السياسة والدين

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
السياسة والدين وتغييب الحقيقة

قال تعالى: (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعةً ومنهاجا) (المائدة: 48).

وإذن فالحكومة والنظام والمسؤولية هي أركان ركينة من أركان وجود الإسلام وحكم الناس به والعدل الذي أمر الله الناس أن يقوموا به بقوله جل من قائل: (ليقوم الناس بالقسط) (الحديد: 25).

أفليس هذا كله سياسة؟ فإن لم يكن كذلك عند البعض فما هي السياسة؟ وما هو مراد الله من قوله لرسوله صلى الله عليه وسلم في القرآن: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم) (النساء: 65)؟.

وما معنى قوله تعالى مخاطباً نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم: (فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً)؟ وما معنى قوله جل من قائل: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) (النساء: 59)؟ .

وما الذي تنبئ به آية الله في كتابه العزيز إذ يقول جل وعلا: (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أُنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً) (النساء: 60)؟

وما الذي يدلّ عليه كتاب الله حين يقول: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) (آل عمران:104)؟ ثم ما معنى أن يقول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: (ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرّم عليه الجنة) (متفق عليه)؟ وقوله عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم: (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم ...) (رواه مسلم)؟ وقوله صلى عليه ربي وأكرمه: (إن شرّ الرعاء الحطمة) (متفق عليه)؟. والرعاء جمع راعٍ، والحطمة الحكام الظالمون القساة الذين لا يتقون الله في رعيتهم ..

والنصوص في هذا السياق كثيرة ومستفيضة، وهي تقول لكل ذي بصيرة: إن السياسة من الدين، والدين هو سياسة الناس في دنياهم وآخرتهم، ولا يمكن أن نفصل شيئاً من أمور المسلمين عن دينهم، فهو الذي يصنع سياستهم، وهو الذي يفسر لهم الحوادث والأحداث، وما كان ضعفهم وتراجعهم وخذلانهم لتكون لو أنهم لم يذهبوا خلف مذاهب شتى غير منبثقة من التفسير الإسلامي للأحداث وما يدور حولهم.

إذن فالمسلمون مأمورون أن يرجعوا إلى دينهم في كل صغيرة وكبيرة من شؤونهم والأحداث التي تدور حولهم، فيستفتونه ويستنطقونه الحكم فيها، ويستنبئونه رؤية الطريق، ومن يقول بغير ذلك فلينظر في قوله على أي قياس جاء، وفي بصره بأي بصيرة نظر واعتبر .. خصوصاً أن أبا هريرة - رضي الله عنه - روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن كنت أميراً أو وزيراً أو داخلاً على أمير أو مشاور أمير فلا تجاوز سنتي، فإنما أيما أمير أو وزير أمير أو مشاور أمير أو داخل على أمير خالف سنتي وسيرتي فإنه تأخذه النار يوم القيامة من مكان ثم يصير إلى النار).

إن سبب الخلاف والتخلف والفرقة والشرذمة في السياسة بين المسلمين ليس لأنهم يفسرون المظاهر والأحداث السياسية تفسيراً يعودون فيه إلى الدين - كما يقول البعض - بل لأنهم ابتعدوا عن دينهم الحق والرؤية العدل في تفسير تلك الأحداث، ولو أنهم بنوا على الحق القرآني والعدل النبوي فيما يَجِدُّ لهم من أحداث وحوادث وأفكار سياسية وغير سياسية، لما وقعوا فيما وقعوا فيه من فرقة وشرذمة وعداء، ولكن الشياطين اجتالتهم، والانبهار بفلسفات سياسية ضالة اجتاحتهم، فشرقوا وغربوا، واتبعوا آراء من ليس لهم برهان رباني سامق مونق بالخير والهدى والصراط المستقيم.

إن منزلق مداراة الآخرين ممن شقوا طريقهم السياسي بعيداً عن: (وأن احكم بينهم بما أنزل الله) (المائدة: 52)، ومعاكساً لـ: (كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين أو الأقربين)، منزلق خطير قاد بعض من ينتمون للحراك الإسلامي إلى مقاربة قول من قال لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة، وذلك حين عزوا الشرذمة الموجودة بين المسلمين والخلاف الذي يلفهم إلى تفسير الفصائل الإسلامية للأحداث السياسية تفسيراً دينياً، طالبين من المسلمين أن يبتعدوا عن تفسير السياسة الدائرة دينياً، ليضمنوا بذلك وحدتهم وصواب الرؤية السياسة..!!

إن الدين الإسلامي كله سياسة، سواء في أحكامه المتعلقة بالحكم أو المتعلقة بالاجتماع أو الاقتصاد أو الأحوال الشخصية أو غيرها؛ فشريعة الإسلام جاءت لتسوس الناس في كل ما يتعلق بدنياهم وآخرتهم، فالدين عندنا هو حارس الدنيا والحريص على الآخرة، ولن يكون حكم على أي حدث أو حادث صائباً ما لم يكن منبثقاً من الرؤية الربانية القرآنية أو الرسالية ورسولها الكريم صلى الله عليه وسلم، والغواية كل الغواية أن ندجن أفكارنا بمصطلحات أراد البعض من خلالها أن يطرقوا بوابات الآخر، لعله يقبلهم في عربته راكباً لاهثاً خلف تذكرة لن يحصلها ما لم يغير دينه، حسب منطوق آية الله القائلة: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) (البقرة: 120).

إن البعض منا ركب صهوة مصطلح الوسطية، الذي هو أساس إسلامي عظيم، لينقلنا بواسطة فهمه للمصطلح الطيب إلى دائرة خطيرة من المخرجات التي يدعي انتماءها للإسلام، وهي في حقيقتها لا تعدو أن تكون متحولة دبقة، تحاول التمسح بالإسلام والتطفل عليه، لتعطي لنفسها شرعية قلقة هجينة، لا تسمح لها جيناتها إلا بالاختراق، الذي يبتغيه ذوو الأهداف المتخاذلة الذين تعبوا من الثبات على الحق القائل: إن السياسة في الإسلام دين، وإن ديننا إن هو إلا سياسة في كل مجالات الحياة الإنسانية، إن أريد لها أن تلوذ لواذاً آمناً مطمئناً موازناً بين الدنيا والآخرة، وإن لم نفهم ذلك نكون قد دخلنا في زحمة تغييب الحقيقة التي يوصل إليها قول القائل بالبعد عن إدخال التفسير الديني في الحدث السياسي وغيره من شؤون الدنيا.

المصدر: رسالة الإخوان إصدار: المركز الإعلامي للإخوان المسلمين 10-7-2009 / 17 رجب 1430 هـ العدد 601