الرؤية البديلة

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الرؤية البديلة
الإخوان والثورة ، بين العمل السياسي والعمل الحزبي..


د. ياسر جابر الحاج

إهداء

لكل مقاوم باحث عن العدل والحرية في زمن الظلم والاستعباد..

لكل شهيد .. لكل جريح.. لكل مغيب في سجون الخونة والعملاء..

لكل من يؤمن بالثورة المصرية، وشرعيتها وانتصارها الحتمي..

... قوم يعلمون أن فوق كل ذي علم عليم.. وهم يفرحون بكل من يأخذ بفكرتهم إلى وسائل العمل الصحيح، ولا يرى الأخ كذلك أنه إن كان قد جرب مرة أو مرتين أو فوق ذلك فإن ذلك لا ييئسه، ومن واجبه أن يعاود الكرة مرات حتى يظفر بأمنيته ويصادف بغيته ، فإنه إن قنط فاته بذلك خير كثير.. (حسن البنا).

مقدمة

هذا الكتاب يستهدف مراجعة وضعية جماعة الإخوان المسلمين السياسية وعلاقتها بالحياة الحزبية وأثر ذلك على الحالة الثورية الحالية " مصر ما بعد الانقلاب" والتي بدأت تأخذ حالة ثبات " ولا حسم" وكيف يتم تصحيح الخلل وتصحيح وإعادة انتشار الجماعة في ضوء فكر الإمام حسن البنا بشكل تستكمل معه الجماعة ثورتها ورسالتها وتستعيد قوتها رغم كل التحديات.

ولا أنشر هذا الكتاب إلا حبا ووفاء لدعوتي دعوة الإسلام الوسطى الذي تدعو إليه جماعة الإخوان المسلمين التي تعاهدت على رفعة شرعه ودينه والتي تشهد فترة حرجة من تاريخها مليئة بالأحداث والتضحيات بدءا من الثورة المصرية ومرورا بالانقلاب العسكري وحتى لحظتنا الراهنة. وسيكون من دواعي سروري أن تتلقف بعض أذرع الخائن النجسة في الإعلام هذا الكتاب ليقدمونه للناس واهمين أنهم يتصيدون به اختلافا داخل صف الجماعة أو ما سيخيل إلى أذهانهم أنه تراجعا ولكنهم سيسدون لهذا الكتاب أكبر خدمة لنشر أفكاره الداعمة لانطلاق موجة جديدة واسعة للثورة بعد " إعادة انتشار" الجماعة وأفرادها بما يسقط هذا النظام العميل الفاسد، وأيضا سيلفتون الأنظار إلى هذا النموذج لمناخ الانفتاح وحرية الفكر والرأي داخل الجماعة والمفقود داخل نظامهم الشمولي المستبد. وأؤكد مجددا على أن هذا الكتاب اجتهاد خاص بكاتبه ولا يمثل رأي الجماعة بحال من الأحوال ولكنني أطرحه كرؤية بديلة داخل إطار " ورأيي صواب يحتمل الخطأ" .

وجماعة الإخوان المسلمون أسسها الإمام الشهيد حسن البنا في عشرينيات القرن الماضي لتقدم من جديد فكرة شمولية الإسلام بعد أن كان الإسلام على هامش الحياة، ولتعيد إلى الصدارة فكرة التشريع الإسلامي بعد أن كان قد انحسر تماما عن الثقافة والتشريع. إنها الجماعة التي اختلفت عن محاولات الإصلاح السابقة لها بتقديمها جيلا يتمثل الفكرة ويقدمها للناس كنموذج عملي لا مجرد تنظير وثقافة، جيل يعتني بالعلوم الشرعية وينشرها داخل المجتمع بنفس اهتمامه بعلوم ونشاطات الحياة والمعيشة، وبتأسيس مؤسسات اقتصادية ورياضية وفرق كشافة ومؤسسات مجتمعية وثقافية متعددة. ومع بروز دور الجماعة داخل مصر وعظم أثرها على الحياة السياسية والمجتمعية والإقليمية وانتشار فكرتها في العديد من الدول شهدت الجماعة ملاحقة وتضييقها وحصارا لنشاطها بلغ ذروته في سنوات حكم عبد الناصر واستمر هذا التضييق لعقود استطاعت معه الجماعة مواصلة الانتشار والصمود، ثم جاءت لحظة نجاح الثورة المصرية والتي مثلت الجماعة عمودها الفقري لتعيش الجماعة لأول مرة منذ أربعينيات القرن السابق فترة سعة واختفاء للملاحقة الأمنية ولتقم الجماعة بعدها مباشرة بإنشاء حزب سياسي لها وتنافس على السلطة وتحصل على الأغلبية البرلمانية ثم يصل أحد أعضاء الجماعة لرئاسة الجمهورية، ومنذ ذلك التطور شهدت الجماعة أحداثا متلاحقة وتراجعا لشعبيتها في ظل حملة إعلامية محمومة لتنتهي سريعا فترة السعة هذه بالانقلاب العسكري الدموي وتمسي الجماعة بين شهيد وسجين ومطارد، وتعود مجددا دولة مبارك الفاسدة والتابعة للغرب بوجوه جديدة أشد قبحا. وقرارات الجماعة أثناء هذه الفترة لكي تواصل الجماعة طريق الدعوة على بينة ووضوح وخصوصا بعد أن قدمت التضحيات الجسام أثناء وجودها في السلطة وبعد الانقلاب.

وأخيرا أكتب هذه الكلمات اعتقادا مني أنه "لم يفت شيء بعد"، ولعل في هذا الطريق وهذه الرؤية مظنة الوصول ولو بعد حين.

الكاتب

تأصيل ومراجعة

الإخوان والسياسة

وضح الإمام الشهيد حسن البنا غاية جماعة الإخوان المسلمين ووسائلها قائلا" إن غاية الإخوان تنحصر في تكوين جيل جديد من المؤمنين بتعاليم الإسلام الصحيح يعمل على صبغ الأمة بالصبغة الإسلامية الكاملة في كل مظاهر حياتها، وأن وسيلتهم في ذلك تنحصر في تغيير العرف العام وتربية أنصار الدعوة على هذه التعاليم حتى يكونوا قدوة لغيرهم في التمسك بها والحرص عليها والنزول على حكمها" وذلك بمراحل محددة وهي "الفرد المسلم والبيت المسلم وإرشاد المجتمع وتحرير الوطن وإصلاح الحكومة وعودة الخلافة وأستاذية العالم".

وقد ظهرت بعض الشبهات في العشر سنوات الأخيرة قبل الثورة حول مسألة علاقة جماعة الإخوان المسلمين بالسياسة، فظهر مصطلح " الخلط بين الدعوي والسياسي" كمطعن على الجماعة وأصبح موضة على ألسنة بعض الكتاب. ولكن الحقيقة أن الإسلام الذي تدعو الجماعة إليه " سياسي" بالضرورة، والسياسة وأحكامها جزء أصيل من مكونات الإسلام " ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعه" وإننا كمسلمين نعتقد أن لله أحكاما واجبة التنفيذ في حياة الناس " وأن احكم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك" ، فمن سيقوم بهذه الأحكام في السياسة والاقتصاد والمعاملات والقانون والمجتمع إلا القائمين بالحكم؟ وشبه رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم على هيئة سلسلة يستوي فيها "الحكم" بـ "الصلاة ". ومنذ تأسيسها، تتبنى جماعة الإخوان المسلمين مبدأ "شمولية الإسلام" والإمام البنا استفتح ركن الفهم بالتأكيد على أن الإسلام نظام شامل وليس مجرد اعتقادات يحملها الإنسان داخل نفسه بينه وبين ربه فقال:" والإسلام الذي يؤمن به الإخوان المسلمون يجعل الحكومة ركنا من أركانه.. والحكم معدود في كتبنا الفقهية من العقائد والأصول، لا من الفقهيات والفروع، فالإسلام حكم وتنفيذ، كما هو تشريع وتعليم، كما هو قانون وقضاء" ، وظلت كتب الفقه الإسلامي قديما وحديثا فياضة بأحكام الإمارة والقضاء والشهادة والدعاوي والبيوع والمعاملات والحدود والتعزيزات والمعاهدات وقواعد السلم والحرب وحقوق الأقليات والشورى وقواعد التشريع.

ولهذا شجع الإمام البنا من أسماهم بـ " المصلحين الإسلاميين" من الإخوان ومن غيرهم على التقدم لتولي السلطة التنفيذية مؤكدا: " إن قعود المصلحين الإسلاميين عن المطالبة بالحكم جريمة إسلامية لا يكفرها إلا النهوض واستخلاص قوة التنفيذ من أيدي الذين لا يدينون بأحكام الإسلام الحنيف" وهكذا ينبغي على كل من يجد في نفسه القدرة والإمكانية للحكم فلا يبخل بجهده على أمته ووطنه ودينه والتقدم لهذه المهمة. وينادي فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي بوجوب تكوين الأحزاب السياسية كذلك:" إن تكوين الأحزاب السياسية أصبحت وسيلة لازمة لمقاومة طغيان السلطات الحاكمة ومحاسبتها، وردها إلى سواء الصراط، أو إسقاطها ليحل غيرها محلها، وهي التي يمكن بها الاحتساب " على الحكومة والقيام بواجب النصيحة والأمر بالمعروف، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

إلا أنه برغم كل ذلك كان الإمام البنا واضحا في رفضه أن تطالب الجماعة بنفسها بالحكم ورفض بشكل قاطع أن تتحول الجماعة إلى حزب أو حتى تنحاز إلى حزب بعينه، فأكد أن الإخوان " لا يطالبون بالحكم لأنفسهم " وعلى هذا ف الإخوان المسلمون لا يطلبون الحكم لأنفسهم فإن وجدوا من الأمة من يستعد لحمل العبء وأداء هذه الأمانة والحكم بمنهاج إسلامي قرآني فهم جنوده وأنصاره وأعوانه" وأضاف: " وإن لم يجدوا، فالحكم من مناهجهم وسيعملون لاستخلاصه من أيدي كل حكومة لا تنفذ أوامر الله. وعلى هذا فالإخوان المسلمون أعقل وأحزم من أن يتقدموا لمهمة الحكم ونفوس الأمة على هذا الحال، فلابد من فترة تنتشر فيها مبادئ الإخوان وتسود، ويتعلم فيها الشعب كيف يؤثر المصلحة العامة على المصلحة الخاصة" ، فجعل لهذا الأصل" عدم التقدم للحكم" شروطا استثنائية لم تتوفر في زماننا حتى الآن.

كما جعل الإمام البنا البعد عن الأحزاب من خصائص دعوة الإخوان وصفاتها الأساسية " البعد عن الهيئات والأحزاب" ، وقال مستنكرا في موضع آخر: " أما أن سياسيون حزبيون نناصر حزبا ونناهض آخر فلسنا كذلك ولن نكون، ولا يستطيع أحد أن يأتي على هذا بدليل أو شبه دليل".

وعندما وصف جماعة الإخوان ذكر شمولها بأنها "دعوة سلفية، وطريقة سنية، وحقيقة صوفية، وجماعة رياضية، وهيئة سياسية، ورابطة علمية ثقافية، وشركة اقتصادية ، وفكرة اجتماعية" ، وفسر معنى قوله " هيئة سياسية" (المشروع السياسي للجماعة) قائلا: " يطالبون بإصلاح الحكم في الداخل وتعديل النظر في صلة الأمة الإسلامية بغيرها من الأمم في الخارج، وتربية الشعب على العزة والكرامة والحرص على قوميته إلى أبعد حد" فأكد أن دور الإخوان السياسي كجماعة هو أنهم " يطالبون بإصلاح الحكم" لا أن يحكموا، بالرغم من أنه شجع أفراد الجماعة وغيرهم للتقدم للحكم ولكن بغير صفة الجماعة كما سيأتي لاحقا.

لماذا رفض الإمام البنا تحزب الجماعة

كان أهم سبب ساقه البنا لذلك أن من أهم أدوار وطبيعة دعوة الإخوان ورسالتها داخل الأمة الإسلامية أنها " تجمع ولا تفرق" " وأما البعد عن الاتصال بالأحزاب والهيئات فلما كان ولا يزال بين هذه الهيئات من التنافر والتناحر الذي لا يتفق مع أخوة الإسلام، ودعوة الإسلام عامة تجمع ولا تفرق ولا ينهض بها ولا يعمل لها إلا من تجرد من كل ألوانه وصار لله خالصا" ، وأكد الإمام البنا مرارا أن الدعوة لوحدة الأمة وقواها المختلفة هو ركن أساسي في منهج الجماعة " أما غاية الإخوان الأساسية، أما هدف الإخوان الأسمى.. فهو إصلاح شامل كامل تتعاون عليه قوى الأمة جميعا وتتجه نحوه الأمة جميعا" .

فهكذا أعلن البنا مبكرا موقف جماعة الإخوان الرافض للتحزب والبعد تماما عن الأحزاب، وقال " ووسيلتهم في الوصول إلى تحقيق هذه الغايات الإسلامية السامية وسيلة واحدة: أن يبينوا ما فيها من مزية وأحكام، حتى إذا ذكر الناس ذلك واقتنعوا بفائدته أنتج ذلك عملهم له ونزولهم على حكمه" ، وعندما سمى " مرحلة الحكومة" في مراحل الدعوة كان دقيقا في وصفه بـ " إصلاح الحكومة" وليس بـ "تولي الحكم".

ورغم أن البنا كان واضحا في عدم المطالبة بالحكم وعدم التحزب والارتباط بالأحزاب إلا أنه أيضا لم يرض للجماعة أن يكون دورها الكلام وحسب وأن تكتفي بمهمة الوعظ والإرشاد " والإسلام لا يكتفي من المسلم بالوعظ والإرشاد" وإلا سيكون نتيجة جهدها كما قال " صرخة في واد ونفخة في رماد" ، فما هو إذن الدور السياسي للجماعة إذا كانت لن تحكم وفي نفس الوقت لا يكفي أن يكون دورها الوعظ والإرشاد؟

دور الجماعة السياسي

والدور السياسي للجماعة يتمثل في مسارين كما وضح الإمام البنا. المسار الأول هو " النضال الدستوري" فيقول : " أما وسائلنا العامة: فالإقناع ونشر الدعوة... ثم استخلاص العناصر الطيبة لتكون هي الدعائم الثابتة لفكرة الإصلاح ثم النضال الدستوري حتى يرتفع صوت هذه الدعوة في الأندية الرسمية وتناصرها وتنحاز إليها القوة التنفيذية " ، والمسار الثاني هو دور أفراد الجماعة كأشخاص وسماهم " المصلحين الإسلاميين " ( من الإخوان وغير الإخوان) والذين حملهم مسؤولية المشاركة في العمل السياسي البرلماني والتقدم لشغل مواقع السلطة التنفيذية إن أمكنهم ذلك، وأوضح البنا دورهم هذا تفصيليا في أواخر سنين حياته فقال:" وحين بدا لهم أن يخوضوا معركة الانتخابات البرلمانية لم يريدوا أن يكون ذلك باسم الهيئة، بل أصدرت الهيئة قرارا بالإذن لمن شاء من الإخوان أن يرشح نفسه بذلك على أن يكون بصفته الشخصية لا بصفته الإخوانية، حرصا على ألا تقحم الهيئة (الجماعة) بصفتها العامة في خصومة الأحزاب السياسية.. " فشجع الإخوان كأفراد على التقدم للحكم بصفتهم الشخصية أو أي صفة أخرى ولكن ليس بصفة الجماعة حتى تبقى الجماعة كيانا موحدا للأمة ولا تدخل بصفتها في خصومات مجتمعية وصراعات حزبية لأن ذلك الاتجاه سيكون عكس ما تدعو إليه الجماعة وتحرص عليه وهو وحدة هذا المجتمع وجمع قوى الإصلاح به، وأكد مرارا أن الإخوان " ... كانوا على استعداد كامل دائما لوضع يدهم في أيد أية هيئة تعمل لصالح هذا البلد أو لخير الدين أو الوطن، وكانوا أسبق الناس في ترديد الدعوة إلى الوحدة وضم الجهود".

