الشيخ أبو جرة سلطاني يكتب عن "الديمقراطية والحريات في الجزائر"

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ١٣:٠١، ٧ يونيو ٢٠١١ للمستخدم Attea mostafa (نقاش | مساهمات) (حمى "الشيخ أبو جرة سلطاني يكتب عن "الديمقراطية والحريات في الجزائر"" ([edit=sysop] (غير محدد) [move=sysop] (غير محدد)))
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الشيخ أبو جرة سلطاني يكتب عن "الديمقراطية والحريات في الجزائر "
أ. أبو جرة سلطاني.jpg


الديمقراطية هي إنتاج بشري تنظيمي قديم، يتحدَّد حسب الثقافات ومستويات النضج السياسي لكل أمة، ويخضع لطبيعة ومستويات وأشكال الحكم والخصوصيات التاريخية والديموغرافية لكل تجمع سياسي، وكذا طبيعة الشعوب ومستوياتها المعرفية وقدراتها الاقتصادية.. إلخ، وهي ليست عقيدةً ولا هدفًا في ذاتها، بل هي ممارسةٌ سياسيةٌ وضعيةٌ، يحكمها دستور، وتنظمها قوانين يتوافق عليها المجتمع لتنظيم حياتهم وتحقيق مصالحهم المشتركة.

الوصفية: نقصد بها ما هو موجود ومدوَّن في الوثائق الرسمية (الدستور، قوانين الجمهورية)، وما هو مشهود في الواقع كما هو (تعددية، حريات، تداول.. إلخ).

المعيارية: نقصد بها ما هو مُمَارَس مقارنةً بما هو مدوَّن في الوثائق الرسمية والخطب السياسية والتصريحات، أو ما هو مسموحٌ بممارسته في الواقع منذ بداية التحول السياسي والدخول في مفهوم التعددية وما يسمى باقتصاد السوق.

ويمكن أن نفهمَ مفاصلَ ومساراتِ التعاطي الديمقراطي في الجزائر من خلال استعراض تفاصيل هذه العناوين في سياقاتها المعرفية والتاريخية والإجرائية بين سنوات 1988 - 2004 كمراحل انتقالية قد تمهِّد لديمقراطية حقيقية تتجاوز ديمقراطية الواجهة وديمقراطية المواجهة إلى ديمقراطية الحكم الراشد ودولة الحق والقانون:

- الظروف التاريخية التي أنتجت التحول الديمقراطي: المقاومة، الحركة الوطنية، جمعية العلماء.. وسائر منارات الفكر والنضال بين 1830- 1945 .

- الحضور التعددي في الثورة التحريرية: الكفاح المتشتت، الثورة الموحدة ( 1945 - 1954 ).

- الحضور التعددي بعد الاستقلال: الدولة الوطنية وأطروحات ما بعد الحرب العالمية الثانية، الدولة الوطنية والشرعية الثورية ( 1962 - 1980 ).

- إستراتيجية الحكم المركزي وحركات التغيير السياسي: النشاط السري ونتوءات الحراك الطلابي والصحوة الإسلامية الأولى وثورة الاتصالات (81- 1988 ).

- مؤشرات التحول الديمقراطي: انهيار الاشتراكية، النضج العاطفي، البحث عن الهوية، إعادة اكتشاف الذات، اختفاء هيبة الدولة.. (89- 1999 ) وظهور المؤشرات الدافعة باتجاه الصراع حول "مشروع مجتمع" أصيل، هجين، بديـل.

ومن ذلك:

1- المؤشر السياسي: جمعيات برتبة أحزاب غير معتمدة، شخصيات تهدد بالبديل.. دعوات انفصالية.. عنف سياسي.. مأساة وطنية.

2- المؤشر الاجتماعي: الدولة تتخلَّى عن واجباتها في الرعاية والحماية، ظهور الآفات الاجتماعية، اتساع دوائر الفقر والبطالة.. استشراء الفساد.

3- المؤشر الدولي: المعسكر الاشتراكي يتصدع (البيروسترويكا، نهاية الحرب الباردة) تهديد الكيانات الصغرى، انحسار ظل الدولة الوطنية.. هبوب رياح الديمقراطية (مشروع الشرق الأوسط الكبير).

