وفي الوقت نفسه ، لعبت هذه الإصلاحات دوراً في بث المزيد من الأحلام الطوباوية في الكتل الشعبية . وبدخول مصر أزمة التحول إلى الاشتراكية ، اتسعت أشكال مختلفة من الصراع الاجتماعي لانضمام جماهير واسعة من الشعب إلى الحركة وانتقالها إلى درجات من اليقظة .

ليس هنا المقام لدراسة هذه الحركة تفصيلاً من مظاهرات 9 يونيو 1967 وتشييع جنازة جمال عبد الناصر عام 1970 إلى انتفاضة 1977 وهبة الأمن المركزي في أبريل 1986 ، وما بين هذه التحركات من حوادث ( سميث مؤسفة ) وإضرابات عمالية .

ولكن الذي أود إبرازه هو أن الكتل الجديدة التي تدخل خشبة المسرح الاجتماعي والسياسي إنما تأتي حاملة أهدافها الجذرية تلك مشكّلة طبقاً لطريقتها هي في التفكير وعاداتها الثقافية ومفاهيمها التراثية ، وهي في غالبيتها كما قلنا الثقافة الدينية الشعبية .

وهذه في تقديري زاوية رئيسية في إدراك حقيقة التأييد الجماعيري الذي تمتع به بعض الجماعات الإسلامية أثناء أحداث الفتنة الطائفية الأخيرة في الصعيد ، ومشاركة أناس كثيرين في مواجهة الشرطة وعمليات القمع .

تحويل إلى التعصب

نتلقى الخطاب الشعبي خافتاً ليس فقط بسبب ضخامة الأمية والهوة بين المثقفين والأميين ، وإنما أيضاً لأن التربية النخبوية العامة – والبرجوازية القومية على الخصوص – عودتنا على عدم إعارة أُذُن صاغية في هذا الاتجاه .

وعلى النقيض ، وجدت في شرائح معينة من المثقفين تيارات إتمامية ركزت على تلك العناصر من الفكر الديني التي تبرر بها موقفها هي الحلقي واتجاهها هي المنغلق . نعلم مثلاً أن بعض أعضاء منظمة الجهاد اعتمدوا – في قيامهم بالهجمات على محلات أصحابها مسيحيون – على تفيرات وفتاوٍ مستخرجة مما قاله فقهاء قدامى ومحدثون في موضوع الجهاد والغنائم ، كما أن هناك تفسيرات وشروحاً عديدة في كتب معروضة في الأسواق تحث على التعصب أيضاً .

وفي أحوال كثيرة ، اختلفت الدعوة ضد سيطرة الأغنياء والأجانب ، وضد الظلم والفساد بالنداء ضد " الصليبية " ، وامتزج الحث على مقاومة الصهيونية والاستعمار بالشعارات المعادية لليهود والنصارى .

يلقي الخطاب الإسلامي على العموم استماعاً واسعاً . وهذا طبيعي لأن شعبنا مؤمن إيمانا عميقاً . ولكني أدعو إلى أن نخطو أكثر من ذلك في إدراك الموضوع . الخطوة الأولى تتعلق بشكل هذا الخطاب ، إذ لاشك في أن الخطاب الإسلامي للتيارات الإتمامية بسيط التركيب ومباشر التوجه ويستخدم أمثلة وصوراً وتداعيات معروفة للجمهور وبأسلوب تقليدي في الغالب ، اعتاد عليه الناس جيلاً بعد جيل .

قارنوا بين هذا الخطاب وبين خطابنا نحن ، المثقفين العلمانيين على العموم ، وما فيه من تعقيد الأسلوب ، ومن منطق أرسطي ومنهج معرفي اختباري وجدلي ، ومن أمثلة وصور وأسماء معروفة في بيئات محصورة فقط .

خطوة أخرى . لم تكن توجهات الخطاب الإسلامي ولا مضامينه واحدة في جميع العهود واليوم توجد في الحركة الإسلامية تيارات متباينة من حيث الموقف الاجتماعي السياسي ، وإن كانت تتداخل في كثير من الأحيان ، وتتقارب أو تتحد في ظرف وتتباعد في ظرف .

وإذا ركزنا نظرنا على التيارات الإتمامية بالذات في الفترة الأخيرة ، لاحظنا أنها تدعو على العموم إلى تغيير المجتمع الحالي من أساسه من حيث ظاهر حديثها على الأقل ( وإن كانت المواقف العملية لبعضها لا تتفق مع هذه الدعوة ) .

إنها دعوة جذرية على العموم ، وإن كان بعضهم يسير فيها بتكتيك إصلاحي من داخل المؤسة . ولكن بعضهم الآخر يدخل في معارك كلية ، في فدائية تبدو ملفتة للنظر .

ولِـمَ ؟ لتحقيق أكثر الأحلام مثالية ، مجتمع يصنعه الله وليس البشر وبهذا ، ففي هذه الدعوة شيء كرجع الصدى لتصورات كامنة في الفكر الشعبي حالياً ...

هنا أيضاً قارنوا هذا مع دعوة أغلب التيارات العلمانية المعارضة – بما فيها القسم الأكبر من اليسار – التي اتخذت منذ مدة سياسات وبرامج تريد أن تجمع حولها أوسع الفئات البرجوازية على يمينها للإصلاح في إطار الأوضاع القائمة ..

فبمعنى من المعاني إذن ، وبدرجة من الدرجات ، تعكس الدعوة الإتمامية المتطرفة الفكر الاجتماعي الشعبي بشكله الديني في حالته الخام ( إذا جاز لنا التعبير ) أي التلقائي .

وفي الوقت نفسه ، فتلك الدعوة ، لأنها صادرة عن ألسن مثقفة ثقافة تراثية خاصة ومنحازة لتيارات اجتماعية وسياسية أرفع شأناً من الطبقات الكادحة ، فهي لا تعكس ذلك الفكر الشعبي بصورة صحيحة وإنما مشوهة .

وأهم تشويه هو طمس المكونة الطبقية في الفكر الشعبي ، وتذويبها في مفهوم التكافل بين الأغنياء والفقراء من دين واحد ، في ومجه مجموعة معادية كافرة على الأغلب .

وبالإضافة ، فتلك الدعوة إذ تلح على أن تضع في مقدمة التغييرات المستهدفة قضايا اللوك والأخلاق ومظاهر العودة إلى أصول الماضي – أي جوانب من الطوباوية في الثقافة الشعبية – وإنما تزيد حالة التيه وشدة التقلب بين الاستعداد النضالي وبين الإحباط والسكون .

وهذا بالرغم مما أثبتته الحركة الإتمامية في أكثر من حادث أن مواجهة السلطة أمر ممكن . بل لعل هذه المواجهة من العوامل التي أكسبتها نوعاً من العطف الجماهيري ومكنتها من توجيه الحركة التلقائية في طريق سينتهي حتماً بالمزنق .

ومع ذلك ، فيمكن الملاحظة أن الاستجاية الاستماعية للخطاب الإسلامي الإتمامي – وبالتالي الانسياق خلف ما فيه من تعصب وإثارة للنزاع الطائفي – هذه الاستجابة ليست واحدة في جميع الطبقات . فهي الآن أقل نوعاً لدى بعض الفئات من البرجوازية العليا التي تقيس الأمور بمقاييس الدفع نقداً ، ويهمها إيمان صحاب المال أو كفره .

( وهذا لا ينفي احتمال مساهمة هذه الفئة في الحملة الطائفية إذا وجدت فيها مصلحة ) وتلك الاستجابة أقل وأقل في فئات من الطبقة العمالية ، وخاصة تلك التي لها تراث نضالي طويل نوعاً والتي وصلت إليه – بدرجة أو بأخرى – دعوة الاشتراكية العلمية .

وعلى العكس ، تكون الاستجابة للدعوة الإتمامية أقوى وأوسع في الأوساط الاجتماعية الوسطى وأصحاب المال الصغير ، وخاصة الحضريين فيهم ، حيث الوعي الطبقي أكثر غموضاً واهتزازاً والمفاهيم أسرع استعداداً للتقلب والأزمة الفكرية والأخلاقية أشد تمزقاً . وفي الوقت نفسه ، فعلينا الالتفات إلى أن هذه الأوساط تشكل الكتلة الأضخم من الفئات الشعبية ...

الملاحظة الثانية أن الطبيعة العامة للتيارات الإتمامية ذات النداء التعصبي المباشر هي طبيعة انقلابية ، حلقية . في فكريتها ، تحولت البذور الطائفية إلى ممارسات إيجابية عنيفة لا ضد غير المسلمين فقط ، بل أيضاً ضد سائر الموحدين بالله من غير أعضائها ، على اعتبار جاهلية المجتمع كله .

والوجه السياسي لهذا الموقف هو عدم السعي إلى الارتباط بالجماهير بالشعبية عضوياً بل الاكتفاء بها كجمهور احتياطي . ولكن كقوة تحريكي وتعبوية في ظروف معينة ... وبعد .

قد تكون النظرية القائلة بأن النزاع الطائفي مؤامرة اصطنعها الاستعمار الأجنبي مع بعض الأشخاص غير المتزنين عقلياً نظرية مريحة للضمير . غير أنها لا تطابق الواقع . فالذي يمكّن المخططات المعادية من النجاح أنها تجد أرضاً خصبة في الأوضاع الداخلية .

وإذا كان الشق الأول من القضيةلا يغير من جوهر مهامنا كثيراً ، سوى أن يعطيها درجة أعلى من الإلحاح والحدة وصفة الضرورة القصوى ، إلا أن الشق الثاني يتطلب منا القيام بمهام لم نلتزم بها في رأيي الالتزام الكافي دائماً .

المهمة الأولى باعتبارنا في لجنة الدفاع عن الثقافة القومية أن ندرس الفكر الشعبي دراسة عميقة شاملة ، ليس كموضوع فولكلوري – وهو الأمر الذي جرى أساساً حتى الآن منذ الكتابات الأولى لأحمد رشدي صالح عن الأدب الشعبي – وإنما كمادة أساسية للنشاط البحثي في ميادين العلوم الاجتماعية والسياسية والفلسفية ، وهي الميادين التي تجاهلت الشعب فيها المدارس البرجوازية التي تؤمن بدور النخبة دون غيرها .

والمهمة الثانية مهمة توعية وإشاعة الاستنارة والعقلانية في صفوف الشعب ، خاصة بعد أن تخلت عنها الأجزاء الرئيسية من الليبرالية البرجوازية وباتت تتردد أمامها فئات هامة من البرجوازية الصغيرة.

وأقصد بمهمة التوعية هذه أن تكون عملية واسعة من النشاطات الجماهيرية في الأوساط الشعبية خاصة .وأعتقد أن هناك بعض الظروف العامة المنابة لذلك ، وقد سبقنا فيه الدكتور فؤاد زكريا في شجاعة تقدر له .

والمهمة الثالثة سياسية . إذ أعتقد أن اليسار المصري يمكن أن يكون له سياسة جذرية بديلة ، تعكس طموحات الكادحين واستعدادهم الثوري الحالي وتعبئتهم حول الطبقة العمالية في وحدة لا تعصب طائفي فيها . فمازال رأيي أن ... اليسار هو الحل !

المشكلة الطائفية والأوضاع الطبقية في مصر

أبو سيف يوسف

الحديث في هذا الموضوع بما يثيره من إشكاليات عديدة ومعقدة – وفي الوقت القصيرالمحدد له – يدعونا إلى أن نحاول الإجابة عن السؤالين التاليين :

  1. إلى أي حد يمكن إدارج المجتمع المصري ضمن المجتمعات التي توصف بأنها مجتمعات طائفية ؟
  2. ما هي العلاقة بين الظاهرة، أو النزعة الطائفية، أو وقائع الاحتكاك أو التوتر الطائفي وبين الأوضاع الطبقية في المجتمع .

إن السؤالين في واقع الأمر مترابطان ومتداخلان . على أن الإجابة عنهما تتطلب التمهيد لهما بمدخلين : في المدخل الأول سنحاول تعريف " الطائفة " ، بالمعنى الضيق لهذا المصطلح.فعندما نتحدث عن جماعة لها مذهب ديني ، فإن هذه الجماعة يشار إليها في العادة على أنها طائفة .

فهنا يقال مثلاً إن هناك طوائف مسيحية أو طوائف إسلامية . غير أن مجرد وجود جماعة دينية منظمة لها مذهب أو معتد تمارس طقوسه أو عباداته لا يعني بالضرورة أن لهذه الجماعة موقفاً، أو توجهاً، أو نزعة طائفية .

لأن النزعة الطائفية – كما يذهب بعض الباحثين " إنما تعك موقف طائفة دينية ، أو قومية ، تتبنى سياسة تتسم بعدم التسامح والشوفينية تجاه الناس الذين ينتمون إلى معتقدات أخرى ".

وبهذا المعنى قد تصل " الطائفية " هنا إلى أن تصبح فيه العامل الذي ينقسم المجتمع بمقتضاه إلى فئات حتى ليعجز الفرد عن تحديد أهداقه واتجاه اختياراته بحرية .

وهذا الأمر مرده إلى أن ارتباط الفرد بجماعته على أس طائفية يصبح ارتباط حياة ومصير ، فيستحوذ على عاطفته ، هذه العاطفة المشتعلة بالعديد من الموروثات التاريخية .

وفي هذا السياق يميل بعض الباحقين إلى اعتبار أن الطائفية ( والصهيونية ) في المنطقة العربية تشكلان نوعاً من الوعي التقليدي الملتزم بتثبيت أنظمة نشأت في الأساس من أجل تأمين سيطرة جماعة طائفية على جماعات أخرى .

وبهذا المعنى لا يكون التعصب الطائفي تعبيراً عن إيمان ديني ، بل هو أداة للحفاظ على امتيازات الجماعة أو للحصول على حق لها، أو كردة فعل لتعصب مقابل.أي أن الفروقات الطبقية والنظام الطبقي العام هما اللذان يسهمان في حصول النزاعات الطائفية وتجددها وليت الفرو في المعتقد .

ثم يضيف هؤلاء الباحثون : أنه، بهذا المعنى، يمكن أن توظف الطائفية لتكون " أداة في استراتيجية سياسسة اقتصادية وليست توجهاً دينياً بحد ذاته. وهو الأمر الذي يجعل منها أداة سهلة لإخفاء جوانب الاستغلال الاقتصادي والاستبداد السياسي ".

إن التحديات السابقة تقودنا إلى المدخل الثاني لحديثنا – فإذا صح أن " الطائفية " تعبر عن درجة من درجات الوعي عند الفرد والجماعة في مجتمع من المجتمعات ، وعن مواقف سياسية وعلاقات اقتصادية ، وبالتالي طبقية ، في هذا المجتمع ، فمن الصحيح أيضاً أن تجليات النزعة الطائفية يمكن أن تختلف من مجتمع إلى آخر. وهذا هو مدخلنا الثاني إلى المشكلة الطائفية .

وهنا يمكن أن نطرح المحوظتين التاليتين:

1- أنه ليست هناك على الدوام علاقة مباشرة – أو انعكاس مباشر – بين ما هو طبقي وبين ما هو طائفي صرف . فقد يحدث أحياناً أن تعبر الصراعات الطائفية عن نفسها بكيفية مواربة للغاية أي أنها لا تكون فعلاً رد فعل مباشراً عن موقف هذه الطبقة أو تلك .

ويحدث هذا في اعتقادنا في حالتين :

الأولى : عندما يجذب الصراع الطائفي إلى ساحته ويوحِّــد في الخندق الواحد بين طبقات وفئات مستغِلة ومستَـغَلة .

والحالة الثانية : أن تحتدم الصراعات الطائفية في صفوف قطاعات من الفئات الوسطى والوسطى الصغيرة ، وهي فئات عديدة تتداخل حدودها وتتشابك علاقاتها وتتضارب مصالحها ، كما تتبنى أيديولوجيات انتقائية تعكس في آن واحد مفاهيم ومواقف برجوازية محافظة جنباً إلى جنب مع مفاهيم ورؤى شعبوية وتقدمية .

أما الملحوظة الثانية : فتتعلق بما يمكن أن نسميه باستقلال أو انفصال النَزَعـات والأفكار والمواقف الطائفية عن الشروط المادية التي أفرزتها في المجتمع ، سواء كانت شروطاً اجتماعية – سياسية ، أو اجتماعية اقتصادية .

فهنا نجد أنفسنا – كما يشير إلى ذلك بعض الباحثين – أمام نزعة طائفية تتحرك حركة ذاتية دائمة بحيث تغذي نفسها بنفسها، وتدور في حلقة مفرغة : فمن تعصب إلى تعصب مضاد ، إلى تعصب أقوى .

ومن تخوف إلى شك ، فتخوف أدهى . يرمي خطر ( أو شعور بخطر مزعوم ) يبرر تجمع أو قيام هذا الخطر ويمهد بالتالي إلى قيام حالة من " التعبئة " ومن مخططات الدفاع التي كثيراً ما تعتبر مخططات هجوم عند الفريق أو الفرقاء الآخرين تستلزم من الناحية الأخرى مخططات دفاع أيضاً .

وعلى ضوء المدخلين المتقدمين نستطيع أن نتقدم في اتجاه الإجابة عن السؤال الأول وهو : إلى أي مدى يمكن إدراج المجتمع المصري في المجتمعات الطائفية المعروفة مثلا : في الهند أو لبنان على سبيل المثال ؟

هنا نجد أنفسنا أمام تعد واختلاف في زاوية الرؤية حول توصيف الوضع الراهن للعلاقة بين المسلمين والأقباط في مصر ؟ فمن ناحية هناك من يقطع بأن ظواهر التوتر التي تقع بين المسلمين وأقباط يتعين إلاّ تدرج تحت عناوين مثل : " المسألة الطائفية " أو " الفتنة الطائفية " وذلك بمقولة أن تاريخ مصر لم يعرف الطائفية .

وعلى الجانب الآخر هناك من برى أن خطر تحول مصر إلى " لبنان آخر " هو أمر وارد . وبين هذين الرأيين نسمع من يقول إن التطور الذي آلت إليه العلاقات بين المسلمين والأقباط خاصة منذ عقد السبعينيات ، يواجه البلاد بمعضلة لا سبيل إلى تجاهل وجودها أو التهوين من شأنها ، وذلك حتى مع التسليم – في الوقت ذاته – بأن المبالغات في خطر الطائفية – القائم أو المحتمل – هو أمر لا يفيد .

لعلنا هنا ، وأيـّا ما كان الأمر ، نتفق على أن الطائفية تختلف تجلياتها وأبعادها من مجتمع إلى آخر .فهي في بلد كالهند غيرها في بلد كلبنان .

وفي جميع الأحوال سوف يكون من قبيل المغامرة أن نرتكز على الأوضاع – هنا وهناك . لنقوم بعمل إسقاطات على الوضع في مصر.ذلك لأن تجليات المسألة الطائفية – في هذا المجتمع أو ذاك – ستكون محصلة محددات عديدة رئيسية وفرعية يتعين أن تؤخذ على الدوام بعين الاعتبار .

فهناك مثلاً التركيبة الاقتصادية الاجتماعية للمجتمع المعني ، وهناك نظامه السياسي الاجتماعي ( وهنا يدخل بالضرورة تقييم الدور الذي تلعبه الدولة من حيث المقدرة أو العجز عن ضبط الصراعات الاجتماعية والطبقية بالذات ). وهناك عامل الحراك الاجتماعي .

وهناك الدور الذي يلعبه العامل الحضاري أو الثقافي ونشير هنا – بوجه خاص – إلى الموروثات الثقافية التي تحرك الوجدان العام لطائفة من الطوائف أو لشعب من الشعوب .

وهناك الدور الذي يلعبه المؤثر الخارجي – على مستويات ولأهداف مختلفة – في تحريك وإذكاء النزاعات الطائفية . وثمة عوامل أخرى يضيق النطاق عن تعدادها هنا ، يدخل بينها العامل السكاني ( الديموجرافي ) . وقد يفيدنا في الإجابة عن السؤال الأول أن نعقد مقارنة سريعة بين مصر ولبنان .

وابتداء نميل إلى الأخذ بالرأي القائل بأن المسألة الطائفية قد ولدت في المشرق العربي – في العصر الحديث – في الفترة التي أخذ يدب فيها الضعف في أوصال الإمبراطورية العثمانية . فالدولة العثمانية عندما قامت لجأت إلى تنظيم غير المسلمين في طوائف سُميت " بالملل " .

هنا قام نظام الملة ، أي الطائفة الدينية أو أصحاب المذهب الديني الذين أعطتهم الدولة العثمانية قدراً من الاستقلال الذاتي في إدارة شئونهم الدينية بل قدراً أيضاً في إدارة بعض شئونهم المدنية.غير أن الفساد سرعان ما تطرق إلى نظام الملة .

ومع تراخي قبضة المركز ( اسطنبول ) على مختلف الولايات التابعة للسلطنة، راحت الانقسامات في الشرق العربي ترسخ هنا وهناك على أسس قبائلية وعشائرية وعائلية. فأصبح المذهب الديني المعين ، عند هذه الجماعة أو تلك ، هو الأساس – للولاء .

في الوقت ذاته راحت الدول الامبريالية توظف نظام " الملة " العثماني بما يحول المسيحيين إلى " أقليات minorities" بالمفهوم الأوروبي السائد وقتئذ .

واستغلت الدول الأوروبية الكبرى الاستقلال الذاتي الذي منحته الدولة العثمانية للملل وذلك بما يماثل بين الملة والأمة : Cnation. وبعد دخو الرأسمالية الأوروبية ، ثم تكريس مفهوم الأقلية الدينية بما يسمح لهذه الأقلية بأن تتمحور على ذاتها مع أسس طائفية أو إقليمية أو سلالية .

ثم بما أدرى بعد ذلك – وهذه حالة لبنان – إلى ظهور نزعات تدعو إلى الطائفية إلى إقامة أوطان قومية على أسس دينية .

وباختصار ، فإن ما حدث في لبنان هو أن النظام السياسي هناك استمر على الدوام يقوم على مرتكزات طائفية في جميع العهود : في ظل السلطة العثمانية ، ثم في ظل الانتداب الفرنسي ، وأيضاً بعد أن حصل لبنان على استقلاله السياسي عام 1943.

بل إن الطائفية استفحلت في لبنان تحت الحكم الفرنسي فأضيف إليه الطوائف المسيحية الطوائف الإسلامية . وخضع الحكم في هذا البلد للقوى السياسية الممثلة في الإقطاعيين وزعماء الطوائف والعائلات المشهورة أو النافذة .

وانتهى الأمر ، إلى أن قام في لبنان نظام تتحدد بمقتضاه مكانة كل مواطن ودوره في المجتمع ، بل ومستقبله ، على أساس " هويته الطائفية – المذهبية " وهكذا سكنت الطائفية في لبنان جميع الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتربوية والإدارية للشعب ولم يقف الأمر عند هذا الحد ، وإنما تم في هذا السياق أيضاً تكريس امتيازات خاصة تُثبـِّت الهيمنة في السلطة الطائفة بعينها في الطائفة المارونية.

هنا ، قد لا يصعب أن نتفق على أن خط تطور المجتمع المصري في العصر الحديث قد نحا منحى مغايراً ، وبالتالي فإن خط تطور علاقة الأقباط بالمسلمين قد نحا هو أيضاً منحى مغايراً لما حدث في المشرق العربي عموماً ، وفي لبنان على وجه أخص .

وسوف نتبين هذا الأمر عندما نستعيد عدداً من التطورات الهامة في مجتمع ظل يتكون أساساً – ومنذ عصور بعيدة – من تركيبة طبقية محددة : قاعدة الهرم فيها طبقة الفلاحين التي ظلت تشكل الغالبية الساحقة من السكان والتي ضمت بعد فتح العرب مصر مسلمين وأقباطاً ، كما ظلت حتى العصر الحديث موضع استغلال طبقة حاكمة ، يقف على رأسها ملك أو سلطان أو أمير يستند إلى جهاز بيروقراطي يشترك فيه الموظفون – على اختلاف مراتبهم وأديانهم من مسلمين ومسيحيين في مضاعفة استغلال الفلاحين والحرفيين والتجار والرعاة وغيرهم من الفقراء .

ومنذ القدم أيضاً ، نعرف أن أوضاع الزراعة على مجتمع النهر حتّمت أن يقوم في البلاد حكم شديد المركزية تتولى فيه الحكومة مهام اقتصادية واجتماعية . وهي مهام حيوية لا غنى عنها لضمان إنتاج وإعادة إنتاج الحياة ذاتها .

وبالتالي فإن أي ضعف كان ينتاب الحكومة المركزية . كان يقترن بالعديد من مظاهر الخلل والفوضى الاجتماعية بكيفية كانت تهدر في بعض الأحيان وحدة البلاد ذاتها ، بما في ذلك وحدة الشعب أيضاً .

وعندما جاء محمد علي في أوائل القرن التاسع عشر اهتم ، أول ما اهتم ، بأن يستعيد للدولة سلطتها المركزية . وحال مشروعه لإقامة الدولة الحديثة الموحدة دون أن تقوم سطوة سياسية لأسرة منافسة أو لقبيلة بعينها .

وفي الوقت نفسه ، فرضت الدولة المركزية أن تكون المؤسسة الدينية ذاتها تابعة للدولة : لا منافسة ولا موازية . ومع تحديث البلاد اضطرد إدماج الأقباط في عملية إقامة الدولة الحديثة ، فكان لهم وزنهم الملحوظ عموماً في مختلف مراتب السلك الإداري .

ثم زاد اندماج الأقباط في مجتمعهم الأكبر بمشاركتهم في الثورات الوطنية الديمقراطية 1882 ، و1919 ، وفي ترحيبهم بثورة يوليو . ففي هذا السياق دخلوا معارك الاستقلال ضد قوى الاستعمار والامبريالية ، ودخلوا المعارك من أجل الحكم الدستوري ضد الحكم الأتوقراطي .

وباختصار اتجه ولاؤهم إلى " الدولة القومية " أو " الدولة الوطنية " لأن مصالحهم ارتبطت عضوياً بمصائر هذه الدولة .

ولما كانت غالبيتهم الساحقة قد اتجهت – في هذا السيا ، ومنذ وقت مبكر – إلى ربط مؤسساتها التعليمية الخاصة " الأهلية " بنظام التعليم الأميري " الحكومي " ، واندمجوا في نظام التعليم العام ، فقد عمق هذا من ارتباطهم العضوي بالنسق الثقافي السائد ، وهو نسق الأغلبية المسلمة .

وبينما أدت الحروب الصليبية إلى انفصال الكنيسة المارونية عن الكنيسة الشرقية وتحول المارونيين إلى المذهب الكاثوليكي وبالتالي إلى خضوعهم للفاتيكان ؛ أدى تمسك الكنيسة المصرية باستقلالها المذهبي عن الكنائس الأوروبية والأمريكية إلى تعزيز اختيارات الأقباط الوطنية .

وكل هذا يدعونا إلى أن نخلص إلى هذه النتيجة : وهي أن تطور المجتمع المصري في العصر الحديث لم يدخل البلاد في حزام الدول والمجتمعات الطائفية المعروفة . ولا يغير من هذا أن العلاقات بين المسلمين والأقباط لم تخل في فترات محددة من أعراض يسيرة أو شديدة تشي بطابعها " الطائفي " .

وعند هذه النقطة ننتقل إلى الإجابة عن السؤال الثاني : أي عن العلاقة بين فترات تاريخ مصر .ففي العصر المملوكي ، خاصة في ظل دولة المماليك الثانية ، لعبت الشرائح العليا من " قبط الدواوين " دوراً هاماً في الإدارة المالية وبالتحديد في الديوان الذي كان يسمى ، " ديوان الخراج " .

كما عمل العديد من الموظفين والأقباط في جباية الضرائب ومسح الأراضي الزراعية . وما حدث هو أنه في ظل الدولة التي كانت تحكمها طبقة عسكرية.كان الحكام يتفننون في فرض العديد من أنواع الضرائب على الفلاحين والتجار وأصحاب الحرف والمهن .

وكان تحصيل الضرائب يتم بأشد الأساليب ظلماً وتعسفاً . هنا كان ينشأ تناقض بين حياة القبط وبين الشعب في مجموعه.وكان التناقض يستفحل عندما يستغل بعض الجباة نفوذهم في تكوين ثروات خاصة ضخمة لهم .

عندئذ كان يسهل على الحكام أن يوجهوا سخط العامة نحو الموظفين الأقباط ، خاصة عندما تحدث أزمات مالية أو مجاعات .وفي الوقت ذاته ، جاء وقت اتسعت فيه قاعدة المتعلمين المسلمين من طلاب الأزهر والمدارس الدينية أئمة المساجد وفقراء العلماء .

وكان من الطبيي أن يتطلع هؤلاء إلى الالتحاق بأجهزة الإدارة ، وكانت الوظيفة إذ ذاك ومازالت مصدر الثروة والنفوذ .هنا وجدت في بعض فترات العصر المملوكي حركات احتجاج فصدرت كتب و" منشورات " تنذر تارة باستخدام أهل الكتاب في دولة إسلامية ، وتارة أخرى باتهام بعض الموظفين الأقباط بأنهم ينفقون أموال الدولة في وجوه لا تقرها الشريعة .

وعلى ذلك يمكن القول إنه في الحالة الأولى – حالة جباية الضرائب – كان السلطان يوجه سخط العامة – في بعض الأحيان – نحو الأقباط حتى لا يرتد السخط على رموز السلطة .

وفي الحالة الثانية – حالة المطالبة بإقصاء الأقباط عن وظائفهم- كان الأمر يتعلق بفئات اجتماعية معينة تتنافس مع مراكز الإدارة أي على مواقع النفوذ والثروة . فالصراع لم يكن في جوهره دينياً حتى وإن استخدمت في هذا الحجج ذات طابع ديني .

وتاريخ مصر الحديث ، منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى سبعينيات القرن العشرين ، شاهد على تكرار ظاهرة التنافس في صفوف الفئات الوسطى على الالتحاق بأجهزة الإدارة. فكانت شكوى البورجوازية الطبقية الكبيرة والمتوسطة من حرمان أبنائها من تولي وظائف معينة أحد الموضوعات التي طرحت على " المؤتمر القبطي " عام 1911 . واتخذ عقد هذا المؤتمر والمؤتمر المصري المقابل ( الإسلامي ) صورة جادة من صور التوتر الطائفي .

وعندما بدأت ثورة 1919 تنحسر ، دخل معركة جهاز الدولة ومؤسساتها حزب الأحرار الدستوريين ممثلاً لجناح من كبار ملاك الأرض تقف على رأسه السراي . فأذاعت صحافة الحزب أن القبط يسيطرون على حزب الوفد ويعملون على صبغ مصر بصبغية قبطية .

وطالب الأحرار الدستوريون بإعادة صياغة مؤسسات الدولة وأجهزتها انطلاقاً من وجود أقلية مسيحية وأكثرية مسلمة ، وأن يؤخذ بالتالي بمبدأ التمثيل النسبي في البرلمان والوظائف العامة . ولا جدال في أن حزب الأحرار الدستوريين كان يخوض معركة الصراع على السلطة مع الوفد .