النضال الدستوري

وأما النضال الدستوري وهو دور الجماعة السياسي العام لإصلاح الحكومة فقد فصل فيه بقوله: " وأما أننا سياسيون بمعنى أننا نهتم بشئون أمتنا، وأننا نعمل جاهدين لاستكمال الحرية ولإصلاح الأداة التنفيذية فنحن كذلك، ونحن لا نعلم دعوتنا ولا نتصور معنى لوجودنا إلا تحقيق هذه الأهداف، ولم نخرج بذلك قيد شعرة عن الدعوة إلى الإسلام ، والإسلام لا يكتفي من المسلم بالوعظ والإرشاد" ، ومسمى هذا الدور " النضال الدستوري" الذي وصفه الإمام البنا قريب جدا في عصرنا الحالي من مصطلح " جماعات الضغط" في مصطلحات العلوم السياسية الحديثة.

وتعريف جماعة الضغط (أو جماعة المصالح) هي مجموعة من الأفراد يجمعها العمل من أجل تحقيق مصالح مشتركة عن طريق استخدام كل ما تملكه من وسائل ضغط في إطار القانون، وتختلف عن الأحزاب بأنها لا تسعى إلى تولي السلطة بذاتها، ولكنها تمارس ضغطا وتأثيرا على السلطة التنفيذية لدفعها وإجبارها على الاستجابة لمطالبها سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو فكرية أيديولوجية.

وأدوات جماعات الضغط تشمل التأثير مباشرة مثل: التواصل المباشر مع القيادات التنفيذية بالإقناع أو بالضغط والاحتجاج واقتراح المشاريع والقوانين والقرارات والتأثير غير المباشر بتعبئة الرأي العام لحث أصحاب القرار على اتخاذ القرارات المطلوبة ونشر الأفكار والقيام بالحملات لمناصرة سياسات ورفض أخرى والقيام بالفعاليات الجماهيرية والاتصال بالنخبة وشن حملات المقاطعة الاقتصادية وحملات لإقرار قوانين ورفض أخرى والدعوة للتظاهر وإصدار صحف ووسائل إعلامية ورفض حكومات ودعم أخرى وإنشاء مؤسسات مثل المدارس والجامعات والمشروعات الاقتصادية ودعم مرشحين في الانتخابات ورفض آخرين والدفع بمرشحين في النقابات والجمعيات ... إلخ.

وبهذه الأساليب تتحكم بعض جماعات الضغط في تسيير سياسات الدول الكبرى بدون أن تتصدر سدة الحكم ، انظر إلى اللوبي الصهيوني في أمريكا ولا يترشح رسميا باسمهم ولكنهم يدعمونه بما لديهم من قوة لتحقيق أهدافهم السياسية، ولذلك يطلب جميع المرشحون دعم هذا اللوبي الذي يملك المال والانتشار المجتمعي والذي يتحكم بالفعل ويوجه السياسة الأمريكية كجماعة ضغط. وانظر إلى نموذج الكنيسة المصرية وأثرها في الحياة السياسية المصرية وكيف تمارس ضغوطا لتحقيق مكتسبات سياسية، وكيف تستغل كل إمكاناتها المادية والفنية والبشرية والاقتصادية لإنجاح مرشح معين ولكنه ليس بالضرورة أن يكون مسيحيا أو أن يمثل حزبا مسيحيا. وفي العالم الغربي أيضا توجد جماعات ضغط أخرى مثل جماعات البيئة وتحالف أصحاب رؤوس الأموال والتي تؤثر في سياسات الدول وتلوي ذراع الحكومات. هذا هو معنى "النضال الدستوري" الذي فسره البنا بقوله: " حتى يرتفع صوت هذه الدعوة في الأندية الرسمية وتناصرها وتنحاز إليها القوة التنفيذية" ففرق بينها وبين السلطة التنفيذية، فهكذا دور جماعات الضغط، يخطب ودها جميع السياسيين وجميع الأحزاب وتملي شروطها على الحكومات مع احتفاظها بنزاهتها فهي لا تمد يدها لأحد ولكنها تناصر مبادئها وحسب، وتظل دائما في موقف اليد العليا في المجتمع والحياة السياسية، ومن أهم معايير قوة جماعات الضغط هو انتشارها واستقلالها المالي ووحدة هدفها.

هكذا كون البنا من جماعة الإخوان المسلمين " جماعة ضغط" نموذجية لتحقيق المرحلة الدعوية التي كنا بصددها إبان الثورة وهي مرحلة " إرشاد المجتمع وإصلاح الحكومة" ، وقد أكد البنا أن هذا الدور السياسي للجماعة يختلف جملة وتفصيلا عن العمل الحزبي:" الفارق بعيد بين الحزبية والسياسية، وقد يجتمعان وقد يفترقان، فقد يكون الرجل سياسيا بكل ما الكلمة من معان وهو لا يتصل بحزب ولا يمت إليه، وقد يكون حزبيا ولا يدري من أمر السياسة شيئا، وقد يجمع بينهما فيكون سياسيا حزبيا أو حزبيا سياسيا حد سواء، وأنا حين أتكلم عن السياسة في هذه الكلمة (أي عن الدور السياسي للجماعة) فإنما أريد السياسة المطلقة، وهي النظر في شؤون الأمة الداخلية والخارجية غير مقيدة بالحزبية بحال" . فهكذا إذن يكون أعضاء جماعة الإخوان سياسيون وليسوا حزبيون، وفي أواخر سنوات حياته كتب الإمام البنا مخلصا:" ومن كل هذا الذي تقدم يبدو الفرق الواسع بين الوطني والسياسي، فالوطني يعمل لإصلاح الحكم لا الحكم، ولمقاومة المستعمر للحصول على الحرية، لا ليرثه في السلطة، ولتركيز منهاج وفكر ودعوة لا لتمجيد شخص أو حزب أو هيئة، ولهذا يحرص الإخوان المسلمون على أن يكونوا دائما وطنيين لا سياسيين ولا حزبيين" .

وهنا يجب للتأكيد على أن كلمة البنا " أننا نعمل لإصلاح الحكم لا الحكم" بأن هذا ضابط حركي وليس ضابط شرعي، فالوصول للسلطة وطلبها ممن يظن في نفسه الكفاءة ليس به أي حرج شرعي، وليس من المنطقي أن يحارب الإخوان ليحكم غيرهم بالمطلق وكأنهم أقل من البشر، والإمام المؤسس يؤكد أيضا على أن القعود عن المطالبة بالسلطة والحكم " جريمة" ولكن الفارق: أن يسعى للسلطة يجب أن يتحرك بصفة غير صفة الجماعة بينما تبقى الجماعة في مكانها داخل المجتمع.

وإذا راجعنا تاريخنا فسنرى أننا قمنا بتلك الأدوار طوال تاريخنا أثناء الضغط والقمع والحصار، ثم جاءت الثورة المصرية التي كنا عموها الفقري وجسمها الصلب وأزالت القبضة الأمنية ودخلنا مرحلة انفتاح مجتمعي، فبدلا من البقاء داخل المجتمع لنستكمل ثورتنا ونستأنف مرحلة إرشاد المجتمع ونلتحم به ونداوي نقاط ضعفنا لتقديم نموذجنا الفريد داخل المجتمع الصالحين على المشاركة السياسية وتنمية جهود الإصلاح، بدلا من ذلك قررت الجماعة إنشاء " حزبها الخاص" بالمخالفة لكل ما تقدم من شروح وتأكيدات البنا وتفسيراته لهذه المبادئ وبدو مراجعة لهذه المبادئ داخل الصف، بل وربطت هذا الحزب بالجماعة بعلاقة تبعية أصبحت معها الجماعة حزبا سياسيا بشكل عملي بدن اللافتة، ودخلت بصفتها وبكل جسدها في صراع الأحزاب السياسية لتنافس على السلطة بالمخالفة لصريح فكر الإمام المؤسس كما تقدم، من هنا بدأ الخلل ومن هنا بدأت الجماعة تعاني نزولا حادا في شعبيتها بعد بدء المنافسة على السلطة مباشرة واستمرت في فقدان رصيدها الشعبي بشكل متصاعد ليسهل البطش بها ولتصل إلى ما وصلنا إليه اليوم.

صدور القرار وتبعاته

صدر تصريح مكتب الإرشاد بقرار إنشاء حزب الحرية والعدالة بعد الثورة المصرية مباشرة، وشفعه قرارا ثانيا بمنع انضمام أي فرد من جماعة الإخوان المسلمين إلا لهذا الحزب أو "الفصل" من الجماعة هو مصير كل من ينضم من الجماعة لأي حزب آخر غير " حزب الإخوان" ، حيث قال الدكتور محمود حسين، الأمين العام لجماعة الإخوان المسلمين حينها:" كل من سينتمي لحزب آخر عليه أن يختر بين الحزب والإخوان، فلو أصر على الانضمام لحزب آخر فإما أن يتقدم باستقالته طواعية أو سيتم فصله" وتم تهديد البعض بالفعل بهذا القرار، وتم تبرير هذا القرار الداخلي في لقاءات مجمعة لوضوح الرؤية حيث قيل " نحن أولى به" عنه من يريد الانضمام لأي حزب سياسي غير "حزب الإخوان" ، وهكذا أصبحت الجماعة " تمتلك" حزبا. علما بأن الكثير من الإخوان وبعضهم أعضاء من مجلس الشورى العام لم يعلموا بهذا القرار حتى اليوم.

وشهد إعلان علاقة الجماعة بالحزب عدة تغيرات وتطورات، فقد بدأ بتصريح فضيلة المرشد بأن " الحزب سيكون منفصلا عن الجماعة"، ثم تبعه التصريح ب " أن الحزب سينفصل بعد أن يشتد عوده"، ثم الحديث عن أن " الجماعة هي الرافعة المجتمعية للحزب" وأنه فقط يجري بينهما " تنسيق"، وقيل بعد شهور أنه " الذراع السياسية للجماعة". وبينما الخطاب الرسمي للجماعة يصرح بأن الجماعة منفصلة عن الحزب، إلا أن قرار الجماعة بفصل أعضائها في حالة الانضمام لحزب آخر أصبحت معه الجماعة عمليا وكأنها حزب سياسي، وهذا هو "القرار المشكلة" وهو الذي يمثل بداية المخالفة الحقيقية لفكر الإمام البنا كما يفترض هذا الكتاب، ويفترض أيضا أن هذا القرار هو أحد أهم أسباب أزمتنا اليوم بعد الثورة وبعد الانقلاب أيضا.

هل تحولت الجماعة بالفعل لحزب سياسي؟

من حيث الشكل والمظهر الخارجي يبدو على السطح الخارجي أن الحزب والجماعة كيانان منفصلان والعلاقة بينهما علاقة تنسيق كما ذكر من قبل، ولكن الحقيقة أن الجماعة تحولت بشكل عملي إلى حزب سياسي يسري عليه كافة صفات وأحكام الأحزاب السياسية، فعلى أي شيء يسري عليه كافة صفات وأحكام الأحزاب السياسية، فعلي أي شيء يستند هذا القول؟ فلنبحث عن إجابات للأسئلة التالية الكاشفة لتتضح الصورة:

سؤال: هل يصح لنا أو لغيرنا أن يدعي أحد أنه يمثل وحيدا العمل الإسلامي الحزبي؟ وللتوضيح، ماذا سيكون الحال في حالة قيام آخرين من المواطنين المعتدلين في فهمهم للإسلام من خارج الإخوان (من الأزهريين مثلا) بإنشاء حزب ذو مرجعية إسلامية تتطابق تماما مع منهج الجماعة في الفكر والتوجهات العامة؟ المتوقع بالطبع أنا سنشجع ذلك الحزب ونرحب بانضمام المزيد من أبناء الوطن لمنهج الإسلام الصحيح الذي ندعو إليه، فهل يستقيم أننا كجماعة نشجع هذا التوجه الإسلامي لأحد الأحزاب الأخرى وفي نفس الوقت نعاقب بالفصل من يريد من أفرادنا العمل معهم أو الانضمام إليهم . هل نناصر حزبا إسلاميا غيرنا فننتصر للمبدأ أو ننافسهم انتصارا لأعضاء " حزبنا"؟ (علما بأن من مبادئنا القول المنسوب إلى الإمام البنا " كم من وليس فينا، وكم فينا وليس منا").

سؤال: ماذا سيكون الحال إذا قدمت الدعوة الفردية أخا لنا يقتنع بفكر الإخوان قولا وعملا ويؤمن بوجوب العمل للإسلام والتضحية من أجل نصرته ولكنه عضو بحزب آخر ذو توجه " إسلامي صحيح" هل سيضم للجماعة؟ حسب قرار قيادة الجماعة لن يدخل صفوف الإخوان إلا بعد أن يستقيل من الحزب الإسلامي الآخر حتى يصبح فردا في الجماعة. فهكذا تصبح الجماعة والحزب عمليا كيانا واحدا.

ولكن الحقيقة أن " أعضاء الجماعة" هم من قاموا بالانضمام إلى الجماعة بإرادتهم لإيمانهم بمنهجها وفكرها، وبالتالي يعد خارجا عن الجماعة من تخلى عن هذا الفكر والمنهج، فالذي ينبغي أن يفصل من الجماعة هو الذي ينضم إلى حزب ذو مرجعية غير إسلامية. ففي هذه الحالة سيفصل من الجماعة لأنه خالف المبدأ والفكرة والمنهج وليس لأنه خالف " حزب الإخوان" هكذا نكون جماعة دعوة ومنهج لا حزب سياسي.

