الفكر التربوي وتطبيقاته لدى جماعة الإخوان المسلمين

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الفكر التربوي وتطبيقاته لدى جماعة الإخوان المسلمين


رسالة ماجستير بدرجة الامتياز كلية التربية جامعة الأزهر

الناشر:مكتبة وهبة

أحمد ربيع عبد الحميد خلف الله

المدرس المساعد بكلية التربية جامعة الأزهر

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم.. والصلاة على سيدنا محمد أشرف المرسلين.

لعل جماعة الإخوان المسلمين من أبرز الحركات التي أفرزتها التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في مصر في النصف الأول من القرن العشرين وخاصة بعد الحرب العالمية الأولى.

ذلك أن هذه الجماعة التي تأسست عام 1928 كانت وليدة ظروف سياسية تمثلت في خضوع البلاد تحت سيطرة قوى الاحتلال في الوقت الذي انتشرت فيه مبادئ الديمقراطية في أرجاء كثيرة من العالم جعلت الشعوب والحكومات تطالب بالاستقلال وتنادى بالتحرر وتدعو لقيام الأحزاب والبرلمانات.

ومن الناحية الاقتصادية برزت في مصر الدعوة للتحرر الاقتصادي كدافع لحركة التنمية وإقامة الصناعة الوطنية وتمثل ذلك بوجه خاص في تأسيس بنك مصر وظهور الصناعات المحلية.

وعلى المسرح الاجتماعي بدأ ظهور طبقات اجتماعية جديدة تمثلت في نشأة طبقة عمالية صناعية واشتداد عود الطبقة المتوسطة التي انتظمت النظام التعليمي الحديث.

وعلى مسرح الفكر والثقافة ظهرت في مصر مجموعة بين التيارات الثقافية المتصارعة في اتجاهاتها المتناقضة في أهدافها ومراميها، وكان لكل تيار فكره الذي يرى فيه حل للتناقضات والمشكلات القائمة التي أفرزتها القوى المختلفة المؤثرة في المجتمع.

وقد كان من أبرز هذه التيارات التيار الإسلامى الذي يرى في اتباع سنن السلف الحل لكل التناقضات والصراعات. وقد دعا هذا التيار إلى إعادة صياغة مناهج التعليم من منظور اسلامى والتخلص من المناهج المشوبة بالمؤثرات الغربية والتأكيد على إبراز مكانة اللغة العربية ودورها في التشكيل الثقافي للمواطن.

وفى مقابل هذا التيار الإسلامى كان هناك التيار الغربي الذي يرى ترك كل ما يتصل بالتراث والتخلي عن كل ما يمت للقديم والنهل القوى من مصادر الثقافة الغربية.وقد دعا هذا التيار إلى أن يكون التعليم علمانيا. وإلى اقتباس نظم الغرب في السياسة والاقتصاد والتعليم وغير ذلك من مجالات .

بالإضافة إلى ذلك فقد كان هناك تيارات أخرى بعضها يدعو إلى الانتظام في حركة القومية العربية وربط مصر ربطا وثيقا بالبلاد العربية واعتبار مصر جزء من العالم العربي، وبعضها بالمقابل يدعو إلى انكماش مصر في إقليمية محدودة وانكفائها على نفسها لبلورة قومية مصرية تربط حاضرها بماضيها الفرعوني القديم.

وإذا كانت حركة الإخوان المسلمين بعض نتاج هذه المؤثرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وما أحدثته من تناقضات وصراعات، فقد كان لهذه الحركة بالمقابل تأثيرها الكبير على سير الأحداث في مصر وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية وتركيز الجهود السياسية والانتفاضات الطلابية على جلاء الإنجليز عن مصر والحصول على الاستقلال الكامل وبروز مشكلة فلسطين وانكشاف فساد القصر والأحزاب ثم انفجار ثورة يوليو 1952.

وإذا كانت جماعة الإخوان المسلمين قد حلت رسميا عام 1954 فإن حركتهم ما زالت علامة بارزة في مراحل التطور السياسي والاجتماعي والثقافة في مصر. ولا شك أن بعض امتداداتها أو آثارها يمكن اقتفاؤها حتى هذه اللحظة.

والرسالة العلمية التي تظهر اليوم في صورة كتاب، والتي تقدم بها السيد أحمد ربيع عبد الحميد المدرس المساعد بكلية التربية جامعة الأزهر لنيل درجة الماجستير في التربية من قسم تنمية المجتمع وتعليم الكبار والتي أشرفت عليها بالاشتراك مع الزميل الأستاذ الدكتور سعيد إسماعيل لم تستهدف بالدرجة الأولى كتابة تاريخ لجماعة الإخوان المسلمين ، أو بيان الظروف والأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أدت إلى تأسيسها.

وإنما هي تعنى أساسا بعرض الفكر التربوي لهذه الجماعة. فقد كان لجماعة الإخوان المسلمين نظرتهم الخاصة للتعلم من حيث فلسفته وأهدافه. كما كان رأيهم الخاص في طبيعة المؤسسات التي يجب أن ينتظم فيها التعليم سواء بالنسبة لأبناء المسلمين عامة أو للشباب والأطفال المنتظمين في جماعتهم بوجه خاص.

كما كان لهم أيضا موقفهم الخاص تجاه بعض القضايا التعليمية كالتعليم الأزهري وتعليم اللغة ومدارس التبشير . ويؤكد البحث أن الفكر التربوي للجماعة لم يكن فكرا متميزا، وإنما هو فكر تربوي إسلامي من حيث فلسفته وأهدافه ومفاهيمه ومناهجه ..

والفكر التربوي لدى جماعة الإخوان مصدره بالضرورة الكتاب والسنة وهدف التربية إعداد المسلم ليكون عبدا صالحا يطيع الله ورسوله وينتهي بنواهيه ويمارس دوره كاملا في مجتمع اسلامى.

ومن هنا كان اهتمام التربية الاخوانية بتهذيب الخلق والسيطرة على النوازع والطاعة لأولى الأمر والتأكيد على العلوم الدينية كعلوم القرآن والحديث وعدم إغفال العلوم الحديثة التي تزيد قدرة الإنسان على مواجهة مواقف الحياة.

وإذا كانت هناك إضافة متميزة للجماعة في مجال التربية فهي في مجال تطبيقات هذا الفكر وفى نوعية التنظيمات التربوية التي أنشأتها الجماعة لتأسيس فكرها وتجسيده. وقد عرض الباحث في فصل خاص إلى هذه التنظيمات الخاصة بالجماعة كنظام الجوالة ونظام الكتائب والأسر ومدرسة أمهات المسلمين وغيرها.

ويخلص الباحث في النهاية إلى نتيجة هامة وهى أن الفكر التربوي للجماعة يتحرك بالضرورة داخل مفاهيم التربية الإسلامية فقد كان فكهم مستمدا من فهمهم للإسلام كنظام شامل متكامل وكانت عقيدتهم أن إصلاح الأمة الإسلامية لا يتأتى إلا بالرجوع إلى الأصول التربوية الإسلامية المستمدة من تعاليم القرآن الكريم والسنة الشريفة.

ولا شك أن المكتبة التربوية العربية يسعدها أن تخرج هذه الرسالة الأكاديمية للنشر، وأن تكون في متناول دارسي التربية والمهتمين بالتربية الإسلامية بالذات ومسار حركتها الحديثة.

وأنتهز الفرصة لأهنئ تلميذي أحمد ربيع عبد الحميد على الجهد الذي بذله في إعداد هذه الرسالة والنتائج التي وصل إليها والتي قد تثير الكثير من النقاش والحوار.

الأستاذ الدكتور محمد سيف الدين فهمي
عميد كلية التربية بالأزهر

تمهيد

بسم الله الرحمن الرحيم

التدين ميل طبيعي عند الإنسان، نشأ معه نتيجة إحساسه الداخلي بوجود قوة مسيطرة على هذا الكون. ولقد اعتمدت كثير من الأمم منذ القدم على الدين في بناء حياتها الاجتماعية والسياسية والفكرية الاقتصادية، مما جعل حضارات هذه الأمم توصف بأنها انعكاسات لمعتقداتهم الدينية.

والدين بما يشمل من أوامر ونواه، يؤثر في نفوس البشر ، ويفجر طاقات الإبداع لديهم، ويجعلهم قوة بناءة ومن هنا كان للدن قوة تربوية وعندما يرتبط الدين بفكرة الأولوهية، تصبح وجهته أصح وفاعليته أشد، وفلسفته أصوب، وبالتالي تصبح قدرته على تغيير السلوك الانسانى أقرب إلى التربية.

وإذا كان الإنسان في حاجة ماسة إلى دين يهديه سواء السبيل فهو في حاجة أيضا إلى التربية، كي تحيل مثل الدين الفكرية إلى واقع سلوكي. ونظرا لمكانة الدين الإسلامى في نفوس المسلمين ، نجد أن الصحوة الدينية غالبا عندما تسود موجات من الانحلال والفساد، وهذا ما شاهده المجتمع المصري في العقد الثالث من هذا القرن.

فقد شهد هذا المجتمع قيام عدة جماعات إسلامية للدفاع عن الإسلام ضد العديد من الجهات التي تعرض لها، وخاصة تلك التي واكبت المد الاستعماري منذ السنة المحمدية، ومن هذه الجماعات: جمعية إحياء السنة المحمدية، جمعية الإخاء الإسلامى، جمعية الأمة للمحافظة على القرآن الكريم، وجمعية الشبان المسلمين التي تأسست عام (1346 هـ 1927م) وجمعية الإخوان المسلمين التي تأسست في ذي القعدة (1347هـ 1928) ولم تنشأ هذه الجماعات من فراغ، فقد تضافرت عدة عوامل أدت إلى قيامها؛

منها:الظروف السياسية التي كانت تتمثل في خضوع البلاد لسلطات الاحتلال، الأمر الذي أدى إلى جرح مشاعر غالبية المصريين الدينية والوطنية، وبالإضافة إلى ذلك فهناك الكثير من العوامل الاجتماعية والاقتصادية التي أدت إلى وقوع غالبية المصريين في أدران الفقر والجهل، الأمر الذي أدى إلى تدهور حالة البلاد وتأخرها.

وعلى الرغم من أن هذه الجماعات قد اختلفت في برامجها ووسائلها، إلا أنها التقت حول المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية ذلك أن تطبيق الشريعة الإسلامية في نظرهم جميعا يمثل الحل الإسلامى لمشكلات البلاد السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

وقد أخذت جماعة الإخوان المسلمين بمبدأ الشمول في الفكر الإسلامى، بحيث لم تقتصر على مجرد أداء الشعائر الدينية ، وإنما نظرت إلى الدين الإسلامى على أنه منهج حياة متكامل ، يتناول مختلف الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وهذا ما جعل لهذه الجماعة أهمية كبيرة كقوة سياسية واجتماعية وشعبية، هذا بالإضافة إلى أهميتها الكبيرة في المجال التربوي، خاصة وأنها كانت على وعى بدور التربية في البناء المتكامل للشخصية.

وإذا كان المجتمع يسوده العديد من التيارات الفكرية، منها ما يتفق مع الأهداف العامة للمجتمع، ومنها ما لا يتفق ، فإن الفكر الاخوانى كان له بعض التحفظات على المنهج الذي يسير عليه المجتمع، والفلسفة التي تشكل أسسه ودعت إلى التغيير قولا وفعلا.

وقد وضعت جماعة الإخوان المسلمين منهاجا عمليا للتربية الإسلامية لم يحفظ بالدراسة العلمية الموثقة، والتي تسهم في استجلاء دور للجماعة في هذا المجال، الأمرالذى حدا بنا إلى طرق هذا الموضوع لإجراء دراسته عن الفكر التربوي وتطبيقاته لدى جماعة الإخوان المسلمين .

الفصل الأول: المجتمع المصري في فترة وجود تنظيم الإخوان المسلمين 1972-1954

دراسة تلك الفترة تثير الحيرة والقلق، وذلك للتناقضات والصراعات التي شهدها المجتمع في تلك الفترة بين القصر وقوى التسلط الداخلي من جهة وبين الحركة الوطنية من جهة أخرى، ومن بعد آخر بين تيار المحافظة من جهة وتيار التجديد من جهة ثانية.

هذا بالإضافة إلى الصراع بين أنصار الإقليمية والقومية،وكان لتلك الصراعات جميعها دلالاتها السياسية والاجتماعية. ومن المؤكد أنه لم يعد مقبولا في الفكر التربوي المعاصر دراسة النظام التربوي بمعزل عن بقية النظم الاجتماعية الأخرى، لما هو واضح من تأثره بهذه النظم وتأثيره فيها.

ويقف النظام السياسي في مقدمة النظم الاجتماعية، من حيث تأثيره في النظام التربوي وتأثره به. لما له عاد من قوة التسيير والتوجه . ومما يؤكد هذا التأثير أننا نجد سمات خاصة للتعليم في الدول الرأسمالية تختلف عنها في الدول الإشتراكية.

وهناك علاقة تأثير وتأثر أيضا بين التربية والنظام الاجتماعي، فالمجتمعات التي تتميز فيها طبقات عن أخرى لها أساليبها ونظمها المختلفة لتربية أبنائها، على حسب تنوع صور التعليم، كما كان الحال في مصر قبل الثورة من تعليم ابتدائي بمصروفات للطبقات القادرة ، وتعليم أولى لغير القادرين على الإنفاق.

وتوجد هذه العلاقة أيضا بين التربية والتيارات الثقافية السائدة في المجتمع، على أساس أن هذه التيارات تمثل صورا فكرية موجزة لحشد ضخم من التفصيلات والوقائع السياسية والاجتماعية والاقتصادية كما أنه بقدر دراستنا لتطور الثقافة وخصائصها في مجتمع من المجتمعات ، بقدر ما تزداد وعيا وإدراكا لما لحق التعليم من تطور وتغير، وما لعبه من دور في تجميد المجتمع أو تطويره.

كما تتأثر التربية أيضا بالوضع الاقتصادي وتؤثر فيه فهي فضلا عن أنها تعمل في إطار اقتصادي معين لم يعد ينظر إليها على أنها نوع من الخدمة يقدم للناس في عزلة عن العملية الاقتصادية فالتربية تساهم بدور فعال في التنمية الاقتصادية عن طريق إعداد القوى البشرية وإكسابها المهارات اللازمة.

ونرى أن دراسة الفكر التربوي خلال تلك الفترة لا تكتمل ملامحها إلا بدراسة المحاور التالية:

  1. البناء السياسي وقواه.
  2. البناء الاقتصادي ومعالمه.
  3. البناء الاجتماعي وفئاته.
  4. التيارات الثقافية وملامحها.

وتجدر الإشارة إلى توضيح النقطتين التاليتين:

  1. إن الفصل بين هذه المحاور أو إقامة حواجز بينها أمر غير مستساغ لارتباطها بعضها مع بعض ارتباطا عضويا كما أن هذه المحاور تتفاعل مع بعضها البعض سلبا أو إيجابا، وبالتالي فإن كلا منها يؤثر ويتأثر بالآخر.
  2. إن المجتمع المصري في تلك الفترة قد تأثر بكل التيارات السياسية والثقافية السائدة في العالم وتفاعل معها، وبالتالي لم يكن هذا المجتمع مغلقا على نفسه أو بمعزل عما يجرى من حوله من أحداث.

ومن ثم فسوف نقدم لدراسة هذه المحاور الأربعة بعرض لأهم التيارات والاتجاهات العالمية السياسية والثقافية التي كان لها تأثيرها على هذه المحاور.

أهم التيارات والاتجاهات العالمية والمؤثرة في النصف الأول من القرن العشرين

يمكن بلورة أهم التيارات والاتجاهات التي صاحبت مطلع القرن العشرين والتي تفاعلت معها مصر فيما يلي:

(1) نمو الروح القومية:
يوصف القرن التاسع عشر عادة، بأنه عصر "القومية" ، فقد شهد هذا القرن الكثير من الانقلابات المحلية والدولية الخطيرة، التي وقعت بأوربا في ذك الحين، وكانت كلها أو أغلبها تعبيرا عن نمو متزايد للروح القومية. وفى خلال النصف الأول من القرن العشرين، تزايدت الروح القومية ، وغزت آسيا وأفريقيا.
وكان من آثار هذه الفكرة ،أن ظهر بمصر تيار نادي بالقومية المصرية، وبث الشعور بالوطنية الإقليمية في الأمة، على أساس العنصر لا الدين.
ومن العوامل التي ساعدت على نمو الروح القومية في مصر تأثر فئة من الذين تلقوا تعليمهم بالخارج بالثقافة الأوربية ودعوتهم إلى تبنى الحضارة الغربية باعتبارها المنهج السليم للرقى والنجاح هذا بالإضافة إلى حركة الكشوف الأثرية التي تمت في هذه الفترة وما أثارته من أحاسيس بأن لمصر شخصيتها المستقلة.
(2) نمو الدعوة للتحرير والاستقلال:
شهدت السنوات الأولى من القرن العشرين ، مزيدا من النهم الاستعماري على بسط النفوذ على أراضى جديدة ، لتكون سوقا لتصريف منتجاتها، أو لإمدادها بالمواد الخام، ولم تنج مصر بحكم موقعها الاستراتيجي من هذا التكالب الاستعماري.
وقد توسل الاحتلال بكل الطرق ومنها التعليم لبسط نفوذه على البلاد، وقد عبر عن هذا "اللورد لويد" المندوب السامي البريطاني في مصر، في خطبة ألقاها في كلية "فيكتوريا" بالإسكندرية لتعليم الشبان من مختلف الأجناس المبادئ البريطانية.
ومن هنا .. كانت المناهج موجهة لخدمة المستعمرين، ومن الأدلة على ذلك ، أن دراسة التاريخ الأوربي ظلت غالبة على المنهج المدرسي، مع إهمال التاريخ العربي والإسلامى.
هذا بالإضافة إلى الدور الذي لعبته المدارس الأجنبية، ونشاط الإرساليات في نشر الثقافة الأجنبية ، ويعترف أحد هؤلاء المبشرين بهذا الدور فيقرر أن التغيير الذي دخل على عقائد الإسلام ومبادئه الخلقية في مصر، يرجع إلى نشاط التبشير أكثر مما يرجع إلى الحضارة الغربية ذاتها، وذلك لبث الأفكار الأجنبية عن طريق نشر الثقافة الأوربية.

(3) نمو الروح العسكرية:

سيظل القرن العشرون مميزا بالاعتماد على القوة العسكرية للفصل في المنازعات، وتعتبر هذه الظاهرة أكثر شيعا في الدول النامية، وذلك لصعوبة تطبيق نظام نيابي في المجتمعات التي عاشت فترة طويلة تحت ظل الإقطاع. وقد دفع هذا بعض الدول الصغيرة إلى عقد معاهدات مع الدول الكبرى، والتي كثيرا ما كانت تؤدى إلى تبعيتها لتلك الدول.
وقد شهدت هذه الفترة إحراز الفاشية انتصارات باهرة في كل من إيطاليا وألمانيا، وكان لهذا صداه في مصر، فقد تبنى حزب "مصر الفتاة" و"الحزب الوطني" هذا التيار، كما تبناه أيضا "حزب الود" وشكل جماعات القمصان الزرق ردا على القمصان الخضر من أتباع حزب مصر الفتاة.
(4) انتشار الديمقراطية:
رغم بطش القوى العسكرية،فإن التيار الديمقراطي قد نما وانتشر في مناطق كثيرة من العالم، وقد ساعد على ذلك عوامل عديدة منها:
  1. مطالبة الوطنيين بالاستقلال ووقوف النقابات العمالية في البلاد الاستعمارية متضامنة مع هذه المطالب .
  2. الآثار التي ترتبت على النازية والفاشية جعلت الكثيرين ينادون بالديمقراطية.
  3. نجاح الحلفاء في القضاء على النازية الألمانية.
وقد انعكست هذه الروح الديمقراطية على مصر، فظهرت الحركة الوطنية على مسرح السياسة المصرية، ممثلة فى " مصطفى كامل" ومطالبته بحقوق مصر ، وخلفه "محمد فريد" الذي قاد الشعب نحو المطالبة بالديمقراطية ، وحكم نيابي صحيح، كما حث مجلس شورى القوانين على المطالب بالدستور ، ثم كان توالد العديد من الأحزاب السياسية، وإن لم تسمح القوى الرجعية الممثلة في الاحتلال العسكري البريطاني، والرأسمالية المصرية بنمو هذه الروح على النحو السليم.
ونستطيع أن نلمس ذلك في تدخل القصر والأحزاب في أمور التعليم، هذا بالإضافة إلى ارتفاع مصروفات التعليم بدرجة أعجزت الكثير من أبناء الشعب أن يلتحقوا بالتعليم.
ونستطيع القول أن الوعي بالفلسفة التي تربط بين الديمقراطية والتعليم،كان متوافرا بدرجة مرتفعة في فكرنا التربوي في تلك الفترة كما في كتابات طه حسين والقباني، ومن الخطوات التي اتخذتها وزارة المعارف نحو تطبيق المبدأ الديمقراطي في التعليم:
إلغاء نظام التعليم نصف اليومي في المدارس الإلزامية عام 1941، والفاء المصروفات من المدارس الابتدائية عام 1944، وفى عام 1947 اتجهت وزارة المعارف إلى رفع مستوى التعليم الأولى إلى مستوى التعليم الابتدائي بوجه عام بزيادة مدته إلى ست سنوات، وفى عام 1951 كان صدور قانون التعليم الابتدائي، وقد أدمج مدارس المرحلة الأولى جميعا في نظام واحد، أطلق عليه اسم "المدرسة الابتدائية" .
(5) زيادة الاهتمام بفكرة المجتمع الدولي:
تزايد الاهتمام بفكرة المجتمع الدولي والدعوة إلى السلام بعد نتائج الحروب المدمرة، وقد تأثر الكثير من مفكرينا بهذه الدعوة، فكتب " سلامة موسى" في مجلة " كل شيء" في 29 سبتمبر عام 1929: علينا أن ندخل في غمار الدعوة العالمية إلى السلام وأن نتطور من وطنية القطر إلى وطنية العالم، كما يجب علينا أن نؤلف للنشء المناهج التي تحببه في هذه الفكرة.
وقد رد عليه " ساطع الحصر" في مجلة التربية والتعليم العراقية حيث قال: "هل يجوز للمصري خاصة والعربي عامة أن يصغى للسلام وحقوقه مهضومة وجميع بلاده تحت الاحتلال؟".
(6) ظهور الفكر الاشتراكي:
يمكن القول بأن المبعوثين المصريين إلى أوربا في الفترة من نهاية القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين هم الذين جملوا بوادر الفكر الاشتراكي إلى مصر، حيث شهدت أوربا في هذه الفترة نموا وازدهارا في الحركة الإشتراكية.

وبعد عودة هؤلاء المبعوثين كان من الضروري أن يقدموا على عمل جماهيري يتفق مع ما ترسب في أذهانهم من الفكر الاشتراكي فانطلقوا يبثون تلك الأفكار بين طبقات الشعب.

وقد جرت أول محاولة لتأليف حزب اشتراكي مصري عام 1918 من "منصور فهمي وعزيز ميرهم" الذي كان أدنى إلى التطرف في الإشتراكية، الذي أقنع "منصور فهمي " بعدم ملائمة ظروف مصر الاقتصادية والاجتماعية لتنظيم الجهود في سبيل المبادئ الإشتراكية.

وبعد الحرب العالمية الأولى، ظهر المعسكر الشيوعي كقوة كبيرة يتزايد وزنها المادي والمعنوي يوما بعد يوم في مواجهة المعسكر الرأسمالي بعد انتصار المبادئ الإشتراكية في روسيا عام 1917 وقد كان من الطبيعي أن تصل أصداء هذا الانتصار إلى الدول النامية ، التي عانت كثيرا من السيطرة الرأسمالية فاتجهت كثير من هذه الدول إلى الأخذ بالمبادئ الإشتراكية التي تمثلت أمام هذه الدول على أنها تملك مفتاح الحل الاقتصادي لمشكلات التخلف التي عانت منها هذه الدول.

وقد أسس "جوزيف روزنتال" أول حزب شيوعي في مصر عام 1920 من العناصر الأجنبية، وقد تعرض هذا الحزب للهجوم من كل فئات الرأي العام المصري بسبب أن معظم أعضاء الحزب من الأجانب، هذا بالإضافة إلى إيمان الجماهير بحزب الوفد.

ثم ظهرت تيارات فكرية تدعو إلى اشتراكية ذات طابع مصري عربي حمل لواءها جماعة مصر الفتاة التي أطلقت على نفسها الحزب الاشتراكي المصري، وتزعمها " أحمد حسين وفتحي رضوان" وهذا الحزب كان يرى أن التعليم يجب أن يكون حقا لكل المواطنين وبالمجان .

إلا أن هذا التيار الفكري لم يحقق أهدافه لعدة أسباب منها:

  1. غلبة الطابع العسكري على أعضائه.
  2. اصطباغه بالهوية الفاشية نتيجة للعلاقات الوثيقة التي كونها مع إيطاليا.
  3. الشكوك التي حامت حول اشتراكه في حريق القاهرة في 26 يناير 1952.
(7) الاهتمام بمشكلة التخلف:
كان من آثار الثورة الصناعية التي شهدها المجتمع الأوربي نمو الروح الاستعمارية بين الدول الأوربية، ففرضت سيطرتها على مساحات واسعة في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. واستغل الاستعمار ثروات هذه المناطق بصورة أصابتها بالتخلف حيث استنزف ثرواتها وخفض من مستوى معيشتها ، وأضعف م صناعاتها.
ويرى أحد الباحثين أن السبب الواضح للتخلف الذي خيم على هذه الدول يرجع إلى الاستعمار وتركته الثقيلة التي خلفها مثل العادات والتقاليد البالية التي ستود هذه الدول إلى الآن وتمثل بقايا العناصر الإقطاعية الأمثلة العملية الحية للآثار التي خلفها الاستعمار.
ويعرف أحد رجال الاقتصاد الدول المتخلفة بأنها الدول التي تفتقر إلى التخطيط العلمي السليم، الذي يتيح لها الاستخدام الأمثل لمواردها الطبيعية وتوزيع الانتهاج بصورة عادلة، كما أن هذه الدول تسودها بعض التنظيمات القبلية التي تعوق خطط التنمية ويمثل التخلف الاقتصادي أحد مظاهر مشكلة التخلف.
ويمكن تلخيص الخصائص الاقتصادية للتخلف فيما يلي:
(أ‌) القوى البشرية:
كانت تعانى من انخفاض متوسط نصيب الفرد من الدخل القومي وانخفاض مستوى التغذية، وانخفاض المستوى الصحي والعلمي هذا بالإضافة إلى تفشى البطالة في هذه الدول.
(ب‌) الإمعان في الإنتاج المتخصص:
السمة الواضحة في اقتصاديات الدول المتخلفة كانت ولا تزال اقتصاديات ممعنة في التخصص، فالإنتاج يتركز عادة في مادة أولية واحدة هي التي تدخل في مقومات الصناعة في الدول المتقدمة، فمثلا تركزت الصادات المصرية قبل الثورة في القطن الخام وليس أدل على ذلك من أنه خلال الفترة من 1924-1928 بلغت نسبة الصادرات من القطن 90,6% من القيمة الإجمالية للصادرات.
(ج) التبعية الاقتصادية:
كانت اقتصاديات البلاد المتخلفة محكومة في تطورها ونشاطها بقرارات تصدر من الدول الغربية المسيطرة عليها. وقد اتخذت هذه التبعية صورا شتى منها فرض عملة الدول الاستعمارية على الدول المتخلفة، ونذكر على سبيل المثال تعمد بريطانيا إلى إصدار نقود ورقية وطنية تابعة لبنك عربي معين، ولكن ينظم الإصدار وغطاؤه وسياسة البنك بطريقة تجعل من نقد البلد تابعا كلية للدول الاستعمارية المسيطرة وهو الواضح الذي ساد مصر في الفترة من 1916- 1947.
وخلال النصف الأول من القرن العشرين ظهرت بعض القوى والتيارات الاقتصادية التي أضعفت النفوذ الاستعماري الغربي في الدول المتخلفة، كما ظهرت تجارب ناجحة في مسار التنمية الاقتصادية أعطت الدول المتخلفة قوة دفع قوية نحو التنمية مثل التجربة السوفيتية عام 1917.
(8) سيادة الاتجاه العلمي:
نستطيع القول بأن العصر الذي نعيش فيه هو عصر العلم والمنهج العلمي، فقد ظهرت قوة العلم ومنهجه بعد أن تطورت نظرياته وعمت نتائجه وتطبيقاته حتى شملت معظم قطاعات الحياة ومعالمها فحلت الآلة مكان الأيدي البشرية، وقامت الصناعة الثقيلة والخفيفة.
وقد أدى تطبيق العلم على ميادين الحياة إلى تطورات ضخمة كان من أبرزها زيادة القدرة على الكشف والاختراع ونمو المدن والمواصلات والحديثة والسريعة. وكان لهذه المدني آثار بعيدة المدى على جميع جوانب الحياة، فغيرت من وظائف عدد كبير من الأنظمة والمؤسسات وخلقت معها وظائف لم تكن موجودة من قبل.
وقد انعكست آثار تلك الموجات الحضارية المصطبغة بالصبغة العلمية على المجتمع المصري، فأصابه الشيء الكثير من المتغيرات في البناء الثقافي والاجتماعي، وكذلك في الجانب الاقتصادي.
هذه أبرز المعالم التي لعبت دورها على مسرح الحياة المصرية مع مطلع القرن العشرين وخلال نصفه الأول، والتي لعبت دورا مؤثرا في تشكيل بعض الاتجاهات والجهود التي عفتها مصر في الفترة من 1982- 1954.

البني السياسية والاقتصادية والاجتماعية للمجتمع المصري

أولا:البناء السياسي:

بانتهاء الحرب العالمية الأولى ظهرت بعض الأحداث السياسية الكبرى التي كان لها تأثيرها على الحياة في مصر يمكن الإشارة إلى أهمها فيما يلي:
(1) تصريح 28 فبراير 1922:
بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، تألف الوفد المصري للسفر إلى بريطانيا لمناقشة المسألة المصرية ، وحيث أن مطالبه قد قوبلت بالتسويف. فلجأ إلى إثارة الرأي العام ضد بريطانيا وقد أدى ذلك إلى إلقاء القبض على "سعد زغلول" وثلاثة من زملائه ونفيهم إلى مالطة، وكان هذا بمثابة الشرارة التي فجرت ثورة 1919 .
وبعد أن هدأت الثورة أوفدت انجلترا " لجنة ملنر" للتحقيق في أسباب الثورة، والعمل على تهدئة الأوضاع، وقد قاطع الوفد المصري هذه اللجنة نتيجة إصرار الحكومة البريطانية على عدم إلغاء الحماية إلا إذا اعترفت مصر رسميا بكل ما تدعيه بريطانيا من مصالح لها في مصر، ونتيجة لعدم قبول الشعب المصري لهذا الشرط أعلنت بريطانيا من جانب واحد انتهاء الحماية واستقلال مصر بمقتضى تصريح 28 فبراير .
وقد نص هذا التصريح على انتهاء الحماية البريطانية على مصر، وتكون دولة مستقلة ذات سيادة، إلا أن التحفظات الأربعة التي أعطت انجلترا لنفسها حق توليها، لم تغير كثيرا من حقيقة الاحتلال.
وقد وصف " سعد زغلول" هذا التصريح بأنه أكبر نكبة على البلاد وهو عبارة عن حيلة يراد بها الحصول على تصحيح مركز انجلترا في مصر . ويعلق الدكتور "عبد العظيم رمضان" على هذا التصريح بأنه لا يتكافأ مع تضحيات الشعب المصري. ولا مع أمانيه الوطنية التي هب لتحقيقها عقب الحرب العالمية الأولى، لذا فقد قابل الشعب هذا التصريح بالفتور والإعراض.
(2) دستور عام 1933:
أخذت مصر على أثر إعلان تصريح 28 فبراير 1922 في ترتيب حياتها الجديدة ، ففي أول مارس أعلن " عبد الخالق ثروت" تشكيل وزارته الجديدة، وفى 15 مارس أعلن السلطان فؤاد نفسه ملكا على مصر.
ولقد كان من الضروري لاستكمال شكل النظام الجديد العمل بدون إبطاء على وضع الدستور الجديد حتى تقوم الحياة النيابية في البلاد في أقرب وقت ممكن، فتشكلت لجنة الثلاثين، لوضع مشروع الدستور، وقد وجهت لهذه اللجنة الكثير من الانتقادات فهي لم تكن تمثل الشعب تمثيلا صحيحا؛
وقد أطلق عليها "سعد زغلول" (لجنة الأشقياء)، وصدر الدستور في 19 أبريل عام 1923، وقد أثارت النصوص الخاصة بالسودان أزمة بين بريطانيا ومصر، بسبب ورود مادة في الدستور تعطى للملك الحق في أن يكون ملك مصر والسودان، فثارت انجلترا وأعلنت أن مسألة السودان من المسائل المحتفظ بها للمفاوضات المقبلة بين الحكومتين المصرية والبريطانية.

وقد أعطى الدستور للملك حق حل مجلس النواب وتأجيل انعقاده وتعيين الوزراء وإقالتهم، مما دعا البعض إلى وصفه بأنه ثوب فضفاض.وقد أبدى " سعد زغلول" ملاحظاته على هذا الدستور فقال أنه أنشأ للبلاد حكومة مطلقة في الظاهر ومقيدة في الحقيقة، وفتح للانجليز بابا واسعا للدخول منه في شئون البلاد وإدارتها مما يعوق تقدمها.

وقد عطل الدستور منذ أول نوفمبر 1924 حتى عام 1926، ثم عطل في يونيو 1928 على يد وزارة "محمد محمود" وظل معطلا حتى أواخر عام 1929، ثم ألغى عام 1930، واستبدل به دستور "إسماعيل صدقي".

