المادة التاريخية، وتقصيص التاريخ

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
المادة التاريخية، وتقصيص التاريخ

أ.د/جابر قميحة

منهج البحث في التاريخ بخاصة يجب أن يكون منهجًا أخلاقيًا قبل كل شيء؛ معتمدًا على الصدق في الرواية، والصدق في التثبُّت، والصدق في التفسير، والصدق في التكييف، مع توافر حسن النية في كل مرحلةٍ من المراحل.

ولا أغلو إذا قلت إن تراثنا الإسلامي قد أرسى قواعد هذا المنهج العلمي الأخلاقي في نفوس المسلمين وضمائرهم,

ومن هذه الحقيقة ننطلق إلي تفصيل قد يطول

المعروف أن الشيء في صورته الكاملة أو المتكاملة لابد أن يكون مستساغا شكلا وموضوعا . ولكن هناك من يقول : المهم هو الجوهر والموضوع ، أما الشكل فلا قيمة له . وهي مقولة مرفوضة ساقطة : فالصلاة مثلا : جوهرها أو هدفها الأصيل هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ذاتيا وغيريا ؛ فقد قال تعالى " إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر " ، فلو فرضنا أن الإنسان أخذ نفسه بهذه القاعدة التى تهدف الصلاة إلى تحقيقها .. فهل من حقه أن يسقط الصلاة من حياته ؟ . وإذا صلى هل يكتفى منه بالدعاء والخشوع ؟ الإجابة واضحة فإن عليه أن يستكمل الجانب الشكلي للصلاة : بالاتجاه إلى القبلة ، والتزام النظام في الاصطفاف في صلاة الجماعة ، ولنتذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قل أمنت بالله ثم استقم " . وبذلك جمع بين الجانب العقدي ، والجانب التعبيري ، والجانب السلوكي ، وهذا ما أقصده بالتكامل .

في اختيار المادة العلمية يجب أن يتوفر في هذه المادة الصفات الأتية :

أ – الصحة ، والبعد عن التناقض ، والاتفاق مع حقائق الحياة .

ب – الطرافة الجذابة ، بشرط ألا تجور على الجانب الفكري والخلقي .

وكل ذلك وأكثر منه مطلوب توفره في المادة التاريخية : أ – فيجب أن تكون صحيحة سليمة ، تمثل الواقع ، ولا تجنح إلى الخيال ، والاختراع . أي يجب أن تكون تمثيلا صادقا : لواقع الحياة ، والشخصيات (المحورية والثانوية) ، والزمان ، والمكان . ب – يجب ألا تصطدم بعقيدتنا ، ومعطيات ديننا ، وتراثنا الأخلاقي . ج – يجب أن تلتزم في الأداء التعبيري ما يسميه النقاد "الواقعية اللغوية " ، فإذا كان هناك عبارات تجري على ألسنة الشخصيات ، وجب أن تمثل طبيعة اللغة في زمان الواقعة ومكانها ، فالنقاد يرفضون استعمال كلمة ككلمة " الشعب " إذا أوردها الكاتب في وقائع عصورقديمة ، لأن هذه الكلمة من الكلمات المستحدثة . د- يجب أن تكون اللغة معبرا صادقا عن واقع الشخصية وحظها من الثقافة ، ومركزها الاجتماعي . لذلك أخذ النقاد على بعض كتاب التاريخ إذ أجرى على لسان فلاحة ( في القرن التاسع عشر ) ، وهي تتحدث عن الإنجليز : " إنهم يقتلون الشمس ، ويخنقون الضياء " . فهذه العبارة البليغة الرائعة أكبر بكثير من مستوى فلاحة مصرية . كما أخذوا على أحمد شوقي في روايته مصرع كليوباترا قوله على لسان الملكة " كاهنَ المُلكِ ... سادتي ... هل سمعتم رنة الصوت في جوانب قصري ؟ " فمخاطبة الرعايا ب " سادتي " لا يليق بملكة أو حاكم .