سؤال: يقول الإمام البنا:" نهيب بالكبراء والأعيان والهيئات والأحزاب أن ينضموا إلينا، وأن يسلكوا سبيلنا وأن يعملوا معنا"، فمن سيدعو باقي الأحزاب التي لا تنتهج المنهج الإسلامي؟ كيف سندعوهم وقد نزلنا بكل جسم دعوتنا ننافسهم للوصول إلى السلطة؟

سؤال: ماذا سيكون موقفنا إذا قمنا كجماعة بدعوة الأحزاب الأخرى للمنهج الإسلامي فاستجاب أحدهم وغير برنامجه ليتوافق مع المنهج الإسلامي؟ هل سننافسه على السلطة وتكون المنافسة بصفتنا أننا الحزب الذي يمثل المرجعية الإسلامية أم سنطلب منه أن يحل نفسه وينضم لحزبنا لأننا الحزب الوحيد الذي يمثل المرجعية الإسلامية؟ وإذا رحبنا فكيف نرحب بتوجهه الإسلامي ونفصل من ينضم إليه من أعضائنا؟ أو نشترط على أعضائه الاستقالة منه للعمل معنا؟

وماذا سيحدث إذا كنا كجماعة ليس لدينا الكوادر المؤهلة فنيا للقيام بالدور الإداري المطلوب في المناصب الإدارية للدولة وقدما نماذج ناجحة في الإدارة والعمل السياسي ( يعني باللغة العامية " لو طلعنا فاشلين" وقد حدث ذلك بالفعل في اختيارات لم تكن مناسبة وإخوان ظهر أداؤهم دون المستوى وآخرين ظهر عليهم بعض التغيرات مثل الاعتداد بالنفس وخلافه من تغيرات النفوس البشرية) ماذا ستكون النتيجة ؟ ألن يؤثر ذلك سلبيا على الفكرة الإسلامية التي تدعو لها الجماعة وحفاوة الناس لها كمرجعية للعمل السياسي؟

وماذا سيكون الأثر السلبي على الدعوة على المستوى العالمي بصفتنا "جماعة أم" ونحن نرهن الفكرة والمنهج على مستوى العالم بتجربة سياسية غير محسوبة يقودها سياسيون هواة لا محترفون مهما كانت درجة إخلاصهم؟

والسؤال الأهم هل يمكن جمع المنهج الإسلامي في حزب واحد؟

وإجابة هذا السؤال: مستحيل ، فالقرار محل النقد في هذا البحث يفترض أن حزب الحرية والعدالة هو الحزب الوحيد الذي سيمثل المنهج الإسلامي الذي دعت جماعة الإخوان المسلمين إليه على مدار العقود وهو ما يسمى " بـ الفهم الوسطي للإسلام" وتدعو الناس لانتخابه بناء على ذلك، وهذا الافتراض غير صحيح ولا يعبر عن فهم البنا وفهم الجماعة للإسلام لماذا ؟ لأن الحزب يتعامل مع تفاصيل العمل السياسي والإداري للدولة بإجراءات وتفاصيل (مثل المياه والكهرباء والدعم والتعليم والتجارة... إلخ) ، فهل ستمثل هذه الأفعال دعوة الإسلام التي دعونا إليها ويمكن جمع الأمة عليها؟

إن الإمام البنا وعندما وصف الإخوان المسلمين (إسلام الإخوان المسلمين) بالتالي: أولا شمولية الإسلام، وثانيا مرجعية الكتاب والسنة، وثالثا أننا نعتقد أن الإسلام يقرر أحكام إجمالية وقواعد عامة كلية لا تفصيلية، وهذه القواعد تنظم الأمور الدنيوية الفرعية والتي من طبيعتها التغير والمرونة، فيقول البنا:" يعتقد الإخوان المسلمون أن الإسلام جاء أكمل وأسمى من أن يعرض لجزئيات هذه الحياة وخصوصا في الأمور الدنيوية البحتة، فهو إنما يضع القواعد الكلية في كل شأن من هذه الشؤون ، ويرشد الناس إلى الطريق العملية للتطبيق عليها والسير في حدودها" وقال: الإسلام وضع الأصول الكلية، والقواعد العامة، والمقاصد الجامعة، وفرض على الناس تحقيقها، وترك لهم الجزئيات والتفاصيل يطبقونها بحسب ظروفهم وعصورهم، ويجتهدون في ذلك ما وسعتهم المصلحة وواتاهم الاجتهاد" ولهذا فاعتبار أن مشروع الإخوان الدعوي الإسلامي الوسطي يمكن حصره في تجربة واجتهاد حزب واحد يناقض هذا المبدأ فلا يمكن جمع الأمة أبدا على برنامج سياسي حزبي واحد، والنموذج الإسلامي في صدر الإسلام اتفق فيه الصحابة الكرام على الأصول وتفاوتت اختياراتهم في الأولويات والأساليب فمنهج وسياسات الخلفاء الراشدين مختلف في كثير من السياسات وكلهم " إسلاميون" والإخوان المسلمون يقرون بهذه الاختلافات في التطبيق وتفاصيل الأحكام، بل ويباهون بمرونة المنهج الإسلامي في التعامل مع فرعيات الأحكام، ويقرون بإمكانية حدوث الخلاف الفقهي والتشريعي في الفروع والتفاصيل، ويرفضون جمع الجماعة نفسها على رأي فقهي واحد.

يقول العلامة الدكتور يوسف القرضاوي:" تعدد الأحزاب في السياسة كتعدد المذاهب في الفقه" فكما لا يمكن جمع المسلمين على مذهب فقهي واحد فلا يمكن أيضا جمع منهج الإسلام بما له من مرونة في التطبيق وسعة في الاختيار ونضع هذا المنهج كله في أسلوب وسلوك هذا المحافظ أو ذاك الوزير أو هذا النائب ونزعم أن ما يقوم به هو منهج الإسلام ونفترض أن ما عداه لن يكون إسلاميا وننافس الآخرين باسم الإسلام في الانتخابات ونحن وإن كنا نتشرف ونتقرب إلى الله بالدعوة إلى المنهج الإسلامي ونعتقد أنه خير المناهج وأسماها على الإطلاق إلا أننا نعتقد أننا لسنا وحدنا بالضرورة خير من يمثل هذا المنهج كأشخاص ولكن هدفنا الأصيل هو نجاح المنهج وتطبيقه على أيدي أبناء هذه الأمة.

شواهد التجربة و " وصمة السلطة"

ظللنا طوال فترات الكبت الدعوي والانسداد السياسي والملاحقات الأمنية منذ ثورة يوليو نحلم لو أزيلت المعوقات والحصار المفروض بيننا وبين الشعب ماذا سنصنع؟ لم تغب عنا أحلام المساجد وقد فتحت، والفضائيات وقد أتيحت لنا، والعمل الفني وقد فتح ساحته للأطهار، والدعوة وقد انتشرت والمؤيدين الذين سينضمون لنا بعد زوال العوائق الأمنية و و و ...وماذا حدث. هل انطلقت الدعوة بالمساجد وازدهرت الدعوة الفردية والتف حولنا المجتمع؟ هل انطلق الإخوان في الفضائيات يتكلمون عن المنهج وينشرون دعوتهم في كل مكان وكل ساحة ليعرف المجتمع حقيقة فكرتنا ودعوتنا وتاريخنا؟ هل دخل المحبون لفكرة الإخوان في دوائر الإخوان أفواجا وزاد " الضم" لهيكل الإخوان بشكل يوازي ما حدث من انفتاح؟ هل حدث تطوير في الدعوة ووسائلها وانتشارها وتعديل اللائحة والتحول للمؤسسية؟

للأسف لم يحدث. وكانت الفاجعة أن نشاط الدعوة كان متواضعا جدا إذا قورن بما ينبغي أن يكون بعد جو الثورة والانفتاح وزوال القبضة الأمنية. ولم تستشعر القيادة الخطر وتقوم بالمراجعة والانتباه لهذا الضعف في الأداء.

أما شعبية الإخوان فقد بدأت أيضا في التدني مباشرة مع استفتاء 19 مارس مع ظهور الإخوان أمام الشعب في شكل المتطلع للسلطة بصفته صاحب الفرصة الأكبر في الوصول لها، وظهر تدني الشعبية هذا أيضا في انتخابات اتحاد الطلاب بعد الثورة، وكأن الشعب ينظر إلينا نظرة المستغرب من هؤلاء الذين ضحوا طوال هذه العقود من أجل الدعوة لمبادئهم حتى إذا لاح الكرسي في الأفق انطلقوا نحوه مسرعين وكأن هذا الكرسي الذي أذل أعناق الشعب كان غايتهم طوال كل هذه السنين. وظلت صورة " الهرولة نحو السلطة" هي الأكثر بروزا في مخيلة أكثر مؤيدي الإخوان في السابق فعزفوا عن الاشتراك في " حزب الإخوان" ، ليس فقط لأنهم يعلمون مسبقا أنهم سيكونون أقرب إلى الديكور داخل الحزب الذي ستتخذ قراراته من داخل الجماعة، ولكن أيضا لاهتزاز صورة الجماعة في نظرهم.

إن مرحلة " إرشاد المجتمع" لم تتح لها فرصة للعمل خلال تاريخ الجماعة الثمانين مثل تلك اللحظة. لحظة الثورة المصرية، ولكن القيادة سلكت طريق السلطة بدلا من البدء بقوة في مرحلة المجتمع، وخدعنا بحقيقة أننا أقوى الجماعات داخل المجتمع وأقوى من كل الأحزاب، وهذا صحيح، ولكن ذلك ليس لأننا نمتلك الكفاءة اللازمة ولكن لأن الآخرين كانوا أكثر منا ضعفا بل هم أقرب إلى العدم. وتناسينا كجماعة مشاكلنا التي كنا نعاني منها قبل الثورة مثل ضعف الوارد وضعف المستوى التربوي، وضعف الانتشار في المدن ومع النخبة وذهاب الريادة منا في العمل المسجدي في المدن وقلة الرموز والقيادات السياسية المجتمعية وندرة الكفاءات الإعلامية والفنية. ورغم أن هذه المشكلات قد أتيح لها فرصة الحل بعد الثورة بأن تتحرك الجماعة الحركة الطبيعية داخل المجتمع التي تعيد لدعوتنا الخصوبة والانتشار، ولكن ظهرت الجماعة كدعاة يمدون أيديهم للمجتمع ليأخذوا أصوات الناس في الانتخابات ليصعدوا إلى كرسي السلطة، كانت هذه الصورة هي ما أصابت الجماعة بـ " وصمة السلطة" وشبهة النفع".

وأرجو ألا يزايد أحد على هذه الشبهة بالدفع بأن السلطة تعد لدينا " مغرما" ، فالسلطة غنيمة في حد ذاتها ولها زينتها وشهوتها في قلوب الناس كما قيل في التراث:" آخر ما ينزع من قلوب الصالحين حب الرئاسة" ورغم كل الخسائر المادية والتضحيات وطهارة اليد التي قدمها الإخوان وهم في السلطة ( وأنا أشهد على ذلك) ولكن السلطة كانت بمثابة " وصمة" كبلت هؤلاء الدعاة ووضعتهم في إطار أصحاب المصلحة.هكذا تعثرت الدعوة بعد أن كبلت بـ " وصمة السلطة" ، وقوبلت كل جهود الإخوان بالجحود من الناس الذين وضعنا في وعيهم في إطار " أصحاب المصلحة" وهي مصلحة " السلطة" التي ما زالوا ينظرون إليها بنظرة التقديس والخوف، وقالوا" أهم المشايخ طلعوا كانوا بيعملوا كل ده علشان يركبونا زي ما كان الظلمة راكبينا".

وكان سلوك عموم الناس مع التجربة متوقعا فهم " حديثوا عهد بجاهلية" هذا السبب الذي دفع رسولا الكريم لترك بعض المصالح لتجنب الوقوع في مفاسد اشد، ووضحه البنا عندما حذر من الاقتراب من السلطة بقوله " ونفوس الأمة على هذه الحال" فقال: وعلى هذا فالإخوان المسلمون أعقل وأحزم من أن يتقدموا لمهمة الحكم ونفوس الأمة على هذا الحال ، فلابد من فترة تنتشر فيها مبادئ الإخوان وتسود، ويتعلم فيها الشعب كيف يؤثر المصلحة العامة على المصلحة الخاصة" ، فهكذا تعجلنا الثمرة وتجاوزنا كلام البنا الواضح كالشمس عن شروط هذه المرحلة مع علمنا علم اليقين أن المجتمع غير مؤهل بعد لتقبل المنهج الإسلامي ودفع ثمن التمسك به.

وكيف إذن تنتشر مبادئ الإخوان وتسود كما قال البنا؟ ومتى سيتعلم الشعب كيف يؤثر المصلحة العامة على المصلحة الخاصة إلا بتقديم نموذج عملي يقدم القدوة للشعب بل وللأمة كلها برجال يسارعون نحو التضحيات ويترفعون عن المغانم:" أن دعوة الإخوان المسلمين دعوة نزيهة قد تسامت في نزاهتها حتى جاوزت المطامع الشخصية، واحتقرت المنافع المادية، وخلفت وراءها الأهواء والأغراض، فلسنا نسأل الناس شيئا، ولا نقتضيهم مالا ولا نطالبهم بأجر، ولا نستزيد وجاهة، ولا نريد منهم جزاء ولا شكورا، إن أجرنا في ذلك إلا على الذي فطرنا" ، فكان لابد من تقديم قدوة للمجتمع أولا. وفي حالة تحقق شرط البنا هذا وهو تغير المنظومة القيمية للشعب بما يقدم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة سيكون التقدم للحكم حينها شكل من أشكال التقدم وقت التضحيات من أجل الصالح العام، عندها ينطبق عليها وصف رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) " إنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها"، ولكن التقدم للسلطة في زمننا هذا الذي يتطلع فيه الشعب لها ويتمسح بها ويدفع في سبيلها الملايين من أجل المغنم والجاه لا يعتبر تضحية في أعين الناس بحال، واشهد مجددا أن السلطة كانت مغرما ومليئة بالتضحيات لمن أعرفهم من الإخوان ولكنها للسف لم تظهر إلا عكس ذلك في أعين الناس.

شبهات وردود

هل الخطأ يتحمله الانقلاب؟

بعض المدافعين عن مسار العمل الحزبي الذي سلكته الجماعة يقولون أن الانقلاب كان حتمي الحدوث مهما فعلنا، وأننا أفشلنا ولم نفشل. فالدولة العميقة للنظام الخائن شوهتنا بالإعلام ليستطيعوا القيام بالانقلاب في جميع الأحوال سواء انفصلنا عن الأحزاب أو تحولنا لحزب.

أولا، من العبث إلقاء اللوم على الخصم فماذا تتوقع منه. وثانيا لو كان الصراع محسوما بالهزيمة من أول يوم لكان من الأمانة عدم إعطاء وعود بالنجاح والنهضة. ولكن البقاء على كرسي الحكم كان دليلا على أنه إما أنه كانت هناك فرصة للنجاح أو أن هناك فشلا في إدراك الواقع.