(3) استمرار السيطرة البريطانية على المسرح السياسي:
بعد حصول مصر على الاستقلال بموجب تصريح 28 فبراير 1922، تخلى الاحتلال عن مسرح الحوادث ظاهريا، ولكن مصالحه الاقتصادية والإستراتيجية كانت دائما تكرس له تدخلا في شئون البلاد، وكان أبرزها تدخله في شئون السودان عام 1924؛
فعلى أثر مقتل "السير لى ستاك" سردار الجيش المصري وحاكم السودان أرسلت الحكومة البريطانية إنذارا للحكومة المصرية تلزمها بدفع غرامة قدرها نصف مليون جنيه، وسحب الجيش المصري من السودان، وإطلاق يد انجلترا في الشئون المتعلقة بحماية المصالح الأجنبية.
وعند مناقشة مجلس النواب لقوانين الاجتماعات يأتي إنذار من الحكومة البريطانية إلى الحكومة الوفدية بسحب شروع قانون الاجتماعات من البرلمان ومنعه من أن يصبح قانونا بحجة أنه يعرض سلامة الأجانب للخطر، ثم توج التدخل البريطاني المباشر بحادث 4 فبراير 1942.
ولم يقتصر هذا التدخل على الإنجليز وحدهم، بل كانت أطماع القصر واضحة في الانفراد بالحكم ، وقد استمرت مطالبة القصر بذلك بعد الاستقلال غم أن الدستور منع ذلك، إلا أن القصر ضرب بع عرض الحائط، ويتضح ذلك من خلال تدخل الملك وحاشيته في تعطيل الدستور وتأجيل البرلمان.
(4) سيطرة كبار الملاك على الأحزاب والمجالس النيابية:
شهدت مصر بعد تصريح 28 فبراير 1922، وصدور دستور 1923 قيام بعض الأحزاب، إلا أن الاشتغال بالعمل الحزبي في هذه الفترة قد اقتصر في أغلبه على الأعيان، أو كبار الملاك الزراعيين كوسيلة لزيادة نفوذهم وحماية مصالحهم، ومن هنا بدأت تلك الطبقة تلعب دورا هاما للغاية في السياسة المصرية وفى تكوين الأحزاب.
وقد سعى كبار ملاك الأراضي الزراعية للتواجد في السلطة التشريعية بأشكالها المختلفة، والسلطة التنفيذية كوسيلة لحماية مصالحهم، فعندما شكلت لجنة وضع دستور 1923، كان عدد كبار الملاك في لجنة وضع المبادئ العامة (11) عضوا من مجموع أعضاء اللجنة وعددهم (18)عضوا- أي بنسبة 61,1% .

وأما عددهم بمجلس الشيوخ، فكان كبيرا ويوضحه الجدول التالي:

جدول (1):عدد كبار الملاك بمجلس الشيوخ
مجلس الشيوخ وتاريخه مجموع الأعضاء عدد كبار الملاك نسبتهم إلى المجموع %
الهيئة الأول من (1924- 1930) 178 88 49,43
الهيئة الثانية من (1913- 1934) 111 57 51,35
الهيئة الثالثة (1936) 299 151 50, 50
ومن هذا يتضح أن سعى كبار ملاك الأراضي الزراعية إلى المشاركة في الحياة السياسية كان تعبيرا عم مصالحهم الاقتصادية والاجتماعية .ولم تكن الأحزاب التي سيطر عليها كبار الملاك أحزابا بالمعنى الصحي، فقد كانت غالبيتها تعبر عن وجهة نظر زعمائها، كما أنها نظرت إلى مصالحها الخاصة، ولم توجه العناية الكافية في مواضع كثيرة إلى مصالح الشعب.
وبجانب الدور الذي لعبته تلك الأحزاب في إفساد الحياة السياسة فقد ساهمت أيضا في اضطراب النظام التعليمي نتيجة تدخلها في شئون التعليم ، مما شتت من جهود الإدارة المدرسية هذا بالإضافة إلى أن اهتمام هذه الأحزاب بالتعليم كان يتضح في برامجها وخطب قادتها أكثر مما يظهر في أعمالها وتطبيقاتها.
ويتضح ذلك من خلال مناقشة مجلس النواب لمشروع قانون التعليم الأولى في مايو 1933. فعلى الرغم من أن الدستور قد نص على أن التعليم الأولى إلزامي للمصريين من بنين وبنات، إلا أن كبار الملاك أبدوا تخوفهم من تعليم أولاد الفلاحين؛
وقد ساقوا لذلك مبررات تدعو للدهشة فيقول أحد الأعضاء:أن تعليم أولاد الفقراء خطر اجتماعي هائل لا يمكن تصور مداه، لأن هذا يؤدى إلى ثورات نفسية حين يتعلم ابن الصراف وابن الساعي.. وطالب بأن يقتصر التعليم على أبناء القادرين.

ثانيا:البناء الاقتصادي:

ارتبط الاقتصاد المصري بالتطور الاقتصادي العالمي في بلاد أوربا وأمريكا بسبب خضوع مصر للرأسمالية العالمية منذ منتصف القرن التاسع عشر، بحيث كان الاقتصاد المصري يتأثر باستمرار بعوامل الانتعاش الاقتصادي وأزماته.
وقد بلغ هذا الارتباط أشده في فترة الاحتلال، نتيجة تشجيع الاحتلال لعدد من المستثمرين الأجانب الذي أقاموا المشروعات الكبرى والبيوتات المالية الضخمة التي كان همها تزويد الأسواق الأوربية بالخامات المصرية وتوجيه إنتاج البلاد تبعا لهذه الأسواق.

وفيما يلي أهم ملامح البناء الاقتصادي في مصر في الفترة من 1927-1954:

(1) خضوع الاقتصاد المصري للسيطرة الأجنبية:
لعب الاحتلال البريطاني دورا كبيرا في ربط الاقتصاد المصري بالاقتصاد الإنجليزي ربطا كليا، قوامه قيام مصر بإمداد الصناعة الإنجليزية باحتياجاتها من القطن، وفتح أسواق مصر لمنتجات الصناعة الأجنبية، وقد ترتب على تبعية الاقتصاد المصري للاقتصاد الإنجليزي في هذه الفترة التقلب الكبير في قيمة صادراتنا من القطن، وبالتالي في مستوى الدخل القومي تبعا لتقلبات مستوى النشاط في الاقتصاد الإنجليزي.
ونظرا لأن النشاط والركود في الاقتصاد الإنجليزي كانا يحدثان بسبب طبيعة النظام الاقتصادي الرأسمالي نفسه، لذلك فإن الاقتصاد المصري كان يتحمل آثار هذا النشاط والركود.
وفى الفترة التي سبقت الحرب العالمية الأولى سيطرت الرأسمالية على أغلب الأنشطة التجارية والمالية للدولة، وقد بلغت نسبة رؤوس الأموال الأجنبية في عام 1914 ما يقرب من 91% من مجموع استثمارات الشركات المساهمة في مصر.
ومن العوامل التي جعلت الاقتصاد المصري يدور في فلك الاقتصاد البريطاني تحويل غطائنا النقدي من الذهب إبان الحرب العالمية الأولى إلى أذونات على الخزانة البريطانية، مما أتاح لبريطانيا الحصول على ما تشاء من العملة المصرية لتمويل عملياتها العسكرية.
وما أن تحددت العلاقات المصرية البريطانية في إطار تصريح 28 فبراير 1922 حتى أخذ الاهتمام البريطاني بربط الاقتصاد المصري بالاقتصاد البريطاني يتزايد بصورة كبيرة وذلك لاعتقادهم أن هذا يدعم وجودهم في مصر، كما أنه يضعف موقف الحركة الوطنية في مواجهة هذا الوجود.
وتكشف الوثائق البريطانية القناع عن الدور الذي مارسته الرأسمالية الأجنبية في الضغط على الحكومة البريطانية لعدم قبول مطالب الحركة الوطنية المصرية في الاستقلال أو التسليم بهما زاعمة أن ذلك يهدد المصالح المالية البريطانية.
وقد أتاحت معاهدة 1936 الفرصة أمام الاستثمارات الإنجليزية في مصر، نتيجة قيام الشركات الإنجليزية بتنفيذ بعض المشروعات، بعد إرساء العطاءات عليها.
وقد أدى سيطرة الأجانب على اغلب الأنشطة التجارية والمالية، إلى تفشى البطالة بين المصريين، ومنافسة المصنوعات الأجنبية للمنتجات المحلية لذا فقد نادى البعض بالحد من هجرتهم إلى مصر، وأن يكون للتعليم دور في تشجيع الصناعة الوطنية المصرية، هذا بالإضافة إلى التوسع في إنشاء المدارس الصناعية لتكون نواة لتخريج الفنيين المصريين.
(2) اعتماد الاقتصاد المصري على الزراعة:
اعتمد الاقتصاد المصري في تلك الفترة اعتمادا شبه كلى على الزراعة وخاصة محصول القطن، وقد لعب الاحتلال البريطاني دورا كبيرا في تحويل السياسة الاقتصادية المصرية إلى سياسة التخصص الزراعي، ومع هذا فإن هذا التخصص لم يتسم بطابع التوازن ، إذ وجهت العناية إلى محصول القطن على حساب المحاصيل الأخرى، كما أن هذا التخصص جعل الاقتصاد المصري عرضة لأي تذبذبات تصيب أسعار القطن.
وقد تميزت الزراعة المصرية بعدد من الخصائص:
(أ‌) عدم قدرتها على مواجهة النمو السكاني:
لما كان الاقتصاد المصري قد تحول إلى الاعتماد الكلى على الزراعة، أصبح من الطبيعي ألا تنقطع عمليات تحسينها فأنشئت قناطر نجع حمادي عام 1930، وتمت تعلية خزان أسوان عام 1934 ورغم هذا فإن معدل التوسع في مساحة الأرض الزراعية كان أقل بكثير من معدل تزايد السكان.
فبينما زادت الرقعة الزراعية خلال المدة من 1917-1947 بنسبة 9% ، زاد معدل السكان بنسبة 50% مما أدى إلى حدوث بطالة سافرة ومقنعة، هذا بالإضافة إلى ضآلة أجر العامل الزراعي.
(ب‌) سوء توزيع الملكية الزراعية:

كما تميزت الزراعة بسوء توزيع الملكية الزراعية، ويتضح هذا من الجدول التالي:

جدول(2):هيكل توزيع الملكية الزراعية عام (1930)
مساحة الملكية بالفدان عدد الملاك النسبة المساحة بالفدان النسبة
من(1)-(5) 2,141,334 93,1 1,874,304 31,6
من (5)-(50) 146,046 6,3 1,758,781 29,7
أكثر من (50) 12,599 55,% 2,285,305 38,7
المجموع 2,299,979 100,0 5,918,390 100
ويلاحظ في هذا الجدول أن حوالي 93,1% من الملاك الزراعيين لا يملكون سوى 31,6% من مجموع الأراضي الزراعية، بينما يملك 6 في الألف فقط من الملاك حوالي 38,7% من الأراضي الزراعية. ومن هنا يتضح أن المشكلة الرئيسية التي واجهت الريف المصري كانت تنحصر بالدرجة الأولى في إعادة توزيع الملكية الزراعية.
(جـ) ارتفاع قيمة إيجار الأراضي الزراعية:
ارتفعت إيجارات الأراضي الزراعية في تلك الفترة لدرجة كبيرة جعلت الفلاحين الذين يزرعون الأرض يواجهون صعوبة كبيرة في الاحتفاظ بالأرض التي يزرعونها. وقد أدى هذا إلى لجوء الفلاحين إلى المرابين الذين يقرضونهم الأموال التي هم في حاجة إليها بفائدة كانت تتراوح ما بين 30، 50% لموسم واحد فقط.
(3) ازدياد الاهتمام بالصناعة:
أدى انقطاع الواردات من السلع المصنعة خلال سنوات الحرب العالمية الأولى، بالإضافة إلى رغبه المربين في تحقيق الاستقلال الاقتصادي لمصر، إلى ظهور الإحساس بالحاجة إلى تنمية الصناعة فأنشأت القوى الوطنية لجنة الصناعة والتجارة عام 1917، وقد حثت هذه اللجنة الحكومة على الاهتمام بالصناعة، ولكن الفتور ما لبث أن عاد مرة أخرى على الميدان الصناعي المصري.
فقد أدت الزيادة الكبيرة في أسعار القطن إلى الاعتقاد بأن هذا المحصول وحده قادر على ضمان الرخاء المستمر للدولة غير انهيار أسعار القطن خلال الأزمة العالمية واستعادة الدولة لاستقلالها المالي عام 1930 بفرض التعريفة الجمركية ورفع الرسوم على الواردات من السلع الاستهلاكية الصناعية، وعدم قدرة القطاع الزراعي على تشغيل العدد المتزايد للأيدي العاملة المصرية أدى إلى جعل النشاط يدب من جديد في القطاع الصناعي.
ثم جاءت الحرب العالمية الثانية ، فكان تأثيرها أكبر بكثير من تأثير الحرب العالمية الأولى في دفع وتنشيط الصناعة المصرية نتيجة هبوط حجم الواردات بالإضافة إلى ما تصرفه قوات الاحتلال وكان نتيجة ذلك أن توسعت صناعات المنسوجات والزجاج والجلد والأسمنت والبترول.
وبالرغم من ذلك لم تكن عملية التصنيع بالقدر اللازم لتغيير الطابع الزراعي للاقتصاد المصري، إذ ظلت الصناعة قطاعا "هامشيا" في الاقتصاد المصري. فبينما كان عدد المشتغلين في الاقتصاد المصري لم تزد نسبة المشتغلين بالصناعة عن (10%) من هذا المجموع .

كما أن هذا التوسع لم يكن كافيا لمواجهة الاطراد في زيادة عدد السكان ، فالدخل القومي للفرد كان في هبوط مستمر وهذا يتضح من الجدول التالي:

جدول (3):
المدة دخل الفرد سنويا بالجنيه
1921-1928 12,3
1930-1933 08,2
1935- 1939 09,6
1940- 1945 09,4
وقد فرض الاهتمام بالصناعة نفسه على التعليم، فاهتمت الصحف بنشر مشاكل التعليم الصناعي ونادت بإصلاحه، ونتيجة لهذا شكلت لجنة لبحث وسائل إصلاح التعليم الصناعي بقرار وزاري رقم (4736) في 28/6/1937
واقترحت اللجنة أن تكون مراحل التعليم الصناعي كالتالي:
  • المكاتب الصناعية: ويلتحق بها من أتموا التعليم الأولى ومدة الدراسة بها ثلاث سنوات لتخريج الصانع العادي.
  • المدارس الصناعية: ويقبل بها من أتموا الدراسة الابتدائية ومدة الدراسة بها خمس سنوات لتخريج فئة ممتازة من الصناع الماهرين.
  • مدرسة الهندسة التطبيقية (الفنون والصناعات): ويلتحق بها من أتموا الدراسة الثانوية.

وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، نادى بعض المربين بإنشاء مدارس صناعية في القرى، وإنشاء أقسام صناعية في بعض المدارس الإلزامية ، إى أن هذا لم يوضع موضع التطبيق والتنفيذ حتى قيام الثورة.

تدخل الحكومة المصرية في الحركة الاقتصادية:
بدأت الحكومة المصرية التدخل في مجال الاقتصاد منذ بداية الثلاثينيات ، عن طريق فرض الحماية الجمركية لصالح الصناعة الوطنية الناشئة، وكانت تلك السياسة محل معارضة المصالح التجارية البريطانية، كما تدخلت الحكومة لإنقاذ أسعار القطن من الهبوط نتيجة قلة الطلب على القطن المصري في السوق العالمية، بسبب الكساد الكبير، فدخلت الحكومة سوق القطن مشترية منذ مارس 1930 .
ولعب بنك مصر الذي أسسه طلعت حرب عام 1930 دورا رئيسيا في تقوية القطاع الصناعي المصري، بإنشاء عدد من الشركات التي اعتبرت نواة الصناعة المصرية الحديثة. مثل شركة مصر للغزل والنسيج وشركة مصر للطيران،وشركة مصر للنقل والملاحة وفى عام 1937 ألغيت الامتيازات الأجنبية . ثم اتبعت الحكومة الصناعة المصرية لمنافسة الصناعات الأجنبية.
ثم اتبعت الحكومة في عام 1939 سياسة جديدة، تهدف على إضعاف سيطرة القطن على الاقتصاد المصري، وذلك بتحديد المساحة المزروعة قطنا، وفرض زراعة الذرة والأرز والقمح على نطاق واسع. وخلال الحرب العالمية الثانية ازداد حجم الدور الزى لعبته الدولة في توجيه الاقتصاد فتشكل "مجلس التخطيط والتنمية" لوضع خطة للتصنيع والتوسع في بعض الصناعات الهامة كالسكر والأسمنت.

ثالثا: البناء الاجتماعي

تميز المجتمع المصري في تلك الفترة بتركيباته الطبقية الآتية:

  1. الطبقة العليا: وتضم (كبار ملاك الأراضي الزراعية،الرأسمالية التجارية والصناعية،الأجانب).
  2. الطبقة المتوسطة: وتضم (أصحاب الملكيات المتوسطة،متوسطي التجار،قطاع كبير من المثقفين).
  3. الطبقة الدنيا: وتضم (الفلاحين ،صغار العمال).

أولا: الطبقة العليا:

وهى الطبقة التي تضم كبار ملاك الأراضي الزراعية وأصحاب وسائل الإنتاج من شركات تجارية وصناعية ، وبنوك ومؤسسات مالية، وأصحاب هذه الطبقة يعيشون حياة اجتماعية واحدة كفلتها شبكة قوية من الأصهار والنسب، والثقافة التي كانت سائدة بين أبناء هذه الطبقة هي الثقافة الليبرالية، التي حصلوا عليها نتيجة اتصالهم بالمجتمع الأوربي، أو من خلال انتشار مناهج التعليم في المدارس التي كانت تتمثل أنماط الحياة الثقافية والفكرية في أوربا.

وقد ضمت هذه الطبقة:

(أ‌) كبار الملاك:
وهم يشكلون غالبية الأحزاب السياسية والمجالس التشريعية وقد لجأوا إلى أساليب متعددة لزيادة أملاكهم الزراعية. ومن هذه الأساليب انتزاع أملاك صغار الفلاحين بعرض أثمان أحيانا واستخدام الإرهاب أحيانا أخرى.
ثم جاءت الحرب العالمية الثانية لتزيد من أرباح هذه الطبقة الزراعية الكبيرة، بسبب ارتفاع الإيجارات الزراعية وأثمان الغلات الزراعية وبخاصة القطن.
وقد هجر أبناء هذه الطبقة الريف وأقاموا بالمدن وكانت لهذه الظاهرة آثار سيئة على تطور الحياة في المجتمع الريفي إذ أدت إلى افتقار الريف بحرمانه من تداول ثروات كبار الملاك فيه كما أدى هذا أيضا إلى حرمان الريف من المشروعات الإصلاحية لأن كبار الملاك القادرين على تمويل تلك المشروعات غير مقيمين به ومن فلا حاجة بهم إلى الاهتمام بمثل هذه لمشروعات .
وكان من نتيجة السياسة التي اتبعها كبار الملاك الزراعيين في اقتناء الأراضي الزراعية على حساب الفلاحين الصغار إلى جانب اتفاق دخلهم من الأرض في الترف واللهو أن أضحى هذا الدخل ثروة قومية مضيعة. وهكذا كانت هذه الطبقة عقبة في سبيل تطوير الاقتصاد القومي.
(ب‌) الرأسمالية التجارية والصناعية:
كان من نتائج ثورة 1919 .ظهور طبقة رأسمالية وطنية اشتغلت بالصناعة والتجارة . ولقد لعبت الحرب العالمية الأولى دورا في نمو دخل هذه الطبقة الرأسمالية نتيجة تعذر استيراد السلع الخارجية إبان الحرب، واحتياجات قوات الحلفاء وارتفاع الأسعار.
وقد ترتب على فرض الحماية الجمركية عام 1930، وإلغاء الامتيازات الأجنبية في معاهدة مونتريه عام 1937، أن وقفت الرأسمالية المصرية في موقف معادل مع الرأسمالية الأجنبية.
وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية دخلت تلك الطبقة مرحلة الاحتكار ن بسبب سيطرة قلة من أصحاب المال على نواحي الحياة الاقتصادية وتكتلها لقتل الصناعات الناشئة المنافسة ثم تحالفت تلك الطبقة مع الرأسمالية الأجنبية الاحتكارية إزاء الثورة الشعبية، خوفا من أن تطيح الثورة الشعبية بالرأسمالية الاحتكارية بأطرافها المختلفة.
ويلاحظ على هذه الطبقة أنها كانت تتجنب إنشاء صناعة ثقيلة في مصر كالصناعات الكهربائية والحديد والصلب، مما كان له انعكاسه على التعليم الصناعي، بأن جعله يقف عند حد ساذج وبسيط ما دام لا يجد في سوق العمل من الأعمال المعقدة ما يحتاج إلى قوى مدربة على أحدث الأساليب.
(جـ) الأجانب:
وكان منهم معظم المشتغلين بالصناعات الكبيرة وإعمال المصارف وبعض الوظائف الإدارية العليا وكثيرا ما كانوا يعيشون منعزلين عن المصريين في أحياء خاصة بهم، كما كانت الحكومة تعاملهم معاملة خاصة نظرالما لهم من الامتيازات المالية والقضائية.
على أن حجم ملكية هؤلاء الأجانب للأرض الزراعية، كان يتأثر ارتفاعا أو انخفاضا بالوضع السياسي ، ففي أعقاب معاهدة 1936 وإلغاء الامتيازات الأجنبية في عام 1937، انخفضت نسبة ملكياتهم إلى حوالي (70,000) فدان وإلى حوالي (10,000) في عامي 1948-1949 وكان لهؤلاء مدارس خاصة بهم وقد لعبت هذه المدارس دورا كبيرا في نشر الثقافة الأجنبية بين المصريين.

ثانيا: الطبقة المتوسطة:

تكونت من أصحاب الملكيات المتوسطة ومتوسطي التجار وقطاع كبير من المثقفين والعاملين بالحكومة ، ويطلق الاشتراكيون على هذه الطبقة (البرجوازية الصغيرة) وقد لعبت تلك الطبقة الدور القيادي في الحركة الوطنية وحركة النهوض السياسي والاجتماعي.
وقد اهتم أبناء تلك الطبقة من الطلاب بالمسائل السياسية نظرا لوضعهم الاجتماعي حيث أنهم كانوا يمثلون بالنسبة للسواد الأعظم من السكان الذين يسودهم الجهل الطبقة المثقفة القليلة العدد، هذا بالإضافة على أن معظمهم كانوا من عائلات فقيرة تعانى صعوبات مالية في سبيل إكمال دراستهم، وحتى بعد الانتهاء من الدراسة لم يكن هناك ثمة ضمان بأنهم سوف يلتحقون بعمل ملائم وذلك بسب مزاحمة الأجنبي لهم على الوظائف.

ثالثا: الطبقة الدنيا:

تكونت تلك الطبقة من الفلاحين وصغار العمال، وكانت حياة تلك الطبقة على قدر كبير من السوء بسبب لجوء كبار الملاك إلى انتزاع أراضيهم لكي يعملوا كأجراء عندهم. وكانت المشكلة الرئيسية لهذه الطبقة تنحصر في أنهم لا يشتغلون إلا في مواسم الزراعة فقط، ثم يتعطلون خلال فترة طويل من العام.
وكان هناك قطاع كبير من هذه الطبقة لا يمتلك الفرد منهم أكثر من نصف فدان، وهى مساحة من الأرض لا تكفى أن تعيش عليها أسرة طوال الهام، لذا كان معظمهم يعمل لدى كبار الملاك.

والجدول التالي يبين هيكل توزيع الملكية عام 1951:

جدول (4): هيكل توزيع الملكية عام (1951)

المساحة عدد الملاك النسبة المساحة بالألف فدان النسبة
أقل من فدان 1,981,339 71,770 770 12,9
من 1 لأقل من 200 617,860 22,381 1324 22,2
من 5 لأقل من 200 159,347 5,772 2661 44,6
من 200 لأقل من 800 001835 0,67 625 10,5
من 800 لأقل من 1000 000092 0.003 87 1,5
من 1000 لأقل من 2000 127 0,005 220 1,5
أكثر من 2000 61 0,002 277 04,6
اجمالى 2,760,661 100 5964 100
وإذا أضفنا إلى ذلك أن حوالي 1,5 مليون أسرة من الفلاحين لم تكن أي ملكيات زراعية على الإطلاق، أدركنا مدى سوء مستوى معيشة الفلاحين المصريين في منتصف القرن العشرين ، وكان لهذه الأوضاع نتائج خطيرة، فقد أدى فقر وجهل الفلاحين إلى إجهاد الأرض والحيوانات، وإلى عدم تطوير وسائل وطرق الإنتاج في الزراعة؛

فظل القطاع الزراعي المصري متخلفا يستخدم أساليب إنتاجية يرجع تاريخها إلى عهد قديم . وقد انتشر المرض بين هذه الطبقة نتيجة الفقر وسوء الرعاية الصحية ، هذا بالإضافة إلى تفشى الأمية بين أبناء هذه الطبقة.

التيارات الثقافية وملامحها

شهد مسرح الفكر والثقافة في مصر في تلك الفترة مجموعة من التيارات الثقافية المتنوعة المصادر المتصارعة أو المتضاربة في اتجاهاتها، وقد حاول كل تيار من هذه التيارات بلورة فكر تربوي خاص به، يحقق أهدافه.

وقد لعب الاحتلال دورا بارزا في زيادة هذا الصراع في طريق ممارسة النفوذ السياسي والضغط الاقتصادي. ولم تكن هذه التيارات وليدة تلك الفترة بل هي امتداد لتيارات سابقة تنازعت الثقافة المصرية في النصف الأخير من القرن التاسع عشر؛

وقبل الفترة التي يهتم بها هذا البحث كان بمصر تيارات ثلاثة واضحة:التيار الإسلامى، والتيار الغربي، والتيار التوفيقي.

بينما رأى البعض الآخر أن بمصر أربعة تيارات:

  1. تيار الفكرة الإسلامية.
  2. تيار الدعوة إلى المصرية.
  3. وتيار القومية العربية.

وقد امتدت آثار هذه التيارات إلى تلك الفترة، وتفاعلت معها، وتولد عن هذا أربعة تيارات ثقافية:

  1. تيار إسلامي متمسك بالتراث الإسلامى.
  2. تيار غربي يحاول ربط مصر بالثقافة الغربية.
  3. تيار إقليمي فرعوني عند البعض ومصري عند البعض الآخر.
  4. تيار قومي عربي يحاول ربط مصر بالدول العربية.

أولا:التيار الإسلامى:

ويدعو هذا التيار إلى التمسك بالثقافة الإسلامية، واتباع خطى السلف الصالح، وقد انتظم هذا التيار في جماعات دينية كان أبرزها مؤخرا:
  1. الشبان المسلمين (1927).
  2. الإخوان المسلمين ( 1928).
  3. جمعية السنة المحمدية.
  4. والجمعية الشرعية.
وقد اهتم هذا التيار ببعض التنظيمات السياسية والقضايا الثقافية والتربوية ومنها:
الرابطة الشرقية:
تألفت عام (1922) ، وقد حدد قانون الرابطة أغراضها بأنها " توثيق الروابط بين الأمم الشرقية بالتعاون الفكري بينها ودرس حضارة الشرق وما يناسب اقتباسه لنهضته من الحضارة الغربية وأن تتوسل إلى ذلك بالوسائل العلمية والاقتصادية".
وقد خلقت الدعوة إلى الرابطة الشرقية نوعا من الخلط بين الشرقية والعربية والإسلام، مما دعا أبو الحسن الندوي أن يتهم جمعية الرابطة الشرقية بأنها تنافى دعوة جمال الدين الأفغاني التي أكد فيها أنه لا نهضة إلا بالتمسك بالإسلام، وقد رد رشيد رضا على ذلك بأن الدعوة إلى الشرقية والإسلامية تعزز أحداهما الأخرى ولا تنافيها.

الخلافة الإسلامية:

منذ إلغاء " أتاتورك" للخلافة الإسلامية عام 1924، وهذا الموضوع مثار جدل ونقاش بين المسلمين ، فقد دعا الأزهر الشريف إلى عقد مؤتمر لمناقشة أمر الخلافة في مارس 1924، ولكن لم يكتب لهذا المؤتمر النجاح بسبب شكوك البعض في أن مصر تطمع في الخلافة؛
وزاد حدة الجدل ظهور بعض المؤلفات التي نهجت النهج العلماني مثل كتاب " الإسلام وأصول الحكم" للشيخ على عبد الرازق القاضي بمحكمة المنصورة الشرعية، وقد عرض فيه للخلافة الإسلامية ودلل على أنها ليست من أصول الإسلام، وقد أثار هذا الكتاب ضجة في جميع الأوساط، وحوكم مؤلفه ، وأخرج من زمرة العلماء في أغسطس 1925.

وقد طلب رئيس الوزراء م وزير الحقانية عبد العزيز فهمي تنفيذ هذا الحكم، ولما كان الشيخ على عبد الرازق عضوا في حزب الأحرار الدستوريين، الذي يرأسه عبد العزيز فهمي، فقد تلكأ في تنفيذه ، فما كان من رئيس الوزراء إلا أن أقال عبد العزيز فهمي وعين على ماهر بدلا منه.

موقف التيار الإسلامى ثقافيا وتربويا:

دعا هذا التيار إلى إعادة صياغة مناهج العلوم المقتبسة من الغرب وفق روح الإسلامي، والتخلص من المناهج المشوبة بروح الإلحاد حتى تكون وسيلة تؤيد الدين، وتبعث اليقين والإيمان.
وقد لعب هذا التيار دورا بارزا في الدفاع عن اللغة العربية ضد الدعوة التي استهدفت كتابتها بالعامية بدلا من الفصحى والتي تبناها أحمد لطفي السيد. كما دافع هذا التيار أيضا ضد دعوة كتابة العربية بالحروف للاتينية والتي تبناها عبد العزيز فهمي.

وقد دعا هذا التيار إلى:

  1. الرجوع إلى القواعد الرئيسية في الإسلام.
  2. جعل أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم موضع التثقيف الديني.
  3. تعميم دراسة التاريخ الإسلامى في مراحل التعليم.
  4. قيام علماء المسلمين بكتابة موسوعة إسلامية.
  5. تأسيس صحف يومية إسلامية.
  6. التمييز بين الآثار الايجابية والآثار السلبية للحضارة الغربية.

ثانيا: التيار الغربي:

هو تيار مناقض تماما للتيار الإسلامى، وقد وجد هذا التيار طريقه إلى الفكر المصري عبر عدة طرق منها:
  1. طريق المبشرين الذين وفدوا إلى مصر إبان فترة الاحتلال.
  2. المصريين الذين تلقوا تعليمهم بالخارج وتأثروا بالثقافة الأجنبية ودعوتهم إلى تبنيها باعتبارها المنهج السليم للرقى والنجاح.

وقد عبر "سلامة موسى" عن هذا التيار بقوله:

" كلما زادت معرفتي بالشرق زادت كراهيتي له، وشعوري بأنه غريب عنى، وكلما زادت معرفتي بأوربا زاد حبي لها وتعلقي بها، وزاد شعوري بأنه منى وأنى منها".
وقد دعا هذا التيار على أن يكون التعليم علمانيا محضا لا دخل للدين به، مع قطع صلتنا بالثقافة الشرقية، لما نرى من آثارها في الشرق. وقد ساعد على انتشار هذا التيار ضعف رجال الدين واهتزاز منزلتهم، ووقوفهم سلبيين أمام تحديات العلم التطبيقي، ها بالإضافة إلى المكانة الرفيعة التي أحرزها المثقفون ثقافة غربية.
وقد ترك هذا التيار آثارا واضحة على الثقافة المصرية وأهم هذه الآثار تتسرب بعض النظريات العلمية مثل نظرية النشوء والارتقاء إلى الثقافة المصرية.

ثالثا: التيار الاقليمى:

كان من آثار الفكرة القومية الأوربية أن ظهر بمصر تيار يدعو إلى انكماش مصر في إقليمية محدودة، وبلورة قومية مصرية تربط بين جميع القاطنين بمصر على اختلاف أديانهم. وقد تبنى هذا التيار " أحمد لطفي السيد" ونادى بفكرة مصر للمصريين ، كما نادى بأن مصر لا يكن أن تستقل إلا بجهود أبنائها.

ويبلغ هذا الاتجاه المصري الخاص مداه عند " طه حسين" حين يقول:

أن مصر لن تبتكر ابتكارا ولن تخترع اختراعا ولن تقوم إلا على مصر القديمة الخالدة. وقد عارض هذا التيار فكرة الجامعة الإسلامية، وقد طالب بالاهتمام بدراسة كل ما يتعلق بالحياة في مصر القديمة وتاريخ العرب كما طالب بتغيير مناهج التاريخ بحيث تعنى بتقديم تاريخ مصر بصورة مشوقة.
ويذكر الدكتور عبد العظيم رمضان أن إيديولوجية القويمة المصرية لم تستطع أن تشق طريقها في أذهان الشعب المصري.

