السلطان عبد الحميد

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
السلطان عبد الحميد
( صفحة ناصعة من الجهاد والإيمان والتصميم لمواجهة تحديات الاستعمار والصهيونية)


الأستاذ: أنور الجندي

مقدمة

ما نحسب أن شخصية في التاريخ الإسلامي المعاصر لقيت من الغبن والظلم والإعنات ما لقيت شخصية السلطان عبد الحميد الثاني، ولكن هذه السحابة ما لبثت أن انجابت بعد سنوات طوال، وتكشفت حقيقة هذا الرجل واستعلن موقفه الصامد، وجهاده الباسل ومقاومته العنيدة للمؤامرة الضخمة التي حاولت أن تستغله وتخدعه أو تغريه، ولكنه رفض الوعد والإغراء، وتحمل الوعيد والتآمر صابراً صامداً طوال حياته وسنواته الطويلة بعد موته.

وقد ظل الغموض يحيط بموقف السلطان عبد الحميد أكثر من خمسين عاماً، ثم لم يلبث أن تكشف قليلاً قليلاً، لقد تولى السلطان 1876 م، وخلع 1909 م وتوفي 1918 م.

وكانت حملات الصحف المارونية قد بدأت منذ تبين صلابة موقف الرجل، وقد استمرت هذه الحملات حتى دخلت إلى كتب الأدب والتاريخ المقررة على المدارس في أغلب البلاد العربية وظلت هذه الكتابات تلح على تصوير السلطان عبد الحميد بصورة الطاغية.

المتسلك فترة تزيد على خمسين عاماً، ثم بدأ ينكشف موقف السلطان عبد الحميد جزئياً بعد ترجمة بروتوكولات حكماء صهيون التي كشفت مخطط المؤامرة على الدولة العثمانية والخلافة، ثم تكشفت بصورة أوسع بعد ترجمة مذكرات هرتزل الذي روى بإفاضة وتوسع قصة الوساطة بينه وبين السلطان وعروضه ورد السلطان عليه.

رجل أريب

ومن أهم ما يكشف عنه تاريخ السلطان عبد الحميد هو ذلك الفهم الوافر العميق للمؤامرة اليهودية الصهيونية، الممتدة من الماسونية إلى الدونمة إلى جماعة الاتحاد والترقي بكل أبعادها وأهدافها، هذه التي كانت خافية على ظاهر المواقف السياسية في البلاد العربية الإسلامية في ذلك الوقت، وكانت غامضة على الرأي العام في وقتها، بينما كانت واضحة مفهومة لدى السلطان.

وكانت تصرفاته استجابة لهذه الخفايا التي كانت تدبر، ولم تكن مكشوفة إلا للقلة، وكل ما نسب إلى السلطان عبد الحميد من اتهام بالرجعية أو الجمود أو العنف، إزاء الاتحاديين أو الدستور أو الحريات، إنما كان ينطلق من فهمه لأبعاد المؤامرة التي كان يدبرها الاتحاديون الأتراك مع اليهود الدونمة والقوى الخارجية، وإفساح المجال أمام تحقيق مؤامراتهم، بعد أن تبين لهم رفضه الصريح للعروض اليهودية التي قدمها له هرتزل وعدد آخر من اليهود – على ما فيها من إغراء – مادي لدولة مدينة في ذلك الوقت، وقد ظلت هذه الحقائق غامضة، حتى تكشفت من بعد أسرار الماسونية ومخطط الصهيونية.

دهاء السلطان عوض عن ضعف الدولة

ولعل أبرز ما تميز به السلطان عبد الحميد الذي حكم من (1876 م إلى 1909 م) هو تلك البراعة والذكاء الخارقين. حتى وصفه أعداؤه قبل أنصاره بأنه أعظم داهية في عصره.