والأهم هو إدراك السبب الحرج الذي أدى للفشل، وهو انهيار شعبية الجماعة، فهل هناك أي جديد في حملات الإعلام؟ هل توقف الإعلام عن محاربتنا يوما؟ وبكل السبل وعلى مدار العقود؟ هل نسينا " مسلسل الجماعة"؟ هل نسينا " حالة حوار" وبرامج التوك شو وكل هذا القيح الإعلامي الذي كان يصب في آذان الشعب المصري؟ ماذا كانت نتيجته ؟ لم يجد شيئا، بل زادت هذه الحملات الإعلامية المحمومة من شعبية الإخوان لتنجح باكتساح في انتخابات 2005 والتي صعد فيها بعض الناخبون على السلالم ودخلوا اللجان من الشبابيك ليدلوا بأصواتهم لمرشحي الإخوان بعدما سدت قوات الأمن حينها لجان الانتخابات . فما الذي تغير هذه المرة لتنجح الحملات الإعلامية بهذا الشكل.

إنها " وصمة السلطة" وشبهة المغنم والمصلحة التي جعلت الناس يتقبلون سموم الإعلام هذه المرة ولتلاقي هوى في نفوس من استكثروا أن يصعد هؤلاء الناس ليكونوا "أسيادهم" فهكذا نجحت هذه الحملة الإعلامية في " حرق الجماعة" هذه المرة لنقف وحدنا تماما بلا أي ظهير شعبي في مواجهة خيانة 30 يونيو، بل وتهلل أكثر الناس فرحا بخطاب الانقلاب على ما فيه من خيانة وما سبقه من جرائم.

وهكذا لم يكن الانقلاب ونجاحه حتميا، ولم يكن الخونة ينقصهم دبابات أو أسلحة أو ضباط خونة فاسدين ليقوموا بانقلابهم، ولكنهم سعوا لإيجاد حاضنة شعبية واسعة لتسوغ انقلابهم، ونحن ساعدناهم في حملتهم هذه بصعودنا للسلطة (الصورية) ليتمكنوا من رقابنا بعد انحسار شعبيتنا جراء ما أسميه " وصمة السلطة" وإن أحد الأدلة على صحة هذا الطرح هو حدوث العكس وارتفاع شعبية الجماعة بشكل تلقائي ومطرد مباشرة من بعد الانقلاب وتنحيتها من السلطة رغم استمرار نفس الحملة الإعلامية الضارية.

الثبات والتجديد

حيث يقول البعض أن كلام " البنا" عن الحزبية كلام يناسب عصره، ولكن هناك متغيرات استدعت التجديد، فإنشاء الحزب الخاص بالجماعة كان نوعا من التجديد لوسائل الدعوة ولا يناقض ما بايعنا عليه، وأن الجماعة قد أصدرت وثيقة مراجعة فكرية بهذا الصدد في عام 1994 راجعت فيه موقفها من الأحزاب.

وهذا الكلام غير صحيح فقد راجعت الجماعة بالفعل موقفها من الأحزاب ولكن فقط من الناحية الفقهية فيما يتصل بجواز وجود الأحزاب شرعا ولم تتطرق أي دراسة أو مراجعة لعلاقة الجماعة بالعمل الحزبي مطلقا. أما وثيقة "المرأة والشورى" وتعدد الأحزاب " التي صدرت عام 1994 فقد قدمت مراجعة شرعية لرأي الجماعة في الحياة الحزبية من الناحية الفقهية بسبب الحرج الذي سببته مطالبة البنا بحل الأحزاب والقضاء على نظام الحزبية في مصر إبان الاحتلال ومطالبته بأن تتوحد في هيئة وطنية واحدة بسبب استغلال الاحتلال البريطاني لخصومة الأحزاب السياسية لصالحه. ولأن هذه النقطة ظلت نقطة هجوم وطعن على الفكر السياسي للإخوان بأنهم لا يقبلون بالتعددية السياسية وأنهم بهذا الكلام يدعون إلى إقامة حكم شمولي، فاستدعى ذلك أن تصدر الجماعة مراجعة لهذه النقطة بهذه الوثيقة في مارس 1994 والتي أقرت بقبولها لمبدأ تعدد الأحزاب من الناحية الشرعية والفقهية وفي الجواز من عدمه: " لذا فإننا نؤمن بتعدد الأحزاب في المجتمع الإسلامي، وأنه لا حاجة لأن تضع السلطة قيودا من جانبها على تكوين ونشاط الجماعات أو الأحزاب السياسية" . وهكذا لم تتطرق هذه الوثيقة بتاتا لإمكانية انخراط الجماعة في العمل الحزبي أو التحول إلى حزب أو التخلي عن مبدأ "البعد عن الهيئات والأحزاب" الذي أكد البنا عليه منذ اليوم الأول للدعوة وحتى استشهاده وبشكل قاطع وبما تحتمله اللغة العربية من معان وألفاظ كما تقدم.

وهكذا أيضا استمر هتافنا التاريخي الذي لم يتغير طوال السنين حتى الثورة " لا لحزب قد عملنا" وهكذا أيضا استمر على هذا الخط مرشدونا الكرام ومنهم الأستاذ مصطفى مشهور في شرحه لأصول الدعوة: " إن أسلوب الأحزاب السياسية لا يصلح معنا ولا تؤمن عواقبه".

وأخيرا نؤكد أن كلام البنا ليس قرآنا وليس فوق المراجعة والتجديد ولكن تبقى أهميته في أنه يمثل الإطار الفكري الذي يجمع أفراد الجماعة، والتجديد فيه وارد ولكن بشرط أن يكون اجتهادا علميا جديدا ويعلن ويتفق عليه بين أفراد الصف، فالاتفاق ينقض فقط باتفاق جديد.

دخول الانتخابات في السابق وحزب الوسط

وهذه الشبهة بالدفع بأن الإمام البنا قد ترشح بنفسه في الانتخابات وأنا كجماعة خضنا الانتخابات البرلمانية والمحلية منذ 1984 وحتى 2010 ، وأن إنشاء الحزب هو امتداد طبيعي لما كنا نقوم به بشكل متكرر. وهذا الكلام وضع في غير سياقه، فالحقيقة أننا لن ندخل الانتخابات يوما في عهد مبارك إلا لاستخدامها كمنابر للدعوة أمام حالة الانسداد الدعوي والسياسي والمجتمعي والحصار الأمني وكوسيلة لانتشار الدعوة و " فتح" أماكن جديدة، وأيضا كان دخول الإمام البنا الانتخابات استثناءا نادرا رغم وجود الكثير من الإخوان ممن يمكنهم الترشح خاصة مع نزاهة الانتخابات وقت الإمام البنا. وقد وضح الإمام البنا أن خطوة دخول الانتخابات كانت حينها لـ " حماية الدعوة" " أن الإخوان في الحقيقة قد اضطروا إلى ذلك (الترشيح) اضطرارا بفعل الحوادث والظروف وحدها فقد كان نشوب الحرب وإعلان الأحكام العرفية وكبت الحريات وتوجيه الاضطهاد إلى الإخوان بحيث لم يكن منفذا للدفاع إلا مجلس النواب" .

وعندما دخلنا الانتخابات في عهد مبارك كنا نخوض أجواء حرب تعرضنا فيها للاعتقال والقتل والمطاردة لا منافسة سياسية للوصول للسلطة، وبهذه الوسيلة بالفعل" الانتخابات" انتشرت دعوتنا واشتهر رموزنا كأبطال مجاهدين.

وفي نفس السياق ولنفس حالة الانسداد السياسي والدعوي تم التحرك لإنشاء حزب بدأ بحزب الوسط الذي خرج أساسا من أجل الجماعة ثم استقل، ثم كان الإعلان عن " برنامج حزب" بعدها ببضعة سنوات، وكانت هذه الخطوة مثلها مثل دخول مجلس الشعب استمرارا " للنضال الدستوري" في معركة لـ" شرعنة" نشاط الجماعة وليس الوصول للحكم. وكان رد الأستاذ مصطفى مشهور رحمه الله عندما سئل عن حزب الوسط قال: " أن الحكومة تعلن أن جماعة الإخوان جماعة غير شرعية وتقول أنه لا توجد ما يسمى بتنظيم الإخوان المسلمين في مصر، وهؤلاء الشباب يريدون أن يدفعوا عن أنفسهم كوهم ينتمون لتنظيم غير شرعي.. إنها خطوة من باب الإعذار حتى يقولوا للجميع نريد أن نعمل علنا" ، ولم يكن يظن طفل صغير من الشعب أنه في ظل حالة الانسداد السياسي الكاملة في عصر مبارك أن دخول أي من الانتخابات أو وجود حزب مثل الوسط أو غيره كان من الممكن أن يؤدي إلى تشكيل وزارة أو المشاركة في الحكم حينها. بل شهدنا تجاوزات غير معقولة تجاه البرلمانيين الإخوان فصفع نائب برلماني مرموق من رموز الصف الأول من الإخوان على وجهه من ضابط شرطة وسحل نائب آخر في الشارع من ضابط آخر واعتقل نجل الرئيس مرسي بشكل متكرر ولم تشفع لهم الحصانة من الأذى، بل كان الناس يتأذون ويشفقون علينا من الترشح لما يرونه من كثرة الأذى الذي نلقاه حال ترشحنا وأيضا بعد نجاحنا ، فكان الترشح جهادا ودعوة لا سعيا لسلطة، وهذا الوضع يختلف تماما عن حالة ما بعد الثورة التي توفر فيها ضمانات لانتخابات نزيهة تسمح بالوصول للسلطة وقد حدث.

وقد فصل الإمام البنا في أواخر سنوات حياته في مسألة دخول الانتخابات حتى لا تبق شبهة فكتب: " وحين بدا لهم أن يخوضوا معركة الانتخابات البرلمانية لم يريدوا أن يكون ذلك باسم الهيئة ، بل أصدرت الهيئة قرارا بالإذن لمن شاء من الإخوان أن يرشح نفسه بذلك على أن يكون بصفته الشخصية لا بصفته الإخوانية، حرصا على ألا تقحم الهيئة بصفتها العامة في خصومة الأحزاب السياسية... ومن كل هذا الذي تقدم يبدو الفرق الواسع بين الوطني والسياسي، فالوطني يعمل لإصلاح الحكم لا الحكم، ولمقاومة المستعمر للحصول على الحرية لا ليرثه في السلطة، ولتركيز منهاج وفكر ودعوة، لا لتمجيد شخص أو حزب أو هيئة، ولهذا يحرض الإخوان المسلمون على أن يكونوا دائما وطنيين لا سياسيين ولا حزبيين"، فلماذا تجاوزنا هذه المفاهيم وتحولنا إلى حزبيين لمجرد أننا رأينا أمامنا فرصة سانحة لتولي الحكم؟

شبهة تقسيم الجماعة

كان أحد أكثر الردود تواترا على ألسنة الإخوان الكرام أنه إذا سمحنا بتعدد الأحزاب الإسلامية فهذا سيؤدي إلى وجود انتماءات حزبية ومتصارعة داخل الجماعة مما يؤدي إلى التهديد بانقسام الجماعة.

ومشكلة هذا الكلام هو نفس مشكلة الهوية التي اختلطت علينا داخل الجماعة فأصبحنا نفكر بطريقة الأحزاب السياسية وتركنا جوهر الفكرة الأساسية التي قامت عليها الجماعة وهي أننا جماعة دعوة قائمة على التربية وتقديم النموذج الذي يجمع الأمة على مجرد الوعظ وحسب، فوسيلة الإخوان الأساسية في التغيير كما صاغها الإمام البنا " وأن وسيلتهم في ذلك تنحصر في تغيير العرف العام وتربية أنصار الدعوة على هذه التعاليم حتى يكونوا قدوة لغيرهم في التمسك بها والحرص عليها والنزول على حكمها" فنحن جماعة تعمل على إرشاد المجتمع ليقدم المصلحة العامة عن المصلحة الخاصة بتقديم نماذج للتعالي فوق المصالح السياسية والالتقاء حول مناصرة الأفكار والمبادئ ، فماذا تكون ثمرة التربية داخل الصف إلا بتقديم هذه النماذج التي تقدم المبادئ على المصالح وتقدك نماذج للخلاف النظيف والتعاون الراقي بين المخالفين في الرأي والتنافس الشريف تحت مظلة الإسلام بين من ينتمون للأحزاب الإسلامية داخل الجماعة؟ وما هي القيمة العليا لوجود الجماعة إلا أن تكون الحارسة على علو الفكرة وسمو الغاية ورقي الاختلاف بأخلاق الإسلام والتعاون فيما يتفق عليه أصحاب المنهج الإسلامي والتماس العذر فيما يختلفون فيه من الخلافات الفرعية في التطبيق، هكذا تكون الجماعة جامعة.

أما وإن حدث وهو وارد أن تأخذ العصبية ببعض الأفراد ليسلكوا غير المتوقع من نزاهة ورقي في الاختلاف السياسي والتدني بالخصومة إلى الدرجة التي توغر الصدور وتفرق الصفوف، فحينها نعلنها مرحبا بهذا الوضوح الذي يكشف لنا عن أفراد منا بايعوا بألسنتهم وظلت قلوبهم حبيسة شهوات المغنم والجاه فكانت باللسان سهلة ويسيرة وكانت بالصبر أمام المغنم عسيرة وصعبة، حينها نقول مرحبا بهذا الوضوح الذي ينقي الصف ممن لم يبلغوا حقيقة نزاهة هذا الصف ورقيه وتقدمه عند المكاره وتعففه عند المطامع، هكذا يكون التمحيص والاختبار وهكذا تختبر التربية، وهكذا تكون الجماعة كما أردناها حارسة للمنهج قائدة للأمة تقدم لها النماذج التي يتعلم منها الشعب رقي الإسلام ويعطي نموذجا للنزاهة في مواطن الطمع.

وقد شهد العالم الإسلامي بل وغير الإسلامي أيضا نماذجا متكررة لسياسيين تقاعدوا بعد أن كانوا مثالا لمبادئهم وخرجوا من الذي يسمونه " مستنقع السياسة" أطهارا نزهاء، ونحن أولى بأن نقدم نماذجا تنتصر للمبدأ على حساب الذات وتقتدي بالصحابة الكرام في رقي الأخلاق وشرف الوسائل وصدق الأساليب، تكون قدوة داعمة لفكرة الدولة الإسلامية التي ننادي بها منذ عقود.

وإن من أكثر عوامل تقسيم الجماعة هو الإصرار على جمع الجماعة على تفصيلات العمل الحزبي التي ستكون عامل انقسام حتمي داخل الجماعة، وحسبنا بالقياس ابتعاد البنا عن جمع الجماعة على مذهب فقهي واحد، فكان البعد عن الفرعيات سببا في توحد الجماعة، هذا في الفقه، فما بالنا في قرارات السياسة الداخلية والمجاري والقروض ونصوص القوانين و و و .