ومن الممكن " تقصيص المادة التاريخية " ، أي عرض الحقائق التاريخية من خلال قصة أو رواية قد تحقق التسلية والتسرية . وحتى على هذا الاعتبار يجب مراعاة القواعد الفنية والموضوعية الأتية : أ – لا مانع من اختراع شخصيات ثانوية لا وجود لها تاريخيا ، ولكن يجب أن تمثل طبيعة الزمن والبيئة . ب- يجب عدم المساس بالشخصية المحورية ، أي الرئيسية ، بملامحها المادية ، والنفسية . ونفس الحكم يصدق على الوقائع التاريخية فلا نحول في الرواية واقعة تاريخية بالنصر إلى الهزيمة . أي يجب أن يتفق المنطق الروائي مع المنطق التاريخي . لذلك نأخذ على أحمد شوقي أنه حول كليوباترا من ملكة متهتكة بنت هوى ، إلى ملكة مخلصة حريصة على مصلحة الشعب المصري . ونأخذ على تمثيلية جاءت من ربع قرن في التلفاز المصري عن " أبي ذر الغفاري " . وكان من شخصياتها عبد الله بن مسعود ، واختاروا لتمثيله عملاقا طويلا هو " عزت العلايلي " ، مع أن ابن مسعود كان قصير القامة جدا. كما وردت على ألسنة الشخصيات عدة مرات كلمة "الثورة " مع أنها كلمة مستحدثة ، لم تستعمل في العصر الذي تناول الكاتب فترة منه . وبذلك تناقض المنطقان : المنطق الروائي ، والمنطق التاريخي .

وعز على نفسي أن أرى مجلة حبيبة إلي لأنها تتبنى القيم العقدية والإيمانية،والخلقية والتراثية ... عز علي تقع في مصيدة التاريخ اللاهي العابث .

فلم يكن هناك داعية تلزم المجلة بالنشر عن قطر الندى بنت خمارويه الذي عرض بنته ليتزوجها ابن الخليفة المعتضد في بغداد فقال الخليفة بل أتزوجها أنا وتزوجها ، وكأنها رشوة سياسية لإرضاء الخليفة العباسي عن خمارويه حاكم مصر.

وتوجت هذه العلاقات بين الدولة الطولونية والخلافة العباسية بزواج إبنة خمارويه -قطر الندى- بالخليفة المعتضد العباسي في زفاف أسطوري لا تزال تتردد أصداؤه في التراث الشعبي المصري حتى الآن، حيث إنه استمر عدة أشهر، ويعد من أطول احتفالات الزفاف في تاريخ البشرية. وهو حفل الزفاف الذي استنزف موارد الدولة الطولونية وعجل بنهايتها الدرامية .

حتى إنه بنى عشرات القصور من مصر إلى بغداد كاستراحات لقطر الندى لأنه عز عليه أن تنزل لتستريح في خيام . وأفلست الدولة بسبب هذا الزفاف وقد جهزها أبوها بكل ما يخطر ولا يخطر على البال . ومنه ألف هون من الذهب الخالص ... وغير ذلك كثير وكثير .

وخمارويه نفسه عاش مبذرا سفيها حتى إنه أمر بأن يقام له بستان فيه كل أشجار العالم ، وكل أنواع الطيور ، وكان في قصره بركة من الزئبق الخالص ، وهذا مالم تشهده البشرية حتى يومنا هذا . حتى زيجة "أبو هشيمة و هيفاء وهبي والملايين التى بذرت في الحفل وفي المهر والإكراميات لا تعد شيئا أمام ما أنفق على زفاف قطر الندى .

والسقطة الثانية ما نشرته عن ست الملك الذي قيل إنها حفيدة الزهراء وأطلقت عليها كاتبة المقال العقل المدبر للبيت الفاطمي . وكل ما نشر يدخل في نطاق التزوير التاريخي .

وفي السطور الآتية ألقي بعض الضوء على هذه الدولة النشاز...الدولة العار :

لقد بذلت الدولة الفاطمية جهودًا خبيثة في محو السنة ونشر التشيع، وكانت خطتها المتبعة أنه في حال غياب الدولة توزع الدعاة سرًا ليقوموا بالدعوة إلى مذهب الإسماعيلية الشيعي، وفي حالة أن تكون لهم دولة فإنهم يجعلون الدين الرسمي للدولة هو المذهب الشيعي.

ورأى الفاطميون بعد أن أمتد نفوذهم في بلاد المغرب، أن هذه البلاد لا تصلح لتكون مركزًا لدولتهم، ففضلاً عن ضعف مواردها كان يسودها الاضطراب من حين لآخر، لذلك اتجهت أنظارهم إلى مصر لوفرة ثرواتها وقربها من بلاد المشرق الأمر الذي يجعلها صالحة لإقامة دولة مستقلة تنافس العباسيين .

وعندما وصل الخليفة المعز لدين الله الفاطمي إلى القاهرة في سنة 362ه ركز اهتمامه في تحويل المصريين إلى المذهب الشيعي، واتبعت الخلافة الفاطمية في ذاك عدة طرق منها: إسناد المناصب العليا وخاصة القضاء إلى الشيعيين، واتخاذ المساجد الكبيرة مراكز للدعاية الفاطمية، كالجامع الأزهر وجامع عمرو ومسجد أحمد بن طولون ، كذلك أمعن الشيعة الفاطميون في إظهارهم شعائرهم المخالفة لشعائر أهل السنة، الآذان بحي على خير العمل، والاحتفال بيوم العاشر من المحرم الذي قتل فيه الحسين بكربلاء

وكان الفاطميون لا يقتصرون على دعوة أهل السنة على إقامة الشعائر الشيعية بل كانوا يرغمون أهل السنة ويعتدون عليهم ليشاركوهم طقوسهم.