ويمكن القول أن هذا الرجل حين رأى الدولة العثمانية وقد فقدت التفوق في القوة العسكرية التي يمكن بها أن تقهر أعداءها فقد فتح الله تبارك وتعالة له باباً من التعويض عن طريق ذلك الدهاء القوي، فاستطاع خلال هذه الفترة الطويلة من حكمه والتي بدأت فيها تلك المؤامرة الخطيرة، أن يواجه الأمر بحكمة أزعجت خصومه وأعجزتهم.

والمعروف أنه في عام 1897 م اجتمع مؤتمر بال وقرر اختيار فلسطين لإقامة الوطن القومي اليهودي، وتحدد أمر الاتصال بالسلطان والدولة العثمانية، ومن ثم بدأت المعركة الخفية بين السلطان واليهود، وخاصة بعد أن تبين لهم إصراره على عدم التسليم لهم بأي مطمع في فلسطين.

وكان السلطان عبد الحميد قبل ذلك قد أمضى عزيمته في الدعوة إلى الجامعة الإسلامية، وتجميع المسلمين من خارج الدولة العثمانية تحت لواء الخلافة، لمواجهة خطر النفوذ الاستعماري الزاحف على العالم الإسلامي. ولقد بقيت صيحته استجابة في خارج الدولة العثمانية – بوصفه زعيماً للعالم الإسلامي كله وليس للدولة العثمانية وحدها – والتف حوله العرب المسلمون والفرس والترك، لتعضيد الخلافة وللزود عنها دون قيد أو شرط.

وكان من أخطر هذه الانجازات تصفية موقف الخلاف بين تركيا وفارس وبين السنة والشيعة، ومن كلماته في هذا الصدد: أن السم القديم يجب ألا يسري في جسد آسيا القوى وعلى السنيين والشيعة أن يتحدوا لمقاومة أوربا في محاولتها قهر العالم.

المؤرخون ورأيهم

ويرى المؤرخون أن عبد الحميد لما تولى الخلافة سنة 1876 م، وجد أن سلاح الدهاء السياسي هو السلاح الوحيد الذي يستطيع به أن يواجه مؤامرات الغرب (الاستعمار والصهيونية وروسيا القيصرية) التي كانت منذ سنوات طوال تحيك المؤامرات للقضاء على الدولة العثمانية، بوصفها ممثلة للوحدة الإسلامية القائمة بين العرب والترك، ومن ثم أخذ يوسع دائرة هذه الوحدة لتشمل مسلمي العالم كله، ومن ذلك كانت صيحته "يا مسلمي العالم اتحدوا" إزاء الغزو الاستعماري.

فقد أخذ يستصرخ الأمم الإسلامية في كل رقعة من رقاع العالم الإسلامي، للالتفاف حول دولة الخلافة لتكوين قيادة عامة للمسلمين جميعاً، سنة وشيعة عرباً وفرساً وتركاً، وقد جمع السلطان عبد الحميد حوله عدداً كبيراً من زعماء العرب والبلاد الإسلامية، وقد شعرت إنجلترا وفرنسا وهما الدولتان اللتان كانتا تحكمان قهراً أكبر عدد من المسلمين – بحرج الموقف إزاء التفاف العالم الإسلامي حول الخليفة وحسبت لذلك ألف حساب، لا سيما حينما أيدته ألمانيا العدوة لهذه الدول، وحين كسر الخلاف مع الشيعة، وبدأ بعقد صلح معهم بعد استقدام جمال الدين الأفغاني، وحين بدأ يتخذ الأسلوب العصري في الوحدة بإقامة سكة حديد الحجاز، وقد جمع لها سبعة ملايين من الدنانير، وكذلك سكة حديد بغداد.

وقد أشارت الدكتورة الماولتن في كتابها عنه، أنه كان لديه أربعون ألفاً من الدعاة للوحدة الإسلامية، ممن كانوا في القسطنطينية من طلبة المعاهد الإسلامية، وقد وجه دعوته إلى روسيا وشمال أفريقيا والهند والصين، وإلى المسلمين أينما وجدوا ومن أي جنس كانوا، وقد حدث هذا في الوقت الذي كانت الدول الأوربية تترقب بفارغ الصبر موت "دولة الرجل المريض" لتقسيم ميراثها وتوزيع أرثها فيما بينها.