ولما كانت الغالبية العظمى من أبناء البلاد تلتف حول الوفد ، فقد أراد حزب الأحرار الدستوريين أن يشق حركة الجماهير في الريف والمدينة . لكن استخدم في هذا الصراع شعارات " طائفية " لتحقيق مكاسب سياسية حماية لمصالح الطبقة التي يمثلها من تعاظم حركة القوى الوطنية والشعبية ضد الإنجليز والسراي .

وفي أواخر الثلاثينيات وحتى أواخر الأربعينيات دخلت معركة مؤسسات الحكم أعداد متزايدة وشرائح جديدة من أبناء الفئات الوسطى وبخاصة الفئات الوسطى الصغيرة التي تخرجت في مختلف معاهد التعليم .

وتزامن هذا مع الانحسار المضطرد للفكر الليبرالي ، ولنفوذ البرجوازية الليبرالية ولنفوذ الوفد في الحركة الوطنية .هنا بدأت تنمو وتترسخ على الساحة السياسية تيارات وجمعيات وأحزاب ذات توجهات إصلاحية واشتراكية ودينية إسلامية ومسيحية .

وفي هذا السياق ، مثلت جماعة الإخوان المسلمين الاتجاه السلفي في توجهاتها السياسية ، كما مثل الحزب الديموقراطي المسيحي فئات من البرجوازية القبطية المتوسطة المحافظة . هذا بينما مثلت جماعة " الأمة القبطية " تياراً بورجوازياً متشدداً بطرح الطرح المقابل لجماعة الإخوان المسلمين .

منذ ذلك الوقت ظهر في صفوف الفئات المعارك الاجتماعية والسياسية تحت أردية طائفية إسلامية ومسيحية .وقد استفادت سلطة الاحتلال من هذه التطورات ونفخت فيها ، وعملت على تحريكها بما يجهض النهوض لقوى حركة النضال الوطني والاجتماعي .

وجاءت ثورة يوليو 1952 ، فسعت وفقاً لبرنامجها المعلن إلى وضع أسس تؤمِّن مسيرة النضال الوطني والاجتماعي . وتجاوب برنامجها في الواقع مع طموح ومصالح أبناء الفئات الوسطى والصغيرة في الريف والمدينة وهي الفئات التي اضطرد اتساع قاعدتها بفضل التعليم المجاني ، ووجدت فرصاً متزايدة للعمل في المؤسسات الأجنبية التي تم تحضيرها أو تأميمها .

وأخذت الثورة بمبدأ تكافؤ الفرص في مجال التعليم . وهكذا وجدنا أنه في الستينيات كان ثلاثة أرباع طلبة كليات الهندسة بجامعة عين شمس من الأقباط . وكانت نسبة الطلاب الأقباط في كلية طب جامعة القاهرة 40% .

وفي مجال العمالة كان يتم تعيين الخريجيين بون تمييز بسبب المعتقد الديني . فهنا يمكن أن يقال إن سياسات ثورة يوليو اتجهت – موضوعياً – إلى الحد من أسباب احتدام الصراع في داخل الفئات الوسطى الصغيرة على الالتحاق بالوظائف في الحكومة والمؤسسات المختلفة . وهذا الصراع الذي كان يتم دفعه ليتخذ أبعاداً طائفية .

هنا يمكن أن نتوقف عند بعض الملاحظات والتعقيبات التي قدمها عدد من السادة الذين تفضلوا بالاستماع إلى حديثنا.وكان من رأيهم أن المتحدث قد اتجه إلى السادة الذين تفضلوا بالاستماع إلى حديثنا .

وكان من رأيهم أن المتحدث قد اتجه إلى تجميل سياسات العهد الناصري حين طرح صورة للعلاقات بين مكوني الشعب خلت من كل مظاهر التمييز،في حسن أن استقراء بعض الوقائع يدلل من وجهة نظرهم – على غير ذلك .

وقد تلخص ردنا على هذا الطرح فيما يلي:

  1. إنه مما يتنافى مع طبائع الأمور أن تختفي بكيفية مفاجئة كل العوامل المحركة للنزعات الطائفية وبالتالي كل مظاهر التمييز – في فترة قصيرة من الزمن هي فترة حكم عبد الناصر .
  2. وعلى الرغم من هذا ، فإن ما يتعين التأكيد عليه هو أن توظيف الاختلاف في المعتقد الديني من قبل الحكم ، لم يكن واحداً من مكونات الأيديولوجية الناصرية .

فمن ناحية طرح عبد الناصر تصوراً تقدمياً لدور الدين في التحرر الوطني والتنمية من أجل إرساء قواعد العدل وتكافؤ الفرص . ومن ناحية أخرى تمثلت التوجهات الرئيسية للنظام في سياسات تستجيب لطموحات الفئات الوسطى والصغيرة وتخدم مصالح العمال تتجه إلى رفع مستوى الأكثرية من صغار الفلاحين .

وكل هذا يدعونا إلى التأكيد على وجود علاقة عضوية بين تركيبة طبقية معينة في المجتمع وبين الحجم الذي يبدو فيه ما يسمى بالمشكلة الطائفية.وهو الأمر الذي يوضحه بجلاء عقد السبعينيات،أو حكم الرئيس الراحل أنور السادات.

فليس من المبالغة في شيء أن يقدر المرء أن عقد السبعينيات كان عقد الفتنة الطائفية.ذلك أن قيادة النظام كانت قد خططت لتصفية ثورة يوليو برفع شعارات " الإيمان " و" مقاومة الإلحاد ".

فلم يكن من قبيل الصدفة أن أنصار السادات لقبوه " بالرئيس المؤمن ".واجتهد الإعلام في ذلك الموقف لكي يعمق الإيحاءات التي يحملها هذا اللقب الجديد وذلك بترسيخ الادعاء بأن الرئيس الجديد يختلف عن الرئيس الذي سبقه وأن جوهر الخلاف هو أن الأول يستحق أن يلقب بقلب " المؤمن " .

ثم انتقل الرئيس السادات إلى تحريك النزعة الطائفية ، فكون جماعات إسلامية سلحها ضد الناصريين واليساريين عموماً من طلاب الجامعات وذلك بالادعاء بأن المعركة هي معركة بين مؤمنين وملحدين .

غير أننا نعلم أنه لم تكن هناك قضية غلحاد داخل المجتمع المصري تستوجب اتخاذ إجراء ضدها على أي مستوى كان .

وانضم إلى معركة مقاومة " الإلحاد المزعوم " زعماء دينيون كان في مقدمتهم شيخ الأزهر وبطريرك الأقباط الأرثوذكس ، لكن دخان المعركة كان يخفي وراءه حلفاً طبقياً يزحف للقبض على أعنة السلطة ويتكون من البورجوازية القديمة التي مسها إجراءات يوليو ومن بقايا كبار ملاك الأرض والقوى التي أثرت في ظل حكم يوليو من بيروقراطيين وكبار المقاولين إلى جانب أصحاب المشروعات الانفتاحية من المصدرين والمستوردين . وانضمت إلى هذا التحالف البورجوازية الزراعية التي كانت قد وطدت مراكزها بعد إزاحة كبار الملاك .

إن أهم ما يلاحظ على هذه التركيبة الطبقية:

  1. أن مكوناتها ضمت مسلمين ومسيحيين يجمعهم موضوعياً – هدف تصبغه المنجزات والمرتكزات الاقتصادية والاجتماعية لثورة يوليو ، كما يجمعهم التوجه نحو دمج مصر في النظام الرأسمالي العالمي وعزل مصر عن محيطها العربي .
  2. أن مجموعات في داخل هذه التركيبة الطبقية ( وفيها مسلمون ومسيحيون ) كانت تعيش في الخارج ولها نشاطها في عالم المال والأعمال.وعندما عادت لتستأنف نشاطها في ظل الانفتاح ظلت وثيقة الصلة بالرأسمالية الدولية ، وببعض الدول النفطية المحافظة ، وبمؤسسات أجنبية ذات أنشطة دينية .
  3. في ظل هيمنة " طبقة الانفتاحيين " هذه ، اهتزت أو اختلت أنساق من القيم التي بدونها يستحيل أن تبنى الأوطان فضلاً عن أن تتوحد الشعوب : وهي قيم العمل المنتج ، والعدل الاجتماعي ، وتكافؤ الفرص ، والوحدة الوطنية ، والانتماء إلى الوطن العربي ، والرغبة في المعرفة فضلاً عن الإسهام الخلاق في عالم يتغير بسرعة وبعمق تحت تأثير الثورة العلمية والتكنولوجية .

ونحن نعرف ونلمس ما حدث في عصر " الانفتاح الاقتصادي " . فالأغنياء ازدادوا غنى وازداد الفقراء فقراً.وبدأت مظاهر التفكك والتشرذم تعمل عملها في داخل المجتمع . ووجد هذا كله تربة خصبة في أوساط الفئات الوسطى والصغيرة .

وفي النهاية واجهت الجماهير الواسعة تناقضات مستحكمة تسد أمامها أبواب المستقبل .كان هنا،مع سبيل المثال التناقض بين مظاهر الاستهلاك الترفي السفيه وبين حرمان تشتد وطأته في صفوف الطبقات والقوى الشعبية .

وهناك التناقض بين مثل الوطنية والاستقلال وبين نهج التراجع والمصالحة مع الامبريالية والصهيونية.وهناك التناقض بين إعلام ديني مكثف موجَّه إلى الشباب وبين واقع يلمس الشباب أنه يتعارض مع قيم دينية .

وهناك التناقض بين شعارات الديمقراطية وبين ما انتهى إليه الأمر في السبعينيات من فرض مجموعة القوانين " سيئة السمعة " .

في هذا السياق هاجر إلى الخارج من هاجر واعتزل المجتمع في القارات من اعتزل ، والتحق بالأديرة من التحق .وفي هذا السياق أيضاً بدأت تتصاعد وتتسع مظاهر القلق والسخط الاجتماعي.

فاستخدمت السلطة آليات لتحويل مجراها الطبقي ، كان في مقدمتها آلية الصراعات الطائفية . وساعد هذا على تفاقم مظاهر التعصب . وحدثت وقائع احتكاك وعنف بين مسلمين ومسيحيين . ونما تيار " جهادي " بين هؤلاء وأولئك ، وهو تيار يتجه إلى استخدام العنف ويكرس العزلة عن الآخر .

وهكذا :

- في الجامعات رأينا الجماعات الإسلامية وفي مقابلها قامت الأسر المسيحية .

- وبدأ الابتعاد عن فكرة المدرسة القومية الواحدة : فمدارس خاصة لأطفال مسلمين وأخرى للتلميذ المسيحي.

وتكاثرت المؤسسات المالية والشركات والهيئات الاجتماعية والخيرية ذات التوجهات الطائفية . وتفاقمت الظاهرة حتى وانتقلت إلى منظمات المصالح الاقتصادية .

( خاصة النقابات المهنية ) . فرأينا أنه يتم في بعض النقابات الانتخاب على أساس الاتحاد في المعتقد الديني أو يمتنع البعض – كرد فعل مقابل – عن المشاركة في أنشطة هذه النقابة أو تلك .

وليس بوسعنا أن نستطرد في سرد الأمثلة مراعاة للوقت المحدد لهذا الحديث . ولكن يحق لنا، مع ذلك، أن نستشعر الخطر الذي يتهدد مستقبل بلادنا.

ويتعين بالتأكيد أن نضع مسئولية نمو النزعات الطائفية على هذه القوى الاجتماعية التي أفرزها عصر الانفتاح والتي مازالت تدفع البلاد إلى حالة من التردي المحزن .

إن هذا صحح ، في اعتقادنا . لكن ثمة مسئولية تقع على عاتق القوى التقدمية والديمقراطية التي تتبنى قضايا الدفاع عن مصالح الجماهير الشعبية والتي تنتسب إلى هذه الجماهير بالفكر والممارسة.

فهذه القوى لم تم بالجهد المطلق لمواجهة أخطار استشراء النزعات الطائفية . ويحول بينها وبين ذلك أمور منها ضعف وحدة الفكر والعمل في صفوفها . كما أن منها ما هو الصيق بفهمها وتقييمها لطبيعة الظاهرة الطائفية ، وأبعادها ، وآفاق تطورها .

بالطبع ، نحن مطالبون بأن نتجنب موقفين :

المبالغة في خطر الطائفية في مصر ، هذا من ناحية ، والتهوين من شأنها ، من ناحية أخرى . ذلك أننا نقدر أنه على الرغم من كل ما حدث فإن الوقت لم يفت بعد . ويستند تقديرنا للموقف على عد من الاعتبارات المختلفة نكتفي بالإشارة إلى بعضها :

1- إننا نميل إلى القول بأن النزعة الطائفية في تجلياتها التي تبدت خلال السنوات الماضية هي ظاهرة حديثة التكوين نسبياً .

فهذه الظاهرة لم تستقر بعد كمكون في الوجدان الشعبي المصري ، ونعني بذلك – في المقام الأول – وجدان الجماهير الشعبية خاصة من العمال وفقراء المدن والفلاحين .

وهو الأمر الذي برهنت عليه بعض الأحداث التي وقعت في عقد السبعينيات. ففي انتفاضة 18 ،19 يناير 1977 ، وهي الانتفاضة التي فجرتها عوامل السخط على رفع الأسعار ، لم تتطور الانتفاضة أو تنحرف نحو مسارب طائفية .

وعندما ألق الرئيس الراحل أنور السادات خطابه ضد البابا شنودة الثالث في 14 مايو 1981 توقعت بعض أجهزة الأمن أن تقع اضطرابات بين المسلمون والأقباط . لكن شيئاً من هذا لم يحدث .

2- إن استقراء حركة الشعبي المصري في مجموعة وفي مراحل تاريخ كفاحه من أجل الاستقلال الوطني والديمقراطية والعدالة الاجتماعية – يدلل – في التحليل الأخير – على أن حركة الجماهير الشعبية والقوى الوطنية إنما تحفزها وتوجهها بالأساس مطالب قومية كبرى ، وأهداف سياسية وأوضاع طبقية في جوهرها.

ومن ثم ساعدت هذه التجارب التاريخية على أن تستقر ردود الفعل الجماهيرية في النهاية وفي مجملها في إطار تلك الأهداف والمطالب .

ومن هنا، ومن كل ما تقدم ، نقول إن هذا يفتح أبواباص للأمل أمام القوى الوطنية والتقدمية والمستنيرة ، وذلك لكي تحدد مهامها في كسب المعركة ضد استشراء النزعات الطائفية. وربما تعين على هذه القوى في ممارستها اليومية أن تعلي ابتداء راية العقلانية.

وأن تشرع في امتحان دعاوى التعصب الطائفي على أرضية برنامجها السياسي والاقتصادي والاجتماعي ، هذا البرنامج المكرس للدفاع عن المصالح الحقيقية والملحة للجماهير الشعبية وفي مواجهة حازمة من أجل مقاومة قوى الرجعية الخارجية والداخلية التي تسعى إلى تعميق الانقسام بين أبناء هذا البلد على أسس طائفية .

الإسلام السياسي والمشكلة الطائفية

خليل عبد الكريم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسليـن سيدنا محمد وآله وبعد ...

فقبل أن نبدأ الكلام في الموضوع أسجل اعتراض على العنوان الذي تم اختياره وهو " الإسلام السياسي والمشكلة الطائفية " لأن الإسلام عبر تاريخه الطويل لم يعرف الطائفية بمعناها الحديث .

وكلمة " طائفة " أطلقت في القرآن الكريم على أهل الكتاب وعلى المسلمين ( المؤمنين ) ( وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل من الذين آمنوا وجه النهار ) إلى آخر الآية – ( وليشهد عذابها طائفة من المؤمنين ) ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ) ( فآمنت طائفة من بني إسرائيل ) ( إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك ) " 20 المزمل " .

وهكذا لم يفرق القرآن الكريم في إطلاق الطائفة بين المسلمين وأهل الكتاب ، ومنذ السنة الأولى من الهجرة المباركة عاش اليهود الذين كانوا في المدينة المنورة كجزء من نسيج المجتمع المدني لا كطائفة أو أقلية .

فتحررت في تلك السنة ما أسماه المؤرخون وكتاب السيرة الصحيفة أو الدستور ، ويسميه الدكتور محمد عمارة " عقد تأسيس دولة المدينة " ويتحدث عن جماعتين يتكون منهما مجتمع المدينة هي أمة الدين ، وتنصرف إلى المهاجرين والأنصار ، ثم اليهود .

والجماعتان في نظر الدكتور محمد عمارة تكونان الأمة السياسية التي كانت يتكون منها مجتمع دولة الرسول بالمدينة وقد جاء الصحيفة ( إن يهود بني عوف وبني النجار وبني الحارث أمة مع المؤمنين لليهود دينهم وللمسلمين دينهم .

وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة وإن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم .أي أن هذا الدستور السياسي ميز من الناحية الدينية بين المسلمين واليهود وأوضح أن لكل منهما دينه ، ولكن من الناحية السياسية يتعاون الفريقان في الحرب على من عاداهم ، وبينهم النصح والنصيحة والبر ، وهذه هي سمات المواطنة كما نعرفها حديثاً وهو العيش في سلام بين أهل الوطن الواحد ، أما في حالة العدوان على حرمة الوطن وحدوده فيكون بينهما التعاون لصده .

ويرى الدكتور محمد عمارة أن هذا الدستور ، الذي بلغت مواده نحواً من خمسين مادة ، يعطي حق الرعية السياسية لكل من يقيم بها.

ومع احتفاظ كل فريق بحرية الاعتقاد الديني ، فإن بينهم في السلم التعاوني الأدبي والإنفاق المادي ، وفي الحرب المؤازرة والمعاونة في حالة حدوث أي اعتداء على المدينة – ( الدين والدولة في إنجاز الرسول صلى الله عليه وسلم ) – العدد الأول من مجلة " الحوار " السنة الأولى ربيع 1986 م 1406 هـ .

وكنت أفضل أن يكون العنوان " موقف جماعات الإسلام السياسي من أهل الكتاب " ، ونعني بجماعات الإسلام السياسي : الجماعات التي لا تسعى إلى السلطة مع أن منطلق الفريقين واحد وهما الكتاب والسنة .

وأهم تلك الجماعات جماعة أنصار السنة المحمدية والجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة وجمعية الشباب المسلمين وجمعية التبليغ والدعوة وأصلها ومقرها الرئيسي في شبه القارة الهندية وجمعية العشيرة المحمدية والطرق الصوفية .

وهذه كلها لا تهدف إلى السلطة ولذلك فهي لا تدخل في مصطلح الإسلام السياسي ، أما جماعات الإسلام السياسي فأشهرها جماعة الإخوان المسلمين وجماعة صالح سرية التي نفذت عملية الفنية العسكرية وتسمى أيضاً " تنظيم التحرير الإسلامي " وجماعة المسلمين المشهورة إعلامياً بجماعة " التكفير والهجرة " وهي التي نفذت عملية اغتيال الشيخ الذهبي وتنظيم " الجهاد " المشهور ..

وهناك جماعات أخرى يصل عددها في نظر بعض الباحثين إلى ما يقرب من ثلاثين جماعة ، ولكننا سنقتصر في حديثنا على هذه الجماعات الأربع لأن مبادئها وأفكارها أصبحت منشورة ومتاحة للاطلاع عليها . أما الجماعات الأخرى فلم يتح لنا أن نطلع على ما تطرحه من أفكار .

وتنقسم جماعات الإسلام السياسي إلى فريقين : الفريق الأول تضمه جماعة الإخوان المسلمين وهو الفريق الذي يسعى للوصول إلى السلطة بالطريق الدستوري ، وأبرز دليل على ذلك هو دخولهم انتخابات 84 مع حزب الوفد وانتخابات 78 مع حزبي العمل والأحرار بل إنهم يسعون إلى تكوين حزب سياسي خاص بهم.

كما صرح بذلك مرشدهم الحالي الشيخ محمد حامد أبو النصر في الحديث الذي أجرته معه مجلة " أكتوبر " بتاريخ 19/4/1987 العدد 547 ، وهذا بخلاف ما كان ينادي به الشيخ حسن البنا مؤسس الجماعة الذي كان يرفض فكرة الحزبية ، بل وهاجم الأحزاب التي كانت قائمة آنذاك ، كذلك حلت ثورة 23 يوليو محل الأحزاب الموجودة وقت قيامها واستثنت جماعة الإخوان المسلمين باعتبار أنها ليست حزباً، رغم أن الجماعة منذ البدء تعترف بأنها هيئة سياسية. أما الجماعات الثلاث الأخرى ، فهي تسعى إلى الحكم بطرق أخرى .

ولو أن جماعة صالح سرية أو تنظيم التحرير الإسلامي لا ترى مانعاً في تكوين حزب إسلامي خاص بها يدخل الانتخابات والبرلمانات بل ويشارك في الوزارات ، بشرط أن يكون هدفه تحويل الدولة إلى دولة إسلامية .

ويجمع الفريقين أمران ،الأمر الأول : هو إقامة حكومة إسلامية تنطلق من الكتاب والسنة ، وهي حكومة أيديولوجية عقائدية ، كما صرح بذلك الدكتور يوسف القرضاوي في أحد كتبه .

والأمر الآخر : هو إيمان الفريقين بضرورة قيام الخلافة الإسلامية التي قضى عليها أتاتورك 1923 / 24 ، ويعتبرون أنها فريضة إسلامية . والإخوان المسلمون ، على وجه خاص ، ينكرون أنهم يقيمون حكومة دينية ( ثيوقراطية ) ، على أساس أن الإسلام ليس فيه كهنوت ولا يعرف رجال الدين .

وقبل أن نذكر موقف الفريقين من إخوتنا أهل الكتاب ، نود أن نشير إلى نقطة وإن لم تكن لصيقة بموضوع الندوة إلا أنها في رأينا ليست بعيدة عنه ، وهي كيف يتعامل اليساريون عموماً مع تيار الإسلام السياسي ؟ بداهة نحن اليساريين – ومن بينهم اليسار الإسلامي ، وأن جندي بسيط في كتيبته – نقف على طرق نقيض من الناحية الأيديولوجية السياسية مع التيار السياسي الإسلامي .

ولكن هل معنى ذلك أننا نرفض كل مقولاتهم وممارستهم السياسية مهما كانت ؟ في اعتقادي أننا لو فعلنا ذلك نكون قد ارتكبنا خطئاً سياسياً واضحاً ، ولابد من التفرقة بين المواقف السياسية المعلنة صراحة من التيار السياسي الإسلامي وبين أيديولوجيته السياسية.

بمعنى أنه إذا طالب التيار الإسلامي السياسي بإلغاء قوانين الاستثنائية ومن بينها قانون الطوارئ وإذا أدان الاعتقالات العشوائية وشجب التعذيب الذي يقع على المسجونين السياسيين وإذا طالب بحق كل الفصائل في تكوين أحزابها بما في ذلك الحزب الشيوعي المصري كما ذكر ذلك صراحة فضيلة الشيخ محمد حامد أبو النصر في أكثر من حديث منشور .. فإننا إذا رفضنا منهم هذه الممارسات نرتكب خطأ واضحاً .

بل إنني لا أرى مانعاً من أن ندخل معهم في جبهة لتحريك هذه المطالب بالطرق المشروعة ووضعها موضع التنفيذ ، وفي خصوصية لجنة الدفاع عن الثقافة القومية فلا أرى ثمة ما يمنع من دعوة بعض مفكريهم لعمل ندوات حول موضوعات تكون موضع اتفاق بينهم وبين اللجنة .

حقيقة إنهم ينفرون من كلمة " قومية " ولكن المسميات لا تكون عائقاً ، فيمكن أن يحاضر أحدهم في موضوع الغزو الفكري أو الثقافي الصهيوني ولا يجد غضاضة في ذلك ، كما أن مثل هذا الموضوع فيما أعتقد يدخل ضمن برامج اللجنة أو إذا شئنا الدقة يعتبر من أوائل الموضوعات التي تعني بها .

خلاصة القول أن هناك ، فيما أتصوره مساحة ليست ضيقة مشتركة بيننا وبين التيار الإسلامي السياسي ، أما رفض التيار عمومياً بكل مقولاته وأطروحاته وممارساته السياسية فهذا لا يخدم القضية التي نافع عنها كما أنه يدل على طفولة يسارية .

بعد هذا نعود إلى موضوعنا الرئيسي

موقف جماعة الإخوان المسلمين من الفتنة الطائفية

في الممارسات العملية لم يصدر من جماعة الإخوان المسلمين ما يعكر صفو علاقتهم بالإخوة المسيحيين ، وعلى طول تاريخهم من سنة 1928 وحتى الآن لم يحدث من جماعتهم أو ينسب إليهم اعتداء على الأفراد أو الكنائس ، ورأيهم في علاقتهم بالأخوة المسيحيين هو في رأيي في غاية الاعتدال .

ونورد فيما يلي ما جاء على لسان الإمام الشهيد حسن البنا مؤسس الجماعة في إحدى رسائله المسماة ( نحو النور ) والتي حررها سنة 1366 هـ أي سنة 1946 م وهي في الأصل عبارة عن خطاب وجهه المرشد العام إلى حضرة صاحب الجلالة فاروق ملك مصر والسوادن وإلى حضرة صاحب المقام الرفيع النحاس باشا رئيس حكومتها آنذاك .

وذلك في باب يحمل عنوان " الإسلام يحمي الأقليات ويصون الحريات " :

" يظن الناس أن التمسك بالإسلام وجعله أساساً لنظام الحياة يتنافى وجود أقليات غير مسلمة في الأمة المسلمة وينافي الوحدة بين عناصر الأمة وهي دعامة قوية من دعائم النهوض في هذا العصر ، ولكن الحق غير ذلك تماماً .

فإن الإسلام الذي وضعه الحكيم الذي يعلم ماضي الأمم وحاضرها ومستقبله قد احتاط لتلك العقبة وذللها من قبل ، فلم يصدر دستوره المقدس الحكيم إلا وقد استمل على النص الصريح الواضح الذي لا يحتمل لبساً ولا غموضاً في حماية الأقليات ، وهي يريد الناس أصرح من هذا النص " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين " فهذا النص لم يشتم على الحماية فقط بل أوصى بالبر والإحسان إليهم .

وإن الإسلام الذي قدس الوحدة الإنسانية العامة في قوله تعالى " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا " ثم قدس الوحدة الدينية العامة كذلك فقضى على التعصب وفرض على أبنائه الإيمان بالرسالات السماوية جميعاً في قوله تعالى " قولوا آمنا وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم ولا عدوان فقال تبارك وتعالى " إنما المؤمنون إخوة ".

هذا الإسلام الذي بنى على المزاج المعتدل والإنصاف البالغ لا يمكن أن يكون أتباعه سبباً في تمزيق وحدة متصلة بل بالعكس إنه أكسب تلك الوحدة صفة القداسة الدينية بعد أن كانت تستمد قوتها من نص مدني فقط ... "

وانتهى فضيلة المرشد العام إلى قوله

" ذلك موقف الإسلام من الأقليات غير المسلمة لا غموض فيه ولا ظلم معه .. " وهو كما قلنا رأي في غاية الاعتدال ويمثل الإسلام الصحيح ، ولو أننا نأخذ على الشيخ حسن البنا أنه استعمل كلمة " أقلية "، وهو على حد علمنا الضئيل لفظ لم يرد لا في الكتاب ولا في أحاديث المعصوم عليه الصلاة والسلام .

وأنا شخصياً أعتقد أن شعور الإخوة الأقباط في مصر نحو جماعة الإخوان المسلمين يختلف كثيرا عن شعورهم نحو غيرهم من الجماعات ، واستدل على ذلك بواقعتين :

الأولى : حضور معالي الأستاذ مكرم عبيد باشا جنازة الإمام حسن البنا ، ولعله السياسي الوحيد الذي حضر تلك الجنازة ، بل هو الرجل الوحيد الذي حضرها باستثناء والد الإمام الشهيد .

الواقعة الثانية : هو أن الإخوة الأقباط – ولي كثير منهم من الزملاء والأصدقاء – كانوا يكنون إعزازاً كبيراً لفضيلة الشيخ أحمد حسن الباقوري رحمه الله ، الذي كان في وقت من الأوقات عضو مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين

وقد حضرت في السنة الماضية نائباً عن الأستاذ خالد محيي الدين حفل تأبين أقامته جامعة الأزهر ، وقد حضره المهندس نجيب سفين الذي كان وزيراً للهجرة آنذاك وقد ألقى كلمة أشاد فيها بالفقيد ، ودل ذلك على أن الباقوري كان يحمل شعوراً طيباً نحو الإخوة الأقباط ، وكان في أحاديثه وكتاباته مثالاً طيباً لتقوية أواصر الحب بين عنصري الأمة ، وما ذلك إلا من أثر نشأته في جماعة الإخوان المسلمين وتأثره بأفكارهم الطيبة في هذه الخصوصية بالذات .

وعندما حدثت في أواخر عهد السادات أحداث الفتنة الطائفية في " الزاوية الحمراء " ، لم يجد وزير الداخلية آنذاك اللواء نبوي إسماعيل غضاضة في أن يستعين بفضيلة الأستاذ عمر التلمساني المرشد العام الثالث للإخوان المسلمين ، والذي كان رئيساً لما كان يسمى وقتذاك المؤتمر الدائم للجماعات الإسلامية

أن يستعين به في محاولة إخماد تلك الفتنة الطائفية ( كتاب " ذكريات لا مذكرات " للأستاذ عمر التلمساني الطبعة الأولى 1985 ) وهنا قد يقول قائل إن أعضاء النظام الخاص المشهور إعلامياً بالنظام السري لجماعة الإخوان المسلمين قد ألقى قنابل على جنود الحلفاء ( المسيحيين ) في سنة 1946

وبإن عدداً من أعضائه قد حكم عليهم بسبب تلك الاعتداءات ( النقط فوق الحروف / الإخوان المسلمون والنظام الخاص للأستاذ أحمد عادل كمال ، منشوراء الزهراء للإعلام العربي 1987 م ، 1407 هـ ) كما أنهم في سنة 1948 فجروا قنابل وألغاماً في حارة اليهود وفي مجالات شيكوريل واركو وبنزايون وشركة الإعلان الشرقية التي كان يملكها يهود ( الإخوان المسلمين والتنظيم السري للدكتور عبد العظيم رمضان روز اليوسف الطبعة الأولى 1982 ) .

والرد على ذلك هو أنه لم تتم الاعتداءات المذكورة ، سواء على جنود الحلفاء ( المسيحيين ) أوالمنشآت اليهودية التي ذكرناها ، لم يتم الاعتداء عليها من منطلق ديني ، ولكن جنود الحلفاء كانوا من ضمن رموز الاحتلال البريطاني فضلاً عن أنهم كانوا يقومون بأعمال مخلة بالآداب ومستفزة للشعور الديني ، مثل العربدة والسكر في الشوارع وخطف السيدات ، أما الاعتداء على المنشآت اليهودية فذلك لصلتها بالصهيونية والاشتباه في أنها كانت تمور الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل .

ففي رأينا أن هذه الممارسات من الجهاز الخاص أو التنظيم السري الذي كان يكوِّن دولة داخل الدولة ، والذي خرج باعتراف المؤرخين المنصفين حتى من الإخوان المسلمين أنفسهم عن سيطرة القيادة الإخوانية ، فهذه لا تشكل خروجاً على خط الجماعة وفكرها الثابت في الوحدة الوطنية .

نأتي بعد ذلك إلى موقف الجماعات الثلاث الأخرى من الفتنة الطائفية ، وهذه الآراء التي نطرحها على حضراتكم مستقاة من الوثائق التي نشرها بعض الباحثين من الدكتور محمد عمارة والأستاذين رفعت سيد أحمد وعادل حمودة .

ونبدأ بتنظيم التحرير الإسلامي – وهو التنظيم الذي نفذ عملية الفنية العسكرية – الذي أنشأه الدكتور / صالح سرية الفلسطيني الأصل والحاصل على الدكتواره في علم النفس من جامعة عين شمس وله عدة رسائل ولكنها ممنوعة من النشر من جهات الأمن ، وقد تمكن الأستاذ / رفعت سيد أحمد من الاطلاع على بعضها وكان مؤلفها يسميها " رسائل الإيمان ".

وأهم المحاور التي دارت عليها عن نظام الحكم في البلاد الإسلامية وتكفير الحكام الذين لا يحكمون بما أنزل الله ، وكون المجتمعات الجاهلية ، وهي سمات تكاد تكون مشتركة بين التنظيمات الثلاثة – وهذا ليس موضوع حديثنا الليلة – ومن قراءتنا قراءة دقيقة نجد أنها تكاد تكون خالية من موقف التنظيم من الطوائف غير المسلمة، ولكن نظراً لأن هدف التنظيم الأول هو إقامة الحكم الإسلامي المبني على التشريع الإسلامي وحده، فإن معنى ذلك هو تطبيق الأحكام الإسلامية بالنسبة لغير المسلمين كما ورد في الكتاب والسنة، وهو الموضوع الذي سنتناوله بإيجاز غير مخل في ختام الحديث .

أما التنظيم الثاني ، وهو تنظيم جماعة المسلمين الذي اشتهر في وسائل الإعلام باسم جماعة التكفير والهجرة ، والذي كان يرأسه شكري أحمد مصطفى والذي كان طالباً في السنة النهائية بكلية الزراعة ، وهو التنظيم الذي نفذ اختطاف وقتل الشيخ حسين الذهبي وزير الأوقاف في يوليو 77.

فقد ترك قائد هذا التنظيم شكري أحمد مصطفى عدة وثائق لم تنشر مثل وثائق تنظيم التحرير الإسلامي ، ولكن تمكن الأستاذ / رفعت السيد أحمد من الاطلاع على بعضها ، وهي أيضاً تدور حول الحكومة الإسلامية وحكام المسلمين والمجتمع الجاهلي ، ولكن وردت في بعض فقراتها عبارات تسخر من الوحدة الوطنية وتقول عنها إنها خرافة ، وفي موضع آخر إنها من العبارات الماسونية مثلها مثل عبارة الديموقراطية ، ولكن ليس هناك شرح أو تفصيل .

أما التنظيم الثالث والأخير وهو تنظيم الجهاد المشهور الذي نظم عملية المنصة عام 1981 وغيرها من العمليات ، فيعتمد أساساً على كتاب " الفريضة الغائبة " وهو كتاب صغير الحجم وهو دستور جماعة الجهاد ، وقد ألفه المهندس محمد عبد السلام فرج الذي حوكم في قضية اغتيال السادات وتنظيم الجهاد .

وهذا التنظيم وهذا الكتاب هو أكثر التنظيمات والكتب حظاً من الدراسة والتناول . وقد استطعت أن أطلع على ثلاثة كتب تناولت التنظيم والكتاب ألفها كل من الدكتور محمد عمارة بعنوان :

الفريضة الغائبة : عرض وحوار وتقديم ، وكتاب قصة تنظيم الجهاد " دراسة ووثائق في الفكر الإسلامي " للأستاذ / رفعت سيد أحمد ، والكتاب الثالث هو" قصة تنظيم الجهاد " للأستاذ عادل حمودة . كما أنني قرأت شطراً من أسباب الحكم في قضية تنظيم الجهاد الذي أعده وقدم له الأستاذ عبد العزيز الشرقاوي المحامي .

والحق أنه ليس في كتاب " الفريضة الغائبة " ، وهو يعني بها فريضة الجهاد ، أي نص خاص بموقف التنظيم من أبنا الأديان وهو يتحدث أيضاً عن الحكومة الإسلامية ، ولكنه يركز على طريقة إقامتها بالالتفات إلى الفريضة الغائبة وهي الجهاد ، ولكن حدث في الممارسة العملية أن قام تنظيم الجهاد بخلاف التنظيمين السابقين بالهجوم على أكثر من محل من محلات الصياغ يملكها الإخوة المسيحيون ، أحدهما في نجع حمادي وآخر في القاهرة ، للاستيلاء على ما بها من ذهب لزوم التمويل ، كما حدث اعتداء على إحدى الكنائس في منطقة شبرا .

وقبل في تعليل الهجوم على محلات الصناعة إن أصحابها سيتبرعون للكنيسة ، وقد حدثت إصابات لبعض الأشخاص وسقط بعضهم قتلى ، منهم مسلمون ومسيحيون ، وهو أمر في عمومه مخالف للشريعة الإسلامية مخالفة صريحة .

وربما يقال إن ذلك حدث في سبيل القيام بالثورة الإسلامية أو تحقيق الحكومة الإسلامية ، وأيضاً هذا التبرير لا شك أن الشريعة الإسلامية لا تقبله ، ولكن كتاب " الفريضة الغائبة " يخلو تماماً من أي تحريض ضد أصحاب الأديان الأخرى ، مثله في ذلك مثل وثائق تنظيمي التحرير الإسلامي والتكفير والهجرة .

خلو وثائق الإخوان المسلمين والتنظيمات الثلاثة الأخرى من مواقف معادية نحو أبناء الأديان الأخرى ، واعتزام هذه التنظيمات جميعها إقامة حكم إسلامي ، يجعلانها بطريق الحتم واللوزم تطبق ما ورد في الكتاب والسنة ( سواء القولية أو العملية ) بشأن الموقف من أهل الكتاب .

والذي لا شك فيه أن موقف الإسلام وأعمال الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين ، بل إن التاريخ الإسلامي في عمومه باستثناء فترات مظلمة قليلة، كلها تشهد بأن موقف الدين الإسلامي من أبناء الديانات الأخرى يبلغ حداً من الروعة لم تبلغه كثير من الديانات الأخرى .

وكما ذكرنا لحضراتكم في بداية الحديث فإن الرسول صلى الله عليه وسلم في السنة الأولى من الهجرة حرر بينه وبين اليهود ميثاقاً أطلق عليه مؤرخو السيرة الدستور أو الوثيقة ، يبين من الاطلاع عليه أن اليهود جزء من المجتمع المدني ، لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم .

وليست المسألة – كما يحاول أن يصورها البعض – مسألة سماحة أو تسامح بل هو موقف مبدئي ، والموضوع واسع ومتشعب والكلام فيه يستغرق كثيراً، ولكن ما يهمنا هو أن نتناول أيضاً بإيجاز بعض النقاط التي تثير حولها كثيراً من الجدل والنقاش ، وفي مقدمتها بلاشك مسألة دفع الجزية وحرية العبادة ، وهل يباح لأهل الأديان الأخرى بناء معابد جديدة سواء في المدن القائمة أو في الجديد التي تستحدث وتولي الوظائف الهامة في الدولة .

وقبل أن تتكلم عن هذه النقاط المثيرة للجدل يهمنا أن نقرر أن معالجة النصوص والوقوف عندها هو الذي يحدد المفكر وفهمه الصحيح لدينه .

وفي رأينا أن الذين يتجمدون أمام النصوص لا يفهمون الإسلام فهماً صحيحاً وان موقفهم هذا يسيء إليه لأن الشريعة – أي شريعة – إنما أنزلت لصالح البشر لا لإبقائهم في العنت والحرج وكثيراً ما قال ابن تيمية : " حيت تكون مصلحة الناس فثم شرع الله " .

والإمام الطوفي الحنبلي تقدم بضع خطوات في هذا السبيل ورأى أنه إذا تعارض النص مع المصلحة فيجب تقديم المصلحة على النص ، لأن المصلحة هي المقصودة من سياسة المكلفين بإثبات الأحكام ، ولأنه من المحال أن تجيء النصوص مصادمة لمصالح الخلق ، والله تبارك وتعالى يقول " ما يريد الله ليجعل عليكم حرج " والنصوص في الشريعة الإسلامية تنقسم قسمين :

  1. قطعية النص والدلالة ( سواء من الآيات أو من الأحاديث )
  2. وآراء الفقهاء

أما عن فقه الفقهاء فأولئك قوم اجتهدوا لعصرهم وفق مقتضيات ظروفهم وبيئتهم ، ولكل فقهاء عصر أن يجتهدوا مثلما اجتهدوا لعصرهم ، وفي هذا يقول الإمام أبو حنيفة : " هم رجال ونحن رجال " ، كما قال الإمام مالك : كل شخص يؤخذ منه ويرد عليه إلا الرسول عليه الصلاة والسلام .

" أما عن الآيات والأحاديث قطعية الورود والدلالة والنص ، فالذي لاشك فيه أن هناك شروطاً موضوعية لازمة لتطبيقها يجب توافرها عند هذا التطبيق ، فإذا اختفت هذه الشروط تعذر تطبيق هذه النصوص ، وقد فعل ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما عطل حد السرقة في عام المجاعة، لأنه وجد أن الشروط الموضوعية غير متوافرة، بل خطا خطوة أوسع عندما امتنع عن تطبيق بعض النصوص عندما وجد أن المصلحة تقتضي ذلك ، وأبرز مثلين هما :

عدم تغريب الزاني غير المحصن مع وجود حديث صحيح في ذلك، لأنه وجد أن التغريب سيؤدي إلى بقاء غير المحصن في غير دار الإسلام وهذا مفسدته أكثر من مصلحته، والمثل الآخر عدم قسمة أراضي سواد العراق مع المقاتلين كما طلبوا ، رغم الآيات القرآنية التي تنص على ذلك .أي أن الخليفة عمر بن الخطاب كان واسع الأفق فلم يتجمد عند النصوص .

فإذا انتقلنا إلى النقط التي أشرنا إليها نجد أن أولها وهي الجزية وفيها آية صريحة لا لبس فيها ولا غموض : " حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون " .

ومنذ قديم أثار تفسير هذه الآية الكثير من الجدل بين المفسرين والفقهاء واختلفوا فيما بينهم ، فبعضهم قال إنها مقابل حماية المسلمين لأهل الكتاب إن عليهم حمايتهم إذ أنهم – أي أهل الكتاب – لا يشتركون في الحرب.

وبعضهم قال إنها مقابل انتفاعهم بسكنى الدور التي يسكنونها ، كما اختلفوا في تفسير معنى " الصغار " الوارد في الآية ، فبعضهم قال أن يدفعها وهو قائم والذي يأخذها جالس وبعضهم قال إنها تؤخذ بالعنف ، وأورد بن القيم في كتابه ( أحكام أهل الذمة ) صوراً كثيرة لطريقة أخذ الجزية فإذا جئنا إلى ما قلناه منتوافر الشروط الموضوعية للنصوص.

نجد أنه ولاشك أن الظروف الموضوعية لتطبيق هذه الآية غير متوافرة حالياً ، لأن إخوتنا المسيحيين حالياً كما يقول الأستاذ فهمي هويدي ( مواطنون لا ذميون ) وهذا عنوان كتاب له في هذا الموضوع ، فهم في حق المواطنة مثلهم مثل المواطن المسلم بلا تفرقة بينهما، ويشتركون في الدفاع عن وطنهم وتسيل دماؤهم دفاعاً عنه.

وقد حدثت وقائع عديدة في التاريخ الإسلامي اشترك فيها الإخوة المسيحيون في الجيش الإسلامي ، فلم تؤخذ منهم ولا من القرى التي أخرجتهم جزية ، والأمثلة على ذلك كثيرة ، مثل العقد الذي تم بين جيوش المسلمين وإحدى القبائل على حدود فارس في سنة 22 هجرية.

والذي بموجبه لم تؤخذ منهم الجزية لأنها كانت تؤدي خدمات عسكرية لجيوش المسلمين ، وقد ذكرها الطبري في الجزء الأول من تاريخه ، كما أورد الدكتور يوسف القرضاوي عدة أمثلة من هذا القبيل في كتابه ( غير المسلمين في المجتمع الإسلامي ) وقد استعان في بحثه في هذه النقطة بكتاب الخراج لقاضي القضاة أبي يوسف وموسوعة الأموال لأبي عبيد القاسم ابن إسلام.

وهكذا نرى أن التفسير الصحيح لآية الجزية يوحي بتعذر تطبيقها حالياً لعدم توافر الشروط الموضوعية لذلك ، وهو ما انتهى إليه كل من د.يوسف القرضاوي والأستاذ فهمي هويدي في كتابيهما اللذين أشرنا إليهما فيما سلف .

أما عن حرية العبادة ، فالحقيقة أننا لسنا في حاجة إلى شرحها لأن النصوص فيها كثيرة ومشهورة ، ويكفي أن نضرب مثلاً واحداً هو أنه عندما جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وفد من نصارى بخران كان يسمح لهم بأداء شعائر عبادتهم في مسجده الشريف .

أما عن عم إثامة كنائس جديدة سواء في المدن القائمة أو في المدن الجديدة ، فعلى الرغم من أن بعض الفقهاء قد نص على ذلك إلا أنه قد خالفهم فيه الكثيرون ، وفي مصر بالذات جرى العمل على خلافه ( أي مع خلاف المنع ) فقد أنشئت كنيسة كنيسة مارمرقص بالإسكندرية التي انتهى البناء فيها عام 56هـ .

ومدينة الفسطاط من العلوم أن الذي أنشأها هو عمرو بن العاص ومع ذلك بدأ إنشاء الكنائس فيها منذ وقت مبكر لعام 47هـ . كذلك سمح الوالي الأموي عبد العزيز بن مروان وهو والد الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز بإنشاء كنيسة في حلوان ولسنا في حاجة إلى الاستشهاد بأقوال المستشرقين المنصفين وشهادتهم بسماحة الإسلام مع أهل الأديان الأخرى زأما عن تولي الوظائف الكبيرة ، فالحقيقة أنه نص فقهي لم يطبق ، فقد حدث أن تولى وزارة التفويض عدد من أهل الكتاب حتى الخلافة الفاطمية .

حدث ذلك وكان عدد منهم يتولى منصب الطبيب الخصوصي للخليفة ، ومما هو جدير بالذكر أنه على عكس ما كان يحدث في أوروبا في العصور الوسطى لم يكن أهل الأديان الأخرى في المدن الإسلامية يعيشون في أحياء خاصة بهم لا يتعدونها ، بل كانوا شأنهم شأن المسلمون يختلطون في سكناهم ويسكنون في أي حي يريدون ، واشترك كثير من الخلفاء وخاصة في مصر وبالأخص بعض خلفاء الدولة الفاطمية في مواكب وأعياد الإخوة المسيحيين أما الشعب فقد كان أيضاً يشترك معهم في أعيادهم وأفراحهم والمقريزي وبن إياس المصري وغيرهم من المؤرخين ذكروا الكثير عن ذلك .

وهكذا نرى أنا لتفسير الصحيح للنصوص بالشريعة الإسلامية والممارسات التي حدثت بالفعل ، باستثناء عهود التخلف التي شمل الظلم فيها المسلمين وغير المسلمين ، تؤكد أن الإخوة المسيحيين في بلاد المسلمين مواطنون ، وهو الوصف الذي اختاره الأستاذ فهمي هويدي المفكر الإسلامي المستنير ، وهنا نأتي إلى النقة الأخيرة التي نتوقف عندها.

وهي أنها سواء بالنسبة للفرقة المعتدلة من الإسلام السياسي وهي جماعة الإخوان المسلمين والتي تريد تطبيق الشريعة الإسلامي أو الفرق الأخرى المتشددة التي تريد تطبيق نظرية الحاكمية لله تعالى ، وهي النظرية التي قال بها الشهيد سيد قطب ، فإن المحك في ذلك كله هو :

من الذي يتولى التطبيق ؟ وما هي الضمانات للتطبيق الصحيح المستنير لهذه النوص التي نرى أن العبرة فيها في التطبيق وأنها إذا طبقت تطبيقاً صحيحاً كانت عدلاً ، وإذا فسرت وطبقت تطبيقاً سيئاً كانت جوراً ، والمحك في هذا كله هو أن يكن الشعب مصدر السلطات.

وأن ينتخب حكامه بالديمقراطية الصحيحة ، وأن تكون هناك مجالس نيابية وأحزاب ونقابات وهيئات شعبية لها الرقابة المطلقة على ممارسات الحكام ، لا أن تترك السلطة لنفر من الناس بدعوى أنهم هم وحدهم ظل الله في الأرض وبأيديهم وحدهم الحق الإلهي في الحكم ، ولا يجوز الاعتراض عليهم لأنهم هم وحدهم حزب الله ، ومخالفوهم ومعارضوهم هم حزب الشيطان ، وهو ما يرفضه الإسلام.

والله يهدي إلى سواء السبيل .

الصحافة الدينية والمشكلة الطائفية

د. عواطف عبد الرحمن

مقدمة

تعد الصحافة واحدة من أهم وأخطر وسائل الاتصال صياغة وتوجيهاً للوعي الاجتماعي ، ومن ثم في خلق حالة من الإجماع أو الإجماع المضاد ، ذلك حسب مصلحة القوى الاجتماعية والسياسية المسيطرة على مجمل أجهزة المجتمع ومنها بالطبع جهاز الصحافة .

وعلى هذا فهي أحد الأدوات التي تستخدم في رسم مسارات محددة للصراع الاجتماعي ؛ فإما تعمقه من قنواته الصحيحة ، أو تدفع به إلى مسارات جانبية مموهة بذلك الصراع الحقيقي .

من هنا ، فإن قضية الفتنة الطائفية التي شهدتها مصر في الآونة الأخيرة ، ليست مقطوعة الصلة بالتأثير الذي تحدثه الأجهزة الإعلامية – ومنها الصحافة – وهي ، أي الفتنة الطائفية ، وإن كانت تقع ، في جزء من مسئولياتها ، على افتعال النظام السياسي الحاكم لها ، خاصة منذ أن بدأ العد التنازلي للسادات وسلطته الأيديولوجية والقمعية على الجماهير ، مع ما استتبعه ذلك من التزايد المذهل لعدد خصومه ، بانتماءاتهم السياسية المختلفة.

ومنهم قوى الإسلام السياسي الذين تنامت عصوبتهم وتعصبهم ، ورأوا أن اللحظة قد حانت لتعديل توازنات القوى ، واستثمار التراكم الذي حققوه، بمساعدة السادات ذاته، نعود فنقول ، إذا كانت المسئولية تقع في بعضها على هذا الجانب النخبوي للصراع، فإنها من جانب آخر كانت نتيجة لتحضير إعلامي واسع حيث لم يكن للمؤامرة أن تتم إذا لم يمهد لها باستقطاب أوسع اهتمام جماهيري، وتعبئة الجمهور انفعالياً لتوسيع مدى الصدام حيث يمكن للعناصر الفاعلة أن تخفي نفسها .

والدراسة التالية تركز على تحليل مضمون المواد الدينية في الصحافة المصرية في السبعينيات ، فترة يمكن اعتبارها مرحلة إعادة تكييف المزاج الجماهيري ، وحفر قنوات وعي جديدة تواكب التحولات الاقتصادية – الاجتماعية للعصر الساداتي .

وبناء على هذا التصور ، يصبح ما حدث في الثمانينات استمراراً ونتيجة لذلك الخط الثابت الذي انتهجته الدولة ، ومن ثم أجهزته الأيديولوجية . في إعطاء الصراعات طابعاً دينياً ، واستخدام الدين في ضرب القوى التقدمية المعارضة ، علاوة على استخدامه في تبرير ممارسات النظام .

لقد كانت هناك بالضرورة سمات خاصة ، وتطويرات كمية وكيفية شهدتها الفترة الأخيرة ما بعد اغتيال السادات : دخول الإخوان المسلمين مجلس الشعب تحت عباءة حزب " الوفد " ثم " العمل " .اتساع مجال نشاطهم الإعلامي المستقل ، ( صحف ، دور نشر ، مؤتمرات .. ) ، تضخم نفوذهم الاقتصادي ( البنوك الإسلامية وشركات توظيف الأموال ).

لكن تبقى هذه التحولات في مجملها استمراراً لنفس الخط الذي اختطه النظام في السبعينيات، والذي تسعى هذه الدراسة إلى استكناه تجلياته في الصحافة المصرية وذلك بهدف التأكد مما إذا كانت هناك علاقة بين أحداث العنف الديني التي بلغت ذروتها بمقتل السادات في أكتوبر 1981 ، وبين مضمون هذه المواد التي تنشرها الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية، ولقد شمت الدراسة الصحف والمجلات التالية :

الأهرامالأخبارالجمهوريةآخر ساعةروز اليوسفالمصورأكتوبر .

التيار الإسلامي في الصحافة المصرية

تعد الفترة الممتدة من أوائل القرن العشرين وحتى قيام ثورة يوليو 1952 من أخصب الفترات التي ازدهرت خلالها مختلف التيارات الفكرية والسياسية فكان هناك التيار الإسلامي الذي بدأ بالأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا وانتهى بظهور جماعة الإخوان المسلمين بزعامة حسن البنا في نهاية العشرينيات ، وكان متواكباً مع التيار الإسلامي كل من التيار العربي والشرقي والقومي والماركسي .

وقد استمرت هذه التيارات تتنافس وتتصارع ، وتتحالف وتتنافر ، ويندمج بعضها في الآخر ، ويختفي البعض الآخر نهائياً ، طوال فترة ما بين الحربين وحتى قيام ثورة يوليو عام 1952 .

وهنا بدأت مرحلة جديدة في تاريخ مصر السياسي أدت فيما بعد إلى بروز ما يمكن تسميته إشكالية العلاقة بين قيادة ثورة يوليو والقوى السياسية والتيارات الفكرية التي كانت سائدة في المجتمع المصري قبل قيام الثورة . وقد حسمت هذه الإشكالية مؤقتاً لصالح قيادة ثورة يوليو في مارس 1954 .

ويهمنا هنا بالتحديد التركيز على العلاقة بين القيادة السياسية لثورة يوليو وجماعة الإخوان المسلمين سواء في فترة الحكم الناصري أو أثناء الفترة الساداتية .

وبدون الدخول في تفاصيل ليس هنا مجالها يمكننا القول بأن علاقة الإخوان المسلمين قد بدأت وثيقة بحركة الجيش، واستمرت فترة طويلة ، ثم انتهت نهاية دموية مريرة ، وكانت بداية حلقات العنف والعنف المضاد بين كل من قيادة الثورة وجماعة الإخوان المسلمين في 14 يناير 1954 عندما صصدر قرار مجلس قيادة الثورة باعتبار جماعة الإخوان المسلمين حزباً سياسياً يطبق عليها القرار الخاص بحل الأحزاب السياسية .

إذ نص القانون رقم 179 لعام 1952 والقرار الصادر في 17 يناير 1953 على ما يلي : ( لا تعتبر حزباً سياسياً الجمعية أو الجماعة التي تقوم على محض أغراض علمية أو اجتماعية أو ثقافية أو أدبية ) ، ( رمضان ، 1981 : 147 – 151 ) ، ( البشري ، 1972 ) ، ويلاحظ أن هذا القانون قد ترك للإخوان المسلمين حرية الإختيار بين الإعلان عن أنفسهم كجماعة دينية بحتة أو الإفصاح عن طابعهم السياسي . وقد استقر الرأي على حل وسط يتيح للجماعة إمكانية الجمع بين النشاطين وهو فصل العمل الديني عن العمل السياسي ( رمضان ، 1976 : 120 ) .

ولا يمكننا أن نغفل التطور الذي طرأ على علاقة النظام الناصري بالمؤسسات الدينية الرسمية مثل الأزهر والمحاكم الشرعية والمجالس المحلية . فقد قام عبد الناصر بتطوير الأزهر وإعادة تنظيم دوره السياسي والاجتماعي والديني طبقاً للقانون رقم 603 لسنة 1961 .

وكان قد ألغى المحاكم الشرعية والمجالس المحلية منذ عام 1955 بالقانون رقم 462 لعام 1955 وأصبح التقاضي أمام المحاكم الوطنية . كما قام النظام الناصري بإنشاء مؤسسات جديدة كالمؤتمر الإسلامي والمجلس الإسلامي ( أحمد 1984 – 250 – 252 ) .

وإذا كان عبد الناصر قد طرح اجتهاده السابق المتمثل في محاولة ربط المؤسسات الدينية في الدولة بعمليات التنمية بفمهومها الشامل ، فإن ما حدث في الفترة التالية لعبد الناصر ، والمقصود بها فترة السادات ، كان مناقضاً لذلك تماماً .

إذ حاول النظام الساداتي تشجيع الحركة الإسلامية منذ منتصف السبعينيات لتحقيق أغراض تتعلق بالمصالح الآنية والمرحلية للنظام ، ولا ترتبط بالمصالح السياسية والاجتماعية للشعب المصري في مجموعه .

فقد كان يهدف السادات بتشجيعه الجماعات الإسلامية استخدامها كأداة لضرب القوى السياسية الأخرى ( والمقصود بها الناصريون والماركسيون على وجه التحديد ).

وقد نجح السادات في ذلك ولكن الازدهار الذي عرفته الجماعات الإسلامية حتى مقتل السادات لا يمكن أن يعود إلى ذلك التشجيع فقط بدليل أن تلك الجماعات قد استطاعت مراراً أن تتحدى النظام وتنفرد بالسيطرة على أماكن عامة ( الجامعات وبعض المساجد الكبيرة بل ومدينة أسيوط ذاتها ) وذلك بعد انقلاب النظام عليهم لانقلابهم عليه .

وعلى الرغم من السادات والإخوان والجماعات الإسلامية كانوا ينطلقون كما يبدو للوهلة الأولى من الإسلام ويطالبون بتطبيق الشريعة .غير أن بينهم فوارق جوهرية .

ففي حين أن السادات كان يأمر بفصل الدين عن السياسة تمسك الإخوان والجماعات الإسلامية بأن الإسلام دين ودولة. وكان خط السادات أن يضغط دائماً على مجموعة من القيم المتناقضة ذات الطابع السلبي ، مثل الحب كنقيض للحقد ، والأخلاق كنقيض للعيب ، في حين كان الإخوان والجماعات الإسلامية يؤكدون على أن الإسلام دين ودولة ، ويبرزون القيم التي تدعم توجههم ، مثل الدعوة إلى الجهاد .

ولكن تبقى بعض الفروق بين الإخوان والجماعات الإسلامية ، فالواقع أن من يراجع تاريخ الإخوان المسلمين على مدار نصف قرن يجد من الصعب تصنيفهم تحت عنوان سياسي واحد . فقد أيدوا إسماعيل صدقي والملك فاروق في الأربعينيات ونادوا بالتعاون بين العمال وأصحاب الأعمال في المراكز الصناعية الكبرى وأثاروا الانقسامات في الحركة النقابية . ولكنهم كانوا من الطلائع المسلحة التي دخلت فلسطين مقاتلة عام 1948 .

وقد أيدوا أعمال القمع ضد عمال كفر الدوار في أغسطس 1952 ، وشنوا حملة عنيفة ضد اليساريين.ولكنهم نادوا بإلغاء الأحكام العرفية وعودة الديمقراطية عام 1954 .

وكونوا جهازاً مسلحاً حارب النظام الناصري ، ولكنهم عوملوا منه بشدة لا مثيل لها . وحاربوا الناصريين والماركسيين في الجامعات والأحياء والمصانع في ظل السادات ، ولكنهم قاموا بأوسع تأييد للثورة الإيرانية ، ووقفوا ضد اتفاقيات كامب ديفيد والصلح مع إسرائيل ( السفير ، 1981 ).

كذلك امتلأت صفحات الدعوة والاعتصام بأشد أنواع التحريض الأعمى ضد المسيحيين ، كما أيدوا بل وشاركوا في أعمال العنف الطائفي أو ما يسمى ( بالفتنة الطائفية ).

ولذلك لا يمكن أن نزعم أن الجماعات الإسلامية تعتبر امتداداً عضوياً للإخوان المسلمين والواقع أنه ليس من اليسير التمييز بدقة بين حركة الإخوان المسلمين وحركة الجماعات الإسلامية ؛

فخلال التذبذبات والمناورات والظلال الكثيرة التي سترت الأفكار هنا وهناك يمكن أن نشير إلى نقطتين على قدر من الوضوح ، أولاهما أن الإخوان يريدون جهاداً يتقدمه أولو الأمر ، ويرون أن مهمتهم الحالية لا تنحصر في الدعوة الإسلامية وتربية الناس فحسب ، بل وفي إسداء النصح للحكام ؛

أي الاختلاف هنا على طبيعة المرحلة ، وأسلوب التعامل مع السلطة ، وسمتها العامة هي تجنب الصدام المباشر ، في حين أن الاتجاه العالم للجماعات الإسلامية هو أنهم فقدوا الأمل في هذا الطريق .

ولذلك أخذوا يعملون على التحريض المباشر لإسقاط النظام وإحلال السلطة الإسلامية مكانه. ثانيتهما أن الجماعات الإسلامية تركز حالياً على شعار إقامة الدولة الإسلامية بينما يركز الإخوان في المرحلة الراهنة على شعار تطبيق الشريعة الإسلامية . ( السفير ، 1981 ) .

ولاشك أن نجاح الثورة الإيرانية يعتبر عاملاً رئيسياً في تشجيع الجماعات الإسلامية، ولاشك أيضاً أنها أمدت تلك الجماعات بأساليب جديدة في استقطاب الرأي العام، ونشر الفكر الديني، ولكن يبقى بعد ذلك وقبله أن التيارات الإسلامية في مصر تشكل ظاهرة مصرية لها خصوصيتها التي تتسحق منا المزيد من الدراسة المتأنية .

أجهزة الإعلام الديني في مصر

على الرغم من أن السلطة السياسية في مصر تحرص في دعايتها على التأكيد على مبدأ فصل الدين عن الدولة، إلا أنها لم تهمل مطلقاً دعم البنية الفكرية الدينية كسند أيديولوجي لسطوتها، الأمر الذي بدا واضحاً في الرعاية التي كانت تغدقها على جهازها الإعلامي الديني، والذي يشمل:

جهاز الدعوة الدينية بوزارة الأوقاف

يعتبر هذا الجهاز من أبرز أجهزة الإعلام الديني ، ويشرع عليه وكيل وزارة مختص . والمعروف أن الدعوة الإسلامية تعتبر من أولى المهام المنوط تحقيقها بوزارة الأوقاف منذ إنشائها في عهد محمد علي 1835 على شكل إدارة الأوقاف ، ثم تحولت إلى نظارة عام 1931 ، وأخيراً أصبحت وزارة في عهد الملك فؤاد .