رابعا: التيار القومي العربي:

حاول هذا التيار ربط مصر بالدول العربية من منطلق أن مصر جزء لا يتجزأ من العالم العربي.
وقد واجه هذا التيار بعض العقبات منها:
  • ظهور نزعات إقليمية مرتبطة بكل دولة من الدول العربية.
  • أن العروبة بدت لبعض المسلمين مناقضة لروح الإسلام.
  • اشتغال مصر بقضاياها الداخلية كالاستقلال والدستور عزلها عن التيار القومي العربي في القطاع الآسيوي.
  • خوف مصر من إثارة الدول الغربية عليها والتي كانت مصر بحاجة على مساعدتها للحصول على استقلالها.
ولكن سرعان ما تجمعت بعض الظروف والعوامل التي غذت هذا التيار وجعلته ينمو، لعل في مقدمتها اشتداد الصراع العربي الاسرائيلى.. تلك القضية التي جعلت تيار القومية العربية يطغى على غيره.
  • ظهور المشكلة الفلسطينية:
بعد صدور وعد " بلفور" في 2 نوفمبر 1917 والذي بمقتضاه اعترفت بريطانيا بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، أخذت بريطانيا تضع الوسائل لانجاز هذه المهمة، ففتحت باب الهجرة لليهود إلى فلسطين، كما يسرت بمختلف الوسائل نقل ملكية مساحات واسعة من الأراضي إلى اليهود لإنشاء المستعمرات اليهودية عليها، كما عينت إدارة انجليزية يهودية في فلسطين لمساعدة المهاجرين بالأموال اللازمة.
وقد احتج العرب على هذه السياسة ، فقامت المظاهرات والاضطرابات في كل أنحاء الوطن العربي وتحولت إلى ثورات عارمة فما كان من الحكومة الإنجليزية، إلا أن أصدرت الكتاب الأبيض عام 1930، وقد وضع هذا الكتاب قيودا على بيع الأراضي وإعادة توطين العرب في الأرض التي طردوا منها،وإلزام اليهود بعدم إخراج المزارعين العرب من الأراضي التي يشترونها في المستقبل وقد أثار هذا الكتاب ضجة في الدوائر الصهيونية، فم كان من بريطانيا إلا أن تراجعت عن هذا الكتاب.
وعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، طالب العرب بانتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين وإقامة حكم وطني يحقق للبلاد سيادتها واستقلالها فاضطرت انجلترا إلى إيفاد لجنة تحقيق انجليزية أمريكية إلى فلسطين عام 1946، وقد أوصت هذه اللجنة باستمرار الانتداب البريطاني على فلسطين والسماح بهجرة مائة ألف يهودي إلى فلسطين وقد رفض العرب هذه التوصيات.
ثم عرضت القضية الفلسطينية على هيئة الأمم المتحدة في عام 1947، واتخذت قرارا بتشكيل لجنة تحقيق لا يكون من أعضائها أي من الدول الخمس الكبرى بحجة ضمان حيادها ناقشت الجمعية العامة تقرير هذه اللجنة وأصدرت في 26 نوفمبر 1947 قرارها رقم (181) الذي تضمن التوصية بتقسيم فلسطين إلى دولتين: عربية ويهودية.
ولم يكن اهتمام جماعة الإخوان المسلمين بالقضية الفلسطينية وليد الحوادث التي أعقبت قرار التقسيم، ولكنه سابق على ذلك التاريخ، فهم كهيئة إسلامية كانت تضع في برنامجها مهمة " تحرير الأوطان الإسلامية من كل سلطان أجنبي.. ومقاومة أي عدوان داخلي أو خارجي على حقوق الشعب".
وكانت الجماعة قد أبدت اهتماما بالشئون الفلسطينية عندما زار عضوان من أعضاء الجماعة فلسطين، والتقيا بمفتى فلسطين أمين الحسيني، وقد عكست هذه الزيارة اهتمام الجماعة بقضية فلسطين .
وخلال الاضطرابات التي وقعت في فلسطين عام 1936 كونت الجماعة لجنة مركزية لمساعدة مجاهدي فلسطين، كما شكلت الجماعة لجنة للدعاية للقضية الفلسطينية عن طريق إرسال البرقيات إلى السلطات المسئولة، هذا بالإضافة إلى نجاح عدد من الإخوان في التسلل إلى فلسطين، والاشتراك مع الثوار في جهادهم.
كما كان المركز العام للإخوان المسلمين بالقاهرة منتدى لقادة المقاومة الفلسطينية لشرح أبعاد قضيتهم.كما أرسلت الجماعة برقية إلى الملك فاروق، للتوسط لدى الحكومة الفرنسية لعودة مفتى فلسطين منفاه بفرنسا. وعند عودته إلى مصر طلب الإخوان من الحكومة منحه حق اللجوء السياسي.
وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية أخذ الإخوان يعملون للقضية الفلسطينية بصورة إيجابية وذلك بإرسال الخبراء والفنيين للمساعدة في تأسيس وتدريب الجوالة الفلسطينية،وكان من أبرز هؤلاء : محمود لبيب، وكيل الإخوان المسلمين للشئون العسكرية ولم تكن بريطانيا تجهل الدور الايجابي الذي يقوم به مندوبو الإخوان في فلسطين ، فأصدرت أمرا بإبعاد محمود لبيب وزملائه من فلسطين.
وعندما صدر قرار تقسيم فلسطين ،اشترك الأستاذ البنا مع صالح حرب رئيس جمعية الشبان المسلمين في تشكيل لجنة "وادي النيل" لجمع المال والسلاح للمتطوعين.
وحتى تفوت الجماعة الفرصة على تدخل الأطراف الدولية في المشكلة الفلسطينية على الدعم السياسي والدبلوماسي وإرسال المتطوعين، وقد نجحت الجامعة في إقناع النقراشي رئيس الحكومة ، فوافق بشرط أن يتولى احد ضباط الجيش تدريب المتطوعين.
وقبل بدء الحرب في فلسطين عام 1948، أرسلت الجماعة بعض كتائبها إلى فلسطين، وقد أحرزت هذه الكتائب بعض الانتصارات، كما تمكنت من إنقاذ الجيش المصري المحاصر في "الفالوجا".

ومن العوامل التي غذت هذا التيار أيضا:

  • نمو الاتصالات بين مصر والبلاد العربية الأخرى.
  • تضاعفت الصحف والمجلات والنشرات التي اهتمت بقضايا العالم العربي.
  • الزيارات المتبادلة بيت القيادات الثقافية في الأقطار العربية.
  • تحسن سبل المواصلات بمصر والشرق.
وخلاصة الأمر.. إن كل تيار من هذه التيارات حاول توجيه التعليم وجهة معينة. فالتيار الإسلامى حاول توجيهه وجهة إسلامية، ودعا إلى تعميم التعليم الديني في المدارس وطالب بإعادة صيغة الكتب الدينية بما يتناسب وروح العصر.
وطالب التيار الغرب بأن توجه وزارة المعارف وجهة غربية وذلك بأن يكون التعليم علمانيا لا دخل للدين فيه بينما رأى التيار القومي أن أهم الوسائل التي تدعم الوحدة العربية توحيد الثقافة بين مختلف الشعوب العربية بتوحيد برامج التعليم فى مدارسها.

الفصل الثاني: جماعة الإخوان المسلمين نشأتها وتطورها

حسن البنا مؤسس الجماعة

نشأته:

يصعب الفصل بين تاريخ دعوة الإخوان المسلمين كفكرة سطرت على أذهان كثير من المسلمين في مصر، وبين حياة مؤسسها الأستاذ "حسن البنا"، وذلك لأن حياة الدعوات ليست إلا حياة رجالها، والفصل بين حياتهم وحياتها أمر غير مستطاع، لا سيما إذا كانت الدعوة قد شكلت كل حياتهم.
ولد الأستاذ "حسن أحمد عبد الرحمن البنا" في 25 شعبان 1324هـ الموافق 14 أكتوبر 1906 م في قرية المحمودية مديرية البحيرة وقد عرف والده بسعة علمه وحسن خلقه، وله مؤلفات في السنة منها "بدائع المنن في جمع وترتيب مسند الشافعي والسنن" كما شرح مسند الإمام أحمد بن حنبل وسمى الشرح باسم "بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني".
وقد تولى والده تربيته، وشجعه على ارتياد العلوم منذ الصغر فألحقه بكتاب القرية، ومن الكتاب إلى المدرسة الابتدائية وفى المدرسة كان التلميذ "حسن البنا" متميزا بين زملائه مرشحا لمنصب القيادة بينهم ويستدل على ذلك من رئاسته لجمعيتي "الأخلاق الأدبية" و"جمعية منع المحرمات".

وفى سن الرابعة عشرة التحق بمدرسة المعلمين الأولية بدمنهور ، وانتسب إلى طريقة من الطرق الصوفية تسمى " الطريقة الحصافية" وألف مع أعضائها " الجمعية الحصافية الخيرية" وانتخب سكرتيرا لها، وكانت تقوم بنشر الأخلاق الفاضلة، ومحاربة البعثات التبشيرية.

وفى عام 1923 ترك مدرسة المعلمين ، والتحق بدار العلوم بالقاهرة وكانت القاهرة في ذلك الوقت تموج بصراعات حزبية مريرة وبتيارات علمانية عارمة، كما كانت الجامعة في ذلك الوقت تجتاحها " التيارات اللاإسلامية"
وكان رد الفعل إزاء هذه التيارات قويا في الأوساط الخاصة المعنية بهذه الأمور، كالأزهر وبعض الدوائر الإسلامية،ولكنها لم تأخذ جهودا عملية لمواجهتها،وذلك لقلة الموجهين.
كما كان رد الفعل قويا أيضا لدى الأستاذ البنا وأصدقائه ذوى الاتجاهات الفكرية المشابهة لفكره إزاء الأحداث " والله وحده يعلم كم أمضينا من ليال لبحث حال الأمة نحلل العلة ونفكر في وسائل العلاج الممكنة. ولقد بلغ بنا القلق درجة وصلنا معها إلى حد البكاء".
وفى القاهرة .. عاود الاتصال بالجمعية الحصافية ، وإلى جوارها انضم إلى جمعية أخرى هي " جمعية مكارم الأخلاق الإسلامية" إلا أن كلتيهما لم تكن بكافيه في رأيه لسد الفجوة بين المسلمين وبين الإسلام وتعاليمهن فانطلق إلى تكوين دعاة إسلاميين من طلبة دار العلوم، وجامعة الأزهر للقيام بمهمة الوعظ والإرشاد في المساجد والمقاهي.
كما كان في هذه الفترة على اتصال برجال الفكر والدين للحصول على مشورتهم أمثال:محب الدين الخطيب، والشيخ رشيد رضا، ومحمد فريد وجدي، وأحمد تيمور، ومحمد الخضر حسين، وأعرب لهؤلاء عن قلقه وحمل بشدة على معارضتهم السلبية واستسلامهم في وجه التيارات التبشيرية والإلحادية.

شخصية الأستاذ البنا:

يصور لنا كاتب أمريكي السمات البارزة في شخصية الأستاذ "حسن البنا" فيقول:
"كان البنا خلاب المظهر دقيق العبارة بالرغم من أنه لا يعرف لغة أجنبية.. لقد لفت نظري إلى هذا الرجل سمته البسيط ومظهره المعادى، وثقته التي لا حد لها بنفسه وإيمانه العجيب بفكرته، وكنت أتوقع اليوم الذي يسيطر فيه هذا الرجل على الزعامة الشعبية، لا في مصر وحدها بل في الشرق كله.
لقد وصل بى البحث إلى أن الرجل قد أفاد من تجارب المفكرين الإسلاميين السابقين، وأمكنه أن يتفادى ما وقعوا فيه من أخطاء، ومن أمثلة ذلك أنه جمع بين وسيلتين متعارضتين، جرى على أحداهما الأفغاني وارتضى الأخرى محمد عبده، كان الأفغاني يرى الإصلاح عن طريق الحكم، ويراه محمد عبده عن طريق التربية. وقد استطاع حسن البنا أن يدمج بين الوسيلتين معا".

ويصف أبو الحسن الندوي الأستاذ حسن البنا فيقول:

" لقد تمتع حسن البنا بمواهب وطاقات خاصة لا يشاركه فيها إلا القليل النادر من الدعاة والمربين والزعماء المخلصين أولاهما:
  1. شغفه بدعوته وإيمانه واقتناعه بها وتفانيه فيها بجميع مواهبه وطاقاته.
  2. تأثيره العميق في نفوس أصحابه وتلاميذه ونجاحه المدهش في التربية، وهو منشئ جيل وصاحب مدرسة علمية فكرية".

أسلوب دعوته:

يصف "أنور السادات" الأستاذ حسن البنا فيقول:
"كان ممتازا في اختياره للموضوعات، وفهمه للدين وشرحه وإلقائه..من كل النواحي كان الرجل مؤهلا للزعامة الدينية.. هذا إلى جانب أنه كان مصريا صميما بكل ما تحمله هذه الكلمة من دماثة خلق وسماحة وبساطة في معاملة الناس.. كان الرجل يتكلم عن الدين والدنيا معا وبأسلوب جديد لم نألفه من رجال الدين".
وإذا كانت كل هذه الصفات قد مكنت الأستاذ البنا من أن يجمع كل مريديه ببساطته وعلاقاته الشخصية، ومكنته من السيطرة المطلقة على جماعته، غير أن ذلك كان من أهم عوامل ضعف الجماعة بعد وفاته لعدم وجود الشخصية البديلة بنفس الكفاءة.
ويتضح ذلك من خلال الخلاف الذي نشأ بين الأستاذ "حسن الهضيبي" الذي تولى قيادة الجماعة بعد وفاة الأستاذ البنا، وعبد الرحمن السندي رئيس الجهاز الخاص حول إلغاء هذا الجهاز. ومع ذلك لا ينبغي أن نحمل الأستاذ البنا وحده تبعة هذه الأمور ، فكم كان يتمنى أن يشاركه رجال جماعته في فكره وتنظيمه.
ومن هنا يظهر أن التنظيم عندما ينطبع بالكامل بطابع فرد، فإن هذا يفقده القدرة على الاستمرار بنفس الدفعة والنجاح بعد غياب الفرد، لأن هذه هي القاعدة التربوية التي تؤكد أن المعول الأساسي ينبغي أن يكون في الجماعة بناءها تنظيمها وعلاقاتها والقواعد والمبادئ المنظمة للعمل، ففي الجانب الفردي لا تجد التربية دورا هاما. أما في الثاني فلها الدور الأساسي.

نشأة الجماعة

تخرج الأستاذ "البنا" في دار العلوم في سبتمبر عام 1927، وعين مدرسا للغة العربية في الإسماعيلية عكف على دراسة مجتمعها المحلى للتعرف على مشاكله وعاداته وتقاليده.

وأخذ يسهم بدور فعال لإبراز شخصيته كداعية جديد، فلم يتوجه إلى جمهور المساجد لنشر فكرته نظرا للخلافات الدينية التي كانت منتشرة فيها، بل اختار عدة مقاه كبيرة ورتب فىكل منها درسا في الأسبوع حتى استطاع أن يجذب إليه عددا من أبناء الإسماعيلية.

وبعد فترة وجيزة، استطاع الأستاذ" البنا" تحديد القطاعات الرئيسية في المجتمع، التي لها جاذبية فعالة داخل نفوس الناس وحدد هذه القطاعات في أربعة:

  1. العلماء.
  2. شيوخ الطرق.
  3. الأعيان.
  4. ورواد الأندية.

كما حدد أيضا وسائل الاتصال بكل قطاع لتوصيل الدعوة إليه أو لتجنبه وقتيا. وكان من أثر محاضراته ودروسه أن حضر إليه ستة نفر من الذين تأثروا به من أهالي الإسماعيلية في ذي القعدة 1347 ه أبريل 1928م.

وحدثوه في شأن الطريق العملي الذي يجب أن يسلكوه لعزة الإسلام، فكان القسم والبيعة، وسموا أنفسهم "الإخوان المسلمون".

وبعد تشكيل الجماعة، بدأت في توسيع نطاق عضويتها داخل وخارج الإسماعيلية، ويتضح ذلك من خلال الرحلات التي قام بها الأستاذ البنا وزملاؤه للريف لتحقيق هذا الغرض واتخذت من مقر اجتماعاتها مدرسة لتربية من ينضم إليهم، وأطلقوا عليها "مدرسة التهذيب" وفى هذه المدرسة تلقى الرعيل الأول من الإخوان دروسا في تلاوة القرآن الكريم وحفظ بعض أحاديث من السنة، ودراسة التاريخ الإسلامى، وسيرة السلف الصالح، كما تلقوا دروسا عملية في الخطابة والدعوة.

وبزيادة عدد أعضاء الجماعة، تم إنشاء مدرستين أحداهما للبنين " معهد حراء الإسلامى" والأخرى للبات" "مدرسة أمهات المؤمنين" وناد رياضى وبذلك قدم الأستاذ " البنا" دليلا عمليا على رغبته في ألا تقتصر الدعوة الإسلامية على الوعظ والإرشاد. وإنما ينبغي تطبيق الإسلام في كل ميادين الحياة.

وفى أكتوبر 1932 ، انتقل الأستاذ "البنا" من الإسماعيلية إلى القاهرة. وبدأت الدعوة تدخل في طور جدي وذلك لقربها من مصدر الأحداث، واتخذت مركزا لها بالقاهرة في حي "السروجية" سمة " المركز العام للإخوان المسلمين " وإزاء هذا التوسع أضاف الأستاذ البنا وسائل جديدة لدعوته، فكانت " رسالة المرشد العام" صدر العدد الأول منها في عام 1931 والثاني في ديسمبر 193 .

وبعد استقرار الجماعة بالقاهرة، توالى عقد المؤتمرات الاخوانية، والتي كان من نتائجها إصدار عدة صحف تعبر عن فكر الجماعة، ففي البداية صدرت مجلة الإخوان المسلمون الأسبوعية في مايو 1933 ثم صدرت مجلة النذير في مايو 1938 هذا بالإضافة على إصدار سلسلة الرسائل التي كتبها الأستاذ " حسن البنا" والتي تمثل أهم الأسس الفكرية للجماعة، ووضعت النواة الأولى لفرق الجوالة.

وقد هيأت الاضطرابات التي وقعت في فلسطين في عام 1936 الفرصة لانتشار دعوة الجماعة خارج القاهرة فمن خل تأييدهم لتلك القضية أمكن للجماعة مد نشاطها إلى المنطقة العربية كلها.

وقد وقع أول صدام بين الإخوان وحزب الوفد في يونيو 1936، حين أعلن مصطفى النحاس إعجابه بكمال أتاتورك رئيس تركيا، وقال " إنني معجب بتفهمه لمعنى الدولة الحديثة" وقد صدم هذا التصريح شعور الإخوان فكتب الأستاذ البنا رسالة إليه قال فيها " إن الحكومة التركية قلبت نظام الخلافة، وحذفت القانون الإسلامى وطالبه بالعدول عن هذا ".

الإخوان والسلطة السياسية قبل عام 1953

يعد المؤتمر الخامس الذي عقدته الجماعة في 13 ذي الحجة 1357 هـ (يناير 1939م) أهم المؤتمرات الاخوانية ، فقد اعتبره الأستاذ البنا أول فرصة يواجه فيها المجتمع المصري والدولي بدعوته وفى هذا المؤتمر حدد الفكر الذي التزمت به الجماعة منذ نشأتها

والذي تركز في نقاط ثلاث:

  • أن الإسلام نابع من مصدرين أساسيين هما القرآن الكريم والسنة الشريفة ، وأن الأمة إن تمسكت بهما فلن تضل.
  • أن الإسلام قابل للتطبيق في كل زمان ومكان.

كما أوضح الأستاذ "البنا" في هذا المؤتمر أن دعوته تضم كل المعاني الإصلاحية، فهي : دعوة سلفية وطريقة سنية، وحقيقة صوفية، وهيئة سياسية، وجماعة رياضية، ورابطة علمية وثقافية، وشركة اقتصادية، وفكرة اجتماعية.

وأوضح الأستاذ البنا في هذا المؤتمر أيضا خصائص دعوته، والتي حددها في :

  • البعد عن مواطن الخلاف الفقهي.
  • البعد عن الكبراء والأعيان.
  • التدرج في الخطوات.
  • إيثار النواحي العملية على النواحي المظهرية.
  • تواؤمها مع روح الشباب.
  • سرعة انتشارها في القرى والمدن.

أما عن أهداف الإخوان ، فقد قسمها الأستاذ المرشد إلى قسمين:

  1. أهداف عامة.
  2. أهداف خاصة.

الأهداف العامة يتضح منه المنهج السياسي للجماعة وتتركز في:

  1. تحرير الوطن الإسلامى من كل ألوان الاستعمار.
  2. قيام دولة إسلامي حرة تعمل وفق أحكام الإسلام.

أما عن الأهداف الخاصة فقد عرضها الأستاذ "البنا" من خلال ما يعانى منه المجتمع المصري فكريا واجتماعيا واقتصاديا، وأن الدواء لكل هذا هو إقامة دولة إسلامية.

وشهد عام (1939) انشقاقا داخل صفوف الجماعة،وكون المنشقون جماعة شباب " سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم" ويذكر المنشقون أن الذي دفعهم إلى هذا هو اختلافهم مع الأستاذ البنا نتيجة إصراره على أنه لا شورى في الدعوة هذا بالإضافة إلى التقارب بين على ماهر والجماعة وفى هذا مخالفة صريحة لمبادئ الإخوان.

وبدأت المحنة الأولى للإخوان خلال وزارة "حسين سرى" التي تشكلت في نوفمبر 1940 بضغط من السفارة الإنجليزية فصادرت حكومته صحف الجماعة ومنعت اجتماعاتهم، وأغلقت مطبعتهم كما نقل الأستاذ البنا إلى قنا بناء على إبلاغ السلطات البريطانية لرئيس الوزراء "حسين سرى" بأن الأستاذ البنا يعمل في أوساط جماعة لحساب إيطالي، ولكنه أعيد إلى القاهرة تحت ضغط مجلس النواب.

وعقب حادث 4 فبراير 1942، ومجيء الوفد للحكم تشكلت وزارة برئاسة مصطفى النحاس، ودعت إلى انتخابات جديدة للبرلمان وتقدم الأستاذ "البنا" لترشيح نفسه في دائرة الإسماعيلية ، ولكن طلب منه النحاس سحب ترشيحه مقابل السماح للجماعة بعقد مؤتمراتها وإصدار مطبوعاتها، وأن تتخذ الحكومة الإجراءات اللازمة لحظر المشروبات الكحولية . وقد نفذت أغلب هذه المطالب.

وعقب نجاح القصر في إخراج الوفد من الحكم، شكل " أحمد ماهر" وزارته السعدية في أكتوبر 1944 ، وحين أعلن الحرب على دول المحور عارضه الإخوان وكتبوا إليه بالعدول عن ذلك، ثم اغتاله احد الشبان، واتهم الأستاذ البنا بتهمة الاشتراك في الحادث ولكن أفرج عنه بعد اعتراف القاتل بانتمائه للحزب الوطني.

وعقب الحرب العالمية الثانية اجتمعت الجمعية العمومية للإخوان في 8 سبتمبر 1945، وأدخلت بعض التعديلات على نظامها الأساسي ، وتم إنشاء قسم للخدمات الاجتماعية، كما تم إنشاء المدارس والمعاهد النهارية والليلية، التي تقدم برامج التعليم الفنية والأكاديمية لتعليم الفتيات وكبار السن، كما أقيمت بعض المستشفيات لتقديم الخدمات الطبية.

وفى 26 يناير 1946 قام الإخوان بمظاهرة مع الطلاب لعدم استجابة الحكومة البريطانية بتعديل معاهدة (1936) بناء على طلب مصر، وقد أدت إلى معركة مع البوليس في حادثة كوبري عباس الشهيرة، مما أدى إلى استقالة وزارة النقراشي وتلتها وزارة إسماعيل صدقي.

وفور بدء صدقي المفاوضات مع الحكومة البريطانية،طالبه الإخوان بأن يبلغ المفاوض البريطاني " أن الأمة لن تجرب المفاوضات إلا هذه المرة فإما نجاح وإما كفاح" . كما اتهموا الحكومة بممالأة الأجانب وأعلنوا:" أن الحقوق تؤخذ ولا تعطى" مما أثار الحكومة عليهم فمنعت نشاطهم.

ثم استقالت وزارة صدقي ، وتألفت وزارة النقراشي الثانية في ديسمبر 1946، ولم يتغير موقفهم من المفاوضات ، وطالبوا الحكومة باختصار طريق المفاوضات واحترام إرادة الأمة والسير في طريق الجهاد.

وشهد عام (1947) انشقاقا آخر داخل صفوف الجماعة، وقد أدى هذا الانشقاق إلى إضعاف الجماعة داخليا، فضلا عن إسهامه في زيادة حدة الهجوم من مناوئيها. ويرجع أحد الباحثين أسباب هذا الانشقاق إلى الصراعات الشخصية بين الأعضاء من جهة، وإلى السلوك الشخصي لبعض الأعضاء من جهة أخرى.

وبعد وقوع بعض حوادث العنف في البلاد واتهام الحكومة للجماعة بأنها وراء هذه الحوادث، وأنها تخطط سرا للقيام بثورة أصدرت أمرا عسكريا في 8 ديسمبر 1948 بحل جماعة الإخوان وشعبها.

ويرى الإخوان أن الأسباب الحقيقي لحل الجماعة تتمثل في الضغط الأجنبي، والتمهيد للمفاوضات مع الإنجليز، كما أن الحكومات العربية كانت تريد تغطية فشلها الذريع في قضيتي فلسطين والسودان بالإضافة على الأصابع الخفية للصهيونية والشيوعية العالمية.

وعقب قرار الحل، بذل الأستاذ البنا جهدا كبيرا لمحاولة سد هذه الثغرة، ولكن دون جدوى، حتى كان مقتل النقراشي في ديسمبر عام 1948ن ثم كان مقتل الأستاذ البنا أمام دار الشبان المسلمين بعد زيارة دعي إليها في 12 فبراير 1949.

وفور تشكيل حكومة الوفد في 12 يناير 1950، بدأت صفحة جديدة من العلاقات بين الجماعة والحكومة اقتضتها المصلحة المتبادلة بينهما، ولكن سرعان ما تأزم الموقف بسبب إعلان الحكومة عن إبدال قرار الحل الصادر في عام 1948 " بقانون جديد للجمعيات " وقد اعتبرته الجماعة مقيدا لحركتها وأنه وضع خصيصا للحد من نشاطها.

وفى أكتوبر 1950، تعرضت الجماعة لهزة داخلية، وظهرت الصراعات والخلافات حول انتخاب المرشد الجديد، واستقر الأمر على انتخاب الأستاذ "حسن الهضيبي" مرشدا للجماعة، وكان يعمل مستشارا بمحكمة النقض حتى استقال عام 1950.

الإخوان وثورة يوليو 1952

تجع العلاقة بين جماعة الإخوان المسلمين وبين قادة يوليو 1952 إلى ما قبل عام 1948 حيث كان هناك مجموعة من تنظيم الضباط الأحرار ضمن مجموعة الإخوان المسلمين في الجيش.

وترى الجماعة أنها قد شاركت في نجاح ثورة يوليو 1952، وأنها ثمرة لجهدها الدائب وقد برزت هذه النظرة من خلال مؤلفات بعض أعضاء الجماعة، وفيها حيا هؤلاء الكتاب الثورة.

وبعد إعلان الجماعة تأييدها الرسمي للثورة صد في يوليو 1952، اجتمعت الهيئة التأسيسية للجماعة، وصاغت مشروع بيان يتضمن آراء الجماعة عن الإصلاح المنشود في العهد الجديد ويشمل قضايا الإصلاح الأخلاقي، والتربوي ، والسياسي والاقتصادي والاجتماعي.

وطالبت الجماعة بإعادة بناء النظام التعليمي والتربوي على أسس جديدة تضمن تكوين جيل جديد مشبع بالروح الدينية والوطنية، وطالبت الجماعة بإعادة كتابة التاريخ الإسلامى والوطني كما طالبت بمجانية التعليم ، وألا يكون ذلك على حساب مستواه، وتدعيم معاهد البحث العلمي حتى تستطيع القيام بدورها في بناء النهضة الاجتماعية والاقتصادية.

وكان الخلاف الأول بين الجماعة وبين مجلس قيادة الثورة عند ظهور مشروع الإصلاح الزراعي، حول تحديد الحد لأقصى لملكية الأرض الزراعية، فقد رأت الجماعة أن يكون الحد الأقصى للملكية (500 فدان) بينما رأى رجال الثورة أن يكون هذا الحد (200 فدان) .

ثم سقطت وزارة "على ماهر" وشكلت وزارة جديدة برئاسة "محمد نجيب" في 7 سبتمبر 1952، وقرر مجلس قيادة الثورة إشراك أعضاء جماعة الإخوان المسلمين في الوزارة الجديدة، ويصعب الكشف بدقة عما حدث ، وبعد مناقشة مكتب الإرشاد قررت الجماعة عدم الاشتراك في الوزارة، وفصل الشيخ الباقورى لقبوله الاشتراك فيها.

ثم صدر قانون تنظيم الأحزاب السياسية في يناير 1953، وقد استثنى هذا القانون جماعة الإخوان المسلمين ن وقد كان ذلك يوحى بالتعاون بين أعضاء مجلس قيادة الثورة والجماعة، وإن كانا يخفيان هوة سحيقة من الخلافات، حتى أعلنت الثورة عن قيام "هيئة التحرير" التي اعتبرتها الجماعة تحديا لمكانتها الشعبية وهنا ظهر الخلاف واضحا بينهما.

وشهد عام 1953 تطورات هامة كان لها تأثيرها على العلاقات بين الإخوان والثورة وتتمثل تلك التطورات في المباحثات التي دارت بين الإنجليز والإخوان حول القضية الوطنية، ورغم أن الإخوان عرضوا على عبد الناصر وزملائه ما تم في هذه المحادثات وإنما قبله الإخوان لم يتجاوز من ناحية الجوهر م قبله عبد الناصر وزملائه في اتفاقية الجلاء.

فقد هب عبد الناصر في أعقاب هذه الاتصالات يطالب الإخوان بحل تنظيمهم السري، ثم وقعت بعض حوادث العنف داخل الجماعة واتهم رجال الثورة جماعة الإخوان بأنهم وراء هذه الحوادث حتى كان يوم 13 يناير 1954، فقرر مجلس الوزارة حل الجماعة، ولكن لم يعلن عن هذا القرار إلا في يوم 15 يناير 1954.

الخلاصة.. أن الأستاذ البنا قد استفاد من تجارب المفكرين الإسلاميين السابقين في إقامة جماعته وأنه استطاع أن يصل بدعوته إلى كل قطاع في المجتمع المصري. وإزاء انتشار الجماعة أضاف الأستاذ البنا وسائل جديدة لدعوته تمثلت في عقد المؤتمرات وإصدار الرسائل والصحف التي تعبر عن فكر الجماعة.

ويعد عام 1939 بداية اشتغال الجماعة بالعمل السياسي حيث أعلنت الجماعة في مؤتمرها الخامس في هذا العام عن أهدافها العامة والخاصة، كما حددت الفكر السياسي الذي التزمت به.

وبعد قيام ثورة يوليو 1925، كان هناك تقارب بين قادة الثورة وبين جماعة الإخوان حتى كان ظهور مشروع الإصلاح الزراع الذي يعد نقطة الخلاف الأولى بين الطرفين، ثم كانت محادثات الجلاء بين الإخوان والإنجليز التي اعتبرها رجال الثورة تحديا لمكانتهم، فكان قرار حل الجماعة في عام 1954.

الفصل الثالث: الأطر الفكرية لمنهاج الجماعة التربوي

شهد المجتمع المصري بعد الغزو الأوربي له، ظهور تيارات ثقافية جديدة تدعو إلى تبنى الحضارة الغربية في مادتها وروحها. وقد لقيت هذه التيارات معارضة شديدة من اتباع التيار الديني الإسلامى، باعتبارها حركة من حركات التغريب والانحلال، وهو ما لم يألفه المجتمع المصري إبان سيادة الفكر الإسلامى، من هنا كان من الضروري على جماعة الإخوان المسلمين كحركة إسلامية تأكيد التزامها بمبدأ شمولية الإسلام لكافة جوانب الحياة.

ولقد دأبت الجماعة منذ نشأتها على توضيح هذا المبدأ وبيان أن أحكام الإسلام تعنى بتنظيم شئون الناس في الدنيا والآخرة " فالإسلام دولة ووطن، أو حكومة وأمة.. وهو ثقافة وقانون، أو علم وقضاء، وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة".

وكان على الجماعة إزاء التزامها بهذا المبدأ ، تقديم البرامج التطبيقية السياسية والاجتماعية والاقتصادية حتى تكون منافسا قويا للتيارات الجديدة.ويبدو أن الجماعة في فكرها لم تكن مجددة، فدعوتها كانت امتداد لدعوات إسلامية سابقة، فهي تشبه إلى حد كبير دعوة محمد بن عبد الوهاب، ودعوة السيد رشيد رضا.

وربما يتضح ذلك من إيمان الجماعة بوحدة النظام الإسلامى وتكامله وهو ما نادت به تلك الدعوات على أن " مدرسة المنار" كانت أكبر تأثيرا على مدرسة البنا.

وقد يبدو ذلك من اتفاقهما على الرجوع بالإسلام إلى بساطته الأولى، والعودة إلى تعاليمه وأحكامه. هذا بالإضافة إلى اتفاقهما على أن التغير الخارجي في المجتمع الإسلامى لا يجيء إلا عبر التغيير في عقلية المسلمين ، وعبر الإصلاح التربوي كما أن الإصلاح يجيء من داخل الإسلام نفسه.

ومع هذا فإن دعوة الإخوان المسلمين وراءها جهودا عملية ترمى إلى سيادة مبادئ الإسلام وإقرارها عمليا كدستور واجب النفاذ.

وقد وصف "كانتول سميث" هذه الجهود بقوله:

" من الخطأ في نظري اعتبار دعوة الإخوان المسلمين حركة رجعية محضة. فلقد قامت فيها مجهودات إيجابية بناءة محمودة لبناء مجتمع جديد مؤسس على العدالة والإنسانية المستمدة من أفضل القيم التي احتفظ بها من تقاليد الماضي، ولقد مثلت حركة الإخوان جزئيا العزم على التخلص من الانحلال والتفسخ اللذين أغرقا المجتمع العربي، وخصوصا الانتهازية الاجتماعية غير الأخلاقية التي امتزجت بالفساد الفردي.
وأرادت العودة بالمجتمع إلى مقاييس خلقية مقبولة وتوحيد النظرة إلى هذه المقاييس، والسير قدما في برامج التطبيق وتنفيذ الأهداف الشعبية بواسطة منظمة منتخبة حسنة السلوك وهبت نفسها للمثل العليا.
وإذا أردنا أن نستعرض الأطر الفكرية لدى الجماعة، فإن من الأفضل أن نضع أيدينا على بعض الملامح والجوانب الرئيسية لجماعة الإخوان المسلمين ومعيارنا في اختيارها أولا مدى تأثيرها على الفكر التربوي لدى الجماعة.

الدولة الإسلامية

بعد إلغاء مصطفى كمال أتاتورك للخلافة الإسلامية عام 1924 وهذا الموضوع مثار جدل ونقاش بين المسلمين .فظهرت بعض المؤلفات التي أكدت شرعية الخلافة وأهميتها للمسلمين وصلاحيتها لكل العصور مثل كتاب رشيد رضا " الخلافة أو الإمامة العظمى" وكتاب " النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة" لمصطفى صبري، الذي هاجم فيه الكماليين لتمسكهم بالعصبية التركية ونبه المصريين لسوء نيتهم.

ثم عقد علماء الأزهر مؤتمرا إسلاميا في مارس 1924 لمناقشة أمر الخلافة، ولكن لم يكتب لهذا المؤتمر النجاح بسبب كثرة عدد الطامعين في الخلافة أمثال الحسين بن على شريف مكة الذي بايعه بعض الفلسطينيين بالخلافة، والملك فؤاد الذي كان يدعو لنفسه بالخلافة خفية، وساعده على ذلك علماء الأزهر الشريف، والملك أمان الله خان ملك الأفغان.