رجل يرجح عظماء العصر

وليس أدل على براعة السلطان عبد الحميد، من عبارة السيد جمال الدين الأفغاني الذي قال، بعد أن التقى بالسلطان وتعرف إلى مشروعه في الجامعة الإسلامية وأسلوبه في العمل السياسي مع دول أوربا: "إن السلطان عبد الحميد لو وزن مع أربعة من نوابغ العصر لرجحهم ذكاء ودهاء وسياسة" فلا عجب إذا رأيناه يذلل ما يقام لملكه من الصعاب من دول الغرب أنه يعلم دقائق الأمور السياسية ومرامي الدول الغربية، وهو معد لكل هوة تطرأ على الملك مخرجاً وسلماً.

وأعظم ما أدهشني ما أعده من خفى المسائل وأمضى العوامل كي لا تتفق أوربا على أمر خطير في الممالك العثمانية وكان يراها عياناً محسوساً: إن تجزئة السلطنة العثمانية لا يمكن أن تقع إلا بخراب الممالك الأوربية بأسرها، وكلما حاولت دول البلقان الخروج على الدول بحرب، كان السلطان يسارع بدهائه العجيب لحل عقد ما ربطوه وتفريق ما جمعوه".

وقد وصفت خطة السلطان بأنها تمثل "سياسة التوازن الدولي" التي كان من شأنها أن تبقى الدول الغربية متحاسدة متنابذة في الأمور التي تتعلق بتركيا ومستقبلها.

ليس الخلاص في المدنية الغربية

وقد أشارت الدكتورة الماولتن إلى أن السلطان عبد الحميد كان أول من تجرأ – بعد مائتي عام من الهزيمة والتقهقر – على تحدي العالم الغربي، ومن ذلك قوله: "يجب ألا ندع الغرب يبهرنا فإن الخلاص ليس في المدنية الأوربية وحدها"، وقوله: "إن تركيا هي نافذة الإسلام التي سيشع منها النور الجديد".

وقد وجدت دعوته أصداء واسعة وكان لتنقلات الدعاة، والمبشرين المسلمين إلى هذه المسافات البعيدة التي كان عليهم أن يقطعوها للوصول إلى الجماعات الإسلامية المتفرقة، كان لذلك أبعد الأثر في النتائج الحاسمة السريعة فكان يتلقى الوفد الرسائل والوثائق الرسمية من مختلف أنحاء العالم تتضمن تأييد الملايين للسلطان إيماناً بفكرته وتعلقاً بحركة الجامعة الإسلامية.

وأشار تقرير سفير بريطانيا لدى الباب العالي سنة 1907م إلى هذا الخطر بقوله: "يمكننا أن نقرر أن من أهم حوادث السنوات العشر الأخيرة على الأقل (1798–1907 م) خطة السلطان الباهرة، التي استطاع أن يظهر بها أمام 300 مليون مسلم في ثوب الخليفة – الذي هو الرئيس الروحي في الدين الإسلامي – وأن يقيم لهم البرهان على قوة شعوره الديني وغيرته الدينية ببناء سكة حديد الحجاز ونتيجة لهذه السياسة فقد أصبح حائراً على خضوع رعاياه له خضوعاً أعمى". عملان جليلان:

وأشار كثير من المؤرخين إلى العملين الكبيرين – اللذين عجلا بإسقاط السلطان عبد الحميد – وهما:

1- إنهاء الخلاف بين السلطان والشاه وتصافحهما، هذا الخلاف الذي كان منذ مدة طويلة ينخر في عظام العالم الإسلامي.

2- قرار مد خط حديدي إلى مكة المكرمة كجزء من خطة الجامعة الإسلامية لمساعدة آلاف المسلمين على أداء فريضة الحج، وقد نهض بالمشروع في حماسة بالغة وحشد له كل ما استطاع من جهد مادي وبشري، حتى أتم إنجازه بسرعة خارقة وبدون أي عون من أوربا.