ويمارس جهاز الدعوة الإسلامية نشاطه من خلال عدد من الإدارات والأقسام النوعية وهي الإدارة العامة للإرشاد الديني والثقافة الإسلامية والإدارة العامة للمساجد ويتبعها حوالي خمسة آلاف مسجد بالإضافة إلى ثلاثين ألف مسجد أصلي .

جهاز الوعظ والإرشاد بالجامع الأزهر

ويتبع هذا الجهاز مجمع البحوث الإسلامية ، وتتحدد اختصاصاته في نشر الثقافة الإسلامية وتنقية التراث الإسلامي مما يثار حوله من شبهات بالإضافة إلى الإفتاء في مختلف القضايا والمنازعات التي تعرض عليه .

ويمارس]] هذا الجهاز من خلال نوعين من الرسائل . أولهما الوسائل المطبوعة وتتمثل في مجلة نور الإسلام وهي مجلة شهرية ، بالإضافة إلى النشرات والكتيبات التي يصدرها الجهاز في المواسم والمناسبات الدينية . وثانيهما الوسائل الشفهية وتتمثل في الندوات والمحاضرات والدروس الدينية المختلفة .

المجلس الأعلى للشئون الإسلامية

يعد هذا المجلس من أهم الأجهزة التي تعتمد عليها وزارة الأوقاف في مجال الإعلام الديني في مصر .إذ أنه يكمل الدور الذي يقوم به جهاز الدعوة الإسلامية بوزارة الأوقاف داخل الوطن . فالمجلس الأعلى يعمل على تغطية العالم الخارجي وخصوصاً الدول الإسلامية إلى جانب بعض النشاطات الثقافية الداخلية .

وتنحصر مهامه فيما يلي :

  1. العمل على توطيد العلاقات بين مصر والعالم الإسلامي وذلك من خلال استضافة زعماء العالم الإسلامي والعلماء المسلمين من مختلف أنحاء العالم .
  2. إصدار مجلة " منبر الإسلام " باللغة العربية داخل الوطن وباللغات الإنجليزية والفرنسية والإسبانية للخارج .
  3. العمل على إحياء التراث الإسلامي وإخراجه بطريقة عصرية .
  4. وسائل الإعلام المسموع والمقروء وتشمل :

أ‌ - محطة القرآن الكريم : وتعد من أبرز الوسائل السمعية للإعلام الديني المتخصص والمباشر ، وتوم ببث البرامج الدينية والقرآن الكريم على مدى 17 ساعة على فترتين . وتشتمل برامجها على القرآن الكريم والأحاديث النبوية والفتاوى والتفسيرات والخطب .

ب‌ - المجلات الدينية المتخصصة : ورغم أهمية هذه الوسيلة الإعلامية المباشرة إلا أن تأثيرها يظل محدوداً بسبب انتشار الأمية وخصوصاً في الريف المصري . وهناك ثلاث مجلات شهرية متخصصة هي :

  1. مجلة " الأزهر " وتتبع مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر وتصدر منذ عام 1930 .
  2. مجلة " منبر الإسلام " وتتبع المجلس الأعلى للشئون الإسلامية وتصدر منذ عام 1943 .
  3. مجلة " نور الإسلام " وتتبع هيئة الوعظ والإرشاد بالأزهر وتصدر منذ عام 1953 .

هذا عدا المجلات الإسلامية الأخرى التي تصدرها الجمعيات الدينية والأهلية أو التي يملكها ويديرها أفراد .

القضايا الدينية في وسائل الإعلام المصرية

تمنح أجهزة الإعلام المصرية ( الإذاعات – التليفزيون – الصحف ) اهتماماً خاصاً للقضايا الدينية .ويتمثل هذا الاهتمام في تخصيص بعض البرامج الدورية في الإذاعة والتليفزيون والعديد من الأبواب الثابتة في الصحف لمعالجة القضايا الدينية .

بالنسبة للإعلام المرئي والمسموع : نلاحظ أن الإذاعة المصرية تعمل على تحقيق رسالة الإعلام الديني من خلال البرامج والفقرات الدينية التي تبلغ حوالي 20 برنامجاً دينياً عدا القرآن الكريم والأغاني الدينية والابتهالات والدعاء والآذان وسائر شعائر الصلاة خصوصاً أيام الجمع ، وقد بلغ إجمالي ساعات البث للبرامج الدينية المخصصة في مختلف محطات الإذاعة عام 1979 حوالي 9453 ساعة بمتوسط يومي 25 ساعة أي ما يوازي 19,7 % من إجمالي ساعات الإرسال الإذاعي .

أما التليفزيون : فهو يعالج القضايا الدينية من خلال بعض البرامج التي تتسم بالدورية والثبات مثل برنامج " العلم والإيمان " للدكتور مصطفى محمود ، وأحاديث الشيخ متولي الشعراوي ، علاوة على الندوات والمؤتمرات الدينية ومسابقات القرآن الكريم للنشء . هذا عدا الخدمات الدينية التقليدية التي يقدمها التليفزيون بصورة دائمة مثل القرآن الكريم والأحاديث .

الصحافة المصرية : تخصص الصحافة المصرية ، وخصوصاً الصحف اليومية ، أبواباً ثابتة لمعالجة القضايا الدينية. وقد كان لصحيفة الأهرام السبق في هذا المجال . إذ سعت منذ عام 1947 إلى تخصيص مساحة ثابتة للإعلام الديني وذلك في شهر رمضان من كل عام ، ثم أفردت صفحة أسبوعية للشئون الدينية في النصف الأول من السبعينات (1975) .

وقد ترتب على ذلك نشوء قسم للشئون الدينية يضم بعض المحررين المتفرغين كما يسهم في نشاطه نخبة من العلماء والمفكرين الإسلاميين . هذا وقد بدأت كل من صحيفتي الأخبار والجمهورية بتخصيص صفحات أسبوعية في أعداد الجمعة لمعالجة القضايا والشئون الدينية ، وذلك منذ السنوات الأولى من السبعينات (19721973) .

ويختلف الأمر بالنسبة للمجلات الأسبوعية إذ لا توجد بها أبواب ثابتة لمعالجة القضايا الدينية ما عدا مجلة أكتوبر التي يوجد بها باب ثابت بعنوان ( آمنت بالله ) ، ولكن يلاحظ اهتمام هذه المجلات بمعالجة الشئون الدينية من خلال القوالب الصحفية المختلفة سواء الأخبار أو المقالات أو التحقيقات والأحاديث وإن كان يغلب عليها صفة عدم الانتظام وسنتناول ذلك بالتفصيل .

تصنيف المواد الدينية في الصحف المصرية

لوحظ أن المواد الدينية في الصحف المصرية لا تقتصر على الصفحات الدينية المتخصصة والتي تتسم بالدورية والثبات النسبي. ولكن تنتشر المواد الدينية سواء كانت أحداثاً أم قضايا على صفحات الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية طبقاً لأهميتها وظروف حدوثها.

وقد تم تصنيف المواد الدينية التي نشرت بالصحف المصرية خلال حقبة السبعينات على النحو التالي:

التصنيف الأول : ويتضمن المتابعات الخبرية للأنشطة الدينية في مصر بالإضافة إلى القرارات والبيانات وأشكال الاحتفالات الدينية المختلفة سواء كانت ذات طابع رسمي أم شعبي .

التصنيف الثاني : ويتضمن الصفحة المتخصصة وهي الصفحة الأسبوعية التي يشرف عليها محرر مسئول وتطرح من خلالها القضايا المختلفة . ويقسم المجال للمتخصصين وغير المتخصصين في الأمور الدينية للمشاركة في مناقشتها والإدلاء بآرائهم ، كما تضم هذه الصفحة أشكالاً مختلفة من التغطية الصحفية للقضايا الدينية قد يكون من بينها عمود ثابت أو أكثر .

التصنيف الثالث : ويتضمن القضايا الدينية التي تبرز أهميتها نتيجة للظروف والتطورات والمناسبات الدينية في مصر ، وتنشر في أيام أخرى غير يوم الجمعة . وعلى صفحات أخرى عادة ما تكون صفحة التحقيقات أو الصفحات الأخرى المتخصصة التي ترتبط بالدين من قريب أو بعيد .

نذكر منها – على سبيل المثال لا الحصر " تحقيق صحفي يتناول الاستعدادات لموسم الحج " أو حديث صحفي مع وزير الداخلية يتعلق بهذه المناسبة أيضاً أو حديث صحفي مع رئيس لمحكمة عسكرية تنظر أمامها قضية تتعلق بظاهرة العنف الديني .

التصنيف الرابع : ويشمل صفحة رمضان التي تخصصها الصحف لهذا الشهر وتنشر يومياً ، وتضم فنوناً تحريرية مختلفة تتنوع بين الخبر والحديث والتحقيق والمقال وتتناول موضوعات تتناسب وظروف الشهر .

أولاً – بالنسبة للصحف اليومية

لوحظ أن فئة العبادات والعقائد تستأثران بالمكانة الأولى في الصحف اليومية خلال شهر رمضان ، أما الفئات الأخرى فقد جاء ترتيبها كالتالي :

1- الأهرام : مرّت الصفحة الدينية بجريدة الأهرام بمرحلتين : أولاهما بدأت في فبراير 1975مارس 1976 . وكان الاهتمام الأساسي بالقضايا الدينية وإثارة الحوار حولها وإعطاء الفرصة لكافة الاتجاهات للمشاركة في إبداء آرائهم وخصوصاً المسيحيين ، حيث سمحت لهم الصفحة بطرح وجهات نظرهم في قضاياهم الدينية ، وهذا اتجاه غير مبوق في الصحافة اليومية إلا في المناسبات الدينية فحسب .

وقد تعرضت الصفحة في المرحلة الأولى لمناقشة مجموعة من القضايا الدينية المعاصرة مثل التطرف الديني والتصوف والتيارات السلفية والنقلية. كما عالج فهمي هويدي المشرف على الصفحة في عموده الثابت ( ولنا كلمة ) بعض القضايا الهامة مثل الاجتهاد في الإسلام ، وظهور جماعات التكفير والهجرة ، واليمين واليسار في الإسلام .

تبدأ المرحلة الثانية للصفحة الدينية بجريدة الأهرام من أبريل 1976 حتى اليوم ، وقد أسند الإشراف عليها إلى محمود مهدي إلذي يكتب عموداً ثابتاً بعنوان ( الأسوة الحسنة ) ، ويتناول في الصفحة الموضوعات التقليدية مثل التربية الدينية في المدارس ، والكسوة الشريفة ، وأخطاء الترجمات القرآنية ، والمواسم الدينية المختلفة ، وشئون المسلمين في الخارج ، ونشاط الجمعيات الإسلامية الجديدة .

2- جريدة الأخبار : تناولت الصفحة الدينية في جريدة الأخبار خلال فترة الدراسة جميع الفئات ، ولكن كان هناك تفاوت في درجة الاهتمام . مثلاً اهتمت في بداية السبعينيات ببعض القضايا الدينية المتعلقة بالعقيدة كالصوفية والإسلام كما أبدت اهتماماً ملحوظاً بقضية تقنين الشريعة الإسلامية ، وقدمت فيها 32 مقالاً خلال عام 1976.

ولذلك يمكن الول إن فقه التشريع قد احتل المكانة الأولى في الصفحة الدينية ، تلاها مباشرة العلاقات بين الدول الإسلامية والمؤتمرات الإسلامية ، كما اهتمت بمناقشة قضية النظرية الاقتصادية في الإسلام، واعتمدت على آراء المفكر الجزائري مالك بن نبي في هذا الموضوع ، اهتمت الصفحة بالتنشئة الدينية ، وركزت على دور الأزهر والمسجد والتعليم في هذا الصدد. هذا وقد واصلت الصفحة اهتمامها بالممارسات والاحتفالات الدينية في المواسم بالإضافة إلى السير والتراجم .

3- جريدة الجمهورية : بدأت الصفحة الدينية في يناير 1971 ومرت بعدة مراحل تغيرت أثناءها كوادر المحررين العاملين بها وموقعها في الصحيفة ، مما كان له آثار واضحة على مضمون الصحيفة وتوجهاتها .

ومن أبرز الثوابت في الصفحة هي الأعمدة التي تحمل عناوين عقائدية ( قرآن وسنة ) ( إسلاميات ) ( رأي الدين )،( خواطر إسلامية ) رغم اختلاف مضامينها ومعالجاتها للقضايا الدينية التي تعرضت لها .

ويلاحظ أن فئة العقائد قد شكلت أعلى نسبة في الصفحة الدينية بجريدة الجمهورية ، فقد ناقشت حرية الرأي والعقيدة ووحدانية الله وثوابه وعقابه . وقدم الشيخ سعد جلال من خلال عموده قرآن وسنة اجتهادات ملحوظة في هذا الشأن ، وقد تلا ذلك فئة الشخصيات الإسلامية ثم فئة التشريع .

ثم أقل الفئات تناولاً فقد كانت فئة العبادات . وقد ركزت الصفحة في النصف الأول من حقبة السبعينيات على الخلفاء الراشدين والشخصيات الإسلامية التي شاركت في الفتوحات والغزوات الإسلامية . كذلك اهتمت الصفحة بمناقشة قضية الحلال والحرام وفقاً لقوانين الشريعة الإسلامية ، وفي ضوء ظروف العصر .

أما الفئات الأخرى مثل الممارسات والاحتفالات الدينية والتربية الإسلامية والمؤسسات الإسلامية فقد منحتها الصفحة الدينية بجريدة الجمهورية اهتماماً روتينياً، وكانت مجرد موضوعات تسجيلية .

ثانياً – المضمون الديني في المجلات الأسبوعية

مجلة روز اليوسف

تتميز المادة الدينية في مجلة روز اليوسف خلال حقبة السبعينيات بالاختلاف والتباين في الفترة الأولى من 19711977 ، وهي فترة رئاسة عبد الرحمن الشرقاوي ، عنها في الفترة الثانية التي تولى خلالها مرسي الشافعي رئاسة التحرير .

ويلاحظ أن المجلة قد ركزت في الفترة الأولى على القضايا ذات الطابع الفكري والأيديولوجي مثل الإسلام والعدالة الاجتماعية ، والإسلام والديمقراطية ، وقضايا الهوية الحضارية ، والاقتصاد الإسلامي ، والماركسية الإسلامية ، والإخوان المسلمون الثورة والتراث الإسلامي .

كما شهدت هذه المرحلة الكثير من المعارك الفكرية حول القضايا الدينية التي أثارتها . ومن أبرزها دراسة ( الحركات السرية في الإسلام ). وقد أثارت مناقشات حادة حول المنهج العلمي المتبع فيها ، وحول تفسير هذه الحركات ودورها ( أكتوبر ، ديسمبر 1972 ) .

ثم حديث الشيخ الخفيف الذي أدلى فيه بتصريح ( كل المسلمين يسار ) وكذلك مقالات د. فؤاد زكريا عن ( الماركسية والإسلام ) والقضية المعروفة عن محاولة شيخ الأزهر التخلص من 48 عالماً لأنهم درسوا في الدول الاشتراكية .

وقد تبنت مجلة روز اليوسف هذه القضية وكتبت عدة مرات دفاعاً عن حقوق هؤلاء العلماء، حتى تراجع المجلس الأعلى للجامعات عن موقفه . كانت روز اليوسف تخصص ملحقاً لشهر رمضان ، كان يتضمن الأشعار والأحاديث النبوية والقصص القصيرة والتفسيرات القرآنية ، وكانا لشرقاوي يكتب افتتاحية هذا الملحق .

وقد سجلت الفترة الأولى اهتماماً واضحاً من جانب المجلة بقضايا الدين المسيحي في مصر . وقد تمثل ذلك في متابعتها لقضية الوحدة الوطنية ، حيث طرحت رؤية مخالفة لما طرحته الأهرام .

فأشارت معظم المقالات إلى أن الوحدة الوطنية بين المسلمين والمسيحيين لا يجب مناقشتها ، لأنها متحققة بالفعل ، وإنما يجب مناقشة الوحدة الوطنية من منظور وحدة الطبقات الاجتماعية لضمان سلامة المجتمع وسلامة الجبهة الداخلية في المعركة .

وقد أكد عبد الرحمن الشرقاوي نفس المعنى في مقالاته بعنوان ( الوحدة الوطنية أيضاً ) ، بمناسبة انتفاضة يناير 1977 واهتمت روز اليوسف بتوجيه النقد إلى خطباء المساجد ورجال الأزهر ووزارة الأوقاف وخصوصاً في افتتاحيات الشرقاوي .

ويلاحظ أن اهتمام روز اليوسف في الفترة الأولى لم يقتصر على هموم مصر الدينية بل تعداها غلى مناقشة هذه القضايا على المستوى الخارجي فأجرت عدة أحاديث مع الإمام القمي إمام الشيعة حول التقريب بين المذاهب الإسلامية خلال الأعوام 73 ، 76 ، 1977 .

ويلاحظ أن بريد القراء وباب ( حوار الأسبوع ) في روز اليوسف قد اتجه في تلك الفترة إلى إثارة قضايا دينية فقهية تدور حول شئون العبادات وخصوصاً في شهر رمضان والمناسبات الدينية مثل الحج بينما يختلف الأمر في الفترة 76 – 77 حيث يلاحظ اهتمام باب ( حوار الأسبوع ) بمناقشة الأحداث الدينية المعاصرة مثل عملية الفنية العسكرية وانتفاضة يناير 1977 ومحاكمة أعضاء التكفير والهجرة .

ويلاحظ أيضاً أن المذكرات التاريخية التي نشرتها روز اليوسف قد تناولت بعض القضايا الدينية رغم طابعها السياسي ، مثال ذلك سلسلة ( التاريخ السري لحكم عبد الناصر ) ، والتي اتهم فيها عبد الناصر بالإلحاد ، وإهدار الدين في عصره .

وسلسلة ( أيام الوفد الأخيرة ) لإبراهيم طلعت ، وقد تناولت مجلة أحداث التكفير والهجرة ومقتل الشيخ الذهبي ولكن من خلال مقالات وتعليقات الكتاب . كذلك اهتمت المجلة بعرض الكتب التي تناولت القضايا الدينية بمنظور عصري مثل ( الله ) لأحمد بهجت ، واليمين واليسار في الإسلام لعباس صالح .

في الفترة الثانية والتي تبدأ من يونيو 19771980 وعي الفترة التي كان يرأس تحريرها مرسي الشافعي اهتمت روز اليوسف بتخصيص باب حوار الأسبوع للرد على الآراء التي تطرحها الصحف والمجلات الأخرى حول القضايا الدينية المختلفة مثل تطبيق الشريعة ، وفرض عقوبة على المفطرين في رمضان ، ونمو نشاط الجماعات الإسلامية في الجامعات ، وبروز ظاهرة الحجاب ، وتفسير بعض آيات القرآن والشورى .

كما تناول أحمد حمروش وصلاح حافظ قضايا الإرهاب والعنف السياسي في مصر بمناسبة مقتل الشيخ الذهبي . وتشمل هذه الفترة اهتماماً محدوداً من جانب روز اليوسف بقضايا المسيحيين والدين المسيحي في مصر ، فلم ينشر سوى حديث صحفي واحد مع البابا شنودة .

مجلة آخر ساعة

يتزايد اهتمام آخر ساعة بالموضوعات الدينية بصورة طردية منذ بداية السبعينيات ، وتصل إلى ذروة الاهتمام عام 1977 ( 43 موضوعاً ) ثم يهبط اهتمامها حتى يصل في عام 1981 إلى ( 8 موضوعات ).

ويمكن أن تطلق على مجلة آخر ساعة ( مجلة المناسبات ) خصوصاً أن موضوعاتها الدينية لم تأت إلا في المناسبات الدينية فحسب. كما أنها لم تتعرض مطلقاً لجميع أحداث العنف الديني التي وقعت خلال فترة الدراسة مثل أحداث الفتنة الطائفية والفنية العسكرية .

ولكنها ولأول مرة قامت بتغطية حادث مقتل الشيخ الذهبي ، كما تابعت محاكمة جماعة التكفير والهجرة . وقامت بتغطية أحداث العنف الديني التي وقعت داخل الحرم المكي ، وقد لوحظ اهتمام المجلة بالمناسبات الدينية مثل الإسراء والمعراج ، والحج ، وشهر رمضان ، ولكن معالجاتها اتسمت بالنمطية والتكرار .

مجلة المصور

لم تخصص مجلة المصور صفحة أو باباً ثابتاً للمواد الدينية ، وكان تعرضها للقضايا الدينية يتم وفقاً لحدث أو مناسبة دينية مثل ( المؤتمرات الدينية ومراسم الحج وانتخابات الكنيسة ) . اهتمت بنشر حديث مع مصطفى العقاد مخرج فيلم " الرسالة " ، حيث يركز على أن الفيلم أفضل دعاية للدين الإسلامي ، وقد أجرى الحديث فوميل لبيب الذي أجرى عدة تحقيقات وأحاديث أخرى كان أبرزها مع مطران القدس الأنبا باسيليوس ، ومع البابا شنودة ، وتحقيق عن انتخابات البطريرك والمسيح في مصر .

وقد اهتمت المصور بإجراء العديد من الأحاديث مع أقطاب الدين الإسلامي والمسيحي في المناسبات الدينية المختلفة . كما اهتمت بتغطية المؤتمرات الدينية . وكان اهتمامها بالشرائع يأتي في المقام الأول ، ثم الممارسات والاحتفالات ، فالتراث الديني وأخيرا العقائد . ولوحظ اهتمام المصور بقضايا الدين المسيحي بصورة تفوق جميع الصحف والمجلات المصرية الأخرى .

مجلة أكتوبر

تتميز مجلة أكتوبر بوجود باب ديني ثابت بعنوان ( آمنت بالله ) يشرف عليه أحد محرريها ( إبراهيم مصيح ) . وقد اهتمت المجلة منذ صدورها 1976 حتى 1981 بالتركيز على الممارسات ىوالعقائد ، ثم العبادات والفتاوى ، كما اهتمت بسير الصحابة وعلماء الإسلام وشيوخ الأزهر ، بالإضافة إلى سيرة الرسول ( ص ) ، كما منحت اهتماماً ملحوظاً لمقتل السادات ، وأجرت عة تحقيقات عن المجموعة التي قامت باغتياله وأفكارهم وتحركاتهم يوم الحادث ، وخططهم ، ومتابعة البوليس لهم .

وقد أبدت مجلة أكتوبر اهتماماً خاصاً بالآثار الإسلامية وخصوصاً المساجد . وتعتبر أكتوبر الصحيفة المصرية الوحيدة التي اهتمت بمتابعة أخبار الدين اليهودي وخصوصاً مولد أبي حصيرة وعيد الغفران .

كما ركزت على أخبار الأديان الثلاثة مثل عناق أبدي بين الهلال والصليب ونجمة داود ، وهو مجموعة من الصور عن السادات مع رجال الدين المسيحي واليهودي ومؤتمر الأديان الثلاثة في أمريكا . ويلاحظ أن المواد الدينية في مجلة أكتوبر تتركز موضوعاتها على الدين الإسلامي ثم اليهودي ولم يرد شيء عن الدين المسيحي إلا من خلال الحديث عن الأديان الثلاثة .

اتجاهات الصحافة إزاء أحداث العنف الديني في السبعينيات

لقد شهدت حقبة السبعينيات عدة أحداث اتسمت بطابع العنف الديني هي على التوالي :

  1. حادث الفنية العسكرية الذي نشرت أخباره في 20 أبريل 1974 ، وألقى القبض على التنظيم الديني المدير له وقيادة ذلك التنظيم . ويعتبر ذلك الحادث أول صدام مسلح بين القيادة السياسية والجماعات الدينية ، فقد أسفر عن مصرع 11 قتيلاً وإصابة 27 شخصاً آخرين بجراح ، كما أشارت الصحف إلى صلة زعيم التنظيم بالحكومة الليبية .
  2. مقتل الشيخ الذهبي ( يوليو 1977 ) على يد جماعة المسلمين المعروفة إعلامياً باسم " التكفير والهجرة " .
  3. قضايا التنظيم الإسلامي المعروف باسم " الجهاد " الأولى في عام 1978 وقد شملت 80 شخصاً ، والثانية في عام 1979 وقد شملت 134 شخصاً .
  4. أحداث العنف في سياق المسألة الطائفية وتشمل الأحداث التي وقعت في المنيا ( أبريل 1980 ) وأحداث الزاوية الحمراء ( يوليو 1981 ) .
  5. الجماعات الإسلامية في الجامعات المصرية وتشمل أحداث جامعة أسيوط يوليو 1979 – جامعة المنيا نهاية العام الدراسي 19791980 ثم صدام طلبة أسيوط بالإدارة خلال عام 80 – 1981 .
  6. اغتيال رئيس الجمهورية أنور السادات في 6 أكتوبر 1981 ، اتهام الجماعات الإسلامية ، وتشكيل محكمة عسكرية لمحاكمة المتهمين .

وبمتابعة الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية خلال حقبة السبعينيات لتحديد مواقفها واتجاهاتها من أحداث العنف الديني من خلال استقراء وتحليل المعالجات التي قدمتها لتلك الأحداث لوحظ ما يلي :

  1. أن جميع الصحف المصرية دون استثناء قد عالجت هذه الأحداث بشكل منفصل عن الصفحات الدينية. وقد قامت بتغطيتها صحفياً من خلال الأخبار والتحقيقات والتعليقات والمقالات كأحداث مستقلة لها أهميتها وخطورتها على الواقع الاجتماعي والسياسي المعاصر .
  2. أن بعض الصحف المصرية قد علقت على هذه الأحداث في صفحاتها الدينية المتخصصة ولكن بعد وقوع هذه الأحداث ، باستثناء جريدة الأهرام التي نبهت في بدايات عام 1976 عندما أشار فهمي هويدي في عموده ( ولنا كلمة ) إلى خطورة جماعة " التكفير والهجرة " وسواها من الجماعات الدينية المتطرفة ، وذلك في سياق حديثه عن دور الأزهر في معالجة مظاهر الانحراف الديني .
  3. اتسمت مواقف الصحف المصرية من الجماعات الإسلامية بالسلبية والمعالجات الخبرية البعيدة عن التحليل أو التفسير . كما اقتصرت معالجاتها على تقديم وجهة نظر السلطة وعرض جماعة " التكفير والهجرة " في صورة مشوهة والتركيز على أقوال المنشقين عن الجماعة .
  4. شاركت الصفحات الدينية في كل من الأهرام والجمهورية في تغطية مقتل الشيخ الذهبي من خلال نشر وتقديم فكر الشيخ الذهبي وآراء الجماعات الدينية الإسلامية . فقد نشرت الأهرام عدة موضوعات عن المؤمن والكافر في الإسلام وجذور الفكر المنحرف .وبعد إعدام شكري مصطفى في 1/12/1977 نشرت الصفحة الدينية بالأهرام سلسلة مقالات وأحاديث عن الشباب والفراغ الديني ، وعن دور المسجد والمدرسة وأجهزة الإعلام في حماية الشباب .كما نشرت الجمورية في صفحتها الدينية تعليقاً على مقتل الشيخ الذهبي كتبه عبد اللطيف فايد في عموده ( خواطر إسلامية ) ، وقد فسر الحادث بأنه ( اختلاف في الرأي ناتج عن تعدد مصادر الثقافة وعلى الأمة أن تبحث في أوجه الخلاف ، وأن تستمد أفكارها من الله ورسوله )كذلك نشرت الجمهورية في نفس الشهر تحقيقاً عن شباب الجامعات يضع الحدود الفاصلة بين الجماعات الفاصلة بين الجماعات الإسلامية وتنظيم التكفير والهجرة .
  5. بدأت تحقيقات الأهرام المسلسلة حول مشكلات الجماعات الإسلامية ، والحلول المقترحة لها في 27 يناير 1978 بمواجهة بين رؤساء الجماعة في جامعة القاهرة ورئيسها في ذلك الوقت الدكتور صوفي أبو طالب ، الذي وضعت صورته إلى جانب صورة لرئيس الجماعة الإسلامية بكلية الآداب – جامعة القاهرة .

في هذا التحقيق تحدث أيضاً عبد المنعم أبو الفتوح رئيس اتحاد الطلاب وأحد رؤساء الجماعة عن مشكلات الجماعة وأهمها :‌

  1. تدخّـل إدارة الجامعة في الانتخابات .
  2. منع إقامة المؤتمرات والندوات .
  3. نقص الدعم المالي المخصص للجماعة .
  4. عدم وجود مساجد داخل الحرم تتناب وحجم الطلاب .
  5. تجاهل الجامعات للنشاط الديني واهتمامها بحفلات المسيقى والتمثيل والغناء والرقص .
  6. وضع الصعوبات والعراقيل أمام الجماعات الإسلامية وأعائها .

وقد قدم الدكتور صوفي أبو طالب ردوده على كل هذه الاتهامات محاولاً الدفاع عن الجامعة وإدارتها .ثم نشرت الأهرام في صفحة الفكر الديني تصريحاً لنائب رئيس الجامعة د.محمود درويش يقول فيه : " ديننا لا يعرف التعصب وينهى عن العنف في الدعوة " .

كما نشرت الأهرام مجموعة من تصريحات شيخ الجامع الأزهر د.عبد الحليم محمود حول التسامح والتسلح باللين في الدعوة وعدم اللجوء إلى العنف وكذلك د.بيصار .

نشرت مع التحقيق صوراً للدكتور عبد الحليم محمود ، عبد الرحمن بيصار ، محمود درويش ( صوراً شخصية ) واختتمت الأهرام سلسلة تحقيقاتها هذه بما يشبه الدعوة لمحاولة احتواء الجماعات الإسلامية حتى تبتعد عن فكرة العنف لكي تكون قوة ضاربة داخل الجامعة ضد بقية القوى السياية الموجودة .

النتائج العامة للدراسة

باستقراء المؤشرات الوصفية للمسح الإعلامي الذي أجري للصحف المصرية اليومية والأسبوعية خلال حقبة السبعينيات بهدف استخلاص الملامح العامة للمواد الدينية في الصحافة المصرية يمكننا أن نعرض أبرز النتائج العامة التي توصلنا إليها وذلك بالصورة التالية :

أولاً : شهدت السبعينيات ظهور صفحات متخصصة للقضايا الدينية في الصحف اليومية . وهذا التقليد لم يكن سائداً من قبل في الصحافة المصرية إلا في شهر رمضان ، حيث دأبت أغلب الصحف اليومية على تخصيص صفحة يومية تتناول من خلالها الجوانب الخاصة بالعبادات والصيام وأخلاقياته والتراث الإسلامي وتاريخ المساجد .

كما كانت تقتصر المتابعات الخبرية للمواد الدينية الموسمية والمؤتمرات الإسلامية . وقد سجلت جريدة الأهرام بداية الاهتمام بالقضايا الدينية من خلال تخصيص صفحة أسبوعية للفكر الديني في فبراير 1975 .