وكان من أخطر المؤلفات التي ظهرت في هذه الفترة كتاب "الإسلام وأصول الحكم" لعلى عبد الرازق عام 1925، وقد نفى في كتابه فكرة وجوب الخلافة، ودلل على عدم صلاحيتها للعصر الذي نعيشه، وكان دليله في ذلك هو إهمال القرآن الكريم والسنة الشريفة لتلك الخلافة

ويقول:

" لو كان في الكتاب دليل واحد لما تردد العلماء في التنويه والإشادة بها" ويرى أن الدين الإسلامى " بريء من تلك الخلافة التي يتعارفها المسلمون وبريء من كل ما هيئوا حولها من رغبة ورهبة وعزة وقوة.. والخلافة ليست في شيء من الخطط الدينية ولا القضاء ولا غيرها من وظائف الحكم ومراكز الدولة" ويرى أن الدين تركها لنا لنرجع فيها إلى أحكام العقل وتجارب الأمم وقواعد السياسة.

أما عن موقف جماعي الإخوان المسلمين من الدولة الإسلامية فقد اتفقت دعوتهم مع غيرها من الدعوات السلفية السابقة في طلب إقامة الدولة الإسلامية والسعي لتحقيقها لكونها الإطار الطبيعي لتطبيق الشريعة الإسلامية كما أنها مطلب شرعي واجب على كل مسلم، فضلا عن أن إيجاد هذه الدولة يمكن من تطبيق كافة جوانب الإصلاح الاجتماع والاقتصادي.

ويبدو أن قضية الطبيعة المحددة لهذه الدولة لم تكن من القضايا الملحة لدى الإخوان، أي أن الاجتهادات الفكرية للجماعة في هذا الشأن كانت قليلة، وربما يرجع ذلك إلى اعتمادهم على بالمكتبة الإسلامية من أبحاث في هذا الشأن، هذا بالإضافة الخوف من الدخول في مناقشات فرعية قد تهدد وحدة الجماعة.

وترى الجماعة أن الدعائم الأساسية التي تقوم عليها الدولة الإسلامية هي:

  1. القرآن الكريم هو المصدر الأساسي للتشريع.
  2. إدارة الحكومة على أساس مبدأ الشوري.
  3. احترام إرادة الأمة.

وهكذا تصبح الدولة الإسلامية دولة ذات حكومة عادلة قادرة على تأمين المصلحة العامة، كما أن لقب الحاكم أمر غير هام، ونستطيع أن نستخدم أي لقب من الألقاب (الخليفة، الإمام، أو الملك) ، لأن هذه الألقاب لا يقصد منها إلا الرئاسة بمعناها العام.

وأما عن المسئولية، فقد وجد نوعان منها قبولا لدى الجماعة:

  1. مسئولية الحاكم.
  2. السلطة الوزارية سواء أكانت الوزارة وزارة تفويض أم وزارة تنفيذ.

والحاكم يجب أن يتصف بصفات أساسية منها أن يكون ذكرا مسلما بالغا عاقلا متمتعا بسلامة البدن والعقل، كما يجب أن يمتاز بالتقوى والعدل والفضيلة وأن يكون ملما بالتشريع الإسلامى.

ويصف الأستاذ "البنا" العلاقة بين الحاكم والمحكوم بأنها نوع من "العقد الاجتماعي" الذي يقوم فه الحاكم بدور الوكيل أو ألأجير على رعاية المصالح العامة، فإن أحسن فله أجره، وإن أساء فعليه عقابه. وتقوم الأمة بانتخاب الحاكم، ولم يحدد القرآن الكريم طريقة معينة للانتخاب.

ويرى " عبد القادر عودة" أنه يمكن إجراء الانتخاب عن طريق أهل الشوري على ثلاث مراحل:

مرحلة الترشيح للإمامة:
فيرشح الإمام السابق الإمام اللاحق ، ومن الأمثلة على ذلك ترشيح أبى بكر الصديق لعمر بن الخطاب.
مرحلة الاختيار أو قبول الترشيح:
حيث يختار أهل الشوري واحدا من المرشحين إذا تعدد المرشحون، أو يوافقون على اختيار المرشح إذا كان واحدا، ومن الأمثلة على ذلك موافقة الناس على ترشيح أبى بكر لما قرئ عليهم خطاب أبى بكر.
مرحلة البيعة:
حيث يقسم الحاكم أن يتولى الحكم وفقا للكتاب والسنة بالحق والعدل والحاكم يكون مسئولا أمام الله وأمام مجلس الشوري عن كل تصرفاته وليست له امتيازات خاصة كما أن هذا الحاكم يكون مسئولا عن جهازه التنفيذي الذي يختاره لمعاونته في تسيير شئون الأمة.

ويرى أحد الباحثين، أنه وفقا لروح العصر الذي نعيش فيه ، فإنه يجب أن تكون البيعة لرئيس الدولة بالشوري والاقتراع الحر الذي تيسرت أسبابه.

كما يرى أنه لابد من ترجمة هذه الكلمة إلى منهج سياسي مفصل ولتكن "الديمقراطية البرلمانية" وهى الديمقراطية التي تفتح ذراعيها للمعارضة داخل المجلس وخارجه عن طريق البرلمان والصحافة وكل وسائل الإعلام.

ويتساءل:

هل الشوري ملزمة؟ بمعنى هل يجب على الحاكم الأخذ بها؟ ويجيب بأنها لو لم تكن ملزمة لما كان من ورائها جدوى ولا فائدة ويرى أن مواقف الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه من الشوري تؤيد الإلزام.
وتعتبر الشوري ركنا أساسيا من أركان الدولة الإسلامية فقد نص القرآن الكريم على "وأمرهم شورى بينهم" أما المؤسسة التي تطبق الشوري من خلالها فهي " مجلس الشوري" أو " أهل الحل والعقد" باعتبارهم ممثلين للشعب.

ويرى الأستاذ البنا أن "أهل الحل والعقد" هم:

  1. الفقهاء المجتهدون الذين يعتمد على أقوالهم في الفتيا واستنباط الأحكام.
  2. أهل الخبرة في الشئون العامة.
  3. من لهم نوع قيادة أو رئاسة في الناس كزعماء البيوت والأسر وشيوخ القبائل ورؤساء المجموعات.
ويجب أن يتخذ القرار في مجلس الشوري بأغلبية الأصوات وليس للأقلية أن تناقش من جديد رأيا اجتاز دور المناقشة أو تشكك في رأى وضع موضع التنفيذ.

ويجب أن يتشاور أهل الشوري في كافة الأمور ما عدا:

  • حقائق العلوم.
  • مبادئ الدين.

وترى الجماعة أن الدولة الإسلامية تشتمل على خمس سلطات:

  1. السلطة التنفيذية ويقوم عليها رئيس الدولة.
  2. السلطة التشريعية ويمارسها الإمام وحده فيما يصدر من تشريعات تنفيذية، ويشاركه أهل الشوري فيما عدا ذلك في حدود الشوري.
  3. السلطة القضائية ويقوم عليها القضاة المعينون من قبل الحاكم.
  4. السلطة المالية.
  5. سلطة المراقبة والتقويم ويمارسها المجتمع عبر أهل الشوري .

وقد أشار الإخوان إلى أن هذه الدولة لن تتحول إلى "ثيوقراطية" والنظام الثيوقراطى هو نظام يتلقى فيه الحاكم سلطته إما من رجال الدين وإما من الحق الإلهي بوصفه ظل الله في الأرض، لأن سلطة الحاكم في الدولة الإسلامية مستمدة من الناس لا من الله، كما أن هذه الدولة لا تسمح بقيام ديكتاتورية طالما أن الشعب يستطيع أن ينحى حكامه إذا خالفوا العقد.

والأفراد في الدولة الإسلامية لهم حقوقهم المحفوظة ، ولا يخص بها الإسلام من ولدوا في داخل الدولة الإسلامية فحسب بل أن كل مسلم أيا كان مولده يخوله الإسلام حق التمتع بتلك الحقوق بمجرد دخوله الإسلام.كما كفلت الدولة الإسلامية للأفراد حرياتهم دون إخلال بالنظام العام والآداب ودون تجاوز على حدود حرية الغير.

ومن هذه الحريات:

(أ‌) حرية الاعتقاد:
أولت الشريعة الإسلامية حرية الاعتقاد اهتماما وتقديرا كبيرا، وعملت على صيانتها، فلكل إنسان أن يعتنق من العقائد ما شاء وليس لأحد أن يحمله على ترك عقيدته أو اعتناق غيرها.

ولم تكتف الشريعة الإسلامية بإعلان هذه الحرية وإنما اتخذت طريقين:

إلزام الناس باحترام حق الغير في اعتقاد ما يشاء، فإن كان ثمة معارضة فلتكن بالحسنى فإن قبل صاحب العقيدة أن يغيرها عن اقتناع فلا حرج ن وإن لم يقبل فلا يجوز إكراهه " لا إكراه في الدين".
إلزام صاحب العقيدة بالعمل على حماية عقيدته ، فإن عجز عن حماية نفسه كان عليه أن يهاجر إلى بلد آخر يحترم أهله العقيدة، ويمكن فيه من إعلان ما يعتقد فإن لم يهاجر فقد ظلم نفسه وارتكب إثما عظيما " إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض ، قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ، فأولئك مأواهم جهنم ، وساءت مصيرا".
(ب‌) حرية الفكر:
جاء الإسلام معلنا حرية الفكر، محررا العقول من الأوهام والخرافات والتقاليد، وداعيا إلى نبذ كل ما لا يقبله العقل والقرآن الكريم يعتمد في إثبات وجود الله على العقل، فيدعو إلى التفكير في خلق السموات والأرض وفى خلق الإنسان:" أو لم يتفكروا في أنفسهم، ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى، وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون" وقال تعالى: " وما يذكر إلا أولوا الألباب".
هذا بالإضافة إلى أنواع أخرى من الحريات كفلها الإسلام مثل حرية القول وحرية التعليم وحرية التملك وحرية المسكن وحرية الهجرة.
(جـ) حرية الأقليات والأجانب في الدولة الإسلامية في ممارسة شعائرهم:
ترى الجماعة أنه ليس هناك تعارض من وجود أقليات غير إسلامية مع التمسك بالنظام الإسلامى، وقد اشتمل القرآن الكريم على النص الريح في حماية هؤلاء " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم ، إن الله يحب المقسطين" كما أن قوانين الأحوال الشخصية للمسلمين لا تنطبق عليهم ن بل ينطبق عليهم حكم ديانتهم.
وفيما يختص بالمعاملات مثل البيع والإيجار والرهن " فليس للمسيحيين فيها نصوص لذلك كان الأخذ بما تراه الأغلبية في مصلحتها واجبا يأخذه المسلمون على أنه دين ويأخذه المسيحيون على أنه قانون".

التنظيم الاقتصادي

ينبع الأساس الفكري للجماعة، والذي حدد موقفها من المشكلة الاقتصادية من منطلق إيمانها بفكرة شمولية الإسلام لكافة جوانب الحياة والفكر الاقتصادي للجماعة يهتم بالأبعاد الأخلاقية للنشاط الاقتصادي لأن الجماعة ترى أن حياة الإنسان وحدة متكاملة بمادياتها ومعنوياتها وغاية السلوك الاقتصادي الأخلاقي هي العدالة الاجتماعية.

ويرى " سيد قطب" أن العدالة الاجتماعية في الإسلام مستمدة من مبدأين أساسيين هما:

  1. وحدة الوجود المطلقة الشاملة لكل الكون.
  2. التكافل العام بين الأفراد والجماعات.

لأن أجزاء الكون بما فيها الإنسان وحدة متكاملة الأجزاء متناسقة الخلقة والنظام، وإذا كان الأمر كذلك فلابد من تعاون وتكافل الأفراد فيما بينهم، ليستقيم أمر الحياة حيث أنهم جزء من هذا الكون، وعن تلك الوحدة المتكاملة تكون إرادة الله وتوجيهاته وتشريعاته .

والعدالة الاجتماعية شاملة لكل جوانب الحياة ومقوماتها، والقيم التي تهتم بها هذه العدالة ليست القيم الاقتصادية وحدها، وإنما هي خليط من القيم الأخلاقية والروحية.

وإذا كانت المسيحية تنظر إلى الإنسان من خلال أشواقه الروحية محاولة كبت غرائزه الإنسانية لتعلو تلك الأشواق ،وإذا كانت الشيوعية تنظر إلى الإنسان والكون كله من خلال الاحتياجات المادية فإن الإسلام ينظر على الإنسان على انه وحدة لا تنفصل أشواقه الروحية عن نزعاته الحسية.

وترى الجماعة أن الإسلام فيما يتعلق بالفكر الاقتصادي قد اكتفى على الأغلب برسم دوائر عامه، دون أن يتطرق على طرق إنتاج الثروة، وصور حركتها وتوزيعها تاركا ذلك لظروف كل عصر ووفقا لتقدم العلم، وشأن الإسلام في هذا الشأن كل ما تعرض له من الأمور البشرية تاركا للفكر الانسانى أن يبتكر في كل عصر ما يلزمه لتحقيق مصالحه في حدود التشريع العام.

ويرى رجال الاقتصاد الإسلامى أنه لا ينبغي دراسة الاقتصاد الإسلامى مستقلا عن عقيدة الإسلام وشريعته ، لأن النظام الاقتصادي في الإسلام جزء من الشريعة، ويرتبط كذلك بالعقيدة ارتباطا أساسيا وارتباط الاقتصاد الإسلامى بالعقيدة يبدو على سبيل المثال في نظرة الإسلام إلى الكون باعتباره مسخرا لخدمة الإنسان، ويبدو كذلك في قضية الحلال والحرام التي تشغل المسلم عند إقدامه عل معاملة من المعاملات ، كما يبدو أيضا في عنصر الرقابة الذي يحسه المسلم من عالم الغيب.

وارتباط الاقتصاد الإسلامى بالعقيدة والشريعة يجعل للنشاط الاقتصادي في الإسلام طابعا تعبديا، وهدفا ساميا ويجعل الرقابة على ممارسة هذا لنشاط رقابة ذاتية، وبهذا يختلف عن النشاط الاقتصادي في النظم الوضعية.

ويرى أحد الباحثين أن الاقتصاد الإسلامى وإن ارتبط بمبادئ وأصول اقتصادية معينة صالحة لكل زمان ومكان، إلا أنه في مجال أعمال هذه المبادئ والأصول يفتح باب الاجتهاد ليختار كل مجتمع اسلامى الأسلوب الذي يراه متفقا وصالحه حسب ظروفه المتغيرة؛

فمثلا قد يتوسع أحد المجتمعات الإسلامية في الملكية العامة على حساب الملكية الخاصة وقد يضيق آخر من الملكية العامة لصاحب الملكية الخاصة ولكن يظل الاقتصاد في كلا المجتمعين إسلاميا طالما لم يخرج عن مبدأ الاقتصاد الإسلامى من حيث الإبقاء على الملكيتين الخاصة والعامة وما الخلاف بينهما إلا خلاف تطبيق بحسب ظروف الزمان والمكان.

وترى الجماعة أن قواعد الإصلاح الاقتصادي في الإسلام كثيرة ولعل أهمها:

  • اعتبار المال الصالح قوام الحياة ووجوب الحرص عليه وحسن تدبيره وتثميره.
  • إيجاب العمل والكسب على كل قادر.
  • الكشف عن منابع الثروات الطبيعية ووجوب الاستفادة من كل ما في الوجود من قوى وموارد.
  • تحريم موارد الكسب الخبيث.
  • تذويب الفوارق بين مختلف الطبقات.
  • الضمان الاجتماعي لكل مواطن وتأمين حياته والعمل على راحته وإسعاده.
  • الحث على الإنفاق في وجوه الخير وافتراض التكافل بين المواطنين .
  • تقرير حرمة واحترام الملكية الخاصة ما لم تتعارض مع المصلحة العامة.
  • تنظيم المعاملات المالية.
  • تقرير مسئولية الدولة في حماية هذا النظام.

والذي يطالع القرآن الكريم والسنة المطهرة وكتب الفقه الإسلامى يجد هذه القواعد مفصلة .وتشتمل فكرة الإخوان عن الإصلاح الاقتصادي على عنصرين أساسيين هما:

(أ‌) أن الاستغلال الاقتصادي هو أساس أي استقلال سياسي أصيل.
(ب‌) أن تحسين الأوضاع الاقتصادية يساهم في تخفيف حدة الفوارق بين الطبقات.

ويمكن تلخيص إجراءات الإصلاح الاقتصادي التي نادت بها الجماعة لحل المشكلة الاقتصادية التي تعرضت لها مصر خلال الحرب العالمية الثانية فيما يلي:

  1. استقلال النقد وتدعيم الغطاء الذهبي له.
  2. تمصير الشركات وإحلال رؤوس الأموال المحلية محل رؤوس الأموال الأجنبية.
  3. التحول للتصنيع مع الاهتمام الخاص بالصناعات التي تعتمد على الموارد المحلية.
  4. محاربة الربا بكافة أشكاله.
  5. تنظيم الضرائب وفرض ضريبة زكاة يتناسب حجمها م رأس المال والربح الذي يحققه.
  6. تشجيع الصناعات المنزلية لأنها نقطة التحول إلى العصر الصناعي كصناعة الغزل والنسيج والصابون والعطور.
  7. تقليل الكماليات والاكتفاء بالضروريات.
  8. تنظيم الملكية الزراعية من خلال ما يلي:
(أ‌) وضع حد للملكية الزراعية وبيع الزائد عن هذا الحد إلى الفقراء.
(ب‌) توزيع الأراضي التي تملكها الدولة على صغار الملاك.

والمشكلة الاقتصادية في نظر رجال الاقتصاد الإسلامى ليست نابعة من قلة الموارد الطبيعية مما قد يتعذر التغلب عليه، وإنما تتجسد في ظلم الإنسان بسوء توزيع الثروة إلى جانب كفرانه بالنعمة بإهماله استثمار الطبيعة وموقفه السلبي منها أو عدم استغلاله جميع المصادر التي تفضل الله بها عليه استغلالا تاما.

وقد سعت جماعة الإخوان المسلمين إلى أسلوب تطبيقي في بعض مؤسساتها بهدف إعطاء أمثلة على إمكانية تطبيق النظرية الإسلامية فيما يتعلق بالشئون الاقتصادية فأنشأت الشركات الآتية:

(1) شركة لمعاملات الإسلامية:
أنشئت عام 1939 برأسمال قدره (4000) أربعة آلاف من الجنيهات. وقامت الشركة بإنشاء خطوط نقل، هذا بالإضافة إلى إنشائها مصنعا كبيرا للنحاس.
(2) الشركة العربية للمناجم والمحاجر:
تكونت في عام 1947 برأسمال قدره (60,000) ستين ألف جنيه، وقد اتحدت تلك الشركة مع شركة المعاملات الإسلامية وتضمنت أنشطة الشركتين أعمال نقل البضائع وإصلاح السيارات ومنتجات الأسمنت والبلاط وقد تعاقدت الشركة على استيراد آلات حديثة من أوربا لتطوير إنتاجها إلا أن هذه الآلات لم تصل إلا بعد قرار حل الجماعة عام 1948 وبقيت في ميناء الإسكندرية مما عرض الشركة لأضرار مالية جسيمة.
(3) شركة الإخوان المسلمين للغزل والنسيج:
تأسست عام 1948 برأسمال قدره (8000) ثمانية آلاف جنيه وقد أنتجت الشركة الأقمشة المختلفة. هذا بالإضافة إلى شركات أخرى أنشأتها الجماعة مثل شركة الإعلانات العربية وشركة التجارة والأشغال الهندسية بالإسكندرية، وشركات التوكيلات التجارية، وشركة الإخوان للصحافة ، وشركة الإخوان للطباعة.

وإيمانا من الجماعة بدور الطبقة العمالية في بناء الاقتصاد الإسلامى فقد اهتمت بمشاكل تلك الطبقة. وقد لا تتجاوز الحقيقة إذا قلنا أن من أهم العوامل التي جعلت الجماعة تولى اهتمامها بتلك الطبقة هو أن الجماعة قد تأسست منها كما توضح لنا مذكرات الأستاذ البنا.

وإذا كانت مبادئ الجماعة في مرحلتها الأولى قد خلت من الإشارة إلى حقوق تلك الطبقة فإن مرد ذلك إلى أن هذه المرحلة كانت مقتصرة عل نشر الدعوة، هذا بالإضافة على تحاشى الدخول في معارك جانبية مع الهيئات والقوى السياسية.

وتوضح لنا مذكرات الأستاذ البنا أن بداية دور الجماعة في الدفاع عن حقوق العمال في مواجهة استغلال الشركات الأجنبية، كانت عام 1932فى "جباسات البلاح" ، حيث كانت هناك شركة أجنبية لتجفيف وتعبئة التين يعمل بهاعدد كبير من العمال الذين انضموا للدعوة، وقامت الشركة ببناء مسجد للعمال وانتدبت الشيخ محمد فرغلي ليوم بمهمة الإمامة والتدريس لهؤلاء العمال.

وبعد فترة طلبت الشركة من الشيخ مغادرة المكان لتحريضه العمال على المطالبة بحقوقهم، الأمر الذي لم يكن مألوفا من قبل ، ولكنه رفض وتدخل الأستاذ البنا ليمنع اشتباك العمال مع إدارة الشركة وقدم حلا وسطا هو أن يغادر الشيخ المكان بعد شهرين وتكرمه الشركة عند انتهاء عمله على أن يستبدل بشيخ جديد.

ومن هذا التاريخ استمرت الجماعة في الدفاع عن حقوق العمال المصريين في مواجهة استغلال الشركات الأجنبية. وقد أسهمت ظروف الحرب العالمية الثانية في انضمام عدد كبير من العمال إلى الجماعة نتيجة انتشار البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة، هذا بالإضافة على خوف الجماعة من استقطاب بعض المنظمات اليسارية التي نشأت في تلك الفترة لهؤلاء العمال.

وفى أعقاب الحرب العالمية الثانية نشط قسم العمال في الجماعة نشاطا واسعا وحاول إقامة نقابة عمالية تستوحي مبادئ الجماعة. وقد أثمرت هذه الجهود في صفوف النقل، حيث قرروا تأسيس نقابة تعمل على وفق مبادئ الإخوان.

ولتأكيد اهتمام الجماعة بقضايا العمال فقد خصصت صحيفة الإخوان بابا ثابتا لمناقشة مشاكل العمال. وقد سعت الجماعة في تلك الفترة إلى تكوين شعبة عمالية تتولى تشكيل جبهة من نقابات العمال بمعاونة رؤساء النقابات من أعضائها؛

ولكن الحملة التي سنتها جريدة الوفد المصري، التي كانت تنطق بلسان الجناح اليساري للوفد في عام 1946، أدت إلى إحباط مساعي الجماعة لتكوين جبهة عمالية ثم قضى نهائيا على المشروع على يد حكومة النقراشي عام 1948.

التنظيم الاجتماعي

يعد تحقيق المنهج الاجتماعي في الإسلام في فكر الإخوان المسلمين ضرورة تفرضها طبيعة الإسلام، وتفرضها مهمته في الحياة. فالإسلام جاء ليقيم مجتمعا يحقق مبادئه، ويطبق نظرته إلى الوجود،ومن هنا فإن الإسلام لن يرضى عن مسلم يخلص في عقيدته ، ثم يقصر عن دوره الاجتماعي في المجتمع الذي يعيش فيه.

وإذا كانت بعض الديانات السابقة قد نأت عن تطبيق المنهج الاجتماعي في الحياة، واتجهت إلى الضمائر والقلوب، داعية إلى تصفية الروح، وتهذيب النفس، فربما كان لها العذر في ذلك بحكم ظروفها التاريخية، وأهدافها المحدودة، وما استقر في ميزانها من قيم.

وترى الجماعة أن كل نظام من النظم الاجتماعية له فلسفته الخاصة به، والنظام الاجتماعي في الإسلام له فلسفته الخاصة التي يستمدها من أنه "نظام رباني" فكانت مقومات ذلك النظام منبثقة من هذه العقيدة التي لا دخل للبشر فيها.

والنظام الاجتماعي في الإسلام وقد انبثق من هذه العقيدة يجب أن يظل دائما خاضعا في نموه وتجدده لهذه العقيدة التي لا تقبل التجزئة. وإذا كان التطور سمة من سمات الحياة التي لا يعاديها الإسلام، فالنظام الاجتماعي الإسلامى لا يحرم الانتفاع بتجارب البشر في تحديد الحاجات الاجتماعية المتجددة على ألا تصطدم بمبدأ ثابت في الإسلام.

والنظام الاجتماعي في الإسلام والذي يقوم على قاعدة العبودية لله وحده في أمره كله في عقيدة الإخوان المسلمين هو النظام المثالي الذي ينشدونه والذي يمكن من خلاله بناء المجتمع الإسلامى.

وتنطلق تلك الفكرة من فهمهم الشامل للإسلام، ومقدرته على تقديم نظرية متكاملة لبناء المجتمع سياسيا، واقتصاديا واجتماعيا ، هذا بالإضافة إلى أن تلك الفكرة في نفس الوقت تخدم الدعوة، حيث أنعمل الخير أسلوب م أساليب نشر دعوتهم، فهي كما تنتشر باللسان والقلم تنتشر بالإحسان والعمل.

وتحدد الجماعة قواعد النظام الاجتماعي التي يمكن أن تيسر بناء المجتمع الإسلامى والتي استمدوها من القرآن الكريم الجامع لأصول الإصلاح الاجتماعي الشامل في:

  1. الربانية.
  2. التسامي بالنفس الإنسانية.
  3. تقرير عقيدة الجزاء.
  4. إعلان الأخوة بين الناس.
  5. النهوض بالرجل والمرأة جميعا وإعلان التكافل والمساواة بينهما في الحقوق الإنسانية.
  6. تأمين المجتمع بتقرير حق الحياة، والملك والعمل والصحة والحرية والعلم والأمن لكل فرد وتحديد موارد الكسب.
  7. ضبط العزيزتين الأساسيتين: حفظ النفس "البحث عن الطعام" ، حفظ النوع "الغريزة الجنسية" مع تنظيم مطالب الفم والفرج.
  8. الشدة في محاربة الجرائم.
  9. تأكيد وحدة الأمة والقضاء على كل مظاهر الفرقة وأسبابها.
  10. إلزام الأمة بالجهاد في سبيل الله.
  11. اعتبار الدولة ممثلة للفكرة وقائمة على حمايتها، ومسئولة عن تحقيق أهدافها في المجتمع وإبلاغها للناس جميعا.

وقد حددت الجماعة لهذا النظام شعائر عملية لابد من ممارستها حتى ينصهر الناس فيها. وهذه الشعائر مستمدة من كتاب الله وسنة رسوله ومن هذه الشعائر:

  • الصلاة ، والذكر والتوبة والاستغفار.
  • الصيام والتحذير من الإسراف والترف.
  • الزكاة والصدقة والإنفاق في سبيل الخير.
  • الكسب والعمل وتحريم السؤال .
  • الجهاد في سبيل الله وتجهيز المقاتلين ورعاية أهليهم ومصالحهم من بعدهم.
  • التزود بالعلم والمعرفة لكل مسلم ومسلمة في فنون الحياة المختلفة كل فيما يتعلق به.
  • التضامن الاجتماعي بين الحاكم والمحكومة بالرعاية والطاعة معا.

وعلى قواعد هذا النظام الاجتماعي يريد الإخوان بناء المجتمع الإسلامى الذي يؤمن بهذه المبادئ إيمانا عمليا ويطبقها تطبيقا دقيقا.

أما عن وسيلتهم لبناء هذا المجتمع فيمكن تلخيصها فيما يلي:

(1) الفرد المسلم:
ترى الجماعة أن الفرد المسلم أساس كل مجتمع مسلم، ولذلك عنى الإسلام بتربيته ذكرا كان أو أنثى، وجعله مسئولا عن نفسه أمام الله " كل نفس بما كسبت رهينة" ومسئولا عن تحريرها من الخرافة والرذيلة وأن يوازن بين مطالب روحه ومطالب بدنه.

وقد فرض الإسلام لذلك أمورا منها:

  1. التعليم وتكون الحكومة مسئولة عن توجيهه بما يحقق حاجة الأمة في كل علم وفن، وأن تكون مناهجه بحيث تحفظ للأمة شخصيتها ومقومات كيانها.
  2. فرض الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.
  3. شرع الحدود والعقوبات.

كل هذه أمور فرضها الإسلام لإيجاد هذا الفرد.

(2) الأسرة المسلمة:
ترى الجماعة أن الإصلاح الفردي ينعكس أثره على مستوى الأسرة لأن الأسرة مجموعة من الأفراد والرجل والمرأة هما عماد الأسرة، فإذا صلحا استطاعا أن يكونا بيتا نموذجيا على القواعد التي وضعها الإسلام، وقد وضع الإسلام قواعد البيت فأحكم وضعها فأرشد إلى حسن الاختيار وبين أفضل الطرق للارتباط وحدد الحقوق والواجبات وعالج ما يعترض هذه الحياة الزوجية من مشكلات.
(3) الأمة المسلمة:
وتمثل الأمة مجموعة من الأسر المتآلفة، وصلاح الأسرة هو الخطوة الأولى لصلاح الأمة. وقد وضع الإسلام للأمة قواعد الحياة الاجتماعية السعيدة، فعقد بينها أواصر الأخوة، وجعلها قرينة الإيمان وحدد الحقوق والواجبات وقضى على كل ما من شأنه الفرقة والاختلاف حتى يستقيم أمر الأمة.
وترى الجماعة أن التكافل الاجتماعي هو سمة الحياة الاجتماعية وأساسها في الإسلام، وهذا التكافل لا يعنى مجرد المساعدات المالية في كل صورها، كما تعنى مثلا اصطلاحات " الضمان الاجتماعي" و"التأمين الاجتماعي" فالمساعدات المالية نوع واحد من المساعدات التي يعنيها التكافل الاجتماعي، وإنما يعنى هذا التكافل النظام الاجتماعي بأكمله.

هذا .. وقد لعبت أقسام البر و الخدمة الاجتماعية لدى الجماعة دورا كبيرا في تقديم الخدمات الاجتماعية لأبناء الشعب مثل مساعدة المحتاجين وتقديم الخدمات الطبية، وفتح الفصول لمحو الأمية وتعليم الكبار.

وبالنسبة للمشكلة السكانية، لم يكن للإخوان موقف محدد منها ولعل ذلك يرجع إلى أن هذه المشكلة لم تطرح نفسها في ذلك الوقت بنفس القوة التي تطرح بها الآن. فلم يتناول الأستاذ "حسن البنا" هذه المشكلة في رسائله إلى الإخوان، وإن كانت الجماعة لا تؤمن بالوسائل السلبية في حل تلك المشكلة ، لأن مصر في رأى الإخوان لا تفتقر إلى الموارد التي تفي باحتياجات سكانها وحل المشكلة يكمن في التوزيع الأكثر عدالة للثروة، والاستغلال الأكثر كفاءة للموارد الزراعية والمعدنية.

أما الحلول السلبية المتمثلة في الامتناع عن الزواج أو تأخير سن الزواج أو تقليل حجم الأسرة، فيبدو أنها وسائل لا تروق في نظرهم. وربما يتضح ذلك من خلال سلسلة المحاضرات التي ألقاها الأستاذ البنا في درس الثلاثاء عن الأسرة والزواج، وكان يحمل على الإخوان الذين لم يتزوجوا مع سماح ظروفهم.

أما عن تحديد النسل فإن الجماعة تحرمه إلا إذا كان الحمل ضارا بصحة المرأة، أو مهددا لحياتها بالخطر والله سبحانه يقول "ولا تقتلوا أنفسكم ، إن الله كان بكم رحيما"

وقد تناول محمد الغزالي هذا الموضوع ردا على خالد محمد خالد، عندما طالب الأخير بتحديد النسل كعلاج لمشكلة الفقر، وطالب الغزالي بتكثير النسل حيث أنه يعتقد أن مصر لا تفتقر إلى الموارد التي تفي باحتياجات سكانها.

وفى الفترة الأخيرة أفردت " مجلة الدعوة" عدة مقالات تناولت فيها هذه المشكلة، وهى توضح تصورات الإخوان لحل تلك المشكلة على مستوى الدول الإسلامية.

وينطلق رأى الإخوان من مسلمة مؤداها أن الموارد الاقتصادية في الأرض تكفى الأعداد البشرية وغير البشرية إلى نهاية الحياة ويستدلون على ذلك بقول الله تعالى " وما من دابة في الأرض إلا عرى الله رزقها " وأن كل من يضج بالشكوى من هذه المشكلة فهو جاهل بسن الله في الأرض.

وترى الجماعة أن الموارد الاقتصادية للعالم الإسلامى عظيم تكفى أية زيادة مهما كثرت، والأمر لا يحتاج إلا إلى التنظيم بين الدول الإسلامية بحيث يكون هناك تكافل فيما بينها لا سيما وأن خريطة الموارد الاقتصادية لدى الشعوب الإسلامية تظهر أن الموارد المالية وفيرة ، كما أن من الحلول أيضا وضع الخطط الإنتاجية بالاتفاق مع الدول الإسلامية بحيث تتيح فرص عمالة جديدة، هذا بالإضافة إلى تشجيع الهجرة.

علاقة الدين بالسياسة

الدين في المفهوم الإسلامى هو الذي يشمل العقيدة في الضمير والخلق في السلوك والشريعة في المجتمع. لذا يستحيل الفصل في الحياة الإسلامية بين العقيدة الكامنة في حياة الفرد والشريعة التي تحكم حياته لأن الشريعة لا تقوم إلا على أساس من تلك العقيدة.

وفكرة الفصل بين الدين والدولة "العلمانية" فكرة غريبة عن المجتمع الإسلامى، ذلك أن الفقه الإسلامى لم يعرف مثل هذه الفكرة ولم يتصورها لأنه يعتبر ذلك كفرا.

ولقد عرفت تلك الفكرة في المجتمعات الأوربية في العصور الوسطى نتيجة الصاع بين الكنيسة كسلطة إلهية تحكم باسم الرب والإله، وبين الجبهة الأخرى المعادية لسلطان رجال الدين وهم الطبقة البرجوازية .

وكان البابوات يتمتعون في هذه العصور بنفوذ واسع فهم يعتبرون أنفسهم نوابا للمسيح، ومن ثم فإنه يجب معاملة الأمراء على أنهم أبناء الكنيسة التي يرعون أمرها وقد أباحت الكنيسة لنفسها حق الحصول على الهبات والإعفاء من الضرائب فضلا عن قيام الأساقفة بالفصل في المنازعات التي تنشأ بين الأفراد.

وقد دفعت الكنيسة ثمنا باهظا مقابل ما أحرزته من عظمة كلفتها التخلي عن سياسة التسامح من جهة وانتشار الفساد من رشوة وسرقة ومحاباة من جهة أخرى واختفت روح الأخوة والمساواة وهى الروح التي ميزت الكنيسة في عصرها الأول.