وقالت الدكتوره الماولتن: "لقد استطاع أن يقود تركيا بعيداً عن الكارثة بمناوراته السياسية البارعة، موازناً بين مقاطعاته ودول أوربا، مستحثاً الهمم رافعاً الآمال، موجهاً انتباه العالم نحو أشياء جديدة، كلما كان التوتر يهدد بأن يصبح حاداً.

وكانت خطته لاستعادة قوة تركيا ومجدها عن طريق توحيد العالم الإسلامي تقترب من النجاح.

العنصريات والقوميات

ومن هذه النقطة ضرب السلطان عبد الحميد، فقد كان يواجه تياراً ضخماً من المطامع للدول الأوربية والصهيونية وروسيا في تمزيق امبراطوريته، وكان السلاح هو تسليط سلاح العنصرية الذي حمله رجال تركيا الفتاة والاتحاد والترقي للوصول إلى فلسطين، وواجه السلطان عبد الحميد هذا المخطط بقوة وبسالة، وفي نفس الوقت الذي بدأ فيه هرتزل محاولاته لمقابلة السلطان، كان السلطان قد أصدر أوامره بفصل "سنجق القدس" – مركزي وإداري – عن ولاية سوريا عام 1887 م وإخضاعه لإدارته المباشرة، بمجرد أن تكشفت له المرامي البعيدة وراء المخططات الصهيونية.

وعندما شرع هرتزل يفكر في مقابلة السلطان ملتمساً مختلف الوسائل والطرق ليسترعي انتباه الباب العالي، كان عبد الحميد واعياً لكل المحاولات، فقد سعى هرتزل لدى بسمارك حيث كانت ألمانيا حليفة لتركيا، وسعى عند كثيرين من الشخصيات البارزة، وكان هدفه أن يقنع السلطان بإعطائهم مساحة من الأرض، مقابل استعداد اليهود لدعم مالية الدولة العثمانية والتأثير على الرأي العام الأوربي ليقف إلى جانب السلطان.

وتعددت المحاولات، واستمع إليه السلطان حيث دار الحديث حول مشاكل الدولة العثمانية وتصفية الدين العام وعرض هرتزل خمسين مليوناً من الجنيهات الذهبية للدولة، وخمسة ملايين لخزينة السلطان الخاصة.

حسم وحرم

ولكن السلطان كان متشبثاً بموقفه المعارض للهجرة اليهودية، ولما توالت العروض حسم الموقف في حزم. "أنصح للدكتور هرتزل أن لا يسير أبداً في هذا الأمر، لا أقدر أن أبيع ولو قدماً واحداً من البلاد، لأنها ليست لي بل لشعبي ولقد حصل شعبي على هذه الامبراطورية بإراقة الدماء وقد غذاها بعد بدمائه، وسوف نغطيها بدمئانا قبل أن نسمح لأحد باغتصابها منا.

ليحتفظ اليهود بملايينهم فإذا ما قسمت الامبراطورية فقد يحصل اليهود على فلسطين بدون قتال.. إننا لن نقسم إلا جثثاً، ولن أقبل بتشريح أجسادنا لأي غرض كان (يونيو 1896 م)".

ولما توالت النذر أصدر السلطان عبد الحميد في يونيه 1898 م أمراً بمنع اليهود الأجانب من دخول فلسطين دون تمييز بين جنسياتهم.

التهديد والتآمر

ولما استيأس هرتزل من السلطان عبد الحميد بعد الإغراء بدأت مرحلة التهديد، فاستخدم اليهود قدراتهم في التآمر للقضاء على الدولة العثمانية، مؤكدين مؤامرتهم على السلطان عبد الحميد بالذات، لأنه كان العقبة الكؤود في طريقهم، فرموه بكل منقصة وأظهروه للأمة في أبشع صوره.