ثم تلتها بعد ذلك جريدة الأخبار ، أما الجمهورية فقد كان يوجد بها باب ثابت باسم الدين والحياة منذ عام 1971، ثم أصبح صفحة مستلة في أبريل 1975 ، أما المجلات الأسبوعية فلا يوجد بها باب ثابت للشئون الدينية إلا في مجلة أكتوبر ، حيث يوجد باب " آمنت بالله " من يناير 1977 .

ويقتصر اهتمام بعض المجلات بالشئون الدينية على المعالجات الموسمية مثل آخر ساعة . بينما تحرص بعض المجلات على إثارة القضايا الدينية بأبعادها الفكرية والحياتية ، وتحرص على إشراك العديد من الكتاب والقراء الذين ينتمون لمختلف الاتجاهات ، مثال روز اليوسف ( أثناء فترة عبد الرحمن الشرقاوي من 19711977 ) .

وهناك بعض المجلات التي تعتبر القضايا الدينية جزءاً لا يتجزأ من نشاطها الصحفي فتقوم بتغطية المؤتمرات الدينية وإجراء الأحاديث الصحفية مع علماء الدين والتحقيقات سواء بالنسبة للدين الإسلامي أو المسيحي ، مثال مجلة المصور .

ثانياً : لوحظ أن العامل الذاتي يلعب دوراً رئيسياً في طبيعة القضايا الدينية وأساليب معالجتها سواء في الصفحات الدينية في الصحف اليومية أو المجلات الأسبوعية . إذ ترتبط هذه الأمور بشخصية المشرف على الصفحة أو المجلة ، وقناعاته الفكرية .

وهناك مثلان بارزنا ، أولهما جريدة الأهرام ، فقد مرت الصفحة الدينية بمرحلتين ، الأولى ( فبراير 1975مارس 1976 ) كان يرأسها فهمي هويدي ، وقد اتسمت بقدر كبير من المرونة والحرص على طرح كافة القضايا ، وإثارة الحوار حولها ، وإشراك المسيحيين في طرح قضاياهم الدينية .

كذلك اتسمت بالطابع التحليلي والتفسيري ، ولم تلجأ إلى القوالب الخبرية إلا في أضيق الحدود . وقد ناقشت الصفحة في تلك الفترة مجموعة من القضايا التي استحوذت على الرأي العام مثل التصدي للتطرف الديني فكراً وحركة، ومناقشة الجذور الحقيقية لظاهرة الانحراف الديني والتصدي للتيارات التي تركز على الشكليات الدينية والمفاهيم السلفية .

شهدت المرحلة الثانية من حياة الصفحة الدينية بجريدة الأهرام تحولاً ملحوظاً في اتجاه الصفحة ومواقفها من القضايا الدينية المطروحة منذ ظهور الباب الأسبوعي للمشرف على الصفحة بعنوان ( الأسوة الحسنة ) حيث يتناول الموضوعات التقليدية مثل التربية الدينية في المدارس ، والكسوة الشريفة في المزاد العلني ، واقتصرت الصفحة على الاستعانة بكبار رجال الدين الرسميين ووزير الأوقاف ، وفقدت الكثير مما كانت تتميز به من حيوية في المرحلة الأولى عندما كان مسموحاً للكتاب من مختلف الاتجاهات بأن يشاركوا فيها .

المثل الثاني يتجسد في مجلة روز اليوسف حيث مرت المادة الدينية بمرحلتين أولاهما مرحلة عبد الرحمن الشرقاوي ( 19711977 ) التي شهدت تنوعاً ملحوظاً ، سواء في القضايا والمشكلات الدينية التي طرحتها المجلة أو الكتّاب المتخصصين وغير المتخصصين الذين شاركوا بأشكال متعددة ، فضلاً عن المعارك الصحفية والقضايا الخلافية بين كتاب المجلة ورجال الدين الرسميين.

ومن أبرزها تلك المعركة التي دخلتها المجلة من أجل 48 عالماً أراد الأزهر أن ينبذهم لأنهم حصلوا على الدكتوراه من الدول الاشتراكية ، والحديث الشهير للشيخ الخفيف الذي قال فيه إن كل المسلمين يسار ، مما أثار ردود فعل عنيفة ضد الشيخ ، ودافعت عنه المجلة .

هذه المعارك والقضايا ، وهؤلاء الكتاب الذين ينتمون لمختلف الاتجاهات لا نجدهم في المرحلة الثانية التي بدأت برئاسة مرسي الشافعي ( 19771980 ) ، حيث تركت القضايا الدينية لمسئولية القراء ،

وأصبح ( حوار الأسبوع ) هو المكان المفضل والمسموح به لإثارة القضايا الدينية في مجلة روز اليوسف والجدير بالذكر هنا ، أن السلطة السياسية كانت تستخدم هذا العامل الذاتي ، في رسم التوجهات العامة للصحف الدينية وبالتالي استخدام الديني لتبرير سياساتها مثلما حدث في أعقاب أحداث يناير 1977.حين استبدلت عبد الرحمن الشرقاوي بمرسي الشافعي ، كي تستخدم الدين في إدانة الانتفاضة الشعبية .

ثالثاً : تركز معظم المواد الدينية التي تنشرها الصحف المصرية على شئون الدين الإسلامي والمسلمين ، ولكنها لا تغفل الاهتمام بالدين المسيحي والمسيحيين ، فيلاحظ أن هناك إجماعاً على الاهتمام الموسمي التقليدي بالدين المسيحي في الأعياد والمناسبات الدينية ، ونادراً ما تشهد طرحاً للقضايا الخلافية في الدين المسيحي .

وداخل هذا الإجماع هناك اختلافات في درجة الاهتمام ونوعه فنلاحظ أن الجمهورية أكثر الصحف اليومية اهتماماً بالشئون الدينية للمسيحيين ، ويتجلى ذلك في عدم اقتصارها على المواسم والأعياد فحسب ، بل تحرص على المتابعة الخبرية لأحوال المسيحيين مع إجراء الأحاديث والتحقيقات من حين لآخر مع كبار رجال الدين المسيحي .

كذلك تعتبر مجلة المصور أكثر المجلات الأسبوعية اهتماماً بالقضايا الخاصة بالدين المسيحين ، ويبرز هذا في تغطيتها الدائمة والأنشطة الكنسية المختلفة مع استمرار إجراء الحوارات مع قادة الدين المسيحي .

أما الدين اليهودي فإن الاهتمام به لا يتعدى الإطار الخبري فحسب ، وقد حدث ذلك بعد توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية في 1978 . ويلاحظ أن الجمهورية ( نسبياً ) ومجلة أكتوبر هما اللتان توليان اهتماماً بمتابعة شئون اليهود والدين اليهودي وخصوصاً مجلة أكتوبر .

رابعاً : لوحظ أن المعالجات التي تقدمها الصحف المصرية للقضايا الدينية في السبعينيات تلتزم بالخط الرسمي للدولة وللمؤسسات الدينية الرسمية ( الأزهر والأوقاف والمجلس الأعلى للشئون الإسلامية ) ما عدا استثناءات قليلة تمثلت في مجلة روز اليوسف ( فترة الشرقاوي 19711977وجريدة الأهرام ( فترة فهمي هويدي 19751976 ).

والعمود الثابت الذي كان يقدمه الشيخ سعد جلال في الجمهورية بعنوان قرآن وسنة ، والمعروف أن الشيخ سعد جلال من المجددين الإسلاميين .

ولذلك يلاحظ أن الإعلام الديني الذي تقدمه الصحف المصرية لا يتسم في مجمله بالرؤية النقدية ، ولا القدرة على اقتحام القضايا الدينية المعاصرة ، كما أنه لا يقدم المعالجات الصحيحة التي تستجيب لاحتياجات الشباب الذي يسعى للخلاص من خلال المعرفة الحقيقية الشاملة لأمور دينه ودنياه .

خامساً : لم تتعرض الصحف المصرية لمناقشة العنف الديني إلا بعد وقوع الأحداث المعروفة ، والتي بدأت بحادث الفنية العسكرية 1974 ، ثم مقتل الشيخ الذهبي 1977 ، وأحداث الفتنة الطائفية في المنيا وأسيوط والزاوية الحمراء 79 – 80 – 1981 .

وقد كان لجريدة الأهرام السبق في التنبيه إلى خطورة الجماعات الإسلامية الجديدة ، وضرورة اهتمام الأزهر بمعالجة ظاهرة التطرف الديني وجذوره . وقد لوحظ أن موقف الصحف اليومية من هذه الأحداث كان منفصلاً عن مضمون الصفحات الدينية بها .

فمن الواضح أن هناك استبعاداً للتيارات الدينية الأخرى من حق التعبير في الصحف القومية ، الاقتصار على الكتّاب الرسميين والمعالجات التقليدية للقضايا الدينية المعاصرة . مما كان سبباً في وجود انفصال كامل بين ما تنشره الصفحات الدينية في الصحف المصرية وبين الأحداث التي وقعت في السبعينيات ، والتي أطلق عليها ( أحداث العنف الديني ) .

المشكلة الطائفية والديمقراطية

د.فوزي منصور

إن مهمة الدفاع عن الثقافة القومية قد أصبحت الآن تحديداً هي الحلقة الرئيسية ضمن عمليات مواجهة التحديات التي يقابلها مجتمعنا.من هذه التحديات أيضاً وبنفس القدر من الخطورة مشكلة الفتنة الطائفية التي أخذت تروعنا منذ سنوات ، من هنا كان طبيعياً جداً أن تعطي لجنة الدفاع عن الثقافة القومية كل هذا الاهتمام للمشكلة ولا تكتفي بمجرد مظاهرة عارضة أن منشور أو بيان على أهمية تلك الأشكال من التصدي.

وأود هنا أن أشكر للجنة دعوتها لي بالحديث أو على الأصح لمناقشة موضوع الديمقراطية والفتنة الطائفية معكم . وأقول " مناقشة " عمداً لأني عندما أتأمل الوجوه التي أراها أمامي أرى وجوه أساتذة أجلاء وزملاء كرام يعرفون بالقطع عن جانب أو آخر أو عن أكثر جوانب هذا الموضوع أكثر بكثير جداً مما أعرف .. إذن هي مناسبة طيبة في الحقيقة لمجرد فتح الباب لمناقشة الموضوع .

وكما قلت لكم ، فإن الموضوع يبدو سهلاً ، فالطرف الأول " قضية الديمقراطية " وأعتقد أن هناك اقتناعاً عاماً الآن في مجتمعنا وفي هذه الآونة بالتحديدد بأن قضية الديمقراطية هي القضية الجوهرية ، إنها أصحبهت بدورها تمثل الحلقة الرئيسية التي ينبغي الإمساك بها والتوجه منها لحل كافة المشكلات الأخرى .

أما الطرف الثاني وهو " الفتنة الطائفية " فنحن نعرف مدى خطوراتها على مجتمعنا ، وقد أفاض د/ فؤاد مرسي في ذلك بما لا يدع مجالاً للمزيد ، إذن يبدو من السهل جداً أن ننتل من أحد الطرفين إلى الطرف الآخر ونقول إن هناك خطراً ماثلاً شديداً وهو خطر الفتنة الطائفية .

وهناك قضية ينبغي أن نتوجه نحوها بكل ما نملك من قوة وهي قضية الديمقراطية . وإذن هي قضية كفيلة أيضاً بأن تقدم الحل لموضوع الفتنة الطائفية ضمن ما تقدمه من حلول لقضايا أخرى . كنت أود لو كان الأمر بهذه السهولة ..

هناك بالطبع ارتباط بين الأمرين ولكنه ليس ارتباطاً عاجلاً ولا مباشرة وأظن الأمثلة التاريخية القائمة تدلل على ذلك . فإذا ما أخذنا الديمقراطية في الجانب الشكلي البحت ... حريات سياسة حرية تكوين الأحزاب ، نظام نيابي ، حرية صحافة ، حرية الفكر والرأي والنشر ..... إلخ .

فأظن أن لبنان كانت أكثر البلدان تمتعاً بهذا القدر أو بهذا الجانب من جوانب الديمقراطية ، وهي في نفس الوقت الضحية الأولى لقضية الفتنة الطائفية .

وإذا مارجعنا إلى الوراء بل ذلك بعض الشيء – وطبعاً التشبيه غير كامل لكن هناك بعض نواحي الشبه – فسنجد أن ألمانيا النازية قامت من ثنايا نظام ديمقراطي كانت له نواقصه بلا شك – لكنه من نواح كثيرة يمثل أملاً نسعى للحصول عليه ، ولا أريد في هذه اللحظة أن أمد القياس بين التطور النازي في ألمانيا وما يمكن أن يؤدي إليه التعصب الطائفي بالنسبة لمجتمعنا ، ولا أريد أن أكون نذيراً للأهوال إذا صحت الكلمة ، لكن لماذا نذهب بعيداً ..

فلو تصورنا أن الديمقراطية الشكلية قد سادت بقدرة قادر ، وبمعنى من المعاني على ربوع مصر الآن ؛ حرية العمل السياسي المطلقة . تكوين الأحزاب ، الانتخابات الحرة ، حرية الصحافة والرأي والكلمة .... الخ الخ .

فهذا موضوع وارد على الأقل كاحتمال، وبالطبع فإن مدى تحقق الاحتمال أو عدمه يمكن أن يتوقف على المادة المتاحة للعمل الديمقراطي ، فإذا تصورنا انتخابات حرة حقيقية في الأسبوع القادم فسوف يكون الاحتمال أكثر بكثير مما إذا كانت فترة حريات كاملة متكاملة لمدة سنتين أو ثلاث تعقبها انتخابات ، لأن ذلك قد يتيح لقوى لها توجهات أخرى الفرصة لأن تجمع صفوفها وتحدث تأثيراً مخالفاً في الرأي المصري وتقيم ارتباطات قد تحد من هذه النتيجة ، وهذا مستبعد حدوثه لو تمت الانتخابات خلال أسبوع فقط .

بالطبع أنا لا أملك أي دليل على صحة ما أقول فهذه ليست أكثر من توقعات ، ولكني أعتقد أنها توقعات واردة .هل نفكر إذن بالديمقراطية ونقول إنها ليست الحل أو أنهل من الممكن أن تؤدي بنا إلى مخاصر يحسن توقعها ؟

إطلاقاً , أظن أنكم جميعاً غريزياً ومن غير تفكير تتفقون معي على أن هذا ليس وارداً ، وأعتقد أيضاً أنكم تتفقون معي حتى قبل أن أتقدم بالقول في أن الحل هو أن الديمقراطية ينبغي أن تكون جزءاً من كل أكبر بكثير من التعريف الشكلي لها ، حتى تقدر على مواجهة الفتنة الطائفية وكل ما يترتب عليها ومخاطرها ، إن الديمقراطية شرط ولكن كما يقول أهل الرياضة هي شرط ضروري وليست كافياً حيث ينبغي أن تتوفر معها عديد من الشروط الأخرى التي تتكامل معها .

وربما كان من المفيد هنا أن أعيد بعض الشيء ترتيب الأوراق وأضع الديمقراطية في الواقع كمجرد جانب من إشكالية أكبر بكثير وأبعد مدى وأعمق ، وهي إشكالية حقوق الإنسان ، لأن من المتصور – وقد حدث ذلك تاريخياً في ظروف معينة – أن توجد الديمقراطية الشكلية بمواصفاتها المعروفة ، وفي نفس الوقت لا تكون كل حقوق الإنسان متوافرة أو محترمة ، في حين أن الاحترام الكامل لحقوق الإنسان يتضمن بطبيعة الحال الحق في العمل السياسي بكافة نواحيه ، بكل ما يترتب على ذلك من حق الاجتماع وتكوين الأحزاب ، وحتى الوصول إلى السلطة عن طريق الانتخاب ... الخ .

إن حقوق الإنسان تتضمن كل هذا وما هو أكثر منه ويتكامل معه ، مثل حرية العقيدة ، وهذه مسألة أساسية جداً لا كمجرد نص في الدستور ، وإنما كحق يمارس بالفعل بكل ما يتضمنه هذا الحق من معانٍ وحريات أخرى مثل حرية الفكر .

فذلك معنى أوسع بعض الشيء من حرية العقيدة ، لأنه يعني حرية الدعو لهذا الفكر ، وفي تصوري أن هذا جزء أصيل أو جزء لصيق بحرية الفكر : شيء طبيعي جداً إذا كنت أؤمن بفكر معين أن أسعى إلى إقناع الغير به وليس فقط التمتع بيني وبين نفسي باعتناق هذا الفكر أو ذاك .

في تصوري إذن أنه كامتداد لحرية الفكر والعقيدة يجب أن تحترم حرية الدعوة لما يرى الإنسان أنه صواب فكراً أو عقيدة ، وأعتقد أن تأصيل هذه الحقو تثبيتها في مجتمعنا لزوم تأصيل كافة الحقوق الديمقراطية . إ

ن هذه الحقوق لم يتم تثبيتها جيداً وذلك لأسباب تاريخية متعددة ، مرتبطة بتطور مجتمعنا وبحجم القوى النسبية للفصائل المختلفة ، ومن ثم فإن إحدى مشاكل مجتمعنا الحالية – ولا أقصد بذلك فقط مشكلة احتمالات تصاعد نيران الفتنة ولكن العديد من المشكلات الأخرى – هي أن هذه الحقو لم يتم تثبيتها كما ينبغي في مجتمعنا .

ونحن نعرف أن هذه الحقوق قد ارتبطت تاريخياً بنهضة البرجوازية في البلدان الرأسمالية المتقدمة ، وهناك بالطبع قدر من الارتباط العضوي بين الأمرين ، ولقد حاولت البرجوازية في مجتمعنا بالمثل أن تقوم بهذا الدور التاريخي في فترة ما، في العشرينيات والثلاثينيات من هذا القرن .

لكنها سرعان ما ألقت الراية بسبب العديد من جوانب الضعف التي أدت بها أيضاً إلى تقديم التنازلات في كافة المجالات الأخرى سياسياً واقتصادياً وكفاحياً ... الخ ، ومن الطبيعي أن تعجز البرجوازية عن دعم هذا الدور وحمايته ، ومن واجباتها التاريخية إنما ينتقل عبره على القوى الثورية التي تصبح مهمتها استكمال الطريق وأن تقوم على الأقل في المرحلة الأولى من حركتها بما عجزت عنه البرجوازية ،

وأقصد هنا قوى الاشتراكية ، فهي الوريثة الطبيعية لمهمة الدفاع عن حرية الفكر والعقيدة في كل مجال ممكن وقد حاولت ذلك ولكنها – وهذا تصوري الشخصي الذي يرد عليه الخطأ والصواب كأي تصور شخصي – في تصوري أنها توجهت بإرهاب لا مثيل له دفعها دفعاً لأن تمتنع من خوض المعركة إلى نهايتها ، وهناك العديد من التفسيرات لذلك.

فمن الناحية السياسية يفسر على أنه كان الموقف الممكن ، ربما كان ذلك فعلاً هو الموقف الممكن في المدى القصير ، ومن ناحية الكسب السياسي المباشر ، لكنه ليس بالضرورة الموقف السليم على المدى الطويل ، وبالتأكيد ليس بالموقف المبدئي إن الدفاع عن حرية الفكرة والعقيدة معركة رئيسية انتقلت رايتها إلى القوى الاشتراكية ولم تُخَض على الوجه الكامل .

وأظن أن التخلف عن خوض هذه المعركة بالقدر الكافي والقوة الكافية ربما كان له أيضاً بعض الأثر في تفسير الأوضاع التي نجد أنفسنا فيها الآن .ليست المسألة مجرد صراع فكري يدور في فراغ علوي .

إنما لكي نتابع الأمر حتى جذوره ، لابد من ربطه بأبعاده الأخرى تفسيراً للماضي وإيماءً للمستقبل ، فإذا كانت البرجوازية قد تخلت ليس في مصر إنما في عديد من البلدان الأخرى عن أن تقوم بمهمتها التاريخية في الدفاع عن حرية الفكر والعقيدة ، فقد كان هذا مرتبطاً بمواقفها الأخرى وضعف وجودها وضعف أساسها الاقتصادي.

وبالمثل لابد أيضاً أن نربط تخلف قوى الاشتراكية عن أن تواجه هذه المسألة بما تستحق من حسم ، أقول لابد أن نربط ذلك بالأوضاع المجتمعية التي كانت القوى الاشتراكية تواجهها ، فهذه الأوضاع الاجتماعية لم يقتصر أثرها فقط على الحد من حرية الفكر والعقيدة وإنما أيضاً كانت تحارب التوجه العقلاني بوجه عام ، أي في كل ناحية من نواحي الحياة ، وهذا في الواقع هو لب ما أود أن أصل إليه : قضية العقلانية في المجتمع .

أريد أنأقول إن غيبة النظرة العقلانية أو ضعفها قد انعكس على كل شيء في المجتمع ، بما في ذلك التفسيرات الشائعة لبعض جوانب العقيدة الدينية أو التغيرات المتقدمة لبعض جوانب السلوك التي تنسب إلى الفكر الديني ، ولكي أوضح ما أقصده بذلك أود أن أطرح ملاحظة معينة :

هناك صحوة دينية عندنا الآن ، لاشك في هذا ، وهي ليست الصحوة الوحيدة في عصرنا الحديث ، كذلك ليس مجتمعنا هو المجتمع الوحيد الذي يتعرض لمثل هذه الصحوة ، فلنقارن إذن ما يحدث لدينا بتجربتين أخرتين:

إحداهما حديثة في الماضي ، والأخرى تحدث الآن في مجتمعات معاصرة ، فبالنسبة للماضي نلاحظ أن التطور الرأسمالي في أكثر البلدان زيادة في هذا المجال ( إنجلترا وألمانيا وفرنسا وبوجه عام شمال غرب أوروبا ) ارتبط بصحوة أو ثورة دينية ، لقد كان هناك قدر من التعاصر بين التطور الرأسمالي في أولى مراحله وبين الثورة البروتستاينية وهي ثورة دينية .

أسهمت هذه الثورة أو الصحوة الدينية من نواحٍ معينة في التعجيل بمعدل التطور الاقتصادي في تلك المجتمعات، هذا نوع معين من أنواع التطور في الفكر الديني وفي الممارسة الدينية . نوع من الاجتهاد الناشئ من داخل المؤسسة الدينية نفسها وهو تطور إلى الأمام يتوافق مع التقدم .

المثال الثاني ، وهو مثال معاصر ، نجده الآن في أمريكا اللاتينية داخل الكنيسة الكاثوليكية نفسها ، هناك أيضاً توجه ديني إلى الأمام ، أما عن مصر وفي المجتمعات العربية والإسلامية بوجه أعم ، هناك شيء هام استرعى انتباهي هو من التحليلات التي تناولت ظاهرة الإحياء الديني.

وهو القول بأن حركات الإحياء الديني في مجتمعاتنا يغلب أن يكون توجهها العام رجعياً أو على الأقل يستخدم بواسطة القوى الرجعية ويخدم أغراضها ، وربما كانت الم[[مارسات الفعلية للتيارات الدينية الجديدة التي بدأت تطفو على السطح في مجتمعنا منذ أكثر منذ نصف قرن ، الممارسات الفكرية والممارسات السياسية على حد سواء ، تبرر هذا القول.

لكن هذا الربط بين حركات الإحياء الديني وبين التوجهات الرجعية ليس ضرورياً ولا لازماً، بدليل أنه ارتبط في بعض البلدان كما سبق القول بالتحول الثوري إلى الرأسمالية ، وقد كان ذلك تحولاً تقدمياً في وقته ، وأيضاً بدليل بروز تيار ديني ثوري تقدمي في أمريكا اللاتينية في عالمنا المعاصر .

إن هذه الظاهرة – ظاهرة ارتباط حركة أو حركات الإحياء الديني في مصر والبلدان العربية عموماً بالرجعية والسلفية – يجب أن نواجهها بتفكير عقلاني ونحاول أن نحللها تحليلاً علمياً لكي نستطيع أن نتعامل معها على أساس صحيح.

وهنا أطرح عدداً من المسائل متواكب مع بعضها البعض ، من هذه المسائل أنه كانت هناك إمكانية مفقودة هي أن تحدث من داخل المؤسسة الدينية ثورة ذات توجه تقدمي أو على الأقل معاد للاستعمار ومواكب لثورة التحرر الوطني .

حدث هذا بشكل جنيني مع جمال الدين الأفغاني ، والحركة المهدية بشكل ما في السودان التي كانت تنطوي أيضاً على جوانب شديدة الرجعية ، لكن في مصر بكثافتها السكانية ووزنها الثقافي ، فإن كل ما يطلق عليه كلمة الصحوة الدينية الآن هو في الواقع ردة ، والصحوة التي كان من المفروض أن تأتي لم تأت على الإطلاق ، وهذه مسألة لابد أن ترد إلى الظروف المجتمعية الكلية الخاصة بمجتمعنا المصري .

من المهم إذن الدعوة إلى العقلانية والدفاع عنها والإصرار على ذلك ، كذلك من المهم أيضاً أن نتخذها أداة لفهم هذه الظاهرة الدينية ومعرفة الأسباب التي دفعتها لهذا الاتجاه المختلف .

وأعتقد أن أهم الأسباب التي يمكن أن تفسر هذه الظاهرة وهو ما أشار إليه د. فؤاد مرسي من ارتباطها بمصالح خارجية ومؤامرات خارجية ، نعلم جميعاً أنها تؤث وتدعم وتدفع وتحدد الاتجاه ، لكن رغم ذلك يبقى التساؤل قائماً .

لماذا يسير الكل في اتجاه مختلف ولا توجد فرقة واحدة تتحرك في اتجاه تقدمي ؟ أنا شخصياً لا أقبل بفكرة أن النصوص مثلاً تمنع من ذلك أو أن هناك محددات أو قيوداً معينة موروثة هي التي تدفع للخلف ، لا أقبل ذلك لسبب بسيط أكاد أعتبره قانوناً من قوانين التطور الاجتماعي.

وهو أن الشعوب بوجه عام والقوى الاجتماعية المتقدمة تستطيع تفسير نصوصها المقدسة تفسيراً متقدماً يتلاءم مع طموحاتها وتوجهاتها وهي تتجه نحو ذلك ، بينما تتجه الشعوب المتخلفة – مع الاعتذار عن استخدام هذه الكلمة – إلى تفسير ميراثها ونصوصها المقدسة بدورها تفسيراً مختلفاً . هذا التفسير لا يقدمنا إلا خطوة متواضعة جدا .

في طريق الحل ، لكنها رغم ذلك خطوة حاسمة تساعدنا على فهم الوضع الحالي الذي نشاهده جميعاً ، وهو أن الصحوة الدينية التي لا مجال لإنكارها قد أتت بمضمون شديد التخلف ، وبالطبع فهي ظاهرة شديدة التعقيد تتداخل فيها عوامل متعددة ويمكن أن تقدم لها تفسيرات شتى ، قد يكون منها أو تلك النهضة الدينية المتقدمة التي يفتقدها مجتمعنا تحتاج إلى مجهود فكري فذ لتستطيع أن تتحرر من قيود الزمن والميراث والتقاليد ، على وجه يفرض نفسه على "المؤمنين أو على جزء منهم قبل غيرهم كما فعل " مارتن لوثر " .

فقد كانت لديه عقلية متميزة عن معاصريه،وكما يفعل الآن بعض الكرادلة في الكنيسة الكاثوليكية في أمريكا اللاتينية ، وهم أيضاً كفاءات فكرية بالمقارنة بغيرهم من رجال الدين المسيحيين . إذن فقد يكون لغياب عامل من هذا النوع أثره،إلا أن هناك أسباباً أخرى متصلة بطبيعة المجتمع الذي توجد فيه .

ففي تصوري أن أحد أسباب الصحوة الدينية المتخلفة هو أن الغالبية العظمى من الناس ، وخاصة الشباب منهم ، تبحث عن بديل متكامل للمجتمع القائم ، ولم تجد تلك الفئة من يقدم لها البديل بشكل متكامل وملح ومتماسك إلا في الاتجاه اليميني .

لقد أنتج النظام الاقتصادي الاجتماعي المصري ، على مدى الخمسة عشر عاماً الأخيرة . أنماطاً سلوكية وقيمية مدمرة ، فهذا النظام الذي دفعنا إليه السادات ومن وقفوا وراءه هو بكل بساطة نظام فقد عقلانيته .

والمسألة ليست على الإطلاق مسألة تحول للرأسمالية ومن ثم كراهية الشباب لها . لأن النظام الرأسمالي له عقلانيته وقواعده التي يسير عليها وتسمح له بإنجازات معينة وتفرض ، تقبلاً له ، عقلانية محدودة بطبيعة الحال ومشروطة زمنياً ، فهناك في النظام الرأسمالي إلى حد ما بعض التناسب المقبول بين الجهد والجزاء ، وهو مقبول من فئات واسعة بحكم أوضاع كرست على مدى عشرات أو مئات السنين ، وبحكم نتائج وإنجازات محددة ينتهي إليها النظام . في حين أن النظام الذي انتقلنا غليه ونعيش فيه لا عقلانية له على الإطلاق .

الرأسمالية كما قلت لها عقلانيتها المحدودة ، والاشتراكية لها عقلانيتها الأوسع نطاقاً والأوسع تقبلاً ، والمشروع القومي الناصري كانت له عقلانيته ومنطقه ونتائجه المحسوبة التي كانت تغطي على نواحي القصور فيه ، أما هذا الشيء الذي أطلقه السادات ومن وراءه – من عقاله فلا منطق اجتماعي ولا عقلانية له ، يمكن أن يتقبلها الشاب ، وبل ترفضها فئات واسعة من المستفيدين المباشرين منه لأنهم يشعرون ويرون ، ولو غريزياً ، أن هذا النظام محطم تماماً في المدى الطويل لكن ما يمكن أن يقوم عليه أي مجتمع سوي ، متعمق ، ومحرك للقوى التيس يمكن أن تلتف حولها .

وفي مواجهة هذه الأزمة المجتمعية التي أوجدنا فيها السادات ورجاله ومحركوه ، وأمام العجز من تقديم البديل الذي يمكن أن تكون له مصداقية تفرض نفسها على الشباب المثقف وعلى الجماهير على حد سواء ، لم يكن هناك مفر من التقهقر إلى الخلف ، ذلك التقهقر الذي يأخذ هذه الأشكال الغريبة التي نراها ، والتي توشك أن تدمر ليس فقط عقل الأمة وقدرتها على التعرف السليم على موقعها من العالم المعاصر ومشاكلها معه ، ولكن توشك أن تدمر وحدتها أيضاً .

أظن أننا دون أن ندرك هذه الحقيقة الموجودة ، لن نستطيع تفسير ظاهرة الصحوة الدينية واتجاهها نحو الوراء ، وفي نفس الوقت قوتها الملحوظة ، وتبعاً لذلك قد يكون من الصعب معالجتها ، ما هو مقتضى هذا ؟ سوف ألخص حديثي الآن في ثلاث نقاط :

النقطة الأولى : إن الديمقراطية شرط ضروري لكنه ليس شرطاً كافياً .

النقطة الثانية : إننا لابد أن نسعى لتحقيقها ولكن في إطار مفهوم أوسع وأشمل يضم حقوق الإنسان ، ويضم أيضاً تقوية الاتجاه العقلاني .