أولاً: التحولات الكبرى بين الوصفية المعيارية: بين 5 أكتوبر 1988 و30 مايو 2002 (تاريخ إجراء ثاني انتخابات برلمانية تعددية) حدثت تحولاتٌ جوهريةٌ خلاصتها تنضوي تحت الخطوط العريضة التالية:

- طفرة التحول الديمقراطي (ميلاد ديمقراطية قيصرية في الشارع تحت ضغط الجماهير بدستور 23 فبراير 1989 ) والصورة المشوهة الناتجة عنه منذ أحداث 5 أكتوبر وما بعدها.

- إشكالية اتخاذ القرار الديمقراطي وبروز فرضيات ثلاث تدخل كلها في فلسفة: التجربة والخطأ.

فرضية (1): هل نمارس الديمقراطية الجماهيرية (الشعبية)، ومن خلالها نمتِّن الدولة ونقوِّيها؟ (نظرية المغالبة) وهي الفرضية التي فتحت باب المأساة الوطنية.

فرضية (2): هل نقوِّي الدولة ومؤسساتها بتصحيح أخطائها وتقويم اعوجاجها، ثم نمارس الديمقراطية؟ (نظرية المطالبة).

فرضية (3): هل نقوِّي الدولة بالديمقراطية الاجتماعية (كما نصَّ على ذلك بيان أول نوفمبر 1954 ) ونكرِّس مبدأ توسيع قاعدة الحكم ونحمي الديمقراطية بدولة الحق والقانون (نظرية المشاركة)؟

وكل هذه الفرضيات الثلاث كانت تدور حول فكرة واحدة هي التخلص من النظام القائـم وإعادة بناء نظام بديل، أو على أقل تقدير إحداث تغييرات جوهرية تمس أهم مرتكزات الديمقراطية الجزائرية، وهي: الحرية، التعددية، التداول السلمي على السلطة، أو بكلمة واحدة (الصراع حول مشروع مجتمع) ببسط النفوذ على السلطة والثروة من خلال:

1- السلطة والأحزاب والمجتمع المدني: حيث كانت هيكلتها أفقيًّا وكأنها غابةٌ بلا أعشاب، أو حركةٌ أفقية مبتورة عن الواقع (ديمقراطية الواجهة).

2- الانتخابات: بالطعن في الشرعية المنقوصة (التحرك خارج دائرة خيار الشعب).

3- الحريات: الموصوفة بتسويق النظريات، غزارة في التشريع وكساد في التنفيذ.

4- حقوق الإنسان: في ظل حالة الطوارئ.. أي حقوق لأي إنسان؟ المأساة الوطنية والحق في الحياة؟

5- إرادة الشعب: العقد المعنوي (الثوابت، المبادئ، الهوية، الجبهة الاجتماعية).

6- التعددية: مناضلون رُحّل وأحزاب تبحث عن مناضلين (مجتمع غير مهيكل سياسيًّا).

7- الشرعية: أو اللعب على المتناقضات (هوية في المزاد، تراكمات تاريخية ثقيلة، عجز عن التكفل بمطالب الشعب، تردد في شفافية الصناديق: لا نظيفة، ولا نزيهة) وسيطرة الإدارة على النتائج (إذا استثنينا انتخابات 2004 ).

8- التداول السلمي على السلطة: وهي الفكرة الجوهرية التي تتحدث عنها الطبقة السياسية في كل الخطابات الدعائية (الانتخابية) وتكذِّبها الصناديق، ربما بسبب غياب المعارضة الفاعلة، أو جرأة المبتدئين، أو الحديث عن أمميات لا يعرفها الشعب، وشعب لا تفهمه النُخب (الفصام النكد بين الذات والموضوع).

9- القانون ودولة الحق والقانون: وهو حكم الجميع سلطةً وشعبًا ومعارضةً، ولكنَّ الواقعَ ظلَّ معلقًا بين تشريعاتٍ في القمة وتطبيقاتٍ في الحضيض بعيدًا عن (أخلقة الواقع) واحترافية السياسة.