وانطلقت أبواقهم من الصحف المارونية الموجهة من الماسونية والنفوذ الأجنبي تحمل عليه: المقطم والأهرام والمقتطف والهلال، وكتابات جرجي زيدان وسليم سركيس وفارس نمر، تصفه بالسلطان الأحمر، وألف جرجي زيدان قصة الاستبداد العثماني ورمى السلطان بعشرات من الاتهامات الباطلة تمهيداً للقضاء عليه وجرت محاولة اغتياله ثم إسقاطه.

ملاعب الأهواء

وقد نجح اليهود في إخراج جمعية الاتحاد والترقي إلى ملعب أهوائهم السياسية، وقد كانت هذه الجمعية هي القناع الخارجي الذي يقنعت به جماعة الدونمة المتظاهرين بالإسلام من يهود إسبانيا، الذين اتخذوا من مدينة سالونيك مقاماً لهم بعد فرارهم من محاكم التفتيش الإسبانية، وقد جاءوا بالانقلاب العثماني الذي بيتوا له منذ نصف قرن حتى تم على أيدي مسلمين كانوا يهوداً في الأصل فأسلموا لأجل هذه الغاية.

وقد أسلم الانقلاب زمام تركيا لليهود الماسون الدونمة (طلعت وجاويد وجمال ونيازي وكمال) الذين دفعوا تركيا بتوجيه (وايزمان) لخوض حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل سلموها لليهود الذين يتكلمون التركية.

ويقول الدكتور الزعبي في كتابه (الماسونية في العراء)

كان اليهود يرون السلطنة العثمانية – وهي شبح مخيف للخلافة الإسلامية – خطراً على مستقبلهم، وقد زار هرتزل السلطان وعرض عليه عروضاً مغرية فرفض، فقرر المحفل الماسوني الكوني خلع السلطان عبد الحميد، وكلف "فرسان تركيتا الحكماء المستنيرين" بتنفيذ القرار فنفذوه عام 1909 م.

يقول السيد رشيد رضا: لقد كان السلطان عبد الحميد عدواً للجمعية الماسونية، لاعتقاده أنها جمعية سرية وأن غرضها هو إزالة السلطة الدينية من حكومات الأرض، وقد تنفس الزمان للماسون بعد الانقلاب الذي كان لهم فيه أصابع معروفة، فأسسوا شرقاً – محفلاً – عثمانياً أستاذه الأعظم طلعت بك ناظر الداخلية، وأركانه جمعية الاتحاد والترقي وأنصارها من اليهود وغيرهم، ولأجل هذا نرى طلعت بك لا يبالي بسخط الأمة ولا برضاها، في إدارته التي استغاثت منها المملكة بولاياتها الستة كلها، ما عدا ولاية سلانيك، وسلانيك هي مقر السلطة الحقيقية في المملكة (المنار م 14 ص 80).

الخطر المحيط

يقول جواد رفعت في كتابه "الخطر المحيط بالإسلام":

"إن الشخص الوحيد في تاريخ الترك جميعه، الذي عرف حقيقة الصهيونية "والسباتائية" وقدر أضرارهما على الترك والإسلام وخطرهما المحدق تماماً وكافح معهما مدة طويلة بصورة جدية لتحديد شرورهم، هو السلطان العثماني: الثالث والثلاثون (عبد الحميد الثاني) فقط، وإن هذا السلطان التركي العظيم كافح هذه المنظمات الخطيرة مدة ثلاث وثلاثين سنة بذكاء وعزم وبإرادة مدهشة جداً كالأبطال".

ويتساءل الناس: لماذا يقف السلطان عبد الحميد ضد الدستور ويتحرز من هؤلاء الأحرار وأنه كان يعرف أنهم صناعة المحافل المساونية، وأنهم كانوا في مخطط الصهيونية العالمية التي قررت إسقاط عبد الحميد بأي ثمن، بالاتفاق مع الاستعمار العالمي الذي كان يطمع في دحر فكرة الجامعة الإسلامية أكبر خطر واجه حركة الزحف الاستعماري الحديث على يد عبد الحميد، لقد قاوم 33 عاماً تجاه شبكتهم المبثوثة في جميع أنحاء العالم، ومنظماتهم التي أحدثوها وأسلوب دعايتهم وافرتاءاتهم الكاذبة الشنيعة".