والضامن الأهم لعدم انقسام الجماعة بين الأحزاب هو احتياج الأحزاب للجماعة وليس العكس فالأحزاب هي التي تحتاج لما يسمونه في عالم السياسة " الرافعة المجتمعية" واحتياج الأحزاب للدعم الشعبي والمالي سيمكن الجماعة من لعب دور المنسق والجامع بين الأحزاب الإسلامية صحيحة التوجه للوقوف صفا واحدا في ائتلاف واحد أمام أحزاب الفساد والعمالة والعلمانية. هكذا تشارك الجماعة بدورها المجتمعي الهام في الحياة السياسية وتوحد الصفوف الإسلامية في الصراع السياسي وهذا هو عين مهمتها كدعوة.

وحسبي وحسب الكثير من إخواني أنهم سيظلون أنصارا كأنصار محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم يون نصروا هذا الدين ولم يترددوا في ترك أي عوض من الدنيا لمصلحة هذا الدين وهذا الشرع، ولهذا كان عنوان الكتاب سابقا" ما على هذا بايعنا" ليعبر عن معنى أصيل في نفوسنا، وهو أننا عندما دخلنا هذه الجماعة دخلناها جنودا مضحين بعيدين عن أن يقال لنا " سعادة الباشا" و " معالي الوزير" لمجرد أننا أعضاء في هذه الجماعة، قالها الأعرابي لرسول الله صادقا زاهدا وقالها الشهيد محمد عواد حينما قال له أحد إخوانه " سنهنئك بالوزارة قريبا إن شاء الله ، فرد غاضبا والله ما على هذا بايعنا إنما بايعت لأضرب في رأسي هاهنا فأموت شهيدا" وأشار إلى رأسه بنفس الموضع الذي هشمه صفوت الروبي في السجن الحربي بعدها بسنوات ، فصدق في مقولته تلك والتي نظمها شعرا فقال " جعلنا من جماجمنا لشرع الله بنيانا" في قصيدته المشهورة.

فنحن على مبادئ التضحية والتجرد دخلنا الجماعة وعلى نفس المبادئ أيضا نظل نؤازر إخواننا الحزبيين من الإخوان وغير الإخوان الذين يتقدمون لمهمات احكم والسلطة التنفيذية لرفع راية الإسلام والشرع ولكن بصفتهم الشخصية أو بتكوينهم الحزبي أيا كان لا بصفة الجماعة، ونؤيدهم إذا أحسنوا وننصحهم ونقومهم إذا اعوجوا عن المنهج وعن أخلاقه في التطبيق وهو وارد والفتنة لا تؤمن إلا على الميت.

الشورى والقرار

وأحد أوجه الدفاع عن قرار إنشاء الحزب و" التحزب"( أي التحول إلى حزب بشكل عملي وسعي الجماعة للسلطة) أن هذا القرار جاء نتيجة للشورى و " الشورى جابت كده".

وأن كانت هذه من الشورى فليست هذه كل الشورى ، فالشورى لها مستويات حسب أهمية القرار، وفيها أيضا مراجعة القرارات الخاطئة وتقديم الاستقالة حال الفشل وسحب الثقة من القيادة ومحاسبتها فالشورى عملية تفاعلية تستوجب تحمل المسئولية والمحاسبة وليست صكا مفتوحا لأخذ مسار للأبد بدون توقف ومراجعة وتصحيح ومحاسبة بل ومحاكمة في بعض الحالات.

وإن قرار إنشاء الحزب كان من الأهمية بما يستوجب أن يخضع للتأني والدراسة الهادئة على مستوى الصف أولا، فليس هذا القرار بأقل أهمية من قرارات دخول انتخابات المحليات ومجلس الشعب التي كانت تخضع للدراسة وللنقاش واستطلاع رأي الصف بكافة مستوياته، والأصل في الشورى هو تداول المعلومات بين الأفراد لتكون القيادة والقاعدة على إدراك موحد للواقع قبل التصويت. بل إن ما حدث في سنوات من إخفاقات يكشف أن آليات الشورى والمحاسبة في الجماعة وإجراءاتها يجب أن تتصدر أولويات المراجعة وخصوصا تطورات أحداث ما بعد الثورة المصرية، فالمجالس الشورية مرت مرور الكرام على كل أجراس الخطر وأهمها هو نزول شعبية الإخوان بشكل سريع بعد " تحزب" الجماعة وسعيها للوصول للسلطة، واستمر نزول الشعبية إلى أدنى مستوياتها ليفوز الرئيس بمعجزة بـ " عاصري الليمون" بعد أن أصبحت كلمة الإخوان " نقيصة" تستدعي عصر الليمون لينتخب مرشحها، وحينها ظهر بوضوح هشاشة موقفنا وكثرة أعدائنا وضعف الظهير الشعبي المؤيد للثورة، ولم تنتبه أيضا مؤسساتنا الشورية لصرخات الكثير ممن كانوا يرون مصارعنا مبكرا قبل كارثة الانقلاب بشهور وتجاهلت النداءات التي طالب بها الكثير لتصحيح المسار ومراجعة موطن الخلل ولم تحرك ساكنا ولم تأخذ أي إجراء لتصحيح المسار بعد مسلسل الإخفاقات وفداحتها.

رؤية الوضع الراهن

حزبية الإخوان وعودة الثورة

عندما يفتح موضوع علاقة الحزب بالجماعة يكون للأسف الرد: " ليس هذا وقته. ليس هذا الوقت المناسب للتنظير. وهل هناك حاليا أي حياة حزبية أو سياسية أساسا؟ " دعنا نكسر الانقلاب العسكري أولا ثم نتكلم . وللأسف، هذا الرد هو عين الاستمرار في الطريق الخطأ لأن المشكلات لا تحل إلا من جذورها وليس بالتغطية عليها والاستمرار بنفس الطريق وبنفس الأساليب لتحقيق قطعا نفس النتائج.

والبداية لدراسة الوضع الراهن حتى نتلمس كيفية الخروج والعودة للطريق الصحيح هو معرفة حال الشعب الآن واتجاهاته؟ ولنبدأ بالتوقف عن إطلاق كلمة "الشعب" على المجتمع لما لهذه الكلمة من تعميم مخل ونتائج خادعة.

وإن من أبلغ التصنيفات للمجتمع هو تصنيف الإمام الشهيد حسن البنا للمجتمع الذي صنف فيه الشعب إلى خمسة أصناف، ذكر منها أربعة بالتفصيل ( مؤمن ومتردد ونفعي ومتحامل)، واستثنى منهم صنفا خامسا تجاهله فقال كل الذي نريده من الناس أن يكونوا أمامنا واحدا من أربعة،

مؤمن

متردد

نفعي

متحامل

باقي المجتمع

" مؤمن" ، وهم المتوافقين معنا في المبدأ الآن من أهل الثورة وأنصار الشرعية،ويشملهم التيارات الإسلامية (باستثناء حزب النور) وقليل من الليبراليين واليسار وندرة من المسيحيين، وهم يؤيدون الثورة بشكل علني ويطالبون بعودة الشرعية، ويجمع بينهم رابط أيديولوجي قوي برفض الظلم والاستعباد وإعلاء قيمة الحرية ويعتقدون بإمكانية بناء وطن قوي مستقل بالإضافة للبعد العقدي عند الإسلاميين بإمكانية بناء وطن قوي مستقل بالإضافة للبعد العقدي عند الإسلاميين بوجوب مقاومة الظلم كنوع من التعبد لله بذلك، وهي كتلة متماسكة قوية ولكنها لا تكفي وحدها من حيث الكم والكيف لنجاح الثورة كما حدث في 2011، وبعدم هذه الكتلة سيظل الوضع المصري في حالة " لا حسم".

"متردد"، وإما شخص لم يستبن وجه الحق بعد ... وهؤلاء لا يسمون في الإصلاح السياسي باسم " الكتلة المتحركة" بين طرفي الصراع، وسيأتي تفصيلهم لاحقا لأهميتهم.

" نفعي" ، هو شخص لا يريد أن يتحرك إلا إذا عرف ما يعود عليه من فائدة، وتشمل: كثير من الجيش وكثير من الشرطة وكثير من أساتذة الجامعات ومعظم الجهاز الإداري للدولة وأغلب المسيحيين والقضاة وأصحاب المال والتجار ورجال الأعمال غير الفاسدين وحزب النور. شعارهم: ( عض قلبي ولا تعض رغيفي) ، وهم مع السلطة والمصلحة المادية وحسب ، يعيشون بطريقة " مات الملك عاش الملك" ، أيدوا مبارك وأيدوا الثورة وأيدوا الانقلاب، موقفهم من الثورة مادي بحت فليس لهم عداء أيديولوجي مع الثورة بل من الممكن أن يؤيدوا الثورة بشرط أن تعود عليهم باستمرار واستقرار منافعهم.

" متحامل"، وهم الانقلابيون (دولة مبارك سابقا) وتشمل: قيادات القوات المسلحة الفاسدين وقيادات الشرطة والكثير من ضباطها وقيادات القضاة باقي أدوات دولة مبارك من إعلاميين ومنتفعين وقيادات الجهاز الإداري للدولة (بما فيها قيادات الأزهر) وفاسدي رجال الأعمال والكنيسة وغلاة العلمانيين والكثير من رموز الإعلام والفن والثقافة. شعارهم: ( إحنا أسياد البلد) ، يعادون الثورة بشكل مطلق (حية أو موت) من أول يوم لأنها تسلبهم امتيازاتهم ووضعيتهم المادية والمعنوية فوق باقي الشعب، فالعداء عداء أيديولوجي ومادي، ينطبق عليهم قوله تعالى " هم العدو فاحذرهم" وهم نخبة أمريكا والصهاينة في مصر والتي ستدافع عنهم أمريكا إلى آخر الشوط وسلوكهم داخل الوطن لا يختلف كثيرا عن قوات الاحتلال الأجنبي.

أما باقي المجتمع فبعد أن ذكر البنا هذه الأصناف أشار للصنف الخامس : " أما تلك الغفلة السادرة والخطرات اللاهية والقلوب الساهية والانصياع الأعمى واتباع كل ناعق فما هو من سبيل المؤمنين في شيء " .

فالصنف الخامس هم "البسطاء" أو "الهمل"، هم السلبيون الذين تجدهم أحرص الناس على حياة ولو على حساب كرامتهم، يعتلون "كنبة" بيوتهم أمام التلفاز (يسمون أحيانا بحزب الكنبة) وليس لهم أثر ولا دور ذكر في المعادلة السياسية ولا يشاركون مطلقا. ويشملهم الموظفين البسطاء والعمال والفلاحين الذي توظف سلبيتهم في صالح أي نظام، هؤلاء هم الفقراء الذي يبلغون الأمن عن المتصدقين عليهم، تجمعهم شاشة عكاشة ويحلمون بدوام الأمل في استمرار قطعة لحكم على مائدة أودهم. هم غير مؤثرين في المشهد السياسي والرهان عليهم خاسر تماما ولذلك تجاهلهم إمامنا الشهيد . هم لم يشاركوا في الثورة قط ولا في أي انتخابات وتمت " تربيتهم" ليكرهوا الثورة فلن يعارضوا حاكما قط.

هكذا نتوقف عن الوقوع في إشكالية مصطلح " الشعب" الذي يتحدث باسمه كل ناعق ونتعامل مع المجتمع كشرائح ونقيم موقف كل شريحة على حده من الثورة المصرية.

طبقا لها التصنيف فـ " المتحاملون" يقودون كلا من " النفعيين " و" البسطاء" في ركاب الانقلاب حتى تستقر دولة العسكر بوجه جديد أشد قبحا، ويمثلون مجتمعين نصف المجتمع تقريبا، ويقف " أنصار الشرعية" في مواجهتهم وتبقى المواجهة في حالة " لا حسم" بينما تقف " الكتلة المتحركة أو الكتلة الوسط أو المترددون أو المنتظرون أو المراقبون " بين المعسكرين .

والفئة الأهم في التصنيف هم كتلة المراقبين، فهذه هي الكتلة الوحيدة المرشحة للانضمام للثورة، أو بالأحرى هي التي لو انضمت وأيدت الحراك الثوري ستصبح حينها فعلا ثورة شعبية واسعة بدلا من الوضع الحالي. والوضع الحالي يتمثل في وجود احتجاجات من اتجاه سياسي سلك المسار الثوري ولكنه لا يستطيع كما وكيفا أن تحسم الصراع؟ لماذا ؟ لسببين . أولا محدودية المطلوب للحسم، وثانيا لكونهم يغلب عليهم لونا داخل المجتمع وهو التيار الإسلامي الذي شهد بشكل متكرر قبولا وتغاضيا من المجتمع عندما تم البطش به في العقود السابقة، فالمشكلة في الكم والكيف، وحتى تتجه الثورة لابد من معالجة هاتين النقطتين، لابد أولا من زيارة عدد المحتجين وثانيا أن يشملهم اللون الشعبي وليس التيار الإسلامي فقط، ولن يكون هذا إلا بانضمام " المترددين أو المراقبين" أو الفئة القابعة في الوسط بين المعسكرين إلى الثورة.

" المراقبين أو المترديين "

بداية لا أعني بالمراقبين أدعياء الثورية والمتاجرين بها والذين فروا من الميدان يوم حسم الثورة في معركة الجمل ثم عادوا مع نجاح الثورة يتهمون غيرهم بركوب الثورة وكانوا هم أول من ركبها، وكانت مشاركتهم في الثورة على رمزيتها مرهونة في تصورهم بوصولهم هم للسلطة، ودفعت كراهية هؤلاء " النشطاء" لكل ما هو إسلامي لأن يكونوا دوابا يمتطيها العسكر ليعودوا بانقلابهم مستغلين طمعهم في أي نصيب من سلطة أو مغنم حتى وإن سجنوا على سبيل الاستضافة في سجون العسكر. لا أعني بالمراقبين هؤلاء الذين يشترطون أن يتنازل أنصار الشرعية عن كل شيء حتى يتركوا لوحة المفاتيح ليثوروا بالتقاط بعض الصور التذكارية في الميادين استعدادا لركوب الثورة من جديد، وأربأ بهذه الصفحات أن ألوثها ببعض من أسمائهم وحسبهم ما جنته أيدهم في حق الثورة المصرية.