النقطة الثالثة : إن المجتمع نفسه يجب أن يتوجه عقلانياً أو على الأقل يجب أن توجد هذه الدعوة المتكاملة المقنعة الي تستطيع أن تجذب الشباب بوجه خاص إلى مشروع عقلاني ، وهنا أركز مرة أخرى – تركيزاً قد يكون محلاً للجدل – على الشباب ، لأنهم هم الواسطة التي تنقل إلى الجماهير صاحبة المصلحة هذا البديل المتكامل عن الواقع الحالي .

باختصار – إذن – لابد أن يكون هناك مشروع قومي يستطيع أن يجذب الشباب والقوى الاجتماعية الأخرى التي يمكن أن ترى فيها البديل المتقم المقبول .

في هذه الحدود الثلاثة أتصور أن بإمكاننا تلمس الطريق إلى الحل البعيد المدى للمشكلة الطائفية .. وبالطبع فالتركيز على الحل البعيد المدى لا يعني أبداً إغفال أو التغاضي عن كل ما يمكن اتخاذه من وسائل لمقاومة الظاهرة الطائفية والتنبيه لخطورتها ، لكن لابد أن يكون هذا في إطار الحل طويل المدى .

وأشكـــركم.

الفتنة الطائفية والقوى الخارجية

د. فؤاد مرسي

دخل الإسلام مصر المسيحية في العام الحادي والعشرين بعد الهجرة وهو يقابل عام 642 ميلادياً .وطوال 1345 عاماً هي عمر الإسلام في مصر حتى الآن لم يعرف المصريون ما يسمى بالفتنة الطائفية إلا من نهاية القرن الماضي ، وبالدقة في ظل الاحتلال البريطاني مصر من عام 1882 وحتى الآن .

وبالطبع دخل الإسلام مصر وهو يخير المصريين بين الإسلام والجزية . ومن ثم فقد أقبل المصريون على الإسلام زرافات ووحداناً . لكن العرب الفاتحين كانوا يدركون حتى منذ ما قبل الفتح أنهم يتعاملون مع شعب أوصاهم به النبي خيراً .

ولقد تلقاهم شعب مصر هو الآخر بأذرع مفتوحة . فقد أمر مطارن الإسكندرية قبط مصر بعدم مقاومة العرب . وبذلك تخلصت مصر من حكم البيزنطيين وهم الروم .

وكان المصريون الذين تبنوا المسيحية منذ سنواتها المبكرة على أيدي مارمرقس قد اختلفوا مع الكنيسة المسيحية الشرقية في بداية القرن الخامس الميلادي حول طبيعة اللغة . فأخذ القساوسة المصريون ومعهم أهل الإسكندرية بفكرة التوحيد معلنين اعتراضهم على الفكر اليوناني .

وبعد منازعات عديدة ودموية انتشرت الحركة في مصر بين أغلبية السكان الساحقة ، ومن ثم انفصل المصريون عن كنيسة القسطنطينية وكونوا كنيسة محلية هي الكنيسة القبطية ومقرها الإسكندرية .

وبدلاً من اليونانية التي كانت لغة الثقافة ولغة الكنيسة أيضاً في ربوع شرقي البحر المتوسط ، استخدم المصريون اللغة البطية وكانت هي الصيغة المتداولة للغة المصرية القديمة وعندما دخل العرب مصر تركوا الإدارة في أيدي أولئك الذين كانوا يتولونها قبل دخولهم .

كما تركوا أهل مصر تحت حكم قانونهم الديني . وكان المصريون يتبعون أحكاماً يباشرها القساوسة. وفي عهد عبد الملك بن مروان ، أي بعد نحو خمسين عاماً من الفتح ، صارت اللغة العربية لأول مرة هي اللغة الرسمية للإدارة المالية . فلم يؤثر ذلك كثيراً إلا على فئة قليلة من المصريين .

وإنما بدأت اللغة تشيع في الكتابة شيئاً فشيئاً وأكثر فأكثر . فاحتفاظ الأقباط بمناصبهم في الإدارتين المالية والمدنية جعلهم يقبلون على تعلم العربية ، حتى أن القساوسة أيضاً أخذوا يكتبون في القرن العاشر الميلادي .

ولقد استمر الأقباط يتولون أعمال الإدارة ويحتفظون بين أيديهم بالخبرة اللازمة لأعمال الري . حيث استمر ذلك زمناً طويلاً وجيلاً بعد جيل ، حتى في ظل الفاطميين والمماليك وكانوا أهل تعصب ديني ، تارة للشيعة وتارة للسنة .

ومع ذلك ، فإنه ينبغي القول بأنه قد وضعت في التطبيق بعد الفتح الإسلامي نظم عدة ، قانونية واقتصادية واجتماعية ، كان من شأنها تمييز الأقباط عن المسلمين في بعض الأمور ، واصطحب الغلو في التفريق بين جماعتي المصريين بعهود من الجهالة والظلام .

ومع أن التاريخ الوسيط حافل بكثير من الفتن الدموية التي حلت بمجموع المصريين بلا تمييز والتي لم تتخذ صور الفتنة الطائفية على النحو الذي عرفناه به في عصرنا الحديث ، إلا أن تمييز الأقباط عن المسلمين كان ينال من مكانتهم كمواطنين.

ولا يخفف من وطأة هذا الواقع التاريخي سوى حقيقة أن الأغلبية الساحقة من المصريين ، بغض النظر عن عقيدتهم الدينية ، كانت تعاني بقسوة من الاستغلال الاجتماع والقهر السياسي طوال عصور طويلة حالكة السواد .

محاولة لتحديد مفهوم الفتنة الطائفية

نقول إن الفتنة الطائفية ظاهرة حديثة في تاريخ مصر . ولقد قامت في نهاية القرن الماضي على أساس استناد الاحتلال البريطاني إلى تكوين أقليات متميزة داخل المجتمع المصري مع تمزيق وحدة المصريين أنفسهم .

فقد عمل المستعمرون الإنجليز بكل ما يملكون على مقاومة النمو التاريخي للقومية المصرية التي أخذت تتشكل طوال القرن الماضي ، وبخاصة في نصفه الثاني ، والتي لعبت فيها الثورة العرابية دوراً بارزاً حتى بعد هزيمتها .

لقد كان كرومر يتكلم عن مصر بوصفها بلداً شعوبياً ، مصراً على أنه لا توجد أمة مصرية ، وطبق الاحتلال البريطاني في حكمه لمصر على سياسة شعارها : " فرق تسد " فمنح الجاليات الأوروبية المقيمة في مصر امتيازات تجعلهم فوق القانون ، ثم استخدم بعض أبناء المشرق العربي في بعض مراكز الحكم وحرمها على المصريين ، ثم سعى لتقسيم المصريين بحسب ديانتهم.

وكان الخديو توفيق قد كافأ أولئك الذين ساندوه ض الثورة العرابية بإقطاعهم أراضي وألقاباً وخص بها بعض مشايخ البدو وبعض الأقباط . فأراد الإنجليز أن يميزوا بين المسلمين والأقباط في التعليم وتولي الوظائف العامة أيضاً .

وهكذا ، فإنه عندما شهدت بداية القرن الحالي حركة ناهضة للقومية المصرية ، تجمعت في نفس الوقت بدايات الفتنة الطائفية الكبرى التي تورط فيها الحزب الوطني الوليد بزعامة مصطفى كامل على أساس رؤية خاطئة لعلاقة مصر بالدولة العثمانية .

بينما وقف حزب الأمة يدافع عن مبدأ أن مصر للمصريين جميعاً.وامتدت الفتنة الأولى فينا بين عامي 1908 و1911 وتورطت فيها من جانب الأقباط جريدتا " مصر " و " الوطن " ، ومن جانب المسلمين جريدتا " اللواء " و " المؤيد " .

وبدا الأمر كما لو كانت الدولة العثمانية تساند المسلمين ، بينما حاول الإنجليز أن يبدوا كحماة للأقباط . لكنا لبرجوازية الوطنية الثورية آنذاك لم تلبث أن تغلبت على الفتنة بعد أن كانت تهدد البلاد بشر وبيل ، وعبرت مصر بذلك عن غلبة " الجامعة المصرية " أي الرابطة القومية على " الجامعة الإسلامية " أي الرابطة الدينية .

كما ساعدت أحداث الحرب العالمية الأولى على قطع علاقات مصر بتركيا وبالخلافة العثمانية ، مثلما ساعدت على تطور الثورة المصرية التي لم تلبث أن تفجرت في عام 1919 فكشفت عن عمق الحقيقة التاريخية التي تمثلها الوحدة الوطنية بين المسلمين والأقباط في مصر .

وهنا جاء حزب الوفد امتداداً لحزب الأمة وكان سعد زغلول امتداداً لمحمد عبده . وسكّت الثورة بشعار " الدين لله والوطن للجميع " . فالمصريون كلهم سواء في الحقوق والواجبات .

وبذلك خمدت – إلى حين – الدعوة إلى الفتنة الدينية التي كان الإنجليز وراءها . والواقع أنهم لم يكفوا أبداً عن اتهام الحركة الوطنية المصرية بالتعصب الديني الإسلامي ، اتهموا الثورة العرابية ، واتهموا الحزب الوطني ، بينما سعوا لتغذية الاتجاه المتعصب في جريدة الوطن . لكن ثورة 1919 أخمدت ذلك كله بإقرار مبدأ المساواة بين المصريين .

والواقع أن الحقيقة التاريخية التي تمثلها الوحدة الوطنية تقوم من جانب آخر على حقيقة تاريخية أخرى بنغي الحديث عنها وإبرازها لتأخذ مكانتها الحقيقية في التاريخ وفي الواقع معاً . وهذه الحقيقة الأخرى هي حقيقة التجانس الديني في مصر .

فالمصريون الذين ابتدعوا الديانات القديمة القائمة على التوحيد قد احتفظوا طوال آلاف السنين بتجانسهم الديني الفريد.فلما اعتنقوا المسيحية كانت لهم مسيحيتهم المصرية التي لم تلبث أن استقلت بكنيستها القبطية .

فلما دخل الإسلام مصر واعتنقته الأغلبية من سكانها ظلوا مسلمين سنيين على المذاهب الأربعة ، وعلى الرغم من الحكم الفاطمي الذي فرض إسلام الشيعة على المصريين ، فإنه لم يعمر أكثر من مائتي عام من بين 1345 عاماً ، ولم يلبث أن اقتلع منها بمثل ما فرض به . وعادت مصر مسلمة سنية حتى وقتنا هذا .

وبقيت الكنيسة القبطية هي الكنيسة المصرية . لم يفلح نابليون بونابرت في أن يصطفي لنفسه من الأقباط سوى الجنرال يعقوب ولم تفلح الإرساليات الإيطالية والأمريكية والإنجليزية في أن تتوغل في صفوف الكنيسة القبطية . وبقي المسيحيون الكاثوليك والبروتستانت أقلية قليلة من المسيحيين المصريين .

هكذا لم تعرف مصر تلك الفسيفساء الدينية التي تنتشر في بلدان شقيقة تحيط بنا مثل العراق وسوريا ولبنان.وهكذا تميزت مصر في الحاضر بسمتين حاسمتين من الناحية الدينية ، هما : التجانس الديني الكبير والوحدة الوطنية بين عنصري الأمة .

وجاء دستور 1923 تكريساً لثورة 1919 التي توقفت مع ذلك في منتصف الطريق ولم تنجز كل مهامها المطروحة عليها . ومع ذلك فلقد أقرت مبدأ حرية الاعتقاد بكل مجالاته . وكانت لجنة وضع المبادئ العامة للدستور قد قررت بالإجماع أن حرية الاعتقاد الديني مكفولة .

وأعلنت اللجنة أن اختلاف الأديان والعقائد والمذاهب لا يؤثر على أي شخص من أشخاص الرعية المصرية في المسائل الخاصة بالتمتع بالحقوق المدنية والسياسية ، بل ووضعت بشجاعة نادرة في مشروعاتها مادة تقول إنه ليس لمصري أن يحتج بأحكام دينية للتخلص من أداء الواجبات المفروضة عليه كمواطن .

وعندما أثير في مناقشاتها التي بدأت في عام 1922 موضوع التعليم الأولي الإجباري دار حوار فريد ينبغي التذكير به في أيامنا هذه . فقد كانت الحكومة تقدمت من قبل إلى مجلس شورى القوانين بمشروع خاص بدخول التلاميذ في الكتاتيب التابعة لمجالس المديريات ، وقيدت قبولهم فيها بأداء امتحان في القرآن .

وهكذا استطردت مناقشة اللجنة إلى ذلك الموضوع الذي استند إليه العضو توفيق دوس وكان قد تصدى للمطالبة بتمثيل خاص للأقلية المسيحية في مصر . فانبرى له عبد الحميد بدوي قائلاً : " ذكر لنا توفيق بك مثالاً جرى في عهد مجلس شورى القوانين كاد المجلس أن يقر فيه حكماً فيه حيف على الأقباط .ولكنه لم يقبل .

وكان هذا رداً كافياً على توفيق بك ، فإنه لم يكن في مجلس الشورى تمثيل للأقباط ولكن الحيف مع ذلك لم يقع بهم . ثم إن المثال الذي ذكره يمكن القول بأنه يتضمن شيئاً من المساس بالحرية ".واستطرد عبد الحميد بدوي في تأصيل فكرته قائلاً :

" إن الفارق الديني أخذ يضعف حتى عندنا ولن يطول عليه الزمن حتى ينمحي في علاقاتنا الاجتماعية وتلغي تماماً جميع آثاره . فمحاولة إبقاء هذا الفارق محاولة لاستدعاء هذا الماضي وهذه المسألة أخشى منها كثيراً في عصر قلَّت فيه مظاهر التفرقة الدينية وأصبح العامل الذي يربط بين الناس في حياتهم الاجتماعية هو عامل المصلحة المشتركة بغير نظر إلى مذهب أو دين " .

وكان يشير بذلك إلى حقيقة الاندماج المتزايد بين أبناء الأمة في إطار القومية المصرية.وانتهى الجدال بكلمة قالها عضو قبطي آخر معلناً أن الأقباط قبل المسلمين يعارضون في تخصيص مراكز برلمانية لأقباط .

على هذا النحو نستطيع الآن أن نحدد مفهومنا للفتنة الطائفية . فالفتنة الطائفية ليست هي اختلاف العقيدة الدينية بين المواطنين ، وإنما هي استخدام اختلاف العقائد الدينية للإحلال بمبدأ المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات .

هي التمييز بين المواطنين على أساس من الدين ، فإذا كان كل من الدستور والقانون لا يعترفان بمثل هذا التمييز ، فإنه تجري محاولة في التطبيق الرسمي أو الشعبي لفرض ذلك التميز .

وهنا تتدخل القوة ويجري تبادل العنف والعنف المضاد بعبارة أخرى ، فإن اختلاف الدين لا يعني بالضرورة فتنة دينية أو طائفية وإنما الفتنة هي محاولة من جانب قوى داخلية وقوى خارجية لفرض التميز بين المواطنين – المتساوين أصلاً في حقوق والواجبات في نظر الدستور والقانون – وذلك على أساس من الدين .

لذلك تتضمن الفتنة الطائفية عناصر معينة ينبغي تحديدها بوضوح ، وهي جميعاً تدور حول رفض مبدأ المساواة بين المواطنين :

أولاً : رفض مبدأ حرية العقيدة الدينية للمواطنين وغالباً ما يشمل الرفض كل مجالات العقيدة من دينية وسياسية وغيرها .

ثانياً : رفض مشاركة المواطنين من الأقلية الدينية في الحكم ، وقصر ولاية الحكم بكافة صورها على المواطنين المنتمين للأغلبية الدينية أي للمسلمين . وقد يمتد الرفض إلى كثير غير المسلمين بين البول بذلك أو الرحيل .

ثالثاً : التمييز بين المواطنين على أساس من الدين في الحقوق والواجبات المدنية وفي مقدمتها المساواة أمام الوظائف العامة .

رابعاً : اللجوء بعد ذلك إلى العنف بفرض أوضاع عدم المساواة بين المواطنين ، سواء كان ذلك بحرمان الأقلية الدينية من حقوقها وواجباتها أو يدفعها دفعاً إلى التقوقع والانطواء على نفسها والهجرة بداخلها أو إلى الخارج .

ومع أن ثورة يوليو لم تضم في قيادتها عناصر من الأقباط إلا أنها وفرت إنجازاتها الثورية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأرضية المواتية لوأد كافة المحاولات لإشعال فتيل الفتنة الطائفية في مصر .

فلما بدأت عملية الردة على ثورة يوليو وبدأ حكم السادات بمحاولة تصفية اليسار المصري بأمل استقرار الحكم له ، نشطت عوامل الفتنة الطائفية التي غذاها السادات بنفسه بدءاً بتشكيل جماعات إسلامية مسلحة لتصفية اليسار في الجامعات .

ولم تلبث أن انتشرت موجات من التعصب الديني وقامت جماعات إسلامية متعصبة فنشطت في مقابلها جماعات مسيحية متعصبة.وانطلقت في عام 1972 فتنة طائفية كادت أن تدمر استعداد الشعب لفرض معركته الوطنية مع إسرائيل .

وبعد حرب أكتوبر التي أخمدت نيران الفتنة الطائفية ودعاتها ، دخلت الثورة المضادة في دوامة الانفتاح الاقتصادي ومنزلق العلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة الأمريكية . وبعد هبة يناير 1977 اتجه السادات نحو إسرائيل .

وتوالت الضربات لإنجازات الثورة ، ومنها محاولات صارخة لغسيل المخ وتزييف الوعي وتغييب العقل . وانحدر المجتمع إلى هاوية من الفتنة الطائفية . فالرئيس المؤمن " رئيس لبلد مسلم " وعلى المسلمين أنفسهم " ألا يعارضوا رب أسرتهم المسلم " .

وتفجرت أحداث الفتنة الطائفية في منتصف عام 1981 . وأعقبتها عملية سبتمبر المجنونة . وعندما اغتيل الرئيس المؤمن المسلم في ظهر 6 أكتوبر تبين أن القاتل من المسلمين لا الأقباط .

ومنذ ذلك التاريخ أصبحت هناك ظاهرة بالغة الخطورة تهم المجتمع بأسره . فلم يعد خطر الفتنة الطائفية يعني خطر الانقسام الداخلي بين المسلمين والأقباط فقط ، ولكنه صار يعني أيضاً أن هناك خطراً كامناً سريع الانتشار لتقسيم المسلمين أنفسهم على أساس من الدين ما بين مسلم صحيح ومسلم غير صحيح او كافر .

وهكذا ، فإنه عندما نعود بأنظارنا إلى ماضينا القريب ، نجد الهوة كثيفة بين عصرين ، بين عصرنا الراهن المشحون بعوامل الفتنة الطائفية وبين بداية القرن حتى في ظل الاحتلال البريطاني نفسه . فكم تخلفت مصر ؟ بل كم تراجعت إلى الوراء ؟

المسئولية عن الفتنة الطائفية

لكن من المسئول عن هذه الردة التاريخية ؟ لسنا من أولئك الذين يأخذون بمنهج البحث عن اليد الخارجية في كل حدث داخلي . وبالفعل فإننا لا نأخذ بمنهج البحث عن المؤامرة الخارجية في بذر بذور الفتنة الطائفية ، ولكننا نرى عدم إغفال دور القوى الخارجية في تأجيجها .

فالفتنة الطائفية في مصر وبخاصة في الوقت الحالي من صنع الطبقات الحاكمة ، هذه الطبقات التي تحتفظ بمؤسسات دينية عديدة تحت تصرفها رسمية وغير رسمية ، إلى جانب المجتمعات والجماعات والفرق والطرق الدينية المنبثقة في طول البلاد وعرضها كلها تنشر التعصب الديني المقيت .

قبل ثورة يوليو كانت القاعدة الاجتماعية للفتنة الطائفية هي بقايا الإقطاعيين وكبار الملاك مع المستعمرين الإنجليز الذين كانوا وراء أكثر من جماعة دينية مسلمة ومسيحية .

وقامت الثورة بتأميم النزاعات الطائفية من بين ما أممت . فلما كانت الثورة المضادة ، تولى السادات بنفسه تغذية وتعزيز وتأجيج الفتنة الطائفية في أكثر من مناسبة .

وبعدما استقرت الطبقات الحاكمة الجديدة ، أعني البرجوازية الكبيرة ذات الطبيعة الطفيلية والبيروقراطية ، أحكموا صلاتهم بالجماعات والجمعيات والهيئات الدينية المختلفة وبخاصة الإسلامية منها .

وتشكلت في البلاد رأسمالية كبيرة تجارية وربوية تتملق المشاعر الدينية لدى ملايين المسلمين وتستغلها بفجاجة لتحولها إلى أرباح بمئات الملايين من الدولارات والجنيهات . وبالمقابل فإن جماعات مسيحية متعصبة ظاهرة أو مستترة صارت تعمل بهمة فائقة في صفوف الأقباط مستغلة مظاهر واقعية أو مفتعلة تشير إلى اضطهاد الأقباط .

إن للتعصب الديني أرضاً خصبة في مصر الآن . والهدف الحقيقي هو احتواء حركة الشعب المصري وصرف اهتماماته وصرف أنظاره عن التوجه إلى قضاياه الحقيقية ذات الأولوية الصارخة من الاستقلال الوطني والتنمية الاقتصادية والتقدم الاجتماعي وتوسيع الديمقراطية . فالهدف الآخر والحقيقي للفتنة الطائفية هو إجهاض حركة الجماهير .

غن تصاعد نفوذ الرأسمالية الكبيرة ذات الطبيعة الطفيلية ، وانتهاجها سياسة الانفتاح الاقتصادي التي أدت إلى عودة مصر إلى أوضاع التبعية للرأسمالية العالمية ، وحرصها على إضعاف الروح الوطنية والقومية والتطلعات الاجتماعية المشروعة للجماعير ، ومحاولتها استغلال بعض الجماعات الدينية وتغذية تيار التعصب الطائفي ..

قد اصطحب ذلك كله بمساندة من الدوائر الحكومية في كثير من المواقع والمجالات . وتتحمل الحكومات المتوالية مسئولية مباشرة في تصعيد روح التعصب الديني لدى بعض المسلمين وبعض المسيحيين ، وفي تغذية تيار العنف والعنف المضاد . غير أن هذه التيارات قد تجاوزت الآن قدر الحكومة على السيطرة عليها ، بعد أن اكتسبت قدرة ذاتية متنامية صارت تمكنها من التصرف المستقل .

إن التجربة التاريخية تدل على أنه ، من أجل استعار الفتنة الطائفية ، لابد من وجود مناخ عام داخلي مواتٍ لذلك يتمثل بصفة خاصة في وجود أزمة عامة اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية ، تأخذ بخناق الجماهير المطحونة فتزداد طحناً وتدفع بها في منحنيات اليأس من إمكانية التغلب على الأزمة ، ومن ثم ينشأ مناخ مواتٍ لتصاعد روح التعصب الديني أو العرفي .

غن عجز أغلبية الشعب عن تحسين مستوى معيشتها في ظل سياسة الانفتاح الاقتصادي التي تميزت على العكس بإمكانيات لا حدود لها للسلب والنهب وسرعة وسهولة تكوين الثروات بلا تعب ، قد أدى إلى شيوع القلق والتوتر وعوامل الإحباط لدى غالبية الشباب وجعلها فريسة سهلة لدعوات عدم الاشتغال بالسياسة .

كذلك فقد دلت التجربة التاريخية على أن نيران الفتنة الطائفية قابلة للاشتعال والتأجج كلما كانت حركة الجماهير على أبواب منعطف هام في تاريخها .

في بداية القرن مع يقظة الحركة الوطنية وفي الخمسينيات مع نضج ثورة يوليو وفي السبعينيات والثمانينات مع ظهور قدرة الجماهير في أكثر من مناسبة لفرض إرادتها بعد حركة الطلبة الوطنية في بداية عام 1972 وبعد انتفاضة يناير الاجتماعية 1977 ومع نهضة الحركة الوطنية والديمقراطية في صيف 1981 .

دور القوى الخارجية

ثم إن هناك دور القوى الخارجية في الفتنة الطائفية . فلقد بدأ الاحتلال البريطاني لمصر باسم حماية المصالح المالية للدول الرأسمالية الكبرى آنذاك ، وأيضاً باسم حماية الأقليات الأجنبية والدينية في مصر .

وظلت بريطانيا تتمسك بهذه الذريعة حتى انهارت في عام 1936 ، 1937 بعد إبرام معاهدة الاستقلال مع بريطانيا ومعاهدة مونترو مع الدول صاحبة الامتيازات في مصر . لقد كانت التفرقة الدينية والعنصرية ، دائماً ، سلاحاً هاماً لفرض السيطرة الاستعمارية في المستعمرات والبلدان التابعة .

وكانت الدول الأوروبية قد مارست طوال القرن الماضي ضغوطاً قوية على الدولة العثمانية باسم المسيحيين الموجودين فيها.وسهلت الدولة العثمانية للدول الأوروبية مسعاها حين عملت على تصنيف رعايا الدولة العثمانية إلى صنفين هما المسلمون والطوائف .

واستعملت الدولة العثمانية نفسها كلمة الطوائف لتعني لها الأقليات المسيحية ، إلى حد أنها أصدرت " نظام الملل " الذي يمنح امتيازات معينة للرعايا المسيحيين في المشرق العربي .

ونظرت الدولة العثمانية إلى هذه الامتيازات بوصفها تنازلات للدول الأوروبية . وكان من الطبيعي في ظل هذه النظرة أن نشأت رعاية دولية رسمية للأقليات الدينية داخل الدولة العثمانية ، وتطورت تلك الرعاية لتصبح سيطرة استعمارية على ما هو أبعد من الاختلاف في الديني .

واليوم ، فإن جهود الامبريالية الأمريكية والدوائر الصهيونية تتركز في تصعيد المشكلة الطائفية والحرب الأهلية في لبنان وفي الاقتتال بين مسلمي العراق وإيران وتغذية النزاعات الطائفية ومشاعر التعصب العدائي في كل من العراق والسودان والجزائر ودول الخليج .

وهي ترمي إلى تشجيع قيام دويلات طائفية في المنطقة تجعل وجود إسرائيل كدولة طائفية أمراً طبيعياً وتجعل من السهل سوق تلك الدويلات الدينية والمهيمنة عليها في إطار الاستراتيجية الكونية الأمريكية .

وبالنسبة لمصر ، فإن أكثر ما يشغل بال الدوائر الأمريكية والصهيونية العالمية هو الحيلولة دون نهوض الحركة الوطنية والتقدمية المصرية من جديد ، حتى لا تعود مصر إلى دورها الطبيعي في قيادة المنطقة العربية إلى آفاق الاستقلال الوطني والتقدم الاجتماعي مرة أخرى .

وفي الواقع فإن للإمبريالية العالمية التي أفرزت ظاهرة الصهيونية تاريخاً طويلاً للتسلل إلى المنطة العربية باسم الدين . فمنذ القرن الماضي والإرساليات البروتستانتية والكاثوليكية تتوالى على المنطقة.

ومن غير إهدار لبعض الجهود الإنسانية التي تمت في مجالي التعليم والصحة ، فلقد كانت تلك الإرساليات على صلة وثيقة بأجهزة المخابرات في الدول التي تتبعها .

وبعد الحرب العالمية الأولى وإعادة تقسيم الأقطار بين بريطانيا وفرنسا ، تحركت الدولتان في المنطقة العربية بحرية كاملة ولم تتورعا عن استخدام الدين في أغراضهما الاستعمارية فيما بين السعودية من جانب وشرق الأردن من جانب آخر ، وفي داخل سوريا ولبنان وفي داخل فلسطين بمقتضى وعد بلفور الذي زرع بذرة الدولة الصهيونية في الوطن العربي .

بل مازلنا نذكر حتى الآن كيف شق الجنرال جورو الفرنسي طريقه إلى قبر صلاح الدين داخل مسجده في دمشق التي دخلها بقوة السلاح وهو يركب جواده ويصيح : ها قد عدنا يا صلاح الدين . وكأنها جولة أخرى من جولات الحروب الصليبية .

وقد لا يتسنى لنا إقامة الدليل المادي على الصلة التي تربط بين الامبريالية والصهيونية وأعمال الفتنة الطائفية في مصر . فمن الصعب على أمثالنا العثور المجرمين متلبسين . غير أننا نملك بالدليل العقلي إشارات لا تخطئ إلى تلك الصلة:

  1. فما الذي يجمع مثلاً بين شركة إسلامية لتوظيف الأموال في مصر وبين جزر البهاما التي تسيطر عليها أمريكا ومعروف أنها مركز عالمي لتهريب الهيروين ولعصابات المافيا وصناديق الليل ؟.ما الذي يجعل شركة إسلامية لتوظيف الأموال في مصر رأسمالها 50 مليون دولار أمريكي تسجل نفسها في جزر البهاما – وتجعل منها مقرها الرئيسي؟
  2. وما الذي يعني أن وفداً اقتصادياً لمجموعة شركات الهلال الإسلامية في مصر يسافر إلى واشنطن مقابلة كبار المسئولين بهيئة المعونة الأمريكية وخبراء الاقتصاد في وزارة الخارجية الأمريكية ، تمهيداً للقيام بمشروعات مشتركة مع هيئة التمويل الدولية ، وهي هيئة حكومية أمريكية ؟

ماذا تعني هاتان الواقعتان اللتان نشرتا في مصر بمعرفة أصحاب تلك الشركات أنفسهم ؟ وأين توجد الدولة في مصر من هاتين الواقعتين وأمثالهما ؟ فمن الثابت – هنا على الأقل – أن قوى أجنبية حكومية تقدم أموالاً لأعمال مشتركة داخل مصر .

غير أن الامبريالية العالمية ومعهما الدوائر الحاكمة في إسرائيل ، ليست هي كل القوى الخارجية ذات الصلة بالفتنة الطائفية وعواملها في مصر ، إنما هي تلك القوى الخارجية الرئيسية فقط .

فإلى جانبها توجد قوى خارجية مساعدة تلعب دوراً لا يقل أهمية عن الدور الذي تلعبه القوى الرئيسية وفي مقدمتها توجد السعودية وإيران . ولقد لعبت إيران في ظل الشاه ، ولعبت السعودية في ظل ملوكها " حماة الإسلام " دوراً أقرب إلى أدوار الامبريالية الصغرى في إطار الاستراتيجية الكونية للإمبريالية العالمية .

وكان لإيران دورها في مراقبة وردع الثورة الوطنية في العراق والحركة الوطنية في الخليج. وقامت السعودية بدور غير مشرف في مطاردة الشيوعيين في العالم حتى في غرب أوروبا وفي ضبط وردع الثورات الوطنية وحركات التحرر الوطني والاجتماعي في آسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا وبخاصة في الأقطار العربية .

وكان لها دور طليعي منذ عام 1955 في مواجهة صعود ثورة يوليو . وفي عام 1969 عقدت المؤتمر الأول للقمة الإسلامية وتقرر في العام التالي بإنشاء أمانة عامة للمؤتمر مقرها السعودية.وفي مؤتمر جدة لعام 1972 أقر ميثاق المنظمة التي جاءت حقبة النفط فزادت من سيطرة السعودية عليها .