التنفيذ

ويقول المؤرخون المنصفون: إن اليهود أخذوا تواً في تنفيذ المادة الخامسة من البروتوكولات: التي تنص على وجوب تلفيق الوقائع بحق الأشخاص المحترمين لدى الناس، للحط من كرامتهم وكسر اعتبارهم، ومن هنا بدأت حملة الكره ضد السلطان، حيث لفقوا وقائه حياله وقضايا تحت اسم القتل والإحراق والإغراق، ثم كانت مؤامرة اغتيال السلطان عبد الحميد حيث انفجرت قنبلة على موكبة بعد صلاة الجمعة، مقدمة لخطط ومؤامرات انتهت بعزله، وسيطرة الاتحاديين الذين فتحوا الطريق لليهود إلى فلسطين وسلموا طرابلس الغرب إلى إيطاليا.

يقول الأستاذ طه الوالي: كان غاية اليهود إزاحة عبد الحميد عن طريقهم الموصل إلى فلسطين، ولذلك فقد تمكنوا من رشوة بعض رجال الدين، وأغروهم بالخروج إلى الشوارح والمناداة بتطبيق الشريعة المحمدية، وهو ما سمي يومئذ بحركة الارتجاع قاصدين من وراء ذلك إحاج السلطان عبد الحميد بعد غعلان الدستور ودفع الاتحاديين إلى الثورة عليه، فيما بعد.

وقد أتت هذه الحركة الارتجاعية أكلها بالنصر لليهود فقام الجيش بحركته الحاسمة مقتدماً نحو يلدز، طالباً إزاحة العرش من تحت سلطانه، فتقدم ثلاثة في 7 مارس 1909 م من أعيان الدولة: مسلم مأجور ويهودي حقود ونصراني موتور وقدموا إليه ورقة للتنازل عن العرش.

وقبل السلطان حقناً للدماء وقد صرح بذلك في رسالته إلى الشيخ محمند أبو الشامات قال:

"إنني لم أتخل عن الخلافة الإسلامية لسبب ما سوى أنني بسبب المضايقة من رؤساء جمعية الاتحاد المعروفة باسم (جون ترك) قد أصروا وأصروا على بأن أصادق على تأسيس وطن قومي لليهود في الأراضي المقدسة (فلسطين)، ورغم إصرارهم فلم أقبل بصورة قطعية هذا التكليف، وكان جوابي القطعي: أنكم لو دفعتم ملء الدنيا ذهباً، لن أقبل تكليفهم، وبعد جوابي القطعي اتفقوا على خلعي، فحمدت المولي أنني لم أقبل أن الطخ الدولة العثمانية والعالم الإسلامي بهذا العار الأبدي، عن تكليفها بإقامة دولة يهودية في الأراضي المقدسة (فلسطين).

الصورة الزائفة

هذه هي الصورة الصحيحة التي تجلت في السنوات الأخيرة عن حقيقة السلطان ووجهته، أما الصورة التي رسمها سليمان البستاني في كتابه: "الدولة العثمانية قبل الدستور وبعده"، وكتابات جرجي زيدان وسليم سركيس، وهؤلاء الطغمة من أعداء الإسلام، فإنها زائفة ومضللة، وقد طلعت عليها شمس الحقيقة وأنوار الوقائع الصحيحة الموثقة، إنها كتابات زائفة أريد بها تهوين شأن السلطان عبد الحميد تمهيداً لعزله أو قتله، وقد كانت في سبيل خدمة النفوذ الصهيوني أساساً.