ولما آلت الخلافة إلى العزيز سنة 365ه عني كأبيه المعز بنشر المذهب الشيعي ، وحتم على القضاة أن يصدروا أحكامهم وفق المذهب الشيعي ، كما قصر المناصب المهمةعلى الشيعيين، وأصبح لزامًا على الموظفين السنيين الذين تقلدوا بعض المناصب الصغيرة أن يسيروا طبقًا لأحكام المذهب الإسماعيلي، وإذا ما ثبت على أحدهم التقصير في مراعاتها عزل عن وظيفته، وكان ذلك مما دفع الكثيرين من الموظفين السنيين إلى اعتناق المذهب الفاطمي.

ولما قبض الحاكم بأمر الله زمام الأمور عمد إلى إصدار كثير من الأوامر والقوانين المبنية على التعصب الشديد للمذهب الفاطمي، فأمر في سنة 395ه بنقش سب الصحابة على جدران المساجد وفي الأسواق والشوارع والدروب وصدرت الأوامر إلى العمال في البلاد المصرية بمراعاة ذلك .

ومن الأسماء الشيعية الشهيرة في العصر الفاطمي وزير الخليفة الفاطمي المستنصر الذي كان يسمى بدر الجمالي، وكان مغاليًا في مذهب الشيعة ، فأظهر روح العداء والكراهة إزاء أهل السنة ، فجدد ما كان من أوامر بلعن الصحابة ، وإضافة عبارة حي على خير العمل للآذان – وغير ذلك .

ولم يؤثر أن الخلافة الفاطمية قامت بغزو أو عمليات عسكرية ضد الفرنجة لتوطيد أركان الإسلام، بل الثابت تاريخيًّا أنهم كانوا حربًا على أهل الإسلام سلمًا على أعدائه، فهم يضيقون الخناق على أهل السنة ويجيشون الجيوش لإرغامهم على التشيع، بينما هم مع الفرنجة سلم لهم، بل يستنجدون بهم على أهل السنة وغير ذلك.

والعزيز بالله لم يكن ينظر للشعب كما قالت كاتبة المقال أنه وصى ابنه وصية جاء فيها سأترك لك أمانة الله في عنقك وهي العمل على إسعاد الشعب الذي أوانا ورحب بنا وأكرمنا .... الخ بل كان متلافا مبذرا : قال المقريزي: إنه في أيامه بني قصر البحر بالقاهرة لم يبن مثله في شرق ولا غرب ، وقصر الذهب ، وجامع القرافة والقصور المتعددة في عين شمس .

وفي عهده كانت أسوأ مجاعة عرفتها مصر في تاريخها الطويل ، حتى إن الناس أكلوا القطط والكلاب ، ويروى أن الطبيب إذا دعي لأحد المنازل لتوقيع الكشف على مريض ، لا يخرج من هذا البيت أبدا ، فقد وزع لحمه على الأسرة بعد ذبحه وإنضاجه .

أما ست الملك فعاشت لمصلحتها الشخصية ، ودبرت مؤامرة لقتل أخيها . ومن هنا نجد تاريخا مزيفا في نسبتها إلى فاطمة الزهراء ، إذ كان عنوان مقال الزهور "حفيدة الزهراء ست الملك " . فالفاطميون جميعا على التحقيق لا ينتسبون للسيدة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ومما جاء في المقال من زيف :" استطاعت أن تعيد إلى الدين جلاله القديم … وهكذا عملت وجاهدت من أجل إسعاد بلادها وشعبها ، وسطرت أعمالها لتسردها الأجيال ، وليبقى ذكرها حيا على مر الدهور والأزمان" .

وهذا خيال ضارب في التزوير ولا يتسع المقال لتقديم كل الأدلة التفصيلية التي تقطع بأن الدولة الفاطمية كانت نقطة عار في تاريخ المسلمين ، فكان بعضهم كما ذكرنا يستعين بالصليبيين لضرب مزاحميه في الحكم، وما فتحوا بلدا ، ولا نشروا دينا ، بل كان همهم نشر المذهب الشيعي الإسماعيلي ، وكتبت لوحات بخطوط كبيرة تحمل سب الصحابة . وغير ذلك كثير ... كثير لايتسع له المقام .

المصدر:رابطة أدباء الشام