ولن ينسى التاريخ إذلال البابا " جريجورى السابع" للإمبراطور " هنرى الرابع" حين اختلف معه على حق تعيين الأساقفة على إقطاعياتهم فأعلن حرمانه من رحمة الكنيسة فاضطر الإمبراطور إلى السفر لمرتفعات " كانوسا" عام 1077 لمقابلة البابا للعفو عنه.

وقد أثار خروج الكنيسة على رسالتها الدينية الريب والشكوك حولها على الرغم مما أحرزته من نصر، فبدأ الناس يتجادلون حول قدسية البابوية وسمو مركزها ثم اشتد بهم ذلك الجدل بصورة زعزعت أركان الصرح البابوي حتى انتهى الأمر بانصراف الناس عن الكنيسة والبحث عن مذاهب جديدة تمثل مطالع العصور الحديثة.

وانتهى الصراع بين الكنيسة وبين دعاة التحرر بانتصار دعاة التحرر والحد من سلطة الكنيسة وحصرها في نطاق الدين وبذلك تحقق فصل السلطة الدينية عن السلطة المدنية.

ومنذ سقوط مجتمع الكنيسة وجد طابعان للمجتمع الأوربي " الطابع العلماني" و"الطابع الالحادى" وكلاهما يميل بالمجتمع الانسانى إلى البعد ع الدين في التوجيه إلا أن الطابع العلماني وإن عادى الكنيسة، لا يطالب بعدم التدين بالمسيحية في المجتمع فهو لا يعنى بالدين كما لا يعنى بالكفر به، وهو يتجه إلى إهماله والتغاضي عنه أكثر مما يتجه إلى لفت النظر إليه ويرفع شعار الوطنية والقومية.

وحينما زحف الاستعمار الغربي على الشرق صحب معه الاتجاه العلماني، وحاول تطبيقه في المجتمع الإسلامى عن طريق عزل المجتمع الإسلامى عن ماضيه. وتراثه العقلي والروحي والسلوكي.

وكان إلغاء الخلافة الإسلامية على يد " كمال أتاتورك" من أهم العوامل التي أيدت هذا التيار في دعوته، هذا بالإضافة إلى ظهور بعض المؤلفات التي نهجت النهج العلماني مثل كتاب "الإسلام وأصول الحكم" لعلى عبد الرازق، وكتاب " في الشعر الجاهلي" لطه حسين.

وفى الثلاثينيات أصدر "طه حسين" كتاب " مستقبل الثقافة في مصر" وقد حاول في هذا الكتاب الإجابة على تساؤلات المصريين حول مستقبل مصر بعد معاهدة 1936 التي عقدتها مصر مع انجلترا وقد دعا في كتابه إلى حمل مصر على الحضارة الغربية وطبعها بها وقطع ما يربطها بإسلامها كما دعا إلى إقامة الوطنية وشئون الحكم على أساس مدني لا دخل للدين به.

وقد تصدت صحف الجماعة لأتباع هذا التيار، ونشرت جريدتهم مقالا عن الصلح بين هتلر والفاتيكان وعلقت بأن أوربا لا تحارب العقائد والأديان الآن بل تؤيدها كما أن علاقة الود والتحالف بينهما ظاهرة وأصابع الكنيسة تعمل عملها في توجيه التعليم الديني وممثلي الحكومات الأوربية مغتبطون بالوحدة بين الدين والدولة.

وحينما صدر كتاب " مستقبل الثقافة في مصر" لطه حسين رفع الإخوان مذكرة إلى كل من وزير المعارف وشيخ الأزهر عبروا فيها عن آرائهم في هذا الكتاب كما دعوا إلى تكافؤ الثقافة الدينية مع الثقافة العلمية خلال مراحل التعليم.وحين مناقشة مجلس النواب لمسألة التعليم الديني، حملت الجماعة على المعارضين لتدريسه وهم: فكرى أباظة، والعقاد، وأعلنت تأييدها لمن طالبوا بتدريسه.

كما استقبلت الجماعة تعيين طه حسين مراقبا عاما لإدارة الثقافة في وزارة المعارف بالاستياء والاستنكار. على أنه ليس معنى ذلك رفض الجماعة لكل ما هو غربي فقد أعلنت أنه " لا بأس من الاستعانة بغير المسلمين عند الضرورة" كما طلب الأستاذ البنا من جماعته أن يتعلموا فنون الدعاية من الغرب أما الجانب الذي رفضته الجماعة من الحضارة الغربية، فهو ما يقضى بفصل الدين عن الدولة.

وترى الجماعة أن هذا الفصل:

" إن صح في الأمم الغربية فهو لا يصح أبدا في الأمم الإسلامية، لأن طبيعة التعاليم الإسلامية غير طبيعة أي دين آخر، وسلطة رجال الدين المسلمين محصورة محدودة لا تملك تغيير الأوضاع، ولا قلب النظم مما جعل القواعد الأساسية في الإسلام محفوظة على مر القرون تساير العصور وتدعو إلى الرقى وتعضد العلم وتحمى العلماء".

وترى الجماعة أن العلاقة بين الإسلام والسياسة علاقة وثيقة لأن أحكام الإسلام وقوانينه لها صلة بحياة الناس والمجتمع في جميع الشئون. وكمثال على ذلك نجد أن من أحكام الإسلام " الاستخلاف في الأرض" وقد بدأ الاستخلاف بآدم عليه السلام: " وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة " والاستخلاف في الأرض باعتبارهم مستعمرين فيها ومسلطين عليها " هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها" والاستخلاف الخاص هو الاستخلاف في الحكم ويشمل استخلاف الدول والأفراد.

وترى الجماعة أنه بناء على هذه الأدلة فإن الإسلام يلزم أتباعه على أن يستعمروا الأرض ويسخروا ما فيها لصالحهم. كما أن القرآن الكريم يشتمل على الآيات الكثيرة التي تدل على أن الحكم بكتاب الله فرض علينا لا يحل لنا التحلل منه مهما كانت الظروف والملابسات؛

مثال ذلك قوله تعالى:" وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك، فإن تولوا فاعلم أنما يردي الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم ، وإن كثيرا من الناس لفاسقون" وقوله تعالى: "إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما"

وقوله تعالى:" أفحكم الجاهلية يبغون، ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون" هذه آيات فيها البرهان القاطع على وجوب الحكم بكتاب الله.ومما يؤكد أن الإسلام ليس دينا فحسب، وإنما هو دين ودولة أن أكثر ما جاء به الإسلام لا يدخل تنفيذه في اختصاص الأفراد.

وإنما هو من اختصا الحكومات وهذا وحده يقطع بأن الحكم من طبيعة الإسلام، وأن الإسلام دين ودولة ولعل أبلغ دليل على أن الإسلام دين وسياسة أن طريقته في اختيار الولاة ممعنة في الواقعية، حيث تجعل " الواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها فإذا تعين رجلان أحدهما أعظم أمانة والآخر أعظم قوة قدم أنفعهما لتلك الولاية، وأقلهما ضررا فيها فيقدم في إمارة الحروب الرجل القوى الشجاع وإن كان فيه فجور على الرجل الضعيف العاجز، وإن كان أمينا".

الجامعة الإسلامية

ترجع فكرة الجامعة الإسلامية إلى منتصف القرن التاسع عشر، حين تعرض العالم العربي والإسلامى للأطماع الأوربية، لذا فكر المسلمون في جمع كلمتهم للوقوف أمام التيار الأوروبي فنشأت فكرة "الجامعة الإسلامية" وقد ساعد على ظهور فكرة الجامعة الإسلامية ، ظهور السيد "جمال الدين الأفغاني" الذي كانت تعاليمه وآراؤه من الأسس التي قامت عليها فكرة الجامعة الإسلامية حيث كانت تهدف إلى وجوب أن يكون هناك دولة إسلامية واحدة صالحة لقيادة العالم الإسلامية كله في معترك السياسة الدولية، وفى تنفيذ برامج النهضة والهداية العملية.

ويرى الدكتور "عبد العظيم رمضان" أن دعوة " جمال الدين الأفغاني " لم تكن تستهدف إقامة دولة إسلامية واحدة، وأن تجتمع كلمتهم على خليفة واحد، وإنما كان مقصده تقوية عناصر كل دولة من الدول الإسلامية ، حتى تلحق بركب الدول الأوربية في التقدم على أن ينشأ بينها جميعا حلفا مقدسا دفاعيا .

تلقف " السلطان عبد الحميد" فكرة الجامعة الإسلامية ، وتزعم حركتها وحاول استغلالها فقد رأى أن هذه الفكرة بمثابة صخرة النجاة له وللإمبراطورية العثمانية على السواء من الأخطار الداخلية والخارجية التي تهدد إمبراطوريته

ففي الداخل كانت هناك حركات للانفصال عن الدولة العثمانية في الوطن العربي، هذا بالإضافة إلى ظهور حركة الإصلاح الدستوري التي كان يتزعمها الاتحاديون، وفى الخارج روسيا تهدد الدولة بالحرب تؤيدها بعض الدول الأوربية بجانب ثورات البلقان المستمرة.

وأخذ "السلطان عبد الحميد" يرسل دعاته لنشر الفكرة في الدول الإسلامية ، وقرب إليه بعض الشخصيات الإسلامية كالأفغاني ليفيد من تأييدهم المعنوي، لهذا لقيت الدعوة نجاحا كبيرا.

وكان "محمد عبده" تلميذ " جمال الدين الأفغاني " متفقا معه في الدعوة للجامعة الإسلامية،حيث رأى " أن المحافظة على الدولة العثمانية هي ثالثة العقائد بعد الإيمان بالله وبرسوله".

وكان أكبر صدى لهذه الدعوة في مصر في مطلع القرن العشرين وكان من أبرز دعاتها "مصطفى كامل" حيث دعا إلى التفاف الشعوب الإسلامية حول الدولة العثمانية " لأن في بقاء سلطانها سلامة أمم الغرب وأمم الشرق" وسار في طريق " مصطفى كامل" "محمد فريد" الذي رأى أن مصلحة مصر في ذاك الوقت تدعو إلى مؤازرتها لتركيا.

وكان سقوط " السلطان عبد الحميد" بعد عزله عام 1908 نذيرا بموت فكرة الجامعة الإسلامية ، فبعد أن استولت جماعة " الاتحاد والترقي" على الحكم نبذت فكرة الجامعة الإسلامية ، وعادوا لفكرة الاستعمار التركي بفرض اللغة التركية وحذف الكلمات العربية من لغتهم واستبدالها بأوربية.

وكان رد الفعل على هذه السياسة الاستعمارية أن دعا بعض المفكرين العرب إلى الاستقلال عن تركيا كالكواكبي في كتابه "أم القرى" .

ثم كانت الحرب العالمية الأولى وما تبعها من أحداث تمثلت في ثورة (1919) وتصريح 28 فبراير 1922، ودستور 1923 الذي فصل مصر عن تركيا، كان لكل هذه العوامل أكبر الأثر في التقليل من شأن دعاة الفكرة الإسلامية ، حيث ساد الفكر القومي بمساعدة الاحتلال مسرح الفكر السياسي في مصر.

وانطلاقا من مفهوم الجماعة بأن الإسلام يقدم نظرية متكاملة لبناء المجتمع سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، فقدمت الجماعة تصوراتها لنقد مختلف التيارات القومية والدعوة لفكرة الوحدة الإسلامية.

ونستطيع القول بأن هذه التيارات كانت تدور حول نظرية واحدة هي "نظرية القومية" وقد اختلفت مدارس الفكر حول تفسير هذا المفهوم، فهي عند بعض الفلاسفة مذهب أخلاقي وعقيدة في الحياة ، وتعبر عن المثل الأعلى الذي يضحى الإنسان من أجله، أما رجال السياسة فإنهم يرونها حركة سياسية تجمع بين أبناء القومية الواحدة في نضال مشترك لأجل مصير مشترك.

ولقد مرت القومية العربية في مطلع القرن العشرين بعدة أطوار فبعد أن استولت جمعية "الاتحاد والترقي" على الحكم في تركيا عام 1909، اندفعت في سياسة التتريك التي تهدف إلى طبع الدولة كلها بطابع تركي، كما أشادت الصحف التركية بأمجاد الطورانيين والحط ن شأن العرب وتاريخهم.

وكان لهذا رد فعل سيء بين الشعوب غير التركية في الدولة العثمانية ، مما أزكى الروح القومية بين العرب فتألفت الجمعيات السرية في الشام والعراق للدفاع عن حقوق العرب مثل " الجمعية اللامركزية" التي تأسست عام 1908 "الجمعية العربية الفتاة"

التي تأسست عام 1911 وكانت جمعية سرية قومية تسعى لاستقلال العرب، و" جمعية العهد" التي تأسست عام 1913 ، وهى جمعية عسكرية قومية، ألفها الضباط العرب العاملون في الجيش العثماني وكانت تهدف إلى الحصول على إدارة لا مركزية، أو على استقلال داخلي لبلاد العرب ضمن نطاق الدولة العثمانية .

ثم عقد المؤتمر العربي في باريس عام 1913. بحث المؤتمرون حقوق العرب في الدولة العثمانية، واتخذا اللامركزية قاعدة لإدارة ولاياتها وقرر المؤتمرون مطالبة الدولة العثمانية بالاعتراف بحقوق العرب السياسية واعتبار اللغة العربية لغة رسمية في الولايات العربية.

وعندما نشبت الحرب العالمية الأولى عام 1914 واجه العرب موقفا صعبا، فأما الوقوف إلى جانب تركيا التي ساءت علاقة العرب بها نتيجة سياسة " الاتحاد والترقي" ، وأما الثورة عليها والانضمام إلى انجلترا وحلفائها للتخلص من حكم الأتراك.

ودخلت انجلترا في مفاوضات سرية مع "الشريف حسين" الذي عقدت عليه الآمال في تحقيق ألهداف العربية القومية، ووقف العرب إلى جانب الحلفاء مقابل اعتراف الحلفاء بحق العرب في الحرية والاستقلال.

وبعد انتهاء الحرب التي انتهت بانتصار الحلفاء طالب العرب الحلفاء بتنفيذ وعودهم، ولكن الحلفاء لم يلتزموا بتنفيذ وعودهم بل قسموا الوطن العربي فيما بينهم على أثر اتفاق "سايكس ،بيكو" وبذلك قضى على أم لتكوين دولة عربية مستقلة.وقد أدى هذا إلى ظهور نزعات إقليمية مرتبطة بكل دولة على حدة كالفرعونية في مصر ، والفينيقية في لبنان.

والقومية في مفهوم الجماعي:

" مبدأ خطير لا ينتج إلا الشرور والآثام والحروب والتخاصم ولتنافس والتزاحم، فإذا كانت كل أمة تدعى أنها سيدة الجميع وتعمل للوصول إلى هذه السيادة فمتى تهدأ الثورات أو يسود السلام.. كما أن هذا المبدأ بالنسبة لمصر والشرقيين ضار وغير ملائم لهم"

ولعل الجماعة استوحت ذلك من رؤيتها للتطرف القومي عند الألمان والايطاليين، كما أن القومية التي تقوم على عصبية الدم وعنصرية الجنس مرفوضة لدى الجماعة " لأن الناس لآدم وآدم من تراب لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى" أما إذا كانت تقوم على الحدود الجغرافية فإن أصحابها قد ارتبطوا بغير رباط لأن الأرض عرضة للمد والجذر.

ويذكر الأستاذ البنا أنواعا من القومية تعتبر تعبيرات مشروعة عن القومية التي تتفق مع الإسلام، ويذكر منها:

قومية المجد: وتتمثل في اعتزاز الجيل الجديد بأمجاد أجداده والرغبة في التساوي معهم، وهذا مقصود حسن جميل نشجعه ونأخذ به.
قومية الأمة: وتتمثل في اهتمام الفرد بأهله. وهذا إحساس طبيعي وأصيل ومن ذا الذي لا يرى أن أولى الناس بجهوده هم قومه.
قومية التنظيم: وتتمثل في العمل والجهاد من أجل تحقيق الأهداف المشتركة.

لقد حاول الإخوان تجريد مفهوم القومية المصرية من العصبية والعنصرية، ويتضح ذلك من محاولتهم تقريب معناها أو توحيده مع الوطنية ، وربما كان ذلك خلطا مقصودا من الجماعة أرادت به قطع الطريق على دعاة القومية استقطابهم لصفوفها .

فيؤيد الإخوان القومية المصرية من خلال المنظور الإسلامى:

" إننا مصريون بهذه البقعة الكريمة من الأرض التي نبتنا فيها ونشأنا عليها ومصر بلد مؤمن تلقى الإسلام تلقيا كريما وذاد عنه ورد عنه العدوان في كثير من أدوار التاريخ وأخلص في اعتناقه.. فكيف لا نعمل لمصر ولخير مصر".

وقد أدانت الجماعة تلك الدعوات القومية التي ظهرت في ربع القرن الأخير والتي كانت تحدد ولاءات العرب للفرعونية في مصر، والفينيقية في لبنان.

وقد أوضح الأستاذ البنا خطأ الفكرة تاريخيا واجتماعيا كما أوضح خطأها في جانب القومية المصرية، أما خطأ هذه الفكرة تاريخيا:

" فلأن التاريخ يحدثنا بوحدة الدماء واللغات بين سكان جزيرة العرب، وسكان وادي النيل في القديم والحديث.. وأما أن هذه الفكرة خاطئة اجتماعيا فلأن الأمة إنما تتكون قوميتها من لغتها ودينها وعاداتها وثقافتها..
وأما خطأ هذه الفكرة من ناحية القومية المصرية، فلأن تمسكنا بالقومية العربية يجعلنا أمة تمتد جذورها من الخليج الفارسي إلى المحيط الأطلسي، فأي مصري يكره أن تشاطر هذه الشعوب التي تظلها العربية شعوره وآماله وأفرحه"

وقال:

"نحن نرحب بمصر القديمة كتاريخ فيه مجد وعزة.. ونحارب هذه النظرية بكل قوانا كمنهاج عملي يراد صبغ مصر به ودعوتها إليه".

وهناك من يرى أن ألأديان وبخاصة المسيحية والإسلام عالمية بطبيعة فلسفتها ، وبالتالي فإنها تنتشر دون الاعتراف بالقومية ولكن لما كانت القومية قد أصبحت هي الطراز الغالب على الفكرالسياسى في ذلك الوقت، فإن الأستاذ البنا قد وقف موقفا متحيرا بين فلسفة الإسلام العالمية وبين هذا الطراز الغالب، لذلك فإنه استخدم تعبير القومية الإسلامية في غير موضعه، وكذلك الأسلوب الذي استخدمه في الدفاع عن هذه القومية لم يكن من السهل فهمه، وهو أقرب للدعوة الدينية منه للفكر السياسي.

وانطلاقا من نفس المنظور، عالجت الجماعة مفهوم الوطنية. وترى أن الوطنية الإسلامية هدف من أهدافها وهى جزء من الدين.

وتختلف الجماعة مع دعاة الوطنية المجردة عن العقيدة، فى أنهم يعتبرون حدود الوطنية بالعقيدة لا بالحدود الجغرافية، فكل بقعة فيها مسلم وطن عندهم له حرمته وقداسته ، أما دعاة الوطنية المجردة فليسوا كذلك فلا يعنيهم إلا أمر تلك البقعة المحددة ، والضيقة من رقعة الأرض.

وترى الجماعة .. أن الإسلام حين يزيل تلك الحواجز لجغرافية أو العنصرية التي تقوم عليها فكرة الوطن القومي، فإنه لا يلغى فكرة الوطن على الإطلاق ، بل أنه يبقى على المعنى الطيب لهذه الفكرة ، فيجعل الوطن فكرة في الشعور لا رقعة من الأرض.

وقد أوضحت الجماعة بعض التعبيرات المشروعة عن الوطنية في الإسلام وهى:

وطنية الحنين: وهى حب الإنسان لوطنه ومكان إقامته وهذا يتفق وتعاليم الإسلام، وقد عبر النبي صلى الله عليه وسلم وبلال الحبشي عن هذا النوع من الوطنية.
وطنية الحرية والعزة: وهى العمل بك لجهد لتحرري الوطن واستقلاله. وهذا النوع من الوطنية حث عليه القرآن الكريم " ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون" .
وطنية المجتمع: وهى تقوية الرابطة بين أفراد القطر الواحد، وإرشادهم إلى طريق استخدامها في صالحهم، وهذا يراه الإسلام فريضة.
وطنية الفتح: وهى فتح البلاد وسيادة الأرض وهذا مما فرضه الإسلام.

أما الوطنية الحزبية وهى التي تتسم بحب الصراع الحزبي والكره للخصوم السياسيين فهذا مرفوض لديهم.. وإيمانا من هذا الاعتقاد "الوطنية الإسلامية" فقد عالج مفكرو الجماعة من خلال قنوات اتصالهم بالجماهير (الصحف، الدعاة والمحاضرات) قضايا العالم الإسلامى.

كما كان من أهداف قسم الاتصال بالعالم الإسلامى الذي أنشأته بالمركز العام العمل على ربط الأقطار الإسلامية بعضها ببعض وتوحيد سياستها العامة.

ونحن نرى أن الكلمات المستخدمة فيما يتعلق بالقومية والوطنية في فكر الجماعة لم تكن ثابتة، فالوطن والقوم أو الأمة تعبيرات تستخدم بنفس المعنى ،كذلك نجد أن لفظ الوطنية كثيرا ما يستخدم بمعنى القومية.

وإذا كانت الجماعة ق انتقدت فكرة القومية المصرية، فإن موقفها من الفكرة العربية قد اتسم بشيء من المرونة، حيث اعتبروها وسيلة للصول إلى الوحدة الإسلامية.

والعربي في مفهوم الجماعة، هو من تكلم العربية، وهو مستمد من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم " يا أيها الناس.. إن الرب واحد والأب واحد، وأن الدين واحد،وليست العربية بأحدكم من أب ولا أم وإنما هي اللسان، فمن تكلم العربية فهو عربي" لذا فهم يرون أن وحدة العرب أمر لابد منه لإعادة مجد الإسلام وإقامة دولته ويجب على كل مسلم أن يعمل لإحياء الوحدة العربية وتأييدها ومناصرتها.

وقد أوضح الأستاذ البنا مكان العروبة في دعوة الإخوان المسلمين فقال:

"العروبة أو الجماعة العربية لها في دعوتنا مكانها البارز وحظها الوافر فالعرب هم أمة الإسلام الأولى وشعبه المتميز وبحق ما قاله صلى الله عليه وسلم " إذا ذل العرب ذل الإسلام" ولم ينهض الإسلام بغير اجتماع كلمة الشعوب العربية ونهضتها، وأن كل شبر في أرض وطن عربي نعتبره من صميم أرضنا ومن لباب وطننا"

ولم يكن تأييد الأستاذ البنا للدعوة العربية مناقضا موقفه من الفكرة القومية لأنه قد قرن دعوته للعربية بالاسم، كما أن العروبة لم تكن رد الفعل لتيار الفرعونية فضلا عن أهميتها في دعوته.

وعند إعلان جامعة الدول العربية، أعلنت الجماعة تأييدها الكامل لهذه الجماعة، وكتب الأستاذ " حسن البنا" يقول:

"من أول يوم ارتفع صوت الإخوان المسلمين هاتفا بتحية الجامعة العربية والإخوة الإسلامية إلى جانب الرابطة القومية والحقوق الوطنية.ويرى الإخوان أن الدنيا ستصير إلى التجمع والتكتل، وأن عصر الوحدات الصغيرة والدويلات المتناثرة قد زال أو أوشك على الزوال".

أما عن فكرة العالمية:

فهي هدف من أهدافهم، وختام الحلقات في سلسلة إصلاحهم المنشود، وهذه الفكرة لا تتعارض مع مفهومهم عن الشرقية الذي أيدوه نتيجة اعتزاز الغرب بغربيته، وترى الجماعة أن هذا المفهوم قد قبلوه على مضض ، وحين تزول هذه العصبية الغربية، فهم أول من ينادون بفكرة التعارض بين الشعوب لأن الدنيا صائرة إلى ذلك لا محالة، كما أن التكتل بين الأجناس والشعوب وتداخل الضعفاء بعضهم في بعض قد مهد لسيادة الفكرة العالمية.

وترى الجماعة أن الإسلام يدعو إلى العالمية بأسمى وأجل مما يدعو إليه الفلاسفة والساسة. لا تعصبا لجنس، ولا تحيزا لشخص أو فئة. وقد نص قانون النظام الأساسي لهيئة الإخوان المسلمين على أن من أغراض الجماعة العمل على "مناصرة التعاون العالمي مناصرة صادقة في ظل المثل العليا الفاضلة".

والعالمية التي تدعو إليها الجماعة لم تكن تؤدى إلى ما تهدف إليه العالمية بمفهومها الماركسي. ذلك لأن هذه النزعة العالمية في الماركسية إنما تهدف إلى إيجاد المبررات النظرية لبسط نفوذ الماركسية على جميع التنظيمات العالمية في العالم بقصد تحريضها على الثورة، وذلك نزولا على مقتضيات الصراع الطبقي الذي يمثل ركنا هاما من أركان العقيدة الماركسية التي تقوم في روحها على الدعوة إلى الثورة.

الفصل الرابع: الفكر التربوي لدى جماعة الإخوان المسلمين

تقديم

ترى جماعة الإخوان المسلمين أن الإسلام جعل طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، وجعل العلم من خصائص الإنسانية فلا يكون الإنسان إنسانا حتى يكون عالما، وبقدر معرفته تكون إنسانيته، وما أمر الله الملائكة بالسجود لآدم أبى البشر إلا لهذه الخاصية التي امتاز بها عن بقية المخلوقات.

ومما حرص عليه الإخوان دائما، حث أعضاء الجماعة على الاجتهاد في تحصيل العلم الذي يلزم المسلم في عقيدته وعبادته ودينه ودنياه، حتى يعبد الله على أسا سمتين.

ولم يكتف الإخوان بالحرص على تعلم العلم، بل رأوا وجوب العمل على تعليمه غيرهم. وكانوا متحمسين في الدعوة إلى منهجهم شديد الحرص على انضمام غيرهم إليهم، ويرون ذلك جزءا من واجبات عضو الجماعة حيث " يلتزم بنشر مبادئ الإخوان في كل الأوساط التي يتصل بها.. ويتحمل الأذى في هذه السبيل بصدر رحب ووجه باسم".

غير أن تعلم وحده لا يكفى لإعداد المسلم الذي يطمح الإخوان للوصول إليه، بل لابد من الجمع بين العلم والإيمان ، لأن الفصل بينهما عظيم الخطر على الأفراد والمجتمعات، وإن حقق في فترة من حياة الأمم من قوة ومتاع وعمران.

وليس كل أمر عند الإخوان يستطيع الفرد أن يحصله بذاته بل هناك أمور يحتاج الإنسان فيها إلى التعاون مع غيره من أجل تحقيقها. ومن هذه أمور الدين التي يحتاج فيها الإنسان إلى معلم يرشده.

والأمة الإسلامية في فكر الجماعة أمة خاصة في طبيعتها، فهي أمة ذات مبدأ وعقيدة ورسالة ويجب أن يكون التعليم فيها خاضعا لهذا المبدأ ويكون أداة لإنشاء الأجيال التي تؤمن بهذه العقيدة.

وترى الجماعة أن مهمة التعليم في البلاد الإسلامية مهمة شاقة وعسيرة، وهى ليست مجرد تعلم علوم وفنون ولغات أجنبية بل هو إنشاء جيل جديد إنشاءا خلقيا وفكريا مشبع بالروح الدينية والوطنية ولا يكون ذلك إلا من خلال منهج إسلامي.

واستعارة منهج تعليمي من بلد إلى آخر للنهوض بالعملية التعليمية في فكر الجماعة أمر غير مجد لاختلاف ظروف كل من البلدين عن الآخر. من هنا فإن المناهج الدراسية في فكر الجماعة لابد أن تراعى فيها لظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية للمجتمع، هذا بالإضافة إلى أهداف المرحلة وحاجات التلاميذ.

وترى الجماعة أن وضع منهج تعليمي إسلامي عمل شاق يأخذ وقتا طويلا، ولابد من الاستعانة في ذلك بالجمعيات والهيئات العلمية من مختلف التخصصات.

وترى الجماعة أن المعلم يمثل حجر الزاوية في العملية التعليمية وعليه يتوقف نجاح المنهج أو فشله. ومن هنا فإن مسألة إعداد المعلم تحتل أهمية كبيرة في فكر الجماعة ويجب أن يكون المعلم معدا إعدادا أكاديميا ومهنيا. هذا باللاضافة إلى تمتعه بالسيرة الحسنة والخلق القويم.

وفى هذا الفصل سنتعرض للآتي:

أولا: ماهية التربية عند جماعة الإخوان المسلمين ، والعوامل المؤثرة في تربية الإنسان.
  • مفهوم الطبيعة الإنسانية.

ثانيا:موقف الجماعة من بعض القضايا التعليمية الخاصة.

(أ‌) لتعليم الأزهري.
(ب‌) تعليم اللغة العربية.
(جـ) حركة التبشير.

مفهوم ماهية التربية والعوامل المؤثرة فيها

فرقت جماعة الإخوان المسلمين فيما تركته من كتابات تربوية بين التعليم والتربية. فقصدوا بالتعليم مجرد التلقين، وحفظ المبادئ العامة دون أن يكون لذلك أثر فى سلوك المتعلمين .

أما التربية فقصدوا بها معنى أعم من التعليم. ويرتبط هذا المعنى بالنواحي العملية التي تؤدى إلى تغير السلوك تغيرا كاملا للأرقى والأفضل. وترى الجماعة أن التعليم وسيلة من وسائل التربية، بل من أهم وسائلها وأنه إذا اقتصرنا على التعليم وحده لا نصل إلى التربية التي تؤدى على تغيير السلوك. ولعل الأستاذ "حسن البنا" قد تأثر في نظرته إلى التربية والتعليم بالمفاهيم السائدة في البيئة التعليمية حين ذاك.

إلا أن الواقع العلمي لدى الجماعة ينفى هذه التفرقة ويجعل كلمة التعليم تساوى في الدلالة ما يقصد من التربية، وذلك أنهم أوجبوا على من ينضم إليهم ألا يقتصر على دراسة المواد التي يفرضونها عليه، بل لابد لمن يتعلم هذه العلوم أن يتخلق أيضا بالأخلاق الحميدة ويتخلص من الآراء الفاسدة ويروض نفسه على الابتعاد عن العادات الرديئة.

وترى جماعة الإخوان المسلمين أن الكائن الانسانى يولد وهو مزود باستعدادات مختلفة متباينة، منها الموجب والسالب، وإذا تركت هذه الاستعدادات وشأنها فكل منها ينمو من ناحيته أو يتوقف عن النمو، وتكون النتيجة اختلال التوازن، واضطراب السمة التي يتصف بها الإنسان في مجموعه فهو سلبي أحيانا وإيجابي أحيانا أخرى على غير منهج سوى أو هدف مرسوم.

والتربية كأداة للتشكيل والتطبيع تؤثر في الكانسان وتشكله بالصورة التي تحقق أهداف من يربيه والمجتمع الذي يعد له. والتربية لدى جماعة الإخوان المسلمين عملية توجيه وتهذيب واعية مقصودة، بحيث تصل بالفرد إلى الكمال الانسانى وترشده إلى حقوقه وواجباته.

وهى أيضا عملية تعاونية جماعية تتم داخل إطار الجماعة نفسها حيث يتعلم الفرد مناهج الإخوان، منا يؤدى التزامه بالجماعة إلى تجنب الأخلاق المذمومة.

وإلى السير على منهج القرآن الكريم والسنة الشريفة. وهذا التعاون يتيح للجماعة البقاء والاستمرار وبالتالي تجتذب الجماعة من يصلحون للانضمام إليها وتعليمهم المناهج المحققة للأهداف التي يسعون إليها، وعلى هذا فالتربية لدى الجماعة تربية خاصة عمادها مبادئ وآراء تميز الإخوان عن غيرهم.

وعلى هذا فمفهوم التربية هنا ليس مفهوما عاما اجتماعيا شاملا لكافة أفراد المجتمع ، بل هو خاص بالصفوة القادرة على الانضمام للجماعة، وإذا كانت التربية لدى الجماعة تربية خاصة إلا أنها أيضا مسئولية اضطلعوا بعبئها وعمدوا لنشر مبادئهم لأجل أن يتزايد عدد المنضمين إليهم، وكان من واجبات الأخ داخل الجماعة " بذل النصيحة للمسلمين ونشر مبادئ الإخوان المسلمين في كل الأوساط التي يتصل بها من الإخوان والأصدقاء والزملاء وبخاصة من أفراد أسرته وعشيرته والأقربين وأخذ الناس في ذلك باللين".

واللين كوسيلة من وسائل الدعوة لدى جماع الإخوان المسلمين اتجاه إسلامي واضح في القرآن الكريم وهو كثيرا ما يهدى القلوب الشاردة ويؤلف القلوب النافرة، ويأتي بخير من الزجر والتأنيب والتوبيخ " ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن، إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين".

ومراتب الأفراد داخل الجماعة ترتبط باستعدادات كل فرد وقدرته على تحصيل علوم بعينها، ومن هنا فإن التربية داخل الجماعة لا تتم دفعة واحدة ولكن على التدريج. وهذا التدريج خاضع لمراحل نمو الإنسان وما يظهر في كل مرحلة من صفات واستعدادات.

ويبدو للوهلة الأولى أن في هذا لمحات أفلاطونية ، حيث أن أفلاطون قد أكد على أن وضع الفرد في الجماعة تحدده طبيعته الخاصة التي تكتشفها عملية التربية، والأفراد عنده يترتبون في طبقات على حسب استعدادات وقدرات كل فرد، وهو بهذا قد صب الأفراد في قوالب جامدة ولم يعترف بقدرة الفرد على تنويع ميوله للخروج من هذه القوالب.

والنظرة الثاقبة تظهر الفرق بينهما حيث أن جماعة الإخوان المسلمين وإن كانت وضعت الأفراد في مراتب على حسب استعدادات وقدرات كل فرد إلا أنها تعترف بقدرة الفرد على كسب صفات واستعدادات تؤهله للوصول إلى مرتبة تالية للمرتبة التي هو فيها.