وبعد اندلاع الحرب الأهلية في لبنان – وظاهرها حرب طائفية – وبعد اندلاع الثورة الإسلامية في إيران ، سيق العراق إلى مصيدة الحرب مع إيران ، وهي حرب دينية شوفينية لم يفد منها سوى الاستعمار والصهيونية وإسرائيل .

وبينما كانت هناك مخططات إمبريالية ترمي لإقامة حزام إسلامي من الدول الثلاث باكستان وأفغانستان وإيران ، فإن مخططات جديدة راحت تسعى لإقامة دويلات ومراكز للشيعة في المنطقة تواجه دويلات ومراكز للسنة .

ولا يمكن في الظروف الحالة غض النظر عن مسعى تسره أمريكا وتعلنه لإسرائيل لتقسيم مصر إلى شمال مسلم وجنوب قبطي ونعود بحاجة إلى " مينا " جديد لتوحيد الوجهين .

لكن توجد إلى جانب هذه المخططات محاولات مؤكدة من جانب كل من السعودية وإيران لتحريك وتغذية عوامل التعصب الديني والفتنة الطائفية في مصر بالتحديد . وتتخذ هذه المحاولات صور المساندة السياسية والمعونة المالية وتقديم السلاح .

ولاشك أن السعودية كانت وراء عفو السادات عن الإخوان المسلمين في الخارج وعودتهم معززين إلى مصر.ولقد أغدقت الأموال على مؤسسات وجمعيات إسلامية في مصر لا تعد ولا تحصى .

ولا يمكن في هذا الصدد أن ننسى الدول الذي لعبته ويلعبه المدعو الشيخ الفاسي داخل معدة مصر وأمعائها. وقد جاءت الأنباء أخيراً بتورطه في فضيحة إيران جيت واشتراكه مع المخابرات الأمريكية في تمويل متمردي نيكارجوا .

أما إيران الحالية فإن لها إدعاءات لا تنتهي لتصدير الثورة الإسلامية . ولقد أنشئت لجنة مختصة بالإشراف على النشاط الثوري في أفريقيا رئيسها يدعى عمر المصري وهو رجل من تونس . وينشط في عضوية اللجنة من يدعى صفوت عبد المجيد وهو مصري يمكن أن تكون ه صلات بالإخوان المسلمين .

ولقد أعلنت اللجنة أنها تدعم تنظيم الجهاد . وفي فبراير من العام الحالي ، عقد اجتماع في طهران ضم شخصيات إيرانية مسئولة وعناصر من المخابرات وعناصر مصرية . وقد تقرر تأسيس فرع من مصر لما يسمى حزب الله يتولى الدعوة إلى ثورة إسلامية على غرار حزب الله في لبنان .

وتبين أن هناك في مصر شركات وبنوكاً وجماعات وأفراداً متورطين في نشاطات يعتقد أن مكتب مصر في المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في طهران يتولى الإشراف عليها .

بقيت الفئة الثالثة والأخيرة من القوى الخارجية ، وأعني بها جماعات الضغط ومراكز القوى التي تقوم في الخارج على أيدي مصريين مسلمين أو أقباط . وهي مراكز قوى يقوم بها في العاة مصريون يعملون في الخارج ، وتتخذ في العادة شكل الروابط والنوادي والجمعيات ومراكز البحوث والمكاتب الاستشارية ، وتصدر النشرات والصحف .

وقد تقوم بتعبئة بعض المسيرات أو المظاهرات . لكن المهم أنها تستخدم للضغط على الأوضاع في مصر من زاوية دينية متعصبة . قد تقوم هنا أو هناك مجموعة للاحتجاج على تصرف في مصر معاد للديمقراطية.

لكن جماعات الضغط ومراكز القوى الخارجية إنما تتميز بالوجود المستمر والدائم في الخارج لممارسة نشاطها . وفي كثير من الأحيان ، فإنها تمارسه في اتصال وثيق أو غير وثيق بأجهزة الدولة والقوى والأحزاب السياسية هناك .

ود تستمد منها جماعة معينة عوناً مالياً ما أو مساعدات إعلامية وغيرها .ولقد تميزت الجماعات المصريين من الإخوان المسلمين وغيرهم من أصحاب الانتماءات الإسلامية بتواجدهم في السعودية وألمانيا الغربية .

مثلما تميزت جماعات الضغط المسيحية بالتواجد في كل من كندا والولايات المتحدة وأستراليا . ولم تلبث جماعات عديدة من الإسلاميين أن عادوا إلى مصر مزودين بما جمعوه من أموال وما أدركوه من خبرة ونفوذ .

وتميزت فترة السبعينيات بجماعات الضغط المسيحية في الخارج وصلاتها بالكنيسة في مرحلة من الصراع الطائفي كان المسئول الأساسي عنه هو السادات وأسلوب حكمه ، حتى لقد بلغت جدة الصراع حد الدعوة لمؤتمر عالمي للمغتربين الأقباط في الخارج .

وفي النهاية فإنه لاشك البتة في حقيقة العلاقة الخطرة بين الفتنة الطائفية والقوى الخارجية . وإنما ينبغي أن نتعلم الدرس كاملاً . ففي كل مرة اندلعت نيران الفتنة الطائفية أثار الجناة الحقيقيون جلبة شديدة وضوضاء مفتعلة من أجل توجيه الاتهام إلى الأيدي الخارجية الخفية .

ومن غير أدنى تهوين من شأن هذه الأيدي ، التي هي ليست أبداً خفية ، ينبغي التأكيد أيضاً على كل الأيدي الداخلية التي تحاول دائماً أن تختفي . لقد كشفت التجربة التاريخية لبلادنا عن قانون موضوعي خلاصته أنه في ظروف المد الثوري تغيب الفتنة الطائفي ويخيب دعاتها ، وأنه في ظروف الجزر الثوري تتهيأ الأسباب وتتجمع لاندلاع الفتنة الطائفية وينشط دعاتها من اللاعبين بالنار .

وفي ظروف مصر الحالية ، في ظل الانفتاح الاقتصادي والعلاقة الخاصة مع أمريكا وصلح كامب ديفيد والتطبيع مع إسرائيل والعدوان المبتذل على الحريات المحدودة والديمقراطية الناقصة ، تلتقي القوى الخارجية والقوى الداخلية ليس فقط لبذر بذور الفتنة الطائفية وإنما كذلك لاستخدامها سلاحاً من أجل استمرار نظام التبعية والطفيلية والفساد .

ومن ثم يتم التركيز على الشباب ، فمن جانب يتم الإعداد لأجيال من الشباب ذات ميول غربية صارخة حتى يتهاونوا مع الغزو الاقتصادي للاستعمار ويشاركوا السادة في الثروة والسلطة .

ومن جانب آخر يتم تخريج أجيال لا حصر لها ذات ميول دينية واضحة من الشباب الذين بلغوا حافة اليأس من الحاضر ويحسون بقسوة ومرارة التواجد على هامش الحياة ويخشون المستقبل الغامض . وهكذا يأتي التطرف الديني رداً مباشراً على تطرف الأوضاع ، أوضاع الانفتاح الاقتصادي والصدمة الثقافية الناتجة عن التوسع الاستعماري في بلادنا .

نعم لقد تولد اغتراب الشباب عن خيبة الأمل التي زادت في ظل الانفتاح . فبعد سنوات طويلة في طلب العلم ، يتضح للأغلبية الساحقة من الشباب المتطلع للحياة والأمل في المستقبل أنه سيبقى العمر كله موظفاً بسيطاً على هامش المجتمع – الضاري الحافل رغم ذلك بالعبث والفساد .

ومن ثم يصبح الدين لديهم وسيلة للتعبير عن الذات ، بل ووسيلة للاحتجاج . ومع توالي الصدمات الشخصية التي تحملها لهم الأيام ، بالإضافة إلى مجالات الفشل العامة الناتجة عن عجز الدولة وأحياناً عن غيابها بالمرة عن حل مشاكل الشعب ، وإزاء طغيان نزعات الفجور والجشع وتعدد وتنوع فرص النهب والسلب يقابلها تزايد وطأة الفقر واتساع محيط الفقراء ، ترجح كفة التطرف الديني الذي يؤدي بسهولة للانتقال إلى مواقع الفتنة الطائفية .

في الوقت نفسه ، ينبغي أن تدرج مشكلة الفتنة الطائفية في إطار أزمة المجتمع الشاملة . فلا يمكن أن تحل تلك المشكلة بعيداً عن حل أزمة المجتمع .

وعندئذ فإن قضية الديمقراطية سوف تحتل المقام الأول من الأهمية . وسوف تكتسب أبعاداً ذات تأثير مباشر على أوضاع الفتنة الطائفية فإن مبدأ المساواة بين المواطنين ، وعدم التمييز بينهم بغض النظر عن كل فارق وبالتحديد هنا الفارق الديني وذلك في إطار تطور ديمقراطي صحيح ، يصبح هو القاعدة التي تزيل أسباب الفتنة من الناحية الشكلية .

ويتصل بذلك بالطبع مبدآن أساسيان هما:

العلمانية أي فصل الدين عن الدولة من جانب ، والعقلانية أي تحكيم العقل في ظواهر المجتمع من جانب آخر . وإنما لا تزول أسباب الفتنة الطائفية من الناحية الموضوعية إلا بإزالة مجموعة الأوضاع التي تبذر بذاتها – تلقائياً – وبطريقة موضوعية وقبل أن يتدخل أحد بذور الفتنة الطائفية .

ومن هنا ، لابد من تغيير مجموع السياسات التي تكفلت منذ السبعينيات بتهميش الأغلبية الساحقة من المصريين وتغريبهم عن بلادهم . وبعبارة أخرى فإنه لابد من تصفية الثورة المضادة .

عرض المناقشات

إعداد : مركز البحوث العربية

لا يمكن لملخص قصير ،أن يستوفي ، ولو بشكل أولي ، كافة القضايا التاريخية ، والسياسية ، والنظرية التي ما انقطعت تظهر خلال الندوات التي عقدتها " لجنة الدفاع عن الثقافة القومية " حول ظاهرة الفتنة الطائفية.

إذ لم يتوقع أحد ، حين بدأت اللجنة في الإعداد لهذه السلسلة من الندوات ، أن الإقبال على حضورها سوف يكون بهذه الكثافة ، وأن المشاركة في الحوارات بشأنها ستصل إلى هذه الدرجة من الموضوعية والعمق .

ولعله الإحساس بخطورة وجدية القضية موضوع الندوات هو الذي أدى بالمشاركين ، سواء من أسهم بتقديم أوراق بحثية ، أو المعقبين على تلك الأوراق ، إلى دفع النقاش إلى أقصاه ، في محاولة لتعميق التحليلات ، وتطويرها وبرغبة حقيقية في الوصول إلى استيعاب معرفي كامل لظاهرة التعصب الديني الطائفي.

ومن ثم ، إلى وضع التوصيات والمقترحات الكفيلة بالتصدي لخطر تصاعد الأزمة ، إذ أن صعود التيارات الدينية بما تستثيره ، ومن تغذية لأرد ما في الفكر الشعبي من عناصر رجعية ، يمثل خطراً مزدوجاً ، على مستقبل الوطن من ناحية ، وعلى مصير القوى الديموقراطية والتقدمية من ناحية أخرى .

من هنا جاءت الحوارات التي أعقبت الندوات والتي جهد أصحابها من تفسير الظاهرة ونقدها ، وطرح إمكانيات موجهتها ، جاءت هذه الحوارات على درجة عالية من النضج والدقة ، واستكملت بعضها بعضاً – برغم تعارضها أحياناً – بل ولقد أثيرت إشكاليات عديدة لم يتطرق إليها أصحاب الأوراق المطروحة .

لكننا ، وقبل أن نبدأ في عرض الآراء التي طرحت ، يهمنا أن يعرض ، ولو على عجل ، للنقاش التمهيدي الذي دار في اجتماع لجنة الدفاع عن الثقافة القومية عند إعدادها لسلسلة ندوات الفتنة الطائفية ، حيث نرى أن ما دار في الاجتماع يمثل الفرضيات والأسس التي تم تطويرها والتحق منها في الندوات .

والجدير بالذكر ، أن الأحداث قد استقطبت إلى صفوف أعضاء اللجنة في ذلك الاجتماع عدداً من المثقفين التقدميين ، واستنفرت طاقة العمل السياسي والفكري لديهم :

بدأ د.عبد العظيم أنيس حديثه برفض الوقوف عند حد الاستنكار والشجب ، حيث تفاقم الموقف إلى درجة تستدعي الشروع في عمل حاد متميز ، مشيراً إلى الدور الذي تلعبه القوى الخارجية في المعسكر الإمبريالي لتخريب الوحدة الوطنية المصرية ، إذ ليس من المستبعد – كما يرى – أن تكون هناك يد للمخابرات الأمريكية أو لعناصر إسرائيلية في تصعيد الأحداث تنفيذا لمخطط يرمي إلى خلق دولتين أو كيانين في مصر ، كيان قبطي في الصعيد ومسلم في الشمال .

وأكد د. فوزي منصور على ضرورة التخلص من الخطاب العاطفي والحديث الانفعالي عن الإخاء التاريخي .. إلخ ، في تناول المشكلة .

فالقضية في رأيه على درجة عالية من الخطورة والتعقد ويجب دراستها دراسة علمية موضوعية ، وتدبر العمل الفعال ووسائل التنظيم من أجل مواجهة الظاهرة ، ثم أبدى د.منصور بعض الملاحظات الإضافية :

  1. مع التسليم الكامل بدور الصهيونية والاستعمار ، ينبغي أن تكون نقطة البداية هي البحث عن الجذور الحقيقية للفتنة داخل المجتمع ، فلولا وجود هذه الجذور ما استطاعت العوامل الخارجية أن تصبح مؤثرة.
  2. إن ظاهرة الفتنة الطائفية ليست ظاهرة مؤقتة ، فلها جذور كامنة قديمة ، ساعدت بعض التيارات المجهولة على إذكاء نيرانها.
  3. لا تشمل أخطار الفتنة فئة اجتماعية دون أخرى . لكنها بالضرورة سوف تبيد الجميع ، وليس مثال لبنان ببعيد .

ـ أما أحمد صادق سعد ، فقد فتح باب النقد الذاتي ، بعرضه لإهمال اليسار وتقاعسه عن مواجهة خطر الفتنة في بواكيرها الأولى، وطالب من ثم بضرورة الالتفاف من جديد حول شعار حرية العقيدة ، كشعار رئيسي في هذه المرحلة .

وانتقل صادق سعد إلى تفسير الأسباب وراء مشاركة بعض الفئات الاجتماعية في الأحداث الأخيرة انجذابها إلى القوى السلفية ، إذ تبحث هذه الفئات في رأيه عن التغيير الجذري وهو ما أوهمتها التيارات الدينية المتطرفة بأنها القادرة على إحداثه ، وعلى ذلك ، فمن الضروري أن يقدم اليسار حلاً متكاملاً بديلاً للحل الذي يطرحه اتجاه الإسلام السياسي .

يلتقي أبو سيف يوسف مع مطالبة صادق سعد لقوى اليسار برفع شعار حرية العقيدة ، وضرورة عدم الخضوع للإرهاب الديني ، محذراً من تنامي قوة ممثلي التيارات المتطرفة في المنظمات الجماهيرية والنقابات المهنية .

أما د.سمير أمين . فقد نادى بألا يتوقف عمل اللجنة عند مجرد إقامة ندوة ، فالقضية في رأيه خطيرة للغاية ، وتتطلب عملاً سياسياً مستمراً طويل الأمد ، وقد قدم تفسيراً أولياً لظاهرة التعصب الديني أرجعها فيه إلى أسباب موضوعية متعلقة بتفاقم الأزمة الاقتصادية وحالة التدهور الفكري التي واكبت الانفتاح الاقتصادي ورأى أن على اللجنة أن تركز عملها على الجانب الأخير أي مواجهة هذا التدهور الفكري بتنظيم هجوم معاكس تستخدم فيه كل الأدوات التثقيفية كالندوات والمجلات .. الخ

وقدم د.ميلاد حنا تصوراً على شكل مجموعة محددة من العلاقات تكون إطاراً لتفسير الظاهرة:

  1. علاقة الشرخ الديني بالشرخ الاقتصادي.
  2. أثر البترول العربي على تفاقم الأزمات الاجتماعية.
  3. علاقة الفتنة الطائفية بالمخطط الصهيوني لتفتيت التماسك والوحدة الوطنية.
  4. علاقة الفتنة بمشكلة الشرخ بين الأجيال .

وفي نهاية حديثه ألقى سؤالاً موحياً حول السبب في عدم حدوث فتنة أثناء الانتفاضة الشعبية في 8 ، 19 يناير 1977 ، وفي أحداث تمرد الأمن المركزي .

استكمالاً لمجموعة العلاقات الدالة أشار حسني عبد الرحيم إلى ضرورة تحديد:

  1. موقف الدولة من الظاهرة.
  2. موقف الطبقة الوسطى من الظاهرة.
  3. موقف الحركة العمالية.
  4. التحالفات والعلاقات الخارجية للاتجاهات الدينية .

وقدم " حسني " تفسيراً للظاهرة اعتبرها فيه " فاشية جيدة " تختلف في مضمونها الاجتماعي والسياسي عن حركة الإخوان المسلمين في الأربعينيات .

ــ وفي نهاية الاجتماع تحدث د. فائق فريد حول العلاقة بين الفتنة الطائفية والانفتاح الاقتصادي ، مؤكداً على دور العوامل الداخلية – متفقاً في ذلك مع د.فوزي منصور – وعي أهمية دراسة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تغذي الاتجاهات المتعصبة .

ورأى د.فريد أن الفتنة ليست ظاهرة جديدة ، لكنها لم تظهر بل الآن إذ كانت محاصرة لوجود تحد آخر هو التحدي الوطني للصهيونية والامبريالية ، وأنها بدأت تظهر مع تراجع الصراع الوطني بتضافر الصهيونية والامبريالية والقوى السلفية لخلق وضع متأزم في مصر .

وطالب د. فائق فريد ، ببحث كل الأسباب الداخلية وتأصيلها ، ثم تقديم تصور كامل حولها للجماهير الشعبية من أجل توسيع قاعدة قوى العقل والتنوير ، إذ إن القضية الرئيسية الآن هي " العقل أو التجهيل " .

لاشك أن هذه النقاشات قد أسهمت كثيراً في رسم الخطوط العامة لسلسلة الندوات التي قررت الندوة عقدها ، والتي سنقدم لها فيما عرضاً موجزاً ، ولكن قبل ان ننتقل إليها يجدر بنا أن ننوه إلى أن العديد من التوصيات والمقترحات قد ذكرت ، وسوف نتعرض لها في نهاية هذا العرض .

وكما ذكرنا قبلاً ، فإذا كان من الصعب استيفاء كل ما دار من نقاشات خلال الندوة ، فإننا سنكتفي في الصفحات القادمة بتكثيف الآراء التي طرحت ، ومحورتها حول عدد من القضايا الهامة ندرجها تحت العناوين الرئيسية التالية:

  1. الجذور الاقتصادية الاجتماعية لظاهرة التعصب الديني.
  2. الدولة والاستخدام التبريري للدين.
  3. القوى الخارجية واستثمارها للتعصب الديني.
  4. اليسار والفتنة الطائفية .

ثانياً : الطبيعة الأيديولوجية للفتنة:

  1. الدين الفقهي الرسمي والتدين الشعبي.
  2. الثقافة الشعبية .

ثالثاً : توصيات ومقترحات :

أولاً :الجذور الاقتصادية الاجتماعية لظاهرة التعصب الديني :

لم يختلف أحد من المشاركين في النقاشات ، حول ضرورة البحث عن الشروط الاقتصادية ، الاجتماعية ، السياسية ، التي نمت فيها الظاهرة ، وشكلت أحد الأسباب الرئيسية في خلقها ، فكان هناك التقاء عام على أن الصراع الديني يجد تفسيره إذا ما وضعناه داخل إطاره الاجتماعي والسياسي ، أي داخل حقل الصراع الطبقي ، خاصة في تلك اللحظات التي يتنامى فيها هذا الصراع ، حتى تضطر السلطة السياسية ، المعبرة عن الطبقة الاجتماعية المسيطرة ، عبر أدواتها وأجهزتها السياسية والأيديولوجية ، تضطر إلى أن تحرف الصراع الطبقي . لتمنحه وجهاً طائفياً يخفي مضمونه السياسي الحقيقي .

ويمكننا عرض الآراء التي طورت تلك الفرضية فيما يلي:

- رأي يذهب إلى أن الأزمة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالمسيرة التاريخية للبرجوازية المصرية ، نشأة وتطوراً، والتبعية العضوية التي ربطتها بالرأسمالية العالمية منذ ولادتها . حيث لم تصل البرجوازية إلى هيمنتها الاقتصادية والسياسية عبر إنجاز صراعها الوطني ضد الاستعمار في الخارج .

أو ثورتها على الطبقات المالكة السابقة عليها من الداخل ، بل أنجزت تلك الهيمنة اعتماداً على الدعم الإمبريالي . وبالتحالف مع طبقة كبار الملاك ورموزها السياسية ، وكان لكل ذلك أثره على التوجهات السياسية والفكرية للرأسمالية المصرية .

وضمن نفس الاتجاه ، عقد أحد المناصرين لهذا الرأي مقارنة هامة بين التوجه الليبرالي على الصعيد الأيديولوجي للبرجوازية الأوروبية إبان صعودها ، تلك التي فرضت الثقافة والقيم الليبرالية والعلمانية في مواجهة النزوع المتزمت والظلامي للإقطاع ومؤسساته الدينية .

وبين البرجوازية المصرية المشوهة . وإحجامها عن التصدي للتزمت الديني ، إذ لم تظهر أي من شرائح تلك الطبقة ميلاً أصيلاً للتقاليد العقلانية والعلمانية ، التي ميزت فترات الصعود الثوري للبرجوازية المصرية ، التي نشأت على خلل أصيل في تكوين قطاعاتها الإنتاجية باعتمادها على القطاعات التصديرية والريعية وقطاعات إنتاج المحاصيل التصديرية كمصدر أساسي لثروتها ، فكانت نشأتها امتداداً لكبار ملاك الأراضي الذين حولوا كل نشاطاتهم إلى ميدان الاستثمار الرأسمالي .

تم ذلك كله تحت رعاية الرأسمالية العالمية ، باعتبارها المستفيد الرئيسي من تلك التحولات وراعيها الأول .

لقد انعكس هذا التشوه البنيوي للطبقة وتعبيتها ، في صورة استمرارية للنزعات الرجعية والظلامية ، وهو ما برز في سياساتها التعليمية والثقافية ، وحتى في التعامل مع الثقافة الشعبية المتوارثة ، لم تبذل البرجوازية جهداً في فرز الثقافة الشعبية أو تنقيتها من العناصر المتخلفة.

بل روجتها بشكل استهلاكي ، سياحي ، لإمتاع البرجوازية المدينية وتسليتها ، وحتى في المرحلة الناصرية ، وبرغبة في خلق شعور قومي متماسك لعب النظام بورقة الثقافة الشعبية في ذاتها ، وبشكل مثالي يخفي أيضاً تعاملات استهلاكية معها ، وكان ذلك بالضرورة مقدمة لتنامي القيم السلبية من الثقافة الشعبية في السبعينيات .

- بعيداً عن الدور الذي لعبته البرجوازية المصرية ، عن قصد ، وبسبب من تخلفها ، من تنمية النزوع الديني وسط الجماهير وسط الجماهير فسر بعض المتحاورين انحياز الفعل الجماهيري إلى الأفكار الدينية.

كرد أيديولوجي على الأزمات السياسية ، في الثلاثينيات والأربعينيات ، الناجمة عن فشل التجربة البرلمانية الليبرالية لحزب الوفد في تحقيق الاستقلال الوطني والوصول إلى السلطة وإنجاز إصلاحات اجتماعية ( إصلاح زراعي – تصنيعي .. ) أي فشل هذه التجربة الليبرالية في استكمال مهام الثورة البرجوازية ، أما الموجة الدينية الثانية فكانت مرتبطة بفشل المشروع البرجوازي القومي للنظام الناصري ، ذلك المشروع الذي سقط تماماً بهزيمة يونيو 1967 .

- وفي معرض تناول التحولات التي جرت على البرجوازية وتنامي طابعها الطفيلي ، وأثر ذلك على تقوية وتسارع نفوذ الفكر الغيبي طرح رأي مفاده ، أنه ، بالتخلي عن التوجيه الاقتصادي الذي ميز العهد الناصري ، ومع الانتقال إلى آليات السوق ، اتسع هامش المجهول والمفاجئ والمصادف أمام العقلية المصرية ، فضربة حظ واحدة تجعل من المرء ثرياً ، وضربة أخرى تفقده كل ثراءه ، إنه واقع غير مسيطر عليه – ومع غياب المعقولية ، يصبح ضرورياً البحق عن قانون ينظم الظاهرة ، وهو ما تجده الذهنية الشعبية في القانون الإلهي ، فالله هو القانون ، وهو أيضاً الحامي من انقلابات الحظ ، بالضبط كما هو المعطى .

لقد سادت تلك الحالة إلى حد كبير وسط فئات البرجوازية الصغيرة التي أتيح لبعضها أفرادها فرصة السفر إلى الخارج وتحقيق قدر كبير من التمايز والثروة ، بينما أخفق هو الكثيرون في الوصول إلى تلك المرتبة ، وفي ذلك الزخم من الاضطرابات والعشوائية فقدت تلك الشرائح كل الرشد والعقلانية واضطربت مساراتها في البحث عن سبب ، قانون.

والذي قد وجدته في القانون الإلهي ، وعلى تلك الأرضية من التفسير يمكننا النظر إلى غياب الظاهرة لدى كل من الفلاحين والعمال ، فالعمال لديهم عالم المصنع المتماسك ، لا يخضع للعشوائية والاضطراب الذي رسم المجتمع المصري في السبعينيات ، وكذلك الفلاح ، لكن الفئات البينية كانت هي المضار الرئيسي من التحولات الاقتصادية ، أما الفئات العليا من الطبقة المتوسطة فقد استخدمت الدين كغطاء لممارسات اقتصادية طفيلية كتجارة العملة وغيرها (...) .

- وفي صدد هذا الحديث عن تلك الحقبة الهامة ، التي شهدت تفاقم أشكال الصراع الديني ، طرح رأي يبحث عن جذور الظاهرة في تصارع فئات البرجوازية المصرية للسيطرة والاستحواذ على مجمل الموارد الاقتصادية.

واتخذ هذا الرأي مدن الصعيد خاصة موضوعاً له ، فانطلق صاحب هذا الرأي من التحولات التي حدثت في التركيب الاقتصادي للمدن التي شهدت نمو ظاهرة الصراعات الطائفية ، وهي ما أسماها " بمدن التوتر الطائفي " : أسيوطالمنياسوهاج – نجع حمادي ، واستشهد بما حدث في مدينة أسيوط التي كانت مجمل مواردها الاقتصادية في يد الرأسمالية المتوسطة المسيحية ، واتسم نشاطها بالسمة الريفية .

وكان انتقال المدينة من السبعينيات درجة أعلى من التحضر والراوج التجاري متزامناً مع نشأة الرأسمالية المسلمة التي دخلت في صراع حاد مع نظيرتها المسيحية من أجل الاستحواذ على مصادر الثروة بينما كانت البرجوازية الصغيرة المدينية هي الزاد الأساسي للفتنة الطائفية في وقت تفاقمت فيه الأزمة الاقتصادية .

- وقد كان هناك رأي يختلف مع من نظروا إلى المرحلة الناصرية باعتبارها انقلاباً على العلمانية وأن عبد الناصر يتحمل مسئولية ضرب الليبرالية التي مثلها الوفد .

وحتى حين تقر هذه الرؤى بأن علمانية الوفد كانت منقوصة ، لا تشير إلى السبب في ذلك ، ويرى صاحب هذا الرأي أن العلمانية نشات منقوصة لدى البرجوازية المصرية ، فهناك موقف سعد زغلول من معركة طه حسين حول كتاب " الشعر الجاهلي " ، حيث اعتبر طه حسين رجلاً مجنوناً يخرف ، امتداداً لذلك نجد موقف فؤاد سراج الدين ، فحين سئل عن سبب تحالفه مع الجماعات الإسلامية في انتخابات 1984 كان رده انهم يكسبون انتخابات اتحادات الطلاب وانتخابات النقابات فلم لا يتحالف معهم . إذن هناك نقص في جوهر العلمانية الوفدية .

إذن فالقضية ليست في طبقة تقبل أو ترفض أن تكون علمانية ، وليست أيضاً قضية تحالفات طبقية قد تتم مع اتجاهات علمانية أو ثيوقراطية ، القضية في جذور هذه الطبقة ، وعليه فإن ضرب عبد الناصر للوفد ليس هو السبب الأساسي للقضاء على الليبرالية والعلمانية وإنما نشأ الوفد غير علماني .

الدولة والاستخدام التبريري للدين

اعتنت بعض الآراء بتتبع الدور الذي لعبته الدولة في استخدام الدين لتبرير سياساتها ، وذكرت أمثلة عديدة تركزت في معظمها على الدولة في النظام الناصري ، وكذلك نظام السادات ، فالأول ( النظام الناصري ) كان له موقف ثابت تمثل في الاستخدام الدائم للدين في تصفية خصومه وخلق قبول جماهيري لسياساته.

فلقد فرض عبد الناصر الدين كمادة إجبارية في المدارس ، واستخدم الرموز الدينية في إثارة الجماهير على القوى التقدمية رافعاً في ذلك شعار الاشتراكية العربية الإسلامية لضرب القوى التي تنادي بالاشتراكية العلمانية " الملحدة " ، كما كان يسميها ، وكذلك سعى النظام الناصري بدأب لإحكام سيطرته على المؤسسات الدينية ، فألغيت هيئة العلماء وتم إنشاء مجمع البحوث الإسلامية ، ثم أصبح تعيين شيخ الأزهر يتم بقرار جمهوري .

أما نظام السادات فكان يمضي على نفس الطريق ، وتجربته في ذلك معروفة ، في استخدام التيارات الدينية في الجامعة لضرب الاتجاهات الماركسية ومحاصرة الحركة الطلابية ، وفي نفس التيارات الدينية التي ستنقلب عليه فيما بعد وتغتاله بعد أن انقطع حبل سيطرته عليه ، وكان السادات يجيد التلاعب بالرموز الدينية وخداع الجماهير عن طريقها .

حتى أنه كان عصره كان عصراً للدجل والشعوذة وتنامي قوى التعصب . كأمر ملازم لصعود فئة اجتماعية طفيلية تشيد قيم الثراء السريع وتغطي ممارساتها بغطاء ديني تبريري تلعب الدولة الدور الفعال في تغذيته .