10- مظاهر التحول الحرج (في ظل المأساة الوطنية) نحو ديمقراطيةٍ حقيقيةٍ: ونعني بها الديمقراطية الاجتماعية المدوَّنة في بيان أول نوفمبر 1954 ، بالمحافظة على ثوابت الأمة وهويتها، وتحقيق تطلعات الجماهير ومطالب الشعب أربعة (عيش كريم، تعددية تنافسية، تداول سلمي، وحريات تجسد السيادة الكاملة).

11- بناء المجتمع السياسي: بالنضج الثقافي والسياسي، وشرعية الحكم، والرقابة الشعبية، والخيارات الكبرى (الحرية، القدرة، الإرادة) والحفاظ بشكل صارم على هوية الأمة.

ثانيًا: الحريات والطموحات: ومعناها التنافس الواسع على قاعدة تكافؤ الفرص بضمان حق كل فرد وكل جماعة في عرض أفكارها في السوق السياسية والفضاءات الاقتصادية والاجتماعية، والموافقة بكل سيادة على من يسوسهم ويدير الشأن العام سياسيًّا وماليًّا (سلطة وثروة)، وقد دار الصراع طويلاً إلى حدِّ استخدام السلاح (وكان مؤلمًا) حول إشكالية الديمقراطية نفسها، والشرعية، والمصداقية، وإشكالية التحول الديمقراطي الأساسية تكمن في:

1- تقليص الحريات وحصرها في ديمقراطية الواجهة في مقابل ديمقراطية المواجهة (الديمقراطية التي تميزها تعدديةٌ حزبيةٌ تُفرض فرضًا، دونما وجودٍ لحضور سياسي فاعلٍ ومؤثرٍ، يعكس تمثيلاً وطنيًّا واسعًا وحضورًا ثقافيًّا وفكريًّا حقيقيًّا، ويعبر عن طموحات الجماهير في التغيير).

2- رفض التداول السلمي على السلطة، وغياب ثقافة الانتخابات التعددية النزيهة (وهو وصفٌ يفتقر إلى المعيارية التي تتميز بها الديمقراطية الحقيقية).

3- تضخُّم الإشكالية الفكرية، وضيق هوامش المشترك السياسي والثقافة الناضجة المتمثلة في الإجابة عن الأسئلة التالية:

ما الديمقراطية التي نريدها؟ هل هي ديمقراطية جزائرية 100%؟ ما شكلها؟ وما مفهومها؟ هل هي عقيدة أم آلية سياسية؟ هل هي نمط وقالب جاهز مستورد أو هي اجتهادات بشرية؟ هل هي سياسات كلية أو نسق فرعي في عقيدةٍ ليبراليةٍ تقدِّس الفردَ ولا تضع على حريته قيدًا أو حدًّا؟ باختصار: هل الديمقراطية الناشئة في الجزائر "دين عالمي جديد" أو هي نتاج فكري ضامن للتداول على السلطة وحسن استثمار وتوزيع الثروة؟!

وقد برزت في الديمقراطية الجزائرية ثغرتان عميقتان، هما الحريات والجبهة الاجتماعية (أو العدالة الاجتماعية)، ولنأخذ- على سبيل المثال- مسألة الحريات، وهي أهم مرتكز من مرتكزات الديمقراطية؛ إذ من خلالها تتحقق العدالة الاجتماعية بما تُشيعه من تكافؤ للفرص وتوزيعٍ عادلٍ للثروة.. ونقصد بالحرية عموم ما يستغرق الخطاب الديمقراطي وما تتطلبه الممارسة الفعلية (حريات حزبية، نقابية، اقتصادية، اجتماعية، سياسية، مالية ومصرفية، ومعتقدات وآراء وأفكار.. إلخ)

في إطار الهوية والثوابت المتفق عليها (شرط تدوينها في وثيقة كالدستور أو العقد الاجتماعي).