ولكن من هم المراقبون أو الكتلة الوسط؟

إنهم كثر، يراقبون ما يحدث ويرفضونه ولكنهم لا يشاركون هم ملايين الشباب والطلاب من جيل تميز بتمرده واستقلاليته، جيل لن يقبل أبدا العودة لحياة الإهانة داخل الدولة بوليسية فاسدة أو القبول بالموت في عرض البحر سعيا لحياة أي حياة، هم كل من نزل بالفعل إلى الثورة في يناير 2001 وأيدوها ولكنهم الآن لا يجدون رؤية ومخرجا للوطن في الصراع الحالي ويكتفون بمراقبة ما يظنونه صراعا على السلطة بين " العسكر والإخوان" بحزن بالغ. هم ملايين أيدوا المرشح أبو الفتوح لرفضهم مرشح دولة مبارك ومرشح الإخوان المسلمين، وبعد أن انفضوا عن أبو الفتوح لمواقفه الباهتة ما زال يداعب خيالهم أجواء الثورة وقيمها النبيلة. هم الكثير من أصحاب المال الشرفاء الذين يتحرون الحلال وينأون بأنفسهم عن الفساد رغبة في الحياء في وطن نظيف ومحترم، هم كل ضابط وكل مجد وكل قاض لا ينفذ أوامر الظلمة ويتنحى عن مهامهم القذرة وجرائمهم الملعونة، هم كل من عارضوا نظام مبارك وكل من تذمروا يوما في وجه الإهانة والتزموا والفساد، هم كل من راجعوا أنفسهم بعد تأييدهم للانقلاب يوما واكتشفوا حجم الخديعة والدماء التي أهدرت ثمنا لعودة نظام العمالة والفساد.

لماذا لا يشارك المراقبون في المسار الثوري الحالي؟

أغلب هذا القسم من الشعب – " المراقبون" – لا يشاركون في تأييد الاحتجاجات الحالية لاعتقادهم بأن ما يحدث في مصر الآن هو صراع على السلطة بين الحكم العسكري وجماعة الإخوان المسلمين ويفسرون كلمة " عودة الشرعية" بأنها مرادفة لعودة الإخوان للحكم. فمطالب الحراك التي تطالب بعودة الرئيس الشرعي المنتخب تطالب أيضا بعودة مجلس الشورى بالأغلبية البرلمانية التابعة لتوجيهات مكتب الإرشاد وعودة الدستور الذي يعطيها الحقوق الدستورية الواسعة مما يعني عودة حالة ما قبل الانقلاب بتفاصيلها، هذا بالإضافة إلى المحتوى اللفظي الموجود في شعار " كسر الانقلاب" الذي يلمح بذاته ضمنا لعودة حالة ما قبل الانقلاب وحسب، وهذه النتيجة لا تداعب خيال هذا القطاع من المجتمع ولا تقدم رؤية مغرية كبديل للوضع الراهن تدفعهم للمشاركة في عودة الثورة من جديد.

وهكذا لا تشارك هذه " الكتلة الوسط" في الاحتجاجات ولو معنويا ولن تتخلى عن صمتها ما دام الإخوان ينتظرون استلام السلطة من جديد حال " كسر الانقلاب" ولن يقدموا دماءهم أو حتى اقل من ذلك لينجح الوضع الذي يستطيع فيه مكتب الإرشاد أن يوجه الكتلة البرلمانية الضخمة في مجلس الشورى الذي يقر القوانين ويعين الحكومة ويصادق على كل التعيينات الهامة في الوطن ومن حقه عزل رئيس الجمهورية بل ومحاكمته.

إن الوضع السابق للانقلاب كان وضعا معيبا وليس من الحكمة استدعاؤه من جديد برغم كل إيجابياته وكان مصيره الفشل لو استمر وحتى لو لم يحدث الانقلاب لأسباب عديدة أهمها" غياب القوة" التي كانت تتمثل في الظهير الشعبي الواسع، وهكذا سيبقى مؤيدوا الشرعية وحدهم في الطرقات تحت وابل من رصاص الغدر والخيانة ويبقى الصراع في حالة " لا حسم".

كيف تنجح الثورة ؟

لن تنجح ثورة إلا بقوة، ولو لم تكن هناك قوة شعبية نافذة هادرة في جمعة الغضب 28 يناير ومعركة الجمل لما أصبح هناك ذكر لثورة 25 يناير ولما سميت ثورة أساسا. وفي الحالة الحالية لا يوجد سيناريو مرشح لنجاح الثورة إلا القوة الشعبية الهادرة باتساع الاحتجاجات عدديا وتحول لونها إلى اللون الشعبي العام وليس التيار الإسلامي فقط تحت شعار " نجاح الثورة" وإسقاط النظام لبناء نظام العدل والحرية، ولن يحدث هذا إلا بتجمع كتلة " المراقبين أو الكتلة الوسط" مع أنصار الشرعية فلن يشارك غيرهم من الكتل الأخرى ( النفعيين عبيد الجنيه أو الهمل أهل الكنبة أو المتحاملين بالطبع) .

إن مشاركة فئة المراقبين في الحراك الثوري مع أنصار الشرعية سيغير الحالة المصرية إلى ثورة شاملة وليست كما تظهر أنها احتجاجات من مؤيدي تيار أو أشخاص، هل نتخيل مثلا إذا سيحدث لو تحرك 30% من طلاب الجامعات في الزخم الثوري؟ بهذا التجمع فقط يرجع مسار الثورة الأصلي بمطالبه الأخلاقية التي لا يختلف عليها اثنان وهل العدل والحرية والتي ظهرت سابقا في شعارات ( تغيير حرية عدالة اجتماعية أو عيش حرية كرامة إنسانية) في ثورة يناير، وعند حدوث هذا الحراك فقط من الممكن أن تنكسر أوامر إطلاق النار كما حدث في أيام الثورة الأولى وتنتصر الثورة، عندها لن تجد فئة النفعيين وفئة البسطاء بدا إلا الانضمام للأقوى بنظرية مات الملك عاش الملك.

وعدا ذلك ، فإننا لا نملك في الوقت الراهن رؤية لإمكانية "كسر الانقلاب" وإزالته ولكن فقط تعطيل النظام الفاسد وعرقلته أو البقاء في انتظار الفارس المخلص " سوار الذهب الجديد" ليقوم بانقلاب على الانقلاب ليرسخ ثقافة الانقلابات والحكم بالوصاية العسكرية.

وهكذا نبحث عن الحل وهو أمام أعيننا، الحل هو عودة " معادلة" ثورة 2011 التي هزمت دولة مبارك ماديا وأخلاقيا، فلماذا نتركها ونتمادى ونكابر في طرق ثبت عدم جدواها؟ إن معادلة نجاح ثورة 2 يناير وسرها الفارق كان " إنكار الذات ووحدة الهدف" ، هكذا توحدت جموع الثورة ليكسروا مبارك مجتمعين على قيم التضحية والتآخي، وهذه الحالة " التي حدثت في ميدان تحرير الثورة" لن تعود إلا بنفس معادلة إنكار الذات ووحدة الهدف تحت شعارات العدل والحرية بمفهومهما الأوسع وليس شعارات تدعوا لعودة وضع ما قبل الانقلاب.

لن تنجح الثورة بدون ذراع سياسي

إن الأزمة المصرية الحالية والتي بدأت من بعد ثورة يناير تعد" أزمة سياسية" ولن تحل في النهاية إلا " حلا سياسيا" مهما استعملت قيادات الجيش قوة السلاح والإعلام لتحقيق تفوقا سياسيا ومهما بلغ المسار الثوري من قوة أو حتى لجأ بعض أطرافه إلى السلاح للدفاع عن النفس. لابد من ذراع أو اذرع سياسية قوية تحصد نتائج المسار الثوري لتدير الدولة حال سقوط النظام وإلا للأسف ستذهب هذه التضحيات سدى. وللأسف لا توجد هذه الذراع السياسية القوية التي تملأ هذا الفراغ الخطير حتى الآن.

إن خطورة الوضع داخل مصر أن لطرفي الصراع ( الثورة والنظام) قطعا مجتمعيا داخل الوطن، فلن يستطيع طرف القضاء وسحق الطرف الثاني تماما مهما بلغ من قوة، ولن يكون الحل العسكري واستخدام القوة وحدها ناجحا أبدا بل سيكرر خطأ النظام وبلاهته الذي ظن أنه يستطيع إقصاء التيار الإسلامي من الوطن تماما ناسيا عمقه المجتمعي.

وعليه لابد لنجاح الثورة من وجود ذراع سياسي يعبر عن الحراك الثوري ليستلم السلطة في إطار بناء نظام جديد مبني علي قيم العدل والحرية بعد إسقاط النظام الحالي. فمن سيكون هذا الذراع السياسي للثورة المصرية؟ هل ستكون جماعة الإخوان المسلمين بتكوينها الحزبي الوحيد كحالة ما قبل الانقلاب؟ بالقطع لا، فلن ينتج عن ذلك إلا نفس النتائج التي تحققت، وليس من الحكمة وألف باء سياسة أن تتجمع في مكان واحد ليتم حرقك والقضاء عليك كما استدرجت الجماعة لهذا الفخ بعد الثورة، فضلا ع افتراض وجود قبول شعبي لعودة هذه التجربة بآلامها من جديد.

الحل الوحيد هو بناء أذرع سياسية حقيقية جديدة تعبر عن مطالب الثورة بالتوازي مع تطوير الحالة الثورية، كيف يحدث هذا وما المطلوب إذن ؟

المطلوب من جماعة الإخوان المسلمين

أن تتخلى عن المطالبة بالعودة للحكم من جديد لحالة " ما قبل الانقلاب" والقبول بأن تكتفي بأن ترجع " جماعة ضغط" في المجال السياسي وأن يكون دورها هو الحارس للمنهج الذي تدعو إليه لا حاكما مباشرا لمصر.

لماذا ؟

لـ " إعادة الانتشار" داخل المجتمع وإتاحة توسع المد الثوري وإتاحة الفرصة لنمو أذرع سياسية تعبر عن الثورة، من أفراد الإخوان ومن غير الإخوان.

وهذه الفكرة ليست نابعة من هذا الكتاب وحسب بل إن الكثيرون يشعرون بهذه الفجوة في التركيبة السياسية للثورة وطرحوا مثل هذا الطرح من قبل، وقد فتحت التلفاز أثناء كتابة هذه الكلمات لأجد على الشاشة وزير الاستثمار يصرح بقوله " يجب أن يتصدر الإخوان المسلمون لمشهد عقب سقوط الانقلاب العسكري"، ومن قبله أيضا كان تصريح د. جمال حشمت بضرورة " أخذ خطوة للخلف" ، ولهذا الإحساس أيضا شاركت الجماعة في إعلان بروسكل وإعلان القاهرة والمجلس الثوري بعدها. كل ذلك كان كاشفا عن حقيقة الإحساس بأزمة ضعف المسار السياسي وأهمية تغيير التركيبة السياسية الحالية لتعبر عن الشعب بشكل أوسع وتعبر عن المسار الثوري العام وليس عن فصيل الإخوان الذين يتم تسويقه كطامع في السلطة.

ولكن كيف سيصدق الناس أن الجماعة ليست طامحة للعودة للسلطة من جديد؟ هل يحدث هذا بتصريح من الجماعة مثلا؟ هل بوعود مثل مؤتمر فيرمونت ؟ بالتأكيد لا ، فلا يوجد رصيد كاف لمزيد من الوعود.

كيفية تخلي الجماعة عن العودة للحكم

إن الطريقة الوحيدة لفك الوضع الراهن هو تصحيح الجماعة لوضعها بتخلي الجماعة ع الصفة الحزبية لتعود لدورها السياسي كـ " جماعة ضغط" أي كجماعة دعوية تمارس السياسة بـ " النضال الدستوري" داخل الحياة السياسية المصرية، والانفصال تماما عن الأحزاب والعمل الحزبي، مع تشجيع اللامعين السياسيين داخلها ليتحدوا معه أمثالهم من محبي العمل العام داخل المجتمع لتكوين " حزب أو أحزاب تحت التأسيس" ولكن بصفتهم الشخصية وليس بصفة الجماعة، وبدون وصاية وتحكم الجماعة.

هل هذا الكلام ممكنا في الوضع الحالي في جو القمع والبطش والانسداد السياسي؟ نعم بالتأكيد، فنجاح الحركات السياسية والأحزاب لا يحتاج بالضرورة للمناخ السياسي الطبيعي، بل شهد التاريخ قيام الكثير من الأحزاب أو الحركات السياسية الناجحة في ظل أجواء بطش وقمع وانسداد سياسي، بل وتولت هذه الأحزاب الحكم فيما بعد مثل تضامن في بولندا وحزب الشين فين في أيرلندا، كيف؟ هذه الأحزاب لم تتكون بورقة بها تصريح من النظام مثل أحزاب الديكور والراقصين السياسيين على أنغام العسكر في مصر، ولكنها نجحت كبديل سياسي لأنها تمتعت برؤية سياسية ومشروع سياسي ( ذات سياسية ) ومناصرين للفكرة وقدرة إعلامية واستقلال اقتصادي وثقة واسعة من المجتمع في قدرتها على القيادة، فهكذا أصبحت بديلا عن النظام، ولم يأخذ هذا وقتا قليلا بالطبع.

وسواء اتحدت هذه الحركات أو الأحزاب الإسلامية أو تحالفت أو تنافست فليس هذا شأن الجماعة ولا تتدخل الجماعة بالضغط إلا لتحقيق أهدافها للانتصار لقيمها ومنهجها الذي تدعو إليه. عندها يرجع المرشد لمكانته الأدبية كداعية وترجع الجماعة حركة دعوية مجتمعية تجمع الأمة على منهج الإسلام كإسهام سياسي ( لا حزبي) ويصبح المواطن الحزبي داخلها أو خارجها شخصا مهنيا يقوم بمهنته ومهمته كأي محترف .

هكذا فقط تنقذ الجماعة المشروع السياسي الوحيد لها لنا الذي نعرفه وهو (الفرد المسلم والأسرة المسلمة وإرشاد المجتمع وتحرير الوطن وإصلاح الحكومة وعودة الخلافة والأستاذية) . وهذه المطالبة بعدم التحزب والعودة لفكر البنا ظهرت أيضا في أدبيات الجماعة وإبان إنشاء الحزب وتجلت أيضا مؤخرا في سياقات المراجعات الفكرية داخل الصف بعد صدمة الانقلاب والبحث في سياقات المراجعات الفكرية داخل الصف بعد صدمة الانقلاب والبحث عن مواطن الخلل.

أما عن عودة الرئيس مرسي فليس في هذه المراجعة والتصحيح تنازلا عن عودة الرئيس الأستاذ الدكتور محمد مرسي المنتخب من الشعب فهذا حق من انتخبوه فقط، وهناك فرق بين الرئيس وبين الكتل البرلمانية ليس هذا سياقه.

ولمن يحبون عودة الرئيس لمنصبه فليعلموا أن عودته ليس لها اي معنى بدون القوة التي تحميه وهي الثورة والقوة الشعبية التي تمكنه وتمكن غيره من استكمال التطهير وإسقاط الدولة العمالة والفساد.

ولكن كيف تتخلى الجماعة عن صفتها الحزبية وتصحيح الوضع ولا توجد حزبية أساسا وقيادات الإخوان بين سجين ومطارد ومحكوم بالإعدام؟

إن الطريق الوحيد هو التراجع بشجاعة وإلغاء قرار فصل أعضاء الإخوان المنضمين إلى أي حزب له مرجعية إسلامية تتوافق مع منهج الجماعة، هذا القرار هو الكيفية الوحيدة للوصول لحالة عدم تحزب الجماعة " وعدم المطالبة بالعودة للحكم".