العوامل المؤثرة في تربية الإنسان

ترى جماعة الإخوان المسلمين أن هناك عوامل كثيرة تؤثر على تربية الإنسان منها:

(1) العادات:

تتفق جماعة الإخوان المسلمين مع الآراء التربوية في أن العادات تلعب دورا هاما في تربية الإنسان، وذلك بتوفيرها قسطا كبيرا من الجهد البشرى بتحويله إلى عادة سهلة ميسرة لينطلق هذا الجهد في ميادين جديدة من العمل والإنتاج .
ولكنها على عظم مهمتها في حياة الإنسان تنقلب على عنصر معطل إذا ما أصبحت جامدة، أو بعبارة أخرى إذا ما أصبحت أداة آليا لا تلتفت إليه النفس ولا ينفعل به القلب.
إلا أن مفهوم التربية على أساس تكوين العادات الآلية لا يمكن أن يكون إلا تدريبا فنحن لا نستطيع أن نصفه بأنه نمو تربوي لأن النمو التربوي يتضمن استغلال الإمكانيات المتنوعة.
وترى الجماعة أن العادات التي ينشأ عليها الصبي تصبح سجية له ويظهر تأثيرها في أخلاقه وسلوكه، ولذلك يجب الاعتناء به والحرص على تعليمه بحيث لا يلقن إلا العقائد والأفكار الصحيحة ولا يفعل والده بمرأى منه ما يخالف الدين والأخلاق الكريمة.

(2) الوراثة:

تتفق آراء الجماعة مع آراء علماء النفس في أن للوراثة أثرا كبير في تربية الإنسان، وأنها تساهم في تشكيل تكوينه العقلي والخلقي والانفعال وترى الجماع أن الغرائز والاستعدادات التي يرثها الطفل عن أبويه لابد من ملاحظتها وتهذيبها لتبنى على أساها عادات حسنة.

(3) البيئة:

ويمكن تقسيمها إلى قسمين:
(أ‌) البيئة الطبيعية.
(ب‌) البيئة الاجتماعية.

البيئة الطبيعية:

ترى جماعة الإخوان المسلمين أن اختلاف البيئات الطبيعية يؤثر في الناحية العقلية والخلقية للإنسان. فالإنسان الذي يعيش في البادية غير الذي يعيش في الحضر في أخيلته ومعلوماته وتعاملاته.
وتتفق آراء الجماعة هنا مع آراء علماء النفس حيث أثبتت الدراسات أن البيئة الملائمة لها أثر في رفع نسبة ذكاء الفرد والبيئة غير الملائمة لها أثر في خفض هذه النسبة.

البيئة الاجتماعية:

والمقصود بها كل ما يحيط بالإنسان من إخوة وأخوات وأصدقاء وترى الجماعة أن تأثير هؤلاء على الطفل لا يتوقف عند مجال معين بل يمتد إلى حياته كلها، فنرى الأولاد أكثر قدرة عل تقليد آبائهم من غيرهم ، كما أن للمعلمين أيضا أثرا كبيرا في تشكيل شخصية الأطفال ، فكما يحاكى الأولاد أفعال الآباء وسلوكهم فإنهم أيضا يتجهون إلى محاكاة وتقليد المعلمين في كافة أمورهم.

ويرى الشيخ" محمد الغزالي":

أن الإسلام يحمل البيئة قسطا كبيرا من تبعة التوجيه إلى الخير أو الشر، ويستدل على ذلك بما رواه النبي صلى الله عليه وسلم من قصة القاتل الذي يبغى التوبة من جرائمه،وأنه سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم فقال له: أنه قتل مائة نفس فهل لي من توبة؟ فقال : نعم .. ومن يحول بينك وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا ، فإن بها أناسا يعبدون الله فاعبد الله مثلهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء.. الخ.

(4) القدوة:

ترى الجماعة أن القدوة من أهم العوامل المؤثرة فى تربية الانسان، وذلك لأن المبادىء وحدها لا تكفى مهما سمت حتى تصبح سلوكا فى واقع الحياة هذا بالاضافة على أنالكلمة لا تستمد قوتها وتاثيرها من حلاوتها وجمالها فقط وإنما من واقعها ورصيدها العملى فى سلوك صاحبها وإيمانه بها ومنهنا كانت الجماعة تشترط فى المربى أن يكون قدوة حسنة كى يتشرب منه الأطفال المبادىء الإسلامية حيث أنالأطفال فىالمرحلة الأولى من حياتهم يتعلمون سلوكهم عن طريق محاكاة وتقليد سلوك الكبار.

(5) تأثر الجماعة فى التربية بعملية الوعظ والدعوة:

ترى الجماعة أن فى النفس استعدادا للتاثر بما يلقى إليها من توجيه وتهذيب، وهو استعداد مؤقت فى الغالب. لذا فإنه يلزمه التكرار.وترى الجماعة أن الموعظة وحدها لا تكفى فى التربية إذا لم يكن بجانبها القدوة والوسط الذى يسمح بتقليد القدوة ويشجع على احتذائها.

أهداف التربية لدى الجماعة

لكى تتضح الأهداف التربوية لجماعة الإخوان المسلمين يجب إلقاء الضوء على أهداف التربية فى الإسلام لنرى إلى أى حد ممكن تتفق أو تختلف الأهداف التربوية للجماعة مع أهداف التربية الإسلامية؟

إن من أوضح أهداف التربية فىالإسلام "الهدف الخلقى" وذلك لإعداد الأفراد للعيش فى مجتمع إسلامى . وإلى جانب هذا الهدف الكبير هناك أهداف أخرى لا تنفصل عنه كالهدف الاجتماعى الذى يكسب صاحبه مركزا مرموقا فى المجتمع الذى يعيش فيه، هذا بالاضافة على الهدف المادى الذى يساعد صاحبه على الحصول على لقمة العيش.

ونرى أن أهداف التربية لدى الجماعة تقترب إلى حد كبير من أهداف التربية فى الإسلام.

ويمكن تحديد أهداف التربية لدى الجماعة فى النقاط التالية:

  • الهدف الخلقى:
ترى جماعة الإخوان المسلمين أن الهدف الرئيسى والغاية النهائية من التربية تتلخص فى اكتساب القيم الخلقية وتنميتها وتقاس مفاءة التربية بمدى نجاحها فى تزويد المتعلم بالأخلاق الفاضلة والصفات الحميدة المستقاة أساسا من الشرائع السماوية والتى تهيىء الانسان للفوز بنعيم الله.
وقد حاولت الجماعة الاستعانة بأقوال بعض من يتفقون فى هذا الاتجاه الدينى الأخلاقى مثل " فيكتور هوجو" عندما قال:
" يجب أن يحكم بالسجن على كل صاحب مدرسة كتب على بابها: لا يعلم الدين هنا" و" فروبل" عندما طالب بتدريس الدين فى جميع مراحل التعليم. ومن ثم ترى الجماعة أن التربية الدينية مادة من اهم المواد الدراسية التي توصل إلى تقوية الشعور الدينى.

وتربية الناشئين تربية خلقية صحيحة وأن الطريقة العملية لتربية الأخلاق من خلال التجربة والممارسة وذلك بإتاحة الفرص والمواقف الأخلاقية التي يختار فيها الأطفال تطبيق مبادىء خلقية معينة ويكافأون على ذلك، أجدى من بث قواعد الأخلاق وتلقينها لأن الفضيلة ليست علما ولكنها عاطفة وقد يعرفها الناس جميعا ولكن لا يعمل بها إلا القليل.

ولما كان للبيئة التي يعيش فيها التلميذ ولا سيما المدرسة الابتدائية الأثر الكبير فىتكوينه الخلقى، حيث يغلب على الناشىء التقليد وجب أن تكون هذه البيئة صالحة بحيث تساعد على ذلك.ومن وسائل ذلك أن يكون الاهتمام بالدين واحرتامه وتشجيع من يبدو عليهم حبه والعمل به شعار كل موظفى المدرسة من إداريين وفنيين وإشعار التلاميذ بذلك.

وترى الجماعة أن دروس الدين بالمدارس وغرضها أخلاقى أساسا لا تلقى فى مدارسنا الاهتمام المناسب مما يؤدى إلى إهمالها من المعلمين والتلاميذ.

  • الهدف الاجتماعى:

تهدف التربية لدى الإخوان إلى إعداد الفرد كى ينخرط فى سلك الجماعة فيصبح عضوا يعلم أساسيات المعرفة التي تشيع فى الجماعة ويدين بمعتقداتها ويتجه باتجاهاتها.

وينطلق هذاالهدف من إيمان الجماعة بمسئولية الفرد الاجتماعية وأنه مطالب بأن يكون عضوا نافعا فى جماعته.ومسئولية الفرد الاجتماعية فى عقيدة الإخوان المسلمين ضرور تفرضها طبيعة الإسلام وتفرضها مهمته فى الحياة. ولن يرضى الإسلام عن مسلم يخلص فى عقيدته ثم يقصر عن دوره الاجتماعى فى المجتمع الذى يعيش فيه.

وترى الجماعة أن المسلم مطالب بإنكار ما يراه خطأ فى المجتمع الذى يعيش فيه والدعوة إلى إصلاحه ، والعمل على هذا الاصلاح مهما كلفه ذلك من تضحيات .

وعلى المؤمن ألا ييأس إذا قوبلت دعوته للاصلاح بالرفض والمقاومة، لأن هذه المقاومة ليست شرا محضا فى كل حال فلولا تلك المقاومة العنيدة لك لدعوة جديدة لأصبح الأمر فوضى، ولكان كل من تقوم فى راسه فكرة يتمكن من الوصول بها إلى اقصى غاية فى وقت قصير.

  • الهدف الفردى الانسانى:

مع اهتمام الجماعة بإبراز الهدف الخلقى والاجتماعى فى تربية الأفراد دينية صحيحة للفوز بنعيم الله، إلا أنهم لم يغفلوا الاشارة إلى ما يمكن أن يستفيده الانسان من العلوم التي يتعلمها.

فيرى الأستاذ البنا أن التربية الصحيحة تهيىء الفرد للعيشة الكاملة وتصل بجسمه وروحه إلى الكمال الانسانى، وترشده إلى حقوقه وواجباته، وهى لهذا أكبر مؤثر فى حياة الأمم وعليها يتوقف مستقبلها وعنها تنتج عظمتها.

وإذا كانت هذه اهداف التربية لدى الجماعة فإن الباحث لا يلبث أن يتوقف ليبحث عن الهدف السياسى الذى قيل أنهم سعوا إليه وأرادوا تحقيقه منخلال تنظيماتهم المختلفة.

  • الهدف السياسى:

يعد الهدف السياسى من الأهداف الهامة التي عنيت بها التربية لدى الإخوان، ونعنى بهذا الهدف ما يتصل بشئون الحكم ونظام الدولة والعلاقة بين الحكومة والشعب والعلاقة بينالدولة وغيرها من الدول الإسلامية وغير الإسلامية .

واهتمام الجماعة بهذا الهدف ينبع من غيمانها بشمولية الإسلام لكافة جوانب الحياة، ومنها السياسة كما دل على ذلك القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة. وهناك دعائم أساسية تقوم عليها التربية السياسية لدى الجماعة.

  • محو الأمية السياسية من الأوساط الشعبية فى المدن وفى القرى.
  • ربط الأوساط الشعبية بالحياة الاجتماعية وحثها على المشاركة فى الأعمال الوطنية.
  • تنوير الأذهان بحقيقة ما يدور فى الموقف السياسى، وعلى الأخص إذاكان هناك ما يدبر فى الظلام لغير صالح البلد وما أكثر ماكان أثناء فترة الاحتلال.

وإذا كان هناك انطباع لدى الكثيرين، أن المسلم لا شغل له بالسياسة وأن الإسلام لا محل له فى القيادة السياسية فإن الجماعة ترى أن مثل هذا أدى إلى ضمور التربية السياسية والعقلية السياسية عند كثير من المسلمين فى وقت أصبحت فيه السياسة تشكل أكثر من ثمانين بالمائة من المؤثرات فى هذا العالم.

هذا .. وقد لعبت صحف الإخوان دورا رئيسيا فى تعميق هذا حيث عالجت القضايا لسياسية للعالم الإسلامى. كما استطاعت الجماعة من خلال قياداتها بالجامعة المصرية تعميق هذا المفهوم لدى طلاب الجامعة بتوجيههم إلى الاهتمام بالقضايا السياسية للعالم العربة فمن خلالهم ناصرت الجامعة سوريا فى ثورتها عام 1945 ، وانتصرت لتونس فى ثورتها عام 1954، وكان الطلبة يرسلون صرخات التأييد لثورة الجزائر.

كما كان بالمركز العام للإخوان المسلمين "قسم الاتصال بالعالم الإسلامى" وكان من أغراض هذا القسم ما يلى:

(أ‌) العمل على ربط الأقطار الإسلامية بعضها ببعض وتوحيد السياسة العامة لها، بتوحيد مناهج الثقافة الإسلامية وتوحيد القوانين والتشريعات ورفع الحواجز الجمركية.
(ب‌) تحرير الأوطان الإسلامية من كل سلطان أجنبى وذلك بتقوية الروح الوطنية ومقاومة أى عدوان داخلى أو خارجى مع الاعتصام بالوحدة العربية والإسلامية.
(جـ) إقامة حكومات إسلامية فى كل ههذ البلاد وتكون وحدة سياسية إسلامية.

مفهوم الطبيعة الانسانية

يمثل مفهوم الطبيعة الانسانية أحد الثنائيات الفكرية التي شغلت جهود المفكرين منذ أمد بعيد دون الوصول إلى رأى حاسم فيها.

فالبعض قد أخذ بالنظرة الأحادية فى تناوله لهذاالمفهوم، والبعض الآخر أخذ بمفهوم التكامل . وقد نحت الجماعة نحو هذا المنحى الأخير حيث يذهب الفكر الاخوانى إىل تفسير مفهوم الطبيعة الانسانية باعتبارهم كلا يضم شقين لا غنى بأحدهما عن الآخر: الجانب المادى والجانب الروحى وقد ورد هذان الجانبان فى كتابات الجماعة بمترادفات أخرى مثل الجسد فى مقابل المادة، والعقل فى مقابل الروح.

  • مكونات الانسان:
(أ‌) الجسم:
ترى الجماعة أن هناك كثيرا من الآيات القرآنية التي تدل على هذا الجانب المادى فى الانسان، وهى التي تتحدث عن المادة التي خلق منها الانسان كالأرض والتراب والطين والصلصال مثل " منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى" . " يا أيها الناس إن كنتم فى ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب" ومثل " هو الذى خلقكم من طين ثم قضى أجلا، وأجل مسمى عنده ، ثم أنتم تمترون" ومثل " ولقد خلقنا الانسان من صلصال من حمأ مسنون".
وترى الجماعة أن الإسلام فى تربيته للجانب المادى فى الانسان لم يقف عند حدود الجسم بمعناه الفسيلوجى " عضلات، حواس" وإنما شمل أيضا الطاقة الحيوية المنبثقة من الجسم والممثلة فى مشاعر النفس كالرغبات والشهوات، لأن هناك اتصالا وثيقا بين النفس والجسم وتفاعلا مشتركا بينهما وكل منهما يؤثر فى الآخر.
وترى الجماعة أن الإسلام لا يحتقر الجسم ولا يستقذره كما فعلت بعض الفلسفات الأخرى كالمسيحية مثلا، وأبلغ دليل على ذلك أن العبادات الإسلامية تشرك الجسم فى العبادة ولا تسقطه من الحساب. فالوضوء عملية جسمية وإن كانت له معان روحية قصد بها تطهير البدن قبل الدخول فى الصلاة..
والصلاة حركة فى ذات الوقت التي هى فيه يقظة فكر وطلاقة روح ثم إن الإسلام صريح غاية الصراحة فى معالجة الأمور الجسدية فى الغسل والوضوء كما هو صريح فى معالجة الأمور الجنسية " ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء فى المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله " ، " أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم".
كذلك فالإسلام لا يستقذر الطاقة الحيوية ولا يحتقرها ولا ينفر منها بل يعترف بها فى صراحة كاملة ويزيد على ذلك فيدعو إلى الاستمتاع بالطيبات منها والاقبال عليها " قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق، قل هى للذين آمنوا فى الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة" " إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا".
وترى الجماعة أنه مع احترام الإسلام للطاقة الجسمية إلا أنه لا يطلق لها العنان حتى لا تستعبد الانسان وتجرفه على حيث الهلاك، بل يضبطها ويهذبها وينظفها ولكنه لا يكبتها لأن الكبت مناف لفكرة الإسلام ومنهجه فى الحياة. وكيف يكبتها ويحاربها وهو فى حاجة إليها؟.
من هذا المنطلق كان اهتمام الجماعة بالجانب المادى فى الانسان وذلك لإعداد المسلم الذى يمكنه تحمل تبعات الجهاد وأعباء الدعوة. وبعبارة أخرى تهدف التربية البدنية لدى الجماعة إلى ما يلى:
  • صحة الجسم وسلامته من الأمراض.
  • محاربة الضعف والخنوثة وبعث العزة والرجولة فى كل الشباب المسلم.
  • قوة الجسم ومرونته، فلا تكفى السلامة من المرض بل يجب أن يكون الجسم قويا مرنا قادرا على الحركة بسرعة وسهولة.
  • التعود على حياة الخشونة فى تكفى صحة الجسم وقوته ما لم يألف الخشونة.
  • القدرة على خدمة البيئة.
ومن هذا المنطلق، اهتمت الجماعة بإنشاء الأندية الرياضية والفرق الكشفية، وإقامة المعسكرات،كما أنشأت قسما للتربية البدنية يتولى مسئولية وضع المناهج والدراسات اللازمة لتربية الإخوان تربية بدنية إسلامية وإعدادهم للقيام برسالتهم .
كما كان من الواجبات المفروضة على كل فرد ، ضرورة المبادرة بالكشف الصحى العام والاهتمام بأسباب القوة والوقاية الجسمانية والامتناع عن الاسراف فى شرب المنبهات والامتناع بتاتا عن التدخين.
(ب) الروح:
ترى الجماعة أن الروح شىء مبهم غامض ليست له حدود، وهى الطاقة التي يتصل بها الانسان بالله سبحانه تعالى وبجانب ههذ الوظيفة الكبرى فإن للروح وظائف جانبية تتمثل فيما يلى:
  • الاستشفاف .
  • الحلم التنبؤى.
  • التخاطر عن بعد "التيلباثى" كحادثة عمر الشهيرة مع سارية حين ناداه على بعد ألوف الأميال فسمعه.
والإسلام يعنى عناية خاصة بالروح، لأنها مركز الكيان البشرى ويترابط عن طريقها. والإسلام فى تربيته للجانب الروحى فىالانسان، يضع الحجر الأساسى لهذا اللون من التربية بضرورة عقد صلة دائمة بين الروح وبين الله فى كل لحظة وكل فكرة وكل شعور
وترى الجماعة أن الإسلام قد استخدم لذلك وسائل شتى منها:
سوق الأدلة لبيان قدرة الله سبحانه وتعالى فى الكون ليشعر الانسان دائما بوجوده " إن فى خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب".
سوق الأدلة على مراقبة الله سبحانه وتعالى للانسان فى السر والعلن " يعلم السر وأخفى".
العبادات كالصلاة والصوم والحج.. الخ " وليس المقود من ههذ العبادات أداؤها أداء آليا بحيث تؤدى بحكم العادة، لكن المقصود منها أن يستحضر المسلم الله أمامه فى كل عمل يعمله".
ومن هنا كان اهتمام الجماعة بالتربية الروحية، وعبر الأستاذ البنا عن هذا .. بقوله " إن أول ما نهتم له فى دعوتنا وأهم ما نعول عليه فى نمائها وظهورهاوانتشارها اليقظة الروحية".
وترى الجماعة أن الخطوة الأساسية لبناء المبادىء وتربية الأمم الناهضة هى الايقاظ للأفراد والجماعات وأن الضعف الذى يصيب الأمم يرجع عادة إلى خواء القلوب والأرواح من الفضائل ، حيث " أن تكوين الأمم وتربية الشعوب ومناصرة المبادىء تحتاج من الأمة التي تحاول هذا أو من الفئة التي تدعو إليه على الأقل إلى قوة نفسية عظيمة، تتمثل فى الإرادة القوية التي لا يتطرق إليها ضعف، والوفاء الثابت والتضحية".
وتذهب الجماعة فى الاهتمام بالناحية الروحية إلى حد أنهم يجعلون القوى المادية رغم حاجة الشرق إليها تأخذ المرتبة الثانية بعد تعبئة القوى الروحية .." يظن كثير منالناس أن الشرق تعوذه القوى المادية ، ذلك صحيح ومهم ولكن أهم منه وألزم القوى الروحية من الخلق الفاضل والنفس النبيلة ومنها تكون القوة".
ومن الواجبات التي تلزم بها الجماعة الأخ المسلم لايقاظ الجامب الروحى أن يديم مراقبة الله تعالى، وأن يخلص له النية فى كل عمل وأن يذكر الآخرة ويستهد لها وأن يحافظ على الطهارة الحسية والمعنوية، وأن يواظب على الصلاة فى أوقاتها مع الجماعة ، مع الابتعاد عن أقران السوء وأصدقاء الفساد وأماكن المعصية والاثم.
وترىالجماعة أن التربية الروحية لدى أهل التصوف قد بلغت مرتبة من علاج النفوس ودوائها لم يبلغ إليها غيرهم من المربين، غير أنهم مزجوها ببعض العلوم الأخرى مثل علوم الفلسفة والمنطق وتراث الأمم الماضية، فخلطوا الدين بما ليس منه، مما أدى إلى فتح الثغرات أمام أصحاب الأهواء والأغرض فدخلوا من هذا الباب باسم التصوف.
(ج) العقل:
يشكل الجانب العقلى سمة بارزة فى تلك النظرة التكاملية وللاخوان عناية كبيرة بهذاالجانب تبعا لعناية الإسلام به. فالعقل مناط التكليف ووجوده يعنى الحرية فىالاختيار، والحرية تتبع المسئولية، فمن عدم العقل عدم الحرية وبالتالى عدم المسئولية كما أن التفكير عبادة حث عليها القرآن الكريم فى كثير من الآيات مثل ذلك قول الله تعالى:" إن فى ذلك لآيات لقوم يتفكرون" ، " إن فى ذلك لآيات لأولى النهى" ،" كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون" .
وترى الجماعة أن العقل يميز بين الخير والشر ولكنه ليس هو الذى يقرر الطريق . فكثيرا ما قرر عقل الانسان أن كذا من الأمور خطأ ولا يجوز فعله ثم اندفع إليه لانحراف روحه وانجرافها مع الشهوات. فالروح هى التي تقرر وتسخر العقل ليسير فى طريق.
ثم إن الإسلام فى تربيته للجانب العقلى في الانسان سلك سبيلين:
(1) وضع المنهج الصحيح للنظر العقلى حتى لا تبدد الطاقة العقيلة وراء الغيبيات التي لا سبيل للعقل البشرى أن يحكم فيها. وفى سبيل الوصول إلى هذا أتى الإسلام بطائفة من التوجيهات والتدريبات منها:
(أ‌) تفريغ العقل من كل المؤثرات السابقة التي لم تقم على يقين، وإنما قامت على مجرد التقليد والظن.فنعى على المقلدين الذين يقولون " إنا وجدنا آباءنا على أمة وإناعلى آثارهم مقتدون" وينعى على الذين يتبعون الظن" إن يتبعون إلا الظن ، وإن الظن لا يغنى من الحق شيئا" .
(ب‌) التثبت من كل أمر قبل الاعتقاد به واقتفائه :" ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا".
(2) تدبر نواميس الكون وتأمل ما فيها من دقة وارتباط وتنظيم "وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين" كما يوجهه كذلك إلى النظر فى حكمة التشريع حتى يستطيع الانسان تطبيقه على خير وجه "ولكم فى القصاص حياة يا أولى الألباب "
ويوجهه كذلك إلى النظر فى سنة الله فى الأرض وأحوال الأمم والشعوب للاستفادة من تجارب البشر السابقة " ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا، كذلك نجزى القوم المجرمين . ثم جعلناكم خلائف فى الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون".
ومن مظاهر اهتمام الجماعة بالجانب العقلى أن الأستاذ البنا اعتبر "الفهم" أول ركن من أركان بيعته، لأن المرء لا يخلص للحق إلا إذا عرفه وفهمه، كما ان أى خطأ أو انحراف فىالفهم والمعرفة يوصل إلى نتائج سيئة ويسير بالدعوة عن خطها.
وتؤمن الجماعة فى خصوماتها الفكرية بالعقل معطياته، فلا يحولون خصوماتهم إلىخصومات شخصية، بل هى أقرب إلى المساجلات العقلية أو الجدال فهم يرون "أن مع كل قوم علما وفى كل دعوة حقا وباطلا، وهم يتحرون الحق ويأخذون به ويحاولون ف هوادة ورفق اقناع المخالفين بوجهة نظرهم، فإن اقتنعوا فذاك وإن لم يقتنعوا فإخوان فى الدين".
ويؤكد مؤسس الجماعة أن مقاييسها لم تكن ذاتية ، بل ه مقاييس موضوعية تحتكم دائما إلى العقل، لذلك فإنها تصرح بأن الاختلاف مع الآخرين يجب ألا يكون حائلا دون تبادل الحب والتعاون على الخير، وذلك أنالفرقة وعدم الاتحاد يتعارضان مع الواجب الأساسى لكل مسلم فى أن يعيش فى جو من الحب والتآلف مع سائر المسلمين ، كما أنالفرقة قد أدت على تسلل الأفكار الأجنبية وسهلت خضوع الشعوب والدول الإسلامية للسيطرة الأجنبية.
ومن هنا .. فقد وصفت دعوة الاخوان بأنها دعوة تعمل على جمع الشمل حتى يمكن تحقيق الأهداف المشتركة، لذا فهى لا تنتمى إلى مذهب فقهى معين لأنهم يرون أن الاختلاف بين الفقهاء فى فروع الأحكام الشرعية أمر تفرضه طبيعة الدين واللغة وذلك " لاختلاف العقول فى قوة الاستنباط أو ضعفه.. وسعة العلم وضيقه.. واختلاف البيئات".
وهناك من رأى أن المسلم مطالب بأن يأخذ من الثقافة الإسلامية القد الذى يفهم به عقيدته ويضبط سلوكه، كما أنه مطالب بالانفتاح على الثقافات الأخرى، حتى يقف على أبعاد التيارات الأخرى المعادية للاسلام كالصهيونية والشيوعية.
وترى الجماعة أن الانسان ليس منفصلا لأجزاء:
" فهو ليس جسما وحده مستقلا بذاته لا علاقة له بالروح أو العقل،وليس عقلا منفصلا مستقلا بذاته لا يرتبط بجسم أو روح، وليس روحا وحدها هائمة بلا رابط من عقل أو جسم، وإنما هو كيان واحد ممتزج مترابط الأجزاء".
ويرى "محمد قطب" أنه على جانب هذا ، توجد فى النفس البشرية خطوطا دقيقة متوزاية كل اثنين منها متجاوران فى النفس وهما فى الوقت ذاته مختلفان فى الاتجاه،كالخوف والرجاء. الحب والكره.
السلبية والايجابية. الاتجاه إلى الواقع والاتجاه إلى الخيال. وهذه الخطوط تؤدى مهمتها فى ربط الكائن البشرى بالحياة وفى الوقت ذاته توسع أفقه وتعدد جوتنبه وتفسح مجال حياته فلا ينحصر فى نطاق واحد وبذلك يتحقق للانسان كيان فريد فى كل ما نعرف من مخلوقات".
  • دوافع السلوك الانسانى:

يذهب "محمد قطب" إلى أن دوافع الفعل الانسانى تساعد الانسان على أداء مهمة الخلافة فى الأرض حيث أن الكائن الانسانى يولد وهو مزود بمجموعة من الطاقات الكامنة التي تعينه على أداء مهمة الخلافة. وهذهلطاقات تحتاج إلى قوة دفع حتى تستغل الاستغلال الكامل ، وههذالقوة هى الدوافع.

ويبين فى موضع آخر ان الدوافع التي زود الله بها الانسان تشمل فرعين رئيسيين، منها ما يعمل على حفظ الذات ومنها ما يعمل على حفظ النوع ويتفرع هذين الدافعين دوافع أخرى جزئية ن ولكنها جميعا تتصل اتصالا وثقا بهذين الدافعين.

وبجانب ههذالدوافع توجد الضوابط وهى قوة فطرية كامنة تولد مع الانسان وتمنع الدوافع من أن تحطم الانسان حيث أنها تقوم بتوجيه الطاقة الحيوية الزائدة عن الضرورة إلى مستويات أعلى وأرفع من مجرد الاستجابة المباشرة لدفعة الغريزة وذلك بأن تحوله إلى عمل وانتاج وهو يرى أن هذه الضوابط الفطرية تحتاج إلى معنوية خارجية " مثل التربية" لتنميتها وتقويتها، وأنها ما لم تتلق هذه المعونة لا تقوى على ضبط الدوافع الفطرية.

  • الفردية والجماعية:

اضطربت كثر من النظم والفلسفات بين هذه النزعة وتلك بعضها يوسع دائرة الفردية حتى تصل إلى الأنانية المرذولة وتفكيك روابط المجتمع، وبعضها يوسع الدائرة الجماعية حتى تقضى على كيان الفرد وتكاد تلغى وجوده. وعالمنا اليوم يقوم فيه صراع ضخم بين المذهب الفردى والمذهب الجماعى.

فالرأسمالية تقوم على أساس فردية الانسان فتوسع له فى فرديته وتترك له حرية التصرف فى كثير من الأمور، حتى تصل إلى حد إيذاء نفسه وإيذاء الآخرين . والشيوعية فى الشرق تقوم على الحط من قيمة الفرد، والتقليل من حقوقه، والاكثار من واجباته واعتبار المجتع هو الغاية والأصل وما الأفراد إلا أجزاء فى المجتمع.

والاتجاه الذى تتبناه الجماعة أن هذ الفلسفات لا تتنبه إلى الطبيعة المزدوجة للكائن البشرى التي تبدو متناقضة، ولكنها مع ذلك مترابطة وهى تؤدى مهمتها فى حياة الكائن البشرى بتناقضها ذلك وترابطها .

ومن هنا فهم يرون أن كل نفس ميل للشعور بالفردية المتميزة بالكيان الذاتى وميل مقابل للاندماج فى الجماعة والحياة معها، وفى داخلها فالفرد يحس بفرديته وحدود كيانه ورغباته وأشواقه الخاصة ومطالبه.

وفى نفس الوقت يهفو إلى الجماعية فهو يهفو إلى الجنس الآخر بدافع الجنس ، ويهفو إلى الأصدقاء والزملاء وكل هذه روابط جماعية تعبر عن رغبته فى الارتباط بالآخرين. من هنا يختلط الفرد والمجتمع فى كيان النفس.

ويعبر "محمد قطب" عن هذا الاتجاه بقوله: إن الانسان يستمد من نزعته الفردية دافعا للحركة والنشاط والانتاج، ويستمد من نزعته الجماعية العون على أداء الأعمال التى لايقدر عليها بمفرده ومن ثم تؤدى النزعتان معا دورهما فىالحياة البشرية، وتكونان معا ضروريتين لكيان الانسان.

ويؤكد أن الإسلام يوفق بقدر ما فى طاقة البشر بين النزعتين الأصليتين المتناقضتين فى الظاهر. والإسلام يعالج كلتا النزعتين فيغذيهما معا لأنه يحتاج إليهما معا لأنالفطرة لا تستقيم بإحداهما دون الأخرى.

والانسان الذ لا شخصية له فى ذاته لا ينشىء إلا مجتمعا مستضعفا، والانسان الذى تبرز شخصيته بانحراف إلى حدالأنانية المرذولة لا يستطيع أن يعيش فى وفاق مع الجماعة. وترى الجماعة أنالإسلام يريد انسانا متوازنا فى فرديته وفى ميله للجماعة؛

ويعمل على إيجاد هذاالتوزان:

(1) الفردية " الشخصية الاستقلالية":يعمل الإسلام على:
(أ‌) عقد صلة بين الانسان وخالقه يشعر من خلالها الانسان بأنه يحمل قبسا من نور الله فلا يخشى الا الله، ولا يخضع لغير الحق الذى أنزله الله، هذه الصلة هى عند كل إنسان صلته الشخصية الفردية بالله.
(ب‌) المسئولية الفردية عن الأ‘مال " ولا تزر وازرة وزر أخرى " ، " لا تجزى نفس عن نفس شيئا "، " بل الانسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره" والشعور الدائم بهذالمسئولية الفردية يحدد للانسان فى نفسه كيانا متميزا واضح الحدود.
(2) الروح الجماعية:
يعمل الإسلام على إيجاد هذه الروح من خلال توجيهاته الدائمة إلى التعاون والتشاور والوفاق " وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان" ، " وأمرهم شورى بينهم" ، " محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم"
كما يغذيها أيضا بالخطاب الجماعة والتوجيهات الجماعية التي تلقى المسئولية على الجماعة كلها متساندة ، لأنها فى الواقع مسئولية كل فرد ومسئولية الجميع "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله" ، " واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة" ، " يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ".

وبهذا يتضح لنا أن الإسلام اعترف بالفرد والمجتمع وقرر لكل منهما حقوقه بالعدل وألزمه واجبات تقابلها بالمعروف وهذا هو التوازن الذى اختص به الإسلام.

طبيعة المناهج عند الجماعة

كان على جماعة الإخوان المسلمين أنتهتم بوضع المناهج التعليمية المختلفة لتربية أعضاء الجماعة على أنواع منالسلوك والقيم، تتفق وأهداف الجماعة إيمانا منها بأهمية مرحلة الطفولة . فقد اهتمت بوضع المناهج التعليمية التي تساعد على تحقيق الأهداف التي تهدف إليها الجماعة لتلك المرحلة.

ولما كان الأعضاء داخل الجماعة متفاوتين فى درجات عضويتهم "رتبتهم" ما بين عضو " مساعد، عامل، نائب" فإن لكل مرتبة من هذه المراتب مناهج خاصة بها، ولا ينتقل العضو إلى المرحلة التالية إلا بعد اتقان علوم المرحلة التي بها، والوصول إلى مرحلة معينة من النضج .

وقد روعى فى هذالمناهج أن تزود المتعلم بقدر من التراث الثقافى الإسلامى، هذا بالاضافة إلى الثقافة المعاصرة فى كافة أنواع العلوم.

ويمكن تقسيم المناهج لدى الجماعة إلى:

  • مناهج مرحلة الطفولة.
  • مناهج مرحلة الشباب وما بعدها.