وللحريات في التعاطي الديمقراطي مساحاتٌ واسعةٌ يمكن إجمالها في مقاصد الشريعة الخمسة: (حفظ الدين، والنسل، والعرض، والعقل، والمال)، وللاستئناس بها، بما يجب أن يتحقق في الميدان، ويمكن اختصار ذلك في متابعة الجدول التالي:

يمكن رصد خريطة الحريات في الدولة الحديثة بشكل عام كما يلي:

المفهـــوم الممـــارسة

حريات نظرية:

1- يكفلها الدستور وتنظمها القوانين والتشريعات السارية المفعول.

تطبيقات ميدانية:

1-

الفجوة واسعة بين الواقع والمثال.

2-

الحق في الحياة وفي سلامة البدن، وفي الأمن، وفي الملكية، وفي الحُرمة، وفي السكن، والعمل، والصحة، والتعلم، والتنقل، والعطلة، والتقاعد، والتكريم (حيًّا وميتًا).

2-

المفارقة بين لسان الحال ولسان المقال شاسعة ولا تحتاج إلى تدليل.

حرية الرأي، والكتابة والنشر، والاجتماع، وتكوين الجمعيات، والنقابات، والسفر، والحياة الخاصة.. إلخ.

3-

مجالها ضيق.. وهي محكومة (في دنيا الممارسة) إداريًّا أكثر منها ثقافيًّا، أو قانونيًّا.

حرية العقيدة، والفكر، وحق الاختلاف والاجتهاد، والكسب.. إلخ.

4-

في بداية الطريق (والزمن جزء من العلاج).

وهكذا يمكن تحديد الحريات السياسية الأساسية (بعد ضمان الحدِّ الأدنى من الحق) في تجسيد المقاصد الكبرى المذكورة سابقًا، وواجب القيام بـ"ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب" في الحريات والحقوق الموالية:

1- حرية العقيدة والإيمان والرأي.

2- حرية الفكر، والكتابة، والنشر.

3- حرية تشكيل الأحزاب، والهيئات، والنقابات، والجمعيات.

4- حرية المعرفة والاتصال والإعلام والسؤال عما هو من المشترك.

5- حرية الاجتماع وتكوين الجمعيات وإنشاء البنوك والمؤسسات والشركات.

6- حرية إبداء الرأي، وحرية الاجتهاد، وواجب الشورى.

7- حق التعليم والعمل، وحق الصحة، والسكن.. وسائر الخدمات.

8- حق التنقل والانتقال (الأشخاص ورءوس الأموال والبضائع والسلع).

9- والحق في الأمن، وحُرمة المسكن وسرية المراسلات (وسائر ما صار يُعرف اليوم بحقوق الإنسان ضمن ما يتفق عليه المتعاقدون).

10- الحق في الحوار وفي الاختلاف.. وفي إبداء وجهات النظر.

هذه المنزلة العالية للحرية (في مسار الديمقراطية) لا يمكن بلوغها إلا إذا صارت محكومةً بشرطَين هما: القدرة، والإدارة؛ لكون الوجود الإنساني ارتبط- في مجال كينونته- بالحرية حتى صارت الحرية هي الأمانة.

فهي مناط التكليف، فلا يكون العبد حرًّا إلا إذا كان عاقلاً (والعقل) هو ضابط هذه الحريات (في إطار النسق الثقافي العام)؛ لأنه لا قيمةَ لعاقلٍ بلا حرية، ولا معنى لحرية تُمنح لفاقد عقل، قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً(72)﴾ (الأحزاب).

إن المقصود بالأمانةِ هنا التكليف أساسًا، أو هي أداة التكليف في بعض التفاسير، وهي الحرية، وهي العقل.. فالأمانة ليست محض التكليف الفردي حال القدرة والإرادة والعقل.. بل هي كذلك تكليفٌ جماعيٌّ (اجتماعي) يقود إلى الحرية المتأسسة على تميّز الإنسان بالعقل والذي هو مناط التكليف.