إن إلغاء القرار المذكور بسيط في شكله عميق في معناه وأثره على هوية الجماعة، إنه سيعني تلقائيا فصل الجماعة عن الحزب وتعدد الأحزاب الإسلامية المتوافقة مع منهج الجماعة وعودة مرشد الإخوان ومكتب إرشاد الجماعة إلى صفتهم الأصلية كدعاة وقيادات عالمية للدعوة وليسوا كمحامين أو " طامعين" لحكم الوطن.

المطلوب تحديدا أن تعلن القيادة أنها تقبل وجود أعضاء الجماعة في أي حزب إسلامي يتوافق مع منهج الإسلام وشرعه ويلتزم بمنهج الإسلام الوسطي ويتمثل مبادئه وأخلاقه داخل أروقة الحياة السياسية، وتعلن أن الفهم الصحيح للإسلام والعمل له هو الجامع لأفراد الإخوان سواء غير المشاركين في الأحزاب أو المشاركين في الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية الصحيحة.

هذا القرار سيبث الروح في الحياة السياسية المصرية ويغير تركيبتها تماما بشكل عملي وتلقائي حتى وإن أخذ بعض الوقت. عندها سيشرع أفراد من الإخوان ومن غير الإخوان للتحرك وإعلان إنشاء أحزاب سياسية حتى ولو لم تسجل رسميا، وهذا الحراك السياسي حال نضوجه سيقضي على ثنائية الصراع على السلطة التي بنى عليها العسكر الحالة السياسية المصرية عندما انقلب على الرئيس المنتخب. ستزول فزاعة الإخوان وتنتهي أسطورة وسخافة دولة وحكم المرشد، وتعود الكرة لملعب كل الإيجابيين داخل المجتمع من الشباب الذي يعانون من الظلم والتفرقة والفساد والذي لم ينسوا طعم الحرية التي ذاقوها أيام الثورة، هكذا ننقد دعوتنا ونحيي ثورتنا.

سيعطي هذا القرار إشارة العد التنازلي لموجة الثورة الجديدة المنزهة عن أسطورة الطمع في السلطة وكل خزعبلات الإعلام التي نسجوها، ستخرج الجماهير حتما ولو بعد حين لإقامة العدل والحرية، ستخرج على نظام فشل فاسد مترهل ومفلس في أساليبه وحيله، ظهرت شيخوخته وفسدت حججه وانكشف طمعه وفشت جرائمه وتلوث بالدماء ووصم بالعمالة وسوء الإدارة والتعالي على الشعب والركوع لأمراء الخليج والعمالة للخارج. حينها لن يحمي هذا النظام رجال الفساد الجبناء الذين هربوا أموالهم للخارج استعدادا للفرار عند أول خطر ولا البلطجية المأجورين ولا لكثير من الجنود التعساء الذين يشعرون بالظلم تماما مثل الشعب وهم يقفون أمام المظاهرات المليونية المطالبة بالعدل خاوية نفوسهم من أي عقيدة قتالية تدعوهم للاستمرار في ضرب النار وإزهاق الأرواح بعد زوال الغطاء الأخلاقي المزيف الذي زين لهم في لحظة خداع. لن يصمد هذا النظام أبدا أمام نفوس شابة تؤمن بحقوقها وتسعى لتحقيق ذاتها وكرامتها، وسيكون انهيار النظام المجرد سريعا ومروعا أمام الموجة الثورية التي ستكون حتمية حال تصفير العداد إلى يناير من جديد حتى ولو أخذت بعض الوقت.

أما داخليا وعلى مستوى الجماعة فإن الواقع والتجربة ترجح أن الأحزاب الإسلامية التي يمكن أن ينضم لها الإخوان وغيرهم ستتجمع في ثلاثة كيانات حزبية على الأكثر ، فلن تكون الأحزاب الإسلامية فتاتا ومئات من الأحزاب كما ظن البعض، وسيضطر هؤلاء إلى التنسيق سويا وطلب دعم الجماعة الأم ليحققوا النجاح كما وحدت الأزمات حزب الوسط مع الإخوان والرئيس مرسي بدءا من أزمة الدستور وحتى كتابة هذه السطور برغم ما بينهم وبين الإخوان من خلافات عميقة وتاريخية.

وستكون الصعوبة أمام هذه الأحزاب السياسية الناشئة هو توفير التمويل بشكل مستقل وكسب الأنصار وإقناع المواطنين بالمشاركة معهم مشاركة حقيقية لا صوريا كالحادثة في حزب الحرية والعدالة، والتحدي الاستراتيجي الأهم هو قدرة هذه الأحزاب الإسلامية الناشئة على تحري الشريعة الإسلامية وتمثل الإسلام بشكل عملي لكسب تأييد أصحاب التوجه الإسلامي في المجتمع وفي القلب منهم جماعة الإخوان المسلمين، وذلك بتجاوز الشعارات وتحويلها إلى إجراءات ومشاريع تحقق مقاصد الشرع وعلاج مواطن الحرج التشريعي المتعارض مع الشريعة الإسلامية حال وصولها للسلطة، وهكذا تكون أحزابا إسلامية بحق، وهذا هو التأسيس الحقيقي لدولة ديمقراطية حقيقية حديثة مرجعيتها الإسلام.

كل هذا لن يتحقق إلا بتراجع الجماعة الشجاع عن مسارها السابق ودعم كل من سماهم البنا "لمصلحين الإسلاميين" بمنتهى القوة وبكل إمكاناتها، سواء من الإخوان (بصفتهم الشخصية) أو من غير الإخوان تنظيميا.

أما الجماعة فستكون المستفيد الأكبر حيث سترجع علاقة الجماعة بالمجتمع كما كانت دائما يدا عليا ويرفع عنها الحرج الحزبي لتنطلق في ميدان الدعوة والعمل والانتشار بدون شبهة طمع في سلطة أو جاه، ويكون حالها من الأحزاب قول " شرقي أو غربي أينما تذهبي فسوف يأتيني خراجك" والخراج هنا هو تبليغ الدعوة وانتصار المبدأ وإعلاء الشرع واستكمال طريق الجماعة وأهدافها لإقامة الدين، وستظهر الأيام الغث من السمين والصادق من المدعي" فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض" .

وأخيرا:

تبقى مسئولية اتخاذ هذا القرار والتصحيح في عنق قيادة الجماعة الحالية والتي سبق وأن تجاهلت كل التحذيرات قبل حدوث كل هذا المسلسل من الإخفاقات.

وأختم بقول الإمام البنا " اعلم. فقهك الله. أولا: أن دعوة الإخوان المسلمين دعوة عامة لا تنتسب إلى طائفة خاصة، ولا تنحاز إلى رأي عرف عند الناس بلون خاص ومستلزمات وتوابع خاصة، وهي تتوجه إلى صميم الدين ولبه، وتود أن تتوحد وجهة الأنظار والهمم حتى يكون العمل أجدى والإنتاج أعظم وأكبر، فدعوة الإخوان دعوة بيضاء نقية غير ملونة بلون، وهي مع الحق أينما كان، تحب الإجماع، وتكره الشذوذ وإن أعظم ما مني به المسلمون الفرقة والخلاف، وأساس ما انتصروا به الحب والوحدة"، هذا باختصار ما بايعنا عليه.

مرفق 1

أسئلة شائعة

ما فائدة هذه الفكرة الآن؟

اتساع الثورة وعودتها.

إذن، أين سيذهب شباب الجماعة؟

بعضهم سيشكل ويشارك بحركات سياسية (أحزاب تحت التأسيس).

والباقي سيكتفي بالبقاء في الجماعة.

هل هو انسحاب من العمل الثوري؟

لا، بل " إعادة انتشار" لإنجاح الثورة.

هل تعدد الأحزاب السياسية سيفتت الجماعة؟

لا ، بل سيقوي الجماعة ويحفظها من التقسيم (راجع صفحة 51) ، بل ويرد لها دورها السياسي والمجتمعي.

هل يعني هذا التخلي عن عودة الرئيس الشرعي المنتخب؟

قطعا لا، فالرئيس ليس ملكا للإخوان ولكنه ملك الشعب الذي انتخبه.

هل تعدد الأحزاب سيضعف ويفتت التيار الإسلامي في الانتخابات بعد نجاح الثورة؟

لا ، سينسقون مع بعضهم البعض كما تعودوا باستثناء أحزاب " الأمنجية" والجماعة ستساعد في التنسيق والتواصل بينهم بل وسيحصل ائتلاف الأحزاب الإسلامية على أغلبية أصوات المجتمع إن شاء الله.

هل هذا تنازل عن الهوية الإسلامية للثورة؟

لا، فالثورة خطوة من خطوات بناء المجتمع المسلم الذي لا ينتشر ولا يترسخ إلا في ظل مناخ الحرية والعدل.

وما الفرق؟

كل شيء كل هو، باستثناء صدور قرار داخلي داخل الجماعة بانتشار شبابها في المجتمع لتأسيس أذرع سياسية تحكم بعد نجاح الثورة( بدون سيطرة الجماعة) ، وتبقى الجماعة داخل المجتمع جماعة ضغط تحرس الذين وتدعو له وتكون بمثابة رافعة مجتمعية للأحزاب الإسلامية والحكومات الإسلامية ولكن لا تحكم بنفسها.

مرفق 2

الإخوان والعمل الحزبي

الدكتور توفيق الشاوي

في عام 1947 قدمت للإمام الشهيد حسن البنا مذكرة عنوانها: (الإخوان المسلمين حركة إسلامية وليست حزبا سياسيا) وقد وافق عليها فضيلته في ذلك الوقت وأمر بطبعها وتوزيعها على كثير من المسئولين- وأرجو أن يكون بعضهم ما زال يذكرها- وليس عندي نسخة منها الآن لأنني سافرت إلى فرنسا وتعرض منزلي لما تعرض له منازل الإخوان ودور الجماعة من هجمات تفتيشية. أرى من المناسب أن أذكر زملائي بالنقاط الأساسية في تلك المذكرة، لأنني ما زلت ملتزما بما ما ورد فيها، وراجيا أن يؤيدني في ذلك زملائي وإخواني:

ليس من مصلحة الإسلام الذي ندعو إليه ونعمل له أن توضع دعوة الإخوان في قالب حزب مهما يكن شعار هذا ) الحزب أو برنامجه لأن القوالب الحزبية تخضع للقواعد التي تفرضها القوانين وضعية غير مستقرة ومعرضة للتغيير من حين لآخر حسب اتجاهات الحكومات القائمة والدول الوطنية أو القومية الحالية، كما أنها مختلفة في كل قطر عما هي عليه في الأقطار الأخرى، في حين أن الدعوة عالمية.

إن النشاط الحزبي يمكن أن يمارسه الإخوان كأفراد من خلال الأحزاب المعترف بها في كل بلد وفي كل وقت) والتي تتعرض للاختلاف والإلغاء والتغيير... في حين أن دعوة الإخوان في نظرنا مستمرة ودائمة وعامة لا يجوز تجزئتها أو تغييرها بحسب اختلاف البلاد أو الأزمان.

الزعم بأن تشكيل حزب الإخوان يعطيها صفة قانونية (شرعية وضعية) ، هو وهم باطل، لأن ترزية القوانين الوضعية) يفرضون على الأحزاب شروطا( من حيث إجراءات التأسيس وشروط العضوية والبرنامج .. إلخ)، تجعل الصفة القانونية والنشاط القانوني للحزب مقيدا بقيود لا وجود لها في الإسلام ولا يجوز لحركة إسلامية أن تدخل في إطارها، لأنها تخالف مبدأ عموم الإسلام وشموله.

إن النشاط الحزبي في كثير من البلاد يستلزم استعمال بعض الوسائل والأساليب التي تتعارض مع نقاء المبادئ الإسلامية سواء من حيث عقد تحالفات وقتية وتكتيكية ومرحلية.. ( دون وجود نية صادقة في الاستمرار) ، أو من حيث وجوب تفادي خصومات معينة في وقت معين بقصد عدم الدخول في معارك من جهات معادية في وقت غير مناسب، بل ومن حيث الحصول على المال للإنفاق على الحملات الانتخابية أو الإعلامية.

إن الإخوان منذ نشأتهم دأبوا على التشهير بالحزبية والتحذير من مضارها سواء في حالة تعدد الأحزاب الذي يهدد وحدة الأمة، أو في حالة الحزب الواحد الذي يماس الديكتاتورية الشمولية باسم " الديمقراطية".

إن نشاء حزب إسلامي لن يتحقق الآن لأن هناك جهات أجنبية تصر على عدم دخول الإسلام في المجال السياسي.. ولكن هذا لا يعني توقف الضغط القانوني والسياسي من أجل هذا الهدف الممنوع.. لأن التسليم بهذه القيود التي يتضمنها قانون الأحزاب يعني التسليم بالفصل بين الإسلام والسياسة، كما تعني الإقرار بأن القوى الأجنبية لها حق التدخل في شؤوننا السياسية أو القانونية أو الإسلامية.

إن فكرة تأسيس حزب إسلامي فكرة جوهرية ويجب متابعة العمل بها، بشرط أن تكون باسم فريق من أعضاء الجماعة بصفتهم الشخصية لا باسم الجماعة ولا بديلا عنها. لكن يجب أن يكون واضحا عند الجميع أن الحزب المطلوب أو المطالب به ليس هو جماعة الإخوان بل سيكون حزبا له ذاتيته كغيره من الإجراءات وبالتالي لا يفرض على الإخوان الانتماء إليه ولا يمنعهم من الانتماء لغيره إن رأوا في ذلك مصلحة.

إن الإخوان الذين يشتركون كأفراد في حزب من الأحزاب القائمة يمكنهم أن يخدموا أهداف الجماعة بصورة أكبر إذا ركزوا جهودهم على فرض مبادئ معينة في برنامج الحزب الذي يساهمون فيه، مثل هدف تطبيق الشريعة، أو العدالة الاجتماعية، أو الوحدة الإسلامية، ومن حق الجماعة أن تحاسبهم على ذلك، دون تدخل في شئون الحزب أو سياسته.

إن جماعتنا هي حركة إسلامية لا يجوز للقوانين الوضعية أن تفرض عليها نظام الأحزاب أو قوانين الجمعيات لأنها دعوة إسلامية- أو حركة سياسية- وليست حزبا أو جمعية.

مرفق 3

مذكرة قدمت لمكتب الإرشاد في إبريل 2011 بنفس موضوع الدراسة (قبل إنشاء الحزب رسميا ولم تناقش ولم تعرض ولم يرد عليها).

السادة الأفاضل المرشد العام للإخوان المسلمين وأعضاء مكتب الإرشاد الموقرين..

السادة الأفاضل أعضاء مجلس الشورى العام لجماعة الإخوان المسلمين...