أما المنصفون من كتاب الغرب فقد شهدوا للسلطان عبد الحميد وفي مقدمتهم "لوثروب ستوارت" في كتابه حاضر العالم الإسلامي، كما تكشفت الحقائق حول الوقائع الزائفة التي نسبوها إليه، وخاصة بالنسبة لحياته الخاصة، وقد عرف عنه العزوف عن مظاهر الترف، وقد اكتفى من ملبسه الرسمي بالمعطف العاطل من الزخرف وقد كان يقضي وقته كله في دراسة التقارير المطولة التي ترد إليه من سائر جهات الامبراطورية إلى ساعة متأخرة من الليل، وقد تكشفت كذب إدعاءات: الإغراق في البسفور والخنق وكلها اتهامات أوردها اليهود، وليس لها سند صحيح، وقد كشف الأستاذ سعيد الأفغاني هذا الأمر في حديث له نشره في مجلة الوعي الإسلامي (شباط 1969 م) بعد زيارة لتركيا.

قال: فلما أخذنا ذكر الألوف من الأحرار الذين لا يحصدون الي أغرقهم السلطان عبد الحميد في مياه البسفور، أبدى رئيس الهيئة في رقة ولطف طالباً تسمية عشرة فقط من هذه الألوف التي لا تحصى، فلما أحرجنا قال: يا أخوتي لم يثبت غرق إنسان واحد في البسفور وهي إشاعات استطارت وخدعت الكثيرين ومنهم حافظ إبراهيم الشاعر في قصيدته: (مشبع الحوت من لحوم البرايا).

والصورة الحقيقية

كذلك تبين كذب الإداعات التي إدعاها كتاب اليهود ومؤلفوهم باتهامه في شجاعته، فإن هذه الشجاعة الفائقة يدل عليها عديد من الوقائع والأحداث.

منها موقفه حبال محاولة اغتياله بعد انفجار القنبلة، واستطار الناس فقد واجه السلطان عبد الحميد الحادث في شجاعة أدهشت رجال السلك السياسي الأجانب وفي حفل الاستقبال في قصر ضلما بغشة عام 1904 م حيث كان يستقبل ضيوفاً من أنحاء العالم، وقع زلزال شديد فتحطمت النوافذ واتسعت الأرض وتهاوت الشرفات من السقوف، وقفز الوزراء والباشوات من النوافذ وقد استولى الذعر على كل الموجودين ما عدا عبد الحميد الذي ظل واقفاً منتصباً رابط الجاش وسط الغرفة المتأرجحة.

وقد روت ذلك الدكتورة الماولتن صاحبة كتاب ( عبد الحميد ظل الله على الأرض).

وهناك الاتهامات التي تتصل بالرقابة فقد قيل أن للسلطان ألفاً ومائتي جاسوس، وأنهم مبثوثون بين أهالي الآستانة، وقد تبين أن هذه الصورة مبالغ فيها، وقال جواد رفعت: أن السبب الذي جعل السلطان قد نظم إدارته على نحو معين، ووسع دائرة استخباراته، هو علمه من تقارير الصهيونية بالعمل على التخلص منه والقضاء عليه.

كذلك فقد ثبت بطلان دعوى تعصبه وقد اتخذ كبير أطبائه من المسيحيين، وجعل وزير ماليته دولتلو أغوبيان المسيحي الأرمني، وعهد كثير من مهام سلطته إلى غير المسلمين.

قصة باطلة

وتتردد كثيراً قصة مذابح الأرمن، ومسئولية السلطان عبد الحميد منها، وقد تبين براءة عبد الحميد من مسئولية هذه المذابح، وأن الغوغاء هم الذين تسببوا فيها، والأرمن هم الذين بدأوا باحتلال مبنى البنك العثماني وقتل بعض موظفيه، رداً على القمع الذي جوبهت به ثورتهم والتي ثبت أن الروس والإنجليز دفعوهم إليها دفعاً، وليس بسبب سوء المعاملة كما قد يتوهم البعض، وقد استغلوا روح التسامح لإحراج الدولة وكسب مزيد من الامتيازات، شهد بهذا دجوفارا حد كبار ساسة رومانية ومؤرخيها.