مناهج مرحلة الطفولة " تقابل التعليم الابتدائى":

لم يهمل الإخوان شأن الناشئة الصغار فى منهجهم التربوى وذلك لأهمية تلك المرحلة حيث أنها أجود المراحل لغرس مبادىء الإسلام وذلك لقربها من مرحلة الفطرة.
وقد روعى فى هذا المنهج أن تحتل القدوة الصالحة مكان الصدارة فيه، كما روعى أن تكون العبادات بالرغبة لا بالرهبة والاستعانة فى سبيل ذلك بالقصص والأناشيد.

ويمكن تقسيم هذا المنهج إلى الأقسام التالية:

(1) التربية الروحية:وتشمل:
(أ‌) العبادة من (طهارة،وضوء،صلاة،وصوم).
(ب‌) القصص: وتشمل (سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، تراجم لأشهر الصحابة وقصص الأنبياء، قصة انتشار الإسلام والغزوات الإسلامية) .
(جـ) الأناشيد: وتشمل (أناشيد تحمل شعار الجماعة،أناشيد تقوى الروح الدينية عند الأطفال، أناشيد وطنية، أناشيد تحث على حب الطبيعة وما فيها من جمال، أناشيد تغرس الفضائل والسجايا الحميدة فى نفوس الأطفال).
(د) التمثيل: ويشمل قطعا موضوعية للتمثيل نثرية كانت أو شعرية، تعتمد على القصص الدينى أو الخلقى أو الوطنى وعلى المربى أن يختار ما يناسب سن الأطفال ومستوى إدراكهم ويكون التمثيل باللغتين العامية والعربية السهلة.
(هـ) المحفوظات: وتشمل (الآيات التي تصح بهاالصلاة كالفاتحة وخواتيم القرآن الكريم، وبعض الأدعية السهلة يقولها الطفل فى الصباح والمساء).
(و) كلمة الأسبوع: ويهدف من ورائها المعلم إلى هدف محدد كأن يحبب الأطفال فى فضيلة من الفضائل ،وكانت تكتب على سبورة خاصة أو تطبع على ورق وتوزع على الأطفال .
(2) المعلومات العامة: وتشمل:
(أ) القراءة والكتابة . (ب) مبادىء الحساب.
(جـ) مبادىء الصحة. (د) البيئة المحلية.

وليس المقصود من تلك المواد أن تكون دروسا تحفظ ويجبر الطفل على أن يستوعبها ولكن القصد منها أن تعين الطفل على :

  • فهم ما حوله.
  • تقدير البيئة الطبيعية والاجتماعية.
  • سلوكه الطريق السوى وفق مواهبه واستعداده.
(3) التربية البدنية:
وتشمل كافة التمرينات الرياضية التي يمكن أن تفيد الأطفال فى:
  • مناهج مرحلة الشباب وما بعدها:
إيمانا من الجماعة بدور الشباب فى نمو وانتشار دعوتهم، اهتمت الجماعة بوضع المناهج التعليمية المختلفة التي تساعد على تحقيق الأهداف التي تتوخاها الجماعة من تلك المرحلة.

ويمكن تقسيم مناهج مرحلة الشباب إلى قسمين:

  • مناهج عامة.
  • ومناهج خاصة.
(أ‌) المناهج العامة:
وهى بمثابة المرحلة التمهيدية للالتحاق بالجماعة لإعطاء صفة العضوية ، وترى الجماعة أن هذه المناهج ينبغى على كل مسلم أن يكون ملما بها سواء التحق بالجماعة أم لم يلتحق حتى يكون على بينة من أمور دينه.
وهذه المناهج يمكن تقسيمها إلى ثلاث مراحل:
  • المرحلة الابتدائية.
  • المرحلة الوسطى.
  • والمرحلة العليا.
  • المرحلة الابتدائية:
ترى الجماعة أن المسلم فى هذالمرحلة مطالب بأن يتقن تلاوة القرآن الكريم وأن يحفظ الأجزاء الأخيرة منه:
  • أن يدرس كتابا فى السيرة مثل كتاب سيرة ابن هشام.
  • أن يقرأ رسالة مختصرة عن عقائد أهل السنة والجماعة.
  • أن يتقن فقه العبادات على مذهب من المذاهب الأربعة.
  • أن يحفظ من السنة حوالى أربعين حديثا كالأربعين النووية.
  • أن يقرأ كتابا يتحدث عن معركة الإسلام وخصومه.
  • المرحلة الوسطى:
ترى الجماعة أن المسلم فى ههذ المرحلة مطالب بالآتى:
  • حفظ سورة البقرة مع معرفة تفسيرها.
  • أن يقرأ كتابا فى أصول الفقه.
  • أن يقرأ كتابا كاملا فى الفقه على المذاهب الأربعة.
  • أن يقرأ كتابا موسعا فى العقائد.
  • أن يقرأ كتبا فى تاريخ الإسلام القديم والمعاصر.
  • أن يقرأ كتبا فىالسيرة.
  • المرحلة العليا:
ونهجها يشمل:
  • أن يقرأ كتبا فى أصول الفقه.
  • كتابا فى السنة.
  • اللغة العربية.
  • الثقافة المعاصرة.
  • التاريخ الإسلامى والسيرة وحياة الصحابة.
  • التصوف مثل "إحياء علوم الدين".
  • حاضر العالم الإسلامى.

وهذه المناهج يمكن تحصيلها من خلال الحلقات التي كانت تقيمها الجماعة فى المساجد أو الأندية أو البيوت . وكان يقوم بالتدريس فى ههذ الحلقات معلمون متخصصون فى ههذ المناهج.

والحلقات منها (العام ،والخاص) .

  • الحلقات العامة:
حلقات كانت تقيمها الجماعة مرة فىالأسبوع فى أحد المساجد ويلتزم الإخوان المسلمون من أهل المنطقة أو الحى كلهم بحضور ههذ الحلقات كواجب أسبوعى لا يتخلف.
  • الحلقات الخاصة:
حلقات كانت تقيمها الجماعة لمن يريد أن يتخصص فى علم من العلوم من أعضاء الحلقات العامة.
(ب‌) المناهج الخاصة: وهى مناهج خاصة بتربية الكوادر داخل الجماعة وتشمل منهج العضو المساعد، والعضو العامل والعضو النائب.
  • مناهج تعليم الفتاة:
إيمانا من الجماعة بدور المرأة فى بناء المجتمع من خلال إيجاد جيل إسلامى، فقد اهتمت الجماعة بتعليم الفتاة فأنشأت فى الإسماعيلية "مدرسة أمهات المؤمنين" وانتدبت مدرسات متخصصات يقمن بالتدريس فى هذهالمدرسة، وكان منهاج المدرسة يجمع بين أدب الإسلام وتوجيهه السامى للفتيات والأمهات والزوجات وبين مقتضيات العصر ومطالبه من العلوم النظرية والعملية.
ثم تبع ذلك إنشاء قسم خاص للأخوات المسلمات يتألف من نساء الإخوان وقريباتهم ويقوم بالتدريس فى هذا القسم مدرسات من مدرسة أمهات المؤمنين، وقد وضعت لهذا القسم لائحة تنظم سير العمل به.
وترى الجماعة وجوب التفريق بين مناهج التعليم وأماكنه بين البنين والبنات بعد المرحلة الأولى بحكم تكوين كل منهما ودروه فى المجتمع، وأنالمنهج الذى يتناسب مع المرأة يجب أن يشمل الدين والقراءة والكتابة والحساب وتاريخ السلف الصالح رجالا ونساء وتدبير المنزل والشئون الصحية ومبادىء التربية وريادة الأطفال وكل ما تحتاج إليه فىتنظيم بيتها ورعاية أطفالها.
  • أساليب التدريس:
ترى جماعة الإخوان المسلمين أن من الأسس الهامة التي ينبغى مراعاتها فى أساليب التدريس مراعاة خصائص النمو، فكل مرحلة من مراحل نمو الانسان لها خصائصها المختلفة، الأمر الذى يقتضى اختلافا فى أساليب التدريس حسب كل مرحلة. كما ترى الجماعة أنه لابد من مراعاة الفروق الفردية بين المتعلمين.
وهذه الفروق يجب مراعاتها بين أفراد الجنس الواحد وبينهم وبين الجنس الآخر من جهة أخرى. كما أن وضوح الهدف يساعد المتعلم على تحقيقه. وترى الجماعة أن من الأسس التي يجب توافرها فى طريقة التدريس استغلال كل الامكانيات والقدرات لدى المتعلمين نحو النجاح فى المادة المتعلمة.
ومن أساليب التدريس التي اتبعتها الجماعة لتعليم اعضاءها ما يلى:
  1. استثارة الفضول أو التشويق:بحيث تكون المادة المقدمة للمتعلمين محببة للأنفس، مرغوب فيها ليحرص عليها المتعلمون، كما يراعى فى هذه المادة أن تكون مليئة بالخير.
  2. النصيحة ومعالجة العيب: وذلك بأن يدل المربى إخوانه على عيوبهم بكامل الأدب وغاية اللطف، ومنتهى السرية ليتخلصوا من عيوبهم وفى هذا يقول الأستاذ البنا " لينصح كل منكم أخاه متى رأى فيه عيبا، وليقبل الأخ نصح أخيه بسرور وفرح.. وليستر عليه شهرا كاملا، ولا يخبر بما لاحظه أحد إلا رئيس الأسرة" وقد يلجأ المربى إلى طريقة أخرى لمعالجة الخطأ كأن يدل صاحب الخطأ على كتاب يقرأه يعالج هذا العيب ن ور يجوز للمعلم اللجوء إلى السخرية والتشهير بصاحب الخطأ ، لأن هذا حرام لا يجوز أن يقع فيه المربى.
  3. تعويد المتعلم على إنجاز المهمات والنجاح فيها:ترى الجماعة أن من واجبات المعلم دفع المتعلم نحو أهداف صغيرة يستطيع النجاح فيها، لأن النجاح فى العمال الصغيرة يدفع نحو النجاح الكبير ، كما أن الذين لا ينجحون فى الجزئيات لا ينجحون فى الكليات.
  4. حمل المتعلم على التفكير:لتنمية ملكاته على حل المشاكل وإبداء الرأى والمشاركة العملية فى سير العمل ضمن المرحلة التي فيها المتعلم.
  5. التدرج والانتقال: ترى الجماعة أنه لابد من مراعاة خصائص النمو التي يمر بها المتعلم إذا أن لكل مرحلة خصائصها وطبيعتها، الأمر الذى يقتضى اختلافا فى أساليب التربية والتعليم بحسب كل مرحلة، فالأساليب والوسائل التي ينبغى أن تستعمل فى مرحلة الطفولة غير الأساليب والوسائل التي يجب استعمالها فى مرحلة المراهقة، إذ أنها يجب أن تكون حسية بقدر الامكان فى المرحلة الأولى، وأن تكون عقلية إدراكية فى المراحل التالية.
يصعب على الباحث فى التربية لدى جماعى الإخوان المسلمين ، أن يفصل فى الحديث بين المعلم والمتعلمين لدى جماعة الإخوان المسلمين وذلك لأن المعلم من الممكن أن يكون متعلما بالنسبة لمن فوقه ومعلما بالنسبة لمن دونه فى التربية .
وقد سبق أن قلنا أن مراتب العضوية لدى الجماعة هى:(العضو المساعد، العضو العامل، العضو النائب) . ولكل مرتبة من هذه المراتب منهجها، وشروط لابد أن تتوافر فيمن يشغل أى مرتبة من هذالمراتب، ولا يجوز للعضو أن ينتقل من مرتبة إلى أخرى أعلى إلا بعد أن يتقن علوم المرحلة التي بها..
فالأعضاء المساعدون ممن فى المرتبة الأولى يقوم بتعليمهم الأعضاء العاملين ممن فى المرتبة الثانية، ومع أن ألأعضاء العاملين يقومون بتعليم غيرهم إلا أنهم لم ينقطعوا عن التعليم فلهم منهجهم الذى يدرسونه على يد الأعضاء النواب.
معنى هذا أن المعلم عند جماعة الإخوان المسلمين لا ينتهى تعلمه بمجرد وقوفه من غيره موقف الأستاذ، بل هى و يعطى من علمه لمن هم أقل منه فى المرتبة ثم يواصل طريقه فى العلم دون توقف فأفراد المرتبة الثانية والثالثة هم الذين يقومون بالتعليم واجتذاب العناصر الصالحة إلى الجماعة.
وأيا كانت المرتبة التي يشغلها العضو من المراتب الثلاث، فالكل عليه أن يتعلم، وأن يجتهد فى ان تتوافر فيه خصائص المرحلة التي بها، وحين يتقنها فمن واجبه أن يعلمها لغيره ولا يمنعه وقوفه موقف الأستاذ ان يظل على صلة بالعلم والسعى فى تحصيله.
  • الحاجة إلى المعلم:
إذا كان الانسان لا يستطيع الاستغناء عن معلم يرشده ويعلمه، فإن وجود المعلم لدى الجماعة أمر ضرورى، ذلك أن العضو لا يستطيع أن يرقى من مرتبة إلى مرتبة عليا إلا بوجود هذا المعلم.
  • الشروط التي يجب توافرها فى المعلم لدى الجماعة:
ترى الجماعة أن هناك شروطا لابد من توافرها فيمن سيكون عضوا فى جماعتهم ومعلما لغيره، وفى هذه الشروط ما يشبه الاختبار النفسى لمن سيكون موضعا لأسرارهم، ومن هذه الشروط:
(1) صلاح الفرد للعمل الجماعى:
ترى الجماعة أن هناك اخلاقا متى وجدت تعذر العمل الجماعى المشترك مع أصحابها ومن هذه الأخلاق:
  • الشح المطاع: فمن لم يكن كريما منفقا فى سبيل الله لا يصلح للعمل الجماعى وبالتالى لا يصلح أن يكون مربيا.
  • الهوى المتبع: إذا عجز الانسان عن السيطرة على شهواته وهواه فإنه لا يصلح للعمل الجماعى.
  • الدنيا المؤثرة: إذا لم تكن الآخرة أحب إلىالمسلم من دنياه وما لم يكن يؤثر أعمال الآخرة على أ‘مال الدنيا فإنه لا يصلح أن يكون مربيا.
  • الاعجاب بالرأى : ترى الجماعة أنه إذا تعصب الانسان لرأيه مع رفضه عرض وجهة نظره على بساط البحث فإنه لا يصلح أن يكون معلما.
  • عدم حفظ العهود والأمانات: فالانسان إذا لم يكن حافظا لعهوده مؤديا للأمانات فإنه لا يصلح أن يكون مربيا.
(2) التطهر من الحسد:
ترى الجماعة أن الحسد لا يمكن أن يصلح معه عمل مشترك، فإذا تحاسد الناس افترقوا ولابد من تطهر كل أفرد الجماعة من الحسد إذا ما أريد لهذه الجماعة أن تبقى كتلة واحدة.
(3) التمثل بالصفات التي يستحق صاحبها رحمة الله:
مثل الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، وإقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة. وبعد مرور الأخ فى كافة الاختبارات التي يتصورها الإخوان قادرة على اكتشاف معدنه، فإنه يصبح صالحا لأن يكون عضوا فىالجماعة.
ومن أبرز الصفات التي ينبغى أن تتوافر فى معلم الإخوان ما يلى:
  • أن يكون أمينا على السر مقدما مصلحة الجماعة على مصلحته قادرا على ضبط عواطفه وانفعالاته ، متزنا فى تعامله مع الآخرين.
  • أن يتصف بالرحمة ولين الجانب . فذلك يحبب المتعلمين فيه.
  • التميز بالصبر فلا يضجر حيث لا يفهم المتعلمون.
  • القدرة على كسب ثقة المتعلمين فالذى لا يستطيع أن يكسب ثقة المتعلمين لا يصلح أن يكون معلما.
وقد وجهت جماعة الإخوان المسلمين أنظار المعلمين إلى بعض الأسس التي يجب مراعاتها فى عملهم ومنها:

(أ‌) عدم تفضيل لدوافع الذاتية الشخصية على حساب المبادىء:

قد يغلب على تصرفات البعض تفضيل الدوافع الذاتية الشخصية على حساب العمل الجماعى. فنجد ولاء الانسان لفرد أكثر من ولائه للجماعة، وولاؤه للعواطف الشخصية أكثر من ولائه للمبادىء. وهذه أمور تعوق العمل الجماعى، ومن ثم يجب على المربين أن يعطوا هذه الأمور أهمية كبيرة.
ومعالجة ذلك يكون بالآتى:
  1. أن ننمى عند كل فرد عقلية العمل الجماعى وتقديم الولاء الجماعى على الولاء الفردى.
  2. أن ننمى أخلاق الشجاعة والكرم لدى المتعلمين.
  3. تعميق ثقة افراد الجماعة فيما بينهم.

(ب‌) الاهتمام بمرحلتى الطفولة والشباب:

ترى الجماعة أن هاتين المرحلتيت هماأجود المراحل لغرس الإسلام لقربهما منالفطرة،ومع هذا فالتعامل مع مرحلة الشباب يجعلنا فى خطر التعرض لمجموعة منالمشاكل الكبيرة، مثل مشكلة المراهقة وقد وجهت الجماعة أنظار المتعلمين إلى خطورة مرحلة الشباب وماتتركه من آثار على حياة الاناسن
وأوصت المعلمين باتباع الآتى:
  • تعليق المتعلم بقراءة الأوراد والأذكار وحضور حلقات العلم والاستغراق فى العبادة.
  • توضيح القضايا الفقهية التي تحتاج إليها ههذالمرحلة. *إشاعة جو التعامل الرجولى فة هذهالمرحلة.

(جـ) عدم تملق العواطف لكسب المواقف :

قد يلجأ بعض الأشخاص إلى تملق العواطف كسبا لمواقف معينة أو التغاضى عن أخطاء بعض الناس خشية منانتقامهم وهذا لا يصح أن يكون داخل الجماعة لأنه يعرضها للخطر.

(د) عد التورط:

كثيرا ما تدفعنا عواطفنا إلى اتخاذ مواقف خاطئة أو ترديد كلمات غير مناسبة وهاتان ظاهرتان تطبيقاتهما كثيرة، ويجب معالجتهما أولا فأول . وهذا نموذج على ذلك:
  • ألف بعض الناس من سكان المدن على السخرية من سكان الريف وهذا موضوع يختلط جده بهزله فيجب على المعلم أن يترفع عن مثل هذا ويلزم نفسه ألا يخوض فى هذه المعانى.
وخلاصة الأمر.. أن الفكر التربوى لجماعة الإخوان المسلمين كان مستمدا منفهمهم للاسلام كنظام شامل متكامل ، وبناء على هذا فإنه لابد من ضرورة رجوع تربية المسلم إلى الأصول التربوية الإسلامية لأن الأمة الإسلامية أمة خاصة فى طبيعتها ووضعها..
فهى أمة ذات مبدأ وعقيدة ورسالة. فيجب أن يكون تعلميها خاضعا لهذا المبدأ وههذ العقيدة والرسالة ويكون أداة لإنشاء الأجيال التي تؤمن بهذهالعقيدة وتحمل هذهالرسالة . وكل تربية لا تؤدى هذا الواجب فهى غير إسلامية.ونرى أن هذا الفكر لم يأت بجديد من الناحية النظرية، ولكن كان ترديدا لما ورد فى كتابات تربوية مستمدة من تعاليم القرآن والسنة.

موقف الجماعة من بعض القضايا التعليمية الخاصة

كان لجماعة الإخوان المسلمين رأيها التربوى فى بعض القضايا التربوية الخاصة، نذكر منها ما يلى:

رأى الجماعة فى التعليم الأزهرى

دعت جماعة الإخوان المسلمين إلى دعوة الأزهر إلى دوره القيادى فى نشر الاسلام، نظرا لمكانته البارزة كقلعة للاسلام ومنارة للمسلمين ، حيث حمل رسالة العلم والأخلاق على مدى قرون طويلة.وقد بدأت العلاقة بين جماعة الإخوان المسلمين والأزهر منذ بداية الدعوة، حيث اعتمد الأستاذ البنا على طلاب الأزهر فى نشر دعوته.

ويتحدث الأستاذ البنا عن ههذالعلاقة فى المؤتمر الخامس فيقول:

"الأزهر معقل ادعوة الإسلامية، وموئل الإسلام ، فليس غريبا عليه أن يعتبر دعوة الاخوان دعةته، وأن يعد غايتها غايته، وأن تمتلىء الصفوف الاخوانية والأندية الاخوانية بشبابه الناهض، وعلمائه الأفاضل ومدرسيه ووعاظه، وأن يكون لهم جميعا أكبر الأثر فى نشر الدعوة، وتأييدها والمناداة بها فى كل مكان".

وترى الجماعة أنه لكى يكون طلاب الأزهر مؤهلين لنشر الثقافة الإسلامية والرد على أعداء الإسلام فإنه يجب تعليم اللغات الأجنبية بالأزهر.ولما رفضت المدارس العسكرية قبول طلاب الأزهر شنت صحف الجماعة حملة صفية ضد هذا القرار وأيدت حق التحاق طلاب الأزهر فى هذه المدارس أسوة بغيرهم.

وحينما ثارت قضية أحقية من يقوم بتدريس اللغة العربية فى مدارس الحكومة بين الأزهر ودار العلوم، والتى وقف فيها وزير المعارف "محمد حسين هيكل" بجانب دار العلوم، وقفت الجماعة بجانب الأزهر وطالبوا الشيخ المراغى بألا يجامل الحكومة على حساب الأزهر، وإلا أفلت الزمام من يده فإما أن يدافع عن طلاب الأزهر أو يستقيل.

وقد انتقدت جماعة الإخوان المسلمين نظام التعليم بالأزهر لأنه مفكك الرةابط متباعد الحلقات غير واضح فى غايته، هذا بالاضافة إلى اقتصاره على حفظ موضوعات دينية – دون الاهتمام بالناحية الروحية والوجدانية.

وقد رفع الأستاذ "البنا" مذكرة إلى شيخ الأزهر ضمنها مقترحات الجماعة لاصلاح الأزهر وتشمل المذكرة مقترحات إدارية وفنية.

أولا: المقترحات الادارية:

(أ‌) أن تسعى مشيخة الأزهر على ضم مراقبةالتعليم الابتدائى إلى الأزهر، مع إلغاء مدارس المعلمين والاستعاضة عنها بإنشاء معاهد المعلمين الأزهرية لتخريج المدرسين بالمدارس الابتدائية، ويلتحق بهذه المعاهد من أتموا دراستهم الثانوية.
(ب‌) ضم شعبتى البلاغة والأدب بداء العلوم وقسم اللغة العربية بكلية الآداب إلى الأزهر حتى يتوحد المعهد الذى يتخرج فيه أساتذة اللغة العربية والدين.
(جـ) المطالبة بتقرير تدريس الدين فى كل مراحل التعليم وبأن يكون مادة أساسية فى كل المدارس المصرية.
(د) ضم كلية الحقوق بالجامعة إلى كلية الشريعة بالأزهر.

ثانيا:المقترحات الفنية:

(أ‌) العناية باختيار الموضوعات فى المناهج الأزهرية، مع جعل حفظ القرآن مادة أساسية يمتحن فيها الطالب فى كل محلة من مراحل التعليم.
(ب‌) تحرير المناهج الأزهرية من تقليد غيرها من المناهج والاقتصار فى العلوم الحديثة بقدر ما يحتاج إليه طالب الأزهر منها مع توزيعها بين الأقسام والفرق.
(جـ) العناية فى اختيار المدرسين وترك الحرية للطلاب فى الأقسام العالية فى الحضور على من يريدون من الشيوخ.
(د) ملاحظة أن يكون مدرسو العلوم الحديثة ممن يميلون بفطرتهم إلى الأزهر مع إنشاء قسم إعدادى يلتحقون به مدة معينة يلمون فيها ببعض المعلومات الدينية التي تتصل بدروسهم .
(هـ) العناية باختيار الكتب الدراسية.
(و) اقتصاردراسة اللغات الأجنبية فى الأزهر على الكلية المختصة بنشر الدعوة فى البلاد الإسلامية، على أن تكون فى الأقسام العالية فقط مع مراعاة أن يقوم بالتدريس مدرسون مسلمون.
(ز) العناية بالتربية والاصلاح الخلقى.
(ح) المحافظة على الزى الأزهرى.

وحرصا من الجماعة على ان يظل الأزهر مستقلا، نادت بوجوب أن يكون تعيين شيخ الأزهر من قبل هيئة كبار العلماء لا من قبل الحاكم، لأن هذا يعوقه عن أداء رسالته . وليس من المعقول أن تسعى كل الهيئات والمؤسسات للتحرر من سلطان الحاكم فى الوقت الذى بقى فيه الأزهر بهذه الصورة؛

كما ترى الجماعة أنه يجب إعادة النظر فى قصر تعيين شيخ الأزهر على علماء مصر وحدهم لأن رسالة الأزهر لا تقتصر على مصر وحدها. وسيرا من الجماعة على طريقة توجيه النصح إلى الأزهر ، نشرت صحيفة الدعوة فى الفترة الأخيرة عدة مقالات

توضح تصورات الاخوان للنهوض بالأزهر ومعظمها تدور حول النقاط التالية:

  • توسيع نطاق المعاهد الأزهرية حتى يمكنها استيعاب جميع الناشئين الراغبين فى الدراسة بتلك المعاهد مع توفير الموارد المالية الكافية لتمويل خطة التوسع.
  • توسيع نطاق جامعة الأزهر وزيادة التبادل الثقافى بين الأزهر والجامعات الإسلامية الأخرى فى مختلف بلاد العالم.
  • وترى الجماعة أنه لما كان طابع الدراسة بالأزهر يحتاج إلى جهد ومعاناة كبيرين، فإنه يجب تحويل هذا الجهد إلى شرف اجتماعى يرفع من مكانته فى المجتمع ويعطيه مميزات تعوضه عن هذا الجهد

ومن هذه المميزات ما يلي:

(أ) أن تتاح لطالب الأزهر الحرية في الالتحاق بجميع الجامعات والمعاهد العليا.
(ب) أن يمنح خريجو الأزهر أقدمية سنتين عند التعيين نظرا لطول مدة الدراسة بالأزهر.
(جـ) أن يعاد مبدأ إعفاء حفظة القرآن الكريم من الخدمة العسكرية أو على الأقل تقصير مدتها.

تعليم اللغة العربية

من بين القضايا الهامة التي اهتمت بها جماعة الإخوان المسلمين قضية اللغة العربية . حيث رأت الجماعة أن اللغة العربية فضلا عن كونها لغة القرآن الكريم، التي بها نزل على رسول عربي أكبر دعامة في بناء الأمة، لأنها تؤدى إلى وحدة الفكر. ومما يبين هذا الاهتمام أن الأستاذ البنا أوصى جماعته بالتحدث باللغة العربية لأن هذا شعيرة إسلامية.

وقد حرصت الجماعة على تحدث الناشئين باللغة العربية منذ صغرهم، فحين ألغيت وزارة المعارف عام 1938 تدريس اللغة الأجنبية من منهج السنة الأولى الابتدائية أيدت جماعة الإخوان المسلمين ذلك القرار حيث رأت " أن جهود الناشئين يجب أن تتوجه إلى اللغة العربية حتى إذا تمكنوا منها استطاعوا أن يلموا بغيرها" ومع هذا فإن لجماعة لا تعارض تعلم اللغات الأجنبية، ولكن في مرحلة متأخرة. وترى الجماعة أن هذا هو المعمول به في كل الأمم الأجنبية.

وقد تصدت الجماعة لتلك التيارات التي استهدفت كتابة اللغة العربية باستعمال الحروف اللاتينية كمحاولة " عبد العزيز فهمي" عام 1943 حيث رأت الجماعة أن في هذه المحاولة القضاء على الإسلام ولغته كما هاجمت محاولة "سلامة موسى" التي استهدفت استخدام الحروف الأجنبية كما هلا بدلا من تعريبها.

كما تصدت الجماعة لدعاة التحدث بالعامية، وفندت آراءهم لأن في هذا فقدان الصلة بيننا وبين تراثنا الإسلامى. وقد تناولت مجلة الدعوة في الفترة الأخيرة هذا الموضوع بالنقد والتحليل ، مبينة الآثار السيئة التي ترتبت على هذه الدعوة ومنها:

  • كثر الأخطاء اللغوية حتى أصبحت شائعة على كل لسان.
  • سريان اللحن بكثرة على ألسنة المتحدثين سواء في ذلك الإذاعيون أم لخطباء.
  • عدم احترام مدرسي اللغة العربية.

وترى الجماعة أن على وسائل الإعلام دورا رئيسيا في حماية الفصحى يتمثل في تبسيط قواعد اللغة من خلال وسائلهم ، هذا بالإضافة إلى قصر العمل في هذه الوسائل على من يجيدون التحدث بالعربية الفصحى، كما أنعلى الآباء والأمهات دورا يتعين عليهم القيام به يتمثل في تشجيع أولادهم على المحادثة بالعربية في جميع الأوقات.

موقف الجماعة من حركة التبشير

عملت جماعة الإخوان المسلمين جاهدة منذ نشأتها على مقاومة حركة التبشير لما لها من خطورة ، حيت كانت تلجأ مراكز التبشير ومعاهده إلى استغلال الذين تضطرهم ظروفهم إلى المساعدة فيربونهم وفق تعاليمهم . ويتحدث الأستاذ البنا عن أحد هذه المراكز بالمحمودية فيقول " أنه كان يبشر بالمسيحية في ظل التطبيب والتطريز وإيواء الصبية من بنين وبنات" .

وقد اعتمدت الجماعة في خطتها لمقاومة التبشير على دعامتين:

(أ‌) توعية الجماهير بخطر الاتصال بالإرساليات التبشيرية.
(ب‌) استخدام وسائل عملية من جنس المبشرين.

وقد رفعت الجماعة مذكرة إلى "الملك فاروق" أوضحت فيها خطورة مراكز التبشير ومعاهده في مصر، وطلبت منه مساعدة الجماعة في القضاء على هذه المراكز بالوسائل الآتية:

  • فرض الرقابة الشديدة على مدارس التبشير ومعاهده، وكذا الطلبة والطالبات بها، إذا ثبت اشتغالهم بالتبشير .
  • سحب الرخص من أي مستشفى أو مدرسة يثبت أنها تشتغل بالتبشير.
  • إبعاد كل من يثبت للحكومة أنه يعمل على إفساد العقائد وإخفاء البنين والبنات.
  • الامتناع عن معونة هذه الجمعيات بالأرض أو المال.
  • الاتصال بالوزراء المفوضين في مصر والخارج حتى يساعدوا الحكومة في تنفيذ خطة الحزم حفظا للأمن ومراعاة لحسن العلائق.

الفصل الخامس: تطبيقات الفكر التربوي عند جماعة الإخوان المسلمين

تقديم

لم تكن العقيدة الإسلامية في فكر جماعة الإخوان المسلمين مجرد حقيقة إيمانية يعيشها الإنسان في عالم الضمير، وإنما كانت منهجا وسلوكا في الحياة.

وترى الجماعة أن المسلم ليس بحاجة فقط إلى أن نعلمه ألفاظا وشعارات يرددها أو أن نعرفه حقوقه وواجباته، وإنما علينا أن نسلك به المنهج الناجح لاستنفار مواهبه وتقويم معرفه، ويكون ذلك في شكل واقعي ملموس لتحقيق دوره في الحياة وبناء حضارته.

والتربية في فكر الجماعة أحد دعائم النهضة الشاملة، فحين تربى الأمة وتفهم حقوقها وتتعلم الوسائل التي تنال بها هذه الحقوق، تكون قد وضعت نفسها على الطريق الصحيح لنهضتها ومن أجل هذا عنى الإخوان المسلمون بالتربية التي تتلاءم مع مبادئهم وأهدافهم العليا بحيث تنتج هذه التربية تميزا لمبادئهم عن كل مبادئ تغايرها.

وقد أخذت الجماعة بأساليب عملية في التكوين والتربية وذلك بإنشائها بعض المؤسسات التربوية، وبعض الأنظمة والأنشطة الثقافية والرياضية، حتى يمكن إيجاد الشخصية المسلمة التي تتوخاها الجماعة ولم تقتصر هذه الأساليب على مرحلة عمرية معينة بل شملت كل المراحل.

وفى هذا الفصل نتحدث عن بعض الأنظمة التربوية التي أقامتها الجماعة لتربية أعضائها ومنها:

  • مدارس الجمعة.
  • معهد حراء الإسلامى.
  • نظام الكتائب.
  • نظام الأسر.
  • مدرسة أمهات المؤمنين.
  • فرقة الأخوات المسلمات.
  • جهود الجماعة في تربية الكوادر اللازمة لها.

مدارس الجمعة

وتقوم فكرة هذه المدارس على أن يجتمع أطفال حي في مسجدهم صباح كل يوم جمعة، حيث يتلقون على يد معلم من الإخوان دروسا في مبادئ الدين، والتاريخ الإسلامى في صورة قصصية، مع بعض الألعاب الرياضية، فإذا حان وقت الصلاة ذهبوا جميعا إلى مكان الوضوء،حيث يقوم المعلم بتعليمهم كيفية الوضوء ثم يؤدون فريضة الصلاة وينصرفون.

وكان منهاج هذه المدارس يشتمل على:

  • التربية الروحية.
  • المعلومات العامة.
  • التربية البدنية.
  • التربية الروحية:

وتشتمل على:

  • العبادات
  • القصص
  • الأناشيد
  • التمثيل
  • المحفوظات
  • كلمة الأسبوع

(1)العبادات:

وتشتمل على:
  • الطهارة
  • الوضوء.
  • الصلاة
  • الصوم.
  • الطهارة:
حيث كان يقوم المعلم بإرشاد عام في الماء الطاهر وطهارة البدن، بدون التعرض للتفاصيل مع بيان الأحكام الفقهية في ذلك.
  • الوضوء:
يقوم المعلم بأداء الوضوء عمليا أمام الأطفال مع شرح فوائده الصحية وبيان نواقضه.
  • الصلاة:
يرشدهم المعلم إلى كيفية أداء الصلوات الخمس، مع بيان الحكمة في الصلاة.
  • الصوم:
يرشدهم إلى مبطلات الصوم.