أيها الإخوان المسلمون الكرام...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وفتح الله عليكم وحفظكم ووفقكم لما يحبه ويرضاه،

أما بعد،

فأكتب تلك المذكرة من باب التواصي بالحق وأشكر لكم سعة صدوكم في تقبل وجهة نظر قد تكون مخالفة ولكنكم هكذا علمتمونا أننا " لا خير فينا إن لم نقلها" فلا يختلف عاقلان عن ضرورة وجود حزب يطرح المشروع الإسلامي ويتمثل أخلاق الإسلام في السياسة وينافح عن الفكرة الإسلامية ويذود عنها في وجوه العلمانيين وخدام المشروع الغربي وأعوانهم، ولكنني أشعر ويشعر معي العديد من إخواني أن إجراءات الجمعة بشأن الحزب تعد حيودا عن منهج الإمام البنا وخط الجماعة ومنهجها ، وأن ارتباط الجماعة بالحزب بالشكل الحالي يهدد هوية الجماعة وينذر بعاقبة وخيمة بأن تترسخ الصورة الذهنية عن الجماعة لدى الناس بأننا طلاب سلطة ولسنا أصحاب دعوة، ولهذا أطالب بالتالي:

1- الفصل الكامل بين الجماعة والحزب، واتخاذ كل القرارات التي من شأنها نفي صفة الحزبية عن الجماعة.
2- الإعلان أن جماعة الإخوان المسلمين تؤكد على هويتها كـ " هيئة إسلامية دعوية عالمية جامعة" وأنها فكرة ومنهج وتنظيم" فوق الأحزاب والهيئات.

ورغم أن المتحدثين الأفاضل باسم الجماعة صرحوا عدة مرات بأن الحزب سيكون مستقلا عن الجماعة فإن العلامة الفارقة التي دفعتني لكتابه هذه المذكرة كانت الإعلان بأنه من يريد المشاركة من الإخوان في أي حزب آخر فسيتم " فصله من الجماعة" أو بتعبير أكثر لطفا " نحن أولى به " ، وهذا القرار يعد علامة على تحول الجماعة عمليا إلى حزب للسباب التالية:

1- أولا يفترض هذا القرار أن حزب الحرية والعدالة هو الحزب الوحيد الذي يمثل منهج الإخوان (الفهم الوسطي للإسلام)، وهو افتراض غير صحيح ولا يعبر عن فهمنا الأصيل للإسلام فإن الحزب يتناول تفاصيل العمل السياسي بخطوات تفصيلية فرعية لا يمكن جمع الأمة عليها كما يؤكد الإمام البنا حتمية التفرق في الفروع: " ونحن مع هذا نعتقد أن الخلاف في فروع الدين أمر لابد منه" ولأن الأحزاب في السياسة كالمذاهب في الفقه فلا يمكن جمع الأمة على برنامج سياسي واحد، وإن الصحابة الكرام اتفقوا في الأصول وتفاوتت اختياراتهم في الأولويات والأساليب فمنهج وسياسات الخلفاء الراشدين مختلف في كثير من السياسات وكلهم " إسلاميون" والإخوان المسلمون يقرون بهذه الاختلافات في التفصيلات والتطبيق بل ويباهون بمرونة المنهج الإسلامي في إقرار كليات طبيعتها الثبات تحتوي على فرعيات من طبيعتها التغير والمرونة كما يؤكد على ذلك الإمام البنا : " يعتقد الإخوان المسلمون أن الإسلام كدين عام انتظم كل شؤون الحياة في كل الشعوب والأمم لكل الأعمار والأزمان، جاء أكمل وأسمى من أن يعرض لجزئيات هذه الحياة وخصوصا في الأمور الدنيوية البحتة، فهو إنما يضع القواعد الكلية في كل شأن من هذه الشئون ، ويرشد الناس إلى الطريق العملية للتطبيق عليها والسير في حدودها" وعليه فالمنهج الإسلامي الوسطي الصحيح يمكن ن يتمثل في عدة أحزاب كالمدارس الفقهية تماما.

2- ماذا سيكون الحال في حالة قيام آخرين من المواطنين المعتدلين في فهمهم للإسلام من خارج الإخوان (كم منا وليس فينا) من الأزهريين مثلا بإنشاء حزب ذو مرجعية إسلامية تتطابق مع منهج الجماعة في الكليات والتوجهات العامة. بالطبع سنشجع ذلك الحزب لأنه يعبر عن انضمام المزيد من أبناء الوطن لمنهج الإسلام الصحيح، فكيف نشجعهم ونحن سنعاقب بالفصل من يريد من أفرادنا العمل معهم.أو نفصل أعضائنا المنضمين إليه. لا أظن أننا نريد عندها أن نعلن أننا نحتكر العمل الإسلامي السياسي لجماعتنا وحسب.

3- أن من قام بالانضمام إلى الجماعة إنما ينضم إليها لإيمانه بمنهجها وبايع على أركانها ويعد خارجا عن الجماعة من تخلى عن فكر الجماعة ومنهجها، فالذي ينبغي أن يفصل من الجماعة هو الذي ينضم إلى حزب ذو مرجعية غير إسلامية ففي هذه الحالة سيفصل من الجماعة لأنه يخالف المبدأ والفكرة والمنهج وليس لأنه خالف المشروع السياسي للجماعة. هكذا نكون جماعة فكر ومنهج لا حزب وعصبية، والعكس صحيح فإذا قدمت الدعوة الفردية شخصا يحمل فكر الإخوان ويؤمن بمنهجهم ويضحي من أجل نصرته ولكنه عضو بحزب آخر ذو توجه " إسلامي صحيح " فحسب القرار سالف الذكر لن يدخل الإخوان إلا بعد أن يستقيل من الحزب الآخر حتى يصبح فردا في الجماعة. فهكذا تصبح الجماعة والحزب عمليا كيان واحد.

4- عندما أعلن الإمام الشهيد حسن البنا رفضه القاطع أن نرتبط بالأحزاب والهيئات كان لسبب أساسي وهام وهو أن الإسلام يجمع ولا يفرق وأن جماعة الإخوان هي هيئة إسلامية جامعة، ويؤكد الإمام البنا أن منهج الجماعة لن يتحقق إلا بتوحد قوى الإصلاح جميعا " أما غاية الإخوان الأساسية.. أما هدف الإخوان الأسمى.. أما الإصلاح الذي يريده الإخوان ويهيئون له أنفسهم.. فهو إصلاح شامل كامل تتعاون عليه قوى الأمة جميعا وتتجه نحو الأمة جميعا ويتناول كل الأوضاع القائمة بالتغيير والتبديل " فإن الإخوان كجماعة وحزب هي الأمل في تجمع قوى الأمة على منهج الإسلام: " وحين أخذ الإخوان يعملون لتحقيق هذا البرامج الواسع لم يخطر ببالهم أنهم حزب سياسي، أو أنهم يسلكون سبل الأحزاب السياسي إلى تحقيق هذه الأهداف، كما لم يخطر ببالهم أن يناوئوا حزبا أو يخاصموه أو يحتكوا به لأنهم يرون في دعوتهم متسعا للجميع، ويرونها أكبر من أن تقف موقف الخصومة الحزبية من أحد. وحين بدا لهم أن يخوضوا معركة الانتخابات البرلمانية لم يريدوا أن يكون ذلك باسم الهيئة، بل أصدرت الهيئة قرارا بالإذن لمن شاء من الإخوان أن يرشح نفسه بذلك على أن يكون بصفته الشخصية لا بصفته الإخوانية، حرصا على ألا تقحم الهيئة بصفتها العامة في خصومة الأحزاب السياسية" . فهكذا يقدم الإمام البنا الإخوان بأنهم " أسبق الناس في ترديد الدعوة إلى الوحدة وضم الجهود" وأنهم: " وطنيين فقط، لا سياسيين ، و لا حزبيين". وفي حالة أن أصبحنا وحزب الحرية والعدالة عمليا كيانا واحدا، فمن سيدعو باقي الأحزاب لتتوافق مع المنهج الإسلامي كما يقول الإمام البنا: " نهيب بالكبراء والأعيان والهيئات والأحزاب أن ينضموا إلينا، وأن يسلكوا سبيلنا وأن يعملوا معنا" ، كيف سندعوهم ونحن ننافسهم على السلطة؟ وإذا دعونا هذا الحزب الآخر واستجاب وغير برنامجه ليتوافق مع المنهج الإسلامي، فماذا سيكون موقفنا منه؟ هل سنطلب منه أن يحل نفسه ويقف وراءنا لأننا الحزب الوحيد الذي يمثل المرجعية الإسلامية أم سنرحب بتصحيح توجهه؟ وإذا رحبنا فكيف نرحب بتوجهه الإسلامي ونفصل أعضاءنا المنضمين إليه؟ أو نشترط الاستقالة منه للعمل معنا.

5- أليس التهديد بالفصل إهانة للإخوان . بل وإهانة للحزب. وإعلاء للأحزاب الأخرى التي بهذه الطريقة نصور للفضاء ا لعام وكأننا نمنع الإخوان عنها باستخدام أقسى الإجراءات وكأنهم يتمنون الانضمام لهذه الأحزاب؟ هل هذه هي قيمتنا وقيمة الحزب الذي ينشئه أفرادنا؟ أليس الأنسب أن ندعوهم للمشركة في الحزب بدلا من هذا الإلزام والمنع والتهديد بالفصل؟ أليس أنسب طريقة لاحتواء زائدي الحماسة أن يجربوا بأنفسهم فيذوقوا الفرق بين الحق وغيره (ما داموا لا يخالفون المنهج ). وكم عدد الشباب والرجال المتوقع انضمامهم إلى أحزاب أخرى ؟ أقل اقل القليل.اتركوهم فلا خير فيهم إن تركوا مبادئهم من أجل صراع انتخابي أو عرض زائل.

إن مرحلة المجتمع لم يتح لها فرصة حقيقية مثل الحادثة الآن بعد الثورة. إن الإخوان القريبون من المجتمع يعلمون أن أغلب المجتمع ينظر لنا بنظرة يخالطها بعض التوجس والشك بالرغم من إعجابه بتضحياتنا السابقة، كما أننا نعلم علم اليقين أن المجتمع غير مؤهل بعد لتقبل المنهج الإسلامي ودفع ثمن التمسك به كما أكد الإمام البنا عندما قال " وعلى هذا فالإخوان المسلمون أعقل وأحزم من أن يتقدموا لمهمة الحكم ونفوس الأمة على هذا الحال، فلابد من فترة تنتشر فيها مبادئ الإخوان وتسود، ويتعلم فيها الشعب كيف يؤثر المصلحة العامة على المصلحة الخاصة" ، كيف إذن ستنتشر مبادئ الإخوان وتسود ومتى سيتعلم الشعب كيف يؤثر المصلحة الخاصة إلا بتقديم نموذج عملي يتمثل قيم الإسلام ويبني رصيد مصداقية في نفوس الناس بالقدوة والتضحية والترفع الواضح عن تحقيق أي مغنم أو سلطة:" أن دعوة الإخوان المسلمين دعوة بريئة نزيهة، قد تسامت في نزاهتها حتى جاوزت المطامع الشخصية، واحتقرت المنافع المادية، وخلفت راءها الأهواء والأغراض " ولن تتحقق هذه المصداقية بمشاركة في حكومة أو تمثيل في برلمان بقدر ما تحققه هذه النزاهة والترفع عن المغانم والتقدم وقت التضحيات.

إننا كجماعة نواجه مشكلات خطيرة من ضعف الوارد وضعف المستوى التربوي والفكري وضعف العمل في المدن ومع النخبة وذهاب الريادة منا في العمل المسجدي وضعف الانتشار المجتمعي المؤسسي، وقلة الرموز والقيادات السياسية المجتمعية والكفاءات الإعلامية وهذه المشكلات لن تحل إلا بالحركة الطبيعية داخل المجتمع التي تعيد لنا الخصوبة والانتشار، فكيف سنتحرك كدعاة وعلينا " وصمة" أن حركتنا الدعوية هذه إنما لنأخذ أصوات الناس في الانتخابات . هذه هي أزمة الهوية التي أتحدث عنها. ارفعوا عنا الحرج السياسي لننطلق في المجال الدعوي، دعوا الحزب ينطلق وكلكم ثقة أنه لن يذهب بعيدا، لتكن دائما مع المجتمع اليد العليا بالعطاء لا بالطلب، لتقترب أكثر من المجتمع لكي لا لنعطي الفرصة للقوى السياسية الأخرى التي لن تتردد في الاتفاق ضدنا والمؤمن لا يلدغ من الجحر مرتين. لنعلن هذه الرسالة : أن جماعة الإخوان المسلمين تؤكد على تبنيها للمنهج الإسلامي الوسطي في كافة مناحي الحياة ودعمها وتشجيعها لكافة أبناء الوطن من خارج الجماعة وداخلها في تبني قيم الإسلام ومنهجه وتشد على أيديهم وتقف بجانبهم، وفي الشأن السياسي الحزبي فإنها تدعم حزب الحرية والعدالة والذي قام بتأسيسه نفر من رجالاتها الراغبين في الممارسة السياسية ودعوهم وتدعو معهم كافة الأحزاب بالالتزام بمنهج الإسلام الوطني والوفاء لقيمه وتمثل مبادئه وأخلاقه داخل أروقة الحية السياسية، وتعلم أن الفهم الصحيح للإسلام والعمل له هو الجامع لأفراد الإخوان سواء المشاركين في حزب العدالة والحرية أو في أي حزب ذو مرجعية إسلامية صحيحة.

وختاما إن كانت هذه المراجعة صحيح وأخذنا بها فأرجوا الله أن يوفقنا للخير والسداد، وإن لم تكن فأرجو الله أن يخيب ظني وأن يلهمنا الرشد وأن يكتب لدعوتنا التوفيق والسداد وفي حالة استمرار الوضع كما هو فمن الضروري أن نتفق على ثلاثة إنذارات إن ظهرت فيجب التوقف والمراجعة وتحمل مسئولية القرار وتبعاته: العلامة الأولى: أن يفشل مرشحي الإخوان في الحصول على الأصوات فقط لأنهم يرفعون هوية الإخوان، والعلامة الثانية: أن نجد إعراضا وعزوفا من النخبة من المهتمين بالشأن العام في الدخول والمشاركة في حزب الإخوان، وأن تكون حركة الحزب حركة روتينية بطيئة متثاقلة، والعلامة الثالثة: أن تجد اتساع الحركات الاحتجاجية وشبه الانشقاقية من شباب الإخوان على المستويات المختلفة.

إن ظهرت مثل هذه العلامات فأنتظر منكم التداعي الفوري لإنقاذ ما يمكن إنقاذه والتسديد والمقاربة حتى نعبر بدعوتنا ونؤدي أمانتنا وأعتذر لحدة بعض العبارات ولكنه اعتصار الألم من جرح قد لا تداويه الأيام، والله الموفق.

(الفقير إلى الله كاتب هذا الكتاب، في إبريل 2011 قبل إنشاء الحزب رسميا)