يقول: إن من أعظم عوامل انحلال الدولة العثمانية هو مشربها في إعطاء الحرية المذهبية والمدرسية التامتين لدعم المسيحية التي كانت خاضعة لها، لأن هذه الأمم بواسطة هاتين الحريتين كانت تثبت دعايتها القومية وتتماسك وتنهض وتسير سيراً قاصداً في طريق الانفصال عن السلطة العثمانية (حاضر العالم الإسلامي).

موت الأفغاني

كذلك فقد كذبت وقائع التاريخ الصحيحة ما أشيع عن تهمة دس السم الأفغاني، والصحيح أن جمال الدين الأفغاني مات بالسرطان، بعد أن مرض شهوراً طويلة، ولو دسوا له السم لمات بشرعة.

وقد وصف جرجي زيدان في الهلال (آذار 1897 م كيف توفي: قال: كان قد أصيب بداء السرطان في فكه السفلي منذ بضعة أشهر، فقاسى آلاماً مبرحة وأجريت له عمليات كثيرة استؤصل الفك السفلي كله أو أكثره، فامتد الداء إلى العنق وأوغل في الفم وعقد اللسان وضاعف الآلام، فاشتد المرض ولبس الناس ينتظرون وقوع الأجل، والحضرة السلطانية تواصل الالتفات إليه، بالإنفاق من الجيب الهمايوني الخاص، على أن ذلك لم يدفع مقدوراً ولا محاً مسطوراً.

ولكن ليس هذا العرض الذي يكشف وجه الحقيقه في أمر هذا السلطان المسلم الذي شوه تاريخه طويلاً، لا يمنع من أن يكون له وقد ولي الحكم سنوات طويلة بعض الأخطاء وقد أشير إلى بعض هذا في:

1- تعاونه مع ألمانيا مما جر عليه خصومة إنجلترا وفرنسا.

2- تردده في أن يتخذ اللغة العربية لغة الدولة العثمانية.

3- الاتجاه إلى الطرق الصوفية وليس إلى التيار الإسلامي الأصيل.

4- إهمال التدريب العسكري وإهمال الأسطول.

حاشية

وقد صدرت في السنوات الأخيرة بحثو كثيرة تحمل طابع الاعتدال والإنصاف واختفت تلك الروح الظالمة القاسية التي لم تكن قائمة على الحقيقة التاريخية، وكانت تصدر عن الأهواء والتعصب والحقد، بل إن بعض الكتاب الذين تورطوا في كتاباتهم قد عادوا مرة أخرى إلى الإنصاف.

من هؤلاء الأستاذ محمد جميل بيهم، وكذلك بعض أساتذة الجامعة الأمريكية أمثال الدكتور زين زين.

ومن أبرز هذه الدراسات تلك الأطروحة التي قدمها اللبناني حسان حلاق إلى جامعة بيروت العربيةتحت عنوان (موقف الدولة العثمانية من الحركة الصهيونية 1897-1909 م).

كذلك فقد كان للتعليقات التي قدمها أحمد الرشيد على مذكرات السلطان التي ترجمها الأستاذ محمد حرب عبد الحميد، بالإضافة إلى مقالاته المتصلة عن الدولة العثمانية تصحيحاً لمواقف غامضة، كل هذا كان له أثره العميق في إعادة النظر في هذه الصفحة التي أحاطها ضباب كثير.

وقد تحدث الدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفى عن ضرورة فتح ملف الدولة العثمانية من جديد، وجرت في الملتقى الإسلامي الجزائري سنوات 1972 م، 1973 م أبحاث واسعة في هذا الصدد، صححت كثيراً من الأخطاء والشبهات حول الدولة العثمانية والسلطان عبد الحميد، وصدرت لكاتب هذه السطور دراسة واسعة ضمنها كتابه (تاريخ الإسلام: مثدمات العلوم والمناهج) بقي أن نقدم حلقة ثالثة عن المرحلة الثالثة للسلطان عبد الحميد الاتحاديون ومصطفى كمال أتاتورك، فإلى اللقاء.