ثالثًا: اجتهادات تكميلية: الحرية ليست سائبةً ولا مطلَقةً، وإلا صارت فوضى، فهناك قواعدُ ضابطةٌ تستهدف تحقيق شرط الوجود البشري، أي ضابطة للسلوك الفردي عند الانفلات، المؤدي إلى الفوضى، بالاستبداد أو العصيان والتمرد:

1- ضبط ذاتي للحريات، يدور في المنطق الفردي أو المسئولية الفردية، ويتحكَّم في تصور الموقف وتحديد ردِّ الفعل، وبالتالي فهو ضابط لصورة السلوك وأبعاده.

2- الرقابة الذاتية التي تمثل إطارًا يقود الفرد في تفكيره إلى أن يتحكَّم في سلوكه، فيقيِّده بإطار القواعد الأخلاقية المتعارَف عليها.

3- الرقابة غير المنظمة للجماعات الفرعية التي لها أسلوبٌ في فهم القيم وتطبيقها.

4- المناخ الاجتماعي العام المرتبط بالآراء والأفكار السائدة في الأغلبية الشعبية أو الجماهيرية.

5- الرقابة القانونية المنظمة؛ حيث توجد الأداة (المتعاقد عليها) التي تتولى وضع القواعد واستخدام السلطات في توقيع الجزاء إزاء السلوك المخالف لهذه القواعد.

ولا شكَّ أن التقدمَ الرهيبَ في وسائل الاتصال جعل الرقابةَ في أغلب الأحيان (بمدلولها التقليدي) نظامًا لا فاعلية له، والمفهوم التقليدي يقوم على أن الرقابةَ ذات طبيعة نظامية، أي هيئة مستقلة عن الجهاز الإعلامي تتبع السلطة الحكومية وتتولى فحص موضوع الممارسة وتقييمها، أو تحديد ما يشاهده الناس ويسمعونه ويقرأونه، وهذا النظام صار غير مجدٍ بسبب تقدم أدوات الاتصال؛ مما جعل إمكانية الضبط بهذا المعنى التقليدي عمليةً تكاد تكون مستحيلةً في كثير من الأحيان، وهو ما يسمى في الخطاب الديمقراطي "احترام قواعد اللعبة الديمقراطية"؛ ولأن حركة مجتمع السلم قد سلكت في مسارها الديمقراطي الوسط السياسي بين المطالبين والمغالبين (أو النافذين والرافضين) فقد اختطَّت لنفسها "دستورًا ديمقراطيًّا" ناظمًا لحراكها السياسي يمكن عرضه بشكل مختصر في ختام هذه المحاضرة بالشكل التالي:

هذه هي أفكارنا السياسية الكبرى التي نعتبرها "الدستور الديمقراطي" في مسارنا السياسي النضالي السلمي، القائم على الوسطية والاعتدال، بالعلم والعمل والعدل، بالواقعيةِ والموضوعيةِ والتدرج ضمن إستراتيجية المشاركة (خيارنا النابع من مؤسسات الحركة) وبأسلوب الحوار الهادئ طويل النفس كمظهر حضاري يؤسس للوعي بالحضور الإيجابي، في محاولةٍ جادَّة لمأسسة المجتمع المدني، ومدّ جسور متينة مع كل الشركاء للتعاون بلا حدود، إلا الضوابط الأخلاقية، في إطار الثوابت من أجل جزائر تتقدَّم في ظل مصالحة وطنية شاملة، ولا بأسَ أن تحمل هذه العناوين الكبرى تبركًا اسم "الأصول العشرين":

1- الإسلام ليس إرهابًا.

2- الديمقراطية ليست كفرًا.

3- الوطنية ليست وثنيةً.

4- المرأة ليست عورةً.

5- الدستور هو قانون المرور إلى الطريق الديمقراطي.

6- الحوار دليل قوة وأسلوب حضاري.

7- الشعب هو السيد الأول في صناعة مشروعة بالأصالة لا بالنيابة، والشعب لم يوكِّل أحدًا للتحدث باسمه.

8- أي مشروع مجتمع لا يستند إلى بيان أول نوفمبر 1954 هو خيانةٌ للتاريخ، وانقلابٌ على ضمير الأمة، ومُصادَرة لإرادة الشعب، ولوسائل الإعلام دور الشاهد والصانع للرأي العام.