(2) القصص:

كانت تقدم للأطفال بعض القصص التي تركز على الأخلاق الحميدة والعادات الحسنة ومن تلك القصص:
(أ‌) سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم:
وكان المعلم يركز على :
  • عادات الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته الخاصة. *معاملاته مع المسلمين وغير المسلمين.
  • قصص عن حبه للأطفال كالحسن والحسين وزيد بن حارثة.
(ب) تراجم لأشهر الصحابة:
كقصة أبى بكر وهجرته مع الرسول صلى الله علية وسلم وتبرعه بماله في سبيل الإسلام ، وقصة إسلام عمر وعدله وحبه للرعية، وتفقده لأحوال المسلمين وقصة عثمان بن عفان في عام المجاعة.
(جـ) الغزوات:
كغزوة بدر ، وغزوة احد، والخندق.
(د) قصص الأبطال الصغار الممتازين في التاريخ الإسلامى، ودراسة طفولة عظماء الإسلام، كطفولة النبي صلى الله عليه وسلم وما فيها من خلق وطهارة طفولة على بن أبى طالب وجهاده في الإسلام.
(3) الأناشيد:
من الدروس المحببة للأطفال لموسيقيتها وسهولة حفظها وإمكان أدائها في جماعة . وكان المعلم يمهد للنشيد بقصة في موضوعه ويتخير المناسبة التي تتفق والنشيد. وكان الأطفال يرددون أناشيد دينية ووطنية وأخرى تدعو إلى حب الطبيعة.
نموذج لنشيد ديني:
الصلاة بالصلاة
اطلبوا عون الله .

حيثما يشدوا المؤذن

قائلا الله أكبر

عندها الرحم يأذن

والجلال الحق يظهر

تفتح الجنات

تهبط الرحمات

تخشع الأفلاك

من صدى الله اكبر

(4) التمثيل:
يشبع التمثيل بعض النزعات الفطرية العامة كالتقليد، وهو طريقة لدراسة ميول الأطفال واتجاهاتهم ومن التمثيليات التي قدمتها الجماعة.
  • قصة قطع يد السارق: وهى تمثيلية تمثل حالة الناس في ظل الحكم الإسلامى، وحالتهم بدونه، وفيها دعوة للتمسك بمبادئ الدين، فضلا عما فيها من مواقف فكاهية.
(5) المحفوظات:
كان المعلم يلزم الأطفال بحفظ أجزاء من القرآن الكريم مع حفظهم أناشيد المنهج الدراسي المقرر عليهم بالمدرسة.
  • المعلومات العامة:
وتشمل: القراءة والكتابة والحساب ومبادئ الصحة العامة، مع معرفتهم لبيئتهم المحلية.
  • التربية البدنية:

حيث يخرج المعلم ومعه التلاميذ إلى مكان فسيح ويقوم بأداء بعض الألعاب والتمرينات الرياضية أمامهم ثم يكلفهم بأدائها.

ومن نماذج التمرينات الرياضية التي كانت ترى الجماعة أنها تتناسب والأطفال في سن السابعة والثامنة:

  • الجري ثم الوقوف عند سماع الصفارة.
  • الحجل على إحدى الرجلين مع التبديل .
  • الوقوف على رجل واحدة مع رفع الزراعيين جانبا.

معهد حراء الإسلامى

أنشأت الجماعة هذا المعهد عام 1931 بالإسماعيلية، وهو عبارة عن مدرسة يتلقى فيها التلاميذ الدين والقراءة والحساب والعلوم والجغرافيا والتاريخ إضافة إلى مبادئ التربية الصناعية التي كانت تدعم بالتربية العملية حيث كان للإخوان بعض الورش والمصانع. وقد تعهد أصحابها بتعليم هؤلاء التلاميذ بعض الصناعات والمهن تحت إشراف المعهد.

وكان للتلاميذ زى خاص اشترطت الجماعة أن يكون من صناعة وطنية، وهو عبارة عن جلباب ومعطف وطربوش أبيض وحذا.وكانت الدراسة تبدأ في وقت مبكر جدا، وتستمر حتى صلاة العصر مع الجماعة.

وقد فرضت على التلاميذ مصروفات دراسية ، وكان يقوم بالتدريس في هذا المعهد نخبة من المدرسين الفنيين ذوى المؤهلات والشهادات العالية.

وقد عرفت الجماعة نظام "اليوم المفتوح" حيث يخرج التلاميذ إلى الحقول والمزارع للتعرف على الطبيعة كما كانت هناك دروس تلقى بعيدا عن جو الفصل.

نظام الجوالة

يعد هذا النظام أول عمل تنظيمي خاص إقامته الجماعة ولعلها محاولة لبلورة النشاط الرياضي والاجتماعي الذي اهتمت به الجماعة مقتدية بالحديث "المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف" وبالحكمة القائلة " العقل السليم في الجسم السليم" هذا بالإضافة على إعداد الإخوان للقدرة على تحقيق مفهوم الجهاد.

وفى أعقاب المؤتمر الثالث للإخوان المسلمين عام 1935 زاد الاهتمام بفرق الجوالة فأصدرت الجماعة لائحة عامة تنظم سير العمل بهذه الفرق. كما كان لظهور تشكيلات القمصان الخضراء "مصر الفتاة" والقمصان الزرقاء "الوفد" أثره في اهتمام الجماعة بذاك النظام.

وقد وضعت الجماعة برنامجا دراسيا لفرق الجوالة يشمل:

  • الرياضة البدنية.
  • التدريبات العسكرية.
  • الرحلات.
  • إقامة المعسكرات.

(أ‌) الرياضة البدنية وتشتمل:

  • تدريبات سويدية.
  • العدو لمسافة من 100 إلى 500 متر.
  • القفز من ارتفاع خمسة أمتار .
  • تسلق الجبال والأعمدة الرأسية.
  • المصارعة اليابانية.
  • قيادة السيارات .
  • والسباحة.
(ب‌) التدريبات العسكرية.
اهتمت جماعة الإخوان المسلمين بالتدريبات العسكرية لتحقيق مفهوم الجهاد في الإسلام، وقد تركزت تلك التدريبات على فنون القتال المختلفة. وقد لعبت تشكيلاتهم العسكرية دورا بارزا في معارك القناة عام 1951 ضد القوات البريطانية تمثل في نسف المعسكرات وقطع خطوط الإمداد والتموين وفتح المعسكرات لتدريب القوى الشعبية على أعمال المقاومة.
(جـ) الرحلات:
  • رحلات ثقافية لزيارة المصانع.
  • رحلات نيلية بالسفن الشراعية .
  • رحلات قمرية بالدراجات والموتسيكلات.
(د) المعسكرات: حيث تقيم كل فرقة معسكرا لمدة أسبوع على أن يشتمل برنامج المعسكر برامج دينية ،ثقافية،ووطنية.

نظام الكتائب

عبارة عن مجموعات تضم كل مجموعة أربعون عضوا يلتقون معا ليلة كل أسبوع، حيث يقضون الليل في العبادة وتلاوة القرآن الكريم وتفسيره، وقراءة بعض الأوراد والأدعية مثل "ورد الوظيفة" ، " الورد القرآني"، " الأدعية".

  • ورد الوظيفة:
عبارة عن مجموعة من الآيات القرآنية، وبعض الأدعية المأثورة المتعلقة بحمد الله على نعمة الإسلام، والاستعانة بقدرته والاستعاذة من شر ما خلق وابتهالات بالهداية في الدين والدنيا والآخرة.
  • الورد القرآني:
لم يتحدد مقدار هذا الورد نظرا لاختلاف ظروف الإخوان وأحوالهم والمهم لابد من قراءة شيء من القرآن.
  • الأدعية:
عبارة عن مجموعة من الدعوات المأثورة يرددها العضو في أوقات مختلفة وكان يوزع على كل فرد جدول يسمى " جدول المحاسبة" وهو عبارة عن هيئة أسئلة يوجهها الشخص إلى نفسه في نهاية اليوم، وتكون إجاباته عنها بنعم أو لا، ليعرف مدى محافظته أو تقصيره فإن وجد خيرا حمد الله، وإن كان غير ذلك استغفر وتاب ..

وإن هذه الأسئلة:

هل أديت الصلاة في أوقاتها؟
هل أديتها في جماعة؟
هل تلوت وردك اليومي من القرآن؟
هل زرت أخا لك في الله؟
وكان من شعار هذا النظام الامتناع عن تناول المكيفات من شاي وقهوة، فضلا عن التدخين.

نظام الأسر

بدأ تنفيذ النظام عام 1934 في ظل التزايد الواسع للعضوية، وهذا النظام من أهم نظم التربية لدى جماعة الإخوان وهو عبارة عن هيئة وحدات تضم كل وحدة عشرة أفراد، ولكل أسرة نائب يرأسها يكون مسئولا عنها أمام قيادة الفرع، وكل أربع أسر تكون عشيرة، يرأسها نائب الأسرة الأولى، وكل خمس عشائر تكون رهطا.

وكانت كل أسرة تعقد اجتماعاتها في منازل أعضائها بالتناوب، لمناقشة بعض الأمور، حيث تمارس معا العبادات وقراءة القرآن، والأوراد، مع تقديم كل عضو كشفا من نشاطه وعمله وماله.

وكان على عضو الأسرة مجموعة من الواجبات مقسمة إلى ثلاثة أقسام:

  • الشخصية .
  • الاجتماعية.
  • والمالية.
  • الواجبات الشخصية:
  • إخلاص النية لله وتجديد التوبة مع ورد المظالم إلى أهلها .
  • المواظبة على الورد القرآني والأدعية المأثورة قدر الإمكان.
  • البيعة على السمع والطاعة والصبر والثبات في سبيل الفكرة.
  • عدم التأخر عن اجتماعات الأسرة إلا بعذر قاهر لا يمكن دفعه.
  • المحافظة على الصلوات الخمس في أوقاتها.
  • أداء الزكاة مع استشارة الأسرة في طريق التصرف فيها.
  • الحج متى كان قادرا.
  • أن يعتبر الأخ نفسه جنديا للدعوة، ويشعر بأن لها حقا في نفسه ووقته وماله.
  • أن يطبع بيته بالطابع الإسلامى.
  • أن ينتهز الفرصة المناسبة ويعاهد زوجته على العمل للدعوة.
  • الواجبات الاجتماعية:
اهتمت اللائحة التي وضعتها الجماعة لنظام الأسر بالواجبات الاجتماعية لتأكيد روابط الإخاء بين أفرد الأسر ، فأوجبت أن تجتمع كل أسرة ليلة في الأسبوع، وأن يبيت أعضاء كل أسرة معا ليلة كل شهر في مكان واحد على هيئة معسكر كشفي، كما أوجبت اللائحة على أن يجتمع أفراد كل أسرة في صلاة العشاء والفجر لتأدية الصلاة في جماعة.
  • الواجبات المالية:
أوجبت اللائحة تكافل كل أسرة فيما بينهم لتحمل أعباء الحياة، كما نصت اللائحة على أن يكون لكل أسرة صندوق مالي تجمع فيه تبرعات أعضاء الأسرة ثم يرسل خمس إيراده إلى الشعبة.

وقد حددت الجماعة بعض الأمور التي يجب أن تشغل بها الأسرة أثناء اجتماعاتها وهى:

  • أن يعرض كل أخ مشاكله ليشاركه إخوانه في دراستها وإيجاد الحلول لها .
  • مذاكرة شئون المسلمين ومدارسة التوجيهات الواردة من القيادة العامة للأسر.
  • مدارسة نافعة في كتاب من الكتب المفيدة.

ولزيادة الروابط بين ألأفراد الأسرة كان لكل أسرة برنامج عملي يتمثل في:

  1. رحلات ثقافية لزيارة الآثار والمصانع.
  2. رحلات قمرية رياضية.
  3. رحلات نهرية للتجديف.
  4. رحلات بالدراجات أو الخيل.
  5. صيام يوم في الأسبوع والإفطار معا.
  6. صلاة الفجر جماعة مرة كل أسبوع على الأقل بالمسجد.

من وراء هذا النظام وتهدف الجماعة إلى ما يلي:

  1. أن تكون الجماعة فاهمة دينها فهما جيدا مؤمنة به إيمانا عميقا.
  2. أن يكون صف الجماعة منتظما والتعارف بينها كاملا على أساس من التناصح والطاعة في المعروف.
  3. أن يقوم التعاون بين أعضاء الجماعة على أساس اسلامى عملي، يحمل فيه الرد أعباء الجماعة وتحمل الجماعة أعباء الفرد.

وقد عبر الأستاذ البنا عن هذه القضايا الثلاث بقوله "التفاهم،المؤاخاة،التكافل" .

مدرسة أمهات المؤمنين

إيمانا من الجماعة بدور المرأة ف بناء الأسر المسلمة أنشأت عام 1933 مدرسة أمهات المؤمنين. وكان منهج المدرسة يشمل الدين والقراءة والكتابة والحساب وتاريخ السلف الصالح رجالا ونساء وتدبير المنزل والشئون الصحية ومبادئ التربية وريادة الأطفال وكل ما تحتاج إليه في تنظيم بيتها ورعاية أطفالها رعاية حسنة، وكان يقوم بالتدريس مدرسات متخصصات من أبناء الإسماعيلية.

فرقة الأخوات المسلمات

تألفت هذه الفرقة في المحرم 1352 هـ (2 أبريل 1933) من نساء الإخوان المسلمين وقريباتهم .وكان الغرض من تكوين هذه الفرقة كما حددتها لائحة فرقة الأخوات المسلمات "التمسك بالآداب الإسلامية والدعوة إلى الفضيلة وبيان أضرار الخرافات الشائعة بين المسلمات". وكانت الفرقة تستعمل في نشر دعوتها وسائل عددية منها الدروس والمحاضرات والنصح الشخصي والكتابة والنشر.

وكانت تحصل من أعضاء الفرقة اشتراكات مالية اختيارية حسب القدرة وتحفظ في عهدة إحدى الأخوات للإنفاق منها على مشروعات الفرقة. واتسعت بعد ذلك نواحي نشاط الفرقة بإنشاء أول لجنة تنفيذية للأخوات المسلمات في أبريل 1944 فشملت ما يلي:

  1. المساهمة في المشروعات الاجتماعية النافعة بالقدر الذي يتناسب مع ظروفهن وجهودهن ومن هذه المشروعات:" المستوصفات ودور الطفولة، ورعاية الأطفال اليتامى، وتنظيم مساعدة الأسر الفقيرة".
  2. المعاونة في حدود ظروفهن في نشر فكرة الإخوان المسلمين .

وقد وجهت الجماعة إلى أعضاء الفرقة مجموع من النصائح مثل :

  • أن يكون لها ورد يومي من كتاب الله وأن تحسن تلاوة القرآن والاستماع إليه والتدبر في معانيه.
  • أن تكون صادقة الكلمة في تكذب.
  • أن تكون رحيمة القلب، ترفق بالإنسان الحيوان محافظة على الآداب الإسلامية.
  • أن تجيد القراءة والكتابة وأن تكثر من المطالعة في رسائل الإخوان وجرائدهم ومجلاتهم.
  • أن تدخر للطوارئ جزءا من دخل البيت مهما قل وألا تتورط في الكماليات.

خلاصة الأمر..

إن الفكر الاخوانى لم يقتصر على الرأي والفكرة النظرية وإنما انطلق ليعبر عن نفسه من خلال الممارسات العملية فأقامت الجماعة بعض المؤسسات التربوية لتربية أعضاءها على أنواع من السلوك والقيم تتفق وأهداف الجماعة.

جهود الجماعة في تربية الكوادر اللازمة لها

اهتمت جماعة الإخوان المسلمين بتربية كوادر خاصة بها حتى تضمن لنفسها صفة البقاء والاستمرار فكانت تقوم بنشر دعوتها بين الناس ووسيلتها في ذلك الوعظ والإرشاد تارة أو إقامة المنشآت النافعة تارة أخرى .. إلى غير ذلك من الوسائل العلمية وقد لعبت شعب الإخوان وصحفهم دورا رئيسيا في التعريف بالجماعة .

ويتصل بالجماعة في هذه المرحلة من أراد من الناس متى رغب في المساهمة في أعمالها ووعد المحافظة على مبادئها وتسمى هذه المرحلة مرحلة التعريف ثم تأتي بعد ذلك مرحلة التكوين وذلك باستخلاص العناصر الصالحة للتربية على العضوية داخل الجماعة .وبوقوع الاختيار على العضو تبدأ الجماعة في تربيته وفق مبادئها وعلى حسب درجات عضويتها " مساعد ،عامل ،نائب " .

وعلى هذا .. يمكن تسمية هذا النوع من التربية ،بالتربية الخاصة ،وفق مبادئ وآراء وقيم وعلوم تميز الإخوان دون غيرهم .وقد وضعت الجماعة مناهج خاصة بالتربية على العضوية داخل الجماعة لتكملة أي نقص في المناهج العامة .

فبعد تأكد الجماعة من استقطاب الأفراد إلى الحلقات العامة والخاصة تبدأ في إجراء عمليات انتقاء دقيقة لعناصر تصلح للانضمام للجماعة , وتربيتهم على العضوية داخل الجماعة .

ويمكن تقسيم هذه المناهج إلى الأقسام التالية:

  • منهج العضوية الأولى "العضو المساعد" :
ترى الجماعة أن العضو في هذه المرحلة مطالب بدراسة الآتي:
  • دراسة المنهج العام الخاص بالمرحلة الابتدائية .
  • دراسة محاضرات الوعظ والإرشاد وطرق الدعوة والخطابة .

هذا ولا يمنح العضو رتبة العضو المساعد إلا بعد التزامه بالنواحي العملية التالية:

  • إعطاؤه الولاء للجماعة وألا يكون له أي ارتباط بحزب أو جماعة أو هيئة إلا بإذن .
  • قيام العضو بفروض الإسلام واجتناب نواهيه .
  • أن يتطوع باشتراك مالي للجماعة يحدده ولو كان رمزيا .
  • أن يدعو للإسلام ويدافع عنه ويلتزم بمواقف الجماعة وآرائها في القضايا العامة .
  • منهج العضوية الثانية "العضو العامل":
والعضو في هذه المرحلة مطالب بالآتي:
  • أخذ صفة العضو الأولى .
  • دراسة رسالتي التعاليم والجهاد للأستاذ حسن البنا .
  • دراسة حرة في سورتي الأنفال والتوبة من كتاب "في ظلال القرآن" لسيد قطب . هذا بالإضافة إلى التزام العضو بالنواحي العملية التالية:
المواظبة على حضور اجتماعات الجماعة .
إلزام منزله بمبادئ الإخوان المسلمين .
الاشتراك المالي المحدد للجماعة والقيام بالواجبات التعاونية الأخرى .
إلزام التحدث بالعربية الفصحى إن كان قادرا على ذلك .
أن يسعى لتكون له اللياقة الجسمية الكاملة بإتقانه فروعا من الرياضة البدنية .
البعد عن كل ما هو غير إسلامي في العبادات والمعاملات.
أن ينفذ ما يؤمر به ما دام في حدود الطاعات .
  • منهج العضوية التالية "العضو النائب":
ترى الجماعة أن العضو في هذه المرحلة مطالب بأن يأخذ أكبر قسط من الثقافة الإسلامية في كافة فروعها هذا بالإضافة إلى أخذه صفة العضويتين السابقتين مع التزامه بالنواحي العملية التالية:
  • حمل المصحف الشريف دائما ليذكره بواجباته .
  • أن يحرص على الزى والهيئة الإسلاميين مع إلزام أهل بيته بذلك .
  • أن ينجح في مجموع مهمات يكلف بها في حقل الدعوة العملي والتنظيمي .
  • الاشتراك في صندوق الدعوة .
  • أن يقوم برحلة طويلة في بلده منفردا أو مع آخرين للتعرف على أكبر قدر من المجتمع والناس .
  • أن يعطي البيعة على الطاعة في العسر واليسر .

ويمكن للعضو تحصيل هذه المناهج من خلال "نظام الأسر ،الكتائب ،والجوالة" وإذا حقق العضو كل الشروط المطلوبة لمرحلة العضوية يرشح اسمه لإعطائه صفة العضوية ثم تقوم الجهة المختصة والممثلة في قيادات الجماعة للمنطقة التي يقيم بها من يرغب في العضوية بدراسة الأمر

ثم تقرر منحه رتبة العضوية أم عدم منحه على ضوء التحقق بشروط العضوية في العضو وإذا تقرر منحه العضوية فهو مخير بين أن يبقى عضوا مساعدا أو أن يسير في طريق التربية على العضوية الثانية .

وكان على أعضاء الجماعة على اختلاف درجات عضويتهم الالتزام ببرنامج عملي يؤدي في خلال "اليوم والليلة ،والأسبوع ،والشهر ".

أولا :مظاهر الأعمال الإسلامية في اليوم والليلة:

  • الصلاة في جماعة .
  • قراءة أوراد الجماعة وتشمل " ورد الوظيفة ،الورد القرآني ،والأدعية " .
  • قراءة في كتاب نافع يحدد له وقتا خاصا مع تلخيص ما قرأه .
  • مزاولة أي نوع من أنواع الرياضة .
  • صلاة الوتر قبل النوم .
  • محاسبة النفس وذلك من خلال استعراض أعماله اليومية .

ثانيا:مظاهر النشاط الأسبوعي :

ليلة الدرس : وهو أن يخصص العضو ليلة في الأسبوع للمذاكرة مع إخوانه لترتبط القلوب وتتغذى الأرواح بغذاء واحد .
ليلة الكتيبة : حيث يبيت الإخوان مرة كل أسبوع أو أسبوعين لقيام الليل وترديد الأوراد وقد حثت الجماعة على الاعتناء بهذه الرياضة الروحية .
  • يوم المعسكر : حيث التدريب للجهاد لأنه فريضة من فرائض الإسلام وقد أوصت الجماعة بخروج أعضاء كل منطقة في عرض عسكري للتدريب .

ثالثا:مظاهر النشاط الشهري :

  • يوم النصيحة: وفيه يقسم الإخوان أنفسهم ليقوموا بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالتي هي أحسن فيتعرفون على مواطن الضعف الخلقي في الأفراد المجاورين لهم فيزورونهم ويبذلون لهم النصيحة في رفق وهوادة .
  • يوم الآخرة: حيث يخرج الإخوان إلى المقابر للعظة والاعتبار ومحاسبة النفس .
  • يوم العيادة: حيث يخرج الإخوان لعيادة المرضى من المسلمين فيدخلون عليهم السرور .
  • يوم التعارف: يقيم الإخوان كل شهر حفلا تتجلى فيه البساطة بقدر الإمكان يجتمعون فيه بإخوانهم الذين لا تمكنهم ظروفهم من التردد على دارهم كثيرا وهذا مما يدعم أواصر الإخوة بينهم .

الفصل السادس: الخلاصة

إذا كان النظام الاجتماعي والثقافي والاقتصادي الذي يعيش فيه ألأفراد هو مجال التربية فمن الممكن القول بأن جماعة "الإخوان المسلمين" قد عاشوا في مجتمعهم وانفعلوا بكل ما فيه ولكن على طريقتهم حيث كان لهم بعض التحفظات على النهج الذي يسير عليه المجتمع، وعلى الفلسفة التي تشكل أسسه.

وانطلاقا من مفهوم الجماعة بـأن الإسلام يقدم نظرية متكاملة لبناء المجتمع سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، أخضعت الجماعة الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للمجتمع المصري للتأمل والنقد، ثم عمدوا إلى اختيار قيم وتصورات وسعوا لتحويلها إلى واقع سلوكي وذلك من خلال الممارسات العملية.

وانطلاقا من هذا المفهوم الإسلامى قدمت الجماعة تصوراتها لنقد مختلف التيارات الإقليمية التي كانت تدور حول فكرة القومية والوطنية والجامعة العربية، ودعت لفكرة الجامعة الإسلامية ودولة الإسلام.

ولم يقف الإخوان عند حد الفكر النظري، ولكن سعوا إلى إيجاد الدولة الإسلامية لكونها الإطار الطبيعي لتطبيق الشريعة الإسلامية وذلك من خلال إيجاد الفرد المسلم والأسرة المسلمة والأمة المسلمة.

والتربية لدى الجماعة تشمل كل المؤثرات في حياة الشخص وهى عملية توجيه وتهذيب واعية مقصودة تصل بالفرد إلى الكمال الانسانى وترشده إلى حقوقه وواجباته. والتربية لدى الجماعة وإن كانت خاصة بالصفوة القادرة على الانضمام للجماعة، إلا أنها مسئولية اضطلعوا بعبئها وعمدوا لنشر مبادئهم لأجل أن يتزايد عدد المنضمين إليهم وكان ذلك جزء من واجبات عضو الجماعة.

والسياسة التربوية الرشيدة في فكر الجماعة هي التي توفر كل الأساليب العملية وتهيئ الشروط النفسية والمادية الكفيلة بظهور الإنسان المسلم ذكرا كان أم أنثى ، وترى الجماعة أنه لن تصل إلى هذا الهدف هدف بروز الإنسان المسلم إلا بتصحيح الفهم لعقائد الإسلام وتصوراته للكون والإنسان.

فقد لحق هذه التصورات فساد التأويل ، مما ترتب عليه استغلال الإسلام ضد طبيعته وروحه، لعرقلة انبعاث الشخصية المسلمة. ولا تنظر الجماعة إلى الكائن البشرى من حيث أنه ذو طبيعة جسمية أو أنه طبيعة روحية أو أنه طبيعة انفصالية ثنائية فحسب، وإنما يتكامل فيه الجانب الجسدي مع الجانب الروحي في وحدة واحدة.

ولم تهدف التربية الاخوانية ما استهدفته التربية المثالية من تقوية الروح على حساب الجسد، وإنما عنيت الجماعة بالجسد قدر عنايتها بالروح، لأن الجسد مطية الإنسان للوصول إلى أهدافه كما أنه من خلاله يستطيع الفرد تحقيق مبدأ الجهاد الذي يعد ركنا هاما في فكر الجماعة.

وتهدف التربية الاخوانية إلى إعداد المسلم ليكون عبدا صالحا يطيع أوامر الله وينتهي بنواهيه، وبنفس القدر من الاهتمام تهدف التربية الاخوانية إلى إعداد المسلم لحياة الدنيا وتربيته التربية السليمة ليمارس دوره كاملا في الحياة ، لأن الإعداد للحياة الآخرة لا يعنى عدم الإقبال على الحياة الدنيا والعمل فيها فجزاء الناس في الآخرة متوقف على عملهم في الدنيا.

ومن الطبيعي أنه إذا كان من أهم أهداف التربية الاخوانية إعداد المسلم للفوز بنعيم الله، وإذا كانت التربية الخلقية تساعد على ذلك، فإن معرفة المسلم بدينه تصبح أول وأهم مكونات مادة التعليم ومن هنا كان الاهتمام في التربية الاخوانية بعلوم الدين، وصارت علوم القرآن والحديث المحور الأول الذي تدور حوله التربية الاخوانية.

ومن جانب آخر، فإن الفكر الاخوانى رأى في العلم مفهوما واسعا لا يقف عند حد المعارف الدينية أو الشرعية، ولكن يشمل جميع المعارف والمهارات والاتجاهات، ومن هنا كان تجاور العلوم الدنيوية جنبا إلى جنب مع العلوم الدينية، جزءا من منهجهم التربوي حيث أن كلا مهم لإعداد المسلم لدنياه وأخراه.

وإذا كانت التربية الاخوانية تستهدف نمو الإنسان المسلم من جميع جوانبه، وإذا كان الفكر الاخوانى يرى أن النمو في جانب مرتبط بالنمو في الجوانب الأخرى، فإن التربية الاخوانية يجب أن تسلك في تنشئتها للمسلم أساليب مختلفة فهي تستخدم أساليب الحفظ والاستظهار لحفظ القرآن الكريم والحديث الشريف، كما أنها تستخدم أساليب القدوة والنصيحة .هذا بالإضافة إلى تمكين المتعلم من ممارسة العمل.

ولم تنظر الجماعة إلى الفرد من حيث أنه وحدة معزولة عن غيرها من الناس، ولكن باعتباره فردا في جماعة يتفاعل معها وتتفاعل معه، وله حقوق فيها وعليه واجبات إزاءها. وللجماعة أيضا حقوق عليه، ومسئوليات نحوه. ومن هذا فإن الجماعة تحترم حقوق الفرد احتراما كبيرا، ولكنها تربط هذه الحقوق بمصلحة الآخرين بحيث لا تطغى هذه الحقوق على مصالح الجماعة.

وقد تميزت التربية الاخوانية بالروح الديمقراطية ، فقد جعلت العلم للجميع بلا تمييز ولا تفريق عكس ما استهدفته التربية المثالية من تعليم الأحرار أو هؤلاء الصفوة الذين يكونون فى المستقبل فئة الفلاسفة والحكماء الذين سوف يتولون إدارة الحكم والمجتمع.

وقد اهتمت الجماعة بوضع المناهج الثقافية لتربية أعضاء الجماعة على أنواع من السلوك والقيم، تتفق وأهداف الجماعة وقد فصلت الجماعة بين المناهج العامة التي ينبغي على كل مسلم أن يكون ماما بها ، وبين المناهج الخاصة بتربية الكوادر داخل الجماعة على مراتب العضوية.

وقد راعت الجماعة في مناهجها أن تجمع بين الجانب النظري والجانب العملي مع مراعاة الفصل في أماكن التعاليم ومناهجه بين الذكور والإناث بعد المرحلة الأولى.

وللمعلم في فكر الجماعة أهمية كبيرة فهو حجر الزاوية في العملية التعليمية وعليه يتوقف نجاح أو فشل السياسة التعليمية ومن هنا فإن الجماعة قد راعت فيه الإعداد الأكاديمي والمهني، هذا بالإضافة على تمتعه بخصائص وصفات خلقية معينة.

على أنه ليس معنى ذلك أن هذا الاهتمام كان موجها إلى تربية الكوادر داخل الجماعة فقط، وإنما اهتمت الجماعة بالتعليم الرسمي الممثل في التعليم العام الحكومي. فوجهت الجماعة الكثير من الانتقادات إلى ذلك النظام . وقد انطلق هذا الانتقاد من رؤيا خاصة هي تقويم التعليم بالأثر الذي يحدثه في التكوين الديني للنشء.

فلم تجد الجماعة لأي من الأنظمة التعليمية القائمة ذلك التأثير كما انتقدت الجماعة نظام التعليم بالأزهر لاقتصاره على حفظ موضوعات دينية دون الاهتمام بالناحية الروحية والوجدانية ولم يقتصر الفكر الاخوانى على الرأي والفكرة النظرية وإنما انطلق ليعبر عن نفسه من خلال ممارستهم العملية فأنشأت الجماعة بعض المؤسسات التربوية لتربية أعضاء الجماعة، ولم تقتصر هذه المؤسسات على مرحلة عمرية معينة وإنما شملت كل المراحل.

ومن أهم المبادئ التربوية التي تبين معالم الفكر التربوي لدى الجماعة:

(1) التربية السياسية:
أحد الجوانب الهامة التي عنيت بها التربية الاخوانية، وهذا الجانب يمثل أحد السمات التي ميزت دعوة الإخوان المسلمين عن غيرها من الجماعات الإسلامية الأخرى. ومن خلال تأكيد الجماعة لهذا الجانب استطاعت تربية جيل يدرك الأبعاد السياسية لما يدور حوله، مع مشاركته في القضايا الوطنية التي مرت بها البلاد.
(2) التربية العسكرية:
أحد جوانب التربية التي اهتمت بها الجماعة وذلك لإعداد الشباب على تحمل حياة الخشونة والرجولة وأعباء الجهاد. وقد استطاعت الجماعة من خلال تربيتها العسكرية تقديم نموذج طيب من الشباب كانوا على مستوى عال من الكفاءة العسكرية وقد أبلى هؤلاء بلاءا حسنا في حرب فلسطين.
(3) استمرارية التربية:
فالمعلم لدى جماعة الإخوان المسلمين لا ينتهي تعلمه بمجرد وقوفه من غيره موقف الأستاذ بل هو يعطى من علمه لمن هم أقل منه في المرتبة ثم يواصل طريقه في العلم دون توقف فيأخذ العلم عن من هو أعلى منه في المرتبة .. ومن هنا تتحقق استمرارية التربية.
(4) العناية بتعليم البنت إلى أقصى درجة ممكنة، ووجوب الفصل بين الذكور والإناث في مناهج التعليم وأماكنه بعد المرحلة الأولى من الاهتمام بالمناهج التي تعد الفتاة لأن تكون ربة بيت.
(5) للنصيحة أثر كبير على المتعلم إذا ما وجهت إليه بأدب ولطف وفى السر.

وخلاصة الأمر..

أن الفكر التربوي لجماعة الإخوان المسلمين فكر إسلامي في صميمه من حيث فلسفته وأهدافه ومفاهيمه ومناهجه، وأنه لم يقدم شيئا جديدا فيما يختص بالفكر وإنما كان الفكر التربوي الإسلامى المنبع الصافي لفكرهم وإذا كان لهم منهج فإنه يرتبط ببعض جوانب التطبيق التي فرضتها طبيعة تكوينهم كجماعة متميزة لها تطلعاتها الاجتماعية والسياسية.

"شكر وتقدير"

هذا خير مكان يعترف فيه بالفضل لذوى الفضل، فأتقدم بموفور الشكر والامتنان للأستاذ الدكتور محمد سيف الدين فهمي عميد الكلية لإشرافه على هذا البحث، فكان والدا وأستاذا وعالما فاضلا بذل الجهد وقدم التوجيه السليم والرأي الرشيد وأبدى الملاحظة والنقد الهادفين فله الشكر الجزيل على ذلك كله، وله الدعوات الصادقة والأجر والمثوبة جزاء لما قدم وأدعو الله له بالصحة والسعادة.

كما أتقدم بموفور شكري وتقديري للأستاذ الدكتور سعيد إسماعيل على رئيس قسم أصول التربية بكلية التربية جامعة عين شمس لمشاركته في الإشراف على هذا البحث ، فكان معطاء كريما سخيا في علمه وخلقه فأفاد البحث من توجيهاته منذ أن كان فكرة جزاه الله خير الجزاء وأدعو الله له بالصحة والسعادة.

كما أتقدم بخالص شكري للأخ الدكتور محمد عبد السميع عثمان، المدرس بقسم تنمية المجتمع وتعليم الكبار لإفادته الباحث.ويسرني أن أتقدم بشكري وتقديري للدكتور عبد البديع عمر المدرس بقسم التربية الإسلامية لتوجيهاته البناءة لي.

وإلى أصحاب الفضل على والدى نبع الحنان والرحمة أرفع أكف الضراعة إلى الله أن يجزيهما عنى خير الجزاء. ولا يفوتني أن أقدم شكري الجزيل للأخ سعد سمك الذي ثابر فأبدعت أنامله الرسالة في ثوب زاهي أنيق. وفيضا غامرا من الثناء والتقدير إلى كل من تضافرت جهودهم معي قلبا وقالبا.

وبعد .. فلا أدعى أنني قد بلغت الغاية وحسبي أنني قد حاولت.. فالكمال لله تعالى وحده، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.. والله ذو الفضل العظيم.