وإذا كان هذا الدور سمة عامة للدولة في مختلف العصور ، فإن نظام السادات دفع هذا الدور إلى أقصاه بافتعال فتنة حاول عن طريقها إخفاء الصراع الاجتماعي الذي احتدم كثيراً في عصره، وكانت تلك طريقة غير مألوفة في تصفية خصوم النظام، وبذلك اكتمل دور الدولة الثلاثي في:

  1. دفع وتشجيع الاتجاهات الدينية المتعصبة.
  2. استخدام الدين لتبرير سياسات القمع والاستغلال.
  3. افتعال فتنة طائفية من أجل طمس الصراع الطبقي .

وفي صدد هذا الحديث عن الدولة ودورها طرح رأي يعترض على استخدام مصطلع الطائفية في تعريف ممارساتها إذ أن هذا المصطلح لا يعبر بشكل علمي عن سمات الدولة البرجوازية المصرية ، وبالتالي عن مآلات استخدامها لسلاح الدين ، فهي وإن كانت تستخدم هذا السلاح ، وهذه سمة عامة على كل الدول البرجوازية ، فإنه ليست مهيأة ، ولا الواقع الاقتصادي الاجتماعي السياسي ، مهيأ لتقبل هذا الدور الطائفي وكان تفصيل هذا الرأي كالتالي :

  1. إن المؤسسة الدينية هي واحد من أجهزة الدولة الأيديولوجية تستخدم ، إلى جوار المدرسة ، النقابات أجهزة الإعلام ، في إعادة إنتاج قوى الإنتاج وضمان قبول الطبقات المستغلة ، إعادة الدخول مجدداً في علاقات إنتاجية تكون فيها موضوعاً للنهب والاستغلال ، ولا تختلف المجتمعات البرجوازية الحديثة حتى الأوروبية منها في استخدام هذه المؤسسات الدينية ، خاصة في لحظات انقضاء الزمان التاريخي للبرجوازية ، أي انتهاء مرحلة صعودها ، وتحولها من قوة طليعية ثورية مجددة ، إلى قوة رجعية تقف في وجه تطوير قوى الإنتاج وبالتالي في وجه النمو الثقافي التقدمي الذي تسلمت رايته بالضرورة طبقة اجتماعية بديلة هي الطبقة العاملة.
  2. إن التمايز الرئيسي الذي يسم بلدان الشرق كجزء من البلدان الطرفية هو الضعف المزمن للدولة البرجوازية ، التي لا تقوم إلا عن طريق دعم الامبريالية لها كوسيط في استغلال شعوب هذه البلدان ، وتتفاوت المجتمعات البرجوازية الطرفية في قوة الدولة ، حسب تاريخ دخولها في المنظومة الرأسمالية العالمية ، والدور الذي تلعبه في تقسيم العمل الدولي ، وأيضاً حسب الدرجة التي كانت قد بلغتها قواها المنتجة في تطورها قبيل انتقالها إلى تاريخ تبعيتها للغرب.
  3. تنقسم المجتمعات الرأسمالية الطرفية تأسيساً على ما سبق إلى نوعين رئيسيين ، يتسم الأول منهما بضعف سيطرة الدولة على مجمل البنية المجتمعية . إذ دخلت هذه المجتمعات المنظومة الرأسمالية العالمية كمجتمعات قبل رأسمالية يميزها التخلف الشديد للقوى المنتجة .

وضعف التكون الطبقي ( عدم اكتمال الطبقات الاجتماعية ) ، وبالتالي تفكك وضعف آلة الدولة ، تالي يصبح استمرارها في المجتمع المرحلة الرأسمالية قائماً على إعادة إنتاج أشكال وأيديولوجيات قبل رأسمالية.

بل وإعادة إنتاج تنظيمات اجتماعية طوائفية قبل رأسمالية ، وهو الأمر الذي يمكن ملاحظته في بلد كلبنان، وتفيد كتابات الشهيد مهدي عامل كثيراً في الكشف عن خصوصيته وخصوصية اشتغال جهاز الدولة فيه، حيث يرى أن للدولة دوراً رئيسياً في تأمين وجود الطوائف في مؤسسات هي مؤسسات الدولة ، أي أجهزة أيديولوجية ، لا تقوم إلا بارتباطها التبعي بالدولة .

إذ تلعب دولة البرجوازية اللبنانية الدور الأول في تعزيز هذا البناء بدلاً من تقويضه ، وفي تأمين الأطر المؤسسية الضرورية لوجود هذه الكيانات وديمومتها. إذ إن استمرارية هذه الكيانات إلى جوار التبعية للإمبريالية ، وارتباطاً بها ، هو الشرط الأول لاستمرارية البرجوازية اللبنانية .

إذا كانت الدولة في لبنان مشروطة في وجودها باستمرارية الوجود السياسي لهذه الكيانات الطائفية ، فإن دولة البرجوازية المصرية ، وبرغم تبعيتها ، لا تستدعي بالضرورة هذا الشكل الطائفي .

إذ أنها لم تعرفه في تاريخها قبل الرأسمالي ، وهو ما تثبته المراجع التاريخية ، فالمجتمع المصري قبل الرأسمالي تميز بسمتين أساسيتين : قوة الدولة المركزية القائمة على مركزية الفائض المنتزع من الجماهير المنتجة من ناحية ، وعلى تمركز الطبقة المسيطرة من ناحية أخرى ، والسمة الثانية هي وجود الطوائف كتجمعات إنتاجية فقط : المشتركات الفلاحية ، طوائف الحرفيين .. الخ ، ولم تكن هذه الطوائف يوماً مؤسسة على أسس دينية ، ولم تهتم الدولة يوماً بالتمييز فيما بينها في الاستغلال .

من هنا يصبح استخدام مصطلح الفتنة الطائفية غير ملائم عن حالة التعصب الديني الأخيرة ، التي قادتها في الأساس بعض المنظمات السياسية الدينية والتي لم يشارك فيها ، برغم كل الضجة التي أثيرت ، إلا القليل من جماهير الشعب المصري ، ولا ننكر تعاطف شرائح اجتماعية مصرية مع تلك التيارات ، خاصة البرجوازية الصغيرة المدينية ، وحتى بعض فئات الطبقة العاملة.

إلا أن ذلك التعاطف لم يصل إلى درجة المشاركة ، بل إنه ، وهذا أمر ملحوظ ، بدأ في التراجع منذ انكشاف الممارسات الانتهازية لهذه القوى الدينية ، وإدراك الشرائح الاجتماعية أن تلك القوى لا تمثل البديل المرجو، ومن نافل القول إن غياب اليسار قد أسهم في تنامي تلك الظواهر وانخداع الجماهير المصرية بالاتجاهات الدينية .

التقى هذا الرأي في النهاية مع الآراء التي تقلل من خطر تلك الاتجاهات في المستقبل ، ولكنه ، وكما أكد في النهاية ، يبقى من الضروري قيام اليسار بدوره التنويري وإنضاج الصراع الطبقي للدرجة التي تمنع الدولة ، حتى لو أرادت ، من استخدام سلاح الإثارة الدينية .

القوى الخارجية واستثمارها للتعصب الديني

أكد المشاركون في الندوة على أهمية دراسة القوى الخارجية في إثارة واستثمار التعصب الديني ، وكانت الإشارات التي أوردها المتحاورون تتركز في معظمها على دور الولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية ، كمثلث إمبريالي رجعي يستهدف تغذية النعرات الدينية لمنع البديل الثوري من الوصول إلى الحكم في مصر .

ولقد أكدت الناشات والتحليلات،وما أُعلن خلالها من حقائق هذا الدور التآمري الذي تمثل في :

- سعي المخابرات الأمريكية ، منذ تأسيسها وإلى الآن ، لتكوين قيادات دينية رجعية متحالفة مع الغرب ، كشكل سياسي بديل عن الأنظمة القومية من الطراز الناصري ، والتي سببت كثيراً من القلق للدوائر الاستعمارية .

- الدور الذي لعبه الغرب في تنظيم ودفع التيارات الدينية السلفية ، وتأسيس الجمعيات الدينية في البلدان الأوروبية لهذا الغرض ، ومن بينها المجلس الإسلامي في لندن ، الذي كانت مهمته الرئيسية القيام بعملية توفيق بين الاتجاهات الدينية المتصارعة ، ففي هذا المجلس التقى الصادق المهدي لأول مرة مع حسن الترابي ، وهو ما انعكس سريعاً في السودان في شكل تنسيق فوري بين الطرفين المتصارعين.

ويقوم المجلس بنفس الدور فيما يتعلق بالتنظيمات الإسلامية المصرية . وعلى جانب آخر يقوم القرب بتغذية نزعات الانفصال لدى المسيحيين المصريين ، بدفع الجمعيات الدينية والإرساليات التبشيرية لتصعيد النزاعات مع القوى الإسلامية .

- الجهد الذي تقوم به السعودية في دعم القوى الدينية الإسلامية المتعصبة في مصر ، وتمويلها ودعمها مادياً ومعنوياً ، وهو ما يتضح في علاقاتها المشبوهة بشركات توظيف الأموال – الجناح الاقتصادي للتيارات الإسلامية

وليس هذا الدور بجديد على النظام السعودي فلقد أخذت السعودية على عاتقها مهمة التشهير بالنظام الناصري " الشيوعي " والدفاع المستمر عن الإخوان المسلمين في مصر ، وكذلك مارست ضغوطاً على السادات للسماح للإخوان بممارسة العمل السياسي العلني ، وهو الأمر الذي اتفق مع رغبات السادات نفسه حين بدأ مواجهته الشرسة للقوى التقدمية .

لم تخف إسرائيل هي الأخرى اهتمامها بإنشاء دولتين أو كيانين سياسيين في مصر : كيان قبطي في الصعيد ، وكيان مسلم في الشمال ، وإن تكن ممارساتها في هذا الشأن لم تتضح بعد.

اليسار والفتنة الطائفية

استدعى الحديث عن الأزمة المجتمعية التي ولدت الصراع الطائفي ، بالضرورة ، تناول أزمة اليسار المصري كأحد العوامل التي ساهمت في تصاعد نفوذ القوى الدينية من ناحية ، وغياب الفكر التنويري عن الساحة الثقافية وتعاظم تأثير الأفكار الظلامية من ناحية أخرى .

لقد التقت الآراء على تقاعس اليسار المصري عن أداء دوره التنويري ، وهو ما أفسح المجال أمام العناصر الرجعية لتكثيف دعايتها المعادية للعلم والتقدم . واستندت تلك الآراء إلى أن سيادة الفكر العلمي والتسامح الديني هو أمر مرهون بنضج الصراع الطبقي الذي تتولى قيادته بشكل رئيسي قوى اليسار المختلفة ( القوى الاشتراكية )

ومن هذا الإطار عقدت المقارنات بين مسيرة الصراع الطبقي في دول أمريكا اللاتينية ، التي فرضت نزوعاً تقدمياً على القوى الدينية ( لاهوت التحرير ) وبين تخلف الصراع وانحراف مساراته في مصر ، والذي كانت من نتيجته أن الصعود ( الصحوة ) الديني كان رجعياً في أفكاره وتوجهاته . إذن فالمشكلة في أحد جوانبها هي مشكلة اليسار .

وفي تحليل أزمة اليسار طرح رأي مفاده ، أن الخطاب السياسي لليسار يعاني من السلفية نفس معاناة التيار الإسلامي ، فلم يخرج الخطاب السياسي اليساري عن حدوده الماضوية ، ويبين هذا بوضوح في الدعاية الانتخابية ، حيث يضع في القلب من مطالبه " الإبقاء على منجزات العهد السابق " :

الإبقاء على الدعم ، الإبقاء على القطاع ، الإبقاء على الإسكان الشعبي .. الخ ، وهذا ما يفسر ضعف دعاية اليسار إذا ما قارناها بدعاية الاتجاهات الإسلامية ، فالخطاب السياسي الماضوي لليسار أضعف من هذه الناحية من الخطاب السياسي الماضوي للجماعات الإسلامية ، فمن المؤكد أن المجتمع " النموذج " الإسلامي : مجتمع الخلفاء الراشدين ، وعدالة ابن الخطاب ، سوف يكون أكثر إقناعاً وبهاء وجدارة بالالتفاف حوله من المجتمع الناصري .

وقد اتفق العديد من المشاركين على أن أحد أخطاء اليسار الكبرى هي خضوعه للابتزاز الذي مارسته عليه القوى الدينية في السنوات العشر الأحيرة .

وقد انصب اهتمام القوى الوطنية ، واليسار تحديداً ، على الدفاع عن الثقافة القومية في مواجهة الغزو الأجنبي ، والصهيوني خاصة ، لكنه لم يلتفت إلى أهمية مواجهة المناطق المريضة والمتخلفة من ثقافتنا ، والتي لعبت عليها القوى الدينية المتطرفة ، وفي هذا الصدد عقدت مقارنات بين مواقف اليسار من الأربعينيات وبين مواقفه الآن ، فالأول تميزت بالعقلانية والتنوير ، بينما تراجعت الأخيرة عن طابعها التنويري .

ـ وأشار أحد المشاركين إلى مسئولية قوى اليسار عن سيادة الجوانب الرجعية والمتخلفة في الثقافة الشعبية ، والتي تتبنى في رأيه نفس الموقف المثالي من القراث بتقديسه . ولقد صب النهر المثالي الشعبي في النهاية في ساقية التيار الإسلامي ، الذي ينطلق على المستوى الديني من مفهوم ( منطلق ) شبه شعبوي الذي يتحول في نهاية الأمر إلى اتجاه فاشي .

الأمر الذي يفرض على اليسار ضرورة الانتباه لإقامة التنظيمات الديموقراطية الشعبية ، خاصة المتعلقة منها بالنضال النقابي مع التركيز على مقرطة هذا العمل الناقابي لشل فعالية الاتجاهات الدينية الفاشية منه .

الطبيعة الأيديولوجية للصراع

الدين الفقهي الرسمي والتدين الشعبي

لم يكتف المشاركون في النقاشات ، بالبحث عن جذور ظاهرة التعصب الديني في الشروط الاقتصادية والسياسية التي أحاطت نمو البرجوازية المصرية ، أو بالدور الذي لعبته تلك البرجوازية وأجهزتها الأيديولوجية والسياسية في دفع تلك الظاهرة إلى أقصاها ، بقصد إلهاء الجماهير الشعبية عن قضاياها الحقيقية.

وإنما اهتم كثير من المعلقين على الأوراق بالتعمق في دراسة الظاهرة الدينية ، ليس بالطبع كظاهرة محايثة لذاتها ، وإنما لكونها تمتلك قدراً من التعقد والثراء الداخلي لا يكفي إلحاقها بالأطر السياسية والاقتصادية العامة لفهمها .

ومن هذا قدم بعصر المشاركين رؤيته لما يمكن إدراجه تحت عنوان " التدين الفقهي والتدين الشعبي " ، وفيما يلي عرض لفرضياته الأساسية :

  1. ثمة فرق لابد من التأكيد عليه ، ورصده ، ودراسته بين الدين الفقهي الذي يمارس داخل المؤسسات الرسمية للدولة ، والذي تنازعها فيه الجماعات الدينية المناوئة لها ، وبين المعتقدات التي تعتنقها غالبية الشعب لامصري ، خاصة طبقاته الفلاحية .
  2. إن المعتقد الديني الفقهي بشقيه الرسمي والمتطرف ، يظل حكراً على صفوة ضيقة تمتلك مفاتيح فهمه وتفسيره ، وتستند إليه في نفي واستبعاد أطراف الصراع الأخرى ، مستخدمة من ذلك ما يتوفر تحت يديها من مؤسسات وأجهزة إعلامية دينية ، فالدولة في محاولتها تعميم فهمها الخاص للدين الرسمي ، وتبرير ممارساتها السياسية ، تستخدم موظفيها من رجال الدين والإعلاميين من ذلك .

وهي تجيد توظيف المؤسسات الدينية ( الأزهر ، الإعلام الديني ، المساجد ) في خلق قبول عام بتأويلاتها للدين ، أما ما اصطلح على تسميته باتجاه " الإسلام السياسي " الذي يضم الجماعات الإسلامية المعارضة للحكم ( الإخوان ، الجهاد ، التكفير والهجرة ... ) فتستند هي الأخرى إلى أطرها المرجعية النخبوية ، من كتب تراثية ، وإلى دعم الدول الثيوقراطية الإسلامية في السعودية .

وباكستان وإيران ، وتسعى تلك الاتجاهات إلى خلق مؤسساتها ، وهي لا تلقى اعتراضاً كبيراً من الدولة على عكس ما يتصور البعض ، من مساجد ، وجمعيات دينية خاصة .. الخ ، والطابع الأساسي لهذه الأيديولوجية الدينية ( رسمية أو جهادية ) هو التكفير فالدولة تكفر معارضيها وتنكل بهم.

ونفس الدور تلعبه الاتجاهات الدينية المعارضة للدولة ، حيث تكفر المجتمع بأكمله والملفت للنظرأن الأيديولوجية الدينية عند هذه الجماعات ليست تكفيرية للسلطة والمجتمع فحسب ، بل يمتد وجهها التكفيري للجماعات الإسلامية نفسها وكل جماعة ترى الأخرى – بالإضافة إلى المجتمع بالطبع – أغيار بالنسبة لها ، وفي هذا لا يمكن اعتبار أن العامل الطائفي هو العامل الرئيسي في حركة هذه القوى.

إذ أن بنية المجتمع المصري ليست بنية طائفية تعطي امتياز لطوائف على حساب الأخرى ، ولا نستطيع اعتبار تمييز المسلمين على المسيحيين في المناصب الوزارية أو البرلمان تمييزاً طائفياً .

إن الجانب الطقوسي يشغل حيزاً كبيراً من التدين الرسمي ، حيث يتم التأكيد على الالتزام بالممارسات الدينية .

3- يختلف الإيمان الشعبي كثيراً عن ذلك النمط من التدين الرسمي ، فلقد مزج الشعب المصري معتقده الديني بعناصر ثقافية أرى ما قبل دينية ، من مركب اعتقادي واحد يتسم بسمات محددة :

أ- التسامح كصفة تعود إلى خصوصة الشعب المصري في امتصاصه للفكرة الدينية وتحويلها إلى قيمة حضارية يرى من خلالها إلى الطوائف الديني المختلفة كتجليات متعددة لفكرة جوهرية واحدة ، بل ويمزج بين هذه الديانات من رموز موحدة ، مزاوجاً بين الأفكار الينية الإسلامية ، شيعية وسنية ، وبين الأفكار المسيحية :

( مارجرجس ، رابعة العدوية ، السيد البدوي ، السيدة زينب ، مريم العذراء ، الشفاعة ..) ، وبذلك يصبح الإسلام في مصر إسلاماً حضارياً مصري النكهة بغض النظر عن الدين مختلفاً عن إسلام السعودية أو إيران ، بالضبط كما تختلف المسيحية القبطية المصرية عن المسيحية في أوروبا .

ب- إن الدين الشعبي ذو طبيعة احتفالية – ديوينزية ، إذ تترسب في رواسب فنية قديمة ، تظهر بوضوح في احتفالاته : المولد النبوي ، عرائس المولد ، حلقات الذكر ، الاحتفالات الرمضانية . لذا كانت الطوائف الصوفية هي أقرب التنظيمات الدينية لقلب المصريين ، حيث استطاعت استقطاب ما بين 4 – 6 مليون مصري لأنها قريبة جداً من الفهم الشعبي لطقس الدين .

ج- يحوي الدين الشعبي نزوعاً براجماتياً ، وهو يفسر اصطدام المصريين بالسلطة الدينية حين لا تحقق مصالحهم ، أو تقف دون سد احتياجاتهم الأساسية ، تم ذلك على طول التاريخ المصري ، فلقد قامت الثورات الشعبية في الفترة الانتقالية التي تفصل بين الدولتين القديمة والوسطى ، ورفعت شعارات إلحادية معادية لسيطرة الأغنياء والكهنة تحت اسم الإله، ونفس النزوع البراجماتي كان لدى الشعب المصري حين التف حول محمد علي ضد سلطة العلماء ، وحين التف حول عبد الناصر في مواجهة الإخوان المسلمين .

من ناحية أخرى نجد تجلياً آخر ، على مستوى العلاقة بين الفلاح المصري والطبيعة ، أسهم في تشكيل التدين الشعبي على قاعدة المنفعة . فنظراً لضعف أدوات السيطرة على الطبيعة ، تضخمت قوى الطبيعة ( المناخ ، الأرض .. ) لتمثل الجزء الأكبر من خريطة معتقداته ، وتحكمت في نمط رؤيته للعالم ، وتحديه للزمن ، والمسافة ، فالفلاح المصري حين يقرن زمن زواجه بجني القطن ، أو مواعيده " بصفار الشمس " .. الخ .

فإنما يؤكد على قوة ونفوذ الطبيعة على معتقداته ، من هنا كان الدين الشعبي مركباً معقداً تدخل في تكوينة عناصر يجد كل منها تبريره في تاريخ وخصوصية علاقات الإنتاج التي يخضع الشعب المصري لها والتي تبتعد إلى حد كبير عن النصوص الجامدة للدين .

ـ أشار أحد المشاركين إلى الفوارق القائمة بين الدين الشعبي والدين الفقهي السائد ، ولاحظ أننا نعطي الدين الفقهي قدراً من الثبات ليس له ، ولا نعالج التحولات التي تطرأ عليه أثناء إعادة إنتاجه ، ففي فترات الانحطاط يعاد إنتاج الأساسي والثابت والمهيئ ( المبرر ) للدولة .. الخ

لكن نستطيع العثور على جهود رافضة كثيرة داخل التراث الفقهي ، لم تدرس جيداً ، واستشهد من ذلك بكتاب " تاريخ الإلحاد في الإسلام " لعبد الرحمن بدوي ، للتأكيد على وجود اجتهادات فقهية مناوئة للسائد ، ومن الاجتهادات الفقهية غير العربية ، في أفريقيا وآسيا ، نجد اجتهادات كثيرة لم تدرس بجدية حتى الآن ، ففي بعض الدول الأفريقية حلل الفقهاء زواج الرجل من أربعين امرأة .. الخ .

ـ من ناحية أخرى دار جدل كثير حول بعض المصطلحات التي استخدمها المشاركون في الندوة ، واستقطب مصطلحا " إتمامية " و " أصولية " معظم الحوار والاختلاف . واستدعى ذلك أن يقوم أحمد صادق سعد بتقديم إطاراً تفسيرياً لمصطلح " إتمامي " الذي استخدمه بكثرة في ورقته .

حيث اعتمد على آخر حديث للنبي " اليوم أتممت لكم دينكم ". مستخدماً لفظة إتمامي بمعنى سالب : عكس مفهوم العلمانية ، عكس فصل الدين عن الدولة ، أي بالتحديد الإيجابي : ربط الدين بالمجتمع وجعله إطاراً أوسع حتى يشمل الدولة ذاتها ، وبرر عدم استخدامه لفظة " أصولية " بكونها لفظة غير دقيقة ، إذ تغطي اتجاهات تختلف اختلافاً شديداً فيما بينها ، فهناك أصوليون علمانيون من أنصار فصل الدين عن الدولة وأصوليون معادون لفكرة الفصل ، وباختصار يؤدي استعمال لفظة " أصولية " إلى حصر المعنى في شيء أوسع من " إتمامية " .

في خلاف مع ذلك التصور كان هناك رأي بأن " التمامية " ( وليس الإتمامية ) تعني إلغائية لكن إذا ما استخدمناها بالمعنى الذي يقصده صادق سعد ، وهو " جعل الدين مظلة لكل شيء ، وبالتالي يتمم كل شيء في الدين " ، إذا ما استخدماناه بهذا المعنى فيجب حينئذ اعتبار كل ثقافة دينية ثقافة إتمامية وليس فقط الفكر الشعبي المصري .

فهناك الفكر المسيحي المتعصب ، الفكر اليهودي الصهيوني وتعلقه بفكرة " شعب الله المختار " وربط الدين بالدولة . تلك كلها رؤى تمامية بمعناها أن الله والمجتمع شيء واحد . ونحن حين ندرس ظاهرة ما يكون علينا أن نهتم بإبراز خصوصيتها . ومن هذه الحالة لا يصبح مصطلح تمامية مفيداً ، إذ يغيب خصوصية الشعب المصري .

أما الأصولية – كما يرى صاحب الرأي السالف – فلا تتطابق بالضرورة مع فكرة العودة للأصول ، وإنما تعني اعتبار الأصول معياراً للحكم ، فلا يمكن اعتبار الشيخ محمد عبده أصولياً ، بالرغم من عودته الدائمة للأصول ، فهو لا يتخذ من الأصول معياراً للحكم على الحاضر ، لكن جماعة الوهابيين ، مثلاً ، يتخذون من الأصول معياراً للحكم .

إذن فهناك من يعود للأصول ، لمجرد الاستئناس بالماضي دون أن يحاول اتخاذها معياراً للحكم على الحاضر ، وهناك من يستخدم هذا الماضي بشكل متعسف لإدانة الحاضر ( التكفير والهجرة ، الإخوان المسلمون .. ) ويريد تطبيقه بشكل لا تاريخي .

وإذن فالقضية هي : ما هو الموقف من الأصل . فهذا هو الفيصل . إذ إن هناك فارقاً بين أن تلغي تاريخية الظاهرة وتتخذ من الأصل معياراً للحكم الحاضر وبين أن تستأنس بالأصل وتعيد تأويله فحسب .

الثقافة الشعبية كمركب يضم الدين الشعبي كأحد عناصره المكونة

انتقل الحديث بالضرورة إلى مفهوم الثقافة الشعبية كمفهوم أكثر شمولية من التدين ، ولقد كانت ورقة أحمد صادق سعد مدخلاً أساسياً لانتقال النقاشات إلى هذا المحور الجديد ، وفي هذا الصدد عرضت مجموعة آراء يمكن إجمالها في :

- إن الدين أحد مكونات الثقافة الشعبية التي لا يمكن فصلها بشكل واضح إلا في حدود الشعائر : الصلاة والصوم .. الخ ، وهذا الجانب الديني نستطيع فصله والكشف عنه ، فقط ، لأننا نمتلك مرجعه الثقافي متمثلاً في الكتب الدينية التراثية الرسمية.

أما عدا ذلك من العناصر المكونة للثقافة الشعبية فيصعب فصلها وتحتوي الدين في علاقة دمج بين المعتقدات الدينية ، التي تفقد صلاتها بالتدين الرسمي الفقهي ، وبين ما يمكن إدراجه تحت بند الأخلاق ، ورؤية العالم عموماً ، وفي هذا لا يمكن الحكم بأن هناك تديناً شعبياً عميقاً ، وإنما رؤية مرنة للعالم تكيف هذا التدين حسب احتياجات الثقافة الشعبية .

- إن الثقافة الشعبية بنية وليست محض تراكم لخبرات تاريخية ، وهذه البنية لا يمكن الفصل بين مكوناتها ، فهي ليست نتاج طبقة اجتماعية واحدة على نحو ما هو شائع .

ليست نتاج الطبقات الشعبية بمفهومها الاجتماعي والطبقي ، وفي تاريخه ككل ، وبالإضافة مجمل النتاج الثقافي للغزوات الوافدة كالعثمانيين أو المماليك أو القيادات فحسب ، لكن يمتد هذا التأثير للطبقات العليا من المجتمع والمثقفين ، وحتى ذوي النزعات العلمانية منهم ، بل حتى يمكن أن نصفهم بالماركسيين .

- وأثارت تلك التصورات للثقافة الشعبية بعض الاعتراضات نجملها فيما يلي :

  1. إننا بحاجة إلى تحديد المقصود من كلمة " الشعب " . وهنا لا يمكن الحديث عن شعب واحد ، وإنما هناك أكثر من شعب داخل الشعب ، وعليه فإن الحديث إذا ما تحدد وانصب على المكونات الطبقية للشعب المصري سيغير الكثير من المفاهيم الواردة في الأوراق التي استخدمت هذا المفهوم المجرد .
  2. إن مفهوم الثقافة الشعبية مفهوم غير محدد : أي ثقافة شعبية ، ما حدودها ، وما الطبقات التي تسهم من بنائها ، كيف أستخلص الثقافة الشعبية من المكون الثقافي العام ، وفق أي معايير ، كيف أحدد أن هذا السلوك شعبي أم غير شعبي .
  3. كيف تتدخل السلطة ، أو ما العلاقة التي تقيمها بالثقافة الشعبية ، خل تكرسها وتغذيها كما هي ، أم تزيفها ، أو تفرض عليها دلالات بعينها . إن اعتبار الثقافة سلطة يفرض علينا البحث عن تدخل الأيديولوجيا المسيطرة ( أيديولوجية الطبقات المسيطرة ) وتجلياتها في الثقافة الشعبية .

خاصة مع امتلاك هذه الطبقات لأجهزة الدولة ، ومنها الجهاز الأيديولوجي مما يمكنها من التعبئة الداخلية للثقافة الشعبية .

وأنا لا أستطيع أن أحكم على الثقافة الشعبية بأنها شعبية بدون أن أدرك هذه العوامل : البنية السياسية القائمة وماثبته من أيديولوجيات معينة كدولة تملك وسائل الإعلام بكاملها وكسلطات مختلفة في هذا الوضع الاجتماعي العام .

ورغم السخرية الشعبية من رجل الدين ، الشيخ ، وحتى مأذون القرية ، يظل لتلك الرموز الدينية – خاصة في الحركات الصوفية سيطرتها ، وعلى هذا أقول إنه في نسيج الفكر الشعبي هناك سلطة ليست مرتبطة بمراتب مختلفة من الاتصال بالأيديولوجيا العامة.

وإن كانت بشكل غير مباشر ، هناك الأيديولوجية المهيمنة في المجتمع وهي ليست نمطاً واحداً ، ولكن أشكالاً ومراتب ومستويات مختلفة ولها جذور قديمة أحياناً ، ولا ينبغي أن نأخذ الجذور القديمة باعتبارها جذوراً قديمة بشك مطلق ، فالجذر القديم له وظيفة حديثة لخلق مشروعية في الحاضر وليست مجرد انتساب للماضي .

مقترحات

لو احتلت المناقشات في الدفاع عن الثقافة القومية إلى عدد من التوصيات ، بشأن قضية الفتنة الطائفية ، رأى المناقشون أنها من أهم واجبات اليسار المصري والقوى الديمقراطية يتحتم إنجازها في المرحلة المقبلة :

  1. الاستمرار في تنظيم الندوات التي ترصج التغيرات في ظاهرة التعصب الديني وتتعرض لها بالتحليل
  2. إصدار مجلة يضطلع من خلالها اليسار بدوره التطويري ، ويتصدى فيها لنزعات التجهيل وإثارة النعرات الدينية .
  3. تشكيل لجنة تشترك مع اللجنة المصرية لحقوق الإنسان ، تكون مهمتها الدفاع عن حقوق الأقليات الدينية في مصر ومواجهة كل أشكال التمييز والتفرقة .
  4. تكوين لجنة لمناهضة التعصب الديني .
  5. الاهتمام بالعمل النقابي والتصدي لمحاولات القوى الدينية السيطرة عليه.
  6. العمل على رفع درجة الوعي بالقضايا الوطنية والديمقراطية لدى المواطن العادي .