9- التداول السلمي على السلطة له طريقٌ واحد هو الصندوق الشفاف فقط.

10- الوقوف مع الدولة لا يتناقض مع معارضة السلطة ومكافحة الفساد.

11- الوجود في الحكومة مقدمة للوجود في الحكم، تداولاً لا تدويرًا.

12- التكيف وسطية بين الجمود والجحود.

13- المعارضة ليست بالضرورة الوقوف على الضد.

14- التقوقع حول الذات موتٌ بطيء، سواءٌ كان باسم الإسلام أو باسم الديمقراطية أو باسم الوطنية.

15- المصلحة الوطنية قبل مصلحة الحزب، و الجزائر قبل الديمقراطية، بشرط ضمان الحريات في ظل الثوابت والمبادئ.

16- المصالحة الوطنية الشاملة تبدأ مع الذات الرافضة للآخر، وتتجه إلى شطب سبعة محاذير:

- الاحتكارات بكل أنواعها وأشكالها.

- الخطاب الإقصائي ولو بالإشارة.

- النوافذ المغلقة سياسيًّا وثقافيًّا.

- الجسور المعلقة في سماء السلطة.

- الحواجز المزيفة في طريق الانتخابات.

- المؤهلات الجهوية والفئوية أمام الكفاءات.

- والأحكام المسبقة على الرجال والبرامج.

17- الملفات الحساسة تمر إجباريًّا على المؤسساتِ الدستورية، وهي وحدها (دون سواها) المخوّلة للبت فيها قبولاً أو رفضًا، أو تعديلاً، مع تأكيد مبدأ الفصل بين السلطات.

18- المشاركة الوسطية بين المطالبة والمغالبة، والغائب كالمحبوس لا رأي له ولا حجة.

19- التحالف تنسيق وتعاون على المبادئ والثوابت وليس ذوبانًا في الآخر.

20- العلاقات مع المحيط الخارجي تحكمها العهود والعقود والمواثيق المبرمة ما احتَرَمت هذه الجهات سيادة الشعوب واستقلالية الدول.

ضمن هذا الإطار الكلي تندرج كل الجهود المخلصة والمساعي الحميدة المتحركة في فضاءات التحول الديمقراطي السلمي الذي تجاوز في الجزائر الديمقراطية الموجَّهة إلى ديمقراطية الواجهة وديمقراطية المواجهة إلى ديمقراطية الوجاهة، وهو اليوم يَعبُر آخرَ حاجزٍ ثقافي نحو ديمقراطية الوجه الحقيقي للجزائر المعبَّر عنه في بيان أول نوفمبر 1954 بالصيغة التالية:

إقامة الدولة الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية ذات السيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية".

والخلاصة: إن الديمقراطية- أي ديمقراطية في العالم- هي تجربةٌ بشريةٌ تشبه العقد الاجتماعي الذي يشمل مسألتين أساسيتين، هما:

- الحكم: بكل ما تحمله هذه الكلمة من ثقل سياسي.

- الثروة: بكل مشتملاتها ومكوناتها.

وإذا كان مدار الصراع في العملية الديمقراطية المستهدَفة أساسًا التداول على سُدَّة الحكم قائمًا على هذين الركنين: مَن يحكم؟ وكيف؟ ومَن يصرف شئون المال؟ وعلى أي أساس؟ فإن الحرية هي المحدد الأكبر لهذه الإشكالية في مسارات الوصفية (النظرية) كمحتويات وقوانين وتشريعات، والمعيارية (التطبيقية) كممارسات وسلوكيات وثمرات ميدانية تدور حول ثلاثة محاور كبرى، هي: - التعايش السلمي بين جميع الأطراف فكريًّا وسياسيًّا وثقافيًّا.

- احترام الرأي الآخر وحفظ حقوقه وضمان تكافؤ الفرص.

- صيانة المقاصد الكبرى، بحسن إدارة شئون السلطة والثروة، وباحترام إرادة الشعب ضمن أطر دستورية وقانونية تحكم حقوق الجميع وتنظم واجباتهم.

المصدر

قالب:روابط أبو جرة سلطاني